← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا ... ورأوه حشوا لا يفيد منالا (١) الإمام السُّهَيْلِي (٢) (٥٨١ هـ) الحافظ العلامة، البارع أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد. ولد سنة بضع وخمسمائة. وكف بصره وهو ابن سبع عشرة سنة. أخذ القراءات عن أبي داود الصغير سليمان بن يحيى، وسمع من أبي عبد الله ابن معمر والقاضي أبي بكر بن العربي وشريح بن محمد. وله مصنفات منها: الروض الأنف كالشرح للسيرة النبوية، جمع بين الرواية والدراية، وحمل الناس عنه، وقد استدعي من مالقة إلى مراكش ليأخذوا عنه، سمع منه أبو الخطاب بن دحية والحافظ أبو محمد القرطبي وجماعة. قال ابن دحية: كان يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه وأحسن إليه، وقال أبو جعفر بن الزبير: كان السهيلي واسع المعرفة غزير العلم نحويا متقدما لغويا عالما بالتفسير وصناعة الحديث عارفا بالرجال والأنساب. توفي بمراكش في إحدى وثمانين وخمسمائة. موقفه من الصوفية: جاء في درء التعارض عنه ﵁ قال: أعوذ بالله من قياس

стр. 3292

فلسفي وخيال صوفي. (١) موقفه من الجهمية والقدرية: قال السهيلي في نتائج الفكر: اعلم أن (ما) إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري فلا يصح وقوعها إلا على مصدر، لإجماع العقلاء من الأنام، في الجاهلية والإسلام، على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: عملت جبلا، ولا: صنعت جملا ولا حديدا، ولا حجرا، ولا ترابا ولا شجرا، فإذا ثبت ذلك وقلت: أعجبني ما عملت وما فعلت زيد، فإنما تعني الحدث. فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢) إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالكم. ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول، لأنهم زعموا أن (ما) واقعة على الأصنام والحجارة التي كانوا ينحتونها، وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكارا منهم بأن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه. واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوه، لأنه قد تقدم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ (٣)، فما واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى، أما النحو فقد تقدم أن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا.

стр. 3293

وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوت. فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم كذلك ما فيها واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: أتعبدون حجارة تنحتونها، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟ هذا كله، معنى قول المعتزلة، وشرح ما شبهوا به، والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع والمعنى لا يصح غيره. والذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال، لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام. فإن قيل: فقد تقول: عملت الصحفة، وصنعت الجفنة، وكذلك الأصنام معمولة على هذا؟ قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب، وهي نفس العمل، وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجوهر. وهذا إجماع منا ومنهم، فلا يصح حملهم على غير ذلك، وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر، وتأويلنا معدوم في تأويلهم، لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، فقال: أتعبدون ما تنحتون، أي: ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون، ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية، وقد نسبها بالمجاز إليهم، لما قامت له حجة عليهم من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق

стр. 3294

لأجناس أخر، فيشركهم معه في الخلق -تعالى الله عن قول الزائغين، ولا ولعا لعثرات المبطلين- فما أدحض حجتهم وما أوهى قواعد مذهبهم، وما أبين الحق لمن اتبعه .. نسأل الله الكريم أن يجعلنا من أتباع الحق وحزبه، وأن يعصمنا من شبه الباطل وريبه. (١) عبد المغيث بن زهير (٢) (٥٨٣ هـ) الشيخ الإمام عبد المغيث بن زهير بن زهير بن علوي، أبو العز بن أبي حرب البغدادي الحربي. ولد سنة خمسمائة. سمع أبا القاسم بن الحصين وأبا العز بن كادش وأبا غالب بن البناء وهبة الله بن الطبر. وروى عنه الشيخ الموفق والحافظ عبد الغني والبهاء المقدسي وأبو عبد الله الدبيثي وغيرهم. قال ابن رجب: كان صالحا متدينا، صدوقا أمينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق، مجتهدا في اتباع السنة والآثار، منظورا إليه بعين الديانة والأمانة. وقال الحافظ المنذري: اجتهد في طلب الحديث، وجمعه وصنف وأفاد، وحدث بالكثير. صنف كتابا في فضائل يزيد، أتى فيه بالعجائب، ورد عليه أبو الفرج بن الجوزي. قال الذهبي: ولو لم يصنفه لكان خيرا له. ثم إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن لعنة يزيد قصده متنكرا،

стр. 3295

وسأله عن ذلك، فعرفه الشيخ ولم يعلمه بأنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيلعن أم لا؟ فقال: لا أسوغ لعنه لأني لو فتحت هذا الباب لأفضى الناس إلى لعن خليفتنا، فقال الخليفة: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة كثيرة، منها كذا وكذا، ثم شرع يعدد على الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به. توفي ﵀ في الثالث والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. موقفه من الصوفية: له كتاب الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح، يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو، وذكر فيه: تحريم الدف بكل حال في العرس وغيره. (١) ابن أبي عصرون (٢) (٥٨٥ هـ) الشيخ الإمام العلامة، الفقيه البارع، شيخ الشافعية، عالم أهل الشام، أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. تفقه على المرتضى الشهرزوري، وأخذ القراءات عن أبي عبد الله الحسين بن محمد البارع وأبي بكر المزرفي، سمع من أبي القاسم بن الحصين وجماعة، وولي قضاء دمشق وحران وسنجار وديار ربيعة، ودرس وأقرأ القراءات والفقه،

стр. 3296

واشتهر ذكره، وعظم قدره، ومن تأليفه: كتاب التنبيه في معرفة الأحكام، وكتاب فوائد المهذب وغيرهما. وانتفع به خلق كثير، وانتهت إليه رئاسة المذهب، ومن شعره: أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة ... وما أنا إلا مثلهم غير أن لي ... تمر بي الموتى تهز نعوشها بقايا ليال في الزمان أعيشها وحدث عنه موفق الدين ابن قدامة، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي، والعماد أبو بكر عبد الله بن النحاس. توفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة. موقفه من الجهمية: جاء في طبقات الشافعية الكبرى: قال شيخنا الذهبي وقد سئل عنه الشيخ الموفق فقال: كان إمام أصحاب الشافعي في عصره، وكان يذكر الدرس في رواية الدولعي ويصلي صلاة حسنة، ويتم الركوع والسجود، ثم تولى القضاء في آخر عمره وعمي، وسمعنا درسه مع أخي أبي عمر، وانقطعنا عنه، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد انقطاعنا فقال: لم انقطعتم عني؟ فقلت: إن أناسا يقولون: إنك أشعري. فقال: والله ما أنا بأشعري. هذا معنى الحكاية. (١) التعليق: انظر إلى اهتمام هؤلاء العلماء بالعقيدة السلفية، فعندهم من لم يكن سلفيا لا ينبغي أن يحضر في درسه، ولا يتلقى عنه العلم، مهما كان شأنه. ثم

стр. 3297

انظر إلى جواب هذا الإمام الكبير، ما أفصحه، ولا تلتفت إلى مهاترات ابن السبكي فإنه كالأحمق، لا يدري ما يقول نرجو الله له المغفرة. ابن صَصْرَى (١) (٥٨٦ هـ) الإمام العلامة الحافظ المجود البارع، الرئيس النبيل أبو المواهب، الحسين ابن العدل أبي البركات هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى التغلبي البلدي الأصل الدمشقي، الشافعي. ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. سمع من جده، والفقيه المصيصي وعبدان بن رزين، وعدة. ولازم الحافظ ابن عساكر وأكثر عنه وتخرج به. وارتحل وسمع بحماة وبحلب وبالموصل وببغداد وغيرها. جمع المعجم وصنف التصانيف منها: رباعيات التابعين وفضائل الصحابة وعوالي ابن عيينة، وكان ثقة متقنا، مستقيم الطريقة، لين الجانب، سمحا، كريما. مات رحمه الله تعالى سنة ست وثمانين وخمسمائة. وله تسع وأربعون سنة. موقفه من الرافضة: صنف كتابا في فضائل الصحابة. (٢)

стр. 3298

موقف السلف من السهروردي شهاب الدين يحيى بن حبش الفيلسوف (٥٨٦ ه ـ) قال شيخ الإسلام: وأما القدماء -أرسطو وأمثاله- فليس لهم في النبوة كلام محصل. والواحد من هؤلاء يطلب أن يصير نبيا، كما كان السهروردي المقتول يطلب أن يصير نبيا، وكان قد جمع بين النظر والتأله، وسلك نحوا من مسلك الباطنية، وجمع بين فلسفة الفرس واليونان، وعظم أمر الأنوار، وقرب دين المجوس الأول، وهي نسخة الباطنية الإسماعيلية، وكان له يد في السحر والسيمياء، فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمن صلاح الدين. (١) قال ابن خلكان: وكان يتهم بالانحلال والتعطيل ويعتقد مذهب الأوائل اشتهر ذلك عنه، وأفتى علماء حلب بقتله، وأشدهم الزين والمجد ابنا جهبل. قال الذهبي عقبه: أحسنوا وأصابوا. (٢) نصر بن منصور النُّمَيْرِي (٣) (٥٨٨ هـ) الأمير الأديب، أبو المرهف نصر بن منصور بن حسن النميري، وأمه بنَّةُ بنت سالم بن مالك ابن صاحب الموصل بدران بن مقلد العقيلي. ولد

стр. 3299

بالرافقة سنة إحدى وخمسمائة. وقال الشعر وهو مراهق وله ديوان، ضعف بصره بالجدري. قدم بغداد، وحفظ القرآن وتفقه لأحمد وقرأ العربية على أبي منصور بن الجواليقي. وسمع من ابن الحصين وأبي بكر الأنصاري، ويحيى الفارقي وعبد الرحمن الأنماطي. صحب الصالحين والأخيار ومدح الخلفاء وكان فصيح القول، حسن المعاني، وفيه دين وتسنن. روى عنه عثمان بن مقبل، ويوسف بن خليل، وآخرون. وهو القائل: يزهدني في جميع الأنام ... وهل عرف الناس ذو نهية ... هم الناس ما لم يجربهم ... وليتك تسلم حال البعاد ... قلة إنصاف من يصحب فأمسى له فيهم مأرب وطلس الذئاب إذا جربوا منهم، فكيف إذا قربوا؟ مات في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. موقفه من الرافضة: جاء في البداية: وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاده فأنشأ يقول: أحب عليا والبتول وولدها وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى ويعجبني أهل الحديث لصدقهم ... ولا أجحد الشيخين فضل التقدم كما أتبرأ من ولاء ابن ملجم فلست إلى قوم سواهم بمنتمي (١)

стр. 3300

صلاح الدين الأيّوبي (١) (٥٨٩ هـ) السلطان صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين، أبو المظفر الملك الناصر. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. سمع من أبي طاهر السلفي والفقيه علي بن بنت أبي سعد وأبي الطاهر بن عوف وغيرهم. وروى عنه يونس ابن محمد الفارقي والعماد الكاتب. أمره نور الدين وبعثه مع عمه إلى مصر فقهر بني عبيد ومحا دولتهم. قال الذهبي: وكان خليقا للإمارة مهيبا شجاعا حازما مجاهدا كثير الغزو عالي الهمة، كانت دولته نيفا وعشرين سنة. تملك بعد نور الدين واتسعت بلاده وفتح اليمن وغيرها وسار إلى دمشق، فأخذها من ابن نور الدين وكثيرا من النواحي والأقطار. ثم حاصر القدس وجد في ذلك فأخذها بالأمان، فقامت قيامة الفرنج وأقبلوا كقطع الليل المظلم برا وبحرا، فحاصرهم ودام عليهم نيفا وعشرين شهرا وما فكوا حتى أخذوها. ومحاسن صلاح الدين جمة لا سيما الجهاد ومحافله آهلة بالفضلاء، ويؤثر سماع الأحاديث بالأسانيد، حليما مقيلا للعثرة تقيا نقيا وفيا صفيا. توفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. موقفه من المشركين: - قال الذهبي: وفيها -أي سنة ٥٨٥ هـ - وفي المقبلة: كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدا على عكا، كان السلطان قد افتتحها وأسكنها

стр. 3301

المسلمين، فأقبلت الفرنج برا وبحرا من كل فج عميق، فأحاطوا بها، وسار صلاح الدين فيدفعهم، فما تزعزعوا ولا فكروا بل أنشأوا سورا وخندقا على معسكرهم، وجرت غير وقعة، وقتل خلق كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفا وعشرين شهرا، وكانت الأمداد تأتي العدو من أقصى البحار، واستنجد صلاح الدين بالخليفة وغيره، حتى إنه نفذ رسولا إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني يستجيشه فما نفع، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم. قال ابن الأثير: لبس القسوس السواد حزنا على القدس، وأخذهم بترك القدس وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج، وصوروا المسيح وقد ضربه النبي ﷺ وجرحه، فعظم هذا المنظر على النصارى، وحشدوا وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى، فحدثني كردي كان يغير مع الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر، قال: فانتهى بنا الطواف إلى رومية، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني الأربعة فضة. قال ابن الأثير: فخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا، ولولا لطف الله بإهلاك ملك الألمان وإلا لكان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين. قلت: كانت عساكر العدو فوق المئتي ألف، ولكن هلكوا جوعا ووباء وهلكت دوابهم، وجافت الأرض بهم، وكانوا قد ساروا فمروا علىجهة القسطنطينية ثم على ممالك الروم تقتل وتسبي، والتقاه سلطان الروم فكسره ملك الألمان، وهجم قونية فاستباحها، ثم هادنه ابن قلج رسلان ومروا على بلاد سيس ووقع فيهم الفناء فمات الملك وقام ابنه. قلت: قتل من العدو في بعض المصافات الكبيرة التي جرت في حصار عكا في يوم اثنا عشر ألفا وخمس مئة،

стр. 3302

والتقوا مرة أخرى فقتل منهم ستة آلاف، وعمروا على عكا برجين من أخشاب عاتية، البرج سبع طبقات فيها مسامير كبار يكون المسمار نصف قنطار، وصفحوا البرج بالحديد، فبقي منظرا مهولا، ودفعوا البرج ببكر تحته حتى ألصقوه بسور عكا وبقي أعلى منها بكثير فسلط عليه أهل عكا المجانيق حتى خلخلوه، ثم رموه بقدرة نفط فاشتعل مع أنه كان عليه لبود منقوعة بالخل تمنع عمل النفط، فأوقد وجعل الملاعين يرمون نفوسهم منه وكان يوما مشهودا، ثم عملوا كبشا عظيما رأسه قناطير مقنطرة من حديد ليدفعوه على السور فيخرقه فلما دحرجوه وقارب السور ساخ في الرمل لعظمه، وهد الكلاب بدنة وبرجا فسد المسلمون ذلك وأحكموه في ليلة، وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل في هذين العامين، ومرض وأشرف على التلف ثم عوفي. قال العماد: حزر ما قتل من العدو فكان أكثر من مئة ألف. ومن إنشاء الفاضل إلى الديوان وهم على عكا: يمدهم البحر بمراكب أكثر من أمواجه، ويخرج لنا أمر من أجاجه، وقد زر هذا العدو عليه من الخنادق دروعا، واستجن من الجنونات بحصون، فصار مصحرا ممتنعا حاسرا مدرعا، وأصحابنا قد أثرت فيهم المدة الطويلة في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أجوالهم لا في شجاعتهم فنقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة، ونرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة، وقد حرم باباهم لعنه الله كل مباح واستخرج منهم كل مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبسوا الحداد، وحكم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، فيا عصبة نبينا ﷺ اخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه، ووفه الحق فينا، فها نحن عندك ودائعه، ولولا أن في التصريح ما

стр. 3303

يعود على العدالة بالتجريح لقال الخادم ما يبكي العيون وينكي القلوب، ولكنه صابر محتسب وللنصر مرتقب، رب لا أملك إلا نفسي وهاهي في سبيلك مبذولة، وأخي وقد هاجر هجرة نرجوها مقبولة، وولدي وقد بذلت للعدو صفحات وجوههم، ونقف عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد. ومن كتاب إلى الديوان: قد بلي الإسلام منهم بقوم استطابوا الموت، وفارقوا الأهل طاعة لقسيسهم، وغيرة لمعبدهم، وتهالكا على قمامتهم، حتى لسارت ملكة منهم بخمس مئة مقاتل التزمت بنفقاتهم، فأخذها المسلمون برجالها بقرب الإسكندرية، فذوات المقانع مقنعات دارعات تحمل الطوارق والقبطاريات، ووجدنا منهم عدة بين القتلى، وبابا رومية حكم بأن من لا يتوجه إلى القدس فهو محرم لا منكح له ولا مطعم، فلهذا يتهافتون على الورود ويتهالكون على يومهم الموعود، وقال لهم إنني واصل في الربيع جامع على استنفار الجميع، وإذا نهض فلا يقعد عنه أحد، ويقبل معه كل من قال: لله ولد. ومن كتاب: ومعاذ الله أن يفتح الله علينا البلاد ثم يغلقها، وأن يسلم على يدينا القدس ثم ننصره، ثم معاذ الله أن نغلب عن النصر أو أن نغلب عن الصبر ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ (١). ولست بقرم هازم لنظيره ... ولكنه الإسلام للشرك هازم إلى أن قال: والمشهور الآن أن ملك الألمان خرج في مئتي ألف وأنه

стр. 3304

الآن في دون خمسة آلاف. (١) - وقال الذهبي أيضا: وكان نور الدين قد أَمَّره، وبعثه في عسكره مع عمه أسد الدين شيركوه، فحكم شيركوه على مصر، فما لبث أن توفي، فقام بعده صلاح الدين، ودانت له العساكر، وقهر بني عبيد، ومحا دولتهم، واستولى على قصر القاهرة بما حوى من الأمتعة والنفائس، منها الجبل الياقوت الذي وزنه سبعة عشر درهما؛ قال مؤلف الكامل ابن الأثير: أنا رأيته ووزنته. (٢) - وقال: قال ابن واصل في حصار عزاز: كانت لجاويلي خيمة كان السلطان يحضر فيها، ويحض الرجال، فحضر باطنية في زي الأجناد، فقفز عليه واحد ضربه بسكين، لولا المغفر الزرد الذي تحت القلنسوة، لقتله فأمسك السلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب في عنق السلطان ضربا ضعيفا، والزرد تمنع، وبادر الأمير بازكوج، فأمسك السكين، فجرحته، وما سيبها الباطني حتى بضعوه، ووثب آخر، فوثب عليه ابن منكلان، فجرحه الباطني في جنبه، فمات، وقتل الباطني، وقفز ثالث، فأمسكه الأمير علي بن أبي الفوارس، فضمه تحت إبطه، فطعنه صاحب حمص، فقتله، وركب السلطان إلى مخيمه، ودمه يسيل على خده، واحتجب في بيت خشب، وعرض جنده، فمن أنكره أبعده. (٣)

стр. 3305

- وقال ابن كثير: وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى إنه يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، وكان ذلك بإشارة العماد الكاتب. وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين. كان قد صحب ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي، وكان يعرف الكيميا وشيئا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولد السلطان الظاهر، وقربه وأحبه، وخالف فيه حملة الشرع، فكتب إليه أن يقتله لا محالة، فصلبه عن أمر والده وشهره، ويقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمائة. (١) موقفه من الرافضة: - قال الذهبي ﵀: تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه، وخطب لبني العباس، واستأصل شأفة بني عبيد، ومحق دولة الرفض. (٢) - جاء في البداية والنهاية: وفيها -أي سنة ست وستين وخمسمائة هجرية- عزل صلاح الدين قضاة مصر لأنهم كانوا شيعة، وولي قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية. (٣)

стр. 3306

- وفيها: قطع صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها. (١) موقف السلف من سنان بن سليمان الباطني (٥٨٩ ه ـ) قال الذهبي عنه: راشد الدين، كبير الإسماعيلية وطاغوتهم ... الباطني صاحب الدعوة الترارية. (٢) قال ابن العديم في 'تاريخه': أخبرني شيخ أدرك سنانا أنه كان بصريا يعلم الصبيان، وأنه مر وهو طالع إلى الحصون على حمار، فأراد أهل إقميناس أخذ حماره، فبعد جهد تركوه، ثم آل أمره إلى أن تملك عدة قلاع. أوصى يوما أتباعه، فقال: عليكم بالصفاء بعضكم لبعض، لا يمنعن أحدكم أخاه شيئا له، فأخذ هذا بنت هذا، وأخذ هذا أخت هذا سفاحا، وسموا نفوسهم الصفاة، فاستدعاهم سنان مرة، وقتل خلقا منهم. قال ابن العديم: تمكن في الحصون، وانقادوا له. وأخبرني علي بن الهواري أن صلاح الدين سير رسولا إلى سنان يتهدده، فقال للرسول: سأريك الرجال الذين ألقاه بهم، فأشار إلى جماعة أن يرموا أنفسهم من أهل الحصن من أعلاه، فألقوا نفوسهم فهلكوا. قال: وبلغني أنه أحل لهم وطء أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، وأسقط عنهم

стр. 3307

صوم رمضان. قال: وقرأت بخط أبي غالب بن الحصين أن في محرم سنة تسع وثمانين هلك سنان صاحب الدعوة بحصن الكهف، وكان رجلا عظيما خفي الكيد، بعيد الهمة، عظيم المخاريق، ذا قدرة على الإغواء، وخديعة القلوب، وكتمان السر، واستخدام الطغام والغفلة في أغراضه الفاسدة. وأصله من قرى البصرة، خدم رؤساء الإسماعيلية بألموت، وراض نفسه بعلوم الفلاسفة، وقرأ كثيرا من كتب الجدل والمغالطة ورسائل إخوان الصفاء، والفلسفة الإقناعية المشوقة لا المبرهنة، وبنى بالشام حصونا، وتوثب على حصون، ووعر مسالكها، وسالمته الأنام، وخافته الملوك من أجل هجوم أتباعه بالسكين، دام له الأمر نيفا وثلاثين سنة، وقد سير إليه داعي الدعاة من قلعة ألموت جماعة غير مرة ليقتلوه لاستبداده بالرئاسة، فكان سنان يقتلهم، وبعضهم يخدعه، فيصير من أتباعه. قال: وقرأت على حسين الرازي في 'تاريخه' قال: حدثني معين الدين مودود الحاجب أنه حضر عند الإسماعيلية في سنة اثنتين وخمسين، فخلا بسنان، وسأله فقال: نشأت بالبصرة، وكان أبي من مقدميها، فوقع هذا الأمر في قلبي، فجرى لي مع إخوتي أمر، فخرجت بغير زاد ولا ركوب، فتوصلت إلى الألموت، وبها إلكيا محمد بن صباح، وله ابنان حسن وحسين، فأقعدني معهما في المكتب، وكان يبرني برهما، ويساويني بهما، ثم مات، وولي حسن بن محمد، فنفذني إلى الشام، فخرجت مثل خروجي من البصرة، وكان قد أمرني بأوامر، وحملني رسائل، فدخلت مسجد التمارين بالموصل، ثم سرت إلى الرقة، فأديت رسالته إلى رجل، فزودني، واكترى لي بهيمة إلى

стр. 3308

حلب، ولقيت آخر برسالته، فزودني إلى الكهف، وكان الأمر أن أقيم هنا، فأقمت حتى مات الشيخ أبو محمد صاحب الأمر، فولي بعده خواجا علي بغير نص، بل باتفاق جماعة، ثم اتفق الرئيس أبو منصور ابن الشيخ أبي محمد والرئيس فهد، فبعثوا من قتل خواجا، وبقي الأمر شورى، فجاء الأمر من الألموت بقتل قاتله وإطلاق فهد، وقرئت الوصية على الجماعة، وهي: هذا عهد عهدناه إلى الرئيس ناصر الدين سنان، وأمرناه بقراءته على الرفاق والإخوان، أعاذكم الله من الاختلاف واتباع الأهواء، إذ ذاك فتنة الأولين، وبلاء الآخرين، وعبرة للمعتبرين، من تبرأ من أعداء الله وأعداء وليه ودينه، عليه موالاة أولياء الله، والاتحاد بالوحدة سنة جوامع الكلم، كلمة الله والتوحيد والإخلاص، لا إله إلا الله عروة الله الوثقى، وحبله المتين، ألا فتمسكوا به، واعتصموا به، فبه صلاح الأولين، وفلاح الآخرين، أجمعوا آراءكم لتعليم شخص معين بنص من الله ووليه، فتلقوا ما يلقيه إليكم من أوامره ونواهيه بقبول، فلا وربك لا تؤمنون حتى تحكموه فيما شجر بينكم ثم لا تجدوا في أنفسكم حرجا مما قضى وتسلموا تسليما، فذلك الاتحاد بالوحدة التي هي آية الحق المنجية من المهالك، المؤدية إلى السعادة، إذ الكثرة علامة الباطل المؤدية إلى الشقاوة المخزية، فنعوذ بالله من زواله، وبالواحد من آلهة شتى، وبالوحدة من الكثرة، وبالنص والتعليم من الأدواء والأهواء، وبالحق من الباطل، وبالآخرة الباقية من الدنيا الملعونة، إلا ما أريد به وجه الله، فتزودوا منها للأخرى، وخير الزاد التقوى، أطيعوا أميركم ولو كان عبدا حبشيا. (١)

стр. 3309

الشاطبي القاسم بن فِيرُّهْ (١) (٥٩٠ هـ) الشيخ الإمام، سيد القراء، أبو محمد وأبو القاسم القاسم بن فِيرُّهْ بن خلف بن أحمد الرعيني الأندلسي الشاطبي، الضرير، المقرئ، ناظم الشاطبية وغيرها. ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. سمع من السلفي، وقرأ ببلده بالسبع على أبي عبد الله بن أبي العاص النفري، وارتحل إلى بلنسية، فقرأ على أبي الحسن بن هذيل. وسمع منه أبو الحسن بن خيرة ومحمد بن يحيى الجنجالي وأبو بكر بن وضاح وأبو محمد بن عبد الوارث المعروف بابن فار اللبن وغيرهم. تصدر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء. قال الذهبي: وكان إماما علامة، نبيلا، محققا، ذكيا، واسع المحفوظ، كثير الفنون، بارعا في القراءات وعللها، حافظا للحديث، كثير العناية به، أستاذا في العربية. وقال ابن كثير: وكان دينا خاشعا ناسكا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه. سارت الركبان بقصيدتيه حرز الأماني والرائية، وخضع لهما فحول الشعراء وحذاق القراء، وقيل: إنه كان يحفظ وقر بعير من الكتب. توفي ﵀ بمصر في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة. موقفه من المبتدعة: قال أبو شامة في 'الباعث على إنكار البدع والحوادث' في معرض بيان إنكار السلف للصلوات المبتدعة: وعهدي بأن مثل هذه الصلوات لا يحافظ

стр. 3310

عليها إلا عامي جاهل، وإن أهل العلم مطبقون على إنكارها كما حدثنا الشيخ أبو الحسن العلامة قال: كنت جالسا بعد المغرب، عند الشيخ أبي القاسم بن فِيْرُّه الشاطبي رحمه الله تعالى، وحدثني بحجرته التي كان يقرأ فيها القرآن، بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، من الديار المصرية، والناس يصلون صلاة الرغائب بالمدرسة، وأصواتهم تبلغنا، فلما فرغوا منها، سمعت الشيخ الشاطبي يقول: لا إله إلا الله، فرغت البدعة، فرغت البدعة مرتين. قلت: وكان هذا الشيخ الشاطبي جامعا بين العلم والعمل، وليا من أولياء الله تعالى، ذا كرامات مشهورة، وقد بينت من أحواله في أول شرح قصيدته في القراءات. وقد حدثني عنه شيخنا المذكور، أنه قال: ما أتكلم كلمة إلا لله. فما أراد الشاطبي ﵀ بهذا الكلام إلا إعلام صاحبه، بأنها بدعة، نصحا لله ولدينه. (١) الطالقاني (٢) (٥٩٠ هـ) أحمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو الخير الطالقاني القزويني، الفقيه الشافعي، الواعظ رضي الدين أحد الأعلام. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين. وتفقه على الفقيه أبي بكر بن ملكداذ بن علي العمركي ثم ارتحل إلى

стр. 3311

نيسابور. وسمع من الكثير من أبيه وأبي الحسن بن علي الشافعي القزويني وخلق. قال ابن النجار: كان رئيس أصحاب الشافعي وكان إماما في المذهب، والخلاف والأصول والتفسير والوعظ. حدث بالكتب الكبار كصحيح مسلم ومسند إسحاق وتاريخ نيسابور للحاكم والسنن الكبير للبيهقي ودلائل النبوة والبعث والنشور له أيضا. رد إلى بلده فأقام مشتغلا بالعبادة إلى أن توفي في المحرم سنة تسعين وخمسمائة. موقفه من الرافضة: جاء في السير: قال الموفق: كان يعمل في اليوم والليلة ما يعجز المجتهد عنه في شهر، وظهر التشيع في زمانه بسبب ابن الصاحب، فالتمس العامة منه على المنبر يوم عاشوراء أن يلعن يزيد، فامتنع، فهموا بقتله مرات، فلم يرع، ولا زل، وسار إلى قزوين، وضجع لهم ابن الجوزي. (١) موقفه من الجهمية: ذكر له ابن العماد كتابا لعله يصلح مرجعا يستفيد منه السلفي وهو: التبيان في مسائل القرآن ردا على الحلولية والجهمية. انظر الشذرات. (٢) تنبيه: قال ابن كثير عنه في البداية: وكان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول. (٣)

стр. 3312

يعقوب المنصور (١) (٥٩٥ هـ) السلطان الكبير، الملقب بأمير المؤمنين المنصور، أبو يوسف يعقوب بن السلطان يوسف بن السلطان عبد المؤمن. عقدوا له بالأمر سنة ثمانين وخمسمائة عند مهلك أبيه، فكان سنه يومئذ ثنتين وثلاثين سنة. وكان فارسا شجاعا، قوي الفراسة، خبيرا بالأمور، خليقا للإمارة، ينطوي على دين وخير وتأله ورزانة، أبطل الخمر في ممالكه، وتوعد عليها فعدمت. وكان يجمع الأيتام في العام، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف، وكان يعود المرضى في الجمعة، وكان يقصد لفضله ولعدله ولبذله وحسن معتقده، وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء، تفتتح بالتلاوة ثم بالحديث، وكان يجيد حفظ القرآن ويحفظ الحديث، ويتكلم في الفقه، ويناظر وينسبونه إلى مذهب الظاهر، وله فتاوى، وصنف في العبادات. توفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في الاستقصا: كان المنصور يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا، وأمر برفض فروع الفقه وإحراق كتب المذاهب، وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم

стр. 3313

القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. (١) - وجاء في السير: قال عبد الواحد بن علي: كنت بفاس، فشهدت الأحمال يؤتى بها فتحرق، وتهدد على الاشتغال بالفروع، وأمر الحفاظ بجمع كتاب في الصلاة من الكتب الخمسة والموطأ، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند البزار، وسنن الدارقطني، وسنن البيهقي، كما جمع ابن تومرت في الطهارة. ثم كان يملي ذلك بنفسه على كبار دولته، وحفظ ذلك خلق، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة. -إلى أن قال-: وكان قصده محو مذهب مالك من البلاد، وحمل الناس على الظاهر، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، فلم يظهراه، فأخبرني غير واحد أن ابن الجد أخبرهم قال: دخلت على أمير المؤمنين يوسف، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال: أنا أنظر في هذه الآراء التي أحدثت في الدين، أرأيت المسألة فيها أقوال، ففي أيها الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له، فقطع كلامي، وقال: ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى (سنن أبي داود) أو هذا وأشار إلى السيف. (٢) - وكان لا يقول بالعصمة في ابن تومرت. وسأل فقيها: ما قرأت؟ قال: تواليف الإمام (٣)، قال: فزورني، وقال: ما كذا يقول الطالب، حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت من السنة،

стр. 3314

ثم بعد ذا قل ما شئت. (١) موقفه من المشركين: - قال الإمام الذهبي: وكان ابن رشد الحفيد قد هذب له كتاب الحيوان. وقال: الزرافة رأيتها عند ملك البربر، كذا قال غير مهتبل، فأحنقهم هذا، ثم سعى فيه من يناوئه عند يعقوب، فأروه بخطه حاكيا عن الفلاسفة أن الزهرة أحد الآلهة، فطلبه، فقال: أهذا خطك؟ فأنكر، فقال: لعن الله من كتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أقامه مهانا، وأحرق كتب الفلسفة سوى الطب والهندسة. (٢) - وقال أيضا: قيل: إن الأدفنش كتب إليه يهدده، ويعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: وأنت تماطل نفسك، وتقدم رجلا وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطأ بك، أو التكذيب بما وعدك نبيك؟ فلما قرأ الكتاب، تنمر، وغضب، ومزقه، وكتب على رقعة منه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ (٣) الآية، الجواب ما ترى لا ما تسمع. ولا كتب إلا المشرفية عندنا ... ولا رسل إلا للخميس العرمرم ثم استنفر سائر الناس، وحشد، وجمع، حتى احتوى ديوان جيشه على مئة ألف، ومن المطوعة مثلهم، وعدى إلى الأندلس، فتمت الملحمة الكبرى،

стр. 3315

ونزل النصر والظفر، فقيل غنموا ستين ألف زردية. قال ابن الأثير: قتل من العدو مائة ألف وستة وأربعون ألفا، ومن المسلمين عشرون ألفا. (١) موقف السلف من ابن رشد الحفيد (٥٩٥ ه ـ) جاء في السير: قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لما دخلت البلاد، سألت عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يعقوب، لا يدخل إليه أحد؛ لأنه رفعت عنه أقوال ردية، ونسبت إليه العلوم المهجورة، ومات محبوسا بداره بمراكش في أواخر سنة أربع ... أو خمس. (٢) الشهاب الطوسي (٣) (٥٩٦ هـ) محمد بن محمود بن محمد الشهاب الطوسي أبو الفتح الفقيه الشافعي، نزيل مصر، إمام مفت علامة مشهور، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. حدث عن أبي الوقت السجزي وغيره. روى عنه الإمام بهاء الدين ابن الجميزي وشهاب الدين القوصي. سافر إلى مصر وأظهر مذهب الأشعري، وثارت عليه الحنابلة، وكان يجري بينه وبين زين الدين بن نجية العجائب من السباب ونحوه. قاله أبو شامة.

стр. 3316

جرى له مع العادل ومع ابن شكر قضايا عجيبة لما تعرضوا لأوقاف المدارس فذب عن الناس وثبت. مات بمصر سنة ست وتسعين وخمسمائة. موقفه من المشركين: قال الذهبي: قال الإمام أبو شامة: وبلغني أنه سئل: أيما أفضل دم الحسين، أو دم الحلاج؟ فاستعظم ذلك، قالوا: فدم الحلاج كتب على الأرض: الله، الله، ولا كذلك دم الحسين؟ قال: المتهم يحتاج إلى تزكية. قلت: -أي الذهبي- لم يصح هذا عن دم الحلاج، وليسا سواء: فالحسين ﵁ شهيد قتل بسيف أهل الشر، والحلاج فقتل على الزندقة بسيف أهل الشرع. (١) العِمَاد الكَاتِب (٢) (٥٩٧ هـ) القاضي الإمام، العلامة المفتي، المنشيء البليغ، الوزير عماد الدين، أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد بن محمد الأصبهاني الكاتب، ويعرف بابن أخي العزيز. ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان وقدم بغداد وهو ابن عشرين سنة، وتفقه وبرع في الفقه على أبي منصور بن الرزاز وأتقن الخلاف والنحو والأدب والنظم. وسمع من أبي منصور بن خيرون والمبارك السمذي وأبي القاسم بن الصباغ وطائفة. وسمع بالثغر من السلفي وغيره. روى عنه

стр. 3317

ابن خليل، والشهاب القوصي، والعز الإربلي، وآخرون. اتصل بابن هبيرة ثم اتصل بالدولة وخدم بالإنشاء الملك نور الدين. صنف كتاب خريدة القصر وجريدة العصر والبرق الشامي. قال ابن البزوري في تاريخه: العماد إمام البلغاء، شمس الشعراء، وقطب رحى الفضلاء، أشرقت فضائله وأنارت، وأنجدت الركبان بأخباره وأغارت، هو في الفصاحة قس دهره، وفي البلاغة سحبان عصره، فاق الأنام طُرّا، نظما ونثرا. توفي رحمه الله تعالى في أول رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة. موقفه من الرافضة: ومما نظمه العماد في ذلك (أي في وفاة العاضد العبيدي ودعوة صلاح الدين): توفي العاضد الدعي فما ... يفتح ذو بدعة بمصر فما وعصر فرعونها انقضى وغدا ... يوسفها في الأمور محتكما قد طفئت جمرة الغواة وقد ... داخ من الشرك كل ما اضطرما وصار شمل الصلاح ملتئما ... بها وعقد السداد منتظما لما غدا مشعرا شعار بني الـ ... ـعباس حقا والباطل اكتتما وبات داعي التوحيد منتظرا ... ومن دعاة الإشراك منتقما وظل أهل الضلال في ظلل ... داجية من غبائة وعمى وارتكس الجاهلون في ظلم ... لما أضاءت منابر العلما وعاد بالمستضيء معتليا ... بناء حق بعدما كان منهدما أعيدت الدولة التي اضطهدت ... وانتصر الدين بعدما اهتضما

стр. 3318

واهتز عطف الإسلام من جلل ... وافتر ثغر الإسلام وابتسما واستبشرت أوجه الهدى فرحا ... فليقرع الكفر سنه ندما عاد حريم الأعداء منتهك الـ ... ـحمى وفي الطغاة منقسما قصور أهل القصور أخربها ... عامر بيت من الكمال سما أزعج بعد السكوت ساكنها ... ومات ذلا وأنفه رغما (١) ابن الجَوْزِي (٢) (٥٩٧ هـ) الشيخ الإمام عبد الرحمن بن علي بن محمد، جمال الدين، أبو الفرج بن الجوزي القرشي التيمي البغدادي، صاحب التصانيف المشهورة. ولد سنة تسع أو عشر وخمسمائة، وعرف جدهم بالجوزي لجوزة في وسط داره بواسط، ولم يكن بواسط جوزة سواها. سمع من ابن الحصين وأبي الحسن الزاغوني وابن ناصر وأبي الوقت وأبي السعادات المتوكلي وغيرهم. وروى عنه ابنه محيي الدين يوسف وسبطه شمس الدين الواعظ والشيخ الموفق والحافظ عبد الغني وابن النجار وآخرون. قيل كان يحضر مجلسه مائة ألف نفس. برع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء مصره وعلا على فضلاء دهره، ولم يترك فنا من الفنون إلا وله فيه مصنف. قال سيف الدين بن المجد: وما رأيت أحدا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيا عنه.

стр. 3319

قال جدي ﵀: كان أبو المظفر بن حمدي أحد العدول والمشار إليهم ببغداد ينكر على ابن الجوزي كثيرا كلمات يخالف فيها السنة. قال الذهبي: وكلامه في السنة مضطرب، تراه في وقت سنيا، وفي وقت متجهما محرفا للنصوص، والله يرحمه ويغفر له. نالته محنة في أواخر عمره، فحبس بواسط، وما أطلق إلا بعد خمس سنين. توفي ﵀ في الثالث عشر من رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة. موقفه من المبتدعة: - قال ﵀ في كتابه النفيس 'تلبيس إبليس': واعلم أن الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف. فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبهاً، وبالدواء سمّاً، وبالسبيل الواضح جرداً مضلا، وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، ويرون وأد البنات، ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس فابتعث الله محمداً ﷺ ، فرفع المقابح، وشرع المصالح. فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره، سالمين من العدوّ وغروره. فلما انسلخ نهار وجودهم. أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الأهواء تنشئ بدعاً، وتضيق سبيلاً ما زال متسعاً، ففرق الأكثرون دينهم وكانوا شيعاً، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف، وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح. فرأيت أن أحذر من مكايده، وأدلّ على مصايده. فإن في تعريف الشر

стр. 3320

تحذيراً عن الوقوع فيه. (١) - قال ﵀: دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين: أحدهما: التقليد للآباء والأسلاف. والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط. فأما الطريق الأول، فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم. وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم فضلوا، وكذلك أهل الجاهلية. واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم، لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال. وقد ذم الله الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم فقال : ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ (٢) المعنى أتتبعونهم؟ وقد قال : ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ (٣). قال المصنف: اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه. وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن

стр. 3321

أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة. واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال، وهذا عين الضلال، لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل كما قال علي ﵁ للحارث بن حوط وقد قال له: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يُعْرَف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. (١) - وقال: واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه، كان كمن ينظر إلى ماجرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الإلهية. ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام، لم يعطه إلا ما يستحقه. (٢) - وقال: فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة، فما السنة وما البدعة؟ فإنا نرى أن كل مبتدع في زعمنا يزعم أنه من أهل السنة؟ (فالجواب): أن السنة في اللغة الطريق، ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه هم أهل السنة، لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه. والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. فإن

стр. 3322

ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها؛ فقد كان جمهور السلف يكرهونه، وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا، حفظا للأصل وهو الاتباع. (١) - وقال ﵀: قد بينا أن القوم كانوا يتحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن. وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها، فلم يروا بفعلها بأسا، كما روي أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحدانا، وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة، فجمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب ﵁، فلما خرج فرآهم قال: نعمت البدعة هذه، لأن صلاة الجماعة مشروعة. وإنما قال الحسن في القصص: نعمت البدعة، كم من أخ يستفاد، ودعوة مستجابة؛ لأن الوعظ مشروع، ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم. فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة، وإن كانت مضادة فهي أعظم. فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون، وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل ولا مستند له، ولهذا استتروا ببدعتهم، ولم يكتم أهل السنة مذهبهم، فكلمتهم ظاهرة ومذهبهم مشهور والعاقبة لهم. (٢) - وبالسند إلى محمد بن الفضل العباسي قال: كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل، فقال: أظهر أحوال أهل

стр. 3323

العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة. فقال له يوسف بن الحسين: استحييت إليك يا أبا محمد، كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مئة سنة أو مئتي سنة، وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض، فبكى عبد الرحمن، وقال: يا أبا يعقوب، لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب، لم أصنفه. قال ابن الجوزي: عفا الله عن ابن أبي حاتم، فإنه لو كان فقيها، لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب، ولولا الجرح والتعديل، من أين كان يعرف الصحيح من الباطل؟ ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم. وتسمية ذلك غيبة حديث سوء. ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه؟ (١) موقفه من المشركين: - قال ﵀: اعلم أن القوم -أي الباطنية- أرادوا الانسلال من الدين، فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون، ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلا وأتحفهم رأيا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد

стр. 3324

إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة. فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق. ثم قالوا: وطريقنا أن نختار رجلا ممن يساعد على المذهب ويزعم أنه من أهل البيت وأنه يجب على كل الخلق كافة متابعته ويتعين عليهم طاعته لكونه خليفة رسول الله ﷺ ، والمعصوم من الخطأ والزلل من جهة الله ، ثم لا تظهر هذه الدعوة على القرب من جوار هذا الخليفة الذي وسمناه بالعصمة، فإن قرب الدار يهتك الأستار. وإذا بعدت الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب للدعوة أن يفتش عن حال الإمام أو يطلع على حقيقة أمره. وقصدهم بهذا كله الملك والاستيلاء على أموال الناس، والانتقام منهم لما عاملوهم به من سفك دمائهم ونهب أموالهم قديما، فهذا غاية مقصودهم ومبدأ أمرهم. (١) - وقال ﵀: فانظر كيف تلاعب الشيطان بهؤلاء وذهب بعقولهم فنحتوا بأيديهم ما عبدوه، وما أحسن ما عاب الحق أصنامهم فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ

стр. 3325

أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (١). وكانت الإشارة إلى العباد، أي: أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان فكيف عبد التّامُّ النّاقصَ. ولو تفكروا لعلموا أن الإله يصنع الأشياء ولا يُصنع، ويجمع وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به ولا يقوم بها، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه. وما خيل إليهم أن الأصنام تشفع فخيال ليس فيه شبهة يتعلق بها. (٢) - وقال مبيّناً سخف الفلاسفة ومن ضاهاهم: وقد لبس إبليس على أقوام من أهل ملتنا فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة، كما ينقل من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس، وهؤلاء كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أموراً خفية إلا أنهم لما تكلموا في الإلهيات خلطوا؛ ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات. وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم. وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة، والرجوع فيها إلى الشرائع. وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع، ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلاً، فصدقوا فيما حكي لهم عنهم، ورفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا

стр. 3326

المحذورات واستهانوا بحدود الشرع وخلعوا ربقة الإسلام، فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء. أتراهم ما علموا أن الأنبياء كانوا حكماء وزيادة؟ وما قد حكي لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال؛ فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل، فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة، وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلا التحير، فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام؛ بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي، ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات، ويتكلم في إنكار بعث الأجساد ولا يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فَأَضَرَّ بِهِ، فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر، حتى قال لي بعضهم: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وكان يقول أشعاراً كثيرة في هذا المعنى، فمنها قوله في صفة الدنيا قال: أتراها صنعة من غير صانع ... أم تراها رمية من رام وقوله: واحيرتا من وجود ما تقدمه ... منا اختيار ولا علم فيقتبس كأنه في عماء ما يخلصنا ... منه ذكاء ولا عقل ولا شرس ونحن في ظلمة ما إن لها قمر ... فيها يضيء ولا شمس ولا قبس

стр. 3327

مدلهين حيارى قد تكنفنا ... جهل يجهمنا في وجهه عبس فالفعل فيه بلا ريب ولا عمل ... والقول فيه كلام كله هوس ولما كانت الفلاسفة قريباً من زمان شريعتنا، والرهبنة كذلك، مدّ بعض أهل ملتنا يده إلى التمسك بهذه وبعضهم مدّ يده إلى التمسك بهذه، فترى كثيراً من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في باب التزهد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتاً على ملتنا وسلامة من عدونا، إنه ولي الإجابة. (١) - وقال: قد لبس على خلق كثير فجحدوا البعث، واستهولوا الإعادة بعد البلاء، وأقام لهم شبهتين: إحداهما: أنه أراهم ضعف المادة. والثانية: اختلاط الأجزاء المتفرقة في أعماق الأرض. قالوا: وقد يأكل الحيوان الحيوان فكيف يتهيأ إعادته؟ وقد حكى القرآن شبهتهم فقال تعالى في الأولى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ (٢). وقال في الثانية: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٣). وهذا كان مذهب أكثر الجاهلية، قال قائلهم:

стр. 3328

يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام وقال آخر (وهو أبو العلاء المعريّ): حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو والجواب عن شبهتهم الأولى: أن ضعف المادة في الثاني وهو التراب يدفعه كون البداية من نطفة ومضغة وعلقة: ثم أصل الآدميين وهو آدم من تراب على أن الله لم يخلق شيئاً مستحسناً إلا من مادة سخيفة. فإنه أخرج هذا الآدمي من نطفة، والطاووس من البيضة المدرة والطرفة الخضراء من الحبة العفنة. فالنظر ينبغي أن يكون إلى قوة الفاعل وقدرته لا إلى ضعف المواد. وبالنظر إلى قدرته يحصل جواب الشبهة الثانية، ثم قد أرانا كالأنموذج في جمع التمزق فإن سحالة الذهب المتفرقة في التراب الكثير إذا أُلقي عليها قليل من زئبق اجتمع الذهب مع تبدده، فكيف بالقدرة الإلهية التي من تأثيرها خلق كل شيء لا من شيء، على أنا لو قدرنا أن نحيل هذا التراب ما استحالت إليه الأبدان لم يصر بنفسه، لأن الآدمي بنفسه لا ببدنه؛ فإنه ينحل ويسمن، ويهزل ويتغير من صغر إلى كبر وهو هو، ومن أعجب الأدلة على البعث أن الله قد أظهر على يدي أنبيائه ما هو أعظم من البعث وهو قلب العصا حية حيواناً، وأخرج ناقة من صخرة، وأظهر حقيقة البعث على يدي عيسى صلوات الله وسلامه عليه. (١)

стр. 3329

موقفه من الرافضة: - جاء في السير: وقام إليه رجل بغيض، فقال: يا سيدي: نريد كلمة ننقلها عنك، أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال: اجلس، فجلس، ثم قام، فأعاد مقالته، فأقعده، ثم قام، فقال: اقعد، فأنت أفضل من كل أحد. (١) - وفيها: سئل ابن الجوزي والخليفة يسمع: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أفضلهم بعده من كانت بنته تحته. وهذا جواب جيد يصدق على أبي بكر وعلى علي. (٢) - وفيها: وقد نالته محنة في أواخر عمره، ووشوا به إلى الخليفة الناصر عنه بأمر اختلف في حقيقته، فجاء من شتمه، وأهانه، وأخذه قبضا باليد، وختم على داره، وشتت عياله، ثم أقعد في سفينة إلى مدينة واسط، فحبس بها في بيت حرج، وبقي هو يغسل ثوبه، ويطبخ الشيء، فبقي على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حماما. قام عليه الركن عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر، وكان ابن الجوزي لا ينصف الشيخ عبد القادر، ويغض من قدره، فأبغضه أولاده، ووزر صاحبهم ابن القصاب، وقد كان الركن رديء المعتقد، متفلسفا، فأحرقت كتبه بإشارة ابن الجوزي، وأخذت مدرستهم، فأعطيت لابن الجوزي، فانسم الركن، وقد كان ابن القصاب الوزير يترفض، فأتاه الركن، وقال: أين أنت عن ابن الجوزي الناصبي؟! وهو أيضا من أولاد أبي بكر، فصرف الركن في الشيخ، فجاء وأهانه، وأخذه معه

стр. 3330

في مركب، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، وقد كان ناظر واسط شيعيا أيضا، فقال له الركن: مكني من هذا الفاعل لأرميه في مطمورة، فزجره، وقال: يا زنديق، أفعل هذا بمجرد قولك؟ هات خط أمير المؤمنين، والله لو كان على مذهبي، لبذلت روحي في خدمته، فرد الركن إلى بغداد. وكان السبب في خلاص الشيخ أن ولده يوسف نشأ واشتغل، وعمل في هذه المدة الوعظ وهو صبي، وتوصل حتى شفعت أم الخليفة، وأطلقت الشيخ، وأتى إليه ابنه يوسف، فخرج، وما رد من واسط حتى قرأ هو وابنه بتلقينه بالعشر على ابن الباقلاني، وسن الشيخ نحو الثمانين، فانظر إلى هذه الهمة العالية. (١) - وقال في التلبيس: وكما لبس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب. حمل آخرين على الغلو في حبه. فزادوه على الحد، فمنهم من كان يقول هو الإله. ومنهم من يقول هو خير من الأنبياء. ومنهم من حمله على سب أبي بكر وعمر، حتى إن بعضهم كفر أبا بكر وعمر إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن تضييع الزمان بذكرها. (٢) - وفيه: وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه. (٣)
следующие страницы →