التعديل. والله على ما نقول وكيل وقد أعذر من أنذر.
وإذا تأولت الصفات على اللغة، وسوغته لنفسك وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبا إن مكنت من ذلك، ومازال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت، ولو ضربوا بالسيوف لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهني وتركهم الدنيا وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة، ما هو معلوم معروف.
ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك كأنك جبار من الجبابرة. ولا كرامة لك ولا نعمى، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأي ما استدبر: لم يحك عنك كلام في السهل ولا في الجبل، ولكن قدر الله وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله وسنة رسوله قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). ولم يقل: إلى ابن الجوزي، وترى كل من أنكر عليك نسبته إلى الجهل، ففضل الله أوتيته وحدك؟ وإذا جهلت الناس فمن يشهد لك أنك عالم؟ ومن أجهل منك، حيث لا تصغى إلى نصيحة ناصح؟ وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان؟ من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم من أنت إذا؟ فلقد استراح من خاف مقام ربه، وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم لئلا يندم.
стр. 3432
فانتبه يا مسكين، قبل الممات، وحسن القول والعمل، فقد قرب الأجل، لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (١)
التعليق:
يستفاد من هذه الرسالة المباركة الأمور الآتية.
- ما كان عليه علماء السلف من الاعتناء بعقيدتهم السلفية.
- النصيحة والحرص عليها مهما كان المنصوح، صغيرا أو كبيرا، عالما أو جاهلا، حاكما أو محكوما.
- تذكير الإنسان بنسبته إلى أبيه إن كان ذا أصل، أو جماعته أو عقيدته وتبيين خطر الانحراف عن هذا الأصل الطيب.
- النصيحة تكون مصحوبة بالبيان الكافي للمنصوح، وبيان وجه الخطأ والصواب.
- ما كان عليه أصحاب الإمام أحمد من التمسك بالعقيدة السلفية.
- ذكر الشواهد الماضية وعواقبها للاعتبار والتذكير فقط.
- فضل الإمام العلثي، وما كان عليه من قوة العلم والدين والعقيدة والاتباع لمنهج السلف.
- حالة ابن الجوزي، وبيان اضطرابه وتقلبه وعدم ثباته، وهذا يفسر لنا ما ألفه في العقيدة وخصوصا كتابه المنشور 'دفع شبه التشبيه' وأما تفسير زاد المسير فقد بينت حاله في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات
стр. 3433
الصفات'. (١)
- رصانة أسلوب السلف وقوة حججهم وقيامهم لله بما يجب.
الأشرف موسى بن العادل (٢) (٦٣٥ هـ)
صاحب دمشق السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى شاه أرمن بن العادل. ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة. فهو من أقران أخيه المعظم. روى عن ابن طبرزد وحدث عنه أيضا القوصي في معجمه وسمع الصحيح في ثمانية أيام من ابن الزبيدي. تملك القدس ثم خلاط ثم دمشق فعدل وخفف الجور وأحبته الرعية. وكان فيه دين وخوف من الله على لعبه. وكان جوادا سمحا، فارسا شجاعا، لديه فضيلة. وكان سلطانا كريما حليما واسع الصدر كريم الأخلاق كثير العطاء، لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته، ولا تزال عليه الديون للتجار وغيرهم. وكان مليح الهيئة، حلو الشمائل. قيل ما هزمت له راية. وكان له عكوف على الملاهي والمسكر عفا الله عنه. ويبالغ في الخضوع للفقراء ويزورهم ويعطيهم، ويبعث في رمضان بالحلاوات إلى أماكن الفقراء، ويشارك في صنائع وله فهم وذكاء وسياسة. قال سبط ابن الجوزي: كان الأشرف يحضر مجالسي بحران وبخلاط ودمشق وكان ملكا عفيفا، قال لي: ما مددت عيني
стр. 3434
إلى حريم أحد قط ولا ذكر ولا أنثى. وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم، وبنى بدمشق دار حديث، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح. وقد تاب الأشرف في مرضه وابتهل، وأكثر الذكر والاستغفار، مات في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله فيما قيل.
موقفه من الجهمية:
- جاء في البداية والنهاية: ولما ملك دمشق في سنة ست وعشرين وستمائة، نادى مناديه فيها أن لا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بالمنطق وعلوم الأوائل نفي من البلد. (١)
- وفي السير: وكان للأشرف ميل إلى المحدثين والحنابلة، قال ابن واصل: وقعت فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد. قال وتعصب الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الحنابلة، وجرت خبطة حتى كتب عز الدين ﵀ إلى الأشرف يقع فيهم وأن الناصح ساعد على فتح باب السلامة لعسكر الظاهر والأفضل، عندما حاصروا العادل فكتب الأشرف: يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مثيرها. (٢)
- وفيها: قال: وكان أولاد العادل كلهم يكرهونه لما اشتهر عنه من علم الأوائل والمنطق، وكان يدخل على المعظم فلا يتحرك له، فقلت: قم له عوضا عني، فقال: ما يقبله قلبي. ومع ذا ولاه تدريس العزيزية، فلما مات
стр. 3435
أخرجه منها الأشرف، ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه، أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السيف -هو سيف الدين علي بن أبي علي- خاملا في بيته إلى أن مات، ودفن بتربته بقاسيون. (١)
موقف السلف من ابن عربي الحاتمي (٦٣٨ ه ـ)
قال عنه الذهبي في السير: ... ثم تزهد وتفرد وتعبد وتوحد وسافر وتجرد، وأتهم وأنجد، وعمل الخلوات وعلق شيئا كثيرا في تصوف أهل الوحدة. (٢)
جاء في المنهاج: قال ابن عربي في 'الفصوص': وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأنبياء إلا من مشكاة خاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياء؛ حتى إن الرسل إذ رأوه لا يرونه -إذا رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة -أعني رسالة التشريع ونبوته- تنقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبدا. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، ومن وجه يكون أعلى.
قال: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللَّبِن، فرآها قد كملت إلا
стр. 3436
موضع لبنة، فكان هو ﷺ موضع اللبنة (١). وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله النبي ﷺ ، ويرى نفسه في الحائط موضع لبِنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكمل الحائط. والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أن الحائط لبنة من ذهب ولبنة من فضة، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن؛ فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. (٢)
وقال ابن تيمية أيضا: ولهذا ادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الأنبياء. والنبي عنده يأخذ من المَلَك الذي يوحى به إلى الرسل، لأن النبي عنده يأخذ من الخيالات التي تمثلت في نفسه لما صورت له المعاني العقلية في الصور الخيالية، وتلك الصور عنده هي الملائكة، وهي بزعمه تأخذ عن عقله المجرد قبل أن تصير خيالا، ولهذا يفضل الولاية على النبوة، ويقول:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي (٣)
قال الذهبي: ومن أردإ تواليفه كتاب الفصوص، فإن كان لا كفر فيه
стр. 3437
فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله.
وقال: ولا ريب أن كثيرا من عباراته له تأويل إلا كتاب الفصوص. (١)
قال ابن تيمية: وهذا الذي ذكره الجنيد من الفرق بين القديم والمحدث والفرق بين المأمور والمحظور بهما يزول ما وقع فيه كثير من الصوفية من هذا الضلال، ولهذا كان الضلال منهم يذمون الجنيد على ذلك، كابن عربي وأمثاله، فإن له كتابا سماه 'الإسرا إلى المقام الأسرى' مضمونه حديث نفس ووساوس شيطان حصلت في نفسه، جعل ذلك معراجا كمعراج الأنبياء، وأخذ يعيب على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ ما ذكروه وعاب على الجنيد قوله: "التوحيد إفراد الحدوث عن القدم" وقال: "قلت له يا جنيد ما يميز بين الشيئين إلا من كان خارجا عنهما، وأنت إما قديم أو محدث، فكيف تميز؟ " وهذا جهل منه؛ فإن المميز بين الشيئين هو الذي يعرف أن هذا غير هذا، ليس من شرطه أن يكون ثالثا، بل كل إنسان يميز بين نفسه وبين غيره وليس هو ثالثا. والرب سبحانه يميز بين نفسه وبين غيره وليس هناك ثالث. (٢)
وجاء في السير: وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخنا أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول عن ابن العربي: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا. (٣)
ومواقف سلفنا ﵏ كثيرة هذا بعضها، وسيأتي معنا بقية أخرى بإذن الله.
стр. 3438
موقف السلف من الرفيع الفيلسوف الدهري (٦٤٢ ه ـ)
قال الذهبي: وقال سبط الجوزي: حدثني جماعة أعيان أن الرفيع كان فاسد العقيدة دهريا يجيئ إلى الجمعة سكران، وأن داره مثل الحانة. وحكى لي جماعة أن الوزير السامري بعث به في الليل على بغل بأكاف إلى قلعة بعلبك ونفذ به إلى مغارة أفقه فأهلكه بها، وترك أياما بلا أكل، وأشهد على نفسه ببيع أملاكه للسامري، وأنه لما عاين الموت قال: دعوني أصل، فصلى فرفسه داود من رأس شقيف فما وصل حتى تقطع، وقيل: بل تعلق ذيله بسن الجبل، فضربوه بالحجارة حتى مات. وقال رئيس النيرب: سلم الرفيع إلي وإلى سيف النقمة داود، فوصلنا به إلى شقيف فيه عين ماء فقال: دعوني أغتسل، فاغتسل وصلى ودعا فدفعه داود فما وصل إلا وقد تلف، وذلك في أول سنة اثنتين وأربعين وستمائة. (١)
محمد بن عبد الواحد المقدسي (٢) (٦٤٣ هـ)
الحافظ الكبير ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي، الشيخ الإمام الحافظ القدوة المحقق المجود الحجة بقية السلف صاحب التصانيف
стр. 3439
والرحلة الواسعة. شهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد في خامس جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة بالدير المبارك بقاسيون.
سمع من عبد الرحمن بن علي الخرقي وأبي القاسم البوصيري والقاسم ابن أبي المطهر الصيدلاني وأبي المظفر بن السمعاني وخلق كثير. وسمع منه: ابن نقطة وزكي الدين البرزالي وعبد الله بن أبي الطاهر المقدسي، وزينب بنت عبد الله بن الرضي وعدة.
قال الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخه: كتبت عنه ببغداد ونيسابور ودمشق، وهو حافظ متقن ثبت ثقة صدوق نبيل حجة عالم بالحديث وأحوال الرجال، وله مجموعات وتخريجات، وهو ورع تقي زاهد عابد محتاط في أكل الحلال مجاهد في سبيل الله، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته وعفته وحسن سيرته وطريقته في طلب العلم.
قال الذهبي ﵀: ولم يزل ملازما للعلم والرواية والتأليف إلى أن مات، وتصانيفه نافعة مهذبة، أنشأ مدرسة إلى جانب الجامع المظفري، وكان يبني فيها بيده. ويتقنع باليسير، ويجتهد في فعل الخير، ونشر السنة، وفيه تعبد وانجماع عن الناس، وكان كثير البر والمواساة، دائم التهجد، أمارا بالمعروف، بهي النظر، مليح الشيبة، محببا إلى الموافق والمخالف، مشتغلا بنفسه ﵁.
توفي يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون ودفن به رحمه الله تعالى.
стр. 3440
موقفه من المبتدعة:
قال ﵀: وقد أعلم النبي ﷺ : أن كل محدثة بدعة (١)، وأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة (٢)، وأن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذارع. (٣)
وقد كثر في زماننا هذا البدع، فظهرت وعمل بها خلق كثير من الناس، وزاولها طريقا إلى الله تعالى، فمن ذلك:
حضور الغناء والمزامير والرقص، ومؤاخاة النسوان، والحضور مع المُردان، حتى إن بعضهم ليرى ذلك أفضل من الصلاة وقراءة القرآن، فنعوذ بالله من الخذلان، ونستعينه على أداء الشكر وكثرة الذكر في جميع الأحيان، ونسأله بكرمه أن لا يجعل للشيطان علينا سلطانا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤) الآية. (٥)
آثاره السلفية:
'الأمر باتباع السنن واجتناب البدع'. وهو مطبوع في جزء صغير بتحقيق الشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي.
стр. 3441
موقفه من الرافضة:
له كتاب: 'النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب'. وهو مطبوع ومتداول.
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
١ - 'جزء في أحاديث الحرف والصوت'.
٢ - 'صفة النار'. جزءان
٣ - 'صفة الجنة'. ثلاثة أجزاء.
وذكر هذه جميعا ابن رجب في ذيل الطبقات (١).
٤ - ذكر الحوض: ذكره الذهبي في السير (٢) وابن رجب في ذيل الطبقات (٣) وسماه طرق حديث الحوض النبوي.
عبد الله بن محمد الحنبلي (٤) (٦٤٣ هـ)
المحدث الحافظ أبو منصور عبد الله بن أبي الفضل محمد بن أبي محمد بن الوليد البغدادي أحد المكثرين والرحالين. سمع من عبد العزيز بن الأخضر وابن منينا والحافظ عبد القادر الرهاوي، وخلق. وأجاز لسليمان بن حمزة الحاكم،
стр. 3442
وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وعيسى المطعم وغيرهم من المتأخرين. قال الشريف أبو العباس الحسيني: كان حافظا مفيدا، أسمع الناس الكثير بقراءته، وكان مشهورا بسرعة القراءة وجودتها، وجمع وحدث. قال الذهبي: وهو من أئمة السنة له تواليف.
توفي في ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة ببغداد رحمه الله تعالى.
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
رسالة إلى السامري صاحب المستوعب، ينكر عليه فيها تأويله لبعض الصفات وقوله: إن أخبار الآحاد لا تثبت بها الصفات. (١)
ابن الصّلاح (٢) (٦٤٣ هـ)
الإمام، الحافظ، العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان. سمع من أبي المظفر بن السمعاني بمرو ومن الإمامين فخر الدين بن عساكر وموفق الدين بن قدامة وعدة بدمشق. وحدث عنه الإمام شمس الدين بن نوح المقدسي والمحدث عبد الله بن يحيى
стр. 3443
الجزائري وكمال الدين أحمد بن أبي الفتح الشيباني وغيرهم. درس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس مديدة ثم بالرواحية بدمشق مدة ثم بالأشرفية وكان شيخها ثم الشامية الصغرى. واشتغل وأفتى وجمع وألف، وتخرج به الأصحاب وكان من كبار الأئمة. ذكره المحدث عمر بن الحاجب في معجمه فقال: إمام ورع وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة. قال الذهبي: كان ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافا عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمنا بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، إلى أن قال ﵀: وكان مع تبحره في الفقه مجودا لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفننا في الحديث متصونا، مكبا على العلم عديم النظير في زمانه. توفي ﵀ يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
موقفه من المشركين:
موقفه من كتب الفلسفة والمنطق:
جاء في فتاوى ابن الصلاح: مسألة: فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعليما وتعلما، وهل المنطق جملة وتفصيلا مما أباح الشارع تعليمه وتعلمه؟ والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ذكروا ذلك أو أباحوا الاشتغال به أو سوغوا الاشتغال به أم لا؟
وهل يجوز أن يستعمل في إثبات الأحكام الشرعية الاصطلاحات
стр. 3444
المنطقية أم لا؟
وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلى ذلك في إثباتها أم لا؟ وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا به ما الذي يجب على سلطان الوقت في أمره؟
وإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فيها وهو مدرس في مدرسة من مدارس العلم، فهل يجب على سلطان تلك البلاد عزله وكفاية الناس شره؟
أجاب ﵁: الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه -أظلم قلبه- عن نبوة نبينا ﷺ كلما ذكره ذاكر، وكلما غفل عن ذكره غافل مع انتشار آياته المستبينة، ومعجزاته المستنيرة، حتى لقد انتدب بعض العلماء لاستقصائها فجمع منها ألف معجزة، وعددناه مقصرا، إذ فوق ذلك بأضعاف لا تحصى، فإنها ليست محصورة على ما وجد منها في عصره ﷺ بل لم تزل تتجدد بعده ﷺ على تعاقب العصور ...
وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه
стр. 3445
وطهرهم من أوضاره.
وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية.
والحمد لله، فالافتقار إلى المنطق أصلا، وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان فقعاقع قد أغنى الله عنها بالطريق الأقوم، والسبيل الأسلم الأطهر كل صحيح الذهن، لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحار الحقائق والدقائق علماؤها حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة، ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها، فقد خدعه الشيطان ومكر به، فالواجب على السلطان -أعزه الله وأعز به الإسلام وأهله- أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أوالإسلام، لتخمد نارهم، وتنمحي آثارها وآثارهم، يسر الله ذلك وعجله، ومن أوجب هذا الواجب عزل من كان مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها، ثم سجنه وإلزامه منزله، ومن زعم أنه غير معتقد لعقائدهم، فإن حاله يكذبه، والطريق في قلع الشر قلع أصوله وانتصاب مثله مدرسا من العظائم جملة، والله ﵎ ولي التوفيق والعصمة وهو أعلم. (١)
التعليق:
اختص الله تعالى بإحياء الموتى من قبورهم وجعله آية لبعض الأنبياء،
стр. 3446
وإلا أحيينا ابن الصلاح من قبره وتجولنا به في العالم الإسلامي، وأوقفناه على جامعة انتدبت نفسها للقيام بهذه المهمة التي سل سيفه من أجلها، ولعقدنا له لقاءات مع آلاف الناس الذين يتبنون هذا الفكر الشاذ المحير والمتحير، ولمررنا به على أكبر المدارس غير التي تقدم ذكرها، والتي نصبت نفسها حامية للعلوم الشرعية، لكن جعلت من أهم مناهجها المنطق والفلسفة بل لا تدرس العقيدة، على هذا السبيل الأزهر والزيتونة والقرويين ولأوقفناه على آلاف المكتبات الخاصة والعامة، ولرأى ما يسوؤه من الحال والاعتناء بهذه العلوم الكافرة، وما أدري ماذا سيفعل الشيخ بشهادة الدكتوراه وما دونها من الشواهد في هذا الباب، التي تخول لصاحبها التدريس في الجامعات لنشر كفره وإلحاده بين أبناء الأمة الإسلامية حتى يعم الإلحاد في أرباع المعمورة.
موقفه من الجهمية:
قال شيخ الإسلام: إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما وأمثلهم اعتقادا. (١)
موقفه من المرجئة:
جاء في مجموع الفتاوى: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» إلى آخره؛ «والإيمان أن تؤمن بالله
стр. 3447
وملائكته وكتبه ورسله» إلى آخره (١). قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر الإسلام ومعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بحل قيد انقياده أو انحلاله. ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث. وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، مقومات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس (٢) بالشهادتين، والصلاة والزكاة، والصوم، وإعطاء الخمس من المغنم؛ ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة، لأن اسم الشيء الكامل يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٣) واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام.
قال: فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، قال: فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون؛ وما
стр. 3448
حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. (١)
موقفه من القدرية:
جاء في فتاويه: مسألة: فيمن يعتقد أن في ملك الله ما لا يرضاه ولا يريده فهل هو مخطئ أو مصيب في هذا القول والاعتقاد أم لا؟.
أجاب ﵁: أصاب في قوله أنه يوجد ما لا يرضاه ﵎ مثل الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٢) وضل وابتدع في قوله: أنه يوجد ما لا يريده، بل ذلك محال، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وفرق بين الرضا والإرادة، ثم ما لكم والخوض في هذا البحر المغرق. عليكم بالعمل ففيه شغل شاغل والله أعلم. (٣)
أحمد بن عيسى بن قدامة المقدسي (٤) (٦٤٣ هـ)
الإمام الحافظ المتقن سيف الدين أبو العباس أحمد بن مجد الدين عيسى ابن الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي. ولد سنة خمس وستمائة.
وسمع أبا اليمن الكندي وابن ملاعب وأحمد بن عبد الله السلمي
стр. 3449
العطار وابن أبي لقمة، وتخرج بخاله الحافظ ضياء الدين. رحل إلى بغداد، وصنف وخرج، وكان ثقة حجة، بصيرا بالحديث ورجاله، عاملا بالأثر، صاحب عبادة وتهجد وإنابة. روى عنه أبو بكر أحمد بن محمد الدشتي وغيره.
قال الذهبي: وكان ثقة ثبتا، ذكيا، سلفيا، تقيا، ذا ورع وتقوى، ومحاسنه جمة، وتعبد وتأله، ومروءة تامة، وقول بالحق، ونهي عن المنكر، ولو عاش لساد في العلم والعدل، فرحمه الله تعالى. توفي في أول شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون، وله ثمان وثلاثون سنة.
موقفه من الصوفية:
قال الذهبي: ألف السيف رحمه الله تعالى مجلدا كبيرا في الرد على الحافظ محمد بن طاهر المقدسي لإباحته للسماع، وفي أماكن من كتاب ابن طاهر في صفوة أهل التصوف، وقد اختصرت هذا الكتاب على مقدار الربع، وانتفعت كثيرا بتعاليق الحافظ سيف الدين. (١)
وله أيضا مصنف في الاعتقاد، فيه آثار كثيرة وفوائد. (٢)
موقف بدر الدين صاحب الموصل من ابن عدي الضال الصوفي (٦٤٤ ه ـ)
قال الذهبي: كان هذا من رجال العالم دهاء وهمة وسموا، له فضيلة وأدب وتواليف في التصوف الفاسد، وله أتباع لا ينحصرون وجلالة عجيبة.
стр. 3450
بلغ من تعظيمهم له أن واعظا أتاه فتكلم بين يديه، فبكى تاج العارفين وغشي عليه، فوثب كردي، وذبح الواعظ، فأفاق الشيخ فرأى الواعظ يختبط في دمه، فقال: أيش هذا؟ فقالوا: أي شيء هذا من الكلاب حتى يبكي سيدي الشيخ. وزاد تمكن الشيخ حتى خاف منه بدر الدين صاحب الموصل، فتحيل عليه حتى اصطاده، وخنقه بالموصل؛ خوفا من غائلته. وهناك جهلة يعتقدون أن الشيخ حسنا لا بد أن يرجع إلى الدنيا، وكان يلوح في نظمه بالإلحاد، ويزعم أنه رأى رب العزة عيانا، واعتقاده ضلالة. (١)
أبو عبد الله الطَّرَّاز (٢) (٦٤٥ هـ)
الإمام العلامة المقرئ محمد بن سعيد بن علي بن يوسف، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي الغرناطي، يعرف بالطراز. سمع أبا القاسم بن سمحون وعلي بن جابر وطائفة، وأجاز له أبو اليمن الكندي. روى عنه أبو عبد الله الطنجالي، وحميد القرطبي، وأبو إسحاق البلفيقي والكاتب أبو الحسن بن فرج.
قال ابن الزبير: وكان ضابطا متقنا، ومفيدا حافلا، بارع الخط، حسن الوراقة، عارفا بالأسانيد والطرق والرجال وطبقاتهم، مقدما عارفا بالقراءات، مشاركا في علوم العربية والفقه والأصول، كاتبا نبيلا، مجموعا فاضلا
стр. 3451
متخلقا، ثقة عدلا، كتب بخطه كثيرا وأمهات. وقال ابن فرحون: كان رحمه الله تعالى مقرئا جليلا، ومحدثا حافلا، به ختم بالمغرب هذا الباب ألبتة. تجرد آخر عمره إلى كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض، وكان قد تركه في مبيضته، فجمع عليه أصولا حافلة وأمهات هائلة من الأغربة وكتب اللغات، وعكف على ذلك مدة، وبالغ في البحث والتفتيش، حتى تخلص الكتاب على أتم وجه، وبرزت محاسنه. توفي ﵀ في شوال سنة خمس وأربعين وستمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير أنه وصى أن لا يقرأ على قبره ولا يبنى عليه، وكان ممن وضع الله له ودا في قلوب عباده، معظما عند جميع الناس خصوصا في غير بلده، ولقد كان من أشد الناس غيرة على السنة وأهلها وأبغضهم في أهل الأهواء والبدع. (١)
موقف السلف من الحريري علي بن أبي الحسن (٦٤٥ ه ـ)
قال الذهبي: قرأت بخط السيف الحافظ: كان الحريري من أفتن شيء وأضره على الإسلام، تظهر منه الزندقة والاستهزاء بالشرع، بلغني من الثقات أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله، وكان مستخفا بأمر الصلوات. وحدثني أبو إسحاق الصريفيني، قال: قلت للحريري: ما الحجة في
стр. 3452
الرقص؟ قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ (١) وكان يطعم وينفق ويتبعه كل مريب. شهد عليه خلق كثير بما يوجب القتل، ولم يقدم السلطان على قتله، بل سجنه مرتين ... وعندي مجموع من كلام الشيخ الحريري، فيه: إذا دخل مريدي بلاد الروم، وتنصر، وأكل الخنزير، وشرب الخمر كان في شغلي. وسأله رجل: أي الطرق أقرب إلى الله؟ قال: اترك السير وقد وصلت. وقال لأصحابه: بايعوني على أن نموت يهود ونحشر إلى النار حتى لا يصحبني أحد لعلة. وقال: لو قدم علي من قتل ولدي وهو بذلك طيب وجدني أطيب منه ... وقال علي بن أنجب في تاريخه: الفقير الحريري شيخ عجيب، كان يعاشر الأحداث، كان يقال عنه: إنه مباحي ولم تكن له مراقبة، كان يخرب، والفقهاء ينكرون فعله، وكان له قبول عظيم. وروي عن الحريري: لو ضربنا عنقك على هذا القول ولعناك لاعتقدنا أنا مصيبون ... (٢)
يوسف بن خليل (٣) (٦٤٨ هـ)
الإمام المحدث الصادق الرحالة شيخ المحدثين راوية الإسلام أبو الحجاج شمس الدين يوسف بن خليل بن قراجا عبد الله الدمشقي الأدمي الإسكاف،
стр. 3453
نزيل حلب وشيخها. ولد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وتشاغل بطلب الرزق حتى كبر وقارب الثلاثين ثم بعد ذلك حبب إليه الحديث. وعني بالرواية وسمع الكثير، وكتب بخطه المتقن شيئا كثيرا. وكان ذا علم حسن ومعرفة جيدة ومشاركة قوية في الإسناد والمتن. سمع من يحيى الثقفي ومحمد بن صدقة وأبي طاهر الخشوعي وأقرانهم، وصحب الحافظ عبد الغني وتخرج به مدة. ورحل إلى البلدان، وسمع بها. حدث عنه الحافظ بن الأنماطي، والبرزالي والقوصي، وابن العديم وابنه وعدة. وكان حسن الأخلاق مرضي السيرة، خرج لنفسه الثمانيات، وأجزاء عوالي كعوالي هشام بن عروة والأعمش وما اجتمع فيه أربعة من الصحابة، وكان ينطوي على سنة وخير، روى كتبا كبارا للمتقدمين، وانقطع بموته سماع أشياء كثيرة لخراب أصبهان. توفي رحمه الله تعالى في عاشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة وله ثلاث وتسعون سنة.
موقفه من الصوفية:
قال الذهبي: بلغني أنه كان يذم الحريري (الصوفي) وطريقة أصحابه. (١)
علي بن محمد الشَّارِي (٢) (٦٤٩ هـ)
الإمام الحافظ المقرئ شيخ المغرب، علي بن محمد بن يحيى، أبو الحسن الغافقي الشاري ثم السبتي، نزيل مالقة. وشارة: بليدة من عمل مرسية، شرق
стр. 3454
الأندلس. ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. قرأ القراءات إلا بعضها على والده وعلى يحيى بن محمد الهوزني وأبي محمد بن عبيد الله الحجري، وأخذ العربية من أبي ذر الخشني وأبي الحسن بن خروف، وأجاز له الإمام أبو زيد السهيلي. وروى عنه أبو جعفر بن الزبير وأثنى عليه، وسمع منه شيئا كثيرا. قال تلميذه ابن الزبير: وكان ثقة، متحريا، ضابطا عارفا بالأسانيد والرجال والطرق، بقية صالحة وذخيرة نافعة، رحلت إليه فقرأت عليه كثيرا، وتلوت عليه ... حسن النية، من أهل المروءة والفضل التام والدين القويم، منصفا، متواضعا، حسن الظن بالمسلمين، محبا في الحديث وأهله. وقال ابن رشيد: أحيا الشاري بسبتة العلم حيا وميتا، وحصل الكتب بأغلى الأثمان، وكان له عظمة في النفوس. توفي ﵀ بمالقة في التاسع والعشرين من رمضان سنة تسع وأربعين وستمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير: كان منافرا لأهل البدع والأهواء، معروفا بذلك ... محبا في الحديث وأهله. (١)
موقف السلف من الخونجي محمد بن ناماور (٦٤٩ ه ـ)
قال ابن تيمية ﵀: والخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى كتابه 'كشف الأسرار' يقول لما حضره الموت: أموت ولم أعرف شيئا إلا أن
стр. 3455
الممكن يفتقر إلى الممتنع، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت ولم أعرف شيئا - حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت. (١)
التعليق:
انظر رحمك الله إلى مآل سعي هؤلاء، كيف اغتر المساكين باتباع سراب حسبوه ماء. فجعلوا -زيفا- ينهلون منه ويرتوون، حتى إذا حضرهم الموت التفتوا يمينا وشمالا فلم يجدوا شيئا، فوجدوا الله عنده فوفاهم الحساب. نسأل الله السلامة.
موقف السلف من سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي وتلبسه بالرفض (٦٥٤ ه ـ)
جاء في المنهاج: ... وإن أرادَ سبَطه يوسف بن قزغلي صاحب التاريخ المسمى بـ 'مرآة الزمان' وصاحب الكتاب المصنف في 'الاثنى عشر' الذي سماه 'إعلام الخواص'، فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعا من الغث والسمين، ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة، وكان يصنف بحسب مقاصد الناس: يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك، ويُصنف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال بذلك أغراضه، فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له: ما مذهبك؟ قال: في أي مدينة؟
ولهذا يوجد في بعض كتبه (ثلب) الخلفاء الراشدين وغيرهم من
стр. 3456
الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة، ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم. (١)
وجاء في الميزان: وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفض، وله مؤلف في ذلك. نسأل الله العافية.
مات سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق، قال الشيخ محيي الدين السوسي: لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال: لا ﵀، كان رافضيا. (٢)
المُرْسِي (٣) (٦٥٥ هـ)
الإمام العلامة البارع القدوة المفسر المحدث النحوي ذو الفنون شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي المرسي الأندلسي. ولد بمرسية في أول سنة تسعين وخمسمائة. سمع الموطأ من المحدث الحجري، وسمع من ابن الفرس، وحج ثم أكثر الأسفار، وسمع من عدة مشايخ، وكتب وجمع من الكتب النفيسة كثيرا، ومهما فتح به عليه صرفه في ثمن الكتب، وكان متضلعا في العلم جيد الفهم، متين الديانة. حدث عنه ابن النجار والدمياطي والقاضي الحنبلي والفزاري وأبو الفضل الإربلي وعدة. وكان زاهدا متورعا كثير العبادة. قال أبو شامة: كان متقنا،
стр. 3457
محقق البحث، كثير الحج، مقتصدا في أموره. وقال عمر بن الحاجب: سألت الحافظ بن عبد الواحد عن المرسي فقال: فقيه، مناظر نحوي، من أهل السنة، صحبنا في الرحلة، وما رأينا منه إلا خيرا. توفي رحمه الله تعالى في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة.
موقفه من الجهمية:
قال ابن النجار: أنشدني لنفسه:
من كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتباع المصطفى فيما أتى
ذاك السبيل المستقيم وغيره ... سبل الضلالة والغواية والردى
فاتبع كتاب الله والسنن التي ... صحت فذاك إن اتبعت هو الهدى
ودع السؤال بلم وكيف فإنه ... باب يجر ذوي البصيرة للعمى
الدين ما قال الرسول وصحبه ... والتابعون ومن مناهجهم قفا (١)
موقف السلف من ابن أبي الحديد أبي حامد عبد الحميد بن عبد الله (٦٥٥ ه ـ)
قال شيخ الإسلام: وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة، وله أشعار في هذا الباب، كقوله:
فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول، فما ... ربحت إلا أذى السفر
стр. 3458
فلحى الله الألى زعموا ... أنك المعروف بالنظر
كذبوا، إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر
هذا مع إنشاده:
وحقك لو أدخلتني النار قلت ... للذين بها: قد كنت ممن يحبه
وأفنيت عمري في علوم كثيرة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتم: من كان فينا مجاهدا ... سيكرم مثواه ويعذب شربه؟
أما رد شك ابن الخطيب وزيغه ... وتمويهه في الدين إذ جل خطبه
وآية حب الصب أن يعذب الأسى ... إذا كان من يهوى عليه يصبه (١)
الصرصري (٢) (٦٥٦ هـ)
الشيخ العلامة القدوة أبو زكرياء يحيى بن يوسف بن يحيى الصرصري الأصل، نسبة إلى صرصر بفتح الصادين المهملتين، قرية على فرسخين من بغداد. ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. قرأ القرآن بالروايات على أصحاب ابن عساكر البطائحي وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس اليعقوبي الزاهد، وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربي وغيره. وسمع منه الحافظ الدمياطي وحدث عنه وذكره في معجمه. إليه المنتهى في معرفة اللغة وحسن الشعر وديوانه، ومدائحه سائرة وكان حسان وقته، وكان ذكيا يتوقد نورا، وكان
стр. 3459
ينظم على البديهة سريعا أشياء حسنة فصيحة بليغة، وقد نظم الكافي الذي ألفه موفق الدين ابن قدامة ومختصر الخرقي، ويقال إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بتمامه في اللغة. وكان صالحا قدوة كثير التلاوة عظيم الاجتهاد، صبورا قنوعا، وكان شديدا في السنة، منحرفا على المخالفين لها، وشعره مملوء بذكر أصول السنة ومدح أهلها وذم مخالفيها. وتوفي ﵀ مقتولا سنة ست وخمسين وستمائة.
موقفه من الرافضة:
قال ﵀ في داليته التي أولها:
واها لفرط حرارة لا تبرد ... ولواعج بين الحشا تتوقد
في كل يوم سنة مدروسة ... بين الأنام وبدعة تتجدد
صدق النبي ولم يزل متسربلا ... بالصدق إذ يعد الجميل ويوعد
إذ قال يفترق الضلال ثلاثة ... زيدت على السبعين قولا يسند
وقضى بأسباب النجاة لفرقة ... تسعى بسنة مهتدين وتحفد
فإن ابتغيت إلى النجاة وسيلة ... فاقبل مقالة ناصح يتقلد
إياك والبدع المضلة إنها ... تهدي إلى نار الجحيم وتورد
وعليك بالسنن المنيرة فاقفها ... فهي المحجة والطريق الأقصد
فالأكثرون بمبدعات عقولهم ... نبذوا الهدى فتنصروا وتهودوا
منهم أناس في الضلال تجمعوا ... وبسب أصحاب النبي تفردوا
قد فارقوا جمع الهدى وجماعة الإسـ ... ـلام واجتنبوا الهدى وتمردوا
بالله يا أنصار دين محمد ... نوجوا على الدين الحنيف وعددوا
стр. 3460
لعبت بدينكم الروافض جهرة ... وتألبوا في دحضه وتحشدوا
نصبوا حبائلهم بكل بلية ... وتغلظوا في المعضلات وشددوا
ورموا خيار الخلق بالكذب الذي ... هم أهله، لا من رموه وأفسدوا
عابوا الصحاب وهم أجل مراتبا ... في الفخر في أفق السماء وأمجد
ولرتبة الصديق جف لسانهم ... يبغون وهي من التناول أبعد
أو ما هو السباق في عرف العلى ... ولقد زكى من قبل منه المحتد
ولقد أشار بذكره رب العلى ... فثناؤه في المكرمات مسدد
نطق الكتاب بمجده الأعلى ففي ... آي الحديد مناقب لا تنفد
(لا يستوي منكم) وفيها مقنع ... و (الليل) يثبت فضله ويؤكد
و (براءة) تثني بصحبته وهل ... يزرى على الصديق إلا ملحد
أو ما هو الأتقى الذي استولى عـ ... ـلى الإخلاص طارف ماله والمتلد
لما مضى لسبيله خير الورى ... وحوى شمائله صفيح ملحد
منع الأعاريب الزكاة لفقده ... وارتد منهم حائر متردد
وتوقدت نار الضلال وخالطت ... إبليس أطماع كوامن رصد
فرمى أبو بكر بصدق عزيمة ... وثبات إيمان ورأي يحمد
فتمزقت عصب الضلال وأشرقت ... شمس الهدى وتقوم المتأود
وهو الموفق للصواب كأنما ... ملك يصوب قوله ويسدد
بوفاقه آي الكتاب تنزلت ... وبفضله نطق المشفع أحمد
لو كان من بعدي نبيا كنته ... خبرا صحيحا في الرواية يسند
وبعدله الأمثال تضرب في الورى ... وفتوحه في كل قطر توجد
стр. 3461
وتمام فضلها جوار المصطفى ... في تربة فيها الملائك تحشد
وتعمقوا في سب عثمان الذي ... ألفاه كُفُوًا لابنتيه محمد
ولبيعة الرضوان مد شماله ... عوض اليمين وهي منه أوكد
وحباه في بدر بسهم مجاهد ... إذ فاته بالعذر ذاك المشهد
من هذه من بعض غر صفاته ... ما ضره ما قال فيه الحسد
ثم ادعوا حب الإمام المرتضى ... هيهات مطلبهم عليهم يبعد
أنى وقد جحدوا الذين بفضلهم ... أثنى أبو الحسن الإمام السيد
ما في علاه مقالة لمخالف ... فمسائل الإجماع فيه تعقد
ولنحن أولى بالإمام وحبه ... عقد ندين به الإله مؤكد
وولاؤه لا يستقيم ببغضهم ... واضرب لهم مثلا يغيظ ويكمد
مثل الذي جحد ابن مريم وادعى ... حب الكليم وتلك دعوى تفسد
وبقذف عائشة الطهور تجشموا ... أمرا تظل له الفرائص ترعد
تنزيهها في سبع عشرة آية ... والرافضي بضد ذلك يشهد
لو أن أمر المسلمين إليهم ... لم يبق في هذي البسيطة مسجد
ولو استطاعوا لا سعت بمرامهم ... قدم ولا امتدت بكفهم يد
لم يبق للإسلام ما بين الورى ... علم يسود ولا لواء يعقد
علقوا بحبل الكفر واعتصموا به ... والعالقون بحبله لم يسعدوا
موقفه من الجهمية:
كان يحيى الصرصري من الشعراء، وله قصائد كثيرة ذكر بعضها ابن
стр. 3462
القيم في اجتماع الجيوش. (١)
قال ﵀ في قصيدته اللامية التي نظم فيها اعتقاد الشافعي ﵁ التي أولها:
أيشعر حزب الجهم ذاك المضلل ... بأني حرب للعدى غير أفكل
تشن عليهم غيرتي وحميتي ... لدين الهدى غارات أشوس مقبل
فوقع قريضي في صميم قلوبهم ... أشد عليهم من سنان ومنصل
أفوق عليهم حين أنظر نحوهم ... مقاتل تصمي منهم كل مقتل
هم انحرفوا عن منهج الحق سالكي ... مهالك من تحريفهم والتأول
لقد برئ الحبر ابن إدريس منهم ... براءة موسى من يهود محول
ويعقد عند الشافعي يمين مَنْ ... غدا حالفا بالمصحف المتقبل
فهذا دليل منه إذ كان لا يرى ... انعقادا بمخلوق لخلق مؤبل
ومذهبه في الاستواء كمالك ... وكالسلف الأبرار أهل التفضل
ومستويا بالذات من فوق عرشه ... ولا تقل: استولى، فمن قال يبطل
فذلك زنديق يقابل قسوة ... لذي خطل راوي لعيب معطل
وهو بان منه خلقه وهو بائن ... من الخلق، محض للخفي مع الجلي
وأقرب من حبل الوريد مفسِّرا ... وما كان معناه به العلم فاعقل
علا في السماء الله فوق عباده ... دليلك في القرآن غير مقلل
وإثبات إيمان الجويرية اتخذ ... دليلا عليه مسند غير مرسل (٢)
стр. 3463
وقال ﵀ في قصيدته اللامية يهجو ابن خنفر الجهمي الخبيث:
نبذ الكتاب وراء ظهر واقتدى ... شيخ الضلالة للصفات يعطل
وعقيدة الملعون أن المصحف المكنـ ... ـون منبوذ تطؤه الأرجل
ما قالت الكفار مثل مقالته ... وكذا النصارى واليهود الضلل
آل الجحود به إلى واد لظى ... للغاية السفلى فبئس الموئل
وزعمت أن الحنبلي مجسم ... حاشا لمثل الحنبلي يمثل
بل يورد الأخبار إذ كانت تصححها ... الرواة عن الثقات وتنقل
إن المهيمن ليس تمضي ليلة ... إلا وفي الأسحار فيها ينزل
قد قالها خير الورى في صحبه ... لم ينكروا هذا ولم يتأولوا
وتقبلوها مع غزارة علمهم ... أفأنت أم تلك العصابة أعقل (١)
وقال ﵀ في داليته (٢):
وأشدهم كفرا جهول يدعي ... علم الأصول وفاسق متزهد
فَهُمُو وإن وهنوا أشد مضرة ... في الدين من فأر السفين وأفسد
وإذا سألت فقيههم عن مذهب ... قال: اعتزال في الشريعة يلحد
كالخائض الرمضاء أقلقه اللظى ... منها ففر إلى جحيم يوقد
إن المقال بالاعتزال لخطة ... عمياء حل بها الغواة المرد
هجموا على سبل الهدى بعقولهم ... ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا
صم إذا ذكر الحديث لديهم ... نفروا كأن لم يسمعوه وأبعدوا
стр. 3464
واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت ... أسد العرين فهن منهم شردوا
إلى أن قال:
والجاحد الجهمي أسوأ منهما ... حالا وأخبث في القياس وأفسد
أمسى لرب العرش قال منزها ... من أن يكون عليه رب يعبد
ونفى القرآن برأيه والمصحف ... الأعلى المطهر عنده يتوسد
وإذا ذكرت له على العرش استوى ... قال: هو استولى، يحيل ويخلد
فإلى من الأيدي تمد تضرعا ... وبأي شيء في الدجى يتهجد
ومن الذي هو للقضاء منزل ... وإليه أعمال البرية تصعد
وبما ينزل جبرائيل مصدقا ... ولأي معجزة الخصوم تبلد
ومن الذي استولى عليه بقهره ... إن كان فوق العرش ضد أيد
جلت صفات الحق عن تأويلهم ... وتقدست عما يقول الملحد
لما نفوا تنزيهه بقياسهم ... ضلوا وفاتهم الطريق الأرشد
ويقول: لا سمع ولا بصر ولا ... وجه لربك، ذي الجلال ولا يد
من كان هذا وصفه لإلهه ... فأراه للأصنام سرا يسجد
الحق أثبتها بنص كتابه ... ورسوله، وعدا المنافق يجحد
فمن الذي أولى بأخذ كلامه ... جهم أم الله العلي الأمجد
والصحب لم يتأولوا لسماعها ... فهم إلى التأويل أم هو أرشد
هو مشرك ويظن جهلا أنه ... في نفي أوصاف الإله موحد
يدعو من اتبع الحديث مشبها ... هيهات ليس مشبها من يسند
لكنه يروي الحديث كما أتى ... من غير تأويل ولا يتردد
стр. 3465
وإذا العقائد بالضلال تخالفت ... فعقيدة المهدي أحمد أحمد
هي حجة الله المنيرة فاعتصم ... بحبالها لا يلهينك مفسد
إن ابن حنبل اهتدى لما اقتدى ... ومخالفوه لزيغهم لم يهتدوا
ما زال يقفو راشدا أثر الهدى ... ويروم أسباب النجاة ويجهد
حتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ... ما فوقها لمن ابتغاها مصعد
نصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل ... في فتنة نيرانها تتوقد
ما صده ضرب السياط ولا ثنى ... عزماته ماضي الغرار مهند
فهناه حب ليس فيه تعصب ... لكن محبة مخلص يتودد
وودادنا للشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ليس فيه تردد
أبو العباس بن عمر القرطبي (١) (٦٥٦ هـ)
الفقيه المحدث أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، أبو العباس ضياء الدين الأنصاري القرطبي. ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وسمع بها من علي بن محمد اليحصبي وأبي محمد بن عبد الله بن سليمان بن حوط الله، وبتلمسان من محمد بن عبد الرحمن التجيبي، وبمصر من أبي إبراهيم عوض بن محمود تقي الدين.
قال الذهبي: كان بارعا في الفقه والعربية، عارفا بالحديث. وقال ابن فرحون: كان من الأئمة المشهورين والعلماء المعروفين، جامعا لمعرفة علوم،
стр. 3466
منها: علم الحديث والفقه والعربية وغير ذلك. أخذ عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المفسر وأبو محمد عبد المؤمن الدمياطي وأبو الحسن بن يحيى القرشي. له كتاب المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم وتلخيص صحيح مسلم ومختصر البخاري والإعلام بمعجزات النبي ﷺ وغيرها.
تنبيه: سقط القرطبي في حمأة التأويل على عادة الأشاعرة، فأول صفة العلو واليد والإصبع وغيرها.
توفي ﵀ بالإسكندرية في رابع عشر ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة.
موقفه من المبتدعة:
- قال في مسألة قراءة القرآن بالألحان: وقد أجاز ذلك أبو حنيفة وجماعة من السلف، وقال بجوازه الشافعي في التحزين وكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا يشك في أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو فيما إذا لم يغير التلحين لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو ينبهم معناه بترديد الأصوات، والتقطيعات، وتكرر النغمات، حتى لا يفهم السامع ما يقرؤه القارئ، فهذا مما لا يشك فيه أنه حرام فأما إذا سلم من تلك الأمور، وحذا به حذو أساليب الغناء والتطريب، والتحزين فهو الذي اختلف فيه، فنقول: إن ذلك لا يجوز لوجهين:
أحدهما: أن كيفية قراءة القرآن نقلت إلينا نقلاً متواتراً، وليس فيها شيء مما يشبه التلحين، ولا أساليب إنشاد الأشعار، فينبغي ألا يجوز غيرها، وإنما قلنا ذلك، لأنا قرأنا القرآن على مشايخنا، وهم العدد الكثير، والجم
стр. 3467
الغفير، ومشايخنا على مشايخهم، وهكذا إلى العصر الكريم، وتلقينا عنهم كيفية قراءته بالمشافهة، فلو كان التلحين فيه مشروعاً لتعلموه من مشايخهم، ولنقلوه عنهم، كما نقلوا عنهم المد والقصر وما بين اللفظين والإمالة والفتح والإدغام والإظهار، وكيفية إخراج الحروف على مخارجها، فإنه لما نقله الخلف عن السلف وعلموا عليه اتصل ذلك لنا وتلقناه عنهم، وهذا جاء مع توفر الدواعي على النقل وكثرة المتعمقين من القراء الغالين في كيفية قراءته، ومع ذلك فلم ينقل عن أحد من القراء المشاهير ولا عن الرواة عنهم شيء من ذلك، فدل ذلك على أن تلحين القرآن ما كان معروفاً عندهم، ولا معمولاً به فيما بينهم، فوجب ألا يعمل به، ولا يعرج عليه، فإنه أمر محدث، «وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١)، كما قاله ﷺ . (٢)
- وقال في رده لشبهة النظر إلى المعنى، وهو أنه قراءته بالألحان ينشط السامع، وتطيب له القراءة فينتفي عنه الملل ... قال: إنا لا نسلم أن كل ما استخرج خشوعاً ورقّةً وبكاءً يكون مندوباً إليه ولا مباحاً، فإن ذلك ينتقض بالأوتار وبعض المزامير، والندب في النياحة فإنها تستخرج كل ذلك، وهي محرمة.
سلمنا ذلك، لكنها تجر أيضاً إلى أمور ممنوعة كما سيأتي، وإذا أمكن أن يحصل منها مصلحة ومفسدة، وليست إحداهما راجحة منع الكل اتقاءً للمفسدة، وترجيحاً لجانبها فينبغي أن لا يكون التطريب بالقرآن مشروعاً.
стр. 3468
سلمنا أن كل ما ذكروه من الاستدلال بالنوعين صحيح، لكنهما إنما يفيدان غلبة الظن فإنها ظواهر وقياس، غير أنهما في مقابلة المتواتر المقطوع به، وهو مما قدمناه من أن كيفية القراءة المتواترة ليس فيها تلحين ولا تطريب، فلا يكون ذلك مشروعاً، فإنها زيادة على القدر المتواتر إذ لم يقرأ بها النبي ﷺ ولا على من نقل القرآن عنه فيكون مقطوعاً بنفيها، وبهذه الطريق قطعنا بنفي صلاة سادسة، وبنفي ركعة رابعة في المغرب، إذ قد نقل كل ذلك بالعمل المتواتر، فليلزم نفي غيره، والله أعلم.
وأما الوجه الثاني: من الوجهين السابقين، فهو أن قراءة القرآن بألحان الشعر تؤدي إلى أمور ممنوعة فيكون ممنوعاً.
أولها: الزيادة والنقصان في القرآن، وذلك أن التلحين لا بد فيه من ترنين وتمطيط، وذلك يقتضي الزيادة في المدات، والحروف ولا بد فيه من تقطيع وتقصير وذلك يقتضي النقصان.
وثانيها: تشبيه القرآن بالغناء الذي هو لهو ولعب وهزل، وقد نزه الله تعالى القرآن عن كل ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ (١).
وثالثها: تشبيهه بالشعر، وقد نزهه الله عن الشعر وأحواله بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ (٢) وبقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ
стр. 3469
الشِّعْرَ﴾ (١).
ورابعها: أنه يؤدي إلى إبهام معانيه، وإعجامها على سامعيه، فقد سمعنا التلحين له ولم نعرف ما يقولون إلا بعد أن سمعنا كلمة أو كلمتين من القرآن، فعرفنا أن الذي يغنونه قرآن وحاشى المجيز للقراءة بالألحان من الفقهاء أن يجيز تلك القراءة الشنعاء، ولو سمع عمر بن الخطاب تلك القراءة مرة لعلا دماغ قارئها بالدرة، فقد ثبت بتلك المسائل ما ذهب إليه مالك. (٢)
• موقفه من الصوفية:
- لقد أفرد الشيخ ﵀ كتاب 'كشف القناع عن حكم الوجد والسماع' في الرد على هذه الطائفة فقال في خطبته:
فاعلم وفقنا الله وإياك، إن شياطين الإنس والجان، من الزنادقة والبطالين المجان، لم يزالوا يعادون أهل الأديان على مرّ الحقب، وتوالي الأزمان، من غير فتور ولا توان، يلقون الشبه على العلماء، ويستذلون أغمار الضعفاء، فأما العلماء فلا يزالون كاشفين عن تمويههم، ومظهرين تلبيس تضليلهم، فكلما هبت رياح الباطل أسكنها زعازع الدلائل، كل ذلك وفاء بمضمون ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ (٣).
وأما الضعفاء، فقد تم للشياطين والزنادقة عليهم مرامهم، وأصمتهم سهامهم، وجرت عليهم أحكامهم، فهم يسلكون بهم أيه سلكوا، ويهلكونهم
стр. 3470
فيمن أهلكوا، حتى وسموهم وهم لا يشعرون بسمة الرعاع الغثر الذين لا يعقلون، فلما تمت عليهم حيل مكرهم، وحصلوا في قبضتهم، وأسرهم، وضحكوا منهم، وسخروا بهم، حتى انتهى الحال بطائفة من المنتمين إلى الخير، والعبادة، والزهد، والإرادة، إلى أن اعتقدوا أن الرقص بالأكمام، والاهتزاز بالأردان، على صلاصل الطارات، وتقطيع المزامير والشبابات، بأرق الأصوات والتلحينات، من أفضل العبادات، وأجلّ القربات، وزعموا أن ذلك يحصل لهم من المشاهدات السنية، والأذواق الحالية، والمكاشفات الإلهية، ما لا يصفه واصف، ولا يدرك كنهه إلا عارف، فجعلوا ذلك شعارهم، ودثارهم، وقطعوا في ذلك ليلهم ونهارهم، واكتفوا بذلك عن المجاهدات والأوراد، بل قالوا: قد وصلنا إلى المطلوب، وظفرنا بالمراد، وسموا ذلك بالسماع، وأتوا في ذلك بما تنفر عنه العقول، وتمجه الأسماع، وهذه كلها نتائج الجهل الصميم، والفهم السقيم، والطبع غير المستقيم، الجانح عن الخيرات والعبادات، الجانح إلى اللهو والشهوات، مع تزيين الشياطين المطيعة وتسويل النفوس المردية، وحيل الزنادقة المضنية، والعصمة من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. (١)
- وقال في السماع عند الصوفية: فأما الصوفية: فمتقدموهم كانوا يطلقون السماع على فهم يقع لأحدهم بغتة، يكون عنده وجد وغيبة، سواء كان ذلك في نظم أو نثر أو غيرهما، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. وأما عند الملقبين اليوم بالصوفية في هذه الديار، فهو عبارة عن مجموع أمور