← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١) وقال الله : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. (٢) وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٣) أي: الاختيار. وقال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) أي: قدوة، يقال: تأسى به، أي: اتبع فعله، واقتدى به، ويقال للتعزية: التأسية، كأنه يقول: قد أصاب فلانا ما أصابك، فصبر، فتأس به واقتد. ثم احتج من السنة بأحاديث كثيرة، منها حديث العرباض بن سارية فقال ﵀ (٥): وقوله: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا» (٦) إشارة إلى ظهور البدع والأهواء -والله أعلم- فأمر بلزوم سنته، وسنة الخلفاء الراشدين، والتمسك بها بأبلغ وجوه الجد، ومجانبة ما أحدث على خلافها. - وقال ﵀: (باب رد البدع والأهواء): قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٧)، وقال الله تعالى:

стр. 3117

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، أي: على علم أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوه بغيا، أي: للبغي. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (٣)، قيل: العوج فيما لا شخص له، يقال: في الأمر والدين عوج بكسر العين، وفي الجدار والشجر: عوج بفتح العين. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٤)، هم أهل البدع والأهواء، وقال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٥)، أي: زينته وحسنه بترقيش الكذب، ومنه قوله : ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ (٦)، أي: تزينت بألوان نباتها، والزخرف: كمال حسن الشيء. (٧) - وقال ﵀: قد أخبر النبي ﷺ عن افتراق هذه الأمة، وظهور

стр. 3118

الأهواء والبدع فيهم، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته، وسنة أصحابه ﵃، فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلا يتعاطى شيئا من الأهواء والبدع معتقدا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرأ منه، ويتركه حيا وميتا، فلا يسلم عليه إذا لقيه ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق. والنهي عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا. (١) - وقال عقب إيراده لقصة الثلاثة الذين خلفوا (٢): وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد، وكان رسول الله ﷺ خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله ﷺ براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم. (٣) • موقفه من المشركين: - أورد ﵀ في (باب قتل المرتد) (٤) حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه». وحديث عكرمة قال: لما بلغ ابن عباس أن عليا حرق المرتدين أو الزنادقة، قال: لو كنت أنا، لم أحرقهم

стр. 3119

ولقتلتهم، لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» ولم أحرقهم لقول رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله». (١) ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم أن المسلم إذا ارتد عن دينه يقتل، واختلفوا في استتابته، فذهب بعضهم إلى أنه لا يستتاب، يروى ذلك عن الحسن وطاووس، وإليه ذهب عبيد بن عمير، وقال عطاء: إن كان أصله مسلما، فارتد لا يستتاب، وإن كان مشركا فأسلم، ثم ارتد، فإنه يستتاب. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقتل حتى يستتاب، إلا أنهم اختلفوا في مدة الاستتابة، فذهب قوم -وهو القياس- أنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل مكانه، وهو أظهر قولي الشافعي، ويروى ذلك عن معاذ وأبي موسى، وقال الزهري: يستتاب ثلاث مرات، فإن تاب، وإلا ضرب عنقه، وقال أصحاب الرأي: ثلاث مرات في ثلاثة أيام. وذهب بعضهم إلى أنه يتأنى به ثلاثا لعله يرجع، وإليه ذهب عمر ﵁، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال مالك: أرى الثلاث حسنا. واختلفوا في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام، فذهبت طائفة إلى أنها تقتل كالرجل، وهو قول الأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق، وذهبت طائفة إلى أنها تحبس ولا تقتل، وهو قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي. واختلف أهل العلم في قتل الساحر، روي عن عمرو بن دينار أنه سمع

стр. 3120

بجالة يقول: كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر (١). وروي عن حفصة زوج النبي ﷺ أن جارية لها سحرتها، فأمرت بها فقتلت (٢). وإلى هذا ذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من أهل العلم، وهو قول مالك، وسئل الزهري أعلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ صنع به ذلك، فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب. وعند الشافعي يقتل الساحر إن كان ما يسحر به كفرا إن لم يتب، فإن لم يبلغ عمله الكفر، فلا يقتل، وتعلم السحر لا يكون كفرا عنده إلا أن يعتقد قلب الأعيان منه، وذهب قوم إلا أن تعلمه كفر، وهو قول أصحاب الرأي. ولو قتل الساحر رجلا بسحره وأقر: أني سحرته، وسحري يقتل غالبا، فيجب عليه القود عند الشافعي، وعند أصحاب الرأي: لا يجب به القود، ولو قال: سحري قد يقتل، وقد لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: أخطأت إليه من غيره، فهو خطأ تجب به الدية مخففة، وتكون في ماله، لأنه ثبت باعترافه إلا أن تصدقه العاقلة، فتكون عليهم. ولو قاتل أهل الإسلام أهل الردة، فلا يجب على المسلمين ضمان ما أتلفوا على أهل الردة من نفس ومال. واختلفوا في أهل الردة هل يجب عليهم ضمان ما أتلفوا على المسلمين في حال القتال من نفس ومال؟ فقد روي عن أبي بكر أنه قال لقوم جاؤوه تائبين: تدون

стр. 3121

قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: لا نأخذ لقتلانا دية، فرأى أبو بكر عليهم الضمان، وهو أصح قولي الشافعي. وأما قول عمر: "فلا نأخذ لقتلانا دية". فيحتمل أنه ذهب إلى أنه لا ضمان عليهم على خلاف رأي أبي بكر، كما لا يجب على أهل الحرب ضمان ما أتلفوا على المسلمين ويحتمل أنه كان يرى رأي أبي بكر في وجوب الضمان غير أنه رأى الإعراض عنه ترغيبا لهم في الثبات على الإسلام. قال شعبة: سألت الحكم عن العبد يأبق، فيلحق بأرض الشرك؟ قال: لا تزوج امرأته، وسألت حمادا، فقال: تزوج امرأته. • موقفه من الرافضة: قال ﵀ (١) تحت حديث العرباض (٢): والحديث يدل على تفضيل الخلفاء الراشدين على من سواهم من الصحابة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فهؤلاء أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين صلى الله عليهم، وترتيبهم في الفضل، كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وكما خص النبي ﷺ هؤلاء من بين الصحابة باتباع سنتهم، فقد خص من بينهم أبا بكر وعمر في حديث حذيفة عن النبي ﵇ قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». (٣) • موقفه من الجهمية: - قال ﵀: الأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز

стр. 3122

وجل (١)، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح. قال الله لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (٢) وقال الله : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (٣) وقال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٤) وقال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٥) وقال : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦) وقال: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧)، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٨)، ﴿هَلْ

стр. 3123

يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (١) وقال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٢) وقال الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣) وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٤) وقال رسول الله ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر» (٥) وروى أنس عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه» (٦)، وفي رواية أبي هريرة: «حتى يضع الله رجله» (٧) وفي حديث أبي هريرة في آخر من يخرج من النار: «فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة» (٨) وفي حديث جابر: «فيتجلى لهم يضحك» (٩) وفي حديث أنس وغيره: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره وقد أضله في أرض

стр. 3124

فلاة» (١) فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضا فيها عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، معتقدا أن الباري لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢) وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعا بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم، فقال : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣).اهـ (٤) - وقال أيضا: (باب الرد على من قال بخلق القرآن): قال الله : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٥) فالقرآن كلام الله ووحيه، وتنزيله وصفته، ليس بخالق، ولا مخلوق، ولا محدث ولا حادث، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، متلو بالألسن، مسموع بالآذان، قال الله

стр. 3125

تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٤) وقال الله : ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٥) وقال الله عزوجل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٦) وقال الله عزوجل لرسوله ﷺ : ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ﴾ (٧) وقال الله عزوجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٨) وقال الله عزوجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (٩) وقال ابن عباس: لولا أن يسره على لسان الآدميين ما استطاع

стр. 3126

أحد أن يتكلم بكلام الله. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) وقال عزوجل: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٤) ليس ذلك حدث الخلق، إنما هو حدوث أمر، كما قال الله عزوجل: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (٥) وقال ابن مسعود عن النبي ﷺ : «إن الله يحدث من أمره شيئا، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» (٦). وقوله عزوجل: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٧) يريد: ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، كل ذلك محدث، فالمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله محدث، والمذكور غير محدث. وروي عن ابن عباس ﵁ في قوله عزوجل:

стр. 3127

﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (١) قال: غير مخلوق. وقال سفيان بن عيينة: بين الله الخلق من الأمر، فقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (٣) فلم يجمع القرآن مع الإنسان في الخلق، بل أوقع اسم الخلق على الإنسان، والتعليم على القرآن. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (٤) وقال الله عزوجل: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٥). عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة، فقال رسول الله ﷺ : «من أي شيء؟» قال: لدغتني عقرب، قال رسول الله ﷺ : «أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق، لم يضرك إن شاء الله» (٦). هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي صالح. وفي هذا الحديث وفي أمثاله مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله دليل

стр. 3128

على أن كلام الله غير مخلوق، لأن النبي ﷺ استعاذ به، كما استعاذ بالله، فقال ﷺ : ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (١) وقال: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (٢) وقال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». واستعاذ بصفاته، كما جاء في دعاء المشتكي: «قل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد» (٣) ولم يكن النبي ﷺ يستعيذ بمخلوق من مخلوق. وبلغني عن أحمد بن حنبل رحمه أنه كان يستدل بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» على أن القرآن غير مخلوق، لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص. وقيل: كلمات الله في هذا الحديث: القرآن، وروي عن عكرمة قال: صلى ابن عباس على جنازة، فقال رجل من القوم: اللهم رب القرآن العظيم اغفر لي، فقال ابن عباس: لا تقل مثل هذا، إن القرآن منه بدأ وإليه يعود. وقد مضى سلف هذه الأمة، وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله، ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة وبدعة، لم يتكلم بها أحد في عهد الصحابة والتابعين ﵏، وخالف الجماعة الجعد بن درهم، فقتله خالد بن عبد الله القسري بذلك، فخطب بواسط في يوم أضحى، وقال: ارجعوا أيها الناس فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد ابن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما،

стр. 3129

سبحانه وتعالى عما يقول الجعد. ثم نزل فذبحه. وكان الجهم بن صفوان صاحب الجهمية أخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم. (١) - قال ﵀: واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه. سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب والأعرابي، واله عما سوى ذلك. وقال أيضا: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل. وقال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم. وقال مالك بن أنس: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. روى عبد الرحمن بن مهدي عن مالك: لو كان الكلام علما، لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل. وسئل سفيان الثوري عن الكلام فقال: دع الباطل، أين أنت عن الحق، اتبع السنة، ودع البدعة. وقال: وجدت الأمر الاتباع، وقال: عليكم بما عليه

стр. 3130

الجمالون والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاب من الإقرار والعمل. قال الربيع عن الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء. وقال يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير له من أن يبتليه بالكلام. وقال أبو ثور عن الشافعي: ما ارتدى أحد الكلام فأفلح. وقال الحسن بن محمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام. وقال الربيع عن الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم يدخل في الوصية، لأنه ليس من العلم. وقال: لو أوصى لأهل العلم، لم يدخل أهل الكلام. وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا عبيد يقول: جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (١) وجميع أمر الدنيا في كلمة: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) يدخلان في كل باب. (٣) - وقال معقبا على الخطابي الذي أول صفتي الفرح والضحك بالرضى: والمتقدمون من أهل الحديث فهموا من هذه الأحاديث ما وقع الترغيب فيه من

стр. 3131

الأعمال والإخبار عن فضل الله عزوجل، وأثبتوا هذه الصفات لله عزوجل، ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم أن الله منزه عن صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١).اهـ (٢) - قال ﵀: (باب الرد على الجمهية): قال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣)، سمى الله نفسه شيئا. وقال الله عزوجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٤) وسمى النبي ﷺ القرآن شيئا، فقال لرجل: «أمعك من القرآن شيء؟» قال: نعم. (٥) وساق بسنده عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٦).اهـ (٧)

стр. 3132

- وقال ﵀ -فيما يجب علينا اتجاه الأحاديث المروية عن النبي ﷺ : والواجب فيه وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث، والتلسيم وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق. وعلى العبد أن يعتقد أن الله عظيم له عظمة، كبير له كبرياء، عزيز له عزة، حي له حياة، باق له بقاء، عالم وله علم، ومتكلم وله كلام، قوي له قوة، وقادر وله قدرة، وسميع وله سمع، بصير له بصر. قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ (١) وقال الله عزوجل: ﴿وَأَن اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ (٤) وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٥) وقال النبي ﷺ عن الله عزوجل: «وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (٦). وقال الله سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٧) ﴿وَعَنَتِ

стр. 3133

الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (١) وقال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٢) وقال الله عزوجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وقال الله عزوجل: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (٤) وقال عزوجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ (٥) وقال ﵎: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٦) وقال عزوجل: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (٧) وقال عزوجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٩) وقال عزوجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١٠) وقال جل ذكره: ﴿إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ (١١) وقال

стр. 3134

عزوجل: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (١) وقال عزوجل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ (٢) وقال : ﴿إِن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ (٣) وقال عزوجل: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (٤) وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٦) وقال عزوجل: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٧) وقال النبي ﷺ : «حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٨). ويجب أن يعتقد أن الله عز اسمه قديم بجميع أسمائه وصفاته، لا يجوز له اسم حادث، ولا صفة حادثة، كان الله خالقا ولا مخلوق، وربا ولا مربوب، ومالكا ولا مملوك، كما هو الآخر قبل فناء العالم، والوارث قبل فناء الخلق، والباعث قبل مجيء البعث، ومالك يوم الدين قبل مجيء يوم القيامة. وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي ﷺ : «يقول الله : أنا

стр. 3135

الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي» (١) فبين أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله، ولا يعتقد في صفات الله تعالى أنها هو ولا غيره، بل هي صفات له أزلية، لم يزل جل ذكره، ولا يزال موصوفا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. (٢) - له من الآثار السلفية: ١ - مقدمة جيدة في شرح السنة، وله فيها مواقف طيبة من الجهمية وغيرهم. ٢ - تفسيره. فيه سلفية وتأويل قد بينته في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (٣) موقفه من الخوارج: - قال ﵀ (٤): (باب من مات لا يشرك بالله شيئا): قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥). وأما قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ

стр. 3136

جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١) قيل: نزل هذا في رجل قتل مسلما ثم ارتد، وقيل: معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه ولم يعف عنه، فقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ خبر لا يقع فيه خلف، وقوله : ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وعيد يرجى فيه العفو. قال الله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣). - ثم ساق طائفة من الأحاديث إلى أن قال: اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئا منها، فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة (٤). واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدا، فكفره بعضهم، ولم يكفره

стр. 3137

الآخرون. (١) - وقال ﵀: كتاب قتال أهل البغي (باب قتال الخوارج والملحدين): -ثم ساق بسنده أحاديث قتال الخوارج، وقد تقدمت معنا مرارا- ثم قال (٢): إذا بغت طائفة من المسلمين، وخرجت على إمام العدل بتأويل محتمل، ونصبت إماما، وامتنعت عن طاعة إمام العدل، يبعث الإمام إليهم، فيسألهم: ما تنقمون؟ فإن ذكروا مظلمة، أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة بينة، يقول لهم: عودوا إلى طاعتي لتكون كلمتكم، وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة، فإن امتنعوا يدعوهم إلى المناظرة، وإن امتنعوا عن المناظرة، أو ناظروا، وظهرت الحجة عليهم، فأصروا على بغيهم، يقاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته، قال الله : ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). وسئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، قيل: منافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا، فقاتلناهم. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في القتال من نفس أو مال، فلا

стр. 3138

ضمان فيه على قول الأكثرين، وهو قول الشافعي في الجديد، ومذهب أصحاب الرأي. قال الشافعي: أمر الله أن يصلح بينهم بالعدل، ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، فأشبه هذا أن تكون التباعات في الدماء والجراح، وما تلف من الأموال ساقطة بينهم، كما قال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى الحكم عليهم، فما علمت اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه. وقال في القديم: ما أتلفت الفئة الباغية على العادلة من نفس أو مال، ضمنوه، فأما ما أتلفت إحداهما على الأخرى في غير حال القتال، فيجب ضمانه مالا كان أو نفسا بالاتفاق. ومن ولي من أهل البغي ظهره في الحرب هاربا، لا يتبع، وكذلك لو أثخن واحد، أو أسر، فلا يقتل، نادى منادي علي يوم الجمل: ألا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح يريد: لا يجهز عليه، أي: لا يقتل، وأتي علي يوم صفين بأسير، فقال له علي: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين، فخلى سبيله. قال حماد عن إبراهيم: لولا أن عليا قاتل أهل القبلة لم يدر أحد كيف يقاتلهم. وإذا استولى أهل البغي على بلد، فأخذوا صدقات أهلها لا يثنى عليهم، وينفذ قضاء قاضيهم، وتقبل شهادة عدولهم، وإنما تثبت هذه الأحكام في حقهم باجتماع ثلاث شرائط: أحدها: أن يكون لهم قوة ومنعة. والثاني: أن يكون لهم تأويل محتمل.

стр. 3139

والثالث: أن ينصبوا إماما بينهم، فلو فقد شرط من هذه الشرائط، فحكمهم حكم قطاع الطريق في المؤاخذة بضمان ما أتلفوا، ورد قضائهم، وجرح شاهدهم. قال الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا الجماعات، وأكفروهم، لم يحل بذلك قتالهم، بلغنا أن عليا ﵁، سمع رجلا يقول: لا حكم إلا لله في ناحية المسجد، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. قال الشافعي: ولو قتلوا واليهم أو غيره قبل أن ينصبوا إماما، ويظهروا حكما مخالفا لحكم الإمام، كان عليهم في ذلك القصاص. قد أسلموا وأطاعوا واليا عليهم من قبل علي ﵁، ثم قتلوه، فأرسل إليهم علي: أن ادفعوا إلينا قاتله نقتله به، قالوا: كلنا قتله، قال: فاستسلموا نحكم عليكم، قالوا: لا، فسار إليهم فقاتلهم، فأصاب أكثرهم. ومنع النبي ﷺ عمر من قتل ذي الخويصرة، لأنه لم يجتمع فيه ما يبيح قتله. وفيه دليل على أن من توجه عليه التعزير لحق الله ، جاز للإمام تركه، والإعراض عنه. (١) - وقال ﵀: ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة، لأن النبي ﷺ جعلهم كلهم من أمته. (٢)

стр. 3140

• موقفه من المرجئة: - قال في شرح السنة: اتفق الصحابة والتابعون، فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (١) فجعل الأعمال كلها إيمانا، وكما نطق به حديث أبي هريرة. (٢) وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء ... (٣) إلى أن قال: واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته، قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وكرهوا أن يقول الرجل: أنا مؤمن حقا، بل يقول: أنا مؤمن، ويجوز

стр. 3141

أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا على معنى الشك في إيمانه واعتقاده من حيث علمه بنفسه، فإنه فيه على يقين وبصيرة، بل على معنى الخوف من سوء العاقبة، وخفاء علم الله تعالى فيه عليه، فإن أمر السعادة والشقاوة يبتني على ما يعلم الله من عبده، ويختم عليه أمره، لا على ما يعلمه العبد من نفسه، والاستثناء يكون في المستقبل، وفيما خفي عليه أمره، لا فيما مضى وظهر، فإنه لا يسوغ في اللغة لمن تيقن أنه قد أكل وشرب أن يقول: أكلت إن شاء الله، وشربت إن شاء الله، ويصح أن يقول: آكل وأشرب إن شاء الله. ولو قال: أنا مؤمن من غير استثناء يجوز، لأنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، مقر بها من غير شك. (١) - وقال ﵀: جعل النبي ﷺ في هذا الحديث الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: «ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» (٢) والتصديق والعمل يتناولها اسم الإيمان والإسلام جميعاً، يدل عليه قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ

стр. 3142

دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١) فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. (٢) موقفه من القدرية: - قال ﵀: (باب الإيمان بالقدر): قال الله ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ (٣) وقال الله عزوجل: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٥). -ثم ساق بسنده أحاديث- منها: عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» (٦). زاد عبيد الله: «خيره وشره». وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (٧). وعن أبي هريرة قال: قال

стр. 3143

رسول الله ﷺ : «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى». (١) ثم ختم الباب قائلا: الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢) وقال الله عزوجل: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) وقال عزوجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٤) فالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، كلها بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة، ووعد عليهما بالثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية، وأوعد عليهما العقاب، قال : ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (٥) وقال الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا

стр. 3144

يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٣) قال ابن عباس: الحرج: موضع الشجر الملتف لا تصل الراعية إليه، فقلب الكافر لا تصل إليه الحكمة، وكل ضيق حرج وحرج. وقال الله : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) أي طبع عليها، فلا تعقل ولا تعي خيرا، ومعنى الختم: التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء. وقال جل ذكره: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (٥) قيل: المستور هاهنا بمعنى الساتر. والحجاب: الطبع. وقال : ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. (٦) فالعبد له كسب، وكسبه مخلوق يخلقه الله حالة ما يكسب، والقدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق بالعقل، بل يعتقد أن الله خلق الخلق،

стр. 3145

فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلا، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلا. قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (١) وقال الله : ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٢) قال سعيد بن جبير: ما قدر لهم من الخير والشر، ومن الشقوة والسعادة، وقال الله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ (٣) قال مجاهد: بمضلين ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ (٤) إلا من كتب الله أنه يصلى الجحيم، وقال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ (٥) قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٦) وقال : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٧) وقيل في قوله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ (٨) أي طريق الخير،

стр. 3146

وطريق الشر. وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس ويروى هذا مرفوعا. وقال الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ (١) فنسأل الله التوفيق لطيب المكتسب، ونعوذ به من سوء المنقلب بفضله. (٢) - وقال: (باب وعيد القدرية): ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٤). هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي كريب عن وكيع عن سفيان الثوري (٥). قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ قيل: في أمر يسعر، أي: يلهب. وقال الأزهري: يقال: ناقة مسعورة، إذا كان بها جنون، وقيل: سعر: جمع سعير. (٦)

стр. 3147

السنة الثامنة عشرة بعد الخمسمائة (٥١٨ هـ) فضائح الباطنية وموقف المسلمين منهم: قال ابن كثير: ثم دخلت ثمان عشرة وخمسمائة فيها ظهرت الباطنية بآمد فقاتلهم أهلها فقتلوا منهم سبعمائة. (١) موقف السلف من أسعد بن أبي روح الرافضي (قبل ٥٢٠ ه ـ) قال الذهبي: رأس الرفض بالشام، القاضي أبو الفضل أسعد بن أحمد بن أبي روح الأطرابلسي، صاحب التصانيف. أخذ عن ابن البراج، وسكن صيدا إلى أن أخذتها الفرنج، فقتل بها. (٢) البُرْسُقِي (٣) (٥٢٠ هـ) الملك آقسُنْقُر مملوك بُرْسُق غلام السلطان طُغْرُلْبَك قسيم الدولة أبو سعيد، ولي الموصل والرحبة، وقد ولي شحنكية بغداد، وكان تركيا جيد السيرة محافظا على الصلوات في أوقاتها، كثير البر والصدقات إلى الفقراء، كثير الإحسان إلى الرعايا، ولاه السلطان محمد بعدما استقرت له السلطنة

стр. 3148

وتقدم إليه بالتجهز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل فملكها وغزا ودفع الفرنج عن حلب ثم عاد إلى الموصل، وكان خيرا يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة كثير التهجد من الليل، وكان من كبراء الدولة السلجوقية، وله شهرة كبيرة بينهم، قتلته الباطنية بجامع الموصل يوم الجمعة التاسع من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة. وكانوا قد جلسوا له في الجامع بزي الصوفية، فلما انفتل من صلاته قاموا إليه وأثخنوه جراحا، وذلك لأنه كان تصدى لاستئصال شأفتهم وتتبعهم وقتل منهم عصبة كبيرة ﵀. • موقفه من المشركين: جاء في السير: وكان قد أباد في الإسماعيلية فشد عليه عشرة بالجامع فقتل بيده منهم ثلاثة. (١) الطُّرْطُوشِي (٢) (٥٢٠ هـ) محمد بن الوليد بن خلف أبو بكر الطرطوشي الإمام العلامة، القدوة الزاهد، شيخ المالكية الفقيه، لازم القاضي أبا الوليد الباجي بسرقسطة، وسمع بالبصرة من أبي علي التستري وسمع ببغداد من قاضيها أبي عبد الله الدامغاني ورزق الله التميمي، وأبي عبد الله الحميدي وغيرهم، حدث عنه أبو طاهر

стр. 3149

السلفي والفقيه سلار بن المقدم وجوهر بن لؤلؤ المقرئ وآخرون. قال ابن بشكوال: كان إماما عالما زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا باليسير، سكن الشام مدة ودرس بها، وبعد صيته هناك وأخذ عنه الناس هناك علما كثيرا، وكان سديد السيرة مشتغلا بما يعنيه ملاذا للغرباء والفقهاء. استقر بالإسكندرية ينشر العلم، ويفقه الناس بأمور دينهم، يصلح ما أفسده العبيديون، وكان ﵀ قد أوذي من الأفضل الوزير العبيدي. وبقي كذلك إلى أن قتل الأفضل وولي مكانه المأمون بن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراما كثيرا. توفي بالإسكندرية في جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة. موقفه من المبتدعة: كان هذا الإمام من الموفقين المهديين -نفع الله به وبعلمه- وترك تراثا في العقيدة السلفية، استفاد منه أهل المغرب والمشرق وكانت له مواقف جيدة في العقيدة. آثاره السلفية: ١ - 'رسالة في الرد على إحياء علوم الدين للغزالي'. المصدر: ذكرها في السير. (١) ٢ - 'الحوادث والبدع' وقد طبع غير ما مرة. ٣ - 'الرد على اليهود'. المصدر: ذكره الذهبي في سيره. (٢)

стр. 3150

من مواقفه ﵀: - قال ﵀: فإن قيل لنا: فما أصل البدعة؟ قلنا: أصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء يُحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احتُذي، ولا أُلِفَ مثلُهُ. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢)؛ أي: لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض. وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح. (٣) - وقال: اعلم أن علماءنا ﵃ قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الاثنتين وسبعين فرقة عن هؤلاء تفرّقوا وتشعّبوا، وهم: الخوارج -وهي أول فرقة خرجت على عليّ بن أبي طالب ﵁ والروافض، والقدرية، والمرجئة. ولم يرد علماؤنا أن أصل كل بدعة من هؤلاء الأربع تفرعت وتشعّبت على مقتضى أصل البدع، حتى كملت ثلاثة وسبعين فرقة؛ فإن ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن، وإنما أرادوا أن كل بدعة وضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الأربع فرق، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعاً للأولى وشعبة من

стр. 3151

شعبها، بل هي بدعة مستقلّة بنفسها، ليست من الأولى بسبب. (١) - ثم ذكر ما أحدثه الناس عند ختم القرآن فقال: وأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم، وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلاً ضمّ امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس! (٢) - وقال: فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ... وقال مالك في المدوّنة: الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء. (٣) فتأملوا -رحمكم الله-، فقد نهى مالك أن يقصّ أحد في رمضان بالدعاء، وحكى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء. - وقال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائماً؟ فقال: ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله. فعلقّ بقوله: اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسنّنة، وألا يُعتقد أيضاً في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة. (٤)

стр. 3152

- وقال وهو يرد على من يستدل للمحدثات بشيوع ذلك عند الناس -وهو ما يعبر عنه ما جرى به العمل-: فصل في الكلام على فريق من العامّة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشياً، لا مُنكر له!! فالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدلّ على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه. ألا ترى أن بيع الباقلاّء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟ والاستئجار على الحج شائع في بلاد الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟ واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة. والاقتعاط: هو التعمّم دون الحنك ... وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟ وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضباً، فقالت له: مالك؟ فقال: (والله ما أعرف فيهم شيئاً من أمر محمد ﷺ ؛ إلا أنهم يصلّون جميعاً)، وما روينا هنالك من الآثار!! فإنهم لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟!

стр. 3153

وأما من تعلّق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة! فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فردّه عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله ﷺ ، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟! وأيضاً؛ فإنما كان يكون فيه مُتَعلَّق لو نقلتُمْ عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوامّ، وهذا ما لا ينقلونه أبداً، وإنما كان يفعله العوامّ والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم. والدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشدّ الناس تمسّكاً بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: (قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحبّ إليّ)، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في المدوّنة: (ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء)، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم! ولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخَلَف عن السّلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوامّ والغوغاء. ثم يقال لهم: بمَ تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة -فقد فَضَلَت القيروان بالخلافة-، ثم لم يُعهد فيها قطّ خطبةٌ ولا منبر ولا دعاء ولا

стр. 3154

اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟ فإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟ فالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تُنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك. وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض -كما حكي لنا أن رجلاً وُجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلاً واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط-؛ فهذا فسوق، فيُفسّق الذي يكون سبباً لاجتماعهم. فإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في التفسير: (أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله)؟ قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلّي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟! وأيضاً؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسبُ. (١) - وقال: فصل في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة

стр. 3155

المسلمين: روى مسلم في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». (١) فتدبّر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قطّ من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قِبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قِبله. وقد صرّف عمر هذا المعنى تصريفاً، فقال: (ما خان أمين قطّ، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان). ونحن نقول: ما ابتدع عالم قطّ، ولكنه استُفتي من ليس بعالم؛ فضلّ وأضلّ. (٢) - وقال: الباب الرابع في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها: فمن ذلك البدع المحدثة في الكتاب العزيز من الألحان والتطريب: قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ (٣)؛ يعني: فصِّلْهُ تفصيلاً، وبيِّنْهُ تبييناً، وترسَّل فيه ترسيلاً، ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رَتِلٌ ورَتْلٌ؛ إذا كان مُفْلجاً ذا فُرج. قال مالك: (ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء، ويُضحك بالقرآن، فيُقال: فلان أقرأُ من فلان).
следующие страницы →