← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

- وفيه: وفي الحديث (١) إثبات الشفاعة، وأنكرها الخوارج والمعتزلة، وهي أنواع أثبتها أهل السنة، منها: الخلاص من هول الموقف، وهي خاصة بمحمد رسول الله المصطفى ﷺ كما تقدم بيان ذلك واضحا في الرقاق، وهذه لا ينكرها أحد من فرق الأمة. ومنها: الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب، وخص هذه المعتزلة بمن لا تبعة عليه. ومنها: الشفاعة في رفع الدرجات، ولا خلاف في وقوعها. ومنها: الشفاعة في إخراج قوم من النار عصاة أدخلوها بذنوبهم وهذه التي أنكروها، وقد ثبتت بها الأخبار الكثيرة، وأطبق أهل السنة على قبولها وبالله التوفيق. (٢) - وفيه: قال الأئمة: هذه الآية -أي قوله تعالى: ﴿وكلم اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٣) - أقوى ما ورد في الرد على المعتزلة. (٤) تنبيه: لابن حجر ﵀ تأويلات لجملة من صفات الله منها تأويله: - صفة العين. (٥) - صفة الوجه: قال في قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا

стр. 4062

وَجْهَهُ﴾ والمراد بالوجه الذات ... (١) - كما تردد في الصوت بين التفويض والتأويل. (٢) - تبنيه لقول الأشاعرة في القرآن ونفيه الصوت والحرف. (٣) موقفه من الخوارج: - قال الحافظ عقب حديث أبي بكرة «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار» (٤): قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلا. وقيل هو محمول على من استحل ذلك، ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من قوله: "فهما في النار" استمرار بقائهما فيها. (٥) - وقال في شرح حديث ابن عمر أنه لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة (٦)، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله

стр. 4063

ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه. وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وأنه لا ينخلع بالفسق. (١) - وقال: أما الخوارج فهم: جمع خارجة أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي ﵁ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ﵁ ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله أو مواطأته إياهم، كذا قال. وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك،

стр. 4064

فبلغ عليا فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق. ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان علي أرسل اليه لأن يبايع له أهل الشام، فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك. وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلي أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا إلى قتاله، فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما أشهرا، وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصا القراء القتال بسبب ذلك تدينا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) الآية، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حكما منكم وحكما منا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج، وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه

стр. 4065

أمير المؤمنين علي معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا أكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضا، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل ستة آلاف، ونزلوا مكانا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة، ومن ثم قيل لهم: الحرورية. وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري، وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي، فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: "لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا". وخرجوا شيئا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضا فأرادوا قتل رسوله، ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى الفعل. فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن

стр. 4066

الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سرية وهي حامل، فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة. فهذا ملخص أول أمرهم، ثم انضم إلى من بقى منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولى الخلافة عبد الله ابن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الابط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرا، وإن لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا، وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم، ومنهم من

стр. 4067

يدعو أولا ثم يفتك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم، فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب. وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف -بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه لوط بن يحيى- كتابا لخصه الطبري في تاريخه. وصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي كتابا، ومحمد بن قدامة الجوهري -أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح- كتابا كبيرا، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه 'الكامل'، لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضى بالتحكيم كفار. والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا. وقال غيره: بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني، لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. (١) موقفه من المرجئة: قال ﵀: قوله: (وهو) أي الإيمان (قول وفعل ويزيد وينقص) وفي رواية الكشميهني: "قول وعمل" وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك، ووهم ابن التين فظن أن قوله (وهو) إلى آخره مرفوع لما رآه معطوفاً، وليس ذلك مراد المصنف، وإن كان ذلك ورد بإسناد ضعيف. والكلام هنا في مقامين: أحدهما كونه قولاً وعملاً، والثاني: كونه يزيد وينقص. فأما

стр. 4068

القول: فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات. ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله. ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. والكرامية قالوا: هو نطق فقط. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحته، والسلف جعلوها شرطاً في كماله. وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى. أما بالنظر إلى ما عندنا: فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته. وأثبتت المعتزلة الواسطة. فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر. وأما المقام الثاني: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص. وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا: متى قبل ذلك كان شكا. قال الشيخ محيي الدين: والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصدّيق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة. ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض

стр. 4069

الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكلاً منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه: 'تعظيم قدر الصلاة' عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك ابن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم. وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في 'كتاب السنة' عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين. وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة، وقال الحاكم في مناقب الشافعي: حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحلية (١) من وجه آخر عن الربيع وزاد: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٢) الآية. ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة،

стр. 4070

وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة. (١) موقفه من القدرية: - قال في الفتح: وأما قوله في الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ (٢) فقد تمسك بها المعتزلة، وقالوا إن فيها ردا على أهل السنة. والجواب أن أهل السنة تمسكوا بأصل قامت عليه البراهين: وهو أن الله خالق كل مخلوق، ويستحيل أن يخلق المخلوق شيئا، والإرادة شرط في الخلق ويستحيل ثبوت المشروط بدون شرطه، فلما عاند المشركون المعقول وكذبوا المنقول الذي جاءتهم به الرسل وألزموا الحجة بذلك تمسكوا بالمشيئة والقدر السابق، وهي حجة مردودة لأن القدر لا تبطل به الشريعة وجريان الأحكام على العباد بأكسابهم فمن قدر عليه بالمعصية كان ذلك علامة على أنه قدر عليه العقاب إلا أن يشاء أن يغفر له من غير المشركين، ومن قدر عليه بالطاعة كان ذلك علامة على أنه قدر عليه بالثواب، وحرف المسألة أن المعتزلة قاسوا الخالق على المخلوق وهو باطل، لأن المخلوق لو عاقب من يطيعه من أتباعه عد ظالما لكونه ليس مالكا له بالحقيقة، والخالق لو عذب من يطيعه لم يعد ظالما لأن الجميع ملكه فله الأمر كله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل. (٣)

стр. 4071

- وقال: قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) هذه الآية مما تمسك بها المعتزلة لقولهم فقالوا: هذا يدل على أنه لا يريد المعصية، وتعقب بأن معنى إرادة اليسر التخيير بين الصوم في السفر ومع المرض، والإفطار بشرطه. وإرادة العسر المنفية الإلزام بالصوم في السفر في جميع الحالات، فالإلزام هو الذي لا يقع لأنه لا يريده وبهذا تظهر الحكمة في تأخيرها عن الحديث المذكور والفصل بين آيات المشيئة وآيات الإرادة، وقد تكرر ذكر الإرادة في القرآن في مواضع كثيرة أيضا، وقد اتفق أهل السنة على أنه لا يقع إلا ما يريده الله تعالى، وأنه مريد لجميع الكائنات وإن لم يكن آمرا بها. وقالت المعتزلة لا يريد الشر لأنه لو أراده لطلبه، وزعموا أن الأمر نفس الإرادة، وشنعوا على أهل السنة أنه يلزمهم أن يقولوا إن الفحشاء مرادة لله وينبغي أن ينزه عنها، وانفصل أهل السنة عن ذلك بأن الله تعالى قد يريد الشيء ليعاقب عليه، ولثبوت أنه خلق النار وخلق لها أهلا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا؛ وألزموا المعتزلة بأنهم جعلوا أنه يقع في ملكه ما لا يريد. (٢) - وقال: والمراد هنا الإشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندا، وقد ورد فيه الوعيد الشديد فيكون اعتقاده حراما. (٣) الجزولي وضلاله (٨٧٠ ه ـ)

стр. 4072

ذكر صاحب 'الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام' نقولاً للجزولي يظهر منها إغراقه في التصوف والضلال منها قوله: قال ﵁: رأيت النبي ﷺ فقال لي: أنا زين المرسلين، وأنت زين الأولياء. (١) وقال ﵁: معشرَ الإخوان ليس هنا معكم إلا جسمي، وأما أنا قد مشيت إليه وصرت معه، معشر الإخوان تهت ووصلت وصولاً لم يصله أحد قطّ. (٢) وقال ﵁: قيل لي: يا عبدي، من أراد أن ينظر في وجه أبي بكر الصديق ﵁ فلينظر في وجهك، وقال ﵁: لا تقولوا رحمكم الله إني آخذ العلم من الأرض أو من السماء، بل آخذه من الملك الحقّ من غير أرض ولا سماء، وقال ﵁: معشر المريدين انظروا إلى مولاكم وهو معي ليس لي نظر إلا فيه، كماله قد عمّ صدري وعم حياتي وعمني طول حياتي، كماله قد أفناني عما سواه، وقال ﵁: معشر المريدين فرّحوني بتعظيم ربي وإجلاله وجماله، أنا معه وأنتم لم تشتغلوا بشيء، غبت في أنوار كماله ومشاهدة جلاله وجماله، ألا لعنة الله على من عبر عن مقام غير مقامه. (٣) وقال ﵁: يا من كان ينظر إليّ في الأرض فانظر إلي في

стр. 4073

السماء وفي العرش وفوق ذلك، أما علمتم أن الأقطاب تحتاج إليهم جميع المكونات هم في مقام النبوة يفشون السر، يا من كان سعيداً فعليك بالمشي إليهم ولو كان من بغداد، المشي إليهم نور ورحمة وسر في القلوب. (١) وقال: ليس العزيز من تعزز بالقبيلة وحسب الجاه، وإنما العزيز من تعزز بالشرف والنسب، أنا شريف في النسب، جدي رسول الله ﷺ ، وأنا أقرب إليه من كل ما خلق الله، وعنايتي في الأزل مصبوغة بالذهب والفضة، يا من أراد الذهب والفضة فعليك باتباعنا، ومن تبعنا يسكن في أعلى عليين في دار الدنيا والآخرة، ودولتنا كانت الأمم الماضون تدعو أن يلحقوا بها، ولكن لا يلحق بها إلا من سبقت له السعادة، ودولتنا دولة المجتهدين المجاهدين في سبيل الله القاتلين أعداء الله، ملوك الأرض كلها في يدي وتحت قدمي، معشر المسلمين أما علمتم أن المصطفى ﷺ قريب مني وحكمه في يدي، من تبعني فهو متبع له، ومن لم يتبعني فليس بمتبع له، سمعته ﷺ يقول: أنت المهدي، من أراد أن يسعد فليأت إليك، معشر المسلمين كونوا من أمة المصطفى ﷺ ، ولا تكونوا من أعدائه بالتكذيب والنكران والغش والخيانة، معشر المسلمين خلق الله لكم من يهديكم في آخر الزمان فاحمدوه، معشر المسلمين لا يبغضنا على دين الله إلا من ليس له دنيا ولا آخرة، ولا يحسدنا على طاعة الله إلا من ليس له حظ عند الله ، وقال ﵁: قيل لي يا عبدي خصصتك بعنايتي في الأزل، فلا أحد يصل إلى عنايتك، يا عبدي سيادتك على أهل المشرق والمغرب الماضين والباقين، يا عبدي وصلتك إلى

стр. 4074

مقام لا يصل إليه أحد من الواصلين، وقال ﵁: قيل لي: يا عبدي تاهت العقول فيما أعطيتك، وما بقي لك عندي أكثر وأعظم من قبل إقدامك بالحب والشوق أُثبته يوم القيامة بالعفو والصفح، يا عبدي تنافست الأولياء فيما أعطيتهم ولا يبلغ أحد ما أعطيتك من كرامتي، يا عبدي لو كانت الملائكة كتابا، والأشجار أقلاما، والبحار مداداً، لا يكتبون من أحوالك السنية إلا مقدار ما يكتب الولد الصغير في اللوح من الأسطار، يا عبدي لا يبلغ أحد مقامك من أوليائي، سبق ذلك في علم الغيب عندي، وعزتي وجلالي لأعطيتك يوم القيامة حكما على أوليائي. (١) وقال ﵁: قيل لي: يا عبدي فضلتك على جميع خلقي بكثرة صلاتك على نبيي يا عبدي من أطاعك من الأولياء فقد أطاعني ومن عصاك من الأولياء فقد عصاني، ومن تكبر عليك من أولياء الزمان سلبته من نوري. (٢) ثم ذكر له كرامات منها قوله: من كرامات القطب الجزولي ﵁ أن بعض من احترم به لما أخرج كرهاً عليه من ضريحه الشريف رأى بعضهم مناما الشيخ رمى بيدي ورجلي من أخرجه في طنجير يغلي بباب قبته، فأصبح المجترئ المذكور معطَّل الجوارح المذكورة وما زال يُبلى بالمصائب والعياذ بالله من التجرئ على أوليائه، فإن الله تعالى يغارُ لهم، وهذه القضية وقعت في عصرنا، أصحبنا الله

стр. 4075

تعالى السلامة والعافية في الدارين، وأدام ستره علينا آمين. (١) وقال: وقد ذكر في 'تحفة الإخوان' العلامة الطاهري ما نصه: ومن كراماته ﵁ ما أخبرني سيدي ومولاي قاسم في هذا المعنى: قال لي ﵀: كنت أعرف رجلاً من أصحاب سيدي محمد بن ناصر ﵀، وكان أخذ عنه ولازمه إلى أن مات، فلم يستخلف من بعده أحداً، لا ولده سيدي أحمد ولا غيره، وظهر له أنه حصل على شيء وأنه استغنى عن معرفة الأشياخ، فتولته الشياطين، وصحبه الجان، وجعلوا ينصحونه في زعمه ويطلعونه على العجائب مما هو مخصوص بجنسهم، ويطوفونه على قبائلهم حتى كان يعرف جمّاً غفيرا منهم، فركن لذلك وفُتن به، وشغله عن ورده وعبادته، وجعل يكثر من لغو الكلام والفضول ويهرتل ولا يعلم ما يقول، قال مولاي قاسم ﵀: فكان ذلك الرجل يحدثني بما وقع له لما تحقق ذلك من نفسه، ولما سبق له من السعادة ببركة شيخه، قال لي: لما اشتد علي الحال جعلت أرقى على الآكام والجبال وأنادي بأعلى صوتي: الغياث الغياث يا أولياء الله، الغياث الغياث، تشفعت لكم برسول الله ﷺ ويذكر ويعيّن كل من يعرف من الأولياء باسمه، ويكثر من النداء على شيخه، قال فبينما أنادي في بعض الأيام إذ أقبلت علي كتيبة من الخيل، فلما دنت مني جاءني عدو من الجن كان يعرفني وخطفني ووضعني على عنقه وفرّ بي أمامهم، فجعلت الكتيبة من الخيل تتبعنا وهو يسبق أمامهم وهم في طلبه، يسمع جريهم وصياحهم وجعلوا يتأخرون عنا زمراً زمراً حتى لم يبق في طلبنا إلا أربعة

стр. 4076

رجال؛ اثنان منهم على فرسين أحدهما أدهم والآخر أشهب، واثنان طائران. قال: فخاض بي البحر فخاضوا في طلبه فخرج إلى البر فتبعونا، فلما تحقق الهلاك وتعذر له منهم الفكاك رماني وفر أمامهم، فلحقوه وقتلوه وجاؤوا بي. فقلت لهم: نشدتكم الله أخبروني من أنتم الذين تفضل الله علي بهم؟ قال: فقال له صاحب الفرس الأشهب: أنا عبد السلام بن مشيش، وقال صاحب الأدهم: أنا أبو يعزى، وقال أحد الطيور: أنا محمد بن سليمان الجزولي أو قال: أبو سلهام، الشك من مولاي قاسم ﵀، قال: والغالب على ظني أنه قال: أبو سلهام، وقال الرابع: أنا عبد الله بن إبراهيم -يعني شيخنا مولانا عبد الله الشريف- نفعنا به وحشرنا في زمرته. انتهى ما كتبت في 'إظهار الكمال'. (١) وله كتاب 'دلائل الخيرات' جمع فيه من الحديث الضعيف والمكذوب ومن الصلوات المبتدعة صيغةً وعدداً الشيء الكثير ووصف النبي ﷺ بأسماء وأوصاف لم ترد في الكتاب ولا في السنة إلى كثير من العقائد الباطلة التي بثها في كتابه كقوله بوحدة الوجود وكتوسله بالمخلوقات وذلك مبسوط في كتابنا 'وقفات مع الكتاب المسمى بدلائل الخيرات' وهو مطبوع متداول فليرجع إليه من شاء الوقوف على ذلك. وإليك بعض النماذج من هذا الكتاب المشؤوم: قال في الدلائل مقرِّراً لعقيدة وحدة الوجود (٢): اللهم جدد من صلواتك

стр. 4077

التامات وتحياتك الزاكيات على الذي أقمته لك ظلاًّ، وجعلته لحوائج خلقك قبلة ومحِلاًّ، وأظهرته بصورتك، واخترته مستوى لتجليك، ومنزلاً لتنفيذ أوامرك ونواهيك في أرضك وسمواتك، وواسطة بينك وبين مكوَّناتك. (١) وقال وهو يتوسل بالمخلوقات: أسألك بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام والمشعر الحرام وقبر نبيك ﵇. (٢) وقال وهو يمجد الله بزعمه: يا أزلي يا أبدي يا دهري يا ديمومي. (٣) وقال وهو يصف النبي ﷺ بأوصاف لا تليق إلا بالله: اللهم صل على مجلي الظلمة اللهم صل على مولي النعمة اللهم صل على موتي الرحمة. (٤) ووصفه أيضاً بقوله: محيي، مدعو، مجيب، متين، غوث، غياث، جبار، مهيمن، شاف، كاشف الكرب، رافع الرتب، صاحب الفرج، حق، عفو، وكيل. وسماه أيضاً بأسماء لم ترد في الكتاب ولا في السنة، بل بعضها مستهجن لا يقره عاقل كتسميته بأحيد، رسول الراحة، إكليل، حريص عليكم، معلوم، شهير، سراج، مصباح، هدى، قدم صدق، رحمة، بشرى، غيث، عروة وثقى، حزب الله، النجم الثاقب، أجير، مبرّ، مقدس، روح القدس، روح الحق، روح القسط، موصول، مفتاح، دليل الخيرات، مصحح الحسنات، مقيل العثرات، صفوح عن الزلات، صاحب القدم، صاحب الإزار، صاحب الرداء، صاحب القضيب، أذن خير، عين النعيم، عين الغرّ،

стр. 4078

عز العرب، ... إلخ. (١) إبراهيم بن عمر البِقَاعِي (٢) (٨٨٥ هـ) الإمام الكبير برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط البقاعي، الشافعي المحدث المفسر، الإمام العلامة المؤرخ. ولد سنة تسع وثمانمائة بقرية من عمل البقاع، ونشأ بها ثم تحول إلى دمشق ثم فارقها ودخل بيت المقدس ثم القاهرة. قرأ على التاج بن بهادر في الفقه والنحو. وعلى ابن الجزري القراءات، وأخذ عن ابن ناصر الدين وابن حجر والعماد بن شرف وغيرهم. وبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وناظر وانتقد حتى على شيوخه، وصنف تصانيف عديدة من أجلها: 'نظم الدرر في تناسب الآي والسور' و'الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل' و'القول المألوف في الرد على منكر المعروف' و'تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي'. وقد تعرض رحمه الله تعالى لعدة محن وشدائد ومناهدة العظائم من معاصريه. وتوفي رحمه الله تعالى بعد أن تفتت كبده في ليلة السبت ثامن عشر رجب سنة خمس وثمانين وثمانمائة.

стр. 4079

موقفه من الصوفية: له من الآثار السلفية: ١ - 'تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي'. ٢ - 'تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد' وطبع الكتابان تحت عنوان: 'مصرع التصوف' بتحقيق عبد الرحمن الوكيل ﵀. ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ ه ـ) هذا الشخص معروف بالتصوف مما أورثه عداوة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن له كلمات جيدة في القبورية وفي فضح الروافض وبيان ضلالهم. موقفه من المشركين: - قال في الزواجر: ومن الكبائر اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانا، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها. (١) - وقال: وأما اتخاذها أوثانا فجاء النهي عنه بقوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري وثنا يعبد بعدي» (٢) أي لا تعظموه تعظيم غيركم لأوثانهم

стр. 4080

بالسجود له أو نحوه ... قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله، وإبداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها، ثم إجماعا: فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ، لأنه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة. وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. (١) موقفه من الرافضة: - له كتاب 'الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الابتداع والضلال والزندقة' وله رسالة أخرى ملحقة بالصواعق بعنوان 'تطهير الجنان واللسان عن الخطر والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان'. - قال في الصواعق: اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم. (٢) - وقال في الزواجر: عد ما ذكر -أي بغض الأنصار وشتم واحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- كبيرتين هو ما صرح به غير واحد وهو ظاهر، وقد صرح الشيخان وغيرهما أن سب الصحابة كبيرة، قال الجلال

стр. 4081

البلقيني: وهو [أي سب الصحابة] داخل تحت مفارقة الجماعة، وهو الابتداع المدلول عليه بترك السنة، فمن سب الصحابة ﵃ أتى كبيرة بلا نزاع. (١) - وقال أيضا: فقد نص الله تعالى على أنه رضي عن الصحابة في غير آية قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (٢) فمن سبهم أو واحدا منهم فقد بارز الله بالمحاربة، ومن بارز الله بالمحاربة أهلكه وخذله، ومن ثم قال العلماء: إذا ذكر الصحابة بسوء كإضافة عيب إليهم وجب الإمساك عن الخوض في ذلك، بل ويجب إنكاره باليد ثم اللسان ثم القلب على حسب الاستطاعة كسائر المنكرات، بل هذا من أشرها وأقبحها، ومن ثم أكد النبي ﷺ التحذير من ذلك بقوله: «الله الله» أي احذروا الله أي عقابه وعذابه على حد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وكما تقول لمن تراه مشرفا على الوقوع في نار عظيمة: النار النار أي احذرها. وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها ﷺ حيث جعل محبتهم محبة له وبغضهم بغضا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفا، فحبهم

стр. 4082

عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه. ثم قال: وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه ﷺ وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين وأظهروا شرائع الإسلام ولولا ذلك منهم ما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع، فمن طعن فيهم فقد كاد أن يمرق من الملة؛ لأن الطعن فيهم يؤدي إلى انطماس نورها: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ (١) وإلى عدم الطمأنينة والإذعان؛ لثناء الله ورسوله عليهم، وإلى الطعن في الله وفي رسوله؛ إذ هم الوسائط بيننا وبين رسول الله ﷺ ، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والإزراء بالناقل إزراء بالمنقول عنه، وهذا ظاهر لمن تدبره، وقد سلمت عقيدته من النفاق والغلو والزندقة، فالواجب على من أحب الله ورسوله؛ حب من قام بما أمر الله ورسوله به، وأوضحه وبلغه لمن بعده، وأداه جميع حقوقه، والصحابة هم القائمون بأعباء ذلك كله. (٢) عبد الوهاب الشعراني: ترهاته ومخازيه (٩٧٣ ه ـ) كان هذا الرجل من أكابر مخرّفي الصوفية -في القرن العاشر- الذين تخرّج على أيديهم فئام من الجهلة، يُساقون سَوق النَّعَم، ولا يدري المساكين إلى أين؟

стр. 4083

له مصنفات في التصوف، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قِبَله الخسران والنقمة. قامت دعوته على مناقضة التوحيد، ونشر الشرك، وكتبه خير شاهد بذلك. ولولا أمانة حماية التوحيد؛ لما سطرتُ ما سطرت، ولما أضعت الوقت في قراءة مثل هذه الكتب التي تفسد على المرء دينه ودنياه. ويكفي القارئ المنصف -مريدَ الحق- نماذج نذكرها من مخازي هذا الشعراني، يتبين له من خلالها صدق ما نقول. ولا يهولنك -أخي- ما قد تسمعُه من الألقاب التي تضفى على مثل هذا الرجل، كالإمام، والهيكل الصمداني، والقطب الرباني، وغيرها، فإنما هي ألقاب عارية عن المضمون، وشعارات واهية لا تنبئ عن المكنون. فكن أخا الإسلام منها على حذر! وفرَّ منها تنجُ من الشرر! ولنأخذ على سبيل المثال كتابه الطبقات، ولنُجِلِ النظر فيه، لنرى هل هذا الكتاب يطابق اسمه مسماه؟ أم العكس؟ فاسم الكتاب: 'لواقح الأنوار في طبقات الأخيار'، وهو عبارة عن تراجم صنعها مؤلفه لأئمة طريقته ومشايخهم، وأقحم -غير مبالٍ- تراجم بعض الصحب والتابعين، وزمرة من أئمة الحديث المجتهدين، وختمها بشيوخ وقته الذين عاصرهم. وقد ضمن التراجم ألواناً من الشرك، وأنواعاً من الكفر والزندقة، وشذوذاً في السلوك والأخلاق. أقول: كيف طاب لهذا الجرّيء أن يجمع بين خير الناس بعد النبيين،

стр. 4084

وبين شرهم من الزنادقة الهالكين كابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم، تلبيساً منه وتدليساً. والعجب ادعاؤه اتباع سنن المحَدِّثين ومنهجهم في انتقاء هذه الأخبار، فلم يروِ -كما زعم- في كتابه هذا إلا ما صح بالسند الصحيح عند القوم. وما أدري أين يتجلى انتقاؤه المزعوم؟ أَكُلُّ هذه الطّامّات العقدية والتعبدية والخلقية منتقاة؟ فماذا لو لم ينتقِ!! وإليك أخي القارئ أقوال الشعراني في كتابه، ولا تعجل بالإنكار علينا إلا بعد قراءتك لهذه الأقوال. وقارنها بأقوال من تشبّع بالكتاب والسنة من الصحب ومن اتبعهم بإحسان، تجد البون شاسعاً، رغم ما زعمه الشعراني في مقدمة طبقاته من أن القوم ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا من طريق الكتاب والسنة وتشبثهم بهما. ١ - مشاركة أولياء الشعراني لله في التصريف والتدبير: قال الشعراني: - وكان ﵁ يقول: فقدت قلبي منذ عشرين سنة مع الله تعالى، وتركت قولي للشيء كن فيكون منذ عشرين سنة أدباً مع الله ... (١) - وكان ﵁ يقول: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، والنجباء مصر، والأبدال بالشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، والغوث مسكنه بمكة. فإذا عرض حاجة

стр. 4085

من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد ثم الغوث. (١) - ... مات ﵁ عن أربعين مريداً كلهم من أرباب الأحوال. وحكى أنه لما مات اجتمع هؤلاء المريدون في روضة تجاه زاويته، فجعل كل منهم يأخذ من تلك الروضة قبضة من بنائها، ويتنفس عليها فتزهر من جميع الأزهار المختلفة الألوان من أصفر وأخضر وأزرق وأبيض وغير ذلك، حتى أقرّ بعضهم لبعض بالتمكين والتصريف. (٢) - وكان يقول: إن العبد إذا تمكن من الأحوال بلغ محل القرب من الله تعالى، وصارت همته خارقة للسبع السماوات، وصارت الأرضون كالخلخال برجله، وصار صفة من صفات الحق جل وعلا، لا يعجزه شيء، وصار الحق تعالى يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، قال ويدل لما قلناه ما ورد في بعض الكتب الإلهية، يقول الله : يا بني آدم أطيعوني أطعكم، واختاروني أختركم، وارضوا عني أرض عنكم، وأحبوني أحبكم، وراقبوني أراقبكم، وأجعلكم تقولون للشيء كن فيكون. (٣) - ومنهم الشيخ سويد السنجاري ﵁ ... وهو أحد من ملكه الله تعالى التصرف في العالم، وجمع له بين علمي الشريعة والحقيقة. (٤) - ومنهم الشيخ حياة بن قيس الحراني رضي الله تعالى عنه ... وهو

стр. 4086

أحد الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم بأرض العراق. (١) - وكان يقول: كل بدل في قبضة العارف؛ لأن ملك البدل من السماء إلى الأرض، وملك العارف من العرش إلى الثرى. (٢) - وقد كان سهل بن عبد الله التستري ﵁ يقول: أعرف تلامذتي من يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٣)، وأعرف من كان في ذلك الموقف عن يميني، ومن كان عن شمالي، ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا، نقله ابن عربي ﵁ في الفتوحات. (٤) - وكان ﵁ يقول: ... حركت ما سكن، وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة. (٥) - وسافر إلى العراق فتلقاه أشياخها منهم سيدي عبد القادر وسيدي أحمد بن الرفاعي فقالا: يا أحمد مفاتيح العراق والهند واليمن والروم والمشرق والمغرب بأيدينا، فاختر أيّ مفتاح شئت منها، فقال لهما سيدي أحمد ﵁: لا حاجة لي بمفاتيحكما، ما آخذ المفتاح إلا من الفتّاح. (٦) - فدار الكلام بينهما فقال سيدي علي: ما تقول في رجل رحى

стр. 4087

الوجود بيده يدورها كيف شاء؟ فقال له سيدي محمد ﵁: فما تقول فيمن يضع يده عليها فيمنعها أن تدور؟ فقال له سيدي علي: والله كنا نتركها لك، ونذهب عنها ... (١) - كان ﵁ من الرجال المتمكنين أصحاب التصريف ... وكان ﵁ يقول كثيراً: كنت أمشي بين يدي الله تعالى تحت العرش، وقال لي كذا وقلت له كذا، فكذبه شخص من القضاة فدعا عليه بالخرس، فخرس حتى مات ... (٢) (التعليق: انظر رعاك الله إلى هذه الأقوال المشينة المخالفة لأبجديات عقيدة المسلم، كيف يتفوّه امرؤ عاقل بمثلها؟ بل كيف يترضى على أصحابها؟ ٢ - اطلاع أولياء الشعراني على الغيب ورؤيتهم اللوح المحفوظ: قال الشعراني: - هو أحد أئمة القوم، ومن أكابر علمائهم المتكلمين في علوم الإخلاص والرياضات وغيوب الأفعال ... (٣) - وكان يقول في قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤):

стр. 4088

المستنبط هو الذي يلاحظ الغيب أبداً، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء. وقال في قوله: ﴿لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (١): المتوسم هو الذي يعرف الوسم وهو العارف بما في سويداء القلب ... (٢) - وكان يقول: إذا امتحن القلب بالتقوى ترحل عنه حب الدنيا وحب الشهوات، واطلع على المغيبات، ومن لم يمتحن قلبه بالتقوى لا يبرح عن حبّ الدنيا، ولم يزل محجوباً عن المغيبات ... (٣) - ... وحفظ حكم السر يوسع قدرة الاطلاع على مكامن المكنونات ... (٤) - هو أوحد الأئمة، أبرز الله تعالى له المغيبات، وخرق له العادات ... (٥) - وكان يقول: ما أخذت العهد قط على مريد حتى رأيت اسمه مكتوباً في اللوح المحفوظ، وأنه من أولادي ... (٦) - وكان ﵁ يقول: العارف من جعل الله تعالى في قلبه لوحاً منقوشاً بأسرار الموجودات، وبإمداده بأنوار حق اليقين يدرك حقائق تلك السطور على اختلاف أطوارها، ويدرك أسرار الأفعال فلا تتحرك حركة ظاهرة أو باطنة في الملك والملكوت إلا ويكشف الله تعالى له عن بصيرة إيمانه

стр. 4089

وعن عيانه فيشهدها علماً وكشفاً ... (١) - وكان ﵁ يقول: إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه الله علماً بلا واسطة، وأخذ العلوم المكتوبة في ألواح المعاني ففهم رموزها وعرف كنوزها .. وأطلعه الله على العلوم المودعة في النقط، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول ... وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء، وما في البر والبحر، وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، وما في جباه الإنس والجان، مما يقع لهم في الدنيا والآخرة، وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق وما تحت التحت، ولا عجب من حكيم يتلقى علماً من حكيم عليم ... (٢) - وكان ﵁ يقول: إن أولياء الله يطلعون على أمور لم يطلع عليها العلماء، فلا يسع الخائف على دينه إلا الأدب والتسليم. (٣) - وهو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود وصرفه في الكون ... وأنطقه بالمغيبات ... (٤) - عن أبي الحسن الشاذلي ﵁ أنه كان يقول: سيظهر بمصر رجل يعرف بمحمد الحنفي يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن عظيم، وفي رواية أخرى عن الشاذلي ﵁: يظهر بمصر

стр. 4090

شاب يعرف بالشاب التائب، حنفي المذهب اسمه محمد بن حسن وعلى خده الأيمن خال، وهو أبيض اللون مشرب بحمرة، وفي عينيه حور ويربى يتيماً فقيراً. (١) - ... فيقول الشيخ ﵁ لذلك الشخص: أما تسأل؟ فلو سألتني شيئاً لم يكن عندي أجبتك من اللوح المحفوظ ... (٢) - وكان آخر عمره مقعداً، ويتكلم على أخبار سائر الأقاليم من أطراف الأرض، وكانت له نصرانية تعتقده في بلاد الإفرنج، فنذرت إن عافى الله ولدها أن تصنع للفرغل بساطاً، فكان يقول: هاهم غزلوا صوف البساط، هاهم دوروا الغزل على المواسير، هاهم شرعوا في نسجه، هاهم أرسلوه، هاهم نزلوه المركب، هاهم وصلوا إلى المحل الفلاني ثم الفلاني، فقال يوماً: واحد يخرج يأخذ البساط؛ فإنه قد وصل على الباب فخرجوا فوجدوا البساط على الباب كما قال الشيخ ﵀. (٣) - كان ﵁ إذا دخل بلداً سلم على أهلها كباراً وصغاراً بأسمائهم حتى كأنه تربّى بينهم. (٤) - وكان ﵁ يخبر بالوقائع في مستقبل الزمان للولاة، فيقع كما أخبر لا يخطئ. (٥)

стр. 4091

- وكان قد أعطاه الله تعالى التمييز بين الأشقياء والسعداء في هذه الدار. (١) - وكان محل كشفه اللوح المحفوظ ... (٢) - وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي علي الخواص ﵁ أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها، فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوباً على العباد. (٣) (التعليق: ما ترك هؤلاء لله من علم الغيب؟ وهو القائل سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) و ﴿وعنده مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٥) والقائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٦). وأين هم من النبي ﷺ القائل كما حكى الله عنه آمراً له بذلك: ﴿قل

стр. 4092

لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (١). بل لِمَ لُعن الكهنة والعرافون إلا لادعائهم الغيب؟ ٣ - تلقي أولياء الشعراني الوحي عن الله مباشرة، أو بواسطة المَلَك: قال الشعراني في كتابه الأنوار القدسية وهو يحكي عن نفسه: فبينما أنا بالفسطاط مقابل الروضة بمصر، أخذتني حالة بين النائم واليقظان، فسمعت هاتفاً أسمع صوته ولا أرى شخصه، يقول على لسان الحق : عبدي لو أطلعتك على جميع الكائنات وعدد الرمال واسم كل ذرة منه، والنبات وأسمائها وأعمارها، والحيوانات وأعمارها وأنسابها إلى أصولها من الوحش والطيور والحشرات وسائر الدواب، وكشفت لك عن ملكوت السموات والأرض والجنة والنار وما فيهن ظاهراً وباطناً ... (٢) وقال أيضاً عن نفسه: ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل الله، وأخبرهم بتنزل الملك على الولي، لقبلوا ذلك، ولم ينكروه، وقد نزل علينا ملك ولله الحمد. (٣)

стр. 4093

قال: وقد كان سهل بن عبد الله التستري ﵁ يقول: أعرف تلامذتي من يوم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (١)، وأعرف من كان في ذلك الموقف عن يميني، ومن كان عن شمالي، ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا .. وكان ﵁ يقول: أشهدني الله تعالى ما في العلا وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء وأنا ابن تسع، ورأيت في السبع المثاني حرفاً معجماً حار فيه الجن والإنس ففهمته ... (٢) وقال الشعراني عن أوليائه: وكان ﵁ يقول: إذا صلح القلب صار مهبط الوحي والأسرار. (٣) - وكان ﵁ يقول: لو أخذت من ربي عهداً أن لا تحرق النار جسداً دخل تربتي. (٤) - فرأيت الحق جل وعلا، فقال لي: يا عبدي قد جعلتك من صفوتي في أرضي، وأيدتك في جميع أحوالك بروح مني، وأقمتك رحمة لخلقي، فاخرج إليهم، واحكم فيهم بما علمتك من حكمي، وأظهر لهم بما أيدتك به من آياتي، فاستيقظت وخرجت إلى الناس فهرعوا إليَّ من كل جانب، ﵁. (٥)

стр. 4094

- وكان ﵁ يقول: عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون، فقد أفلح المصدقون، وخاب المستهزئون، فإن الله تعالى يقذف في سرّ خواصّ عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل. (١) - وكان ﵁ يقول: أنا موسى ﵇ في مناجاته ... أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي خاطبته .. وما كان ولي متصلاً بالله تعالى إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى ﵇ يناجي ربه ... وإن الله خلقني من نور رسول الله ﷺ ، وأمرني أن أخلع على جميع الأولياء بيدي. (٢) (التعليق: فما عسى أن يقول العاقل إذا قرأ أو سمع مثل هذا الكلام! متى سُمع عن صحابيّ من أصحاب النبيّ ﷺ أن الله كلّمه مباشرة أو جالسه، أو أنزل عليه مَلَكاً؟ وهم ﵃ خير الناس بعد الأنبياء على الإطلاق. فكيف يزعم الشعراني وأضرابه مرتبة لهم أفضل من مرتبة الصحابة؟ بل كيف يتخذ هؤلاء الأنذال لأنفسهم طريقاً غير طريق النبي ﷺ ؟ والأولى أن نقول: كيف يزعم هؤلاء أنه يوحى إليهم مثل النبي ﷺ ؟ يكفينا فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣).

стр. 4095

٤ - اجتماع أولياء الشعراني بالخضر ﵇: زعم المتصوفة اجتماعهم بالخضر صاحب موسى ﵉، ومذاكرتهم له، وأخذهم العلم عنه. قال الشعراني في طبقاته: - ... وكان يجتمع بالخضر ﵇، وذلك أدلّ دليل على ولايته، فإن الخضر لا يجتمع إلا بمن حقت له قدم الولاية المحمدية. (١) - وكان ﵁ يقول: دخلت داري يوماً فإذا رجل جالس في الدار، فقلت له: كيف دخلت داري بغير إذني، فقال: أنا أخوك الخضر، فقلت: ادع الله تعالى لي. فقال ﵇: هوّنَ الله عليك طاعته. (٢) - وكان يقول: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة، فقال لي: اجتمعت بالخضر ﵇، فقدم لي قدحاً أخضر فيه رائحة السكباج، فقال لي: كل يا إبراهيم، فرددته عليه، فقال: إني سمعت الملائكة تقول: من أُعطِيَ فلم يأخذ سأل فلا يُعطى. (٣) - وكان ﵁ يقول: علّمني الخضر ﵇ رقية للوجع، فقال: إن أصابك وجع فضع يدك على الموضع وقل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (٤) فلم أزل أقولها على الوجع فيذهب لساعته. (٥)

стр. 4096

- وكان يقول: لقيت الخضر ﵇ في بادية، فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد عليّ توكلي بالسكون إليه ففارقته. (١) - وكان ﵁ كثيراً ما يجتمع بالخضر ﵇، وكان يطبخ طعام القمح كثيراً، فقيل له في ذلك، فقال ﵁: إن الخضر ﵇ زارني ليلة فقال: اطبخ لي شوربة قمح، فلم أزل أحبها لمحبة الخضر ﵇ لها. (٢) - وكان الخضر ﵇ يحضر مجلسه مراراً، فيجلس على يمينه، فإن قام الشيخ، قام معه، وإن دخل الخلوة شيعه إلى باب الخلوة ... (٣) (التعليق: انظر رعاك الله كيف لَبَّسَ الشيطان على هؤلاء المغفلين فأراهم أشباحاً لا حقيقة لها، ثم هم يزعمون أنه الخضر، أيّ خضر هذا؟ أما خضر موسى فقد مات منذ أمد بعيد، هذا الذي عليه المحققون من أهل العلم، وأما خضر هؤلاء الصوفية فهو من شياطين الجن، إن صدق القوم في دعواهم، وإلا فهو أسطورة من اختلاق أربابهم وكبرائهم. ٥ - زعمهم أن موتاهم من الأولياء يتصرفون ويقضون حوائج الناس: قال الشعراني وهو يحكي عن بيعته التي بايع بها السيد أحمد البدوي

стр. 4097

وهو في قبره: ... قد كان أخذ عليَّ العهد في القبلة تجاه وجه سيدي أحمد ﵁، وسلمني إليه بيده فخرجت اليد الشريفة من الضريح وقبضت على يدي، وقال: سيدي يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك، فسمعت سيدي أحمد ﵁ من القبر يقول: نعم ... وفرش لي فرشاً فوق ركن القبة التي على يسار الداخل وطبخ لي حلوى، ودعا الأحياء والأموات إليه وقال: أزل بكارتها هنا ... وأخبرني أن سيدي أحمد ﵁ كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول أبطأ عبد الوهاب ما جاء ... ثم أراني خلقاً كثيراً من الأولياء وغيرهم الأحياء والأموات. (١) - قال الشعراني: ... فلما مات وسوّوا عليه اللبن وقعت عليه لبنة فإذا هو قائم يصلي في قبره ... ولما مات كان الناس يسمعون من قبره تلاوة القرآن رضي الله تعالى عنه. (٢) - وقال أيضاً: ولما وضعوه في لحده نهض قائماً يصلي واتسع له القبر وأغمي على من كان نزل قبره ... (٣) وغير هذه كثير، وإنما هي غيض من فيض، يكفينا منها ما ذكرنا للدلالة على المقصود. أقول: هذه هي الصوفية المسعورة، وهؤلاء هم رجالاتها، ومربّو أجيالها.

стр. 4098

أما حمق مشايخها وجنونهم فلدينا منه الأمثلة الكثيرة، أعرضنا عن ذكرها قصداً. وأما سلوكاتهم وأخلاقهم فاسمعها من الشعراني يحكيها عن أوليائه، وليته ما ذكرها!! فهي تنبئ عن سفاهة، وقلة مروءة، وذهاب حياء. والعجب كيف يترضّى الشعراني عن أصحابها ومرتكبيها. قال الشعراني: - وكان أهل مصر لا يمنعون حريمهم منه في الرؤية والخلوة، فأنكر عليه بعض الفقهاء، فقال: يا فقيه اشتغل بنفسك، فإنه بقي من عمرك سبعة أيام وتموت، فكان كما قال. (١) - وقد رأى السيد عبد القادر الجيلي لمريده أنه لا بد له أن يزني بامرأة سبعين مرة، فقال: يا رب اجعلها في النوم، فكان كذلك ... وكان ﵁ يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقال لي: كَنِّ أصحابك فلاناً كذا، وفلاناً كذا، وكَنِّ فلاناً أبا الظهور لأنه يتبع ظهور النساء ببصره ولا عليك منه. (٢) - وكان الشويمي ﵁ يدخل بيت الشيخ يحسس بيده على النساء، فكنَّ يشكين لسيدي مدين ﵁ فيقول: حصل لكم الخير فلا تشوّشوا. (٣) - وأخبرني الشيخ شمس الدين البوصيري ﵁ أَجَلُّ أصحابه

стр. 4099

قال: لم يزل الشيخ يمتحنني إلى أن مات، وأراني ضرب المقارع على أجنابي من الدعاوي التي كان يدعيها علي عند الحكام، قال: وكنت أعترف عند الحكام إيثاراً لجناب الشيخ أن يُرَدَّ قوله، فإذا قال: هذا زنى بجاريتي، أقول: نعم، أو يقول: هذا أراد الليلة أن يقتلني، أقول: نعم، أو يقول: هذا سرق مالي، أقول: نعم. (١) - وكان ﵁ إذا غلب عليه الحال نزع ثيابه وصار عرياناً ليس في وسطه شيء. (٢) - وكان ﵁ إذا رأى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه، وحسس على مقعدته، سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس ولا ينكر عليه من أحد. (٣) - وكان يتكلم بالكلام الذي يستحى منه عرفاً، وخطب مرة عروساً فرآها فأعجبته فتعرى لها بحضرة أبيها، وقال لها: انظري أنت الأخرى حتى لا تقولي بعد ذلك بدنه خشن، أو فيه برص أو غير ذلك، ثم مسك ذكره، وقال: انظري هل يكفيك هذا؟ وإلا فربما تقولي هذا ذكره كبير لا أحتمله، أو يكون صغيراً لا يكفيك فتقلقي مني وتطلبي زوجاً أكبر آلة مني. (٤) - وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة ويقول له: أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها، فإن أبى شيخ البلد تسمر في الأرض لا

стр. 4100

يستطيع يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه. (١) - وكان ﵁ عرياناً لا يلبس إلا قطعة جلد أو بساط أو حصير أو لباد، يغطي قبله ودبره فقط، وكان يرى حلال زينة الدنيا كالحرام في الاجتناب. (٢) (التعليق: فهل يسع عاقلاً بعد هذا أن ينسب نفسه إلى هذا المستنقع الذي هؤلاء هم أسياده وأشياخه؟ اللهم، فلا. ونعوذ بالله من أناس هذا حالهم، وهذه أخلاقهم وصفاتهم. ونعوذ بالله من منافح عنهم وعن أفكارهم. ونسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه. علي بن سلطان القاري (٣) (١٠١٤ هـ) نور الدين علي بن سلطان بن محمد الهروي المكي الحنفي، وقد عرف بالقاري لأنه كان إماما في القراءات، وكان أيضا فقيها محدثا أصوليا مفسرا مقرئا مؤرخا نحويا أدبيا. ولد بهراة من مدن خراسان، وتلقى عن علمائها ثم رحل إلى مكة فاستقر بها. أخذ العلم في مكة عن أبي الحسن البكري والسيد زكرياء الحسيني تلميذ العالم الرباني إسماعيل الشرواني وعبد الله السندي وغيرهم. صنف
следующие страницы →