← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

حيث قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ (١)، فسماهم بالكفر وهم أطفال، فكيف جاز ذلك في قوم نوح، ولا يجوز ذلك في قومنا، وما بيننا وبينهم إلا السيف، وأما استحلال الأمانات ممن خالفنا، فإن الله تعالى أحل لنا ذمة أموالهم، كما أحل لنا دماءهم، فاتقوا الله يا نجدة، وراجع نفسك لا عذر لك إلا بالتوبة، ولا يسعك خذلاننا والقعود عنا والسلام على من أقر بالحق وعمل به. (٢) - وقال أبو محمد أيضا: فاعلم أيدك الله وأرشدك للصواب أن الناس افترقوا في الإمامة على فرق شتى، قالت الخوارج ومن لف لفيفها بإمامة أبي بكر ﵁ ابتداء، وعمر بعده، وعثمان إلى وقت الحدث، وعلي إلى وقت التحكيم، وتولوهم وأثنوا عليهم خيرا، وقبلوا أقوالهم وأعمالهم بأحسن قبول، وذكروهم بأحمد ذكر، وأمسكوا عن عثمان من وقت الحدث، ورفضوا إمامة علي من وقت التحكيم، وقالوا: حكمتم الرجال في دين الله تعالى، وتبرؤوا منه، وذكروه بأقبح ذكر، وقالوا: شك في دينه، وهو الحيران الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وحملوا قوله وحكمه على البطلان والعصيان. (٣) موقفه من المرجئة: - قال ﵀: الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وعمل

стр. 3362

بالجوارح، وكل خصلة من خصال الطاعات المفروضة إيمان. فعلى هذا الإيمان عندهم التصديق، وموضعه القلب والمعبر عنه باللسان، وظاهر الدليل عليه بعد الإقرار شهادة الأركان وهي ثلاثة أشياء: شهادة، واعتقاد، وعمل، فالشهادة تحقن الدم وتمنع المال وتوجب أحكام الله، والعمل يوجب الديانة والعدالة، وهذان ظاهران يوجبان الظاهرة الشريعة، فأما العقيدة فإنها تظهرها الآخرة، لأنها خفية لا يعلمها إلا الله، فمن ترك العقيدة بالقلب وأظهر الشهادة فهو منافق، ومن اعتقدها بقلبه وعبر عنها لسانه وترك العمل بالفرائض عصيانا منه فهو فاسق غير خارج بذلك عن إيمانه، لكنه يكون ناقصا، وتجري عليه أحكام المسلمين، اللهم إلا إن تركها وهو جاحد بوجوبها: فهو كافر حلال الدم ويجب قتله. وأما من اعتقد بقلبه أن الله وحده لا شريك له وأثبته معرفة ووجودا، كما قال أبو جعفر بن محمد ﵁ للأعرابي الذي قال له: رأيت الله حين عبدته؟ قال: ما كنت لأعبد ما لم أره، قال له الأعرابي: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة الأعيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور في القضيات، ذلك الله الذي لا اله إلا هو. قال الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالته. فعلى هذا لئن عبر عنه لسانه بما تقدم ذكره، وعمل بجوارحه ما فرض عليه، وصدق بما جاء من عند ربه على لسان نبيه ﷺ أنه صواب وحكمة وعدل، وأن الطاعة له فيها لازمة، واجتنب الكبائر الموبقة: فهو مؤمن حقا، يزيد إيمانه بالطاعات وينقص بالمعاصي، فيستحق بالطاعات الثواب، ويأمن

стр. 3363

بترك المعاصي العذاب والعقاب، لكنه يكون بين حالين: خائفا لربه بما أوعد من العقوبات، راجيا له بما وعد من العفو، فيكون بين مخافة ورجا. (١) وذكر ﵀ الأدلة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. - وقال أيضا: وأما كسر ما ذهبوا إليه من أن الإيمان لا ينقص بالمعاصي ولا يزداد بالطاعات فغير مسلم لهم، بل يكسره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (٢) فذكر الله تعالى الزيادة في الإيمان بأفعال الخير، وذكر نقص الإيمان بالمعاصي بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (٣)، فمنع من المساواة بينهم لأن عملهم السيئات نقص في إيمانهم. وقال أيضا عز من قائل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (٤)، حاشا الله ما هم سواء كما قالت المرجئة، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا

стр. 3364

لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (١)، فمنع المساواة بينهم. وقالت المرجئة: بل هم سواء. معاذ الله أن نقول بهذا، وأن نجعل إيمان المطهرين الأبرار كإيمان الفجار الفاسقين، ولهذا حكي أن المرجئة يهود هذه الأمة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (٢) أفليس هذا نقصا؟ وقال أيضا عز من قائل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣)، أفليس قد أخرجهم عن إيمانهم إذا لم يرضوا بقضيته ﷺ ، وقد ذكر إيمانهم بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. والمرجئة ترد على الله قضيته وحكمه الذي حكم به، فيزعمون أن إيمانهم كإيمان جبرائيل ﵇، كذبوا وأفكوا، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤) أفليس إذا أكلوها بينهم بالباطل نقصهم إيمانهم؟ ثم تواعدهم على إثر ذلك فقال: ﴿وَمَنْ

стр. 3365

يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (١). وقال عز من قائل في قاعدة اليتامى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ (٢) أفليس الحوب نقصا في الإيمان؟ وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ (٣)، أفليس هذا إن فعله فاعله نقصا في إيمانه، والمرجئة تقول بخلاف هذا، وأن عندهم من قتل أو سرق أو زنا أو نكح ابنته أو أخته أو بعض جميع ما ذكر الله تعالى تحريمهن، [وعدت من مضى عليها، وتوعد من عملها في هذه الآية بعذابها ونارها] (٤)، مؤمن كإيمان الملائكة والنبيين صلى الله تعالى عليهم أجمعين. هل هذا إلا كفر عظيم؟!!. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) أفليس قد سماهم مسلمين مؤمنين؟ وأمرهم أن يتركوا ما بقي

стр. 3366

من الربا، فيكون ذلك لهم زيادة في إيمانهم إذا أطاعوا، ونقصا لهم إذا عصوا ولم يتركوه؟. وقال أيضا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١) أفليس كسب الخير يزيد في الإيمان، وكسب المعصية ينقص منه؟ وقال أيضا عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (٢). أفليس هذا دليلا على أنهم إذا فعلوا الفاحشة نقص ذلك من إيمانهم فلم يدخلهم الجنة؟ فإن استغفروا عنها وتابوا غفر لهم وأدخلهم الجنة لأنهم ازدادوا في إيمانهم بالتوبة عنها. ثم سرد الأدلة من السنة على ذلك. (٣) موقفه من القدرية: - قال ﵀ في شأن فرقة القدرية: قالوا: قضاء الله وقدره في

стр. 3367

معاصي عباده منهم دونه، وأنه تعالى يريد منهم ما لا يكون، ويكون منهم ما لا يريد، وأنه لم يخلق أفعال العباد بل هم الخالقون لها دونه، وأن العبد مخير يفعل ما يشاء من خير وشر، ليس لله تعالى في فعله صنع، قالوا: ولأنه لو كان له صنع في فعل عبده لما سأله عنه، ولو أنه سأله عنه لكان جورا منه، قالوا: والعبد إذا تغذا بغذاء حرام ليس من رزق ربه، بل هو من رزق نفسه، قالوا: وقد يقتل الإنسان دون أجله، قالوا: وعلم الله تعالى سابق غير سابق، والعباد يشاؤون لأنفسهم ما لا يشاء ربهم لهم، وأنهم قادرون على الخروج من علمه، وأنهم يجعلون لأنفسهم قوة يفعلون بها ما أرادوا، وأن أمر الاستطاعة إليهم دون ربهم. (١) - ثم قال: وغلا قوم منهم غلوا شديدا إلى أن قالوا: إن الله عزوجل لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وكذبوا، بل هو سبحانه يعلم الشيء الذي يكون قبل أن يكون، ويعلم ما لا يكون أن كيف كان لو كان يكون (٢) ثم ذكر الأدلة على ذلك. - وقد أطال النفس ﵀ في الاحتجاج بينه وبين القدرية من الكتاب والسنة وأقوال السلف وكنموذج على ذلك قوله: فإن قال: فإنما عنى بالإرادة خلق الطاعة دون خلق المعصية. قيل: قولك هذا كقول المجوس لأنهم أثبتوا خالقين: أحدهما يخلق الخير وهو الله تعالى، والثاني يخلق الشر وهو الشيطان لعنه الله، وهذا رد على

стр. 3368

القرآن لأنه تعالى يقول لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ (١)، فذكر أنه خالق الشر لا خالق له سواه، وأنت تقول بخلافه من أنه خلق الخير وغيره خلق الشر، وليس في قوله تعالى نقص ولا تقصير ولا استثناء، فيكون خالق الشيء دون الشيء، بل هو خالق كل شيء كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، وهذه آية عامة لا خاصة. فإن قال: فيلزمكم على هذا أن إبليس اللعين وهو شيطان رجيم، وكل كافر ومشرك مستوجب للعذاب داخل في رحمة الله تعالى، لأنه يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣) فما تراهم إلا قد دخلوا في رحمته، لأنهم شيء، ونحن مجمعون وإياكم أنهم غير داخلين في رحمته. قيل: هذا تمويه بين وتأويل فاسد، لأنه سبحانه استثنى من الآية من لا يدخل في رحمته بقوله سبحانه: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ

стр. 3369

النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١)، وإبليس ومن ذكرت لا يعملون بهذا فخرجوا من الرحمة. والآية التي ذكرناها ما فيها استثناء ولا نقص ولا تقصير، فافهم هذا أرشدك الله، ففيه كفاية لكسر تمويهك والحمد لله. فإن زاد واعترض ولم يقنع بما مضى، وقال: ألستم تقولون: إن الله رضي من عباده المعصية وأرادها منهم؟ فكيف يعذبهم على ما قد مضى منهم؟ قيل له: لسنا نقول: إنه أمر بها ولا رضي، لأنه يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٢)، بل نقول: أراد المعصية منهم إرادة كتب وعلم سابق، لا إرادة أمر ولا خير ورضى، لأن الخلق لا يقدرون أن يخرجوا من علمه الذي هو قد علم أنه سيكون منهم، ولا على اكتسابه إلا بمعونته، فالذي يوجد منهم من الطاعات بهداه وتوفيقه ولطفه، والذي تركوا من المعاصي بعصمته وتسديده، والذي كان منهم من فعل المعصية بخذلانه وإرادته ومشيئته، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء، لأنه لا يكون في سلطانه ما لا يريد وما لا يشاء، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا

стр. 3370

تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (١).اهـ (٢) وذكر غيرها من الأدلة. عبد الغني المقدسي (٣) (٦٠٠ هـ) الإمام العالم الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع عالم الحفاظ، تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهو أكبر من أخيه الشيخ الموفق بن قدامة، ومن شيوخه: أبو طاهر السلفي، وأبو الفتح بن البطي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وله مصنفات كثيرة، منها: الكمال في معرفة الرجال، والصفات، والتوحيد، والاقتصاد في الاعتقاد، ومناقب الصحابة وغيرها كثير. قال ضياء الدين: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلا ذكره وبينه، وذكر صحته أو سقمه، وقال إسماعيل بن ظفر: قال رجل للحافظ عبد الغني: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق. وقال التاج الكندي: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني. وقال الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه. وقال الضياء: ما

стр. 3371

أعرف أحدا من أهل السنة رآه إلا أحبه ومدحه كثيرا، سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ يصطف الناس في السوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها. توفي ﵀ سنة ستمائة. موقفه من المبتدعة: - قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: قال الشيخ الموفق: كان رفيقي وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وقيامهم عليه، ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها. (١) - وقال ابن النجار: وكان كثير العبادة ورعا متمسكا بالسنة على قانون السلف. (٢) - وقال الضياء: وكان المبتدعة قد أوغروا صدر العادل على الحافظ وتكلموا فيه عنده وكان بعضهم يقول: ربما يقتله إذا دخل عليه، فسمعت أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال الضياء: سمعت أبا بكر ابن أحمد الطحان يقول: جعلوا الملاهي عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر كثيرا منها وصعد المنبر، فجاءه رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدف والشبابة فقال: ذاك حرام ولا أمشي إليه إن كان له حاجة يجيء هو، قال فعاد الرسول فقال: لا بد من مجيئك قد عطلت هذه الأشياء على السلطان،

стр. 3372

فقال: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، فمضى الرسول فخفنا من فتنة، فما أتى أحد بعد. (١) - وقال في حديثه عن أهل السنة: ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المردية الردية، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية. (٢) - وقال: فالزم -رحمك الله- ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم، ولا تحد عنه ولا تبتغ الهدى في غيره، ولا تغتر بزخارف المبطلين، وآراء المتكلفين، فإن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون، وأتى به المتنطعون من آرائهم المضمحلة، ونتائج عقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله عوضا من قول كل قائل، وزخرف وباطل. (٣) - وقال في خاتمة كتابه 'الاقتصاد في الاعتقاد': فهذه جملة مختصرة من القرآن والسنة، وآثار من سلف، فالزمها، وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله، وصالح سلف الأمة ممن حصل الاتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من كان عندهم محقورا مهجورا، مبعدا مدحورا، ومذموما ملوما، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل. (٤)

стр. 3373

موقفه من المشركين: قال الذهبي نقلا عن الضياء: وسمعت الحافظ يقول: أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشينا كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل، فقلت: ما له؟ قالوا: هذا رجل شمسي، فضاق صدري، وقلت للرجل: ما أضفتني إلا مع كافر، قال: إنه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلي وذاك يستمع، فلما سمع القرآن تزفر، ثم أسلم بعد أيام، وقال: لما سمعتك تقرأ، وقع الإسلام في قلبي. (١) موقفه من الرافضة: - ألف في ذكر فضائل الصحابة كتابه 'مناقب الصحابة' ذكره الإمام الذهبي في السير. (٢) - وقال في الاقتصاد: ونعتقد أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله ﷺ صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام، ورفيقه في الهجرة والغار أبو بكر الصديق، وزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته، عبد الله ابن عثمان عتيق بن أبي قحافة. ثم بعده الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أعز الله به وأظهر الدين. ثم بعده ذو النورين أبو عبد الله عثمان بن عفان الذي جمع القرآن وأظهر العدل والإحسان. ثم ابن عم رسول الله ﷺ وختنه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم. فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون. ثم الستة الباقون من العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام،

стр. 3374

وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله عليهم. فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة (١)، فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها، اتباعا لقوله وامتثالا لأمره اهـ. ثم ذكر بعضا ممن شهد لهم بالجنة. (٢) موقفه من الجهمية: لقد مضت سنة الله تعالى في خلقه على هذا الإمام بالامتحان والاختبار في عقيدته. وكان ممن شرفه الله بالصبر في سبيل عقيدته السلفية، وكان من خيرة الأمثلة في ذلك. - جاء في ذيل طبقات الحنابلة: اجتمع الشافعية والحنفية والمالكية عند المعظم عيسى والصارم برغش والي القلعة، وكانا يجلسان بدار العدل للنظر في المظالم. قال: وكان ما اشتهر من إحضار اعتقاد الحنابلة، وموافقة أولاد الفقيه نجم الدين الحنبلي الجماعة، وإصرار الفقيه عبد الغني المقدسي على لزوم ما ظهر به من اعتقاده وهو الجهة والاستواء والحرف. وأجمع الفقهاء على الفتوى بكفره وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين ولا يحل لولي الأمر أن يمكنه من المقام معهم، وسأل أن يمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد فأجيب. وذكر غيره: أنهم أخذوا عليه مواضع منها قوله: ولا أنزهه تنزيها ينفي حقيقة

стр. 3375

النزول. ومنها قوله: كان الله ولا مكان وليس هو اليوم على ما كان. ومنها مسألة الحرف والصوت. فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيها تنفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت فإنه لم يصح عن إمامك الذي تنتمي إليه فيه شيء، وإنما المنقول عنه: أنه كلام الله غير مخلوق. وارتفعت الأصوات فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلال وأنت على الحق؟ قال: نعم. ثم ذكر معهم من الصلاة بالجامع قال: فخرج عبد الغني إلى بعلبك ثم سافر إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وكتب أهل مصر إلى الصفي بن شكر وزير العادل: أنه قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رؤوس الأشهاد، فكتب إلى والي مصر بنفيه إلى المغرب فمات قبل وصول الكتاب. (١) التعليق: انظر ما كان يعمله علماء الأشاعرة بالعلماء السلفيين: لا رحمة ولا شفقة ولا رجوع إلى النصوص ولا إلى أثر السلف، فعلى الأقل ينبغي أن يكون مخطئا، مع العلم أنه هو صاحب الحق، ولكن العصبية تعمي صاحبها حتى لا يميز ما يقول ويفعل، والله المستعان. وأما الإمام، فرزقه الله الثبات، فلم يبال لا بالحاكم ولا بالمحكوم ولا بمن يوقد له نار الفتنة. فهنيئا لك يا عالم السلف، أثابك الله ورفع بما لقيته في سبيل عقيدتك الدرجات.

стр. 3376

- جاء في السير: عن عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بأصبهان قال: أبو نعيم قد أخذ على ابن منده أشياء في كتاب الصحابة فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فما كان يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحوا من مئتين وتسعين موضعا، فلما سمع بذلك الصدر الخجندي طلب عبد الغني وأراد هلاكه، فاختفى. وسمعت محمود بن سلامة يقول: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا في إزار، وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء البلد. (١) - قال ابن النجار: سمعت يوسف بن خليل بحلب يقول عن عبد الغني: كان ثقة، ثبتا، دينا، مأمونا، حسن التصنيف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دعي إلى أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأبى، فمنع من التحديث بدمشق، فسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات. (٢) - قال الضياء: وسمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا؛ لقول الله كذا، وأقول كذا؛ لقول رسول الله ﷺ كذا، حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل، قال: إيش في هذا؟ يقول بقول الله ، وقول رسوله ﷺ . قال: فخلى عنه. (٣) - قال في كتابه الاقتصاد (٤): اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار

стр. 3377

الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه له ولا نظير، ولا عدل ولا مثل. وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (١)، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع لملحد مجالا، ولا لقائل مقالا. فروى طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر يهود نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله ﷺ ونحن بعرفة عشية جمعة. (٣)

стр. 3378

فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمروه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المردية الردية، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية. (١) - وقال في الكتاب نفسه: والقرآن كلام الله ، ووحيه، وتنزيله، والمسموع من القاري كلام الله ، قال الله عزوجل: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢) وإنما سمعه من التالي. وقال الله عزوجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) وقال عزوجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٤) وقال عزوجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (٥) وهو محفوظ في الصدور، كما قال عزوجل: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٦) وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور

стр. 3379

الرجال من النعم من عقله» (١). وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، قال الله عزوجل: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (٣). وروى عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. (٤) وقال عثمان بن عفان ﵁: (ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله عزوجل) يعني القراءة في المصحف. وقال عبد الله بن أبي مليكة: كان عكرمة بن أبي جهل ﵁ يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي عزوجل وكلام ربي عزوجل). وأجمع أئمة السلف، والمقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. (٥) - وقال: فمن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه أنه مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه فقال عز من قائل في

стр. 3380

سورة الأعراف: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١). وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢). وقال في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣). وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٤). وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٥). وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٦). فهذه سبعة مواضع أخبر الله فيها سبحانه أنه على العرش. (٧) ثم ذكر عدة أحاديث وختمها بقوله (٨): وروى معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال لجاريته: «أين الله؟ قالت: في السماء،

стр. 3381

قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة». رواه مسلم (١) ابن الحجاج وأبو داود (٢)، وأبو عبد الرحمن النسائي (٣). ومن أجهل جهلا، وأسخف عقلا، وأضل سبيلا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشرعية بقوله: أين الله؟! - وقال: ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه. قال الله عزوجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٤) وقال عزوجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٥). وروى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عزوجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (٦). وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع

стр. 3382

فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (١) رواه مسلم. (٢) فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات. وتواترت الأخبار، وصحت الآثار (٣) بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول. (٤) - وقال: ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان. قال الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٥) وقال : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٦). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا،

стр. 3383

خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ (١)؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي ﷺ : «فحج آدم موسى». (٢) فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين، فإن قدرة الله واحدة، ولا على النعمتين، فإن نعم الله لا تحصى، كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٣) وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل، مثل المحبة، والمشيئة والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين. (٤)

стр. 3384

- وقال: وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ ، قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (١). وروى جرير ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسا ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ (٢). وفي رواية: «سترون ربكم عيانا» (٣). وروى صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا لم تروه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا: ﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤) رواه مسلم (٥). وقال مالك بن أنس ﵁: (الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة). وقال أحمد بن حنبل:

стр. 3385

"من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر". ومن مذهب أهل الحق أن الله لم يزل متكلما بكلام مسموع، مفهوم، قال الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (١). وروى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا ينظر إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل». (٢) وروى جابر بن عبد الله قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام قال رسول الله ﷺ : «يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: وما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، كلم أباك كفاحا، قال: يا عبد الله تمن علي أعطيك، قال: يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٣). رواه ابن ماجة (٤).اهـ (٥) - وقال: ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي ﷺ يشفع يوم القيامة لأهل

стр. 3386

الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع في المذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا. كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». (١) اهـ (٢) موقفه من المرجئة: قال في كتابه 'الاقتصاد في الاعتقاد': والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣). وقال : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤). وقال : ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٥). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون»، وفي رواية: «بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان»، ولمسلم وأبي داود: «فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». (٦) والاستثناء في الإيمان سنة ماضية، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ قال: إن شاء الله. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبي وائل شقيق بن سلمة، ومسروق بن الأجدع، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي،

стр. 3387

ومغيرة بن مقسم الضبي، وفضيل بن عياض وغيرهم. وهذا استثناء على يقين، قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (١).اهـ (٢) موقفه من القدرية: قال ﵀: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيره، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٣). قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٥)، وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٦). (٧) ثم ساق أدلة أخرى على ذلك.

стр. 3388

الغُورِي شهاب الدين (١) (٦٠٢ هـ) أبو المظفر محمد بن سام أخو السلطان الكبير أبي الفتح. كان بطلا شجاعا مهيبا جيد السيرة، يحكم بالشرع. وينصف الضعيف والمظلوم، وكان يحضر عنده العلماء. قال الذهبي: بلغنا أن فخر الدين الرازي وعظ مرة عنده، فقال: يا سلطان العالم، لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَن الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ (٢) قال: فانتحب السلطان بالبكاء. عظم شأنه وعلا محله وأحبه أمراء الغورية. قتلته الباطنية في شعبان سنة اثنتين وستمائة، رحمه الله تعالى. موقفه من المشركين: قال ابن كثير: ثم دخلت سنة ثنتين وستمائة فيها وقعت حرب عظيمة بين شهاب الدين محمد بن سام الغوري صاحب غزنة وبين بني بوكر أصحاب الجبل الجودي، وكانوا قد ارتدوا عن الإسلام فقاتلهم وكسرهم وغنم منهم شيئا كثيرا لا يعد ولا يوصف، فاتبعه بعضهم حتى قتله غيلة في ليلة مستهل شعبان منها بعد العشاء، وكان ﵀ من أجود الملوك سيرة وأعقلهم وأثبتهم في الحرب. (٣)

стр. 3389

فخر الدين الرازي (١) (٦٠٦ هـ) العلامة الكبير ذو الفنون فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي. ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة. اشتغل على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الري، ثم الزين قصد الكمال السمياني فاشتغل عليه مدة، وانتشرت تواليفه في البلاد شرقا وغربا، وكان يتوقد ذكاء، وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: حدثني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع الفخر الرازي يقول: ليتني لم أشتغل بالكلام، وبكى. وقال ﵀ في وصيته لما احتضر: ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن. توفي سنة ست وستمائة. توبته من الكلام وبراءته منه: هذا الرجل معروف بعداوته لعقيدة السلف الصالح، وألف الكتب في ذلك، وألف التفسير وبسط فيه المذهب الأشعري بسطا، وقد تكلمت عليه في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (٢) وله كذلك 'تأسيس التقديس' وهو عبارة عن جمع لحجج الجهمية والدفاع عنها، وقد قيض الله له من ألقمه حجرا فرد عليه في تلبيس الجهمية،

стр. 3390

وكتبه في هذا كثيرة، ولكن قد يمن الله على المرء بالهداية فيتوب ويرجع عما كان عليه من الخطأ، ولعل هذا هو الذي حصل للرازي. قال شيخ الإسلام: وأنشد أبو عبد الله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات لما ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم، وأنه ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال، وعلى كل مقام عقدة، فعلم الذات عليه عقدة: هل الوجود هو الماهية أو زائد على الماهية؟ وعلم الصفات عليه عقدة: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣)

стр. 3391

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (١)، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (٢)، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي. (٣) ونقل عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش من كتابه أقسام اللذات كلاما يدل على رجوعه، وقال ابن القيم إنه آخر ما ألف. قال: واعلم أن بعد التوغل في هذه المضايق والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السماوات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل، فأقرأ في التنزيل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٦) وأقرأ في الإثبات قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٨) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٩)

стр. 3392

وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. وعلى هذا القانون فقس. (٣) التعليق: كان الرازي إذا سمع مثل هذه الآيات كأنك أشعلت فيه نارا، فيحترق لإثبات الفوقية والاستواء، ويأتي بكل ما أوتي لإبطال الفوقية والاستواء، ويأتي بكل تأويلاته الباردة ويصورها كأنها جبال من الحجج، فيفرعها ويجزئها، لكنه تاب ورجع عفا الله عنه وغفر له. وله وصية كذلك تثبت توبته ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام (٤) والسبكي في طبقات الشافعية (٥) وغيرهما. وإثباتي للرازي في هذا البحث حتى يتعرف القراء عليه وعلى رجوعه. قال الحافظ في الفتح: وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال: إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره، هو أصح الأقوال نقلا وعقلا. (٦)

стр. 3393

أبو عمر بن قُدَامة (١) (٦٠٧ هـ) محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة أبو عمر المقدسي الإمام الفقيه المقرئ المحدث الزاهد. مولده في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية جماعيل من عمل نابلس، وتحول إلى دمشق مع أسرته فسكنوا سفح قاسيون. سمع أباه وأبا المكارم ابن هلال وسلمان بن علي الرحبي وغيرهم. حدث عنه أخوه موفق الدين وابناه عبد الله وعبد الرحمن والضياء وغيرهم. وكتب وقرأ وحصل وتقدم وكان من العلماء العاملين. كان لا يسمع دعاء إلا ويحفظه في الغالب ويدعو به، ولا حديثا إلا وعمل به، ولا صلاة إلا صلاها، وكان قدوة صالحا عديم النظير كبير القدر والمروءة والصفات الحميدة. لكن تذكر له بعض المبالغات في بعض العبادات. قال الصريفيني: ما رأيت أحدا قط ليس عنده تكلف غير الشيخ أبي عمر. توفي عشية الاثنين في الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة سبع وستمائة. موقفه من الجهمية: جاء في البداية والنهاية: ثم شرع أبو المظفر في ذكر فضائل أبي عمر ومناقبه وكراماته وما رآه هو وغيره من أحواله الصالحة. قال: وكان على مذهب السلف الصالح سمتا وهديا، وكان حسن العقيدة متمسكا بالكتاب والسنة والآثار المروية، يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين. وكان ينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين، وربما أنشدني لنفسه في ذلك:

стр. 3394

أوصيكم بالقول في القرآن ... بقول أهل الحق والإتقان ليس بمخلوق ولا بفان ... لكن كلام الملك الديان آياته مشرقة المعاني ... متلوة لله باللسان محفوظة في الصدر والجنان ... مكتوبة في الصحف بالبنان والقول في الصفات يا إخواني ... كالذات والعلم مع البيان إمرارها من غير ما كفران ... من غير تشبيه ولا عطلان (١) الأمير صارم الدين برغش (٢) (سنة ٦٠٨ هـ) فيها -أي سنة خمس وتسعين وخمسمائة- ادعى رجل أعجمي بدمشق أنه عيسى ابن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة بصلبه عند حمام العماد الكاتب، خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين، وقد باد هذا الحمام قديما، وبعد صلبه بيومين ثارت العامة على الروافض وعمدوا إلى قبر رجل منهم بباب الصغير يقال له وثاب فنبشوه وصلبوه مع كلبين. (٣) عبد الجليل القصري (٤) (٦٠٨ هـ) أبو محمد عبد الجليل بن موسى بن عبد الجليل. من مدينة القصر الكبير بالمغرب

стр. 3395

الأقصى. قال الذهبي: الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو محمد الأنصاري الأوسي الأندلسي القرطبي، شهر بالقصري لنزوله قصر عبد الكريم وهو قصر كتامة، حمل الموطأ عن أبي الحسن بن حنين الكناني محدث فاس، وصحب الشيخ أبا الحسن بن غالب الزاهد بالقصر ولازمه، وكان رأساً في العلم والعمل منقطع القرين. له: 'تفسير للقرآن'، و'شعب الإيمان'، و'شرح الأسماء الحسنى'، و'الأسئلة والأجوبة'، و'شرح مشكل الحديث' ... وغير ذلك. موقفه من الجهمية: - قال في مقدمة كتابه 'شرح مشكل الحديث': الحمد لله الذي فات بعلوّه على الأشياء مواقع رجم المتوهّمين، فارتفع عن أن يحوي كنه عظمته رويّات المتفكّرين، وليس له مثل فيكون بالخلق مشبهاً، ومازال عند أهل العلم عن ذلك منزَّهاً، وكذب العادلون إذ شبّهوه بأصنافهم، وحلّوه بحلية المخلوقين بأوهامهم، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهياً، وجلّ الله الذي ليس كمثله شيء عن صفات المخلوقين متعاليا، وصلى الله على النبي محمد الذي لم يزل إلى ربه داعياً، وبالحق آمراً وناهياً، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً. وبعد حمد الله وشكره فهذا كتاب أذكر فيه ما تيسّر من معاني مشكل حديث النبي ﷺ وأقوال الناس فيه، وبالله نستعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. اعلم أن الناس انقسموا في المشكل على أقسام ترجع بالحصر إلى أربعة: مبطل معطّل للذات من الصفات، ومشبّه لباريه بخلقه في الجوارح والأدوات، ومتأوّل لها على حسب ما وهب له الوهّاب، ومُمِرٍّ لها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل.

стр. 3396

وهذا القسم الأخير هو اعتقاد الجمّ الغفير. إلا أن قولهم: (أمرّوها كما جاءت) يحتمل معنيين: أحدهما: يعتقِدُ إثباتها من غير تفهم لها. والآخر: إثباتها كما جاءت مع فهمها، أي: يفهم الشيء على ما هو عليه، وهذا الغاية القصوى في الفهم والتوفيق لمن أُعطيه من أهل الإنابة والتحقيق. وقد نطق الأيمة الذين أُمروا بإمرارها كما جاءت بذلك في أقوالهم كمالك ﵀ في الاستواء حيث قال -مجيباً للسائل عن الاستواء-: (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول). فأخبر أن الاستواء معلوم، والمعلوم مفهوم بلا شكّ. وكذلك الأوزاعي قد أجاب في حديث النزول أيضاً جواباً يُنبئ عن فهمه له، واعتقاده فيه. وقال أبو عيسى الترمذي ﵀: قال أهل العلم في حديث الصفات مثل ما ورد في حديث النزول، وذكر الرجل، والقدم، واليدين، وما أشبهه: يُؤمَن بهذا كله، ولا يُتوهَّم، ولا يُقال كيف، ولا لم، مع اعتقاد التمجيد والتنزيه عن التمثيل والتشبيه، وينسبون من أنكرها إلى الجهمية؛ لأن جهماً ردّها، والصحيح إمرارها كما جاءت، وبه قال الفقهاء مالك والشافعي وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك، وإلى ذلك ذهب البخاري وجميع المحدِّثين، وأهل العلم من السنة والجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم، إلا أن الظن بهؤلاء أنهم فهموها على ما هي عليه. وفهم الشيء على ما هو عليه هو الغاية القصوى. ويكون معنى قولهم: (أمرّوها كما جاءت) نفي التعطيل، ونفي التشبيه، ونفي التأويل الخارج عن الحق. فهذه

стр. 3397

ثلاثة أقسام مذمومة، والقسم الرابع هو الحق هو الإمرار لها كما جاءت. (١) - وقال: فكل ما وصف الباري به نفسه وأضافه إليه فهو الكمال واجب اعتقاده. وفي وصفه سبحانه لنفسه بما وصف به نفي لضدّه، وتنزيه عنه؛ لأنه عيب وعور ونقص. فكل من نفى الصفات، فقد نفى عن الله الكمال، وأضاف إليه العيب والنقص والعور. ومن أثبتها وشبّهها بصفات الخلق، فكذلك أيضاً؛ فإن من أوصافه عدم التشبّه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢)، فكذلك صفاته لا تشبه الخلق. فنفي الصفات إلحاد، وتشبيهها بالمحدثات إلحاد. فكما أخطأت المشبِّهة، ضلت المعطِّلة. والصراط المستقيم بينهما، وهو إثبات ونفي معاً، أي: إثبات الصفات لله ، ونفي الجسمية والمثلية عنها. (٣) القاضي إبراهيم بن نصر (٤) (٦١٠ هـ) إبراهيم بن نصر بن عسكر، قاضي السلامية أبو إسحاق، الملقب ظهير الدين، الشافعي الموصلي. تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس، وسمع منه، وقدم بغداد وسمع بها، وأخذ بإربل عن أبي البركات عبد الرحمن ابن محمد الأنباري النحوي. وولي قضاء السلامية (وهي بلدة بأعمال الموصل).

стр. 3398

قال ابن خلكان: كان فقيها فاضلا، أصله من العراق من السندية. له شعر جيد، منه: جود الكريم إذا ما كان عن عدة ... وقد تأخر لم يسلم من الكدر إن السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر وما طال الوعد مذموم وإن سمحت ... يداه من بعد طول المطل بالبدر يا دوحة الجود لا عتب على رجل ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر توفي ﵀ يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر عام عشر وستمائة بالسلامية. موقفه من الصوفية: جاء في البداية والنهاية: من شعره، في شيخ له زاوية، وفي أصحابه يقال له مكي: ألا قل لمكي قول النصوح ... وحق النصيحة أن تستمع متى سمع الناس في دينهم ... بأن الغنا سنة تتبع وأن يأكل المرء أكل البعير ... ويرقص في الجمع حتى يقع ولو كان طاوي الحشا جائعا ... لما دار من طرب واستمع وقالوا: سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع كذاك الحمير إذا أخصبت ... يهيجها ريها والشبع تراهم يهزوا لحاهم إذا ... ترنم حاديهم بالبدع فيصرخ هذا وهذا يئن ... و «يس» لو تليت ما انصدع (١)

стр. 3399

أبو الحسن علي بن الأَنْجَب (١) (٦١١ هـ) الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن القاضي الأنجب أبي المكارم اللخمي المقدسي الأصل، الإسكندراني المولد، الفقيه المالكي، القاضي. ولد ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. تفقه على أبي طاهر السلفي وأبي طاهر بن عوف وأبي عبيد نعمة الله بن زيادة الله الغفاري وأحمد بن الحافظ أبي العلاء العطار وغيرهم. وأخذ عنه أبو محمد المنذري والرشيد العطار والمجد علي بن وهب بن دقيق العيد المالكي وغيرهم. قال عنه المنذري: كان متورعا حسن الأخلاق، كثير الإغضاء، جماعا لفنون من العلم. وقال عنه ابن خلكان: كان فقيها فاضلا في مذهب الإمام مالك ﵁، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه. وقال الذهبي: كان ذا دين وورع وتصون وعدالة وأخلاق رضية، ومشاركة في الفضل قوية. توفي في مستهل شعبان بالقاهرة سنة إحدى عشرة وستمائة. موقفه من المبتدعة: من شعره: أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل ... وأصحابه والتابعين تمسكي عساكي إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من عرف له أن تمسكي وخافي غدا يوم الحساب جهنما ... إذا لفحت نيرانها أن تمسكي (٢)

стр. 3400

الكِنْدِي (١) (٦١٣ هـ) العلامة زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن، تاج الدين، أبو اليمن الكندي البغدادي المقرئ النحوي اللغوي. ولد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكمل القراءات العشر وله عشر سنين. أخذ عن شيخه أبي محمد سبط أبي منصور الخياط، والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي وابن الجواليقي وغيرهم، وحدث عنه الحافظ عبد الغني والشيخ الموفق والبرزالي والضياء وابن نقطة. قال ابن نقطة: كان الكندي مكرما للغرباء، حسن الأخلاق، فيه مزاح، وكان من أبناء الدنيا المشتغلين بها وبإيثار مجالسة أهلها، وكان ثقة في الحديث والقراءات، صحيح السماع، سامحه الله. وقال الإمام موفق الدين: كان الكندي إماما في القراءة والعربية، انتهى إليه علو الإسناد في الحديث، وانتقل إلى مذهب أبي حنيفة من أجل الدنيا إلا أنه كان على السنة. أنشد ﵀ في قتل عمارة اليمني حين كان مالأ الكفرة والملحدين على قتل الملك صلاح الدين: عمارة في الإسلام أبدى خيانة ... وحالف فيها بيعة وصليبا فأمسى شريك الشرك في بغض أحمد ... وأصبح في حب الصليب صليبا وكان طبيب الملتقى إن عجمته ... تجد منه عودا في النفاق صليبا توفي ﵀ سنة ثلاث عشرة وستمائة بدمشق.
следующие страницы →