← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

شعبها، بل هي بدعة مستقلّة بنفسها، ليست من الأولى بسبب. (١) - ثم ذكر ما أحدثه الناس عند ختم القرآن فقال: وأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم، وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلاً ضمّ امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس! (٢) - وقال: فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ... وقال مالك في المدوّنة: الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء. (٣) فتأملوا -رحمكم الله-، فقد نهى مالك أن يقصّ أحد في رمضان بالدعاء، وحكى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء. - وقال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائماً؟ فقال: ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله. فعلقّ بقوله: اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسنّنة، وألا يُعتقد أيضاً في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة. (٤)

стр. 3152

- وقال وهو يرد على من يستدل للمحدثات بشيوع ذلك عند الناس -وهو ما يعبر عنه ما جرى به العمل-: فصل في الكلام على فريق من العامّة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشياً، لا مُنكر له!! فالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدلّ على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه. ألا ترى أن بيع الباقلاّء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟ والاستئجار على الحج شائع في بلاد الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟ واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة. والاقتعاط: هو التعمّم دون الحنك ... وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟ وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضباً، فقالت له: مالك؟ فقال: (والله ما أعرف فيهم شيئاً من أمر محمد ﷺ ؛ إلا أنهم يصلّون جميعاً)، وما روينا هنالك من الآثار!! فإنهم لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟!

стр. 3153

وأما من تعلّق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة! فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فردّه عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله ﷺ ، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟! وأيضاً؛ فإنما كان يكون فيه مُتَعلَّق لو نقلتُمْ عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوامّ، وهذا ما لا ينقلونه أبداً، وإنما كان يفعله العوامّ والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم. والدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشدّ الناس تمسّكاً بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: (قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحبّ إليّ)، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في المدوّنة: (ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء)، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم! ولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخَلَف عن السّلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوامّ والغوغاء. ثم يقال لهم: بمَ تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة -فقد فَضَلَت القيروان بالخلافة-، ثم لم يُعهد فيها قطّ خطبةٌ ولا منبر ولا دعاء ولا

стр. 3154

اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟ فإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟ فالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تُنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك. وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض -كما حكي لنا أن رجلاً وُجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلاً واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط-؛ فهذا فسوق، فيُفسّق الذي يكون سبباً لاجتماعهم. فإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في التفسير: (أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله)؟ قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلّي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟! وأيضاً؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسبُ. (١) - وقال: فصل في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة

стр. 3155

المسلمين: روى مسلم في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». (١) فتدبّر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قطّ من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قِبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قِبله. وقد صرّف عمر هذا المعنى تصريفاً، فقال: (ما خان أمين قطّ، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان). ونحن نقول: ما ابتدع عالم قطّ، ولكنه استُفتي من ليس بعالم؛ فضلّ وأضلّ. (٢) - وقال: الباب الرابع في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها: فمن ذلك البدع المحدثة في الكتاب العزيز من الألحان والتطريب: قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ (٣)؛ يعني: فصِّلْهُ تفصيلاً، وبيِّنْهُ تبييناً، وترسَّل فيه ترسيلاً، ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رَتِلٌ ورَتْلٌ؛ إذا كان مُفْلجاً ذا فُرج. قال مالك: (ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء، ويُضحك بالقرآن، فيُقال: فلان أقرأُ من فلان).

стр. 3156

وبلغني أن الجواري يُعلَّمن ذلك كما يُعلمن الغناء! أترى هذا من القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ ؟!. (١) - وقال: ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه ... وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويُثقِّف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النّيّة في الوضوء، ومحلّها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جواباً، وهو يتلو عُمُرَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢). بل لو سألته عن أوّل درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جواباً!. (٣) - وعقد فصلاً نقل فيه أقوال الأئمة ببدعية ما أحدث الناس من الاجتماع في المساجد والدعاء يوم عرفة ثم قال: فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله

стр. 3157

تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوامّ أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يُدخل في الدين ما ليس منه. وقد كنت ببيت المقدس، فإذا كان يوم عرفة؛ حُبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة! وكنت أسمع هناك سماعاً فاشياً منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام!!. (١) - وقال: ومن البدع اجتماع الناس بأرض الأندلس على ابتياع الحلوى ليلة سبع وعشرين من رمضان. وكذلك على إقامة 'يَنَير' بابتياع الفواكه؛ كالعجم، وإقامة العنصرة، وخميس إبريل؛ بشراء المجبّنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعاً أو أشتاتاً مع النساء مختلطين للتفرّج. وكذلك يفعلون في أيام العيد، ويخرجون للمصلّى، ويقمن فيه الخيم للتفرج لا للصلاة. ودخول الحمام للنساء مع الكتابيات بغير مئزر، والمسلمين مع الكفار في الحمام ... ورجع الناس ينافسون في الضحية؛ للافتخار، لا للسنة، ولا لطلب

стр. 3158

الأجر، بل لإقامة الدنيا. ومن البدع قراءة القارئ يوم الجمعة عشراً من القرآن عند خروج السلطان، وكذلك الدعاء بعد الصلاة، وقراءة الحزب في جماعة، وقراءة سورة الكهف بعد العصر في المسجد في جماعة، وكذلك قول من يقول عند قيام الإمام في المحراب قبل تكبيرة الإحرام: اللهم أقِمْها وأدِمْها ما دامت السماوات والأرض! وهذا دعاء المحال؛ لأن ما بقي لقيام الساعة أقل مما مضى؛ بدليل قوله ﷺ : «بُعثتُ أنا والساعة كهاتين» (١)، وقرن السبابة والوسطى. (٢) - وقد ردّ على من يتعلق بحديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله» الحديث (٣)، للقراءة الجماعية بقوله: والسّرّ فيه أن قوله ﷺ : «يتلونه ويتدارسونه» خطاب عربيّ، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم، ورجل واحد يقرأ القرآن؛ لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن ويتدارسونه. وإن كانوا كلهم سكوتاً. وكذلك لو مرّ العربيّ بجماعة اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه ولسماع حديث رسول الله ﷺ ؛ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم،

стр. 3159

ويقرؤون العلم والحديث، وإن كان القارئ واحداً. (١) - وقال في المآتم: والمأتم: هو الاجتماع في الصّبحة، وهو بدعة منكرة لم يُنقل فيه شيء. وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة، فهو طامّة. وقد بلغني عن الشيخ أبي عمران الفاسيّ -وكان من أئمة المسلمين- أن بعض أصحابه حضر صبحة، فهجره شهرين وبعض الثالث، حتى استعان الرجل عليه، فقبله وراجعه، وأظنه استتابه ألا يعود. فأما ما يوقد فيها من الشمع والبخور؛ فتبذير وسرف، وإن أنفقه الوصيّ من مال التركة؛ ضمنه، وسقطت به عدالته، واستأنف الحاكم النظر في الوصاية. (٢) - وقال ﵀: اعلم أن ما حدث في سائر أقطار بلاد أهل الإسلام من هذه المنكرات والبدع لا مطمع لأحد في حصرها، لأنها خطأ وباطل، والخطأ لا تنحصر سبله، ولا تتحصل طرقه، فاخط كيف شئت، وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه، فهو الحق، لأنه أمر واحد مقصود، يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه. وما مثل هذا إلا كالرامي للهدف، فإن طرق الإصابة تنحصر وتتحصل من إحكام الآلات، وأسباب النزع، وتسديد السهم.

стр. 3160

فأما من أراد أن يخطئ الهدف، فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط. (١) - وقال: فأما أصحاب الألحان؛ فإنما حدثوا في القرن الرابع؛ منهم: محمد بن سعيد صاحب الألحان، والكرماني، والهيثم، وأبان ... فكانوا مهجورين عند العلماء، فنقلوا القراءة إلى أوضاع لحون الأغاني، فمدوا المقصور، وقصروا الممدود، وحركوا الساكن، وسكنوا المتحرك، وزادوا في الحرف، ونقصوا منه، وجزموا المتحرك، وحركوا المجزوم؛ لاستيفاء نغمات الأغاني المطربة ... ومن ألحانهم في القرآن: النبطي، والرومي، والحساني، والمكي، والإسكندراني، والمصري، والكاروندي، والراعي، والديباجي، والياقوتي، والعروسي، والزّرجون، والمرجي والمجوسي، والزنجي، والمُنمنم، والسِّندي، وغيرها؛ كرهنا ذكر التطويل بها. فهذه أسماء ابتدعوها في كتاب الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢). فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه؛ من أمر، أو نهي، أو وعد، أو وعيد، أو وعظ، أو تخويف، أو ضرب مثل، أو اقتضاء حكم، أو غير ذلك مما أنزل به القرآن، وإنما هو للذة، والطرب، والنغمات، والألحان؛ كنقر الأوتار، وأصوات المزامير؛ كما قال الله يذمّ قريشاً: ﴿وَمَا

стр. 3161

كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١). وإنما أنزل القرآن لتُتدبّر آياته وتفهم معانيه: قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ (٣). وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤). وهذا يمنع أن يقرأ بالألحان المطرِّبة والمشبِّهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر ضدَّ الخشوع، ونقيضَ الخوف والوجل. وقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٥). وهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ. فأين هذا من دقّ الرِّجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟!

стр. 3162

قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (١). فليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟! أألحان الكرماني ونغمات الترمذي، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟!. (٢) موقفه من المشركين: - قال ﵀: فانظروا -رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط؛ فاقطعوها. (٣) - وقال: ولا يُتمسّح بقبر النبيّ ﷺ ، ولا يَمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيُسلّم على النبيّ ﷺ ، ثم يدعو مستقبلاً القبلة؛ يُولّيه ظهره -وقيل: لا يوليه ظهره- ويصلّي ركعتين قبل السلام عليه. وقيل: واسعٌ أن يسلم عليه قبل أن يركع. (٤) موقفه من الرافضة: جاء في الفكر السامي: ... وكان راضيا من الدنيا بالقليل لورعه، ثم سكن الأسكندرية وتزوج امرأة موسرة، وهبت له دارا سكن أعلاها

стр. 3163

وجعل أسفلها مدرسة للطلبة، وكان نزوله بالأسكندرية بعد قتل بني عبيد لعلمائها فنشر العلم بها وأحيا معالمه بعد ما تعطلت دروسه وكان يقول: إن سألني الله عن المقام بالأسكندرية مع ما هي عليه من تعطيل الجمعة وغير ذلك من المناكر التي كانت أيام العبيديين أقول له: وجدت قوما ضلالا فكنت سبب هدايتهم. وهكذا ينبغي للعلماء، بل يجب عليهم هداية الخلق ولا يجوز لهم الهجرة إلا إذا يئسوا الهداية أو خافوا الفتنة على أنفسهم أو دينهم. وامتحنه العبيديون بإخراجه منها وملازمة الفسطاط. (١) موقفه من الصوفية: - جاء في السير: أنبأنا ابن علان عن الخشوعي عن الطرطوشي أنه كتب هذه الرسالة جوابا عن سائل سأله من الأندلس عن حقيقة أمر مؤلف الإحياء، فكتب إلى عبد الله بن مظفر: سلام عليك فإني رأيت أبا حامد وكلمته فوجدته امرءا وافر الفهم والعقل وممارسة للعلوم، وكان ذلك معظم زمانه، ثم خالف عن طريق العلماء ودخل في غمار العمال، ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم سابها وجعل يطعن على الفقهاء بمذاهب الفلاسفة ورموز الحلاج وجعل ينتحي عن الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين. قال الحافظ أبو محمد: إن محمد بن الوليد هذا، ذكر في غير هذه الرسالة: كتاب الإحياء. قال: وهو -لعمر الله أشبه بإماتة علوم الدين. ثم رجعنا إلى تمام الرسالة.

стр. 3164

قال: فلما عمل كتابه الإحياء، عمد فتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها ولا خبير بمعرفتها. فسقط على أم رأسه، فلا في علماء المسلمين قر، ولا في أحوال الزاهدين استقر، ثم شحن كتابه بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتابا على وجه بسيط الأرض أكثر كذبا على الرسول منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ورموز الحلاج ومعاني رسائل إخوان الصفا وهم يرون النبوة اكتسابا، فليس النبي عندهم أكثر من شخص فاضل تخلق بمحاسن الأخلاق وجانب سفسافها، وساس نفسه حتى لا تغلبه شهوة، ثم ساق الخلق بتلك الأخلاق. وأنكروا أن يكون الله يبعث إلى الخلق رسولا، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. ولقد شرف الله الإسلام وأوضح حججه، وقطع العذر بالأدلة، وما مثل من نصر الإسلام بمذاهب الفلاسفة والآراء المنطقية إلا كمن يغسل الثوب بالبول، ثم يسوق الكلام سوقا يرعد فيه ويبرق ويمني ويشوق، حتى إذا تشوفت له النفوس قال: هذا من علم المعاملة وما وراءه من علم المكاشفة، لا يجوز تسطيره في الكتب ويقول: هذا من سر الصدر الذي نهينا عن إفشائه. وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في الدين، يستقل الموجود ويعلق النفوس بالمفقود، وهو تشويش لعقائد القلوب، وتوهين لما عليه كلمة الجماعة فلئن كان الرجل يعتقد ما سطره، لم يبعد تكفيره وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله. وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب، فلعمري إذا انتشر بين من لا معرفة له بسمومه القاتلة، خيف عليهم أن يعتقدوا إِذاً صحة ما فيه، فكان تحريقه في معنى ما حرقته الصحابة من صحف المصاحف التي تخالف

стр. 3165

المصحف العثماني. (١) التعليق: يا من يقرؤون لدعاة التخريف في العصر الحاضر، اقرأوا كلمة عالم خبير، له معرفة بالعلوم الشرعية والباع الطويل. إذا تكلم في واحد منها يظن أنه لا يحسن غيره. ماذا يقول في كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي؟ هل تصدقه أو تصدق سعيد حوى في كتابه 'تربيتنا الروحية' وأمثاله كثير، والله المستعان. - جاء في الصاعقة المحرقة: سأله بعضهم فقال: ما تقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية أنه يجتمع من الرجال فيكثرون من ذكر الله وذكر محمد ﷺ ، ثم إنهم يرقصون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا رحمكم الله. الجواب: رحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول ما أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون. فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة، ويشغلون به المسلمين (٢) عن كتاب الله.

стр. 3166

وإنما كان مجلس النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من المسلمين وبالله التوفيق. (١) موقفه من القدرية: ذكر حديث افتراق الأمة (٢) ومثل بالقدرية فقال: وبيان ذلك بالمثال: أن القدر أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في مسائل من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم متفقون أن أفعال العباد خلقٌ لهم من دون الله تعالى، ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر: فقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فاعلين! وقال بعضهم -وهو المِرْدار-: يجوز فعلٌ بين فاعلين مخلوقين على التولّد. وأحال مثله بين القديم والمُحدَث. ثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة؛ كاختلافهم في الصلاح والأصلح: فقال البغداديون منهم: يجب على الله -تعالى عن قولهم- فعلُ الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، ولا يجوز في حكمته تبقية وجهٍ ممكن به الصلاح العاجل والآجل؛ إلا وعليه فعلُ أقصى ما يقدِرُ عليه في استصلاح عباده. قالوا: وواجبٌ على الله -تعالى- ابتداءُ الخلق الذين علم أنه يُكلِّفهم،

стр. 3167

ويجب عليه إكمال عقولهم وأقدارهم، وإزاحة عللهم! وقال البصريون منهم: لا يجب على الله -تعالى- إكمال عقولهم، ولا أن يؤتيهم أسبابَ التكليف. وقال البغداديون منهم: يجب على الله -تعالى عن قولهم- عقاب العصاة إذا لم يتوبوا، والمغفرة من غير توبة سفهٌ من الغافر! وأبى البصريون ذلك. وابتدع جعفر بن مبشِّر من القدرية بدعةً، فقال: من استحضر امرأة ليتزوجها، فوثب عليها، فوطئها بلا وليّ ولا شهود ولا رضىً ولا عقد؛ حلّ له ذلك!. وخالفه في ذلك سَلَفه، وخالفه خَلَفُهُ. وقال ثُمامة بن أشرسَ: إن الله -تعالى- يُصيّر الكفار والملحدين وأطفال المشركين والمؤمنين والمجانين تراباً يوم القيامة؛ لا يُعذبهم، ولا يُعوّضهم! وقوله هذا في الكفار والملحدين خرقٌ لإجماع الأمة؛ من أهل الإثبات، وأهل القدر، وغيرهم. (١) أبو الوليد ابن رشد (٢) (٥٢٠ هـ) الإمام العلامة شيخ المالكية، قاضي الجماعة بقرطبة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي جد ابن رشد الفيلسوف. ولد سنة

стр. 3168

خمس وخمسين وأربعمائة. وتفقه بأبي جعفر أحمد بن رزق وسمع الجياني وأبا عبد الله بن فرج وأبا مروان بن سراج. وأجاز له أبو العباس بن دلهاث. قال ابن بشكوال: كان فقيها عالما، حافظا للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره، عارفا بالفتوى بصيرا بأقوال أئمة المالكية، نافذا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم والبراعة والفهم مع الدين والفضل والوقار والحلم والسمت الحسن. كانت الدراية أغلب عليه من الرواية كثير التصانيف. وله ثناء على أئمة الأشاعرة كما في مسائله (١). مات في ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة وصلى عليه ابنه أبو القاسم. موقفه من القدرية: له مواقف من القدرية والرد على ضلالهم حذا فيها حذو الأئمة الأعلام. - جاء في كتاب 'البيان والتحصيل': وسمعت مالكا يقول لرجل سألتني أمس عن القدر؟ فقال له الرجل: نعم، قال: يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) حقت كلمته ليملأن جهنم منهم، فلابد من أن يكون ما قال. قال محمد بن رشد: هذه الآية بينة في الرد على أهل القدر كما قال،

стр. 3169

وذلك أنهم يقولون إن الله تعالى أمر عباده بالطاعة وأرادها منهم ونهاهم عن المعصية ولم يردها منهم، فلم يكن ما أراد من الطاعة وكان ما لم يرد من المعصية، لأن العباد عندهم خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم دون إرادة ربهم وخالقهم، وذلك ضلال بين وكفر صريح عند أكثر العلماء، لأنهم يلحقون العجز بالله تعالى في أن يكون ما لا يريد، ويريد ما لا يكون، والجهل به أيضا لأنهم إذا كانوا هم الخالقون لأفعالهم بمشيئتهم، فلا يعلم وقوعها منهم على قولهم حتى يفعلوها، وهذا كفر صريح وتكذيب لقوله تعالى في غير ما آية من كتابه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) وقال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) وقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (٦) والآيات في الرد عليهم أكثر من أن تحصى وأبين من أن تخفى، وقد قال عون بن معمر سمعت سعيد ابن أبي عروبة وكان يترهب بمذهب أهل القدر يقول: ما في

стр. 3170

القرآن آية أشد علي من قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (١) قال: فقلت القرآن يشق عليك؟ والله لا أكلمك أبدا فما كلمته حتى مات، فرحم الله عون بن معمر، والآثار في ذلك عن النبي ﷺ متواترة لا تحصى، من ذلك قوله: «كل شيء بقدر» (٢)، وقوله: «لا تسأل المرأة طلاق أختها ولتنكح فإنما لها ما قدر لها» (٣) وقوله ﷺ : «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون»، فقال رجل ففيم العمل؟ فقال رسول الله: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» (٤)، وقول آدم لموسى في حديث محاجته: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق (٥) وبالله التوفيق. (٦)

стр. 3171

- وقال: سئل مالك عن القدرية فقال قوم سوء فلا تجالسوهم، قيل ولا نصلي وراءهم؟ قال: نعم، وقال سحنون: كان ابن غانم يقول في كراهية مجالسة أهل الأهواء: أرأيت لو أن أحدكم قعد إلى سارق في كمه بضاعة أما كان يختزنها منه خوفا أن يغتاله فيها فلا يجد بدا أن يقول نعم، قال: فدينكم أولى بأن تحرزوه وتتحفظوا به. وسئل عن الرجل يكون بينه وبين الرجل من أهل القدر في ذلك منازعة حتى يبقى يأتيه القدري فيأخذ بيده وتتصل إليه، فقال: إن كان جاء نازعا تاركا لذلك فليقبل منه ذلك وليكلمه وإن لم يكن جاء لذلك فإني أراه في سعة من ترك كلامه، قيل له: إنه قديتشبت ويتعلق ويأخذ بيدي ويسألني الكلام؟ فقال: لا أرى بأسا أن يترك كلامه. قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية في أهل القدر إنهم قوم سوء فلا يجالسوا ولا يصلي وراءهم، نص منه على أنهم لا يكفروا باعتقادهم خلاف ظاهر قوله في أول رسم من سماع ابن القاسم آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١) الآية، قال فأي كلام أبين من هذا، قال ابن القاسم: ورأيته تأولها على أهل الأهواء، فالقدرية عند عامة العلماء كفار، لأنهم نسبوا إلى الله تعالى العجز والجهل في قولهم إن الله لم يقدر المعاصي ولا الشر، وإن ذلك جار في خلقه وسلطانه بغير قدرته ولا إرادته، فنفوا القدرة والإرادة في ذلك

стр. 3172

عن الله تعالى ونسبوها لأنفسهم حتى قال بعض طواغيتهم: إنه لو كان طفل على حاجز بين الجنة والنار لكان الله تعالى موصوفا بالقدرة على طرحه إلى الجنة وإبليس موصوفا بالقدرة على طرحه في النار، وأن الله لا يوصف بالقدرة على ذلك، وزعموا أن خلاف هذا كفر وشرك، وعند بعضهم قوم سوء ضلال؛ لأنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في عقود الدين؛ لأن الله تعالى أضلهم وأغواهم ولم يرد هداهم وعمى بصائرهم عن الحق ولم يرد شرح صدورهم له كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾ (١) الآية وقد تواترت الآثار بإخراجهم عن الإسلام وإضافتهم إلى أصناف الكفر، من ذلك قول النبي ﷺ : «القدرية مجوس هذه الأمة» (٢) و «القدرية نصارى هذه الأمة» وقوله: «صنفان من أمتي ليس لهم نصيب في الإسلام المرجئة والقدرية» (٣)، وقوله: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا»، وقوله ﷺ : «اتقوا هذه القدرية؛ فإنها شعبة من النصرانية» (٤) ومن مثل هذا ونحوه كثير، وقد نهى مالك عن مجالستهم وإن لم يرهم كفارا بما لقولهم على هذه الرواية لوجوه ثلاثة، أحدها: أنهم إن لم يكونوا كفارا فهم زائغون ضلال يجب التبرؤ منهم وبغضهم في الله؛ لأن

стр. 3173

البغض في الله والحب فيه من الإيمان، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية، وهم ممن حاد الله ورسوله باعتقادهم الفاسد الذي خرجوا به عن الملة في قول كافة الأمة، والوجه الثاني: مخافة أن يعرض بنفسه سوء الظن بمجالستهم فيظن به أنه يميل إلى هواهم، والثالث: مخافة أن يستمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده بشبههم وكفى من التحرير عن ذلك المثل الصحيح الذي ضربه مالك في رواية ابن غانم عنه ونهى عن الصلاة خلفهم على مقتضى هذه الرواية من أنهم كفار لأنهم وإن لم يكونوا كفارا هم زائغون ضلال ... (١) وردد ذلك مرارا كلما جاء ذكرهم كما في (١٧/ ٢٦٥و٥٠٣و٥٧٥) و (١٨/ ١٤٩و٢١٠). (٢) أبو العز القَلاَنِسِي (٣) (٥٢١ هـ) الإمام الكبير شيخ القراء أبو العز محمد بن الحسين بن بندار الواسطي القلانسي، صاحب التصانيف في القراءات مقرئ العراق. ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وتلا بالعشرة على أبي علي غلام الهراس، وأخذ أيضا عن أبي القاسم الهذلي، وأبي جعفر بن المسلمة، وقرأ ختمة لعاصم على أبي الفوارس الأواني. كان بصيرا بالقراءات وعللها وغوامضها عارفا بطرقها عالي

стр. 3174

الإسناد. وتصدر للإقراء دهرا ورحل إليه من الأقطار. قال السلفي: سألت خميسا الحوزي عن أبي العز، فقال: هو أحد الأئمة الأعيان في علوم القرآن، برع في القراءات، وسمع من جماعة، وهو جيد النقل ذو فهم فيما يقوله. توفي ﵀ في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة بواسط. موقفه من الرافضة: - جاء في السير: قال السمعاني: قرأ عليه عالم من الناس، ورحل إليه من الأقطار، وسمعت عبد الوهاب الأنماطي يسيء الثناء عليه، ونسبه إلى الرفض، ثم وجدت لأبي العز أبياتا في فضيلة الصحابة. (١) - أنشد أبو العز القلانسي: إن من لم يقدم الصديقا ... لم يكن لي حتى الممات صديقا والذي لا يقول قولي في الفا ... روق أهوى لشخصه تفريقا وبنار الجحيم باغض عثما ... ن ويهوي منها مكانا سحيقا من يوالي عندي عليا وعادا ... هم جميعا عددته زنديقا (٢) موقف السلف من المهدي بن تومرت (٥٢٤ ه ـ) كان هذا الرجل قنبلة مشؤومة على العقيدة السلفية. ارتحل من المغرب

стр. 3175

إلى المشرق والتقى بعلماء أشاعرة مع ما تعلمه من مكر الشيعة الباطنية. فرجع إلى المغرب ونفسه تتشوق إلى الرئاسة وحب الظهور. فدخل المغرب وهو يحمل في رأسه كل حيلة ومكر وخداع. فادعى أنه الإمام المعصوم. واستخدم في ذلك أنواع الدجل حتى إنه يحكى عنه أنه كان يتفق مع مجموعة فينومهم في القبور ويأتيهم، ويأمرهم بالقيام من قبورهم فيخرجون، ثم يقتلهم حتى لا يخبرون عن دجله. وتذرع أيضا بعقيدة مزج فيها الأشعرية والاعتزال وسماها عقيدة الموحدين. وسمى العقيدة السلفية التي كان عليها المرابطون عقيدة التجسيم على عادة المبتدعة في تشويه العقيدة السلفية. جاء في السير: قال اليسع ابن حزم: سمى ابن تومرت المرابطين بالمجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب وصفه بما يجب له، مع ترك خوضهم عما تقصر العقول عن فهمه ... فكفرهم ابن تومرت لجهلهم العرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك لم يعرف المخلوق من الخالق، وبأن من لم يهاجر إليه ويقاتل معه فإنه حلال الدم والحريم، وذكر أن غضبه لله وقيامه حسبة. (١) جاء في المنهاج: وأصحاب ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي يقولون: إنه معصوم، ويقولون في خطبة الجمعة: الإمام المعصوم والمهدي المعلوم، ويقال: إنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوما. ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام: للكتاب والسنة

стр. 3176

وإجماع سلف الأمة وأئمتها. فإن الله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول، أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لايقول عنده إلا الحق كالرسول. وهذا خلاف القرآن. وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد. والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (٣) فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول ﷺ هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به

стр. 3177

عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي. وليست هذه المرتبة لغيره. ولهذا اتفق أهل العلم -أهل الكتاب والسنة- على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى عليه وسلم، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ (١) وهو الذي يمتحن به الناس في قبورهم، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ويقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى فّآمنا به واتبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يمتحن في قبره بشخص غير الرسول. (٢) وجاء في السير: وسار ابن تومرت إلى أغمات، فنزلوا على الفقيه عبد الحق المصمودي، فأكرمهم، فاستشاروه، فقال: هنا لا يحميكم هذا الموضع، فعليكم بتينمل فهي يوم عنا، وهو أحصن الأماكن، فأقيموا به برهة كي ينسى ذكركم. فتجدد لابن تومرت بهذا الاسم ذكر لما عنده، فلما

стр. 3178

رآهم أهل الجبل على تلك الصورة، علموا أنهم طلبة علم، فأنزلوهم، وأقبلوا عليهم، ثم تسامع به أهل الجبل، فتسارعوا إليهم، فكان ابن تومرت من رأى فيه جلادة، عرض عليه ما في نفسه، فإن أسرع إليه، أضافه إلى خواصه، وإن سكت، أعرض عنه، وكان كهولهم ينهون شبانهم ويحذرونهم وطالت المدة، ثم كثر أتباعه من جبال درن، وهو جبل الثلج، وطريقه وعر ضيق. قال اليسع في 'تاريخه': لا أعلم مكانا أحصن من تينملل لأنها بين جبلين، ولا يصل إليهما إلا الفارس، وربما نزل عن فرسه في أماكن صعبة، وفي مواضع يعبر على خشبة، فإذا أزيلت الخشبة، انقطع الدرب، وهي مسافة يوم، فشرع أتباعه يغيرون ويقتلون، وكثروا وقووا، ثم غدر بأهل تينملل الذين آووه، وأمر خواصه، فوضعوا فيهم السيف، فقال له الفقيه الإفريقي أحد العشرة من خواصه: ما هذا؟! قوم أكرمونا وأنزلونا نقتلهم!! فقال لأصحابه: هذا شك في عصمتي، فاقتلوه فقتل. قال اليسع: وكل ما أذكره من حال المصامدة، فقد شاهدته، أو أخذته متواترا، وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمرابط أو تلمساني أن يحرقوه. فلما كان عام تسعة عشر وخمس مائة، خرج يوما، فقال: تعلمون أن البشير -يريد الونشريسي- رجل أمي، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مبشرا لكم، مطلعا على أسراركم، وهو آية لكم، قد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ الختمة في أربعة أيام، وركب حصانا وساقه، فبهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيبا، وتلا: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ

стр. 3179

الطَّيِّبِ﴾ (١)، وتلا: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ (٢)، فهذا البشير مطلع على الأنفس، ملهم، ونبيكم ﷺ يقول: «إن في هذه الأمة محدثين، وإن عمر منهم» (٣) وقد صحبنا أقوام أطلعه الله على سرهم، ولا بد من النظر في أمرهم، وتيمم العدل فيهم، ثم نودي في جبال المصامدة: من كان مطيعا للإمام، فليأت، فأقبلوا يهرعون، فكانوا يعرضون على البشير، فيخرج قوما على يمينه، ويعدهم من أهل الجنة، وقوما على يساره، فيقول: هؤلاء شاكون في الأمر، وكان يؤتى بالرجل منهم، فيقول: هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة، فيعترف بما قال، واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يفر منهم أحد، وإذا تجمع منهم عدة، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه. قال: فالذي صح عندي أنهم قتل منهم سبعون ألفا على هذه الصفة، ويسمونه التمييز، فلما كمل التمييز، وجه جموعه مع البشير نحو أغمات، فالتقاهم المرابطون، فهزمهم المرابطون، وثبت خلق من المصامدة، فقتلوا، وجرح عمر الهنتاتي، عدة جراحات، فحمل على أعناقهم مثخنا، فقال لهم البشير: إنه لا يموت حتى تفتح البلاد، ثم بعد مدة، فتح عينيه، وسلم، فلما أتوا، عزاهم ابن تومرت، وقال: يوم بيوم، وكذلك حرب الرسل. (٤)

стр. 3180

وفيها: قال عبد الواحد المراكشي: وكان جل ما يدعو إليه الاعتقاد على رأي الأشعري، وكان أهل الغرب ينافرون هذه العلوم، فجمع متولي فاس الفقهاء، وناظروه، فظهر، ووجد جوا خاليا، وقوما لا يدرون الكلام، فأشاروا على الأمير بإخراجه، فسار إلى مراكش، فبعثوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفقهاء، فناظره ابن وهيب الفيلسوف، فاستشعر ذكاءه وقوة نفسه، فأشار على ابن تاشفين بقتله، وقال: إن وقع إلى المصامدة، قوي شره، فخاف الله فيه، فقال: فاحبسه، قال: كيف أحبس مسلما لم يتعين لنا عليه حق؟ بل يسافر، فذهب ونزل بتينمل، ومنه ظهر، وبه دفن، فبث في المصامدة العلم، ودعاهم إلى الأمر بالمعروف، واستمالهم، وأخذ يشوق إلى المهدي، ويروي أحاديث فيه، فلما توثق منهم قال: أنا هو، وأنا محمد بن عبد الله، وساق نسبا له إلى علي، فبايعوه، وألف لهم كتاب 'أعز ما يطلب'، ووافق المعتزلة في شيء، والأشعرية في شيء، وكان فيه تشيع، ورتب أصحابه، فمنهم العشرة، فهم أول من لباه، ثم الخمسين، وكان يسميهم المؤمنين، ويقول: ما في الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة الذين عنى النبي ﷺ بقوله: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين» (١) وأنتم تفتحون الروم، وتقتلون الدجال، ومنكم الذي يؤم بعيسى، وحدثهم بجزئيات اتفق وقوع أكثرها، فعظمت فتنة القوم به حتى قتلوا أبناءهم وإخوتهم لقسوتهم وغلظ طباعهم، وإقدامهم على الدماء، فبعث جيشا، وقال: اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الدين، فادعوهم إلى إماتة المنكر وإزالة البدع، والإقرار بالمهدي

стр. 3181

المعصوم، فإن أجابوا، فهم إخوانكم، وإلا فالسنة قد أباحت لكم قتالهم، فسار بهم عبد المؤمن يقصد مراكش، فالتقاه الزبير بن أمير المسلمين، فكلموهم بالدعوة، فردوا أقبح رد، ثم انهزمت المصامدة، وقتل منهم ملحمة، فلما بلغ الخبر ابن تومرت، قال: أنجى عبد المؤمن؟ قيل: نعم، قال: لم يفقد أحد، وهون عليهم، وقال: قتلاكم شهداء. (١) وفيها: وأهل العشرة هم: عبد المؤمن، والهزرجي، وعمر بن يحيى الهنتاتي، وعبد الله البشير، وعبد الواحد الزواوي طير الجنة، وعبد الله بن أبي بكر، وعمر بن أرناق، وواسنار أبو محمد، وإبراهيم بن جامع، وآخر. وفي أول سنة أربع وعشرين؛ جهز عشرين ألف مقاتل عليهم البشير، وعبد المؤمن بعد أمور يطول شرحها، فالتقى الجمعان، واستحر القتل بالموحدين، وقتل البشير، ودام الحرب إلى الليل، فصلى بهم عبد المؤمن صلاة الخوف، ثم تحيز بمن بقي إلى بستان يعرف بالبحيرة، فراح منهم تحت السيف ثلاثة عشر ألفا، وكان ابن تومرت مريضا، فأوصى باتباع عبد المؤمن، وعقد له، ولقبه أمير المؤمنين، وقال: هو الذي يفتح البلاد، فاعضدوه بأنفسكم وأموالكم، ثم مات في آخر سنة أربع وعشرين وخمس مائة. (٢) وخلاصة القول إن ابن تومرت أحدث بدعا شنيعة لم تكن بأرض المغرب منها: ١ - فرض العقيدة الأشعرية الممزوجة بالاعتزال بالسيف؛ وقد تقدم قول اليسع.

стр. 3182

٢ - بدعة المهدية والإمام المعصوم. ٣ - بدعة الحزب بعد صلاة المغرب والصبح، وهذه البدعة ما تزال إلى يومنا هذا، وقد وضعت لها أوقاف في جميع بلاد المغرب. (١) ٤ - بدعة "أصبح ولله الحمد" في الأذان، ومجموعة من البدع الأخرى. (٢) القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى بن الفَرَّاء (٣) (٥٢٦ هـ) الإمام العلامة الفقيه القاضي، أبو الحسين محمد بن القاضي الكبير أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي البغدادي. ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. سمع أباه، وأبا جعفر بن المسلمة، وأبا بكر الخطيب، وأبا المظفر هناد النسفي، وعدة. وأجاز له أبو محمد الجوهري، وتفقه بعد موت أبيه، وبرع وناظر، ودرس وصنف، وكان يبالغ في السنة، ويلهج بالصفة وجمع طبقات الفقهاء الحنابلة. حدث عنه السلفي، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، ومظفر بن البري وعدة. قال ابن النجار: تميز وصنف في الأصلين والخلاف والمذهب وكان دينا ثقة حميد السيرة. قال ابن الجوزي: كان يبيت في داره بباب المراتب وحده، فعلم من كان يخدمه بأن له مالا فذبحوه ليلا، وأخذوا المال ليلة عاشوراء سنة ست وعشرين وخمسمائة، ثم وقعوا بهم فقتلوا.

стр. 3183

موقفه من المبتدعة: آثاره السلفية: ١ - 'طبقات الحنابلة' وهو مطبوع مشهور. ٢ - 'إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة'. ٣ - 'الرد على زائفي الاعتقادات في منعهم من سماع الآيات'. ٤ - 'شرف الاتباع وسرف الابتداع'. المصدر: ذيل طبقات الحنابلة. (١) - قال ﵀ وهو يتحدث عن فضائل أحمد بن حنبل: الثالثة: أنه ما أحبه أحد -إما محب صادق، وإما عدو منافق- إلا وانتفت عنه الظنون، وأضيفت إليه السنن. ولا انزوى عنه رفضا، وأظهر له عنادا وبغضا، إلا واتفقت الألسن على ضلالته، وسفه في عقله وجهالته، وقد قدمنا قول الشافعي: من أبغض أحمد بن حنبل فقد كفر. (٢) موقفه من الرافضة: له كتاب: تنزيه معاوية بن أبي سفيان. ذكره في ذيل طبقات الحنابلة. (٣) موقفه من الجهمية: - قال السلفي: كان أبو الحسين متعصبا في مذهبه، وكان كثيرا ما

стр. 3184

يتكلم في الأشاعرة ويسمعهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله تصانيف في مذهبه، وكان دينا ثقة ثبتا، سمعنا منه. (١) - قال القاضي أبو الحسين ﵀: حسبك لشيخي الإسلام، وإمامي الهدى، وخليفتي رسول الله ﷺ الهاديين الراشدين، وتوقفهما وإحجامهما عن تفسير آية من كتاب الله ، وهما أعلم الخلق بالله ، بعد رسول الله ﷺ ، وبرسوله، وبكتاب الله وتأويله، فماذا عسى أن نقول في جسارة المعتزلة، والأشاعرة، وبقية المتكلمين الضالين في تأويل صفات الرحمن ، التي نطق بها القرآن ونقلها الأئمة الأثبات، والعلماء الثقات؟ (٢) - وقال: ومعتقدنا ومعتقد الوالد السعيد، ومن تقدمه من أئمتنا: مبني على حرفين: السكوت عن "لم؟ " في أفعاله ، وعن "كيف؟ " في أوصافه ﵎. (٣) تاج الملوك (٤) (٥٢٦ هـ) صاحب دمشق تاج الملوك بوري بن صاحب دمشق الأتابك طغتكين مولى السلطان تتش السلجوقي. كان ذا علم وحلم وكرم، له أثر كبير في قتل الإسماعيلية. ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. قال ابن الأثير: وكان

стр. 3185

بوري كثير الجهاد شجاعا مقداما سد مسد أبيه وفاق عليه، وكان ممدحا، أكثر الشعراء مدائحه لا سيما ابن الخياط. توفي على إثر جرح اشتد عليه وأضعفه كان من تحايل الإسماعيلية على قتله فأصابه بعضهم بسكين، ثم توفي بعد في رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة. موقفه من المشركين: - قال الذهبي: كان عجبا في الجهاد، لا يفتر من غزو الفرنج، ولو كان له عسكر كثير، لاستأصل الفرنج. (١) - جاء في السير: تملك بعد أبيه في صفر سنة اثنين وعشرين، وكان ذا حلم وكرم، له أثر كبير في قتل وزيره والإسماعيلية. ولما علم ابن صباح صاحب الألموت بما جرى على أشياعه الإسماعيلية بدمشق، تنمر، وندب طائفة لقتل تاج الملوك، فعين اثنين بشربوشين في زي الجند، ثم قدما، فاجتمعا بناس منهم أجناد، وتحيلا على أن صارا من السلحدانة، وضمنوهما، ثم وثبا عليه فقتلاه. قال أبو يعلى ابن القلانسي: وثبوا عليه في خامس جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين، فضربه الواحد بالسيف قصد رأسه، فجرحه في رقبته جرحا سليما، وضربه الآخر بسكين في خاصرته، فمرت بين الجلد واللحم. (٢)

стр. 3186

أبو الحسن ابن الزَّاغُونِي (١) (٥٢٧ هـ) الإمام العلامة، شيخ الحنابلة، ذو الفنون، أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوني البغدادي، صاحب التصانيف. ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وابن النقور، وعدد كثير. وعني بالحديث وقرأ الكثير. حدث عنه السلفي، وابن ناصر وابن عساكر، وابن الجوزي وعدة. وكان من بحور العلم، كثير التصانيف، يرجع إلى دين وتقوى وزهد وعبادة. قال الذهبي: كان إماما فقيها، متبحرا في الأصول والفروع، متفننا، واعظا، مناظرا، ثقة، مشهورا بالصلاح. قال ابن الجوزي: مات في سابع عشر المحرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة. موقفه من الجهمية: قال ابن الزاغوني في قصيدة له: إني سأذكر عقد ديني صادقا ... نهج ابن حنبل الإمام الأوحد منها: عال على العرش الرفيع بذاته ... سبحانه عن قول غاو ملحد (٢)

стр. 3187

مَرْدَنِيش المغربي (١) (٥٢٧ هـ) محمد الجذامي أبو عبد الله مردنيش المغربي الزاهد المجاهد، ولمردنيش مغازي ومواقف مشهودة وفضائل، وهو جد الملك محمد بن سعد بن محمد صاحب شرق الأندلس. كان معه عدة رجال أبطال يغير بهم يمنة ويسرة وكانوا يحرثون على خيلهم كما يحرث أهل الثغر، وكان أمير المسلمين ابن تاشفين يمدهم بالمال والآلات ويبرهم. توفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة. موقفه من المشركين: جاء في السير: فمن عجيب ما صح عندي من مغازيه -يقول ذلك اليسع بن حزم- أنه أغار يوما، فغنم غنيمة كثيرة، واجتمع عليه من الروم أكثر من ألف فارس، فقال لأصحابه وكانوا ثلاث مئة فارس: ما ترون؟ فقالوا: نشغلهم بترك الغنيمة. فقال: ألم يقل القائل: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) فقال له ابن مورين: يا رئيس، الله قال هذا. فقال: الله يقول هذا وتقعدون عن لقائهم؟ قال: فثبتوا، فهزموا الروم. (٣)

стр. 3188

المسترشد بالله (١) (٥٢٩ هـ) المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أبو منصور أمير المؤمنين. ولد في شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة في أيام المقتدي. سمع في سنة أربع وتسعين من أبي الحسن ابن العلاف وسمع من أبي القاسم بن بيان ومن مؤدبه أبي البركات ابن السيبي. روى عنه وزيره علي بن طراد وحمزة ابن علي الرازي وإسماعيل بن الملقب. له خط بديع ونثر صنيع ونظم جيد مع دين ورأي وشهامة وشجاعة، وكان خليقا للإمامة قليل النظير. كان يتنسك في أول زمنه، وختم القرآن وتفقه. لم يكن في الخلفاء من كتب أحسن منه وكان يستدرك على كتابه، ويصلح أغاليط في كتبهم. ألب عليه الباطنية جماعة من الملاحدة فقتلوه في يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. موقفه من المشركين: - قال ابن النجار: أنشدنا هبة الله بن الحسن بن السبط حفظا للمسترشد بالله: قالوا تقيم وقد أحا ... ط بك العدو ولا تفر فأجبتهم المرء ما لم ... يتعظ بالوعظ غر لا نلت خيرا ما حييت ... ولا عداني الدهر شر إن كنت أعلم أن غير ... الله ينفع أو يضر

стр. 3189

وله: أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومن يملك الدنيا بغير مزاحم ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى ... بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي وقيل: إنه قال لما أسر مستشهدا: ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى ... وموت علي من حسام ابن ملجم (١) - قتل الباطنية له: نقل ابن كثير ما حدث بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود ثم قال: فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الإحسان إلى الخليفة، وأن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه، وأرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد فصحب الجيش عشرة من الباطنية، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته وقطعوه قطعا، ولم يلحق الناس منه إلا الرسوم، وقتلوا معه أصحابه منهم عبيد الله بن سكينة، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم الله، وقيل: إنهم كانوا مجهزين لقتله فالله أعلم. (٢)

стр. 3190

أبو جعفر الهَمذَانِي (١) (٥٣١ هـ) أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمذاني، الحافظ الصدوق، رحل وروى عن ابن النقور وأبي صالح المؤذن، والفضل بن المحب وطبقتهم بخراسان والعراق والحجاز والنواحي. قال ابن السمعاني: ما أعرف أن أحدا في عصره سمع أكثر منه. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. موقفه من الجهمية: نقل الذهبي في العلو عن أبي جعفر بن أبي علي قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام- فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما نريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق ومن التحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة. فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون:
следующие страницы →