← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

يحل ما روي صحيحاً أو سقيماً أن نقول به. وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم. والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه، متصلاً إلى المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه وهذا الخبر الذي رويته ورواه إبراهيم بن مهاجر ابن مسمار - يعني: وهو متروك الحديث ضعيف عند أهل العلم، وليس مثل هذا مما تقوم به حجة. فقال لي: فأي شيء معك في أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله وإن شئت من سنة رسول الله ﷺ ، وإن شئت من قول صحابته ﵃. فقال لي منكراً لقولي في الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم. قرأت على أبي عيسى إلى أن ذكر الحديث: «من حوسب دخل الجنة». يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ (١) ويقول للآخرين يعني الكفار: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ (٢) ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ (٣). فقال لي: قد سمعت هذا الحديث من أبي علي الصواف، فساق سنده إلى عائشة بمثل معناه يعني «من حوسب دخل الجنة» فقال لي: هو المسلم المجرم. فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ، لأن الله يقول:

стр. 2452

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (١). قال أبو إسحاق: وكان عندنا أن أبا سليمان يقول: إن الكافر والمؤمن يحاسبان. فعلى قوله: إن المؤمن لا يحاسب وإن الكافر يحاسب. وهذه عصبية للكافر، خرج بها عن جملة أهل العلم. قلت له: أنت تتكلم على المسلمين فتحشو أسماعهم بكلام الكلبي الكذاب فيما يخبر عن مراد الله تعالى عن الأمم الخالية، التي لم يشاهدها، ولا يكون عندك هذيان. ثم تجيء إلى مثل حديث إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله -حديث الخبر- فتقول هذا هذيان. وهذا قول من تقلده خرج عندي من الدين وسلك غير طريق المسلمين. وهذا ما جرى بيننا إلا ما أخللت به فلم أتيقن حفظه، والله سبحانه الموفق لإدراك الصواب. (٢) التعليق: من قرأ هذه المناظرة المباركة علم قوة السلفيين، وحفظهم لميراث الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وعلم خبث المبتدعة وضعفهم العلمي وتلاعبهم بدين الله على حسب أهوائهم. وعلم ما علق به المبتدع المسمى عبد الله بن الصديق على كتاب التمهيد لابن عبد البر الجزء السابع على حديث أبي هريرة ﵁ في النزول «ينزل ربنا ... » الحديث (٣) الذي نجسه بتعاليقه الباردة الممقوتة، ينقل أقوال المبتدعة في أحاديث الصفات،

стр. 2453

ويجتر ما قاله المبتدعة قبله. وهذه المناظرة تكفي في الرد عليه وعلى أمثاله ممن يريدون إحياء مذهب ابن صفوان الترمذي بين المسلمين، والله المستعان. ويكفي المسلمين شره وشر أمثاله من المبتدعة. بشر بن أحمد الإِسْفَرَاييني (١) (٣٧٠ هـ) بشر بن أحمد بن بشر بن محمود الإسفراييني أبو سهل الإمام المحدث الثقة الجوال مسند وقته وأحد الموصوفين بالشهامة والشجاعة. سمع إبراهيم ابن علي الذهلي ومحمد بن محمد بن رجاء وأحمد بن سهل وغيرهم. وعمر وأملى مدة حدث عنه الحاكم والعلاء بن محمد ومحمد بن حميم الفقيه وغيرهم. توفي في شوال سنة سبعين وثلاثمائة. وقد عاش نيفاً وتسعين سنة. موقفه من الجهمية: جاء في ذم الكلام: عن الأشعث قال: قال رجل لبشر بن أحمد الإسفرايني: إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين. فغضب. وسمعته قال: أو كان السلف من علمائنا كفاراً. (٢)

стр. 2454

موقف السلف من أبي بكر الرازي المعتزلي (٣٧٠ ه ـ) بيان اعتزاله: جاء في السير: وقيل كان ميله إلى الاعتزال في مصنفاته: وقيل كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها، نسأل الله السلامة. (١) الإسماعيلي (٢) (٣٧١ هـ) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر، الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام الإسماعيلي، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين. وكتب الحديث بخطه وهو صبي مميز. روى عن إبراهيم بن زهير الحلواني، وحمزة بن محمد الكاتب، ويوسف بن يعقوب القاضي، وعدة. حدث عنه الحاكم، وأبو بكر البرقاني، وحمزة السهمي، وخلق سواهم. وصنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث، فهو الحبر الإمام الجامع. قال الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، ولا خلاف بين العلماء من الفريقين وعقلائهم في أبي بكر. وكان مقدما في جميع المجالس. كان إذا حضر مجلساً لا يقرأ غيره لجودة قراءته.

стр. 2455

مات في غرة رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في كتاب اعتقاد أئمة الحديث (١): ويرون مجانبة البدعة والآثام، والفخر، والتكبر، والعجب، والخيانة، والدغل، والسعاية، ويرون كف الأذى وترك الغيبة إلا لمن أظهر بدعة وهوى يدعو إليها، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم. موقفه من الجهمية: له من الآثار السلفية: 'اعتقاد أئمة الحديث': ذكر الذهبي أوله في السير: أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن الفراء أخبرنا الشيخ موفق الدين عبد الله، أخبرنا مسعود بن عبد الواحد، أخبرنا صاعد بن سيار، أخبرنا علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا حمزة بن يوسف أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي قال: اعلموا -رحمكم الله- أن مذاهب أهل الحديث: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ لا معدل عن ذلك. ويعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه. خلق آدم بيده ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف. واستوى على العرش بلا كيف. وذكر سائر الاعتقاد. (٢)

стр. 2456

موقفه من المرجئة: - قال في اعتقاد أئمة الحديث: ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، من كثرت طاعته أزيد إيمان ممن هو دونه في الطاعة. (١) - وقال أيضاً: وقال كثير من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموماً إلى الآخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعاً مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر وإن ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمّهم. وكثير منهم قالوا: الإسلام والإيمان واحد. قال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢). فلو أن الإيمان غيرُه لم يُقبل، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (٣)، ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختصّ بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به، كما قال: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤)، وقال:

стр. 2457

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (١). وهذا أيضاً دليل لمن قال هما واحد. (٢) موقفه من القدرية: قال ﵀ -وهو يقرر عقيدة أهل الحديث-: ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: (وما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣). ويقولون لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله ولا أن يبدل علم الله فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو والقادر لا يغلب. (٤) وقال: ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله ، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله ، ولا عذر كما قاله الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥) وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ

стр. 2458

تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٢) وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣)، ومعنى: ﴿نبرأها﴾ أي نخلقها وبلا خلاف في اللغة، وقال مخبراً عن أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٤) وقال: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٦). ويقولون إن الخير والشر والحلو والمر، بقضاء من الله ، أمضاه وقدره لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في كل وقت. (٧)

стр. 2459

يونس بن سليمان السقاء (١) (٣٧١ هـ) يونس بن سليمان السقاء القيرواني. كان لسان أهل السنة في الرد على المخالفين من أهل البدع، فصيح اللسان حلو المناظرة. توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في معالم الإيمان: كان لسان أهل السنة في الرد على المخالفين من أهل البدع، فصيح اللسان حلو المناظرة. (٢) عبد الله بن إسحاق بن التَبَّان (٣) (٣٧١ هـ) عبد الله بن إسحاق بن التبان، أبو محمد القيرواني المالكي. ولد سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. كان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل السنة. وكان من أشد الناس عداوة لبني عبيد. وله مناظرات معهم ومع غيرهم من المبتدعة، ذكر بعضها صاحب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان. توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.

стр. 2460

موقفه من المبتدعة: ذكر أبو محمد بالمنستير (١) كراهة مالك بن أنس الاجتماع على قراءة القرآن وأن ذلك بدعة، فقال له رجل: كيف تقول إن قراءة القرآن بدعة؟ فقال: لم أقل هذا، فخرج الرجل وصاح: إن ابن التبان قال إن قراءة القرآن بدعة، فزحف الناس من كل جهة منكرين هذا وأتوا حجرته، فبين لهم فمنهم من فهم ومنهم من لم يفهم، ثم حول أبو محمد وجهه للذي شنع عليه وقال له: أفجعت قلبي أفجع الله قلبك أفجعك الله بنفسك وولدك ومالك، فأجيبت دعوة الشيخ فيه. قال أبو زيد الدباغ: وفي دعائه بأن يفجعه في نفسه وولده نظر لأنه -أي الابن- لم يظلمه وإنما يدعى على الظالم وحده. (٢) أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي الصوفي (٣٧١ ه ـ) بيان تصوفه: ساير الصوفية في مجاهداتهم ورياضاتهم غير الشرعية وضيق على نفسه بشدة الجوع والعطش، وهذا غلو وإفراط في التعبد ما أنزل الله به من سلطان ومع ذلك فقد رد على المتصوفة لعزوفهم عن العلم والتعلم. جاء في السير: قال ابن باكويه: نظر أبو عبد الله بن خفيف يوماً إلى ابن مكتوم وجماعة يكتبون شيئاً، فقال: ما هذا؟ قالوا: نكتب كذا وكذا،

стр. 2461

قال: اشتغلوا بتعلم شيء، ولا يغرنكم كلام الصوفية، فإني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعي، والورق في حجزة سراويلي، وأذهب في الخفية إلى أهل العلم، فإذا علموا به خاصموني، وقالوا: لا يفلح، ثم احتاجوا إلي. (١) موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية: معتقده: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه 'اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات' قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولاً واحداً وشرعاً ظاهراً، وهم الذين نقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: «عليكم بسنتي» (٢) وذكر الحديث. وحديث «لعن الله من أحدث حدثاً» (٣) قال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف -وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف منهم لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف- فاستقر صحة

стр. 2462

ذلك عند خاصتهم وعامتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرناً بعد قرن، لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة. ثم إني قائل -وبالله أقول- إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين، من الصحابة والتابعين، فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به، على مخالفة السنة والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس، فتأولوا على ما وافق هواهم وصححوا بذلك مذهبهم احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين، ومأخذ المؤمنين، ومنهاج الأولين، خوفاً من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله ﷺ أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم. ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القدر وغضبه (١)، وحديث «لا ألفين أحدكم» (٢) وحديث «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٣) فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه، ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة

стр. 2463

التابعين لهم بإحسان، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة، فيتصل ذلك قرناً بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة. إلى أن قال: فأول ما نبتدئ له ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر أسماء الله في كتابه، وما بين ﷺ من صفاته في سنته، وما وصف به مما سنذكر قول القائلين بذلك، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له -إلى أن قال-: ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق، بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأكد ﵇ بقوله فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله. إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل. فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (١) وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٢) ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ﵇ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٣)، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٤) وأكد ﵇ صحة إثبات ذلك في سنته فقال:

стр. 2464

يقول الله : «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» (١) وقال: «كتب كتاباً بيده على نفسه: إن رحمتي غلبت غضبي» (٢) وقال: «سبحان الله رضى نفسه» (٣) وقال في محاجة آدم لموسى: «أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه» (٤) فقد صرح بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفساً، وأثبت له الرسول ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنياً على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵇، بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به رسول الله ﷺ ، وإن مما قضى الله علينا في كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك أن قال: ﴿* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ وبذلك دعاه ﷺ : «أنت نور السموات والأرض» (٧) ثم ذكر حديث أبي موسى:

стр. 2465

«حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (١) وقال: سبحات وجهه جلاله ونوره، نقله عن الخليل وأبي عبيد، وقال: قال عبد الله بن مسعود: نور السموات نور وجهه. ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) والحديث: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (٣) قال: ومما تعرف الله إلى عباده؛ أن وصف نفسه أن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام، فأثبت لنفسه وجهاً -وذكر الآيات. ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال: في الحديث من أوصاف الله لا ينام، موافق لظاهر الكتاب: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٤) وأن له وجهاً موصوفاً بالأنوار، وأن له بصراً كما علمنا في كتابه

стр. 2466

أنه سميع بصير. ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك. ثم قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين، أن قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت. ثم ذكر حديث: «يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله» وهي رواية البخاري وفي رواية أخرى يضع عليها قدمه (١). ثم رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله (٢)، وذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك وبعضهم يقول: موضع قدميه، وبعضهم يقول واضع رجليه عليه. ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي ﷺ متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة

стр. 2467

مدونة في كتبهم، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم، ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود مرضاهم، ولا نشيع جنائزهم، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس، وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. ثم ذكر المأثور عن ابن عباس، وجوابه لنجدة الحروري، ثم حديث "الصورة" وذكر أنه صنف فيه كتاباً مفرداً، واختلاف الناس في تأويله. ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة -إن شاء الله. ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها، وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم "الصديق" وأنه أفضل الأمة. ثم قال: وكان الاختلاف في "خلق الأفعال" هل هي مقدرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة، وذكر إثبات القدر. ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر ومسألة الأسماء والأحكام وقال: قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق وأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم. وقال: أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد، فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال، وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه. وقال: قولنا أنه يزيد وينقص. قال: ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقاً وغير مخلوق، فقولنا وقول أئمتنا إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة الله منه بدأ قولاً وإليه يعود حكماً، ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة وذكر الحجة.

стр. 2468

ثم قال: اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة وقد بدأت أن أذكر حكام الجمل من العقود. فنقول ونعتقد أن الله له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سمواته بكل أسمائه وصفاته، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٢) ولا نقول إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه لأنه عالم بما يجري على عباده ثم يعرج إليه. إلى أن قال: ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء، لا للفناء. إلى أن قال: ونعتقد أن النبي ﷺ عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى (٣). إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: «هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار» ونعتقد أن للرسول ﷺ "حوضاً" ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع وذكر الصراط والميزان والموت وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه. إلى أن قال: ومما نعتقده أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يده فيقول: «ألا هل من سائل» الحديث (٤)، وليلة النصف من شعبان (٥)، وعشية عرفة (٦)، وذكر الحديث في ذلك. قال: ونعتقد أن الله

стр. 2469

تعالى كلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأن الخلة غير الفقر، لا كما قال أهل البدع. ونعتقد أن الله تعالى خص محمداً ﷺ بالرؤية. واتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١) الآية. ونعتقد المسح على الخفين، ثلاثاً للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم، ونعتقد الصبر على السلطان من قريش، ما كان من جور أو عدل، ما أقام الصلاة من الجمع والأعياد. والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة. والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب، إذا لم يكن عذر أو مانع، والتراويح سنة، ونشهد أن من ترك الصلاة عمداً فهو كافر، والشهادة والبراءة بدعة، والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً حتى يكون الله ينزلهم، والمراء والجدال في الدين بدعة. ونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ أمرهم إلى الله، ونترحم على عائشة ونترضى عنها، والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، والقول في الإيمان مخلوق، أو غير مخلوق بدعة وأن مما نعتقده: أن الله لا يحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه مستوٍ على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق -حيث ما تلي ودرس وحفظ- ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً واتخذ نبينا محمداً ﷺ خليلاً وحبيباً، والخلة لهما منه، على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة.

стр. 2470

إلى أن قال: والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائزة عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف، قد انتفى عنها التشبيه، فالإيمان بها واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط. (١) موقف السلف من عضد الدولة الشيعي (٣٧٢ ه ـ) بيان رفضه: جاء في السير: نقل أنه لما احتضر ما انطلق لسانه إلا بقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ (٢). ومات بعلة الصرع، وكان شيعياً جلداً أظهر بالنجف قبراً زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال، وأنشأ ببغداد البيمارستان العضدي وهو كامل في معناه، لكنه تلاشى الآن. (٣) أبو سعيد بن أخي هشام الربعي (٤) (٣٧٣ هـ) أبو سعيد خلف بن عمر بن أخي هشام الربعي وقيل: عثمان بن عمر

стр. 2471

المعروف بابن أخي هشام الربعي، الحناط الفقيه، قرأ على أحمد بن نصر وأبي بكر بن اللباد وأبي القاسم الطرزي، وغيرهم. كان إمام الزمان وواحد الفقهاء في عصره وأعلمهم بمذاهب أهل المدينة ما اختلف فيه وما اتفق عليه. وشيخ المالكية بإفريقية. وكان يجتمع مع أبي الأزهر بن مغيث وأبي محمد بن أبي زيد ويتناظرون. توفي يوم الجمعة السابع من صفر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. موقفه من الرافضة: جاء في معالم الإيمان: قال أحمد بن القاضي النعمان: يا أبا سعيد لم تقولون: إن من قذف عائشة يقتل؟ وإنما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) وجلد رسول الله ﷺ تسليماً أهل الإفك ثمانين جلدة، فلم لم تأخذوا بالقرآن، ولا بما فعل النبي ﷺ تسليماً؟ فقال أبو سعيد: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٣) فجلد من قذفها قبل البراءة بالقرآن، وبعد القرآن من قذفها فقد رد القرآن، ومن رد حرفاً من القرآن فقد وجب قتله بإجماع. (٤)

стр. 2472

أبو عثمان المغربي الصوفي (٣٧٣ ه ـ) موقفه من الصوفية: هذا الرجل صوفي وله كلمة جيدة في الرد على الصوفية، والقول فيه ما قلنا في الجنيد قبله فلينظر. جاء في السير عنه قال: علوم الدقائق علوم الشياطين، وأسلم الطرق من الاغترار لزوم الشريعة. (١) محمد المَلَطِي (٢) (٣٧٧ هـ) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطي المقرئ الفقيه نزيل عسقلان. قال الداني: أخذ القراءة عرضاً عن أبي بكر بن مجاهد وأبي بكر بن الأنباري وجماعة مشهورة بالثقة والإتقان، وسمعت إسماعيل بن رجاء يقول: كان أبو الحسين كثير العلم كثير التصنيف في الفقه جيد الشعر. وله قصيدة في وصف القراءة. وقد حدث عن عدي بن عبد الباقي وخيثمة الأطرابلسي وأحمد بن مسعود الوزان. روى عنه إسماعيل بن رجاء وعمر بن أحمد الواسطي وداود بن مصحح وآخرون. توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة:

стр. 2473

له من الآثار السلفية: 'التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع'. وقد طبع الكتاب بحمد الله، وزينه بالنقل عن أئمة السلف كخشيش بن أصرم النسائي، وقد أغضب حامل راية الجهمية في الوقت الحاضر فدنسه بتعاليقه المسمومة على عادته في كل كتاب ينجسه. موقفه من المشركين: قال ﵀: فافترقت الزنادقة على خمس فرق، وافترقت منها فرقة على ست فرق، فمنهم: المعطلة: الذين يزعمون أن الأشياء كائنة من غير تكوين، وأنه ليس لها مكون ولا مدير، وأن هذا الخلق بمنزلة النبات في الفيافي والقفار، يموت سنة شيء ويحيى سنة شيء وينبت شيء، وأنها تغلب عليها الطبائع الأربعة في أبدانها فإذا غلبت إحداهن قتلته لأنه يموت الصغير ويحيى الكبير، وإن أباه خلقه، وخلق الأب أبوه لا يعرفون آدم، وإن آدم له آباء، تعالى الله عما يقولون. ومنهم المانوية: يزعمون أن إلهين وخالقين، خالق للخير والنور والضياء وخالق للشر والظلمة والبلاء، نزهوا الله وزعموا أنه لم يخلق الظلمة والبلاء، والهوام والسباع، فجعلوا معه لما نزهوه شريكاً خلق هذه الأشياء، وزعموا أن الله تعالى خلق الروح الجاري في الجسد، فقالوا: ألا ترى الروح إذا فارق الجسد أنتن، وأن الخالق الآخر عندهم خلق الجسد والله لا يخلق نتناً ولا قذراً، فجعلوا للخلق كلهم خالقين تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً، وإنما

стр. 2474

سموا مانية لأن رجلاً كان يقال له ماني، زعموا أنه نبيهم، وكان في زمن الأكاسرة فقتله بعضهم. وقد قال الله في كتابه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ (١)، فهذان شاهدان. ومنهم المزدكية: وهم صنف من الزنادقة وذلك أنهم زعموا أن الدنيا خلقها الله خلقاً واحداً وخلق لها خلقاً واحداً وهو آدم جعلها له يأكل من طعامها ويشرب من شرابها، ويتلذذ بلذائذها، وينكح نساءها، فلما مات آدم جعلها ميراثاً بين ولده بالسوية، ليس لأحد فضل في مال ولا أهل، فمن قدر على ما في أيدي الناس وتناول نساءهم بسرقة، أوخيانة، أو مكر، أو خلابة، أو بمعنى من المعاني فهو له مباح سائغ وفضول ما في أيدي ذوي الفضل محرم عليهم حتى يصير بالسوية بين العباد سواء، وإنما سموا مزدكية لأنه ظهر في زمن الأكاسرة رجل يقال له 'مزدك' فقال هذه المقالة. كذب أعداء الله، والله يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ (٢) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 2475

الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (١). ومنهم العبدكية: زعموا أن الدنيا كلها حرام محرم لا يحل الأخذ منها إلا القوت، من حين ذهب أئمة العدل، ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل وإلا فهي حرام، ومعاملة أهلها حرام، فحل لك أن تأخذ القوت من الحرام من حيث كان، وإنما سموا العبدكية لأن 'عبدك' وضع لهم هذا ودعاهم إليه وأمرهم بتصديقه. كذب أعداء الله، قال الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وما أحل الله القوت إلا للمضطرين، ولم تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، كذا رواه عبد الله بن عمرو، وقال رسول الله: «لغني ولا لذي مرة سوي» (٣).اهـ (٤) موقفه من الرافضة: - قال ﵀ في كتابه التنبيه: واعلم أن هؤلاء الفرق من الإمامية

стр. 2476

الذين ذكرناهم ونذكرهم أيضاً؛ كفار غالية، قد خرجوا من التوحيد والإسلام، وسأذكر الحجة عليهم في الحجاج على أصناف الملحدين. (١) - وقال: وما قصد هشام -أي ابن الحكم الرافضي- بقوله في الإمامة قصد التشيع ولا محبة أهل البيت، ولكن طلب بذلك هدَّ أركان الإسلام، والتوحيد، والنبوة، فأراد هدمه، وانتحل في التوحيد التشبيه، فهدم ركن التوحيد، وساوى بين الخالق والمخلوق، ثم انتحل محبة أهل البيت ونشر عنهم وطعن على الكتاب والسنة، وكفر الأمة التي هي حجة الله على خلقه بعد وفاة رسول الله ﷺ فكفرهم ونسب إليهم الردة والنفاق، فعمل على هدم الإسلام العمل الذي لم يقدم عليه أحد من أعداء الإسلام، فالله يحكم فيه يوم القيامة بسوء كيده. فزعم هشام لعنه الله أن النبي ﵊ نص على إمامة علي في حياته بقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (٢) وبقوله لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (٣)، وبقوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (٤)، وبقوله لعلي: «تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» (٥)، وأنه وصي رسول الله ﷺ وخليفته في ذريته وهو خليفة الله في أمته،

стр. 2477

وأنه أفضل الأمة وأعلمهم، وأنه لا يجوز عليه السهو ولا الغفلة، ولا الجهل، ولا العجز، وأنه معصوم وأن الله نصبه للخلق إماما لكي لا يهملهم، وأن المنصوص على إمامته كالمنصوص على القبلة وسائر الفرائض، وأن الأمة بأسرها من الطبقة الأولى بايعوا أبا بكر الصديق ﵁ فكفروا وارتدوا، وزاغوا عن الدين وأن القرآن نسخ وصعد به إلى السماء لردتهم، وأن السنة لا تثبت بنقلهم إذ هم كفار، وأن القرآن الذي في أيدي الناس قد انتقل ووضع أيام عثمان، وأحرق المصاحف التي كانت قبل. وأن الأمة قد داهنت، وغيرت، وبدلت، ونافقت، لأحقاد كانت لعلي فيهم من قتله آباءهم وعشيرتهم مع النبي ﷺ في غزواته. وأن أبا بكر الصديق ﵁، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير وعائشة ﵃ أجمعين عندهم من شر الأمة وأكفرها يلعنونهم ويتبرءون منهم، وأنه ما بقي مع علي على الإسلام إلا أربعة: سلمان، وعمار، وأبو ذر، والمقداد بن الأسود، وأن أبا بكر مر بفاطمة ﵉ فرفس في بطنها فأسقطت وكان سبب علتها وموتها، وأنه غصبها فدك، فذكر أشياء كثيرة مما كاد بها الإسلام من المخاريق، والأباطيل والزور، التي لا تجوز عند العلماء، ولا تخفى إلا على أهل العمى والغباء. (١) - وقال ﵀ أيضاً: والفرقة الثالثة عشرة من الإمامية: هم الإسماعيلية، يتبرؤون ويتولون، ويقولون بكفر من خالف علياً، ويقولون

стр. 2478

بإمامة الاثني عشر، ويصلون الخمس، ويظهرون التنسك والتأله، والتهجد، والورع. ولهم سجادات وصفرة في الوجوه وعمش في أعينهم من طول البكاء والتأوه على المقتول بكربلاء: الحسين بن علي ورهطه ﵃، ويدفعون زكاتهم وصدقاتهم إلى أئمتهم، ويتحنئون بالحناء، ويلبسون خواتيمهم في أيمانهم، ويشمرون قمصهم وأرديتهم كما تصنع اليهود، ويتحذون بالنعال الصفر، وينوحون على الحسين ﵇، واعتقادهم العدل، والتوحيد، والوعيد، وإحباط الحسنات مع السيئات. ويكبرون على جنائزهم خمساً، ويأمرون بزيارة قبور السادة. والفرقة الرابعة عشرة من الإمامية: هم أهل قم: قولهم قريب من قول الإسماعيلية غير أنهم يقولون بالجبر والتشبيه يجمعون بين الظهر والعصر في أول الزوال، وبين المغرب والعشاء في جوف الليل آخر وقت المغرب عندهم، ويصلون صلاة الفجر بين طلوع الفجر الأول الذي يسمى ذنب السرحان، ويمسحون في الوضوء بالماء على ظهور أقدامهم وأسفلها، ولهم طعن على السلف، وشتم عظيم حتى يبلغ الواحد منهم أن يأخذ شيئاً أو مثالاً يحشوه تبناً أو صوفاً يسميه أبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃، ويضربه بالعصى حتى يهريه ليشفي بذلك ما في قلبه في الغل للذين آمنوا، مع أشياء يقبح ذكرها من مذاهبهم، مذاهب السفلة العمي إخوة القردة، بل إخوة القردة أفضل منهم. (١) موقفه من الجهمية:

стр. 2479

- قال ﵀: وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله في كتابه، ووصف نفسه في كتابه قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)، ثم أخبر عن خلقه فقال : ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ (٢). فهذه صفة من صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولا بصره كأبصارهم. وقال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ (٣) وقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ (٤) وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (٦)، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ (٧)، وقال: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (٨) وقال: ﴿كَيْ

стр. 2480

نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ (١)، وقال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ (٢)، وقال: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤)، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٦)، وقال: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٨)، وقال: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٩)، ثم قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (١٠) فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١). وإنما أوجب الله على المؤمنين اتباع كتابه وسنة رسوله. (١٢)

стр. 2481

- وقال ﵀ عن المعتزلة: والطائفة السادسة من مخالفي أهل القبلة هم المعتزلة وهم أرباب الكلام، وأصحاب الجدل، والتمييز، والنظر، والاستنباط، والحجج على من خالفهم وأنواع الكلام، والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل، والمنصفون في مناظرة الخصوم، وهم عشرون فرقة، يجتمعون على أصل واحد لا يفارقونه، وعليه يتولون، وبه يتعادون، وإنما اختلفوا في الفروع. (١) - وقال: واعلم أن للمعتزلة من الكلام ما لا أستجيز ذكره لأنهم قد خرجوا عن أصول الإسلام إلى فروع الكفر. (٢) - وقال: وكيف تدبرت قولهم عرفت جهلهم ووسواسهم، وهوسهم، لأنهم يختلفون في الأجساد والأرواح من الخلق كلهم، إنسهم وجانهم، ولا يدعون ذكر بهيمة، ولا طائر، ولا شيء خلقه الله إلا تكلموا عليه، ووضعوا قياساً، ثم عدلوا عن ذلك كله، فلم يرضوا به، وهم لا يعلمون، فقالت طائفة: بظاهر التنزيل، ورد المتشابه إلى المحكم والترك وهم أهل العراق وبينهم في ذلك خلاف ومنازعات وأشياء تخرج إلى الكفر والتعطيل والتخليط. (٣) موقفه من الخوارج: - قال ﵀ في كتابه التنبيه: فأما الفرقة الأولى من الخوارج: فهم المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس على غفلة

стр. 2482

فينادون: لا حكم إلا لله، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا، وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يقتل، فكان الناس منهم على وجل وفتنة، ولم يبق منهم اليوم أحد على وجه الأرض بحمد الله. فمتى تعرضت هذه الفرقة من الشراة يقال لهم: أخبرونا عن قولكم: "لا حكم إلا لله" ماذا تريدون؟ فإنهم يقولون: لا تحكيم في دين الله لأحد من الناس إلا لله، وهم لا يحكمون بينهم حكماً، فلما حكم أبو موسى الأشعري بين علي ومعاوية ﵃، وخلع علياً ﵁، قال هؤلاء: علي كفر بجعل الحكم إلى أبي موسى الأشعري ولا حكم إلا لله. والشراة كلهم يكفرون أصحاب المعاصي ومن خالفهم في مذهبهم مع اختلاف أقاويلهم ومذاهبهم. يقال لهم: من أين قلتم: لا حكم إلا لله؟ وقد حكم الله الناس في كتابه في غير موضع. قال في جزاء الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ (٢). وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) يعني الزوج والزوجة.

стр. 2483

وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وأيضاً: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ (٣). فهذا محكم القرآن قد جعل أحكاماً كثيرة إلى العلماء، وإلى الأمراء من الناس ينظرون فيه مما لم ينزل بيانه من عند الله. فكيف قلتم: لا حكم إلا لله؟ فإن أبوا هذا الشرح، ومحكم الكتاب ظهر جهلهم. وإن قالوا به تركوا قولهم ورجعوا إلى الحق. ويقال لهم: لا يحل دم مؤمن يهرق إلا بثلاثة خلال: إما زنى بعد إحصان، أو ارتداد بعد إيمان، أو أن يقتل نفساً عمداً فيقتل به (٤)، ثم لم يطلق قتل أحد من أهل القبلة، فبم استحللتم قتل الناس؟ فإن حاولوا حجة لم يجدوها، وإن مروا على جهلهم بغير حجة بان خطؤهم. ويقال لهم في تكفير الناس: لم كفرتم من أقر بالله ورسوله ودينه ثم أتى كبيرة؟ فإن قالوا: قياساً على قول الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ

стр. 2484

حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (١) ثم قال : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٢)، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٣)، فلم يجعل الله بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك، والإيمان رأس الأعمال، وأول الفرائض في عمل، ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان، والذي لا إيمان له مشرك كافر. يقال لهم: أخطأتم القياس وتركتم طريق العلم، وذلك أن الله بين في كتابه المحكم أن الفاسق له منزلة بين الإيمان والكفر بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٤)، ولم يقل: إنهم مع فسقهم مؤمنون كما قالت المرجئة، ولا قال إنهم مع فسقهم كفار كما قلتم أنتم، وأثبت لهم اسم الفسق فقط، فهم فساق لا مؤمنون ولا كافرون كما قال الله وأجمعت عليه الأمة، والأمة مجمعة على اسم الفسق لأهل الكبائر، وإنما هو اسم ومنزلة بين الكفر والإيمان أجمعت الأمة على ذلك، وإنما ذهب من ذهب إلى تكفير أهل الكبائر من أهل القبلة بعد

стр. 2485

القول بفسقهم. وكذلك المرجئة إنما سموا أهل الكبائر مؤمنين بعد ما سموهم فاسقين لأن الله سماهم فاسقين، ولم يتهيأ لهم أن يزيلوا اسم الفسق عنهم، فاجتمعوا على فسقهم، ثم افترقوا إلى غير ذلك. ويقال لهم أيضاً: لِمَ صيرتم الكبائر والصغائر شيئاً واحداً؟ والله قد فرق بين الصغائر والكبائر بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كبائر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (١)، يعني من لم يعمل الكبائر، فإن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا. وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر لم يجدوا إلى الحجة سبيلاً من عقل ولا سمع. (٢) - وقال أيضاً: الحرورية: يقولون بتكفير الأمة ويتبرؤون من الختنين، ويتولون الشيخين، ويسبون، ويستحلون الأموال والفروج، ويأخذون بالقرآن ولا يقولون بالسنة أصلاً، وإذا تطهر منهم الرجل أو المرأة للصلاة لا يبرح ولا يمشي أصلاً حتى يصلي في المكان الذي تطهر فيه، وزعموا أنه إذا مشى الرجل تحرك شرجه وانتقضت طهارته، ويستنجون بالماء، وإذا خرجت منهم الريح لم يتطهروا للصلاة خلافاً لجميع الأمة، ولا يصلون في السراويل، ويقولون: السراويل جب الفقاح، وتقاتل نساؤهم على الخيل مضمرات كما يقاتل رجالهم، وهم بناحية سجستان، وهراة، وخراسان، وهم عالم كثير لا يعرف عددهم إلا الله، وهم أصحاب خيل وشجاعة. (٣)

стр. 2486

موقفه من المرجئة: - قال ﵀ في حديثه عن المرجئة: ومن المرجئة صنف زعموا: أن الإيمان معرفة بالقلب لا فعل باللسان، ولا عمل بالبدن، ومن عرف الله بقلبه أنه لا شيء كمثله، فهو مؤمن وإن صلى نحو المشرق أو المغرب وربط في وسطه زناراً. وقالوا: لو أوجبنا عليه الإقرار باللسان أوجبنا عليه عمل البدن حتى قال بعضهم: الصلاة من ضعف الإيمان، من صلى فقد ضعف إيمانه. (١) - وقال: ومنهم صنف زعموا: أن إيمانهم كإيمان جبريل، وميكائيل، والملائكة المقربين والأنبياء. قلنا نحن: كيف يمكنهم هذه الدعوى والملائكة لم يعصوا الله، والأنبياء صفوة الله؟ ومنهم صنف زعموا: أنهم مؤمنون مستكملون للإيمان ليس في إيمانهم نقص ولا لبس؛ وإن زنى أحدهم بأمه أو بأخته وارتكب العظائم وأتى الكبائر والفواحش وشرب الخمر وقتل النفس وأكل الحرام والربا وترك الصلاة والزكاة والفرائض كلها، واغتاب، وهمز، ولمز، وتحدث. وهذا هو الجهل القوي، كيف يستكمل الإيمان من خالف شروطه وخصاله وشرائعه؟ ألا ترى أن في كتاب الله إيماناً مقبولاً وإيماناً مردوداً؟ فمن أدى حقيقته فقد ادعى علم ما لم يعلم فكيف بمن خالفه أجمع؟ وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري يقولان: قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن، ولا يشرب

стр. 2487

الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (١). وقال أبو هريرة: إنما الإيمان نزه فمن زنى فارق الإيمان فإن لام نفسه راجعه الإيمان (٢). وقال ابن عباس ﵄: أيما عبد زنى نزع الله منه الإيمان، فإن شاء رده عليه وإن شاء منعه منه (٣). ومنهم صنف زعموا: أنهم مؤمنون حقاً كحقيقة أهل الجنة الذين وصف الله تحقيقهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤) ومن زعم أنه في الجنة فهو في النار ومن زعم أنه عالم فهو جاهل ومن زعم أنه صادق -يعني في إيمان- فهو كاذب. ومنهم صنف زعموا: أن إيمانهم قائم أبداً لا يزيد وإن عمل الحسنات العظام، وورع في الدين وترك الحرام وحج البيت دائماً وصلى أبداً أو صام. ولا ينقص وإن عمل السيئات والكبائر والفواحش وركب الحرام جاهراً، أو ترك الصلاة ولم يصم ولم يحج أبداً. قال أهل العلم أجمع: هؤلاء مخالفون للقرآن يقول الله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٥) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا

стр. 2488

أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (١).اهـ (٢) - وقال أيضاً في معرض الحجاج معهم: وينبغي أن يقول لهم: أخبرونا عن الإيمان: ما هو؟ فإن قالوا: (لا ندري) سقطت مواربة كلامهم، وصاروا بمنزلة من يقول الشيء على الجهل، والجاهل لا حجة له، وإن قالوا: (الإيمان هو الإقرار) فقد صدقوا، يقال لهم: فالإقرار يكون باللسان أو بالقلب؟ فإن قالوا: (باللسان فقط) يقال لهم: فالمنافقون الذين أقروا بألسنتهم، وأسروا الشرك، أهو شيء صح لهم الإيمان إذا أقروا بألسنتهم؟ والإيمان عندكم الإقرار باللسان. فإن قالوا: (هؤلاء أقروا بألسنتهم وأسروا هذه فلم يصح إيمانهم) نقضوا قولهم؛ لأنهم قد اعترفوا أن القول باللسان لا يصح إلا مع إقرار بالقلب، وإن شك القلب ببعض إقرار اللسان فيجب عليهم حينئذ أن يقولوا: الإيمان قول باللسان وإقرار بالقلب، والإقرار بالقلب عمل، بل هو أصل كل الأعمال التي بالجوارح، لأن الجوارح عن القلب تصدر، وإذا كان كذلك فقد وجب أن يقولوا: إن الإيمان قول وعمل، وينقضوا أصلهم: إن الإيمان قول بلا عمل. وأيضاً إذا أقروا أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب؛ لزمتهم أن يقولوا: وعمل بالجوارح، فإن أبوا أن يقولوا ذلك ردوا إلى الكلام الأول، فبان

стр. 2489

جهلهم، وإن أجازوا ذلك تركوا قولهم وقالوا: (الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد وينقص). وهذا هو الحق لا يجوز غيره. ويقال لهم أيضاً: أخبرونا أفترض الله على عباده فرائض فيها أمر ونهى؟ فإن قالوا: (لا) جهلوا وكابروا، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: فما تقولون فيمن أدى إلى الله ما أمر به وانتهى عما نهاه؟ أهو كمن عصاه في أمره ونهيه؟ فإن قالوا: (هما سواء عند الله وعندنا) جعلوا المعصية كالطاعة والطاعة كالمعصية، وهذا جهل وكفر ممن قاله، وإن قالوا: (الطاعة غير المعصية وليس من أطاع الله في أمره ونهيه كمن عصاه) تركوا قولهم وقالوا بالحق. ويقال لهم: أخبرونا عن قول الله ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ (٢)، أهذا شيء قاله على حقيقة القول أم على المجاز؟ فإن قالوا: (على المجاز) جعلوا إخبار الله عن وعده على المجاز، وهذا كفر ممن قاله لأن أحداً لا يتيقن حينئذ بخبره إذا لم يكن له حقيقة وصحة. وإن قالوا: (على حقيقة) يقال لهم: أخبر الله أنه لا يستوي عنده الولي والعدو.

стр. 2490

ويقال لهم: أخبرونا عمن زنا وأتى شيئاً من الكبائر أترون عليه التوبة أم لا؟ فإن قالوا: (لا) بَانَ جهلهم، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: لأي شيء يتوب؟ فإن قالوا: (يقبل الله توبته، ويغفر ذنبه) تركوا قولهم وجعلوا لأهل المعاصي توبة وغفراناً مما اجترموا، وإن قالوا: (لا يحتاجون إلى غفران ولا توبة عليهم) خرجوا من دين الإسلام وخالفوا الجماعة. ويقال لهم: فلم قلتم (إن الله يغفر للمصرين بلا توبة) أمن سمع أو عقل؟ فإن في العقل شواهد دالة أن الحكيم لا يستوي عنده وليّه الذي أطاعه وعدوه الذي عصاه، ولا يجوز ذلك في الحكمة. ويقال لهم: في قولهم: (إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص) ما تقولون فيمن آمن وهو بالله وبدينه عارف، ومن آمن وهو بالله وبدينه جاهل؟ فإن قالوا: (هما سواء). تجاهلوا، وإن قالوا: (المؤمن العارف بالله وبدينه أفضل) تركوا قولهم، وقالوا بالحق: إن الإيمان يزيد بالعمل والعلم، وينقص بنقص العلم والعمل. ويقال لهم: هل تجعلون بين أهل المعصية، وأهل الطاعة فضلاً؟ فإن قالوا: (لا فضل بينهم) تجاهلوا، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: ما الذي تجعلونه بينهم؟ فإن قالوا: (لأهل الطاعة الوعد والثواب، ولأهل المعصية الوعيد والعقاب) تركوا قولهم الخبيث وقالوا بالحق، وإن قالوا: (لا ندري) تجاهلوا. ويقال لهم: ما تقولون في قول الله ﵎: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا
следующие страницы →