← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

وهذا القسم الأخير هو اعتقاد الجمّ الغفير. إلا أن قولهم: (أمرّوها كما جاءت) يحتمل معنيين: أحدهما: يعتقِدُ إثباتها من غير تفهم لها. والآخر: إثباتها كما جاءت مع فهمها، أي: يفهم الشيء على ما هو عليه، وهذا الغاية القصوى في الفهم والتوفيق لمن أُعطيه من أهل الإنابة والتحقيق. وقد نطق الأيمة الذين أُمروا بإمرارها كما جاءت بذلك في أقوالهم كمالك ﵀ في الاستواء حيث قال -مجيباً للسائل عن الاستواء-: (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول). فأخبر أن الاستواء معلوم، والمعلوم مفهوم بلا شكّ. وكذلك الأوزاعي قد أجاب في حديث النزول أيضاً جواباً يُنبئ عن فهمه له، واعتقاده فيه. وقال أبو عيسى الترمذي ﵀: قال أهل العلم في حديث الصفات مثل ما ورد في حديث النزول، وذكر الرجل، والقدم، واليدين، وما أشبهه: يُؤمَن بهذا كله، ولا يُتوهَّم، ولا يُقال كيف، ولا لم، مع اعتقاد التمجيد والتنزيه عن التمثيل والتشبيه، وينسبون من أنكرها إلى الجهمية؛ لأن جهماً ردّها، والصحيح إمرارها كما جاءت، وبه قال الفقهاء مالك والشافعي وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك، وإلى ذلك ذهب البخاري وجميع المحدِّثين، وأهل العلم من السنة والجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم، إلا أن الظن بهؤلاء أنهم فهموها على ما هي عليه. وفهم الشيء على ما هو عليه هو الغاية القصوى. ويكون معنى قولهم: (أمرّوها كما جاءت) نفي التعطيل، ونفي التشبيه، ونفي التأويل الخارج عن الحق. فهذه

стр. 3397

ثلاثة أقسام مذمومة، والقسم الرابع هو الحق هو الإمرار لها كما جاءت. (١) - وقال: فكل ما وصف الباري به نفسه وأضافه إليه فهو الكمال واجب اعتقاده. وفي وصفه سبحانه لنفسه بما وصف به نفي لضدّه، وتنزيه عنه؛ لأنه عيب وعور ونقص. فكل من نفى الصفات، فقد نفى عن الله الكمال، وأضاف إليه العيب والنقص والعور. ومن أثبتها وشبّهها بصفات الخلق، فكذلك أيضاً؛ فإن من أوصافه عدم التشبّه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢)، فكذلك صفاته لا تشبه الخلق. فنفي الصفات إلحاد، وتشبيهها بالمحدثات إلحاد. فكما أخطأت المشبِّهة، ضلت المعطِّلة. والصراط المستقيم بينهما، وهو إثبات ونفي معاً، أي: إثبات الصفات لله ، ونفي الجسمية والمثلية عنها. (٣) القاضي إبراهيم بن نصر (٤) (٦١٠ هـ) إبراهيم بن نصر بن عسكر، قاضي السلامية أبو إسحاق، الملقب ظهير الدين، الشافعي الموصلي. تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس، وسمع منه، وقدم بغداد وسمع بها، وأخذ بإربل عن أبي البركات عبد الرحمن ابن محمد الأنباري النحوي. وولي قضاء السلامية (وهي بلدة بأعمال الموصل).

стр. 3398

قال ابن خلكان: كان فقيها فاضلا، أصله من العراق من السندية. له شعر جيد، منه: جود الكريم إذا ما كان عن عدة ... وقد تأخر لم يسلم من الكدر إن السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر وما طال الوعد مذموم وإن سمحت ... يداه من بعد طول المطل بالبدر يا دوحة الجود لا عتب على رجل ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر توفي ﵀ يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر عام عشر وستمائة بالسلامية. موقفه من الصوفية: جاء في البداية والنهاية: من شعره، في شيخ له زاوية، وفي أصحابه يقال له مكي: ألا قل لمكي قول النصوح ... وحق النصيحة أن تستمع متى سمع الناس في دينهم ... بأن الغنا سنة تتبع وأن يأكل المرء أكل البعير ... ويرقص في الجمع حتى يقع ولو كان طاوي الحشا جائعا ... لما دار من طرب واستمع وقالوا: سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع كذاك الحمير إذا أخصبت ... يهيجها ريها والشبع تراهم يهزوا لحاهم إذا ... ترنم حاديهم بالبدع فيصرخ هذا وهذا يئن ... و «يس» لو تليت ما انصدع (١)

стр. 3399

أبو الحسن علي بن الأَنْجَب (١) (٦١١ هـ) الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن القاضي الأنجب أبي المكارم اللخمي المقدسي الأصل، الإسكندراني المولد، الفقيه المالكي، القاضي. ولد ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. تفقه على أبي طاهر السلفي وأبي طاهر بن عوف وأبي عبيد نعمة الله بن زيادة الله الغفاري وأحمد بن الحافظ أبي العلاء العطار وغيرهم. وأخذ عنه أبو محمد المنذري والرشيد العطار والمجد علي بن وهب بن دقيق العيد المالكي وغيرهم. قال عنه المنذري: كان متورعا حسن الأخلاق، كثير الإغضاء، جماعا لفنون من العلم. وقال عنه ابن خلكان: كان فقيها فاضلا في مذهب الإمام مالك ﵁، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه. وقال الذهبي: كان ذا دين وورع وتصون وعدالة وأخلاق رضية، ومشاركة في الفضل قوية. توفي في مستهل شعبان بالقاهرة سنة إحدى عشرة وستمائة. موقفه من المبتدعة: من شعره: أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل ... وأصحابه والتابعين تمسكي عساكي إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من عرف له أن تمسكي وخافي غدا يوم الحساب جهنما ... إذا لفحت نيرانها أن تمسكي (٢)

стр. 3400

الكِنْدِي (١) (٦١٣ هـ) العلامة زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن، تاج الدين، أبو اليمن الكندي البغدادي المقرئ النحوي اللغوي. ولد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكمل القراءات العشر وله عشر سنين. أخذ عن شيخه أبي محمد سبط أبي منصور الخياط، والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي وابن الجواليقي وغيرهم، وحدث عنه الحافظ عبد الغني والشيخ الموفق والبرزالي والضياء وابن نقطة. قال ابن نقطة: كان الكندي مكرما للغرباء، حسن الأخلاق، فيه مزاح، وكان من أبناء الدنيا المشتغلين بها وبإيثار مجالسة أهلها، وكان ثقة في الحديث والقراءات، صحيح السماع، سامحه الله. وقال الإمام موفق الدين: كان الكندي إماما في القراءة والعربية، انتهى إليه علو الإسناد في الحديث، وانتقل إلى مذهب أبي حنيفة من أجل الدنيا إلا أنه كان على السنة. أنشد ﵀ في قتل عمارة اليمني حين كان مالأ الكفرة والملحدين على قتل الملك صلاح الدين: عمارة في الإسلام أبدى خيانة ... وحالف فيها بيعة وصليبا فأمسى شريك الشرك في بغض أحمد ... وأصبح في حب الصليب صليبا وكان طبيب الملتقى إن عجمته ... تجد منه عودا في النفاق صليبا توفي ﵀ سنة ثلاث عشرة وستمائة بدمشق.

стр. 3401

موقفه من المشركين: قال الذهبي: ومن شعر التاج الكندي: دع المنجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجري به الفلك تفرد الله بالعلم القديم فلا ال ... إنسان يشركه فيه ولا الملك أعد للرزق من أشراكه شركا ... وبئست العدتان: الشرك والشرك (١) الغَزْنَوِي (٢) (٦١٨ هـ) أحمد بن علي بن الحسين، أبو الفتح الغزنوي الأصل، البغدادي. ولد في التاسع من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. روى عن أبي الحسن بن صرما والأرموي وأبي سعد بن البغدادي. وروى عنه ليث بن الحافظ بن نقطة وابن النجار. وقال الدبيثي: لما بلغ أوان الرواية، واحتيج إليه لم يقم بالواجب، ولا أحب ذلك لميله إلى غيره وشنئه له، ولم يكن محمود الطريقة، وسمعنا منه على ما فيه. توفي ﵀ في رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة. موقفه من الرافضة والجهمية: جاء في السير: قال ابن نقطة: هو مشهور بين العوام برذائل ونقائص من شرب ورفض، ثم سئل وأنا أسمع عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، وعمن يسب الصحابة، فقال: كافر، وعمن يستحل شرب الخمر -وقيل: إنهم

стр. 3402

يعنونك بذلك-، فقال: أنا بريء من ذلك، وكتب خطه بالبراءة. قال الذهبي: لعله تاب وارعوى. (١) عبد الله بن أحمد بن قدامة (٢) (٦٢٠ هـ) الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي صاحب المغني، عالم أهل الشام في زمانه. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، حفظ القرآن ولزم الاشتغال بطلب العلم من صغره، وسمع من هبة الله بن الحسن الدقاق، وأبي الفتح بن البطي، وأبي زرعة وغيرهم. وحدث عنه الجمال أبو موسى بن الحافظ، وابن نقطة، والضياء، وأبو شامة. وكان من بحور العلم وأذكياء العالم، قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بدمشق، وكان ثقة حجة نبيلا، غزير الفضل، نزها، ورعا عابدا، على قانون السلف. قال أبو بكر بن محمد ابن غنيمة: ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق. وصفه البهاء بالشجاعة وقال: كان يتقدم إلى العدو وجرح في كفه وكان يرامي العدو. صنف الشيخ ﵀ التصانيف الكثيرة الحسنة في المذهب، فروعا وأصولا، وفي الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق. وتوفي سنة عشرين وستمائة.

стр. 3403

موقفه من المبتدعة: - قال عبد الله بن قدامة المقدسي في كتابه 'لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد' تحت عنوان: (الترغيب في السنة والتحذير من البدعة): وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١).اهـ (٢) - وقال: ومن السنة: هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة. (٣) - وقال: نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين. (٤) موقفه من الرافضة: - جاء في طبقات الحنابلة: سئل عن خلافة أبي بكر: ثبتت بالنص أو بالقياس؟ فأجاب ابن المتقنة: ثبتت بإجماع الصحابة واتفاقهم. فكتب الشيخ

стр. 3404

الموفق (أي ابن قدامة): ثبتت بنص النبي ﷺ ، في أخبار كثيرة، ذكر بعضها. (١) له من الآثار السلفية: فضائل الصحابة. ذكره الذهبي في سيره (٢) وذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٣) قال: وأظنه (منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين). موقفه من الجهمية: ترك هذا الإمام تراثا سلفيا قيما سلك فيه طريقة السلف ولم يرض بغيرها بديلا، فرضي الله عنه وأرضاه. - جاء في ذيل الطبقات: وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار وبالأسانيد، كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث، ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام ولو كان بالرد عليهم. وهذه طريقة أحمد والمتقدمين. وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات من غير تفسير ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تأويل ولا تعطيل. (٤) - قال في كتاب 'إثبات صفة العلو': أما بعد، فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء،

стр. 3405

وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طبائع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون عندها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم سبحانه، وينطقون بذلك بألسنتهم، لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته. - وقال في عقيدته: ومن السنة قول النبي ﷺ : «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا» (١) وقوله ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده» (٢) وقوله ﷺ : «يعجب ربك». (٣) إلى أن قال: فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، ولا نعتقد فيه تشبيهه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل نؤمن بلفظه، ونترك التعرض لمعناه، قراءته تفسيره، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٥).

стр. 3406

وقول النبي ﷺ : «ربنا الذي في السماء» (١) وقوله للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها إنها مؤمنة. رواه مالك بن أنس وغيره من الأئمة. (٢) وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «إن بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا» (٣) وذكر الحديث إلى أن قال: وفوق ذلك العرش، والله تعالى فوق ذلك نؤمن بذلك ونتلقاه بالقبول من غير رد له ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل، ولا نتعرض له بكيف. ولما سئل مالك بن أنس ﵁ فقيل له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٤) كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج. (٥) آثاره السلفية: ١ - 'مسألة العلو': ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش (٦) وذكره ابن

стр. 3407

رجب في ذيل طبقات الحنابلة (١) وذكره الذهبي في السير (٢). ٢ - 'ذم التأويل': طبع مفردا محققا، ومع مجموعة. ٣ - 'مسألة تحريم النظر في كتب الكلام': ذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٣). ٤ - 'الاعتقاد': وقد طبع وهو عبارة عن رسالة صغيرة تسمى بـ'لمعة الاعتقاد'. نشرتها المكتبة السلفية بمصر، وقد شرحها الشيخ العثيمين ﵀. ٥ - 'البرهان في مسألة القرآن': ذكره الذهبي في سيره (٤) وذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٥). ٦ - 'جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن': ذكره ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٦). ٧ - 'رسالة إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في تخليد أهل البدع في النار': ذكرها ابن رجب في ذيل الطبقات (٧). موقفه من الخوارج: قال في المغني: كتاب قتال أهل البغي: والأصل في هذا الباب قول الله

стр. 3408

سبحانه: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) ففيها خمس فوائد: أحدها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سماهم مؤمنين. الثانية: أنه أوجب قتالهم. الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا قاموا إلى أمر الله. الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم. الخامسة: أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقا عليه. وروى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعطى إماما صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» رواه مسلم (٢). وروى عرفجة قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون هنات وهنات ورفع صوته: ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان» (٣). فكل من ثبتت إمامته، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ

стр. 3409

وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). وروى عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات فميتته جاهلية». رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وأبي ذر وابن عباس كلها بمعنى واحد (٣). وأجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة، فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وعلي قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان. والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة: أحدهما: قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل، فهؤلاء قطاع طريق ساعون في الأرض بالفساد، يأتي حكمهم في باب مفرد. الثاني: قوم لهم تأويل، إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم، كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق، في قول أكثر أصحابنا، وهو مذهب الشافعي؛ لأن ابن ملجم لما جرح عليا قال للحسن: إن برئت رأيت رأيي، وإن مت فلا تمثلوا به. فلم يثبت لفعله حكم البغاة. ولأننا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم

стр. 3410

البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه، أفضى إلى إتلاف أموال الناس. وقال أبو بكر: لا فرق بين الكثير والقليل، وحكم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام. الثالث: الخوارج الذين يكفرون بالذنب، ويكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، إلا من خرج معهم، فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة، حكمهم حكمهم. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث. ومالك يرى استتابتهم، فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم. وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون، حكمهم حكم المرتدين، وتباح دماؤهم وأموالهم، فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة؛ صاروا أهل حرب كسائر الكفار، وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وكانت أموالهم فيئا، لا يرثهم ورثتهم المسلمين، لما روى أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق» رواه مالك في موطئه والبخاري في صحيحه (١)، وهو حديث صحيح ثابت الإسناد، وفي لفظ قال: «يخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون

стр. 3411

القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة» رواه البخاري (١). وروي معناه من وجوه: خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرث لم يتعلق منها بشيء كذلك خروج هؤلاء من الدين يعني الخوارج. وعن أبي أمامة أنه رأى رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢) إلى آخر الآية، فقيل له: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجه عن سهل عن ابن عيينة عن أبي غالب أنه سمع أبا أمامة يقول: «شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا»، قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله، قال: بل سمعت رسول الله ﷺ (٣). وعن علي ﵁، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ (٤) قال: هم أهل النهروان (٥). وعن أبي سعيد في حديث آخر عن النبي ﷺ قال: هم شر الخلق

стр. 3412

والخليقة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. وقال: لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة، ولا يرون تكفيرهم. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين. وقال ابن عبد البر: في الحديث الذي رَوَيناه: قوله: يتمارى في الفوق. يدل على أنه لم يكفرهم؛ لأنهم علقوا من الإسلام بشيء، بحيث يشك في خروجهم منه. (١) وروي عن علي أنه لما قاتل أهل النهر قال لأصحابه: لا تبدؤوهم بالقتال. وبعث إليهم: أقيدونا بعبد الله بن خباب. قالوا: كلنا قتله. فحينئذ استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم. وذكر ابن عبد البر: عن علي ﵁، أنه سئل عن أهل النهر أكفارهم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: هم قوم أصابتهم فتنة، فعموا فيها وصموا، وبغوا علينا، (وحاربونا) (٢) وقاتلونا فقاتلناهم (٣). ولما جرحه ابن ملجم، قال للحسن: أحسنوا إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي، وإن مت فضربة كضربتي. وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم، وكثير من العلماء. والصحيح إن شاء الله، أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء، والإجازة على جريحهم، لأمر النبي ﷺ بقتلهم، ووعده بالثواب من قتلهم، فإن عليا ﵁ قال: لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ؛ ولأن بدعتهم وسوء فعلهم يقتضي حل دمائهم، بدليل ما أخبر به النبي ﷺ من عظم ذنبهم، وأنهم شر

стр. 3413

الخلق والخليقة، وأنهم يمرقون من الدين، وأنهم كلاب النار، وحثه على قتلهم، وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد، فلا يجوز إلحاقهم بمن أمر النبي ﷺ بالكف عنهم، وتورع كثير من أصحاب رسول الله ﷺ عن قتالهم، ولا بدعة فيهم. الصنف الرابع: قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعه لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكر في هذا الباب حكمهم، وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي، وظهر الفساد في الأرض. (١) موقفه من المرجئة: له كتاب في معتقد السلف سماه: 'لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد' قال فيه: فصل: الإيمان قول وعمل: والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٢). فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين. وقال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٣).

стр. 3414

فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ : «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من الإيمان» (٣) فجعله متفاضلا. (٤) وقال: وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع؛ كالرافضة، والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة، والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها. (٥) موقفه من القدرية: له من الآثار السلفية: 'القدر' ذكره الذهبي في السير (٦) وابن رجب في ذيل الطبقات. (٧) إبراهيم بن عثمان بن دِرْبَاس (٨) (٦٢٢ هـ) الإمام المحدث جلال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى ابن درباس الماراني الكردي المصري. سمع من فاطمة بنت سعد الخير،

стр. 3415

والأرتاحي وابن طبرزد، والمؤيد الطوسي وخلق. وروى عنه الحافظ عبد العظيم وغيره. كان عارفا بمذهب الشافعي وكان خيرا صالحا زاهدا قانعا مقلا مقبلا على شأنه. توفي ﵀ سنة اثنتين وعشرين وستمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في مجموع الفتاوى: وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءا سماه: تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب. وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه -يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد- كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها. فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة تسميهم شكاكا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونوابت وغثاء، وغثرا، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنونا، وتارة شاعرا، وتارة كاهنا، وتارة مفتريا. (١) المعظم عيسى بن محمد (٢) (٦٢٤ هـ) السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن محمد الحنفي الفقيه صاحب دمشق. مولده بالقصر من القاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة. نشأ بالشام، وحفظ القرآن، وتفقه وبرع في المذهب. لازم تاج الدين

стр. 3416

الكندي مدة وسمع من عمر بن طبرزد وغيره. كان يوصف بالشجاعة والكرم والتواضع وكان عالما بعدة علوم. نفق سوق العلم في أيامه. توفي ﵀ في سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في السير: قال: اعتقادي في الأصول ما سطره الطحاوي. وأوصى أن لا يبنى على قبره. (١) التعليق: أصاب ووافق السنة، وكذا فليكن سلاطين المسلمين، وله هنات ذكرها الذهبي في السير نسأل الله أن يغفرها له. المَنْجَنِيقِي (٢) (٦٢٦ هـ) الشاعر المشهور أبو يوسف يعقوب بن صابر بن بركات الحراني ثم البغدادي، نجم الدين المنجنيقي. ولد سنة أربع وخمسين وخمسمائة. روى عن أبي منصور بن الشطرنجي وأبي المظفر بن السمرقندي، وكتب عنه ابن الحاجب وغيره. كان شيخا لطيفا، كثير التواضع والتودد، شريف النفس، طيب المحاورة، بديع النظم وكان ذا منزلة عظيمة عند الإمام الناصر. توفي في صفر سنة ست وعشرين وستمائة. موقفه من الصوفية: أنشد في الصوفية:

стр. 3417

قد لبس الصوف لترك الصفا ... مشايخ العصر لشرب العصير الرقص والشاهد من شأنهم ... شر طويل تحت ذيل قصير (١) ابن القطان (٢) (٦٢٨ هـ) الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد المجود القاضي أبو الحسن علي بن محمد ابن عبد الملك الحميري الكتامي المغربي الفاسي المالكي المعروف بابن القطان. سمع أبا عبد الله بن الفخار فأكثر عنه وأبا الحسن بن النقرات وأبا ذر الخشني وطائفة. قال الحافظ ابن مسدي: كان من أئمة هذا الشأن قصري الأصل مراكشي الدار، كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية، فتمكن من الكتب وبلغ غاية الأمنية. وقال الأبار: كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدهم عناية بالرواية. قال الذهبي: علقت من تأليفه كتاب 'الوهم والإيهام' فوائد تدل على قوة ذكائه، وسيلان ذهنه، وبصره بالعلل. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة. موقفه من الخوارج: قال الشوكاني (٣): قال ابن القطان: الإجماع عندنا إجماع أهل العلم، فأما من كان من أهل الأهواء فلا مدخل له فيه. قال قال أصحابنا في الخوارج: لا

стр. 3418

مدخل لهم في الإجماع والاختلاف لأنهم ليس لهم أصل ينقلون عنه لأنهم يكفرون سلفنا الذين أخذنا عنهم أصل الدين. الموفق النحوي (١) (٦٢٩ هـ) الشيخ الإمام أبو محمد عبد اللطيف ابن الفقيه يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد الموصلي ثم البغدادي الشافعي نزيل حلب، يعرف بابن اللباد. ولد ببغداد سنة سبع وخمسين وخمسمائة. سمع من أبي زرعة المقدسي وشُهْدَة الكاتبة وأبي الحسين عبد الحق، وحدث عنه البرزالي والمنذري والشهاب القوصي. قال ابن نقطة: كان حسن الخلق، جميل الأمر، عالما بالنحو والغريبين، له يد في الطب. وهو من بيت العلم والحديث. ومن كلامه: ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول، فاقرأ سيرة النبي ﷺ ، وتتبع أفعاله وأحواله، واقتف آثاره، وتشبه به ما أمكنك، وإذا وقفت على سيرته في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته وتمرضه وتمتعه وتطيبه، ومعاملته مع ربه ومع أزواجه وأصحابه وأعدائه، وفعلت اليسير من ذلك، فأنت السعيد كل السعيد. توفي سنة تسع وعشرين وستمائة. موقفه من الجهمية: آثاره السلفية:

стр. 3419

من تصانيفه: الرد على الفخر الرازي في تفسير سورة الإخلاص فيه رد على الأشاعرة. وله مصنفات كثيرة منها: غريب الحديث، الواضحة في إعراب الفاتحة ومقالة في الرد على اليهود والنصارى. (١) إدريس بن يعقوب المنصور (٢) (٦٣٠ هـ) السلطان الملك المأمون أمير المؤمنين أبو العلاء إدريس بن السلطان يعقوب المنصور، كان بطلا شجاعا مهيبا، فقيها، علامة. خطب له بالخلافة بالأندلس، سنة إحدى وعشرين وستمائة، ثم خلص له الأمر وبايعه كافة الموحدين، وخطب له بحضرة مراكش، وكان جريئا وافر الجلالة، وأزال ذكر ابن تومرت من الخطبة، وأبطل القول بعصمته. مات في الغزو سنة ثلاثين وستمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في الاعتصام: وقد كان السلطان أبو العلاء إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي منهم (٣)، ظهر له قبح ما هم عليه من هذه الابتداعات، فأمر -حين استقر بمراكش- خليفته بإزالة جميع ما ابتدع من قبله، وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار يأمر فيها بتغيير تلك السنة، ويوصي بتقوى الله والاستعانة به، والتوكل عليه، وأنه قد نبذ الباطل وأظهر الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى، وأن ما ادّعوه أنه المهدي بدعة أزالها وأسقط اسم

стр. 3420

من لا تثبت عصمته. (١) التعليق: رحمك الله يا أمير المؤمنين وجزاك الله خيرا على فعلك المبارك الذي كان أبوك يريد تنفيذه ولكن ادخر لك هذا الأجر، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على سعة علمك وشجاعتك، حيث لم تخش أحدا في إبطال هذه الضلالات، وأدركت أنها مجرد خداع للعامة. تنبيه: عيسى ﵇ ليس هو المهدي المنتظر، والحديث الوارد في ذلك، قال عنه الذهبي: منكر. وقال الصغاني: موضوع. وثبتت أحاديث في المهدي نؤمن بها وليس هذا موضع بسطها. السهروردي (٦٣٠ ه ـ) موقفه من المشركين: جاء في السير: قال ابن النجار: أملى في آخر عمره كتابا في الرد على الفلاسفة. (٢) موقفه من الجهمية: هذا الرجل، وإن كان صوفيا في سلوكه فقد كان سلفيا في عقيدة الأسماء والصفات، له كتاب 'عقيدة أولي التقى'؛ نقل منه الحافظ في الفتح نموذجا طيبا وإليك النموذج: - جاء في الفتح: قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب

стр. 3421

العقيدة له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله، ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح. (١) الآمدي (٦٣١ ه ـ) موقفه من الجهمية: قال ابن تيمية في درء التعارض: وذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال: "أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام" أو كلاما هذا معناه. (٢) نصر بن عبد الرزاق (٣) (٦٣٣ هـ) ابن شيخ الإسلام عبد القادر بن أبي صالح. الإمام العالم، الأوحد القاضي عماد الدين أبو صالح ولد الحافظ الزاهد أبي بكر، الجيلي ثم البغدادي الأزجي الحنبلي. ولد في سنة أربع وستين وخمسمائة في ربيع الآخر. سمع من أبويه وعلي بن عساكر البطائحي، وخديجة بنت النهرواني وشُهْدَة الكاتبة، ومسلم ابن ثابت وعدة. تفقه على والده وأبي الفتح ابن المني ودرس وأفتى. حدث عنه

стр. 3422

ابن الدبيثي، وابن النجار، وابن النابلسي وأبو الحسن بن بليان وعدة. جمع الأربعين لنفسه ودرس بمدرسة جده وبالمدرسة الشاطئة وتكلم في الوعظ، وولي القضاء للظاهر بأمر الله، وفي أوائل دولة المستنصر سار السيرة الحسنة، وسلك الطريقة المستقيمة، وأقام ناموس الشرع، ولم يحاب أحدا في دين الله ثم عزل. قال الضياء: هو فقيه كريم النفس خير. توفي ﵀ في سادس عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. موقفه من المشركين: قال الذهبي: قال ابن النجار: سمعته يقول: كنت في دار الوزير القمي، وهناك جماعة، إذ دخل رجل ذو هيئة، فقاموا له وخدموه، فقمت وظننته بعض الفقهاء، فقيل: هذا ابن كرم اليهودي عامل دار الضرب، فقلت له: تعال إلى هنا، فجاء ووقف، فقلت: ويلك، توهمتك فقيها فقمت إكراما لك، ولست -ويلك- عندي بهذه الصفة، ثم كررت ذلك عليه، وهو قائم يقول: الله يحفظك الله يبقيك ثم قلت له: اخسأ هناك بعيدا عنا، فذهب. قال: وحدثني أبو صالح أنه رُسِم له برزق من الخليفة، وأنه زار يومئذ قبر الإمام أحمد، فقيل لي: دفع رسمك إلى ابن توما النصراني، فامض إليه فخذه، فقلت: والله لا أمضي ولا أطلبه. فبقي ذلك الذهب عنده إلى أن قتل إلى لعنة الله في السنة الأخرى، وأُخِذ الذهب من داره، فنفذ إِليَّ. (١)

стр. 3423

أبو الخطاب ابن دحية (٦٣٣ ه ـ) موقفه من المبتدعة: قال أبو شامة: وأنبأنا الحافظ أبو الخطاب ابن دحية قال في كتاب 'أداء ما وجب': وقد روى الناس الاغفال في صلاة ليلة النصف من شعبان، أحاديث موضوعة، وواحدا مقطوعا وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم من صلاة مائة ركعة، في كل ركعة الحمد لله مرة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ عشر مرات، فينصرفون وقد غلبهم النوم فتفوتهم صلاة الصبح التي ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله». (١) وقال في كتاب 'ما جاء في شهر شعبان' من تأليفه أيضا: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث النصف من شعبان حديث يصح، فتحفظوا عباد الله من مفتر، يروي لكم حديثا يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا من الرسول ﷺ ، فإذا صح أنه كذب خرج عن المشروعية وكان مستعمله من خدم الشيطان لاستعماله حديثا على رسول الله ﷺ لم ينزل الله به من سلطان. ثم قال: ومما أحدثه المبتدعون، وخرجوا به عما وسمه المتشرعون، وجروا فيه على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا: الوقيد ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ ، ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد ذو صدق من الرواة، وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية،

стр. 3424

راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودهم. وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان، كأنه سنة من سنن الإيمان ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم، وهو أخس الأديان، حتى إذا صلى المسلمون، وركعوا وسجدوا، كان ذلك إلى النار التي أوقدوا، ومضت على ذلك السنون والأعصار، وتبعت بغداد فيه سائر الأمصار، هذا مع ما يجتمع في تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم، فالواجب على السلطان منعهم، وعلى العالم ردعهم. وإنما شرف شعبان بأن رسول الله ﷺ كان يصومه، فقد صح الحديث في صيامه ﷺ شعبان كله أو أكثره (١) والله أعلم. (٢) إسحاق بن محمد العلثي (٣) (٦٣٤ هـ) إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي الزاهد القدوة أبو الفضل، ويقال: أبو محمد، ابن عم طلحة بن المظفر. سمع من أبي الفتح بن شاتيل، وقرأ بنفسه على ابن كليب وابن الأخضر. وحدث وسمع منه جماعة، وكان قدوة صالحا زاهدا، فقيها عالما، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم. أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه وواجه الخليفة الناصر وصدعه بالحق. قال ناصح الدين بن الحنبلي: هو

стр. 3425

اليوم شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه. وقال المنذري: قيل: إنه لم يكن في زمانه أكثر إنكارا للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة. وقال ابن رجب: وله رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم والنصح لهم. ورأيت بخطه كتابا أرسله إلى الخليفة ببغداد. وأرسل أيضا إلى الشيخ علي بن إدريس الزاهد -صاحب الشيخ عبد القادر- رسالة طويلة، تتضمن إنكار الرقص والسماع والمبالغة في ذلك. وله في معنى ذلك عدة رسائل إلى غير واحد، وأرسل رسالة طويلة إلى الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي بالإنكار عليه فيما يقع في كلامه من الميل إلى أهل التأويل. توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بالعلث ﵁. موقفه من الجهمية: جاء في ذيل طبقات الحنابلة: من عبيد الله إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي إلى عبد الرحمن بن الجوزي حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع في الشريعة المحمدية فلا حاجة إلى ذلك فقد تركنا على بيضاء نقية. وأكمل الله لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففي كتاب الله وسنة رسوله مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله الاعتقاد السليم ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم، وعرفنا أقدار نفوسنا وهدانا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفوق كل ذي علم عليم. وبعد حمد الله سبحانه والصلاة على رسوله، فلا

стр. 3426

يخفى أن «الدين النصيحة» (١)، خصوصا للمولى الكريم والرب الرحيم، فكم قد زل قلم وعثر قدم وزلق متكلم، ولا يحيطون به علما قال عز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ (٢). وأنت يا عبد الرحمن فما يزال يبلغ عنك ويسمع منك ويشاهد في كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطإ، اعتقادا منك أنك تصدع بالحق، من غير محاباة، ولابد من الجريان في ميدان النصح: إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك. ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغرك كثرة اطلاعك على العلوم، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحر كدر ونهر صاف، فلست بأعلم من الرسول حيث قال له الإمام عمر: أتصلي على ابن أبي؟ فنزل القرآن: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٣). ولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذا لتعطل الأمر بالمعروف وصرنا كبني إسرائيل حيث قال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٤). بل ينكر المفضول على الفاضل وينكر الفاجر على الولي -على تقدير

стр. 3427

معرفة الولي- وإلا فابن التنقا ليطلب وابن السمندل ليجلب - إلى أن قال: واعلم أنه قد كثر النكير عليك من العلماء والفضلاء والأخيار في الآفاق بمقالتك الفاسدة في الصفات، وقد أبانوا وهاء مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيت النصيحة، فعندك من الأقوال التي لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذكر عنك أنك ذكرت في الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا زعمت أنه مواعظ، وهو تشقيق وتفهيق، وتكلف بشع، خلا أحاديث رسول الله ﷺ ، وكلام السلف الصالح الذي لا يخالف سنة، فعمدت وجعلتها مناظرة معهم. فمن أذن لك في ذلك؟ وهم مستغفرون للذين آمنوا ولا يستكبرون عن عبادة الله. وقد قرن شهادته بشهادتهم قبل أولي العلم، وما علينا كان الآدمي أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى. فشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يطفيها؟ وفي الغيبة ما فيها، مع كلام غث. أليس منا فلان؟ ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء. من فعل هذا من السلف قبلك؟ ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟. فعمن أخذت هذه الأقوال المحدثة، والعبارات المزوقة، التي لا طائل تحتها وقد شغلت بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع. أحدهم قد أنسي القرآن وهو يعيد فضل الملائكة ومناظرتهم، ويتكلم به في الآفاق. فأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة؟ ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى، كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات

стр. 3428

النفوس البهرجية الزيوف. وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقوها وما فهموا. وحاشاهم من ذلك. بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزا -بحمد الله- عن الجدال والخصام، ولا جهلا بطرق الكلام. وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية، لا عن جهل وعماية. والعجب ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام. ثم يقدم على تفسير ما لم يره أولا، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده. فهذا الذي نهيت عنه. وكيف تنقض عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ فلا تشمت بنا المبتدعة فيقولون: تنسبوننا إلى البدع وأنتم أكثر بدعا منا، أفلا تنظرون إلى قول من اعتقدتم سلامة عقده، وتثبتون معرفته وفضله؟ كيف أقول ما لم يقل، فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين في آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم؟ هذا من العجب العجيب. ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق، لكان كاذبا في إخباره. فكيف تصفون الله سبحانه بشيء ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التي رضيها لنفسه، وأخبر بها رسوله بنقل الثقات الأثبات، بيحتمل، ويحتمل. ثم لك في الكتاب الذي أسميته الكشف لمشكل الصحيحين مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن الخطابي وغيره من المتأخرين، أطلع هؤلاء على الغيب؟ وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد في هذا، ثم ذكره فلان، ذكره ابن عقيل، فنريد الدليل من الذاكر أيضا، فهو مجرد دعوى، وليس الكلام في الله

стр. 3429

وصفاته بالهين ليلقى إلى مجاري الظنون - إلى أن قال: إذا أردت: كان ابن عقيل العالم، وإذا أردت: صار لا يفهم، أوهيت مقالته لما أردت. ثم قال: وذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذي يقع لي. فبهذا تقدم على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذي يقع لي. تتكلمون في الله بواقعاتكم تخبرون عن صفاته؟ ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة. تحكما من غير دليل. وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيره الراوي فلا ينبغي بالرواة العدول: أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم. وأهل البدع إذا كلما رويتم حديثا ينفرون منه، يقولون: يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة. فإذا كان المذكور في الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم في هذا يحتمل أنه من رأي بعض الغواة. وتقول: قد انزعج الخطابي لهذه الألفاظ. فما الذي أزعجه دون غيره؟ ونراك تبني شيئا ثم تنقضه، وتقول قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا أحمد ﵁ ومذهبه معروف في السكوت عن مثل هذا ولا يفسره، بل صحح الحديث، ومنع من تأويله. وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما في عيبته من العيب، وذم مقالتك وأبطلها. وقد سمعنا عنك ذلك من أعيان أصحابك المحبوبين عندك، الذين مدحتهم بالعلم، ولا غرض لهم فيك، بل أدوا النصيحة إلى عباد الله، ولك القول وضده منصوران. وكل ذلك بناء على الواقعات والخواطر. وتدعي أن الأصحاب خلطوا في الصفات، فقد قبحت أكثر منهم، وما وسعتك

стр. 3430

السنة. فاتق الله سبحانه. ولا تتكلم فيه برأيك فهذا خبر غيب، لا يسمع إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربا للأحاديث الصحيحة. والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام. ثم لك قصيدة مسموعة عليك في سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسمع منك، منها: ولو رأيت النار هبت، فعدت ... تحرق أهل البغي والعناد وكلما ألقى فيها حطمت ... وأهلكته، وهي في ازدياد فيضع الجبار فيها قدما ... جلت عن التشبيه بالأجساد فتنزوي من هيبته وتمتلي ... فلو سمعت صوتها ينادي حسبي حسبي قد كفاني ما أرى ... من هيبة أذهبت اشتداد فاحذر مقال مبتدع في قوله ... يروم تأويلا بكل وادي فكيف هذه الأقوال وما معناها؟ فإنا نخاف أن تحدث لنا قولا ثالثا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا. لقد آذيت عباد الله وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب، وابن عقيل سامحه الله قد حكي عنه أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام -عمرها الله بالإسلام والسنة- فهو بريء على هذا التقدير مما يوجد بخطه أو ينسب إليه من التأويلات والأقوال المخالفة للكتاب والسنة. وأنا وافدة الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تنتهي عن هذه المقالات وتتوب التوبة النصوح كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيروا ذلك في البلاد، وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تشور فيه وقضي بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدم على

стр. 3431

التعديل. والله على ما نقول وكيل وقد أعذر من أنذر. وإذا تأولت الصفات على اللغة، وسوغته لنفسك وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبا إن مكنت من ذلك، ومازال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت، ولو ضربوا بالسيوف لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهني وتركهم الدنيا وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة، ما هو معلوم معروف. ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك كأنك جبار من الجبابرة. ولا كرامة لك ولا نعمى، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأي ما استدبر: لم يحك عنك كلام في السهل ولا في الجبل، ولكن قدر الله وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله وسنة رسوله قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). ولم يقل: إلى ابن الجوزي، وترى كل من أنكر عليك نسبته إلى الجهل، ففضل الله أوتيته وحدك؟ وإذا جهلت الناس فمن يشهد لك أنك عالم؟ ومن أجهل منك، حيث لا تصغى إلى نصيحة ناصح؟ وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان؟ من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم من أنت إذا؟ فلقد استراح من خاف مقام ربه، وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم لئلا يندم.

стр. 3432

فانتبه يا مسكين، قبل الممات، وحسن القول والعمل، فقد قرب الأجل، لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (١) التعليق: يستفاد من هذه الرسالة المباركة الأمور الآتية. - ما كان عليه علماء السلف من الاعتناء بعقيدتهم السلفية. - النصيحة والحرص عليها مهما كان المنصوح، صغيرا أو كبيرا، عالما أو جاهلا، حاكما أو محكوما. - تذكير الإنسان بنسبته إلى أبيه إن كان ذا أصل، أو جماعته أو عقيدته وتبيين خطر الانحراف عن هذا الأصل الطيب. - النصيحة تكون مصحوبة بالبيان الكافي للمنصوح، وبيان وجه الخطأ والصواب. - ما كان عليه أصحاب الإمام أحمد من التمسك بالعقيدة السلفية. - ذكر الشواهد الماضية وعواقبها للاعتبار والتذكير فقط. - فضل الإمام العلثي، وما كان عليه من قوة العلم والدين والعقيدة والاتباع لمنهج السلف. - حالة ابن الجوزي، وبيان اضطرابه وتقلبه وعدم ثباته، وهذا يفسر لنا ما ألفه في العقيدة وخصوصا كتابه المنشور 'دفع شبه التشبيه' وأما تفسير زاد المسير فقد بينت حاله في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات

стр. 3433

الصفات'. (١) - رصانة أسلوب السلف وقوة حججهم وقيامهم لله بما يجب. الأشرف موسى بن العادل (٢) (٦٣٥ هـ) صاحب دمشق السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى شاه أرمن بن العادل. ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة. فهو من أقران أخيه المعظم. روى عن ابن طبرزد وحدث عنه أيضا القوصي في معجمه وسمع الصحيح في ثمانية أيام من ابن الزبيدي. تملك القدس ثم خلاط ثم دمشق فعدل وخفف الجور وأحبته الرعية. وكان فيه دين وخوف من الله على لعبه. وكان جوادا سمحا، فارسا شجاعا، لديه فضيلة. وكان سلطانا كريما حليما واسع الصدر كريم الأخلاق كثير العطاء، لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته، ولا تزال عليه الديون للتجار وغيرهم. وكان مليح الهيئة، حلو الشمائل. قيل ما هزمت له راية. وكان له عكوف على الملاهي والمسكر عفا الله عنه. ويبالغ في الخضوع للفقراء ويزورهم ويعطيهم، ويبعث في رمضان بالحلاوات إلى أماكن الفقراء، ويشارك في صنائع وله فهم وذكاء وسياسة. قال سبط ابن الجوزي: كان الأشرف يحضر مجالسي بحران وبخلاط ودمشق وكان ملكا عفيفا، قال لي: ما مددت عيني

стр. 3434

إلى حريم أحد قط ولا ذكر ولا أنثى. وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم، وبنى بدمشق دار حديث، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح. وقد تاب الأشرف في مرضه وابتهل، وأكثر الذكر والاستغفار، مات في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله فيما قيل. موقفه من الجهمية: - جاء في البداية والنهاية: ولما ملك دمشق في سنة ست وعشرين وستمائة، نادى مناديه فيها أن لا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بالمنطق وعلوم الأوائل نفي من البلد. (١) - وفي السير: وكان للأشرف ميل إلى المحدثين والحنابلة، قال ابن واصل: وقعت فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد. قال وتعصب الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الحنابلة، وجرت خبطة حتى كتب عز الدين ﵀ إلى الأشرف يقع فيهم وأن الناصح ساعد على فتح باب السلامة لعسكر الظاهر والأفضل، عندما حاصروا العادل فكتب الأشرف: يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مثيرها. (٢) - وفيها: قال: وكان أولاد العادل كلهم يكرهونه لما اشتهر عنه من علم الأوائل والمنطق، وكان يدخل على المعظم فلا يتحرك له، فقلت: قم له عوضا عني، فقال: ما يقبله قلبي. ومع ذا ولاه تدريس العزيزية، فلما مات

стр. 3435

أخرجه منها الأشرف، ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه، أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السيف -هو سيف الدين علي بن أبي علي- خاملا في بيته إلى أن مات، ودفن بتربته بقاسيون. (١) موقف السلف من ابن عربي الحاتمي (٦٣٨ ه ـ) قال عنه الذهبي في السير: ... ثم تزهد وتفرد وتعبد وتوحد وسافر وتجرد، وأتهم وأنجد، وعمل الخلوات وعلق شيئا كثيرا في تصوف أهل الوحدة. (٢) جاء في المنهاج: قال ابن عربي في 'الفصوص': وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأنبياء إلا من مشكاة خاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياء؛ حتى إن الرسل إذ رأوه لا يرونه -إذا رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة -أعني رسالة التشريع ونبوته- تنقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبدا. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، ومن وجه يكون أعلى. قال: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللَّبِن، فرآها قد كملت إلا
следующие страницы →