- جاء في علماء نجد: وقال قصيدة يذم فيها أهل نجد والدعوة السلفية ومطلعها:
سلام فراق لا سلام تحية ... على ساكني نجد وأرض اليمامة
إلى أن قال:
ومن أين هذا العلم جاء إليكم ... أمن أرض نجد أم من رأس خيمتي
فرد عليها الشريف الشيخ عبد الله بن محمود من أهل نجد وقد جاء إلى الشارقة في حدود عام ١٣١٨هـ بقصيدة مطلعها:
سلام ثقيل قد أتى بالمسرة ... علينا من نفحات رب البرية
إلى أن قال:
على قدم لاعظم الله أمرها ... سعت يومها جاءت لمحو الشريعة (١)
- وقال محرضا لباشا بغداد عندما أراد الإغارة على نجد أولها:
أنامل كف السعد قد أثبتت خطا ... بأقلام أحكام لنا حررت ضبطا
فنقضها عليه الشيخ حسين بن غنام الأحسائي بقصيدة قال فيها:
على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ... عروس هوى ممقوتة زارت الشطا
تخطت فأخطت في المساعي مَرامَها ... ومرسلها عن نيل مقصودها أخطا
وثارت لنار الشرك تُذْكي ضِرامَها ... وسارت فبارت والإله لها قطا
لقد شوهت ما زخرفته بزورها ... كما أنها بالْمَيْن قد أحكمت ربطا
لقد جاء منشيها بزور ومنكر ... وفحش وبهتان يَغُطُّ به غَطَّا
стр. 4202
وحاد به داعي العناد لِمَهْيَعٍ ... تنكب عن سبل الهداية واشتطا
عبد العزيز بن محمد بن سعود (١) (١٢١٨ هـ)
الخليفة الراشد والإمام المجاهد عبد العزيز بن محمد بن سعود، ولد سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين بعد المائة والألف للهجرة. تولى بعد وفاة أبيه محمد ابن سعود سنة تسع وسبعين ومائة وألف للهجرة، فأسقط جميع المظالم والمغارم، وارتفع عمود الحق، وأقبلت الدنيا على رعيته، وسارت بفتوحه الركبان، وطارت قلوب أهل الضلال فزعا. وكان ﵀ مغوارا شديد البأس، لا يمل الحروب، يباشرها بنفسه ولا يخاف في الله لومة لائم. قال الشيخ محمد بن أحمد الحفظي اليمني:
وقام فاروق الزمان المؤتمن ... عبد العزيز من ومن ومن
فسار في الناس كسيرة الأشج ... ودوخ البر وخاض للثبج
يسوس بالآثار والقرآن ... على طريق العدل والإحسان
يدعو إلى الله بحزب غالب ... مجاهد بالأربع المراتب
ونفسه لله والنفيس ... والصدق للقلوب مغناطيس
وقال الشيخ حسين بن غنام: كان الإمام عبد العزيز ﵀ كثير الخوف من الله والذكر له، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، كثير الرأفة والرحمة بالرعية.
стр. 4203
قتله رافضي من أهل العمادية في جامع الدرعية سنة ثمان عشرة بعد المائتين والألف رحمه الله تعالى.
• موقفه من المشركين:
تربى منذ ولادته إلى إمارته تحت رعاية سلفية؛ أب سلفي، وأم سلفية صالحة، وأستاذ ومعلم أحيى الله به الأرض بعد موتها. فكان نتيجة ذلك كله إماما عالما سلفيا، يطمح لنشر هذه العقيدة المباركة في أرجاء المعمورة. لقد ذكر من أرخ لهذا الإمام ونقل عنه رسائل متعددة أرسلها إلى مجموعة من القرى والبلدان، يبين لهم فيها العقيدة السلفية والحالة المحزنة التي هم عليها من الشرك والخرافات. ومن أهم هذه الرسائل رسالة أرسلها إلى الحرمين ومصر والشام ... ونذكر نموذجا من رسائله كشاهد، ومن شاء التقصي فعليه بتواريخ نجد والدرر السنية.
- رسالة أرسلها إلى أهل المخلاف السليماني مع الشيخ أحمد الفلقي، الذي زار الدرعية وتعلم العقيدة السلفية، فطلب من الأمير أن يبعثه داعية إلى أهل المخلاف، فاستجاب له، وكتب معه الرسالة الآتية:
بسم الله الرحمن الرحيم:
من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، خصوصا الأمراء أبناء حمد بن أحمد، وحمود وناصر ويحيى وسائر إخوانهم وآل النعمي وكافة أهل تهامة، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية، وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية، أما بعد، فالموجب لهذه الرسالة أن أحمد بن حسين الفلقي قدم إلينا،
стр. 4204
فرأى ما نحن عليه وتحقق صحة ذلك، فالتمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، لتعرفوا دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. فاعلموا رحمكم الله، أن الله أرسل محمدا ﷺ على فترة من الرسل بالدين الكامل، والشرع التام، وأعظم ذلك وأكبره وزبدته: إخلاص العبادة لله تعالى لا شريك له والنهي عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله الخلق لأجله ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وإخلاص الدين هو صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك بأن لا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا بالله ولا يذبح إلا لله ولا يخشى إلا الله ولا يرجى سواه ولا يرهب ولا يرغب إلا في ما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه.
وأن كل ما كان لله تعالى لا يصلح شيء منه لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وهذا بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم دون الكافر، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
فلما من الله علينا بمعرفة ذلك وعلمنا أنه دين الرسل، اتبعناه ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن كنا قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله من عبادة أهل القبور والاستغاثة بهم، والتقرب بالذبح لهم وطلب
стр. 4205
الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب المحرمات وترك الصلوات وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد اندثاره على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحسن الله له في آخرته المآب. فأبرز لنا جهة الحق ووجهة الصواب من كتاب الله المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فبين لنا أن الذي نحن عليه وهو دين غالب الناس من الاعتقاد في الصالحين وغيرهم ودعوتهم والتقرب إليهم والنذر لهم والاستغاثة بهم في الشدائد وطلب الحاجات منهم، أنه الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه، وتهدد بالوعيد الشديد عليه، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (٣)
فحين كشف الله لنا الإسلام، وعرفنا ما نحن عليه من الشرك والكفر بالنصوص القاطعة والأدلة الساطعة من كتاب الله وسنة رسوله وكلام أئمة الأعلام،
стр. 4206
الذين أجمعت الأمة على درايتهم، عرفنا ما نحن عليه، وما كنا ندين به أولا أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه وحذر، وأن الله أول ما أخبرنا به أن ندعوه وحده، وذلك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دعائهم غَافِلُونَ (٥)﴾ (٢) إذا عرفتم هذا فاعلموا رحمكم الله أن الدين الذي ندين لله تعالى به، هو إخلاص العبادة لله وحده ونفي الشرك، وإقامة الصلاة جماعة وغير ذلك من أركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا يخفى على ذوي البصائر والأفهام والمتدبرين من الأنام، أن هذا هو الدين الذي جاءنا به رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤). فمن قبل هذا ولزم العمل به، فهو حظه في الدنيا والآخرة، ونعم الحظ دين الإسلام، ومن أبى غير ذلك واستكبر فلم يقبل هدى الله لما تبين له نوره وسناه، نهيناه عن ذلك وقاتلناه، قال
стр. 4207
تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١).
وقصدنا بهذه، النصيحة إليكم والقيام بواجب الدعوة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٢) وصلى الله على محمد.
وصل الفلقي بالكتاب وكان يحمل معه مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبعد ذلك استوطن أسفل وادي بيش عند قبائل الجعافرة وقام بالوعظ والإرشاد، فالتف الناس حوله واجتمعت القلوب عليه وفشت الدعوة بين المجاورين لتلك القبيلة. (٣)
التعليق:
لله درك من أمير أجدت وأفدت. بينت لنا البيان الكافي. صورت الحالة التي كانت تعيشها نجد خاصة والعالم الإسلامي عامة. أسندت الفضل لأهله ولم تدعه لنفسك، يشهد الله أنك ذكرتنا منهاج الصحابة رضوان الله عليهم، في دعوتهم وتواضعهم أمام الناس وبيانهم لدعوتهم السلفية. وذكرتنا حادثتك على يد الأشقى الرافضي قتله الله بحادث عمر مع المجوسي، فتلك كانت مع مجوسي القرن الأول، وهذه مع مجوسي القرن الثالث عشر.
فرحمة الله عليك الرحمة الواسعة.
стр. 4208
صالح بن محمد الفُلاَّنِي (١) (١٢١٨ هـ)
الإمام الأثري الشيخ صالح بن محمد بن نوح بن عبد الله بن عمر العمري، المالكي، المشهور بالفلاني. و"فلان أو فلانة" نسبة إلى قبيلة بالسودان. ولد سنة ست وستين ومائة وألف من الهجرة في بلد أسلافه (نُس) من إقليم (فوت جلوا)، ونشأ بها. طلب العلم وعمره إذ ذاك نحو اثني عشر عاما، فرحل إلى مراكش، وتونس، ومصر، والحجاز، آخذا عن علمائها وأعلامها كالشيخ أبي عبد الله محمد بن سنة الفلاني وأبي الحسن علي الصعيدي والسيد مرتضى الزبيدي وغيرهم.
قال تلميذه عبد الرحمن بن أحمد الشنقيطي: شيخنا الفقيه المحدث النحوي البياني، العالم بجميع فنون المعقول والمنقول. وقال الشيخ عابد السندي: الإمام الذي لا يجارى، والفهامة الذي لا يمارى، ملحق الأصاغر بالأكابر. وذكره محدث الشام الوجيه الكزبري فقال: ومن سادات أشياخي الشيخ الإمام العلامة المتفنن الهمام المشهور بالإسناد العالي، ذو الذهن الوقاد المتلالي، علم الدين الشيخ صالح بن محمد الفلاني.
توفي ﵀ سنة ثماني عشرة بعد المائتين والألف.
موقفه من المبتدعة:
- له من الآثار السلفية:
'إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم
стр. 4209
عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار' والكتاب مطبوع متداول، وهو من خيرة الكتب في الرد على المقلدة. وعنوانه دال على ذلك.
- قال في مقدمته: حمدا لمن جعل أهل الحديث حراس الدين وصرف عنهم كيد المعاندين، وشكرا لمن ألهمهم التمسك بالشرع المبين، وهداهم لاقتفاء آثار الصحابة والتابعين، وصلاة وسلاما على من ببعثته كل منكر متروك وموضوع، وكل معروف موصول غير مقطوع ولا ممنوع، المنزل عليه أحسن الحديث والمبجل بين الورى في القديم والحديث، ورحمة موصولة بطرائق الإكرام من الملك العلام، مكفولة لأنصار السنة المطهرة وحماتها وإبطال الكفاح عنها وكماتها الرامين بشبه التحقيق الثاقبة شبهة التحريف والانتحال، المحرقين بصواعق الحجج البالغة بدع أهل الزيغ والضلال، الذين جعلهم الله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة. (١)
إبراهيم بن عبد القادر (٢) (١٢٢٣ هـ)
العلامة الحافظ إبراهيم بن عبد القادر بن أحمد صارم الدين الكوكباني الأصل الصنعاني المولد والوفاة. مولده بصنعاء في ثامن عشر رمضان سنة تسع وستين ومائة وألف ونشأ بكوكبان، وتخرج بوالده في عدة علوم وما زال مكبا على القراءة، ثم انتقل مع والده إلى صنعاء وعكف على التدريس
стр. 4210
بها. أخذ عنه عدة مشايخ منهم إبراهيم الحوتي والقاضي عبد الرحمن البهكلي التهامي، والوزير الحسن بن علي حنش. له مؤلفات منها: 'فتح المنان في بيان حكم الختان' و'إنباه الأنباه في حكم الطلاق المعلق بإن شاء الله' و'فتح المتعال بجوابات صاحب رجال'.
قال عنه الشوكاني: وبعد موت والده، قصده الطلبة إلى منزله وقرأوا عليه في فنون متعددة، وله رسائل ومسائل مفيدة، مع تواضع وحسن أخلاق وكرم وعفاف وشهامة نفس، وصلابة دين، وحسن محاضرة، وقوة عارضة وفصاحة ورجاحة وقدرة على النظم والنثر.
توفي رحمه الله تعالى بصنعاء في يوم الأربعاء سنة ثالث عشر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف.
موقفه من المبتدعة:
- قال عنه الشوكاني في 'البدر الطالع': والمترجم له عافاه الله لا يتقيد بمذهب ولا يقلد في شيء من أمور دينه، بل يعمل بنصوص الكتاب والسنة ويجتهد رأيه وهو أهل لذلك. (١)
حمد بن ناصر (٢) (١٢٢٥ هـ)
الشيخ العلامة الفقيه حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر النجدي. ولد في العيينة موطن أسرته عام ستين ومائة وألف من الهجرة وقت إمارة جده
стр. 4211
عثمان بن حمد على العيينة، وبها نشأ، وانتقل إلى الدرعية. ولازم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عنه وعن غيره من العلماء، كالشيخ سليمان بن عبد الوهاب والشيخ حسين بن غنام والشيخ حمد بن مانع وغيرهم. عينه الإمام سعود في قضاء الدرعية، ثم رئيسا لقضاة مكة المكرمة. تصدى للتدريس والقضاء والإفتاء، فصار مرجعا لطلاب العلم، تضرب إليه أكباد الإبل، فتخرج على يديه علماء أجلاء كالشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ وابنه الشيخ عبد العزيز بن حمد والشيخ إبراهيم بن سيف الدوسري والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين وغيرهم كثير. وكان ﵀ نظارا شجاعا، لا يخاف في الله لومة لائم. مكث في القضاء حتى توفي سنة خمس وعشرين بعد المائتين والألف، وصلى عليه الإمام سعود في البياضية ودفن فيها ﵀.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في تاريخ علماء نجد: ولما كان في سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة هجرية، طلب الشريف غالب بن مساعد أمير مكة من الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود أن يبعث إليه عالما ليناظر علماء مكة المكرمة في شيء من أمور الدين، فبعث إليه الإمام عبد العزيز المترجم له الشيخ حمد بن ناصر على رأس ركب من العلماء، فلما وصلوا مكة أناخوا رواحلهم أمام قصر الشريف غالب. فاستقبلهم وأكرمهم وأنزلهم المنزل اللائق بهم. فلما فرغوا من عمرتهم واستراحوا من وعثاء السفر وعنائه، جمع الشريف بينهم وبين علماء الحرم الشريف من أرباب المذاهب الأربعة ما عدا المذهب
стр. 4212
الحنبلي، والمقدم فيهم مفتي الأحناف الشيخ عبد الملك بن عبد المنعم القلعي، فصار بينهم وبين الشيخ حمد بن ناصر ورفاقه مناظرة عظيمة هامة عقد لها عدة مجالس بحضرة والي مكة الشريف غالب، وبمشهد كبير من أهل مكة. وذلك في شهر رجب من ذلك العام المذكور، فظهر عليهم الشيخ حمد بن ناصر بحجته وأسكتهم بأدلته وبراهينه، فسلموا له وأذعنوا لأقواله ودلائله (١).
- وقال مؤلف تاريخ علماء نجد: حدثني وجيه الحجاز الشيخ السلفي محمد بن حسين بن عمر بن عبد الله نصيف قال: حدثني رجل ثقة من آل عطية من أهل جده عن أبيه قال: جمعنا في مسجد عكاشة حينما قدم حمد ابن ناصر بكتاب الصلح بين سعود وغالب، فصعد المنبر وخطب خطبة بليغة تدور حول تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة ثم حذر من ترك الصلوات، وأمر بأدائها في المساجد، وعن شرب الدخان وعدم بيعه وتعاطيه بحال من الأحوال، كما أمر بهدم القباب التي على القبور، وأمر بالحضور إلى المساجد لسماع رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فامتثل الناس هذا كله، فصرت لا ترى الدخان، لا استعمالا ولا بيعا، وصارت المساجد تزدحم بالمصلين، وهدمت القباب التي على القبور وصار الناس يحضرون لسماع الدرس. (٢)
التعليق:
ما تقدم يدل على:
١ - إخلاص هذا الشيخ لعقيدته السلفية وقوة علمه وذكائه رضي الله
стр. 4213
عنه. وأن الخرافيين دائما حججهم كبيت العنكبوت تذهب بأقل شيء، فكيف تثبت أمام نور السنة النبوية.
٢ - ما كان عليه الناس من اقتداء بالعلماء في ذلك الزمان، فلو قام عالم الآن بمثل ما قام به الشيخ حمد، لا أظن الناس يمتثلون بهذه السرعة التي تحققت للشيخ. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على إخلاصهم.
- وله من الآثار: 'الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب'. وهو مطبوع.
حسين بن غنام (١) (١٢٢٥ هـ)
الشيخ حسين بن أبي بكر آل غنام، من قبيلة بني تميم. ولد في بلدة المبرز، ونشأ في الأحساء، وقرأ على علمائها وأعلامها، ثم انتقل إلى الدرعية، فاتصل بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدرس عليه وعلى أبنائه، حتى أدرك وصار في عداد علماء عصره.
قال ابن بشر: كانت له اليد الطولى في العلم ومتونه، وله معرفة في الشعر والنثر، وصنف المصنفات. ألف تاريخ نجد المسمى بـ'روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام' وهو عبارة عن تاريخ الدعوة السلفية وأعلامها.
توفي ﵀ في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة.
стр. 4214
موقفه من المبتدعة:
كان من خيرة تلامذة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأفضل من جمع أخبار الشيخ في كتابه: روضة الأفكار. وله في العقيدة السلفية:
'العقد الثمين في شرح أصول الدين' ويوجد مخطوطا في المكتبة السعودية بالرياض. وقد سجل رسالة علمية في جامعة الإمام.
وله مواقف طيبة:
- منها قوله: ومعنى ظهور الإسلام غريبا أن الخلق -قبل مبعثه ﷺ كانوا على ضلالة، فدعا إلى الإسلام فلم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة. وكان المستجيب له خائفا من عشيرته وقبيلته يؤذى ويشرد ويعذب ويقتل، فيهربون إلى البلاد النائية كالحبشة، ثم إلى المدينة بعد الهجرة.
فصار الداخلون في الإسلام قبل الهجرة غرباء. ثم أتم الله تعالى نعمته على المسلمين، وأكمل لهم دينهم، فلما قبض سيد المرسلين استمروا على الاستقامة والتعاضد والنصرة في خلافة أبي بكر وعمر ﵄، حتى أعمل الشيطان مكايده على المسلمين، وألقى بأسهم بينهم، وأفشى فيهم فتنة الشهوات والشبهات، فأضل أكثر المسلمين بهما معا أو بإحداهما. فكان ذلك كما أخبر به رسول الله ﷺ .
وفي صحيح البخاري: عن عمرو بن عوف، عن النبي ﷺ قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت
стр. 4215
على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (١).
وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم؟ أي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن ابن عوف: نقول كما أمر الله تعالى. قال: «أو غير ذلك؛ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون» (٢).
وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ معناه أيضا. (٣)
ولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب ﵁ بكى وقال: (إن هذا لم يفتح على قوم قط إلا جعل بأسهم بينهم) أو كما قال.
وكان النبي ﷺ يخشى على أمته هاتين الفتنتين، كما في مسند الإمام أحمد، عن أبي برزة، عن النبي ﷺ قال: «إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن». وفي رواية: «ومضلات الهوى» (٤).
فلما عمت فتنة الشهوات وأصبح هم الخلق منصرفا إلى الدنيا وزينتها، ارتكبوا المعاصي والكبائر، وأصبحوا متباغضين متدابرين، بعد أن كانوا
стр. 4216
إخوانا متناصرين.
وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة، فسببها تفرق المسلمين، فصاروا شيعا وفرقا وأحزابا: يعمهون في الضلال، ويفتحون أبواب البدع والغي، فتحاسدوا وتباعدوا وتقاطعوا، بعد أن كانوا على قلب رجل واحد. ولم ينج منهم إلا الفرقة الناجية، وهم المذكورون في قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١).
وهم الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم النزاع من القبائل.
وخرج الطبراني من حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ في أشراط الساعة قال: «وإن من أشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أقل من النقد» (٢). أي صغار الغنم.
وفي مسند الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: «يوشك إن طالت بكم حياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ ، فأعاده وأبدأه، فأحل حلاله، وحرم حرامه، ونزل عند منازله، ما يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار».
стр. 4217
ومنه قول ابن مسعود ﵁: (سيأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمة).
وإنما ذل المؤمن في آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد والضلال، ومباينته لهم في قصدهم، ومخالفته طريقهم.
قال أحمد بن أبي عاصم -وكان من كبار العارفين في زمن أبي سليمان الداراني-: إني أدركت من الأزمنة زمانا عاد فيه الإسلام غريبا، وعاد وصف الحق غريبا كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونا بحب الدنيا يحب التعظيم والرياسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلا في عبادته، مخدوعا، صريع عدوه إبليس، قد صعد به إلى أعلى درجات العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها .. إلى آخره. خرجه أبو نعيم في 'الحلية'.
وخرج أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده إلى الحسن قال: لو أن رجلا من الصدر الأول بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لئن عاش على هذه المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعته، وصاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله تعالى وقلبه يحن إلى ذكر السلف، فيتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبليهم؛ كان له أجر عظيم.
ولقد مدح كثير من السلف السنة، ووصفها بالغربة، ووصف أهلها بالقلة، فكان الحسن رحمه الله تعالى يقول لأصحابه: يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس.
وقال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها. وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء.
стр. 4218
والمراد بالسنة عند هؤلاء الأئمة طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، وهي التي ورد أن للمتمسك بها والعامل أجر خمسين ممن قبلهم، والمتمسك بدينه كالقابض على الجمر (١).
ثم صارت السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين هي السالمة من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة.
وصنفوا في هذا الباب تصانيف سموها 'كتب السنة'. وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا جرف. (٢)
التجاني وضلاله (١٢٣٠ ه ـ)
من قرأ هذه الطامات الكبرى العقدية يتعجب من حال القائل والمقول له، والكاتب والمكتوب له، والأمة التي تلقى فيها هذه العظائم والموبقات العقدية، فهل هي عاقلة ومستيقظة ومنتبهة، أم هي أمة حمقاء لا تميّز بين لون ولون، ولا بين ذات وذات، أو هي نائمة تعيش في أحلام لا حصر لها، أو هي مؤامرة كبرى على أهل الإسلام خطط لها اليهود والنصارى والمجوس وكلّ عدوّ لله ولرسوله ولكتابه ولسنته. ولله درّ الإمام البخاري ﵀ إذ قال في كلام الجهمية: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قوماً أضلّ في كفرهم من الجهمية، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا
стр. 4219
يعرف كفرهم" (١). وقال ﵀ في خلق أفعال العباد: "ما أبالي صلّيت خلف الجهمي أو الرافضي أو صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم" (٢).
فكيف إذا رأى الإمام البخاري ﵀ هذه الطامات؟ ماذا سيقول؟ وقد قيل: "شر البلايا ما يضحك! " فالسكوت على هذه العظائم يغني عن التعليق عليها، والله المستعان.
وإليك هذه المصائب والطامات، وارجع إلى مصادرها لتقف على صفحاتها وأجزائها ولعلك تكون ممن ابتلي بالاعتذار لهؤلاء المنافقين الزنادقة الذين ملؤوا الأمة كفراً وضلالاً لمصلحة مادية أو رئاسة منشودة أو تمرير باطل تقصده، أو غير ذلك مما ابتلي به أهل الزندقة والإلحاد الذين فتحوا باب التأويل حتى أنكروا الحساب والمعاد، وجعلوا ذلك رموز خير وشر لا أقلّ ولا أكثر، واستباحوا المحرمات القطعية، وجعلوها مجرد حجب وحرمان لعموم الأمة، وأما خواصها فألذ ما يتمتع به الواحد منهم قريبته التي هي من صلبه، وأخته التي شاركته في رحم أمه، وأما أمه وجدته فالرجوع إلى الأصل أصل. وما عبد الإنسان إلا نفسه، فهنيئاً لعبّاد الأصنام، وهنيئاً لفرعون وهامان وقارون الذين كانوا على أكمل الإيمان، إلى آخر ما سطره أهل الوحدة والاتحاد.
فرحم الله الإمام الذهبي إذ يقول في ترجمة ابن العربي الطائي: فوالله لأن
стр. 4220
يعيش المسلم جاهلا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئا سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله واليوم الآخر خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة. (١)
- ادعاؤه إذن النبي ﷺ له في تلقين الخلق:
"قال في جواهر المعاني: ... ثم رجع إلى قرية أبي سمغون وأقام بها واستوطن، وفيها وقع له الفتح، وأذن له ﷺ في تلقين الخلق، وعين له الورد الذي يلقنه في سنة ١١٩٦هـ، وعين له ﷺ الاستغفار والصلاة عليه ﷺ ، وهذا هو الورد في تلك المدة إلى رأس المائة، كمل الورد ﷺ بكلمة الإخلاص ... ". (٢)
- زعمهم أن صلاة الفاتح وحي:
"يقول صاحب الجواهر: صلاة الفاتح لما أغلق، لم تكن من تأليف البكري، ولكنه توجه إلى الله مدة طويلة أن يمنحه صلاة على النبي ﵌ فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات ... فأتاه الملك بهذه الصلاة مكتوبة في صحيفة من النور". (٣)
- فضل صلاة الفاتح:
"من ذلك قول التجاني: واعلم أن كل ما تذكره من الأذكار والصلوات على النبي ﵌ والأدعية، لو توجهت
стр. 4221
بجميعها مائة ألف عام كل يوم تذكرها مائة ألف مرة، وجميع ثواب ذلك كله ما بلغ مرة واحدة من 'صلاة الفاتح لما أغلق' فإن كنت تريد نفع نفسك للآخرة فاشتغل بها على قدر جهدك، فإنها كنز الله الأعظم.
وتحدث التجاني أيضاً عن فضل هذه الصلاة فقال: "كنت مشتغلاً بذكر صلاة الفاتح لما أغلق حين رجعت من الحج إلى تلمسان لما رأيت من فضلها وهو: أن المرة الواحدة منها بستمائة ألف صلاة ... إلى أن رحلت من تلمسان إلى أبي سمعون، فلما رأيت الصلاة التي فيها المرة الواحدة بسبعين ألف ختمة من 'دلائل الخيرات' تركت 'الفاتح لما أغلق' واشتغلت بها ... ثم أمرني ﵌ بالرجوع إلى صلاة الفاتح لما أغلق ... فأخبرني أولاً بأن المرة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانياً أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير ومن القرآن ستة آلاف مرة.
وقال أيضاً: من صلى بها -أي: بالفاتح لما أغلق- مرة واحدة حصل له ثواب ما إذا صلى بكل صلاة وقعت في العالم من كل جن وإنس وملك ستمائة ألف صلاة، من أول العالم إلى وقت تلفظ الذاكر بها.
وقال أيضاً: فلو قدرت مائة ألف أمة في كل أمة مائة ألف قبيلة في كل قبيلة مائة ألف رجل وعاش كل واحد منهم مائة ألف عام يذكر كل واحد منهم كل يوم ألف صلاة على النبي ﵌ من غير صلاة الفاتح لما أغلق، وجميع ثواب هذه الأمم كلها في مدة هذه السنين كلها في
стр. 4222
هذه الأذكار كلها ما لحقوا كلهم ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح". (١)
"ولما سئل التجاني عن تفضيله لورده على القرآن أجاب عن هذه المعارضة قائلاً: لا معارضة بين هذا وبين ما ورد من فضل القرآن والكلمة الشريفة؛ لأن فضل القرآن والكلمة الشريفة عام أريد به العموم وهذا خاص، ولا معارضة بينهما؛ لأنه كان ﷺ يلقي الأحكام للعامة في حياته، يعني إذا حرم شيئاً حرمه على الجميع وإذا افترض شيئاً افترضه على الجميع، وهكذا سائر الأحكام الشرعية الظاهرة، ومع ذلك كان ﷺ يلقي الأحكام الخاصة للخاصة .. فلما انتقل إلى الدار الآخرة -وهو كحياته ﷺ في الدنيا سواء- صار يوحي إلى أمته الأمر الخاص للخاص، ولا مدخل للأمر العام؛ فإنه انقطع بموته ﷺ ... إلخ". (٢)
- جوهرة الكمال من إملاء رسول الله ﷺ :
"يقول الشيخ الرباطي: وأما جوهرة الكمال فهي من إملاء رسول الله ﵌ لسيدنا الشيخ ... يقظة لا مناماً". (٣)
- فضائلها وأحكامها:
"من فضائلها:
١ - أن المرة الواحدة منها تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات.
٢ - أن النبي ﵌ والخلفاء الأربعة يحضرون مع
стр. 4223
الذاكر عند السابعة منها، ولا يفارقونه حتى يفرغ من ذكرها.
٣ - أن من قرأها اثنتي عشرة مرة وقال: هذه هدية مني إليك يا رسول الله فكأنما زار النبي ﵌ والأولياء والصالحين من أول الوجود إلى وقته.
٤ - أن من نزلت به شدة أو ضيق وقرأها خمساً وستين مرة فرج الله عنه في الحين.
٥ - إذا داوم على ذكرها صار وليّاً من أولياء الله.
وفي بعض هذه الفضائل يقول صاحب 'منية المريد':
ومن تلا جوهرة الكمال ... سبعاً يكون سيد الأرسال
والخلفاء الراشدون الأربعة ... ما دام ذاكراً لها بعد معه
وذاك بالأرواح والذوات ... وليس للمنكر من نجاة
من أحكامها:
١ - أن لا تقرأ إلا بالطهارة المائية.
٢ - إذا لم يكن الذاكر متوضئاً يبدلها بعشرين من صلاة الفاتح لما أغلق ولا تقرأ بالتيمم في الوظيفة ولا خارجها.
٣ - يجوز للمسافر أن يقرأ أوراده على ظهر الدابة فإذا وصل إلى جوهرة الكمال نزل عن الدابة وذكر ماشياً فإذا وصل إلى السابعة جلس حتى يتمّ الوظيفة إلا لضرورة فادحة فإنه يذكرها ماشياً على رجليه، بشرط أن لا يطأ نجاسة.
٤ - يستحب لذاكر الجوهرة نشر ثوب طاهر محقق الطهارة وإن كانت
стр. 4224
البقعة طاهرة حكماً.
وفي المنية:
ونشرنا للثوب ليس يجب ... على الذي يذكرها بل يندب
وشيخنا فعل ذا بمحضره ... فدع مقالة جهول منكره" (١)
- الهيللة:
"يقول الشيخ التجاني -مثلاً-: من الأوراد اللازمة للطريقة ذكر الهيللة بعد صلاة العصر يوم الجمعة مع الجماعة، وإن كان له إخوان في البلد فلا بد من جمعهم وذكرهم جماعة، وهذا شرط في الطريقة". (٢)
- قول التجاني بوحدة الوجود:
"قال في جواهر المعاني: ... وإبطال ما قاله أهل الظاهر من إحالة الوحدة وبطلان ما ألزموه لِمن قال بها، قال ﵁: بيانها من وجهين:
الوجه الأول: أن العالم الكبير كذات الإنسان في التمثيل، فإنك إذا نظرت إليها وجدتها متحدة مع اختلاف ما تركبت منه في الصورة والخاصية من شعر وجلد ولحم وعظم وعصب ومخ، وكذلك اختلاف جوارحه وطبائعه التي ركبت فيه وبها قيام بنيانه. فإذا فهمت هذا ظهر لك بطلان ما ألزموه من نفي الوحدة؛ لاستلزام تساوي الشريف والوضيع واجتماع المتنافيين والضدين إلى آخر ما قالوه. قلنا: لا يلزم ما ذكره هنا؛ لأنه وإن
стр. 4225
كانت الخواص متباعدة فالأصل الجامع لهذا ذات واحدة كذات الإنسان سواء بسواء.
الوجه الثاني: اتحاد ذات العالم في كونه مخلوقاً كله للخالق الواحد وأثراً لأسمائه، فلا يخرج فرد من أفراد العالم عن هذا الحكم وإن اختلفت أنواعه، فالأصل الذي برز منه واحد. فبهذا النظر هو متساوٍ فيلزم اتحاده وإن اختلفت أجزاؤه، كما ذكر في ذات الإنسان وأنها تختلف نسبه بحسب ما فصلته مشيئة الحق فيه من بين شريف ووضيع، وعالٍ وسافل، وذليل وعزيز، وعظيم الشأن وحقيره، إلى آخر النسب فيه، ولم تخرجه تفرقة النسب عن وحدة ذاتيته، كما أن ذات الإنسان واحدة، ووحدتها لا تنافي اختلاف نسب أجزائها واختصاص كل جزء بخاصية، فإن خاصية اليد غير خاصية الرجل، وخاصيتها غير خاصية العين، وهكذا سائر خواص الأعضاء والأجزاء، وإن ارتفاع وجهه في غاية الشرف، وانخفاض محله في غاية الضعة والإهانة، ولم يخرجه عن كون ذاته واحدة مع اختلاف الخواص مثل ما قلنا في ذات الإنسان ..
ثم قال ﵁: وهناك وجه ثالث في إيضاحه وهو اتحاد وجوده من حيث فيضان الوجود عليه من حضرة الحق فيضاً متحداً، ثم مثاله في الشاهد مثال المداد، فإن الحروف المتفرقة في المداد والكلمات المتنوعة والمعاني المختلفة التي دلت عليها صوره لم تخرجه عن وحدة مداديته، فإنه ما ثم إلا المداد تصور في أشكاله الدالة على المعاني المختلفة والحروف المتفرقة والخواص المتنوعة غير المؤتلفة ولا المتماثلة، فإنك إذا نظرت إلى عين تلك الصور التي
стр. 4226
اختلفت حروفها وكلماتها لم تر إلا المداد تجلى في أشكالها بما هو عين المداد فتتحد بالمدادية وتختلف بالصور والأشكال والكلمات والمعاني، فكما أن المداد في تلك الحروف عين تلك الحروف، والحروف في ذلك المداد عين ذلك المداد، وهي مختلفة الأشكال والأسرار والخواصّ والمعاني، كذلك نهاية الوجود في ذوات الوجود عين تلك الذوات، وتلك الذوات في ذلك الوجود عين ذلك الوجود، لم تخرجها عن اختلاف أشكالها وأسرارها ومعانيها وخواصها، ولا افتراقها في هذه الأمور لم يخرجها عن اتحادها في ذلك المداد. ثم قال قدس الله سره العزيز: وقد اتضح الحق لمن فهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل". (١)
- معنى الشيخ الواصل عندهم:
"قال في جواهر المعاني: اعلم أن سيدنا ﵁ سئل عن حقيقة الشيخ الواصل ما هو؟ فأجاب ﵁ بقوله: وأما ما هو حقيقة الشيخ الواصل، فهو الذي رفعت له جميع الحجب عن كمال النظر إلى الحضرة الإلهية نظراً عينياً وتحقيقاً يقينياً، فإن الأمر أوله محاضرة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر كثيف، ثم مكاشفة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر رقيق، ثم مشاهدة وهو تجلي الحقائق بلا حجاب ولكن مع خصوصية، ثم معاينة وهو مطالعة الحقائق بلا حجاب ولا خصوصية ولا بقاء للغير والغيرية عيناً وأثراً، وهو مقام السحق والمحق والدك وفناء الفناء، فليس هذا إلا معاينة الحق في الحق للحق بالحق.
стр. 4227
فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ... فلا ثَمَّ موصول ولا ثَمَّ واصل" (١)
- من كمالات الشيخ التجاني:
"قال في الجواهر: .. ومن كماله ﵁ نفوذ بصيرته الربانية وفراسته النوارنية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات، وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات". (٢)
- ادعاؤه رؤية النبي ﷺ وتلقيه عنه وسؤاله عن نسبه وعن روايات الحديث:
"قال في جواهر المعاني: قال ﵁: أخبرني سيد الوجود يقظة لا مناماً قال لي: أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان .. إلخ". (٣)
"قال مؤلف جواهر المعاني عن الصلاة المسماة بياقوتة الحقائق: هي من إملاء رسول الله ﷺ من لفظه الشريف على شيخنا يقظة لا مناماً". (٤)
"وقال أيضاً: .. سأل سيد الوجود، وعلم الشهود ﷺ في كل نفس مشهود، عن نسبه وهل هو من الأبناء والأولاد، أو من الآل والأحفاد؟ فأجابه ﷺ بقوله: 'أنت ولدي حقاً' كررها ثلاثاً ﷺ ، وقال: نسبك إلى الحسن بن علي صحيح، وهذا السؤال من سيدنا ﵁ لسيد الوجود
стр. 4228
يقظة لا مناماً، وبشره ﷺ بأمور عظام جسام ﷺ وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم". (١)
"وقال أيضاً فيما يرويه عن شيخه التجاني: قال: رأيته مرة ﷺ ، وسألته عن الحديث الوارد في سيدنا عيسى ﵇، قلت له: ورد عنك روايتان صحيحتان، واحدة قلت فيها يمكث بعد نزوله أربعين، وقلت في الأخرى سبعاً .. ما الصحيحة منها؟ قال ﷺ : رواية السبع". (٢)
- إخباره بالمغيبات:
"قال في بغية المستفيد: وأما مكاشفته ﵁، بمعنى إخباره بالأمر قبل وقوعه فيقع وفق ما أخبر به، فلا يكاد ينحصر ما حدث به الثقات عنه ﵁ .. ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه ﵁ إخباره بأمور لم تقع إلا بعد وفاته إما بالتصريح أو بالتلويح". (٣)
- اتهامه النبي ﷺ بكتمان بعض الأمر ومن ذلك صلاة الفاتح:
"قال مؤلف جواهر المعاني: وسألته ﵁: هل خبر سيد الوجود بعد موته كحياته سواء؟ فأجاب ﵁ بما نصه: الأمر العام الذي كان يأتيه عاماً للأمة طوي بساط ذلك بموته ﷺ ، وبقي الأمر الخاص الذي كان يلقيه للخاص فإن ذلك في حياته وبعد مماته دائماً لا ينقطع". (٤)
стр. 4229
"وقال مؤلف الجيش الكفيل: وسئل: هل كان ﷺ عالماً بفضل صلاة الفاتح لما أغلق؟ فقال: نعم، كان عالماً به. قالوا: ولِمَ لم يذكره لأصحابه؟ قال: لعلمه ﷺ بتأخير وقته وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت". (١)
- ادعاؤه بأن روحه تمد الأقطاب والعارفين والأولياء:
"نقل مؤلف كتاب رماح حزب الرحيم عن التجاني قوله: إن روح النبي ﷺ وروحي هكذا -وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها- فروحه تمد الأنبياء وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء". (٢)
- ادعاؤه تلقي الفيوض من ذوات الأنبياء وتفريقها على جميع الخلائق:
"قال مؤلف بغية المستفيد: قال ﵁: إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود ﷺ تتلقاها ذوات الأنبياء، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور .. وقال: لا يتلقى ولي فيضاً من الله تعالى إلا بوساطته ﵁ من حيث لا يشعر به، ومدده الخاص به إنما يتلقاه من النبي ﷺ ". (٣)
- كلامه عن حقيقة الولاية:
"قال مؤلف جواهر المعاني: .. وسألته ﵁ عن حقيقة الولاية، فأجاب ﵁ بما نصه، قال: الولاية خاصة وعامة، فالعامة: هي من
стр. 4230
آدم ﵇ إلى عيسى ﵇، والخاصة: هي من سيد الوجود ﷺ إلى الختم، والمراد بالخاصة هي من اتصف صاحبها بأخلاق الحق الثلاثمائة على الكمال ولم ينقص منها واحد، إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من اتصف بواحد منها دخل الجنة، وهذا خاص بسيد الوجود ﷺ ومن ورثه من أقطاب هذه الأمة الشريفة إلى الختم .. هكذا قال، ونسبه للحاتمي ﵁. ثم قال سيدنا ﵁: لا يلزم من هذه الخصوصية التي هي الاتصاف بالأخلاق على الكمال أن يكونوا كلهم أعلى من غيرهم في كل وجه، بل قد يكون من لم يتصف بها أعلى من غيره في المقام، وأظنه يشير إلى نفسه ﵁ وبعض الأكابر، لأنه أخبره سيد الوجود ﷺ بأن مقامه أعلى من جميع المقامات ... انتهى من إملائه علينا ﵁". (١)
- ادعاؤه أنه الخاتم المحمدي:
"قال مؤلف بغية المستفيد: فقد ثبت عنه من طريق الثقات الأثبات من ملازميه وخاصته، أنه أخبر تصريحاً على الوجه الذي لا يحتمل التأويل أن سيد الوجود أخبره يقظة بأنه هو الخاتم المحمدي المعروف عند جميع الأقطاب والصديقين، وبأن مقامه لا مقام فوقه في بساط المعرفة بالله". (٢)
" .. ومعنى كونه خاتماً لمنصب الولاية المحمدية ألا يظهر أحد في ذلك المنصب بمثل الظهور الذي ظهر به فيه، فهو خاتم لكمال الظهور في ذلك
стр. 4231
المنصب لا لنفس الظهور". (١)
- ضمانه الجنة بغير حساب ولا عقاب لأتباعه وذويهم ولو عملوا من الذنوب والمعاصي ما عملوا:
"قال مؤلف الجواهر: اطلعت على ما رسمه وخطه، ونصه: .. أسأل من فضل سيدنا رسول الله ﷺ أن يضمن لي دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى، أنا وكل أب وأم ولدوني من أبوي إلى أول أب وأم لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمي، من كل ما تناسل منهم من وقتهم إلى أن يموت سيدنا عيسى بن مريم من جميع الذكور والإناث .. وكل من أحسن إليّ بإحسان حسي أو معنوي من مثقال ذرة فأكثر .. وكل من لم يعادني من جميع هؤلاء، أما من عاداني وأبغضني فلا، وكل من والاني واتخذني شيخاً أو أخذ عني ذكراً، وكل من خدمني أو قضى لي حاجة .. وآباؤهم وأمهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم .. يضمن لي سيدنا رسول الله ﷺ ولجميع هؤلاء أن نموت وكل حي منهم على الإيمان والإسلام .. ثم قال: كل ما في هذا الكتاب ضمنته لك ضمانة لا تتخلف عنك وعنهم أبداً إلى أن تكون أنت وجميع من ذكرت في جواري في عليين، وضمنت لك جميع ما طلبته منا ضماناَ لا يخلف عليك الوعد فيها والسلام .. ثم قال: وكل هذا واقع يقظة لا مناماً". (٢)
"ونقل مؤلف كتاب رماح حزب الرحيم عن التجاني قوله: .. وليس
стр. 4232
لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي، ووراء ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه لهم ﷺ أمر لا يحل ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة". (١)
"وقال مؤلف بغية المستفيد: إن من جملة ما ذكره سيدنا ﵁ من فضل هذا الورد العظيم عن نبينا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، أن كل من أخذه عن الشيخ أو عمن عنده الإذن الصحيح في التلقين، يكون مقامه ومستقره من فضل الله تعالى في أعلى عليين بجوار سيد المرسلين وإمام المتقين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، ويغفر الله له تعالى بفضله من ذنوبه الكبائر والصغائر، وتؤدى عنه التبعات من خزائن الرب المجيد القادر، ولذلك كان آمناً من أن يروعه هول المحشر، أو يؤلمه ضنك القبر، وأزواجه وأولاده المنفصلون عنه دنية، وكذا أبواه داخلون معه في هذا الخير الجزيل، بشرط ألا يصدر بغض من الجميع في هذا الشيخ الجليل وجانبه الأعز المنيع". (٢)
"وقال في الجيش الكفيل بأخذ الثأر: وسألته ﷺ لكل من أخذ عني ورداً أن تغفر لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر، وأن تودى عنهم تبعاتهم من خزائن فضل الله لا من حسناتهم، وأن يدفع الله عنهم محاسبته ... وأن يكونوا آمنين من عذاب الله من الموت إلى دخول الجنة بلا حساب ولا
стр. 4233
عقاب في أول الزمرة الأولى، وأن يكونوا معي في عليين في جوار النبي ﷺ فقال لي النبي ﷺ : ضمنت لك هذا ضماناً لا ينقطع حتى تجاورني أنت وهم في عليين". (١)
- ضمانه الجنة لمن نظر إليه يوم الجمعة والاثنين ولمن رأى حلته:
"ذكر مؤلف جواهر المعاني عن التجاني أنه قال: .. من حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الاثنين يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، إن لم يصدر منه سب في جانبنا ولا بغض ولا إذاية، ومن حصل له النظر في هذين اليومين فهو من الآمنين إن مات على الإيمان، وإن سبق أنه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلا كافراً فهذا ما يمكن إعلامكم به في هذا الوقت، وفي وقت آخر يفعل الله ما يشاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". (٢)
"قال مؤلف كتاب رماح حزب الرحيم: .. رأيت شيخنا التجاني ﵁ وأرضاه -وعنّا به- في واقعة من الوقائع وبيده حلة من نور وقال لي ﵁ وأرضاه -وعنّا به-: من رأى هذه الحلة دخل الجنة. ثم ألبسني إياها ﵁". (٣)
"وقال مؤلف بغية المستفيد: وأما الكرامة الثالثة وهي دخول الجنة لمن رآه ﵁ في اليومين الاثنين والجمعة، فهي من كراماته ﵁ التي طارت بها الركبان وتواترت بها الأخبار في سائر الأقطار والبلدان،
стр. 4234
بإخبار من النبي ﷺ ولفظه الشريف فيما أخبر به سيدنا ﵁ بعزة ربي: يوم الاثنين والجمعة لا أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك، وكل من يراك في اليومين يكتبون -يعني الأملاك السبعة- اسمه في رقعة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنة وأنا شاهد على ذلك، ولتكثر من الصلاة عليّ في هذين اليومين فكل صلاة تصليها عليّ نسمعك ونرد عليك، وكذلك جميع أعمالك تعرض عليّ والسلام". (١)
سليمان بن عبد الله آل الشيخ (٢) (١٢٣٣ هـ)
سليمان بن عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي، العلامة، المجاهد. ولد في الدرعية سنة مائتين وألف من الهجرة، واشتغل بالعلم بحثا ومراجعة على مجموعة من الشيوخ منهم والده الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد والشيخ حمد بن معمر والشيخ عبد الله الغريب والشيخ حسين بن غنام والشيخ محمد بن علي الشوكاني وغيرهم. جعله الإمام سعود قاضيا في مكة المكرمة مع حداثة سنه وطراوة شبابه، ثم رجع إلى الدرعية وصار قاضيا أيضا واختاره الإمام سعود مدرسا في قصره. قال عنه ابن بشر: فيا له من عالم قدير وحافظ متقن خبير إذا شرع يتكلم على الأسانيد والرجال والأحاديث وطرقها وروايتها فكأنه لا يعرف غيرها في إتقانه وحفظه. أخذ عنه العلم
стр. 4235
عدد كثير من أهل الدرعية وغيرهم منهم الشيخ محمد بن سلطان وغيره.
توفي سنة ثلاث وثلاثين بعد المائتين والألف قتله إبراهيم باشا غدرا بعد أمان الدرعية، فرحمة الله عليه.
موقفه من المبتدعة:
له من الآثار السلفية:
'تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد'، والكتاب مطبوع متداول وهو من أحسن الشروح وأطولها -فيما نعلم- جمع فيه المؤلف آثارا وأحاديث كثيرة، وقد يسر الله بعض إخواننا من أهل الكويت، فاعتنى بالكتاب، فخرج أحاديثه تخريجا جيدا مع فتح المجيد في كتاب سماه: 'النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد'.
'الدلائل في عدم موالاة أهل الشرك' ذكره في علماء نجد.
- مقتل الشيخ سليمان في سبيل عقيدته السلفية:
"لم يزل على حاله الحميدة من الانقطاع للعلم والإقبال عليه والإعراض عن الدنيا والعبادة والصلاح والتقى حتى أصيبت الدرعية بجيش الدولة العثمانية بقيادة إبراهيم باشا، الذي انتهى بالاستيلاء على المدينة بالصلح وتأمين الأنفس والأموال، إلا أن رجلا بغداديا في جيش الباشا، وشى بالشيخ سليمان وبأفراد معه، فغدر بهم الباشا وقتلهم". (١)
من مواقفه ﵀:
стр. 4236
- قال في التيسير: كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من القرآن، وضرب الأمثال لذلك، وأكده وتوعد على الإعراض عنه، وما ذاك إلا لشدة الحاجة، بل الضرورة إلى ذلك فوق كل ضرورة، فإنه لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بذلك، ومتى لم يحصل ذلك للعبد فهو ميت.
كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ (١).
فسمى الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا، وسمى من حصل له ذلك حيا، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله تعالى، ومعرفته وخدمته، والإخلاص له، والاستلذاذ بذكره، والتذلل لعظمته، والانقياد لأوامره، والإنابة إليه، والإسلام له، فإذا حصل هذا للعبد، فهو الحي، بل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين.
كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) فإذا فاته هذا المقصود فهو ميت، بل شر من الميت.
فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (١).
فيا عجبا ممن يزعم أن الهداية والسعادة لا تحصل بالقرآن ولا بالسنة، مع أن النبي ﷺ لم يهتد إلا بذلك. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ (٢) ثم بعد ذلك يحيلها على قول فلان وفلان. وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فوجب على كل من عقل عن الله أن يكون على بصيرة ويقين في دينه. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٤).
ومحال أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
стр. 4240
وكيف ينال الهدى والإيمان من زعم أن ذلك لا يحصل من القرآن، إنما يحصل من الآراء الفاسدة التي هي زبالة الأذهان. تالله لقد مسخت عقول. هذا غاية ما عندها من التحقيق والعرفان.
وهذه المتابعة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ هي حقيقة دين الإسلام، الذي افترضه الله على الخاص والعام، وهو حقيقة الشهادتين الفارقتين بين المؤمنين والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، إذ معنى الإله: هو المعبود المطاع، وذلك هو دين الله الذي ارتضاه لنفسه وملائكته ورسله وأنبيائه. فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا المرسلون.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدون﴾ (١) ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (٢) فلا يتقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين. (٣)
موقفه من الرافضة:
- جاء في تيسير العزيز الحميد: قوله: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (٤). فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁، لأن النبي ﷺ شهد له