← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقالت الكرامية: إنه مماس للعرش. وقالت المعتزلة: إن ذات الله بكل مكان حتى بالحشوش وأجواف الحيوان. قيل لبشر المريسي فهو في جوف حمارك هذا؟ قال: نعم، وهذا قول الحلولية وهو كفر صريح لا إشكال فيه. وقالت الأشعرية: لا يجوز وصفه بأنه على العرش ولا في السماء. (١) موقفه من الخوارج: قال في الانتصار: ومذهب أهل السنة أن الموحدين لا يكفرون بفعل شيء من المعاصي الصغائر والكبائر، وإذا عملوا الكبائر وتابوا لم تضرهم، وإن ماتوا قبل التوبة منها فأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم عليها وإن شاء غفرها لهم، وإن عذب العباد على الصغائر لم يكن ظالما لهم بذلك. وقالت المرجئة: لا يوصف الله بأنه يعذب عباده على ذنب غير الكفر. وقالت الخوارج: من أذنب متعمدا كفر بالله سواء فعل صغيرة أو كبيرة. (٢) موقفه من المرجئة: - قال ﵀ في كتابه الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: وعند أهل السنة والحديث أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،

стр. 3257

وأهل الإيمان على مراتب. (١) - وقال: وقالت المرجئة والكرامية وأهل الزيغ من القدرية وغيرهم: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن إيمان الأنبياء كإيمان سائر العصاة من الخلق. (٢) - وقال: ويلزم المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل أن إبليس مؤمن لأن الله أخبر أنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٣) وقال: ﴿رب فَأَنْظِرْنِي﴾ (٤) فأخبر الله أنه قال بلسانه أن له ربا، ويلزم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان معرفة بلا قول ولا عمل أن اليهود مؤمنون لأن الله تعالى أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٥) وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٦) ويعرفون أيضا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله، ويدعون إلى الله أن ينجيهم وبذلك أخبر الله عنهم. (٧) - وقال: واحتجت الأشعرية ومن قال إن الإيمان هو التصديق

стр. 3258

بالقلب لا غير بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١) أي بمصدق لنا، وبقول الناس: فلا يؤمن بعذاب القبر وبالشفاعة وما أشبهها، وأراد به التصديق. والجواب: أنا لا ننكر أن هذا حد الإيمان في اللغة. وأما في الشرع فهو أشرف خصال الإيمان، ولا يمتنع أن يكون للشيء اسم في اللغة واسم في الشرع، وإذا ورد الشرع به فإنه يجب حمله على ما تقرر اسمه في الشرع كالصلاة فإنها في اللغة المراد بها الدعاء، وهي في الشرع عبارة عن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة، وكذلك الصيام فهو في اللغة اسم للإمساك عن جميع الأشياء، وهو في الشرع اسم للإمساك عن أشياء مخصوصة، والزكاة في اللغة اسم للزيادة، وهي في الشرع اسم لأخذ شيء من المال، والحج في اللغة القصد، وهو في الشرع اسم لهذه الأفعال المشروعة، والغائط في اللغة اسم للموضع المطمئن، وفي الشرع اسم لما يخرج من الإنسان، وإذا ورد الشرع بشيء من هذه الأشياء، فإنما يحمل على ما تقرر في الشرع لا على مقتضاه في اللغة. واحتجت المرجئة ومن قال إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب دون الأعمال بالأخبار المشهورة عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة». (٢) وبما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا

стр. 3259

الله وأن محمدا رسول الله حرم على النار». (١) والجواب عن هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أن نقول كما قال الزهري: (الأخبار كانت قبل نزول الفرائض والأمر والنهي). والثاني: أن نقول هذا خبر عما يؤول إليه أمر الموحدين بأن الله سيدخل الموحدين الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم، ولا يخلدون في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة منها في البقرة، قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (٤)، وفي النساء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا

стр. 3260

الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١)، وفي المائدة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ (٢)، وفي الأنعام قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ (٣)، وفي الأعراف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (٤)، وهذا كثير في القرآن وآخره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٥)، ولم يذكر الله في القرآن دخول الجنة بغير عمل، بل أخبر أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأخبر أنه لا يغفر الشرك، فالقرآن لا يتناقض وإنما يؤيد بعضه بعضا. (٦)

стр. 3261

موقفه من القدرية: له من الآثار السلفية: ١ - 'السنة' ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش ونقل منه ما يتعلق بموضعه. ٢ - 'الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار'، وقد طبع في ثلاث مجلدات. وسبب تأليفه أن العمراني ألف رسالة بين فيها عقيدة أهل السنة فجعلها نصيحة للمسلمين وتحذيرا لهم مما أظهره القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام الزيدي من الاعتزال والكلام في القدر، فحرر هذا الأخير ردا على العمراني سماه الدامغ للباطل من مذهب الحنابل، فألف العمراني كتابه هذا ردا عليه وعلى الطوائف المبتدعة المخالفة لمعتقد أهل السنة. وضمنه فصولا جيدة ننقل منها أمثلة: - قال: ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون تلبيسهم ويظهرون تدليسهم، وبذلك أخبر النبي ﷺ بقوله: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». (١) ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان ﷺ يزيل الشبه من حيث علم دخولها. (٢)

стр. 3262

- وقال: وقد أدخلت المعتزلة، والقدرية على الإسلام وأهله شبها في الدين ليموهوا بها على العوام، ومن لا خبرة له بأصولهم التي بنوا عليها أقوالهم، فاتبعوا متشابه القرآن وأولوا القرآن على خلاف ما نقل عن الصحابة والتابعين المشهورين بالتفسير، لينفقوا بذلك أقوالهم، فهم أشد الفرق ضررا على أصحاب الحديث، ثم بعدهم الأشعرية. لأنهم أظهروا الرد على المعتزلة وهم قائلون بقولهم. فاستخرت الله سبحانه على كشف تلبيسهم، وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب، وجعلته فصولا كل فصل فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب على قارئه أخذ الفائدة منه، وقدمت ذكر مذاهب أصحاب الحديث جملة، ثم الأصول التي بنى أصحاب الحديث أقوالهم عليها، وبينت انسلاخ القدرية منها. (١) وقال: فالمعتزلة والقدرية عن سنن النبي ﷺ بمعزل لوجوه: أحدها: أنهم يطعنون على الصحابة ﵃ الذين بايعوا أبا بكر وعمر وينسبونهم إلى الظلم لعلي ﵁، وقد أمرنا النبي ﷺ بالاقتداء بهم جميعا والأخذ عنهم. والثاني: أنهم يطعنون على أصحاب الحديث بعدهم، وقد صرح هذا الرجل المعترض بدامغه هذا، فقال: أصحاب الحديث حمال أسفار أو أسمار. وهم الواسطة بيننا وبين نبينا ولم يتصل إلينا القرآن الذي هو أصل السنة إلا منهم. والثالث: أن السنة فرع للقرآن، لأن نبوة النبي ﷺ إنما ثبتت بثبوت

стр. 3263

معجزته ولا معجزة له فينا باقية إلى يوم القيامة إلا القرآن الذي هو كلام الله القديم. وإذا كان القرآن عند القدرية مخلوقا كسائر كلامهم لم يثبت فرعه، وهو السنة. والرابع: أن المعروف منهم اجتناب النقل والرواية عن المشهورين بالنقل، ولا عندهم كتب فيها سند صحيح كنحو الكتب المشهورة في الأمصار كالبخاري ومسلم والترمذي، وسنن أبي داود وغير ذلك من التصانيف التي أجمع أئمة الأمصار على روايتها والاحتجاج بها، وإنما عندهم خطب وكتب مزخرفة ينسبونها إلى أهل البيت وهم عنها برآء، كما اشتهر عنهم من القول بخلافها، ومعتمدهم كلام المتكلمين في الأعراض والجواهر والأجسام. والوجه الخامس: أن القدرية إذا روي لهم خبر عن النبي ﷺ عارضوه بخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وعلى عقولكم؛ فإن وافق ذلك وإلا فارموا به». (١) وهذا الخبر ليس بصحيح؛ لأنا لو عرضناه على كتاب الله لم نجد ما يوافقه، ولو عرضنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في مواقيت الصلاة وأعداد الركعات وغير ذلك من الأحكام التي نقلت عن النبي ﷺ نقلا متواترا وأجمع

стр. 3264

العلماء عليها على كتاب الله أو على العقل لم نجد ما يوافقها، فعلم بذلك أن هذا الخبر لا أصل له، وإنما دعاهم إلى ذلك عجزهم عن ضبط الأحاديث. (١) وقال: ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا علم ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله. قال هذا الرجل (٢) بخطبة دامغه المنقلب عليه: استغنى الله بذاته عن كل مجهول من الأشياء ومعروف لا يحتاج في الاتصاف بأوصاف الكمال والاستحقاق لا سيما العزة والجلال. وهذا متابعة منه لأسلافه من المعتزلة في نفي هذه الصفات عن الله، ونسب أهل السنة لما وصفوه بذلك إلى الكذب. واستدل على قوله هذا بأن قال: كأنهم لم يسمعوا الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ (٣). ودليلنا على إثبات هذه الصفات لله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ

стр. 3265

بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غائبين (٧)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٢). والقوة القدرة (٣) وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَن اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٥). والدليل على إثبات الكلام له قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٧). وقال النبي ﷺ : «من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي» (٨). والدليل على إثبات السمع والبصر ما أخبر الله عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (٩). ولو كان إله إبراهيم لا يسمع ولا يبصر لكان دليله منقلبا عليه. وقال النبي ﷺ في دعائه: «يا من وسع سمعه الأصوات». (١٠)

стр. 3266

والدليل على إثبات الحياة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، فوصف الله سبحانه نفسه بأنه يسمع ويبصر ويتكلم وأنه حي، وحقيقة الموصوف بصفة ثبوت الصفة له، وليس بين الموصوف بهذه الصفات وبين الموصوف بضدها وهي: الموت والعجز والجهل والعمى والصمم والخرس فرق إلا ثبوت هذه الصفات وعدمها، كما أنه موصوف بالوجود لئلا يكون موصوفا بضده وهو العدم، وأما إثبات الوجه واليدين فإنه إثبات صفة لا إثبات جارحة له كما أثبتته المجسمة. ولا نفسر ذلك كما فسرته الأشعرية، ولا ننفي ذلك كما نفته القدرية. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٣). وقال الله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤)، وأراد الله بذلك إظهار الفضيلة لآدم على إبليس. (٥)

стр. 3267

ابن هُبَيْرَة (١) (٥٦٠ هـ) الوزير الكامل الإمام العادل العالم أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي، ولد بقرية بني أوقر، قرية قريبة من بغداد سنة تسع وتسعين وأربعمائة. ودخل بغداد في صباه وطلب العلم، فسمع الحديث من عثمان بن ملة، وعبد الوهاب الأنماطي، وتفقه بأبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى، ومهر في اللغة، وكان عارفا بالمذهب. قال عنه الذهبي: كان سلفيا، أثريا، دينا خيرا متعبدا وقورا، متواضعا بارا بالعلماء، مكبا مع أعباء الوزارة على العلم وتدوينه. وقال عنه ابن كثير: كان من خيار الوزراء وأحسنهم سيرة، وأبعدهم عن الظلم. ومن شعره ﵀: تمسك بتقوى الله، فالمرء لا يبقى ولا تظلمن الناس ما في أيديهم تعود فعال الخير جمعا فكل ما ... وكل امرئ ما قدمت يده يلقى ولا تذكرن إفكا ولا تحسدن خلقا تعوده الإنسان صار له خلقا وله كتاب 'الإفصاح' شرح فيه الجمع بين الصحيحين للحميدي. توفي سنة ستين وخمسمائة. موقفه من المبتدعة: كان من خيار عباد الله، تولى الوزارة فنفع الله به أهل السنة فرفعهم وأكرمهم، وواظب على طلب العلم ومجالسة العلماء. وكان مثالا في الورع، يعرف ذلك من قرأ سيرته وترجمته.

стр. 3268

- قال ابن الجوزي: وكان متشددا في اتباع السنة وسير السلف ... فكان يجتهد في اتباع الصواب ويحذر من الظلم. (١) - وجاء في الطبقات أنه قال: من مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعا. ومنها: أن يخرج جوالب الفتن مخرج التشدد في الدين. ومنها: أن يقيم أوثانا في المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يبين الحق، فيقول: ليس هذا مذهبنا، تقليدا للمعظم عنده، قد قدمه على الحق. (٢) - وقال عقب حديث ابن مسعود: «إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، و ﴿إِن مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ (٣)» (٤): وهدي النبي ﷺ طريقته، والهدي: الطريقة؛ ففي هذا الحديث دليل على أن من أحدث في الدين شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، فإنه خارج عن أن يسمى أحسن، بل الذي فعله رسول الله ﷺ هو الأحسن. وقوله: «شر الأمور محدثاتها»، إنما ذكر الأمور بالألف واللام المعرفتين، لأنه يعني بذلك الأمور التي حررها رسول الله ﷺ ، فكل ما أحدث بعد

стр. 3269

رسول الله ﷺ فيما حرره فهو شر. (١) - وقال عقب حديث أبي ذر: قال رسول الله ﷺ : «إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرأون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة». (٢) قال: وقوله: «لا يعودون فيه»، فإن هذا مما نخاف منه كثيرا على أهل البدع؛ فإن كل مبتدع بدعة لا يرى أنه فيها على ضلال فيعود إلى الحق، وليس في الذنوب ذنب لايستغفر منه صاحبه إلا البدعة؛ لأنه يراها دينا وقربة، فهو لا يستغفر منها، ولا أرى هذا ينصرف إلا إلى أهل البدع، فإنهم يخرجون من الدين بالبدعة ثم لا يعودون إليه؛ لأنهم لا يرون قبح ما هم عليه من الضلالة. (٣) موقفه من الرافضة: - جاء في طبقات الحنابلة قال: والله ما نترك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الرافضة، نحن أحق به منهم، لأنه منا ونحن منه. (٤) - وجاء في البداية: وفيها أي سنة إحدى وستين وخمسمائة أظهر الروافض سب الصحابة وتظاهروا بأشياء منكرة، ولم يكونوا يتمكنون منها

стр. 3270

في هذه الأعصار المتقدمة خوفا من ابن هبيرة. (١) موقفه من الجهمية: - جاء في ذيل طبقات الحنابلة عنه قال: تفكرت في أخبار الصفات، فرأيت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها مع قوة علمهم، فنظرت السبب في سكوتهم، فإذا هو قوة هيبة للموصوف، ولأن تفسيرها لا يتأتى إلا بضرب الأمثال لله، وقد قال : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢). قال: وكان يقول: لا يفسر على الحقيقة ولا على المجاز. لأن حملها على الحقيقة تشبيه وعلى المجاز بدعة. وقال: ولا نترك الشافعي مع الأشعرية، فإنا أحق به منهم. (٣) التعليق: ما أدري ماذا يقصد بقوله: ولا يفسر على الحقيقة، فإن كان يقصد التفويض فبئس الرأي، وإن كان يقصد التشبيه، فهذا هو المظنون به، لأن العبارات السابقة واللاحقة تدل على أنه يقصد نفي الكيفية. والله أعلم. موقفه من الخوارج: - قال في شرحه لحديث علي ﵁ « ... فيهم رجل مخدج اليد ... » الحديث (٤). فيه من الفقه توفر الثواب في قتل الخوارج، وأنه بلغ إلى

стр. 3271

أن خاف علي ﵁ أن يبطر أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قتلهم، وإنما ذكر هذه لئلا يرى أحد في وقت ظهور مثلهم أن قتال المشركين أولى من قتالهم، بل قتالهم على هذا الكلام أولى من قتال المشركين، لأن في ذلك حفظ رأس مال الإسلام، وقتال المشركين هو طلب ربح في الإسلام. (١) - وقال في حديث زيد بن وهب « ... أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ... » الحديث. (٢) وأن هؤلاء إنما أتوا من الغلو في الدين، وكونهم جفت طباعهم حتى ظنوا أن الدين كله إهانة النفوس للقتل، وأكل الجشب، ولبس الخشن وغير ذلك، فرأوا الصبر على القتل ظانين أن ذلك مما يقربهم عند الله ، وكان ذلك غلطا منهم، وسوء تدبير؛ فإن الحق هو ما شرعه الله في الحنيفية السمحة السهلة، وأن يكونوا أشداء على الكفار، رحماء بينهم، وإني لأخاف على كثير ممن يتظاهر بالزهد والانقطاع في زماننا هذا، وأن يكونوا قد بلغوا في الجهل ومخالفة الحق إلى نحو طبقة هؤلاء من كونهم يرون الإنكار على السلطان والهجران لدار الإمام قربة يزعمونها، وفضيلة يدَّعونها، إلا أنهم ليسوا أهل شوكة ولا لهم قلوب تثبت في الحرب، ولذلك نما أمرهم، وإن الحق إعانة الخلافة فيما فرضه الله لها. (٣) موقفه من المرجئة: - قال ﵀: وفيه أيضاً من الفقه أن الإيمان درجة ومقام في

стр. 3272

الإسلام، وأنه لا يوصف بالألف واللام اللتين للتعريف إلا أن يكون إيماناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره. (١) - وقال أيضا: في هذا الحديث من الفقه أن الغلول يجانب الإيمان، ويكذب دعوى من يدعي أن الإيمان يكون مع الغلول، لأن الغالّ يكون خائناً خيانة لم يجاهر فيها سوى الله ، فلو كان مؤمناً به لم يكن ليخفي من الناس ما يجاهر الله به، فاستدل رسول الله ﷺ أن من يخرج إلى الجهاد في سبيل الله مخاطراً بنفسه معرضاً لها للشهادة ثم يغلُّ شملة أو غير شملة، فإن غلوله ذلك مكذب لما ادعاه من إيمانه؛ ولذلك قال: «إني رأيته في النار في بردة غلّها» (٢)، ولذلك أمر عمر فنادى: «إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». (٣) - قال ﵀ وهو يشرح حديث وفد عبد القيس (٤): في هذا الحديث من الفقه أنه يدل على أن الإيمان قول وعمل. (٥) - قال ﵀ تحت حديث «لا يزني الزاني وهو مؤمن» (٦): وقد دل الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، وخروجه من العبد وعوده إليه. (٧)

стр. 3273

ابن الحُطَيْئَة أحمد بن عبد الله (١) (٥٦٠ هـ) الشيخ الإمام العلامة القدوة شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللخمي المغربي الفاسي المقرئ الناسخ ابن الحطيئة. مولده بفاس سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وحج ولقي الكبار، وتلا بالسبع على أبي القاسم بن الفحام الصقلي وابن بليمة، ومحمد الحضرمي. وسمع من أبي الحسن بن مشرف، وأبي عبد الله الحضرمي، وأبي بكر الطرطوشي. حدث عنه أبو طاهر السلفي، وصنيعة الملك ابن حيدرة، وشجاع المدلجي، والأثير محمد بن محمد بن بنان، وابن قادوس. وأحكم العربية والفقه، وخطه مرغوب فيه لإتقانه، كان لا يقبل من أحد شيئا، مع العلم والعمل والخوف والإخلاص. سكن مصر ودخل الشام. قال السِّلفي: كان ابن الحطيئة رأسا في القراءات. وقال المدلجي: كان شيخنا ابن الحطيئة شديدا في دين الله فظا غليظا على أعداء الله. توفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة ستين وخمسمائة. موقفه من الرافضة: - جاء في السير عن شجاع المدلجي: لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطانه ونفوذ أمره، فما يحتشمه، ولا يكرمه، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا وكذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة، وكفروا بالله، وكنت عنده يوما في مسجده بشرف مصر، وقد حضره بعض وزراء المصريين أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة،

стр. 3274

فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخة ملأت المسجد، وقال: واحراها على كبدي، أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله ﷺ في آنية الفضة؟. لا والله لا تفعل، وطرد الغلام، فخرج، وطلب الشيخ كوزا، فجيء بكوز قد تثلم، فشرب، واستحيى من الشيخ، فرأيته والله كما قال الله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (١).اهـ (٢) - وفيها: وذكرنا في طبقات القراء أن الناس بقوا بمصر ثلاثة أشهر بلا قاض في سنة ثلاث وثلاثين، فوقع اختيار الدولة على الشيخ أبي العباس، فاشترط عليهم شروطا صعبة، منها أنه لا يقضي بمذهبهم -يعني الرفض، فلم يجيبوا إلا أن يقضي على مذهب الإمامية. (٣) عبد القادر الجيلي (٥٦١ ه ـ) موقفه من الجهمية: هذا الرجل كان من الحنابلة المشهورين، لكنه تأثر بالفكر الصوفي المنحرف فخرج عن تمسكه بالسنة إلى الابتداع في دين الله، وذكر كلاما في كتابه 'الغنية' يشمئز منه السلفي، ومن كذّب فليرجع إلى الكتاب فهو مطبوع مبذول. وقد انتشر صيته في البلاد الإسلامية، وأصبحت له طريقة تلقن باسم الصوفية ولأصحابها مميزات وأوراد وأحزاب وأحوال، الله أعلم

стр. 3275

بصحتها عن الشيخ الجيلي. ووقع فيه غلو من قبل الأتباع، من سمعه ترتعد فرائصه من الفزع. جاء في ذيل طبقات الحنابلة: ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفي المصري في أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات وكتب فيها الطم والرم وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع. وقد رأيت بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه، فأنقل منه إلا ما كان مشهورا معروفا من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الروايات عن المجهولين وفيه من الشطح والطامات والدعاوى والكلام الباطل ما لا يحصى ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر ﵀. ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوي قد ذكر: أن الشطنوفي نفسه كان متهما في ما يحكيه من هذا الكتاب بعينه. (١) وأما عقيدته في الأسماء والصفات فهو سلفي، وقد ذكر عقيدته في كتاب الغنية. - جاء في ذيل طبقات الحنابلة: وكان متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة، بالغا في الرد على من خالفها، قال في كتابه الغنية المشهور: وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ

стр. 3276

السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ (١). ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢). وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. (٣) - قال الذهبي في السير: قال شيخنا الحافظ أبو الحسين علي بن محمد: سمعت الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الفقيه الشافعي يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر، فقيل له: هذا مع اعتقاده، فكيف هذا؟ فقال: لازم المذهب ليس بمذهب. قلت -أي الذهبي-: يشير إلى إثباته صفة العلو ونحو ذلك، ومذهب الحنابلة في ذلك معلوم، يمشون خلف ما ثبت عن إمامهم ﵀ إلا من يشذ منهم، وتوسع في العبارة. (٤) ابن الكِيزَانِي (٥) (٥٦٢ هـ) الإمام المقرئ، الزاهد الأثري، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن ثابت

стр. 3277

المصري، الكيزاني، له تلامذة وأصحاب، وكلام في السنة، وله شعر كثير وأكثره في الزهد، وقال ابن خلكان: كان زاهدا ورعا، وقال صاحب مرآة الزمان: كان زاهدا قنوعا من الدنيا باليسير فصيحا. توفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة. موقفه من الجهمية: - جاء في طبقات ابن السبكي: وكان ابن الكيزاني -رجل من المشبهة- مدفونا عند الشافعي ﵁: فقال الخبوشاني: لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد. وجعل ينبش ويرمي عظامه وعظام الموتى الذين حوله من أتباعه. وتعصبت المشبهة عليه ولم يبال بهم، وما زال حتى بنى القبر. ثم قال ابن السبكي: ولعل من يقف على كلام شيخنا الذهبي في هذا الموضع من ترجمة الخبوشاني فلا يحفل به وبقوله في ابن الكيزاني: إنه من أهل السنة. فالذهبي ﵀ متعصب جلد، وهو شيخنا وله علينا حقوق إلا أن حق الله مقدم على حقه، والذي نقوله أنه لا ينبغي أن يسمع كلامه في حنفي ولا شافعي، ولا تؤخذ تراجمهم من كتبه فإنه يتعصب عليهم كثيرا. والله تعالى أعلم. (١) التعليق: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. فهل يجوز هذا الفعل مع الكافر، فضلا

стр. 3278

عن المسلم، فضلا عن السلفي. فلا أدري كيف يجيب ابن السبكي عن هذا، ولعلي بالقارئ قد استأنس بعبارة ابن السبكي في أهل السنة بوصفهم بالمشبهة، كالذي تعود على سماع نباح الكلاب، فلا يلتفت إليها مهما رفعت صوتها وصولتها، يحذرنا من سماعنا للذهبي الذي أجمعت الأمة على إمامته في معظم الفنون الشرعية، ويريد منا أن نصغي آذاننا لضلاله. فليعلم ابن السبكي أن الإمام ابن الكيزاني لا يضره ما فعله التعصب الأشعري. وأرجو الله أن يجعله من أهل الجنة. موقف السلف من العاضد لدين الله العبيدي الرافضي (٥٦٧ ه ـ) - جاء في السير: قال القاضي شمس الدين بن خلكان: كان إذا رأى سنيا استحل دمه. (١) - وفيها: هلك العاضد يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مائة بذرب مفرط. وقيل مات غما لما سمع بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء. وقيل: سقي، وقيل: مص خاتما له مسموما. وكانت الدعوة المذكورة أقيمت في أول جمعة من المحرم، وتسلم صلاح الدين القصر بما حوى من النفائس والأموال، وقبض أيضا على أولاد العاضد وآله، فسجنهم في بيت من القصر، وقمع غلمانهم وأنصارهم، وعفى آثارهم.

стр. 3279

قال العماد الكاتب: وهم الآن محصورون محسورون لم يظهروا. وقد نقصوا وتقلصوا، وانتقى صلاح الدين ما أحب من الذخائر، وأطلق البيع بعد في ما بقي، فاستمر البيع فيها مدة عشر سنين. ومن كتاب من إنشاء القاضي الفاضل إلى بغداد: وقد توالت الفتوح غربا، ويمنا وشاما. وصارت البلاد، والدهر حرما حراما، وأضحى الدين واحدا بعد أن كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها صما وعميانا، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة. ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وقطع دابرهم، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا، وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن السير إليهم بنائم. (١) قال ابن خلكان: أخبرني عالم أن العاضد رأى في نومه كأن عقربا خرجت إليه من مسجد عرف بها فلدغته، فلما استيقظ طلب معبرا، فقال: ينالك مكروه من رجل مقيم بالمسجد فسأل عن المسجد، وقال للوالي عنه، فأتي بفقير، فسأله من أين هو؟ وفيما قدم، فرأى منه صدقا ودينا. فقال: ادع لنا ياشيخ، وخلى سبيله، ورجع إلى المسجد، فلما غلب صلاح الدين على مصر، عزم على خلع العاضد، فقال ابن خلكان: استفتى الفقهاء، فأفتوا بجواز خلعه لما هو من انحلال العقيدة والاستهتار، فكان أكثرهم مبالغة في الفتيا

стр. 3280

ذاك، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني، فإنه عدد مساوئ هؤلاء، وسلب عنهم الإيمان. (١) - وكانوا أربعة عشر متخلفا لا خليفة، والعاضد في اللغة أيضا القاطع، فكان هذا عاضدا لدولة أهل بيته. (٢) - وفيها: قال أبو شامة: كان منهم ثلاثة بإفريقية: المهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر آخرهم العاضد، ثم قال: يدعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك، وقيل: الدولة العلوية، والدولة الفاطمية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية الملحدة الباطنية. ثم قال: ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر، وأن نسبهم غير صحيح. بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد من نسل القداح المجوسي الملحد. قال: وقيل: والده يهودي من أهل سلمية. وعبيد كان اسمه سعيدا، فغيره بعبيد الله لما دخل إلى المغرب، وادعى نسبا ذكر بطلانه جماعة من علماء الأنساب، ثم ترقى، وتملك، وبنى المهدية. قال: وكان زنديقا خبيثا، ونشأت ذريته على ذلك. وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها. قال الذهبي: وكانت دولتهم مائتي سنة وثمانيا وستين سنة، وقد صنف القاضي أبو بكر بن الباقلاني كتاب 'كشف أسرار الباطنية' فافتتحه ببطلان انتسابهم إلى الإمام علي، وكذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي. (٣)

стр. 3281

الملك العادل نور الدين محمود (١) (٥٦٩ هـ) صاحب الشام، الملك العادل، نور الدين، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام، أبو القاسم، محمود بن الأتابك. ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة. تملك حلب بعد وفاة أبيه، وكان نور الدين حامل رايَتَي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق ثم تملكها، وافتتح حصونا كثيرة، وهزم الفرنج مرات عديدة، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة، وبنى المدارس والمساجد، وأبطل المكوس، وأنصف الرعية، ووقف على الضعفاء والأيتام والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخراج العين بأُحُد، دفنها السيل، ووقف كتبا كثيرة مثمنة. وكان بطلا شجاعا، وافر الهيبة، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة، سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، وكان يميل إلى التواضع وحب العلماء والصلحاء، وكان زاهدا عابدا، متمسكا بالشرع، مجاهدا، له من المناقب ما يستغرق الوصف. توفي ﵀ سنة تسع وستين وخمسمائة. موقفه من المشركين والرافضة: - جاء في البداية والنهاية: وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة، وأمر

стр. 3282

بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح، ولم يكن يؤذن بهما في دولة أبيه وجده، وإنما كان يؤذن بحي على خير العمل. لأن شعار الرفض كان ظاهرا بها، وأقام الحدود وفتح الحصون، وكسر الفرنج مرارا عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين. (١) - وجاء في السير: افتتح أولا حصونا كثيرة، وفامية، والراوندان، وقلعة إلبيرة، وعزاز، وتل باشر، ومرعش، وعين تاب، وهزم البرنس صاحب أنطاكية، وقتله في ثلاثة آلاف من الفرنج، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة. (٢) - وفيها: وكانت الفرنج قد استضرت على دمشق، وجعلوا عليها قطيعة، وأتاه أمير الجيوش شاور مستجيرا به، فأكرمه، وبعث معه جيشا ليرد إلى منصبه، فانتصر، لكنه تخابث وتلاءم، ثم استنجد بالفرنج، ثم جهز نور الدين ﵀ جيشا لجبا مع نائبه أسد الدين شيركوه، فافتتح مصر، وقهر دولتها الرافضية، وهربت منه الفرنج، وقتل شاور، وصفت الديار المصرية لشيركوه نائب نور الدين، ثم لصلاح الدين، فأباد العبيديين، واستأصلهم، وأقام الدعوة العباسية. (٣)

стр. 3283

موقف السلف من الحسن بن ضافي الرتكي الرافضي (٥٦٩ ه ـ) جاء في البداية: كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيا خبيثا متعصبا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة. وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحا شديدا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدا منهم إلا يحمد الله، فغضب الشيعة من ذلك، ونشأت بينهم فتنة بسبب ذلك. (١) موقف السلف من المعبد لغير الله: عبد النبي الزنديق (٥٦٩ ه ـ) قال الذهبي: فقام بعده (أي بعد أبيه الباطني) عبد النبي هذا، ففعل كأبيه، وسبى الحريم، وتزندق، وبنى على قبر أبيه المهدي قبة عظيمة، وزخرفها، وعمل أستار الحرير عليها وقناديل الذهب، وأمر الناس بالحج إليها، وأن يحمل كل أحد إليها مالا، ولم يدع أحد زيارتها إلا وقتله، ومنعهم من حج بيت الله، فتجمع بها أموال لا تحصى، وانهمك في الفواحش إلى أن أخذه الله على يد شمس الدولة أخي السلطان صلاح الدين، عذبه، ثم قتله، وأخذ خزائنه، فلله الحمد على مصرع هذا الزنديق، وكان ذلك في قرب سنة

стр. 3284

سبعين وخمسمائة فإن مضي شمس الدولة توران شاه إلى اليمن وأخذها كان في سنة تسع وستين، فأسر هذا المجرم، وشنقه، وتملك زبيد وعدن وصنعاء، ولعبد النبي أخبار في الجبروت والعتو، فلا ﵀. (١) عضد الدين (٢) (٥٧٣ هـ) وزير العراق، الأوحد المعظم، عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن هبة الله بن مظفر بن الوزير الكبير البغدادي. ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع من هبة الله بن الحصين وعبيد الله بن محمد بن البيهقي وزاهر بن طاهر. حدث عنه حفيده داود بن علي وغيره. وكان أولا أستاذ دار المقتفي والمستنجد، ثم وزر للإمام المستضيء، وكان جوادا سريا مهيبا كبير القدر. فيه مروءة وإكرام للعلماء، وكان يشتغل هو وأولاده بالحديث والفقه والأدب، وكان الناس معهم في سعة. قتل سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. موقفه من المشركين: قال الذهبي: وقد عزل ثم أعيد، وتمكن ثم تهيأ للحج، وخرج في رابع ذي القعدة في موكب عظيم، فضربه باطني على باب قَطُفْتا أربع ضربات، ومات ليومه من سنة ثلاث وسبعين، وكان قد هيأ ست مئة جَمل، سَبَّل

стр. 3285

منها مئة، صاح الباطني: مظلوم مظلوم وتقرب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه، فتقدم إليه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط وانكشف رأسه، فغطى رأسه بكمه، وضرب الباطني بسيف، فعاد وضربَ الوزيرَ، فهبَّروه بالسيوف، وكان معه اثنان فأُحرِقوا، وحُمِل الوزير إلى دارٍ، وجرح الحاجب، وكان الوزير قد رأى في النوم أنه معانق عثمان ﵁، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام، فإنني مقتول بلا شك. ثم مات بعد الظهر، ومات الحاجب بالليل. (١) موقف السلف من صدقة بن حسين (٥٧٥ ه ـ) قال ابن الجوزي: يظهر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وكان لا ينضبط، وله ميل إلى الفلاسفة، قال لي مرة: أنا الآن أخاصم فلك الفلك. وقال لي القاضي أبو يعلى الصغير: مذ كتب صدقة 'الشفاء' لابن سينا تغير. وقال للظهير الحنفي: إني لأفرح بتعثيري لأن الصانع يقصدني. (٢)

стр. 3286

المستضيء بأمر الله (١) (٥٧٥ هـ) الخليفة أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي الهاشمي العباسي من الأئمة الموفقين. ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وبويع بالخلافة وقت موت أبيه في ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. واستوزر عضد الدين أبا الفرج. كان كثير السخاء، حسن السيرة، ذا حلم وأناة ورأفة وبر وصدقات، وأمر برفع المكوس ورد المظالم. وفرق مالا عظيما على الهاشميين. وفي خلافته زالت دولة العبيدية بمصر. وخطب له باليمن وبرقة وبلاد الترك، ودانت له الملوك، وضعف بدولته الرفض ببغداد وبمصر، وظهرت السنة، وحصل الأمن. مات رحمه الله تعالى في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وبايعوا بعده ولده الناصر لدين الله. موقفه من المبتدعة: قال الحافظ ابن كثير في البداية: وكان من خيار الخلفاء، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مزيلا عن الناس المكوسات والضرائب، مبطلا للبدع والمعائب، وكان حليما وقورا كريما. (٢)

стр. 3287

أبو طاهر السِّلَفِي (١) (٥٧٦ هـ) هو الإمام العلامة المحدث الحافظ المفتي، شيخ الإسلام شرف المعمرين، أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني، ويلقب جده أحمد بسِلَفَة، وهو الغليظ الشفة، ولد الحافظ أبو طاهر سنة خمس وسبعين وأربعمائة أو قبلها بسنة. كان إماما مقرءا، محمودا، ومحدثا، حافظا، جهبذا، وفقيها متقنا، ونحويا ماهرا، ولغويا محققا، ثقة فيما ينقله، حجة، ثبتا، انتهى إليه علو الإسناد في البلاد. سمع الحديث الكثير ورحل في طلبه إلى الآفاق، ومن شيوخه محمد بن عبد الرحمن المديني، وأحمد بن عبد الرحمن اليزدي، وأبو مسعود محمد بن عبد الله السوذرجاني وغيرهم، وجالس في الفقه إلكيا الهراسي، وأخذ الأدب عن أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، وبقي في الرحلة ثمانية عشر عاما، يكتب الحديث والفقه والأدب، ثم استوطن الإسكندرية إلى أن مات. وحدث عنه الحافظ ابن طاهر المقدسي وعبد الغني المقدسي وعمر بن عبد المجيد الميانشي وغيرهم. قال ابن السمعاني: هو ثقة ورع، متقن، متيقظ، حافظ، فهم، له حفظ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفة لهم في المذهب. وتوفي سنة ست وسبعين وخمسمائة.

стр. 3288

موقفه من المبتدعة: - هذا الحافظ الكبير رغم إمامته العلمية في الحديث وعلومه، وما أكثر ما نقل عنه ابن الصلاح في مقدمته في علم المصطلح، لم يسلم من لسان الشيخ النجدي الذي جعله الله من سلالة أبي بن خلف، لا يترك أحدا اختار منهج السلف منهجه إلا ونال منه، ولكن الله إذا أراد بعبد خيرا هيأ له من يطعن فيه، حتى تعظم حسناته وتوضع الأوزار على الساب والشاتم، وإليك قصيدة هذا الإمام. وهي قصيدة طويلة نأخذ منها ما يتعلق بموضوعنا، ذكرها الذهبي في السير: وها أنا شارع في شرح ديني ... ووصف عقيدتي وخفي حالي وأجهد في البيان بقدر وسعي ... وتخليص العقول من العقال بشعر لا كشعر بل كسحر ... ولفظ كالشمول بل الشمال فلست الدهر إمعة وما أن ... أزل ولا أزول لذي النزال فلا تصحب سوى السني دينا ... لتحمد ما نصحتك في المآل وجانب كل مبتدع تراه ... فما إن عندهم غير المحال ودع آراء أهل الزيغ رأسا ... ولا تغررك حذلقة الرذال فليس يدوم للبدعي رأي ... ومن أين المقر لذي ارتحال يوافي حائرا في كل حال ... وقد خلى طريق الاعتدال ويترك دائبا رأيا لرأي ... ومنه كذا سريع الانتقال وعمدة ما يدين به سفاها ... فأحداث من أبواب الجدال وقول أئمة الزيغ الذي لا ... يشابهه سوى الداء العضال

стр. 3289

كمعبد المضلل في هواه ... وواصل أو كغيلان المحال وجعد ثم جهم وابن حرب ... حمير يستحقون المخالي وثور كاسمه أو شئت فاقلب ... وحفص الفرد قرد ذي افتعال وبشر لا أرى بشرى فمنه ... تولد كل شر واختلال وأتباع بن كلاب كلاب ... على التحقيق هم من شر آل كذاك أبو الهذيل وكان مولى ... لعبد القيس قد شان الموالي ولا تنس ابن أشرس المكنى ... أبا معن ثمامة فهو غالي ولا ابن الحارث البصري ذاك الـ ... مضل على اجتهاد واحتفال ولا الكوفي أعنيه ضرار بـ ... ـن عمرو فهو للبصري تالي كذاك ابن الأصم ومن قفاه ... من أوباش البهاشمة النغال وعمرو هكذا أعني بن بحر ... وغيرهم من أصحاب الشمال فرأي أولاء ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال وكل هوى ومحدثة ضلال ... ضعيف في الحقيقة كالخيال فهذا ما أدين به إلهي ... تعالى عن شبيه أو مثال وما نافاه من خدع وزور ... ومن بدع فلم يخطر ببالي قال الذهبي عقبها: صدق الناظم ﵀ وأجاد، فلأن يعيش المسلم أخرس أبكم خير له من أن يمتلأ باطنه كلاما وفلسفة. (١) - قال الحافظ عبد القادر: وكان السلفي آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر

стр. 3290

حتى إنه قد أزال من جواره منكرات كثيرة. ورأيته يوما وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان، فأرادوا أن يقرأوا فمنعهم من ذلك وقال: هذه القراءة بدعة بل اقرأوا ترتيلا فقرأوا كما أمرهم. (١) التعليق: هذا الموقف من هذا السلفي يرد على جميع باعة القرآن والمتلاعبين به في كل وقت وزمان، ولو عاش إلى وقتنا هذا لرأى العجب العجاب والله المستعان. - وقال ﵀: إن علم الحديث علم رجال ... تركوا الابتداع للاتباع فإذا جن ليلهم كتبوه ... وإذا أصبحوا غدوا للسماع (٢) موقفه من الجهمية: من أبياته في العقيدة السلفية: ضل المجسم والمعطل مثله ... عن نهج الحق المبين ضلالا وأبى أماثلهم بنكر لا رعوا ... من معشر قد حاولوا الاشكالا غدوا يقيسون الأمور برأيهم ... ويدلسون على الورى الأقوالا فالأولون تعذروا الحق الذي ... قد حده في وصف الإله تعالى وتصوروه صورة من جنسنا ... جسما وليس الله عز مثالا والآخرون يعطلون ما جاء في الـ ... ـقرآن أقبح بالمقال مقالا

стр. 3291

وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا ... ورأوه حشوا لا يفيد منالا (١) الإمام السُّهَيْلِي (٢) (٥٨١ هـ) الحافظ العلامة، البارع أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد. ولد سنة بضع وخمسمائة. وكف بصره وهو ابن سبع عشرة سنة. أخذ القراءات عن أبي داود الصغير سليمان بن يحيى، وسمع من أبي عبد الله ابن معمر والقاضي أبي بكر بن العربي وشريح بن محمد. وله مصنفات منها: الروض الأنف كالشرح للسيرة النبوية، جمع بين الرواية والدراية، وحمل الناس عنه، وقد استدعي من مالقة إلى مراكش ليأخذوا عنه، سمع منه أبو الخطاب بن دحية والحافظ أبو محمد القرطبي وجماعة. قال ابن دحية: كان يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه وأحسن إليه، وقال أبو جعفر بن الزبير: كان السهيلي واسع المعرفة غزير العلم نحويا متقدما لغويا عالما بالتفسير وصناعة الحديث عارفا بالرجال والأنساب. توفي بمراكش في إحدى وثمانين وخمسمائة. موقفه من الصوفية: جاء في درء التعارض عنه ﵁ قال: أعوذ بالله من قياس

стр. 3292

فلسفي وخيال صوفي. (١) موقفه من الجهمية والقدرية: قال السهيلي في نتائج الفكر: اعلم أن (ما) إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري فلا يصح وقوعها إلا على مصدر، لإجماع العقلاء من الأنام، في الجاهلية والإسلام، على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: عملت جبلا، ولا: صنعت جملا ولا حديدا، ولا حجرا، ولا ترابا ولا شجرا، فإذا ثبت ذلك وقلت: أعجبني ما عملت وما فعلت زيد، فإنما تعني الحدث. فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢) إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالكم. ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول، لأنهم زعموا أن (ما) واقعة على الأصنام والحجارة التي كانوا ينحتونها، وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكارا منهم بأن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه. واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوه، لأنه قد تقدم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ (٣)، فما واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى، أما النحو فقد تقدم أن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا.

стр. 3293

وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوت. فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم كذلك ما فيها واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: أتعبدون حجارة تنحتونها، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟ هذا كله، معنى قول المعتزلة، وشرح ما شبهوا به، والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع والمعنى لا يصح غيره. والذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال، لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام. فإن قيل: فقد تقول: عملت الصحفة، وصنعت الجفنة، وكذلك الأصنام معمولة على هذا؟ قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب، وهي نفس العمل، وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجوهر. وهذا إجماع منا ومنهم، فلا يصح حملهم على غير ذلك، وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر، وتأويلنا معدوم في تأويلهم، لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، فقال: أتعبدون ما تنحتون، أي: ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون، ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية، وقد نسبها بالمجاز إليهم، لما قامت له حجة عليهم من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق

стр. 3294

لأجناس أخر، فيشركهم معه في الخلق -تعالى الله عن قول الزائغين، ولا ولعا لعثرات المبطلين- فما أدحض حجتهم وما أوهى قواعد مذهبهم، وما أبين الحق لمن اتبعه .. نسأل الله الكريم أن يجعلنا من أتباع الحق وحزبه، وأن يعصمنا من شبه الباطل وريبه. (١) عبد المغيث بن زهير (٢) (٥٨٣ هـ) الشيخ الإمام عبد المغيث بن زهير بن زهير بن علوي، أبو العز بن أبي حرب البغدادي الحربي. ولد سنة خمسمائة. سمع أبا القاسم بن الحصين وأبا العز بن كادش وأبا غالب بن البناء وهبة الله بن الطبر. وروى عنه الشيخ الموفق والحافظ عبد الغني والبهاء المقدسي وأبو عبد الله الدبيثي وغيرهم. قال ابن رجب: كان صالحا متدينا، صدوقا أمينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق، مجتهدا في اتباع السنة والآثار، منظورا إليه بعين الديانة والأمانة. وقال الحافظ المنذري: اجتهد في طلب الحديث، وجمعه وصنف وأفاد، وحدث بالكثير. صنف كتابا في فضائل يزيد، أتى فيه بالعجائب، ورد عليه أبو الفرج بن الجوزي. قال الذهبي: ولو لم يصنفه لكان خيرا له. ثم إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن لعنة يزيد قصده متنكرا،

стр. 3295

وسأله عن ذلك، فعرفه الشيخ ولم يعلمه بأنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيلعن أم لا؟ فقال: لا أسوغ لعنه لأني لو فتحت هذا الباب لأفضى الناس إلى لعن خليفتنا، فقال الخليفة: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة كثيرة، منها كذا وكذا، ثم شرع يعدد على الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به. توفي ﵀ في الثالث والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. موقفه من الصوفية: له كتاب الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح، يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو، وذكر فيه: تحريم الدف بكل حال في العرس وغيره. (١) ابن أبي عصرون (٢) (٥٨٥ هـ) الشيخ الإمام العلامة، الفقيه البارع، شيخ الشافعية، عالم أهل الشام، أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. تفقه على المرتضى الشهرزوري، وأخذ القراءات عن أبي عبد الله الحسين بن محمد البارع وأبي بكر المزرفي، سمع من أبي القاسم بن الحصين وجماعة، وولي قضاء دمشق وحران وسنجار وديار ربيعة، ودرس وأقرأ القراءات والفقه،
следующие страницы →