موقفه من المرجئة:
- قال ﵀ في حديثه عن المرجئة: ومن المرجئة صنف زعموا: أن الإيمان معرفة بالقلب لا فعل باللسان، ولا عمل بالبدن، ومن عرف الله بقلبه أنه لا شيء كمثله، فهو مؤمن وإن صلى نحو المشرق أو المغرب وربط في وسطه زناراً.
وقالوا: لو أوجبنا عليه الإقرار باللسان أوجبنا عليه عمل البدن حتى قال بعضهم: الصلاة من ضعف الإيمان، من صلى فقد ضعف إيمانه. (١)
- وقال: ومنهم صنف زعموا: أن إيمانهم كإيمان جبريل، وميكائيل، والملائكة المقربين والأنبياء.
قلنا نحن: كيف يمكنهم هذه الدعوى والملائكة لم يعصوا الله، والأنبياء صفوة الله؟ ومنهم صنف زعموا: أنهم مؤمنون مستكملون للإيمان ليس في إيمانهم نقص ولا لبس؛ وإن زنى أحدهم بأمه أو بأخته وارتكب العظائم وأتى الكبائر والفواحش وشرب الخمر وقتل النفس وأكل الحرام والربا وترك الصلاة والزكاة والفرائض كلها، واغتاب، وهمز، ولمز، وتحدث. وهذا هو الجهل القوي، كيف يستكمل الإيمان من خالف شروطه وخصاله وشرائعه؟
ألا ترى أن في كتاب الله إيماناً مقبولاً وإيماناً مردوداً؟ فمن أدى حقيقته فقد ادعى علم ما لم يعلم فكيف بمن خالفه أجمع؟ وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري يقولان: قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن، ولا يشرب
стр. 2487
الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (١). وقال أبو هريرة: إنما الإيمان نزه فمن زنى فارق الإيمان فإن لام نفسه راجعه الإيمان (٢). وقال ابن عباس ﵄: أيما عبد زنى نزع الله منه الإيمان، فإن شاء رده عليه وإن شاء منعه منه (٣).
ومنهم صنف زعموا: أنهم مؤمنون حقاً كحقيقة أهل الجنة الذين وصف الله تحقيقهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤) ومن زعم أنه في الجنة فهو في النار ومن زعم أنه عالم فهو جاهل ومن زعم أنه صادق -يعني في إيمان- فهو كاذب.
ومنهم صنف زعموا: أن إيمانهم قائم أبداً لا يزيد وإن عمل الحسنات العظام، وورع في الدين وترك الحرام وحج البيت دائماً وصلى أبداً أو صام. ولا ينقص وإن عمل السيئات والكبائر والفواحش وركب الحرام جاهراً، أو ترك الصلاة ولم يصم ولم يحج أبداً.
قال أهل العلم أجمع: هؤلاء مخالفون للقرآن يقول الله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٥) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا
стр. 2488
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (١).اهـ (٢)
- وقال أيضاً في معرض الحجاج معهم: وينبغي أن يقول لهم: أخبرونا عن الإيمان: ما هو؟ فإن قالوا: (لا ندري) سقطت مواربة كلامهم، وصاروا بمنزلة من يقول الشيء على الجهل، والجاهل لا حجة له، وإن قالوا: (الإيمان هو الإقرار) فقد صدقوا، يقال لهم: فالإقرار يكون باللسان أو بالقلب؟ فإن قالوا: (باللسان فقط) يقال لهم: فالمنافقون الذين أقروا بألسنتهم، وأسروا الشرك، أهو شيء صح لهم الإيمان إذا أقروا بألسنتهم؟ والإيمان عندكم الإقرار باللسان.
فإن قالوا: (هؤلاء أقروا بألسنتهم وأسروا هذه فلم يصح إيمانهم) نقضوا قولهم؛ لأنهم قد اعترفوا أن القول باللسان لا يصح إلا مع إقرار بالقلب، وإن شك القلب ببعض إقرار اللسان فيجب عليهم حينئذ أن يقولوا: الإيمان قول باللسان وإقرار بالقلب، والإقرار بالقلب عمل، بل هو أصل كل الأعمال التي بالجوارح، لأن الجوارح عن القلب تصدر، وإذا كان كذلك فقد وجب أن يقولوا: إن الإيمان قول وعمل، وينقضوا أصلهم: إن الإيمان قول بلا عمل. وأيضاً إذا أقروا أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب؛ لزمتهم أن يقولوا: وعمل بالجوارح، فإن أبوا أن يقولوا ذلك ردوا إلى الكلام الأول، فبان
стр. 2489
جهلهم، وإن أجازوا ذلك تركوا قولهم وقالوا: (الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد وينقص). وهذا هو الحق لا يجوز غيره.
ويقال لهم أيضاً: أخبرونا أفترض الله على عباده فرائض فيها أمر ونهى؟ فإن قالوا: (لا) جهلوا وكابروا، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: فما تقولون فيمن أدى إلى الله ما أمر به وانتهى عما نهاه؟ أهو كمن عصاه في أمره ونهيه؟ فإن قالوا: (هما سواء عند الله وعندنا) جعلوا المعصية كالطاعة والطاعة كالمعصية، وهذا جهل وكفر ممن قاله، وإن قالوا: (الطاعة غير المعصية وليس من أطاع الله في أمره ونهيه كمن عصاه) تركوا قولهم وقالوا بالحق.
ويقال لهم: أخبرونا عن قول الله ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ (٢)، أهذا شيء قاله على حقيقة القول أم على المجاز؟ فإن قالوا: (على المجاز) جعلوا إخبار الله عن وعده على المجاز، وهذا كفر ممن قاله لأن أحداً لا يتيقن حينئذ بخبره إذا لم يكن له حقيقة وصحة. وإن قالوا: (على حقيقة) يقال لهم: أخبر الله أنه لا يستوي عنده الولي والعدو.
стр. 2490
ويقال لهم: أخبرونا عمن زنا وأتى شيئاً من الكبائر أترون عليه التوبة أم لا؟ فإن قالوا: (لا) بَانَ جهلهم، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: لأي شيء يتوب؟ فإن قالوا: (يقبل الله توبته، ويغفر ذنبه) تركوا قولهم وجعلوا لأهل المعاصي توبة وغفراناً مما اجترموا، وإن قالوا: (لا يحتاجون إلى غفران ولا توبة عليهم) خرجوا من دين الإسلام وخالفوا الجماعة.
ويقال لهم: فلم قلتم (إن الله يغفر للمصرين بلا توبة) أمن سمع أو عقل؟ فإن في العقل شواهد دالة أن الحكيم لا يستوي عنده وليّه الذي أطاعه وعدوه الذي عصاه، ولا يجوز ذلك في الحكمة.
ويقال لهم: في قولهم: (إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص) ما تقولون فيمن آمن وهو بالله وبدينه عارف، ومن آمن وهو بالله وبدينه جاهل؟ فإن قالوا: (هما سواء). تجاهلوا، وإن قالوا: (المؤمن العارف بالله وبدينه أفضل) تركوا قولهم، وقالوا بالحق: إن الإيمان يزيد بالعمل والعلم، وينقص بنقص العلم والعمل.
ويقال لهم: هل تجعلون بين أهل المعصية، وأهل الطاعة فضلاً؟ فإن قالوا: (لا فضل بينهم) تجاهلوا، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: ما الذي تجعلونه بينهم؟ فإن قالوا: (لأهل الطاعة الوعد والثواب، ولأهل المعصية الوعيد والعقاب) تركوا قولهم الخبيث وقالوا بالحق، وإن قالوا: (لا ندري) تجاهلوا.
ويقال لهم: ما تقولون في قول الله ﵎: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا
стр. 2491
يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ (١) أليس عندكم من تصدق بدرهم فله عشر من الحسنات، ومن سرق درهماً فعليه وزر درهم واحد، فإذا قالوا (نعم)، يقال لهم: فرجل سرق عشرة دراهم وتصدق منها بدرهم أليس له تسع حسنات وعنده تسع الدراهم؟ فإن قالوا: (لا تجزئه صدقة من سرقة لأن السرقة تحبط أجره) تركوا قولهم، وإن قالوا: (تجزئه) زعموا أن من سرق عشرة دراهم وتصدق بدرهم منها فله تسع حسنات وعنده تسع الدراهم لأن الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها، وهذا ربح لا ربح بعده، مع أن على السارق لأموال الناس بسبب سرقته ذنوباً يعاقب عليها. (٢)
موقفه من القدرية:
له كتاب: 'التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع' عقد فيه باباً في القدرية وهو قوله: "باب ذكر القدرية ونعتهم واعتقادهم" ثم تناول ذلك بالتفصيل فقال: وأما القدرية فهم سبع فرق، وهم أصناف: فصنف منهم يزعمون أن الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من أنفسهم لكي لا ينسبوا إلى الله شيئاً من السيئات والمعاصي، ويتكلمون بأشياء لا أستجيز ذكرها، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. (٣) ثم ساق الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة.
стр. 2492
أبو أحمد الحاكم الكبير (١) (٣٧٨ هـ)
الإمام الحافظ العلامة الثبت الجهبذ، محدث خراسان، محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي. صاحب التصانيف، وهو الحاكم الكبير مؤلف كتاب 'الكنى والعلل' وغيرها، ولد في حدود سنة تسعين ومائتين. وطلب الحديث وهو كبير له نيف وعشرون سنة، فسمع من أحمد الماسرجسي وابن خزيمة والباغندي والبغوي وأبي عروبة الحراني وطبقتهم. وروى أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق بالشام والعراق والحجاز والجزيرة وخراسان، وكان من بحور العلم. حدث عنه أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن منجويه. قال الحاكم: هو إمام عصره في هذه الصنعة كثير التصانيف. إلى أن قال: وكان مقدماً في العدالة أولاً ثم ولي القضاء .. ثم أتى نيسابور سنة خمس وأربعين ولزم مسجده ومنزله مفيداً مقبلاً على العبادة والتصنيف. وقال أيضاً: كان أبو أحمد من الصالحين الثابتين على سنن السلف. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وله ثلاث وتسعون سنة رحمه الله تعالى.
موقفه من الرافضة:
جاء في السير: قال الحاكم: كان أبو أحمد من الصالحين الثابتين على سنن السلف، ومن المنصفين فيما نعتقده في أهل البيت والصحابة. (٢)
стр. 2493
أحمد بن عون الله (١) (٣٧٨ هـ)
الشيخ المحدث أحمد بن عون الله بن حدير بن يحيى القرطبي البزاز، أبو جعفر. ولد سنة ثلاثمائة. حج وسمع من ابن الأعرابي وخيثمة الأطرابلسي وأحمد بن سلمة بن الضحاك وأبي يعقوب الأذرعي، وجماعة كثيرة. روى عنه أبو الوليد بن الفرضي وأبو عمر الطلمنكي، وخلق.
توفي رحمه الله تعالى في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في السير: كان صدوقاً، صالحاً، شديداً على المبتدعة، لهجاً بالسنة، صبوراً على الأذى. (٢)
- قال أبو عبد الله بن مفرج: كان أبو جعفر أحمد بن عون الله محتسباً على أهل البدع، غليظاً عليهم مذلاًّ لهم، طالباً لمساوئهم، مسارعاً في مضارهم، شديد الوطاءة عليهم، مشرداً لهم إذا تمكن منهم غير مبقٍ عليهم، وكان كل من كان منهم خائفاً منه على نفسه متوقياً لا يداهن أحداً منهم على حال، ولا يسالمه، وإن عثر لأحد منهم على منكر، وشهد عليه عنده بانحراف عن السنة نابذه وفضحه وأعلن بذكره والبراءة منه، وعيره بذكر السوء في المحافل، وأغرى به حتى يهلكه، أو ينزع عن قبيح مذهبه وسوء معتقده، ولم يزل دؤوباً على هذا جاهداً فيه ابتغاء وجه الله إلى أن لقي الله
стр. 2494
عز وجل. له في الملحدين آثار مشهورة ووقائع مذكورة. (١)
النَّسَفِي (٢) (٣٨٠ هـ)
الشيخ بكر بن محمد بن جعفر أبو عمرو النسفي. راوي صحيح البخاري عن حماد بن شاكر. وروى أيضاً عن محمود بن عنبر. وروى عنه جعفر المستغفري. توفي سنة ثمانين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
قال الذهبي: روى عنه جعفر المستغفري وقال: كان كثير التلاوة شديداً على المبتدعة. (٣)
ابن حَيَّوَيْه أبو عمر (٤) (٣٨٢ هـ)
الإمام المحدث الثقة المسند أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا ابن يحيى البغدادي، الخزاز بن حيويه، من علماء المحدثين. سمع أبا بكر محمد ابن محمد الباغندي، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وأبا القاسم البغوي، وعبيد الله بن عثمان صاحب ابن المديني، وابن أبي داود وطبقتهم. حدث عنه أبو بكر البرقاني، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وأبو محمد الخلال، وعلي بن
стр. 2495
المحسن التنوخي وأبو محمد الجوهري وآخرون. روى الكتب المطولة. قال الخطيب: كان ثقة، سألت البرقاني عنه، فقال: ثبت حجة. كتب طول عمره وروى المصنفات الكبار. مولده في خمس وتسعين ومائتين. قال العتيقي: مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
قال أبو عمر بن حيويه: كان ابن عقدة يملي مثالب الصحابة فتركت حديثه. (١)
قال الذهبي: قد رمي ابن عقدة بالتشيع، ولكن روايته لهذا ونحوه، يدل على عدم غلوه في تشيعه، ومن بلغ في الحفظ والآثار مبلغ ابن عقدة، ثم يكون في قلبه غل للسابقين الأولين، فهو معاند أو زنديق. والله أعلم. (٢)
القَلْعِي أبو محمد عبد الله بن محمد (٣) (٣٨٣ هـ)
الإمام الحافظ، المجود الزاهد، القدوة المجاهد، أبو محمد، عبد الله بن محمد ابن القاسم بن حزم الأندلسي القلعي. ولد سنة عشرين وثلاثمائة. سمع وهب ابن مسرة، وأبا محمد بن الورد، وعلي بن أبي العقب الدمشقي، وأبا بكر الشافعي، وطبقتهم. وجمع فأوعى. سمع منه أحمد بن عون الله، وابن مفرج
стр. 2496
القاضي. قال ابن الفرضي: سمعت منه علماً كثيراً. كانت الرحلة إليه، ونفع الله به الخلق وكان زاهداً شجاعاً. كانوا يشبهونه بسفيان الثوري في زمانه. ولاه المستنصر بالله القضاء، فاستعفى فأعفاه. توفي بقلعة أيوب من الأندلس في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ﵀ وكان عمره ثلاثاً وستين سنة.
موقفه من المشركين:
جاء في السير: وبلغنا أنه كان يقف وحده للفئة من المشركين. (١)
أبو حفص بن شَاهِين (٢) (٣٨٥ هـ)
الحافظ الإمام المفيد المكثر، شيخ العراق، أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين، صاحب التصانيف. مولده بخط أبيه في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين. سمع أبا بكر الباغندي وأبا القاسم البغوي وأبا بكر بن أبي داود، وأبا علي محمد بن سليمان المالكي وطبقتهم. حدث عنه أبو بكر محمد الوراق وأبو سعد الماليني، وأبو محمد الجوهري والحسن بن محمد الخلال، وابنه عبيد الله وخلق كثير. قال الخطيب: صنف ثلاثمائة مصنف. منها 'التفسير' و'المسند' و'التاريخ' و'الزهد'. قال عن نفسه: حسبت ما اشتريت به الحبر إلى هذا الوقت فكان سبعمائة درهم. قال
стр. 2497
أبو الفتح بن أبي الفوارس: ثقة مأمون صنف ما لم يصنفه أحد. مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. عاش تسعاً وثمانين سنة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في السير عنه: إذا ذكر له مذاهب الفقهاء كالشافعي وغيره يقول: أنا محمدي المذهب. (١)
- وقوله أيضاً: وإني بريء من كل بدعة؛ من قدر وإرجاء ورفض ونصب واعتزال، واعتقادي في ديني وإمامي في سنتي؛ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، وكل مذهب اعتقده أهل العلم بالسنة مما لم يبلغني فهو مذهبي. (٢)
موقفه من المرجئة:
- جاء في 'الكتاب اللطيف' قوله: وأشهد أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية. (٣)
موقفه من القدرية:
افتتح كتابه المفيد: 'الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن' بذكر القدرية وببعض النقول في ذمهم والتنفير من طريقهم الخبيث. (٤)
стр. 2498
الصاحب الوزير الكبير (١) (٣٨٥ هـ)
الوزير الكبير العلامة الصاحب أبو القاسم، إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقاني الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة، صحب الوزير أبا الفضل بن العميد ومن ثم شهر بالصاحب. سمع من أبي محمد بن فارس، وأحمد بن كامل. روى عنه أبو العلاء محمد بن حسول، وعبد الملك الرازي، وأبو بكر بن أبي علي الذكواني، وأبو بكر بن المقرئ شيخه. له تصانيف عدة منها: 'المحيط' و'الكافي' و'الإمامة'. كان شيعياً معتزلياً صلفاً جباراً ثم تاب. وأخذ خطوط جماعة بصحة توبته. مات ﵀ في صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة عن تسع وخمسين سنة.
موقفه من المشركين:
موقفه من الفلاسفة:
قيل: جمع الصاحب من الكتب ما يحتاج في نقلها إلى أربع مئة جمل، ولما عزم على التحديث تاب (٢)، واتخذ لنفسه بيتاً سماه بيت التوبة، واعتكف على الخير أسبوعاً، وأخذ خطوط جماعة بصحة توبته، ثم جلس للإملاء، وحضره الخلق، وكان يتفقد علماء بغداد في السنة بخمسة آلاف دينار، وأدباءها، وكان يبغض من يدخل في الفلسفة. (٣)
стр. 2499
علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (١) (٣٨٥ هـ)
أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المقرئ المحدث من أهل محلة دار القطن ببغداد. الإمام الحافظ المجود شيخ الإسلام علم الجهابذة. ولد سنة ست وثلاثمائة. سمع من أبي القاسم البغوي وأبي بكر بن أبي داود وأبي طالب أحمد بن نصر الحافظ وخلق كثير. حدث عنه الحافظ أبو عبد الله والحافظ عبد الغني وأبو نعيم الأصبهاني، وخلق سواهم.
كان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله مع التقدم في القراءات وطرقها وقوة المشاركة في الفقه والاختلاف والمغازي وأيام الناس وغير ذلك. وهو أول من صنف القراءات وعقد لها أبواباً قبل فرش الحروف. قال الخطيب: كان الدارقطني فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علو الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد والاضطلاع من علوم سوى الحديث. قال الصوري: سمعت الحافظ عبد الغني يقول: أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: ابن المديني في وقته وموسى ابن هارون -يعني ابن الحمال- في وقته والدارقطني في وقته.
لم يدخل الدارقطني في علم الكلام ولا الجدال بل كان سلفياً، ذكره الذهبي.
توفي ﵀ سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
стр. 2500
موقفه من الرافضة:
جاء في السير: قال الدارقطني: اختلف قوم من أهل بغداد فقال قوم: عثمان أفضل وقال قوم: علي أفضل فتحاكموا إلي فأمسكت وقلت: الإمساك خير. ثم لم أر لديني السكوت وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله ﷺ ، هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يحل في الرفض.
قال الذهبي: ليس تفضيل علي برفض ولا ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي وإليه نذهب. والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة، أبعدهم الله. (١)
موقفه من الجهمية:
موقفه من علم الكلام:
- جاء في السير: قال الذهبي: لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً، سمع هذا القول منه أبو
стр. 2501
عبد الرحمن السلمي. (١)
التعليق:
كيف يخوض في ذلك، وكان إمام المحدثين في وقته وطبيبهم الخاص، حتى إنه ألف في أصعب علومه -العلل- ومتى عهدت مثل الدارقطني يضيع وقته في علم رفضه السلف قاطبة وأجمعوا على بغضه ومحاربته. فعلمه أغناه عن ترهات المتكلمين وفلسفات المتزندقين، فلله دره وإخوانه ممن شرفوا مسيرتنا هذه.
- قال السلمي: سمعت الدارقطني يقول: ما شيء أبغض إلي من الكلام. (٢)
عبد الله بن أبي زيد القيرواني (٣) (٣٨٦ هـ)
أبو محمد عبد الله بن أبي زيد واسم أبي زيد عبد الرحمن القيرواني المالكي ويقال له مالك الصغير. الإمام العلامة القدوة الفقيه عالم أهل المغرب. قال القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه. وكثر الآخذون عنه. أخذ عن محمد بن مسرور الحجام والعسال وأبي سعيد بن الأعرابي. سمع منه خلق كثير منهم: الفقيه عبد الرحيم بن
стр. 2502
العجوز السبتي والفقيه عبد الله بن غالب السبتي وأبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني. كان مع عظمته في العلم والعمل ذا بر وإيثار وإنفاق على الطلبة وإحسان. وقال فيه القابسي: هو إمام موثوق به في ديانته وروايته. وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول لا يدري الكلام ولا يتأول. وكان سريع الانقياد والرجوع إلى الحق. توفي ﵀ سنة ست وثمانين وثلاثمائة. ورثاه بعضهم فقال:
عجباً أيدري الحاملون لنعشه ... كيف استطاعت حمل بحر مترع
علماً وحكماً كاملاً وبراعة ... وتقى وحسن سكينة وتورع
موقفه من المبتدعة:
جاء في معالم الإيمان: كان بصيراً بالرد على أهل الأهواء. (١)
من مصنفاته: كتاب 'الثقة بالله والتوكل على الله' وكتاب 'المعرفة والتفسير' وكتاب 'إعجاز القرآن' وكتاب 'النهي عن الجدال'، ورسالته في التوحيد، وكتاب 'من تحرك عند القراءة'. (٢)
موقفه من المشركين:
جاء في صون المنطق: قال الشيخ نصر المقدسي من أئمة أصحابنا في كتابه الحجة على تارك المحجة، أنبأني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد الأنصاري قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه المالكي بالقيروان يقول: رحم الله بني أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة،
стр. 2503
وكان أكثر عمالهم وأصحاب ولايتهم العرب، فلما زالت الخلافة عنهم، ودارت إلى بني العباس، قامت دولتهم بالفرس وكانت الرياسة فيهم وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفر والبغض للعرب ودولة الإسلام فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام. ولولا أن الله ﵎ وعد نبيه ﷺ أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام، ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه، والله منجز وعده إن شاء الله. فأول الحوادث التي أحدثوها: إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين. وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد الإسلام: يحيى بن خالد بن برمك وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب اليونانية أن يتركوا دين النصرانية ويرجعوا إلى دين اليونانية، وتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم. فجمع الكتب في موضع وبنى عليه بناءً مطمساً بالحجر والجص حتى لا يوصل إليها. فلما أفضت رياسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد -وكان زنديقاً- بلغه خبر الكتب التي في البناء ببلد الروم فصانع ملك الروم الذي كان في وقته بالهدايا، ولا يلتمس منه حاجة فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم، إن هذا الرجل خادم العرب قد أكثر علي من هداياه ولا يطلب مني حاجة وما أراه إلا يلتمس حاجة، وأخاف أن تكون حاجته تشق علي. وقد شغل بالي فلما جاءه رسول يحيى قال له: قل لصاحبك إن كانت له حاجة فليذكرها.
فلما أخبر الرسول يحيى رده إليه وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إِلَيَّ أخرج منها بعض ما أحتاج وأردها إليه. فلما قرأ
стр. 2504
الرومي كتابه استطار فرحاً وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم العرب أنه لا يخلو من حاجة وقد أفصح بحاجته وهي أخف الحوائج علي، وقد رأيت رأياً فاسمعوه فإن رضيتموه أمضيته، وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق كلمتنا. فقالوا: وما هو؟ قال: حاجته الكتب اليونانية يستخرج منها ما أحب ويردها. قالوا: فما رأيك؟ قال: قد علمت أنه ما بنى عليه من كان قبلنا إلا أنه خاف إن وقعت في أيدي النصارى وقرؤوها كان سبباً لهلاك دينهم وتبديد جماعتهم، وأنا أرى أن أبعث بها إليه وأسأله أن لا يردها، يبتلون بها ونسلم نحن من شرها فإني لا آمن أن يكون بعدي من يجترئ على إخراجها إلى الناس فيقعوا فيما خيف عليهم. فقالوا: نعم الرأي رأيت أيها الملك فأمضه. فبعث بالكتب إلى يحيى ابن خالد فلما وصلت إليه جمع عليها كل زنديق وفيلسوف فمما أخرج منها كتاب 'حد المنطق'.
قال أبو محمد بن أبي زيد: وقل من أمعن النظر في هذا الكتاب وسلم من زندقة.
قال: ثم جعل يحيى المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي فيتكلم كل ذي دين في دينه ويجادل عليه آمناً على نفسه. (١)
التعليق:
انظر هذه الفعلة الشنيعة التي فعلها الزنادقة بالمسلمين، وما يزالون يتجرعون سمومها. لقد أطبق الكلام والمنطق على علوم المسلمين، فما تجد
стр. 2505
علماً من علومهم إلا وسرى فيه شيء من هذا. وأصبح المسلم إذا أراد دراسة علم أصول الفقه أو تفاسير المتأخرين أو بعض متون الفقه أو النحو والبلاغة يدرس هذا العلم الخبيث رغماً على أنفه.
موقفه من الجهمية:
آثار الشيخ السلفية:
مقدمة الرسالة -وقد أبدى الشيخ في هذه المقدمة عقيدة سلفية أغاظت المبتدعة وضاقوا بها ذرعاً. ولحسن قصد الشيخ في نشر عقيدة السلف، كتب الله لرسالته قبولاً لا نظير له. وقد قامت الجامعة الإسلامية جزاها الله خيراً بطباعتها وتوزيعها بين المسلمين- وقد انتشرت انتشاراً كبيراً والحمد لله رب العالمين.
من شراحها السلفيين: أبو بكر بن محمد بن وهب المالكي: نقل عنه الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية كلاماً من أحسن ما يكون في العقيدة السلفية. سيأتي معنا إن شاء الله.
قال الذهبي في السير في ترجمة ابن أبي زيد: وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول، فنسأل الله التوفيق. (١)
وفيها قال عبد الله بن الوليد: سمعت أبا محمد بن أبي زيد يسأل ابن سعدي لما جاء من الشرق: أحضرت مجالس الكلام؟ قال: مرتين ولم أعد، فأول مجلس جمعوا الفرق من السنة والمبتدعة واليهود والنصارى والمجوس والدهرية، ولكل فرقة رئيس يتكلم وينصر مذهبه، فإذا جاء رئيس قام الكل
стр. 2506
له، فيقول واحد: تناظروا ولا يحتج أحد بكتابه، ولا بنبيه، فإنا لا نصدق بذلك ولا نقر به. بل هاتوا العقل والقياس، فلما سمعت هذا لم أعد، ثم قيل لي: هاهنا مجلس آخر للكلام، فذهبت فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء، فجعل ابن أبي زيد يتعجب وقال: ذهبت العلماء، وذهبت حرمة الدين.
قال الذهبي عقبه: فنحمد الله على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر لله تعالى. (١)
موقفه من المرجئة:
قال في الرسالة: وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، ويزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها، فيكون بها النقص وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٢)
موقفه من القدرية:
آثاره السلفية: 'رسالة في الرد على القدرية'. (٣)
стр. 2507
موقف السلف من أبي طالب المكي (٣٨٦ ه ـ)
بيان تصوفه:
جاء في تلبيس إبليس: وصنف لهم أبو طالب المكي 'قوت القلوب' فذكر فيه الأحاديث الباطلة، وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي، وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قول: -قال بعض المكاشفين- وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية: إن الله يتجلى في الدنيا لأوليائه. وذكر سند الخطيب إلى محمد بن العلاف. قال: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم، فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوق أضر من الخالق. فبدعه الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك. (١)
ابن بَطَّة العُكْبُرِي (٢) (٣٨٧ هـ)
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة. الإمام القدوة، العابد الفقيه المحدث شيخ العراق. ولد سنة أربع وثلاثمائة. روى عن أبي القاسم البغوي وابن صاعد والقاضي المحاملي وجماعة. حدث عنه أبو
стр. 2508
الفتح بن أبي الفوارس وأبو نعيم الأصبهاني وأبو إسحاق البرمكي وآخرون. عن أبي حامد الدلوي قال: لما رجع ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة لم ير في سوق ولا رئي مفطراً إلا في عيد. وكان أمّاراً بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيره. قال عبد الواحد بن علي العكبري: لم أر في شيوخ الحديث، ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة. وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة. توفي ﵀ سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
له من الآثار السلفية:
١ - 'الإبانة الكبرى': وهو من أعظم المصادر السلفية التي نقلت العقيدة السلفية بإسهاب وطول نفس، وقد كان من أهم المراجع عندنا في هذه المسيرة المباركة، وهذا الإمام لم يكن بالناقل لأقوال السلف فقط، ولكنه يعلق على ذلك بأسلوب متين رصين، يشعر القارئ أنه يعيش مع سلفي غيور على عقيدته. والبكاء ينساب على خده لما يرى من طغيان البدع في زمانه. فماذا عن زمان الناس اليوم حيث أصبحت البدعة هي السنة والسنة هي البدعة. فإلى الله المشتكى من انقلاب الموازين والأحوال، والله المستعان.
٢ - 'الإبانة الصغرى': وقد حققت وطبعت في رسالة علمية في جامعة أم القرى.
- فمن أقواله ﵀: فلو أن رجلاً ممن وهب الله له عقلاً صحيحاً وبصراً نافذاً، فأمعن نظره وردد فكره وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر والأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن
стр. 2509
المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون، وما هذه رحمكم الله أخلاق المسلمين، ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين، ولا من أهل الإيمان به واليقين. (١)
- وقال: فانظروا رحمكم الله من تصحبون، وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه، وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين، ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين، ولا من أقران الشياطين، وأستوهب الله لي ولكم عصمة من الضلال وعافية من قبيح الفعال. (٢)
- وقال: فاعتبروا يا أولي الأبصار! فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه وناس نحن منهم وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله ﷺ وسيد من ساداتهم يقطع رحمه ويهجر حميمه حين عارضه في حديث رسول الله ﷺ ، وحلف أيضاً على قطيعته وهجرانه وهو يعلم ما في صلة الأقربين وقطيعة الأهلين. وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء سماه رسول الله ﷺ حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم وينتقلون عن بلدانهم، ويظهرون الهجرة لإخوانهم لأجل من عارض حديث رسول الله ﷺ ، وتوقف عن استماع سنته، فياليت شعري كيف حالنا عند الله ، ونحن نلقى أهل الزيغ في صباحنا والمساء، يستهزئون
стр. 2510
بآيات الله، ويعاندون سنة رسول الله ﷺ ، حائدين عنها، وملحدين فيها، سلمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل. (١)
- وقال: جعلنا الله وإياكم بكتاب الله عاملين، وبسنة نبينا ﷺ متمسكين، وللأئمة الخلفاء الراشدين المهديين متبعين، ولآثار سلفنا وعلمائنا مقتفين، وبهدي شيوخنا الصالحين رحمة الله عليهم أجمعين مهتدين، فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قد جعل في كل زمان فترة من الرسل، ودروساً للأثر، ثم هو تعالى بلطفه بعباده ورفقه بأهل عنايته ومن سبقت له الرحمة في كتابه لا يخلي كل زمان من بقايا من أهل العلم، وحملة الحجة، يدعون من ضل إلى الهدى، ويذودونهم عن الردى، يصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بعون الله أهل العمى وبسنة رسول الله ﷺ أهل الجهالة والغبا. (٢)
- وقال: فلله در أقوام دقت فطنهم، وصفت أذهانهم، وتعالت بهم الهمم في اتباع نبيهم، وتناهت بهم المحبة حتى اتبعوه هذا الاتباع، فبمثل هدي هؤلاء العقلاء -إخواني- فاهتدوا، ولآثارهم فاقتفوا، ترشدوا وتنصروا وتجبروا. (٣)
- وقال:
باب ذكر ما نطق به الكتاب في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة:
أما بعد: فاعلموا يا إخواني وفقنا الله وإياكم للسداد والائتلاف،
стр. 2511
وعصمنا وإياكم من الشتات والاختلاف، أن الله قد أعلمنا اختلاف الأمم الماضين قبلنا، وأنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق، حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله والكذب عليه، والتحريف لكتابه والتعطيل لأحكامه، والتعدي لحدوده، وأعلمنا تعالى أن السبب الذي أخرجهم إلى الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته، وكل ذلك وجميعه قد قصه الله علينا وأوعز فيه إلينا، وحذرنا من مواقعته وخوفنا من ملابسته. ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا وطوائف ممن يدعي أنه من أهل ملتنا، وسأتلو عليكم من نبأ ما قد أعلمناه مولانا الكريم، وما قد علمه إخواننا من أهل القرآن وأهل العلم وكتبة الحديث والسنن وما يكون فيه إن شاء الله بصيرة لمن علمه ونسيه، ولمن غفله أو جهله، ويمتحن الله به من خالفه وجحده، بألا يجحده إلا الملحدون، ولا ينكره إلا الزائغون. قال الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ
الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٣).
وقال: إخواني فهذا نبأ قوم فضلهم الله وعلمهم وبصرهم ورفعهم، ومنع ذلك آخرين إصرارهم على البغي عليهم، والحسد لهم، إلى مخالفتهم وعداوتهم ومحاربتهم، فاستنكفوا أن يكونوا لأهل الحق تابعين، وبأهل العلم مقتدين، فصاروا أئمة مضلين، ورؤساء في الإلحاد متبوعين، رجوعاً عن الحق وطلب الرياسة وحباً للاتباع والاعتقاد والناس في زماننا هذا أسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضاً، لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية، لوجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً. فقد ذكرت ما حضرني من الآيات التي عاب الله فيها المختلفين، وذم بها الباغين، وأنا الآن أذكر لك الآيات من القرآن التي حذرنا فيها ربنا تعالى من الفرقة
стр. 2514
والاختلاف، وأمرنا بلزوم الجماعة والائتلاف، نصيحة لإخواننا وشفقة على أهل مذهبنا، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (١) .. إلى آخر الآية.
ثم حذرنا من مواقعة ما أتاه من قبلنا من أهل الكتاب فيصيبنا ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ (٢).
فأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا ومن بعد البيان اختلفوا، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
стр. 2515
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (١).
فهل بقي رحمكم الله أوضح من هذا البرهان، أو أشفى من هذا البيان؟ وقد أعلمنا الله تعالى أنه قد خلق خلقاً للاختلاف والفرقة، وحذرنا أن نكون كهم لهم واستثنى أهل رحمته لنواظب على المسألة أن يجعلنا منهم فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ (٢).
ثم حذر نبيه ﷺ أن يتبع أهل الأهواء المختلفين وآراء المتقدمين فقال : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٣). وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤). وقال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
стр. 2516
الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (١). وقال فيما ذم به المخالفين: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ (٢).اهـ (٣)
- وقال: فإن قال قائل: قد ذكرت نهي النبي ﷺ عن الفرقة وتحذيره أمته ذلك وحضه إياهم على الجماعة والتمسك بالسنة، وقلت إن ذلك هو أصل المسلمين ودعامة الدين، وأن الفرقة الناجية هي واحدة، والفرق المذمومة نيف وسبعون فرقة، ونحن نرى أن هذه الفرقة الناجية أيضاً فيها اختلاف كثير وتباين في المذاهب، ونرى فقهاء المسلمين مختلفين، فلكل واحد منهم قول يقوله ومذهب يذهب إليه وينصره ويعيب من خالفه عليه. فمالك ابن أنس ﵀ إمام وله أصحاب يقولون بقوله ويعيبون من خالفهم،
стр. 2517
وكذلك الشافعي ﵀، وكذلك سفيان الثوري ﵀، وطائفة من فقهاء العراق، وكذلك أحمد ابن حنبل ﵀، كل واحد من هؤلاء له مذهب يخالف فيه غيره.
ونرى قوماً من المعتزلة والرافضة وأهل الأهواء يعيبونا بهذا الاختلاف، ويقولون لنا: الحق واحد فكيف يكون في وجهين مختلفين؟ فإني أقول له في جواب هذا السؤال: أما ما تحكيه عن أهل البدع مما يعيبون به أهل التوحيد والإثبات من الاختلاف، فإني قد تدبرت كلامهم في هذا المعنى، فإذا هم ليس الاختلاف يعيبون، ولا له يقصدون، وإنما هم قوم علموا أن أهل الملة وأهل الذمة والملوك والسوقة والخاصة والعامة وأهل الدنيا كافة، إلى الفقهاء يرجعون ولأمرهم يطيعون، وبحكمهم يقضون، في كل ما أشكل عليهم، وفي كل ما يتنازعون فيه فعلى فقهاء المسلمين يعولون، في رجوع الناس إلى فقهائهم، وطاعتهم لعلمائهم ثبات للدين، وإضاءة للسبيل وظهور لسنة الرسول، وكل ذلك ففيه غيظ لأهل الأهواء، واضمحلال للبدع، فهم يوهون أمر الفقهاء، ويضعفون أصولهم، ويطعنون عليهم بالاختلاف، لتخرج الرعية عن طاعتهم، والانقياد لأحكامهم، فيفسد الدين وتترك الصلوات والجماعات، وتبطل الزكوات والصدقات، والحج والجهاد، ويستحل الربا والزنا والخمور والفجور، وما قد ظهر مما لا خفاء به على العقلاء. فأما أهل البدع -يا أخي رحمك الله- فإنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويعيبون ما يأتون، ويجحدون ما يعلمون، ويبصرون القذى في عيون غيرهم وعيونهم تطرف على الأجذال، ويتهمون أهل العدالة والأمانة في النقل، ولا يتهمون
стр. 2518
آراءهم وأهواءهم على الظن، وهم أكثر الناس اختلافاً، وأشدهم تنافياً وتبايناً، لا يتفق اثنان من رؤسائهم على قول، ولا يجتمع رجلان من أئمتهم على مذهب.
فأبو الهذيل يخالف النظام، وحسين النجار يخالفهما، وهشام الفوطي يخالفهم، وثمامة بن أشرس يخالف الكل، وهاشم الأوقص وصالح قبة يخالفانهم، وكل واحد منهم قد انتحل لنفسه ديناً ينصره ورباً يعبده وله على ذلك أصحاب يتبعونه، وكل واحد منهم يكفر من خالفه ويلعن من لا يتبعه، وهم في اختلافهم وتباينهم كاختلاف اليهود والنصارى، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١).
فاختلافهم كاختلاف اليهود والنصارى، لأن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات الله، وفي الكيفية، وفي قدرة الله، وفي عظمته، وفي نعيم الجنة، وفي عذاب النار، وفي البرزخ، وفي اللوح المحفوظ، وفي الرق المنشور، وفي علم الله، وفي القرآن، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي مرسل، إلا بوحي من الله، وليس يعدم من رد العلم في هذه الأشياء إلى رأيه وهواه وقياسه ونظره واختياره؛ من الاختلاف العظيم والتباين الشديد.
وأما الرافضة فأشد الناس اختلافاً وتبايناً وتطاعناً فكل واحد منهم يختار مذهبا لنفسه يلعن من خالفه عليه ويكفر من لم يتبعه، وكلهم يقول: إنه لا صلاة ولا صيام ولا جهاد ولا جمعة ولا عيدين ولا نكاح ولا طلاق
стр. 2519
ولا بيع ولا شراء؛ إلا بإمام، وإنه من لا إمام له فلا دين له، ومن لم يعرف إمامه فلا دين له، ثم يختلفون في الأئمة، فالإمامية لها إمام تسوده وتلعن من قال: إن الإمام غيره وتكفره، وكذلك الزيدية لها إمام غير إمام الإمامية. وكذلك الإسماعيلة، وكذلك الكيسانية، والبترية، وكل طائفة تنتحل مذهباً وإماماً وتلعن من خالفها عليه وتكفره. ولولا ما نؤثره من صيانة العلم الذي أعلى الله أمره، وشرف قدره، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ، وقبيح أقوالهم ومذاهبهم التي تقشعر الجلود من ذكرها، وتجزع النفوس من استماعها، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها؛ لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين، ولكنه قد روي عن طلحة بن مصرف ﵀، قال: لولا أني على طهارة لأخبرتكم بما تقوله الروافض.
وقال ابن المبارك ﵀: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ولولا أنك قلت إن أهل الزيغ يطعنون على أئمتنا وعلمائنا باختلافهم، فأحببت أن أعلمك أن الذي أنكروه هم ابتدعوه، وأن الذي عابوه هم استحسنوه، ولولا اختلافهم في أصولهم وعقودهم وإيمانهم ودياناتهم؛ لما دنسنا ألفاظنا بذكر حالهم.
فأما الاختلاف فهو ينقسم على وجهين: أحدهما اختلاف، الإقرار به إيمان ورحمة وصواب، وهو الاختلاف المحمود الذي نطق به الكتاب ومضت به السنة، ورضيت به الأمة، وذلك في الفروع والأحكام التي أصولها ترجع إلى الإجماع والائتلاف. واختلاف هو كفر وفرقة وسخطة وعذاب يؤول بأهله إلى الشتات، والتضاغن والتباين والعداوة، واستحلال الدم والمال، وهو
стр. 2520
اختلاف أهل الزيغ في الأصول والاعتقاد والديانة. فأما اختلاف أهل الزيغ، فقد بينت لك كيف هو، وفيما اختلفوا فيه. وأما اختلاف أهل الشريعة الذي يؤول بأهله إلى الإجماع والألفة، والتواصل والتراحم؛ فإن أهل الإثبات من أهل السنة يجمعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة؛ بأن الإيمان قول وعمل ونية وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أن الله خالق الخير والشر ومقدرهما، وعلى أن الله يرى في القيامة، وعلى أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان ببقاء الله، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بالأشياء، وأن الله قديم لا بداية له ولا نهاية ولا غاية، بصفاته التامة، لم يزل عالماً ناطقاً سميعاً بصيراً، حياً حليماً، قد علم ما يكون قبل أن يكون، وأنه قدر المقادير قبل خلق الأشياء.
ومجمعون على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵈، وعلى تقديم الشيخين، وعلى أن العشرة في الجنة جزماً وحتماً لا شك فيه، ومجمعون على الترحم على جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، والاستغفار لهم ولأزواجه وأولاده وأهل بيته، والكف عن ذكرهم إلا بخير، والإمساك وترك النظر فيما شجر بينهم، فهذا وأشباهه مما يطول شرحه لم يزل الناس مذ بعث الله نبيه ﷺ إلى وقتنا هذا مجمعين عليه في شرق الأرض وغربها، وبرها وبحرها وسهلها وجبلها، يرويه العلماء رواة الآثار وأصحاب الأخبار، ويعرفه الأدباء والعقلاء، ويجمع على الإقرار به الرجال والنسوان، والشيب والشبان، والأحداث والصبيان، في الحاضرة والبادية، والعرب والعجم، لا يخالف ذلك ولا ينكره ولا يشذ عن الإجماع مع الناس فيه إلا رجل خبيث زائغ، مبتدع
стр. 2521
محقور مهجور مدحور، يهجره العلماء ويقطعه العقلاء، إن مرض لم يعودوه، وإن مات لم يشهدوه. ثم أهل الجماعة مجمعون بعد ذلك على أن الصلاة خمس، وعلى أن الطهارة والغسل من الجنابة فرض، وعلى الصيام والزكاة والحج والجهاد، وعلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا وقتل النفس المؤمنة بغير حق، وتحريم شهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وما يطول الكتاب بشرحه، ثم اختلفوا بعد إجماعهم على أصل الدين واتفاقهم على شريعة المسلمين، اختلافاً لم يصر بهم إلى فرقة ولا شتات، ولا معاداة ولا تقاطع وتباغض، فاختلفوا في فروع الأحكام والنوافل التابعة للفرائض، فكان لهم وللمسلمين فيه مندوحة، ونفس وفسحة ورحمة، ولم يعب بعضهم على بعض ذلك، ولا أكفره ولا سبه ولا لعنه، ولقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في الأحكام اختلافاً ظاهراً، علمه بعضهم من بعض، وهم القدوة والأئمة والحجة.
فكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول: إن الجد يرث ما يرثه الأب ويحجب من يحجبه الأب، فخالفه على ذلك زيد بن ثابت وخالفهما علي بن أبي طالب، وخالفهم ابن مسعود، وخالف ابن عباس جميع أصحاب رسول الله ﷺ في مسائل من الفرائض، وكذلك اختلفوا في أبواب من العدة والطلاق، وفي الرهون والديون والوديعة والعارية، وفي المسائل التي المصيب فيها محمود مأجور، والمجتهد فيها برأيه المعتمد للحق إذا أخطأ فمأجور أيضاً، غير مذموم، لأن خطأه لا يخرجه من الملة، ولا يوجب له النار، وبذلك جاءت السنة عن المصطفى ﷺ . (١)
стр. 2522
- وقال: فاختلاف الفقهاء -يا أخي، رحمك الله- في فروع الأحكام وفضائل السنن رحمة من الله بعباده، والموفق منهم مأجور، والمجتهد في طلب الحق إن أخطأه غير مأزور، وهو يحسن نيته، وكونه في جملة الجماعة في أصل الاعتقاد والشريعة مأجور، قال النبي ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (١). وإن تأول متأول من الفقهاء مذهباً في مسألة من الأحكام خالف فيها الإجماع، وقعد عنه فيها الاتباع، كان منتهى القول بالعتب عليه أخطأت، لا يقال له كفرت ولا جحدت ولا ألحدت، لأن أصله موافق للشريعة وغير خارج عن الجماعة في الديانة. (٢)
- وقال: فالإصابة في الجماعة توفيق ورضوان، والخطأ في الاجتهاد عفو وغفران، وأهل الأهواء اختلفوا في الله، وفي الكيفية، وفي الأبنية، وفي الصفات، وفي الأسماء، وفي القرآن، وفي قدرة الله، وفي عظمة الله، وفي علم
стр. 2523
الله، تعالى الله عما يقول الملحدون علوّاً كبيراً. (١)
- وقال: فقد ذكرت من الرواية عن رسول الله ﷺ ، وما أخبر به من تفرق هذه الأمة، ومضاهاتها في تفرقها اليهود والنصارى والأمم السالفة، ما في بعضه كفاية لأهل الحق والرعاية، فإن قال قائل: قد صح عندنا من كتاب ربنا ومن قول نبينا ﷺ ؛ أن الأمم الماضية من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا وكفر بعضهم بعضاً ومثل ذلك فقد حل بهذه الأمة، حتى قد كثرت فيهم الأهواء، وأصحاب الآراء والمذاهب، وكل ذلك فقد رأيناه وشاهدناه، فنريد أن نعرف هذه الفرق المذمومة لنجتنبها، ونسأل مولانا الكريم أن يعصمنا منها ويعيذنا مما حل بأهلها، الذين استهوتهم الشياطين، فأصبحوا حيارى، عن طريق الحق صادفين.
قلت: فاعلم رحمك الله أن لهذه الفرق والمذاهب كلها أصولاً أربعة فكلها عن الحق حائدة، وللإسلام وأهله معاندة، وعن أربعة أصول يتفرقون، ومنها يتشعبون، وإليها يرجعون، ثم تتشعب بهم الطرق وتأخذهم الأهواء، وقبيح الآراء حتى يصيروا في التفرق إلى ما لا يحصى، فأما الأربعة الأصول، التي بها يعرفون، وإليها يرجعون، فهو ما حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد وأبو عمر عبيد الله بن محمد بن عبيد بن مسبح العطار وأبو بكر محمد ابن الحسين وأبو يوسف يعقوب بن يوسف، قالوا: حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، قال: حدثنا المسيب بن واضح، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج،
стр. 2524
والقدرية، والمرجئة. ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون الجماعة التي قال رسول الله ﷺ : إنها الناجية.
وحدثنا أبو القاسم حفص بن عمر قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال: حدثنا المسيب بن واضح السلمي الحمصي، قال: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه، وقلت له: يا أبا محمد إنك بقية أسلاف العلم الماضين وإنك إمام سنة وأنت على من لقيك حجة، ولم آتك لسمع الأحاديث ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي ﷺ أن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، فأخبرني مَن هذه الفرق حتى أتوقاها، فقال لي أصلها أربعة: القدرية والمرجئة والشيعة وهم الروافض والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية، وثماني عشرة في المرجئة، وثماني عشرة في الخوارج، وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به، قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة، فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء فكل يدعو إلى هواه، وقد اختلفوا علي فما أدري بأيها أتمسك فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله أنه ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر
стр. 2525
هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به وانظر تلك الفرق التي اختلفوا عليك فيها فاتركهم فليست من دينهم في شيء. قال أبو حاتم الرازي: حدثت عن عامر، عن إبراهيم الأصبهاني، قال: حدثنا يعقوب الأشعري، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵁، قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين والنصارى على اثنتين وسبعين وأنتم على ثلاث وسبعين وإن من أضلها وشرها وأخبثها الشيعة الذين يشتمون أبا بكر وعمر ﵄.
وحدثنا أبو القاسم حفص بن عمر، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن عيسى، قال: قال حفص بن حميد، قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة؟ فقال: الأصل أربع فرق: هم الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة، فافترقت الشيعة على ثنتين وعشرين فرقة وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة. قال: قلت يا أبا عبد الرحمن لم أسمعك تذكر الجهمية، قال: إنما سألتني عن فرق المسلمين. (١)
- وقال: فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى ﷺ وأمر به أصحابه والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة واتباع الآثار ما فيه بلاغ وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله ضمن لمن أطاع الله ورسوله خير الدنيا والآخرة، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ