- قال في التيسير: كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من القرآن، وضرب الأمثال لذلك، وأكده وتوعد على الإعراض عنه، وما ذاك إلا لشدة الحاجة، بل الضرورة إلى ذلك فوق كل ضرورة، فإنه لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بذلك، ومتى لم يحصل ذلك للعبد فهو ميت.
كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ (١).
فسمى الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا، وسمى من حصل له ذلك حيا، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله تعالى، ومعرفته وخدمته، والإخلاص له، والاستلذاذ بذكره، والتذلل لعظمته، والانقياد لأوامره، والإنابة إليه، والإسلام له، فإذا حصل هذا للعبد، فهو الحي، بل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين.
كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) فإذا فاته هذا المقصود فهو ميت، بل شر من الميت.
فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (١).
فيا عجبا ممن يزعم أن الهداية والسعادة لا تحصل بالقرآن ولا بالسنة، مع أن النبي ﷺ لم يهتد إلا بذلك. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ (٢) ثم بعد ذلك يحيلها على قول فلان وفلان. وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فوجب على كل من عقل عن الله أن يكون على بصيرة ويقين في دينه. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٤).
ومحال أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
стр. 4240
وكيف ينال الهدى والإيمان من زعم أن ذلك لا يحصل من القرآن، إنما يحصل من الآراء الفاسدة التي هي زبالة الأذهان. تالله لقد مسخت عقول. هذا غاية ما عندها من التحقيق والعرفان.
وهذه المتابعة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ هي حقيقة دين الإسلام، الذي افترضه الله على الخاص والعام، وهو حقيقة الشهادتين الفارقتين بين المؤمنين والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، إذ معنى الإله: هو المعبود المطاع، وذلك هو دين الله الذي ارتضاه لنفسه وملائكته ورسله وأنبيائه. فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا المرسلون.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدون﴾ (١) ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (٢) فلا يتقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين. (٣)
موقفه من الرافضة:
- جاء في تيسير العزيز الحميد: قوله: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (٤). فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁، لأن النبي ﷺ شهد له
стр. 4241
بذلك، ولكن ليس هذا من خصائصه. قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصا بعلي ولا بالأئمة، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين يتبرءون منه ولا يتولونه، بل لقد يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك، لكن هذا باطل فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم أنه يموت كافرا. (١)
الحسن بن خالد الحَازِمِي (٢) (١٢٣٤ هـ)
العلامة الحسن بن خالد بن عز الدين بن محسن بن عز الدين، الحازمي التهامي. مولده في هجرة "ضمد" سنة ثمان وثمانين ومائة وألف من الهجرة. أخذ العلم عن القاضي أحمد بن عبد الله الضمدي، وكان وزيرا للشريف حمود بن محمد، وشهد ما ينيف على عشرين وقعة.
قال القاضي حسن عاكش: إن صاحب الترجمة أربى في تحقيقه على الأقران، وسارت بذكره الركبان، وبرع في علمي التفسير والحديث، وإليه الغاية في معرفة الفقه والعلوم الآلية، وآخر أمره جعل همه الاشتغال بعلمي الكتاب والسنة والعمل بما قاد إليه الدليل، والميل عما اختاره العلماء من
стр. 4242
الأقاويل، وجزم بتحريم التقليد.
توفي ﵀ في معركته مع الأتراك بعد انهزام هذه الأخيرة، برصاصة أزهقت روحه، فسقط على إثرها ميتا، سنة أربع وثلاثين بعد المائتين والألف.
موقفه من المبتدعة:
- له من الآثار السلفية:
١ - رسالة جيدة وجهها إلى الأمير عبد الله بن سعود، ذكرها صاحب تاريخ المخلاف السليماني (١).
٢ - نثر الدرر على منظومة الشيخ محمد سعيد سفر في عدم التعصب والابتداع. ذكره في نيل الوطر (٢).
٣ - 'وجوب هدم المشاهد والأضرحة والقباب'.
٤ - 'قوت القلوب بمنفعة توحيد علام الغيوب'.
ذكرهما صاحب 'أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب'. (٣)
علي بن محمد السُّوَيْدِي (٤) (١٢٣٧ هـ)
العلامة المحدث أبو المعالي علي بن أبي السعود محمد سعيد بن عبد الله ابن الحسين السويدي العباسي البغدادي. ولد في بغداد، وأقام بدمشق. أخذ
стр. 4243
عن أبيه أبي عبد الله محمد سعيد وعمه عبد الرحمن، وبه تخرج، والشيخ محمد الكزبري والشيخ مرتضى الزبيدي ومفتي بغداد محمود الآلوسي وغيرهم.
قال عنه صاحب جلاء العينين: أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو الثناء الآلوسي: كان لأهل السنة برهانا، وللعلماء المحدثين سلطانا، ما رأيت أكثر منه حفظا، ولا أعذب منه لفظا، ولا أحسن منه وعظا، ولا أفصح منه لسانا، ولا أوضح منه بيانا، ولا أكمل منه وقارا، ولا آمن منه جارا، ولا أكثر منه حلما، ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علما.
توفي ﵀ في دمشق سنة سبع وثلاثين بعد المائتين والألف.
موقفه من المبتدعة:
الشيخ علي السويدي، من أكابر علماء العراق في وقته، اشتهر بالمعقول والمنقول.
- له من الآثار السلفية:
- 'العقد الثمين في بيان أصول الدين'، والكتاب مطبوع وتوجد منه نسخة مخطوطة ومطبوعة في المكتبة السعودية. وقد مدحه الشيخ محمد خليل الدمشقي بقصيدة طويلة جيدة منها:
عقائد هي عين الحق هادية ... إلى صراط سوي جل عن دغل
من سنة المصطفى والآي قد نسجت ... تلك البرود فكانت أشرف الحلل
وطرزت بدراري العقل ساطعة ... منها البراهين تمحو غيهب الزلل
قد أظهرت بدعا صارت ترى سننا ... لدى الآلي سكروا عن شرعة الرسل
قوم هم نهجوا سبل الغواية إذ ... زاغوا فعندهم إبليس خير ولي
стр. 4244
قال صاحب غاية الأماني: وكان هذا الفاضل رحمه الله تعالى، من أعيان دمشق، علماء دمشق الشام، وكان سلفي العقيدة. وكم له من قصائد غراء منع فيها الاستغاثة والالتجاء بغير الله تعالى، وكان سيفا في أعناق الغلاة المبتدعة عبدة القبور. (١)
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الحُصَيِّن (٢) (١٢٣٧ هـ)
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الحصين الناصري العمري التميمي. ولد في قرية الوقف من قرى الوشم سنة أربع وخمسين ومائة وألف. وأخذ الفقه منذ صغره عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل، ثم أخذ العلم عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وابنه الشيخ عبد الله والشيخ حسين والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم. كان ﵀ عالما عاملا زاهدا ورعا، مهيبا فقيها، واسع الاطلاع، وأوقاته كلها معمورة بالعبادة والتعليم، وجعل الله في علمه البركة وانتفع به خلق كثير، وله مواقف مشرفة مع الملوك والأمراء.
قال ابن بشر: وكان يحب طالب العلم محبة عظيمة كأنه ولده، بالتودد إليه وتعليمه وإدخال السرور عليه، والقيام بما ينوبه من بيت المال، وكانت كلمته مسموعة، وقوله نافذا عند الرؤساء ومن دونهم. ولي القضاء في الوشم في ولاية الإمام عبد العزيز بن محمد والإمام سعود بن عبد العزيز وعبد الله بن سعود.
стр. 4245
وأخذ عنه عدة من العلماء منهم الشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ إبراهيم بن سيف والشيخ محمد بن نشوان والشيخ محمد بن عبد الله الحصين وغيرهم.
توفي ﵀ في بلدة شقراء في رجب سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف للهجرة.
موقفه من المشركين:
- جاء في علماء نجد: وكان موضع الثقة عند ملوك آل سعود وعند أئمة الدعوة، ولذا أرسله الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١١٨٥هـ إلى والي مكة المكرمة آنذاك الشريف أحمد بن سعيد لمناظرة علماء مكة، وأرسل معه الشيخ محمد رسالة إلى الشريف المذكور، فقدم مكة ونزل عند الشريف الملقب -الفعر- واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده، وهم يحيى بن صالح الحنفي وعبد الوهاب بن حسن التركي -مفتي السلطان- وعبد الغني بن هلال، وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقت المناظرة فيها.
الأولى: ما ينسب إلى أهل نجد من التكفير بالعموم.
الثانية: هدم القباب التي على القبور.
الثالثة: إنكار دعوة الصالحين لطلب الشفاعة منهم.
وبعد البحث أذعنوا بأن الصواب في المسألة الثانية والثالثة هو هدم القباب، ومنع طلب الشفاعة إلا من الله تعالى، وأنه مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد. كما بين لهم الشيخ الحصين أن نسبة تكفير عموم المسلمين إلى أهل نجد كذب وبهتان، فرجع منهم ظافرا مكرما.
ولما كانت سنة أربع ومئتين وألف من الهجرة أرسل الشريف غالب بن
стр. 4246
مساعد أمير مكة كتابا إلى الإمام عبد العزيز بن محمد ذكر له فيه أن يبعث إليه رجلا عارفا من أهل الدين يعرفه حقيقة أمر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأرسل إليه المترجم -أي الشيخ عبد العزيز الحصين-، وكتب معه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة إلى علماء مكة المكرمة بين لهم فيها دعوته، ونفى ما يشاع عنه وعن دعوته من الأكاذيب.
فقدم الشيخ عبد العزيز الحصين مكة، فأكرمه الأمير غالب واجتمع معه مرات، وعرض عليه رسالة الشيخ، فعرف ما بها من الحق والهدى، فأذعن لذلك وأقر به، ولكنه بعد زمن أبى وتمسك بقديم سنته، فطلب منه الشيخ عبد العزيز الحصين أن يحضر العلماء ليقف على كلامهم ويناظرهم في أصول التوحيد، فأبوا الحضور، وقالوا للشريف: هؤلاء الجماعة ليس عندهم بضاعة إلا إزالة نهج آبائك وأجدادك ورفع يدك عما يصل إليك من خير بلادك، فطار لبه حين سمع هذا الكلام، وأصر على ما كان عليه، فمنها ثار الخلاف بين الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود والشريف غالب، ثم تطور إلى القتال، وانتهى باستيلاء الحكومة السعودية على الحجاز. (١)
السلطان المولى سليمان (٢) (١٢٣٨ هـ)
سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي، أبو الربيع، سلطان المغرب
стр. 4247
الأقصى، بويع بفاس سنة ست ومائتين وألف من الهجرة، بعد وفاة أخيه يزيد ابن محمد إثر معركته مع أخيه هشام.
قال الكتاني: كان من نوادر ملوك البيت العلوي في الاشتغال بالعلم وإيثار أهله بالاعتبار. وقال صاحب الاستقصا: وأما الدين والتقوى، فذلك شعاره الذي يمتاز به، ومذهبه الذي يدين الله به، من أداء الفريضة لوقتها المختار حضرا وسفرا، وقيام رمضان وإحياء لياليه. وقال أيضا: وكانت القبائل في دولته قد تمولت ونمت مواشيها وكثرت الخيرات لديها من عدله وحسن سيرته. وكان ﵀ في أواخر أيامه قد سئم الحياة ومل العيش، وأراد أن يترك أمور البلاد لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام، وأن يتجرد لعبادة ربه حتى يأتيه اليقين. وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف، مرض السلطان مرضا أدى إلى وفاته بعد أن عهد كتابة بالإمارة للمولى عبد الرحمن، ودفن ﵀ بباب آيلان من مراكش.
موقفه من المبتدعة:
كان هذا الملك من أعقل ملوك أهل زمانه، وأذكاهم وأعلمهم وأفضلهم. حيث إن الملوك الآخرين لما وصلتهم خطابات أمير الرياض والحرمين الشريفين، تسرعوا في الرد عليه، والهجوم بألسنة علمائهم وكتابهم، في وصفه بالمروق والخروج عن الدين، ولكن هذا الملك الفاضل أرسل ابنه الأمير إبراهيم إلى الحج لمشاهدة الحال، فجهزه وأرسل معه مجموعة من العلماء والعقلاء، فذهب الأمير والمرافقون فوجدوا من الخير والحق، ما كان مصورا خلافه في أذهانهم، فرجعوا مقتنعين بالدعوة السلفية بعد المناظرات
стр. 4248
التي جرت في الحجاز والاستفسارات التي كانت نتيجتها معرفة الحق الواضح.
- قال صاحب الاستقصا (١): وفي هذه المدة أيضا، وصل كتاب عبد الله بن سعود الوهابي النابع من جزيرة العرب المتغلب على الحرمين الشريفين. المظهر لمذهبه بهما إلى فاس المحروسة.
- وقال (٢): ولما استولى ابن سعود على الحرمين الشريفين، بعث كتبه إلى الآفاق كالعراق والشام ومصر والمغرب، يدعو الناس إلى اتباع مذهبه والتمسك بدعوته، ولما وصل كتابه إلى تونس بعث مفتيها نسخة منه إلى علماء فاس، فتصدى للجواب عنه الشيخ العلامة الأديب أبو الفيض حمدون ابن الحاج.
قال صاحب الجيش العرمرم: كان تصدى الشيخ أبو الفيض لذلك الجواب بأمر السلطان وعلى لسانه، وذهب بجوابه ولده المولى إبراهيم بن سليمان حين سافر للحج.
قال صاحب الاستقصا: وهذا يقتضي أن كتاب ابن سعود ورد على السلطان المولى سليمان بالقصد الأول، لا أن نسخة منه وردت بواسطة علماء تونس والله تعالى أعلم.
- وجاء في الفكر السامي: ومن خطبه، خطبته في ردع رعيته عن بدع المواسم التي تجعل للصالحين، نقلتها بلفظها في كتاب برهان الحق. وكان
стр. 4249
شديد الإنكار لمثل هذه البدع واقفا مع السنة شديد التحري. (١)
- قال عبد الحفيظ الفاسي: وأمر بقطع المواسم التي هي كعبة المبتدعة والفاسقين، وكتب رسالته المشهورة، وأمر سائر خطباء إيالته بالخطبة بها على سائر المنابر إرشادا للناس لاتباع السنن ومجانبة البدع، ولولا مقاومة مشايخ الزوايا من أهل عصره له؛ وبَثهم الفتنة في كافة المغرب وتعضيد من خرج عليه من قرابته وغيرهم؛ واشتغاله بمقاتلتهم وإنكاره أمامهم، لولا كل ذلك لعمت دعوته الإصلاحية كافة المغرب، ولكن بوجودهم ذهبت مساعيه أدراج الرياح، فذهبت فكرة الإصلاح ونصرة مذهب السلف بموته. (٢)
- وفي الاستقصا: بعد كلامه على حج الأمير إبراهيم بن سليمان وبيان ما شاهدوه من الأمير ابن سعود وأتباعه من اتباعهم للسنة المحمدية قال: إن السلطان المولى سليمان ﵀، كان يرى شيئا من ذلك، ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها ﵁ من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة. (٣)
ونص الخطبة قد نشره عبد السلام السرغيني في رسالته 'المسامرة'، وعبد الله كنون في 'النبوغ المغربي'، وإبراهيم الكتاني، ثم محمد تقي الدين الهلالي في رسالة صغيرة مطبوعة مستقلة، وقبلهم أبو القاسم الزياني في 'الترجمانة الكبرى' وهو مطبوع متدوال.
стр. 4250
وهذا نصها: (الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة. وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة. وحفظ ملة نبيه الكريم، وصفيه الرؤوف الرحيم من الإضاعة إلى قيام الساعة، وجعل التأسي به أنفع الوسائل النافعة، أحمده حمدا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه، وأشكره شكرا يقصر عنه لسان البراعة، وأستمد معونته بلسان المذلة والضراعة. وأصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة، على العموم والإشاعة، والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة.
أما بعد:
أيها الناس، شرح الله لقبول النصيحة صدوركم، وأصلح بعنايته أموركم، واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم. فإن الله قد استرعانا جماعتكم، وأوجب لنا طاعتكم. وحذرنا إضاعتكم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، سيما فيما أمر الله به ورسوله، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية، وإجماع الأمة المحمدية ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). ولهذا نرثي لغفلتكم أو عدم إحساسكم، ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم، فألقوا لأمر الله آذانكم،
стр. 4251
وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم. وطهروا من دنس البدع إيمانكم، وأخلصوا لله إسراركم وإعلانكم.
واعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها. وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها. وكلفكم لينظر عملكم، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه، واعرفوا فضله عليكم وعوه، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون. وافترقوا أوزاعا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، فيما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا، وتسموا فقراء، وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١). وكل ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة، وسبة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة، وتلبيس وضلال، وتدليس شيطاني وخبال، زينه الشيطان لأوليائه، فوقتوا له أوقاتا، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا، وتصدى له أهل البدع من عيساوة وجلالة وغيرهم، من ذوي البدع والضلالة، والحماقة والجهالة، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات، وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات، وكل ذلك حرام ممنوع، والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع.
فأنشدكم الله عباد الله هل فعل رسول الله ﷺ لعمه سيد الشهداء موسما؟ وهل فعل سيد هذه الأمة أبو بكر لسيد الأرسال ﷺ ، وعلى جميع
стр. 4252
الصحابة والآل موسما؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين ﵃ أجمعين؟ ثم أنشدكم الله، هل زخرفت على عهد رسول الله المساجد؟ أو زوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد؟ كأني بكم تقولون في نحو هذه المواسم المذكورة وزخرفة أضرحة الصالحين، وغير ذلك من أنواع الابتداع حسبنا الاقتداء والاتباع، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ (١) وهذه المقالة قالها الجاحدون، هيهات هيهات لما توعدون. وقد رد الله مقالهم ووبخهم وما أقالهم، فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدين وأهل الصلاح والدين، «خير القرون قرني» (٢) الحديث. وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها. فقد قبض رسول الله ﷺ وعقد الدين قد سجل، ووعد الله بإكماله قد عجل، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). قال عمر بن الخطاب ﵁ على منبر رسول الله ﷺ ، بحضرة الصحابة ﵃: (أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت الفرائض، وتركتم على الجادة؛ فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا). فليس في دين الله ولا في ما شرع نبي الله أن يتقرب بغناء ولا شطح.
والذكر الذي أمر الله به
стр. 4253
وحث عليه ومدح الذاكرين به، هو على الوجه الذي كان يفعله ﷺ ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد، فهذه سنة السلف وطريقة صالح الخلف، فمن قال بغير طريقهم فلا يستمع، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١). ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٢). فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع؟ أأمنا من مكر الله؟ أم تلبيسا على عباد الله؟ أم منابذة لمن النواصي بيده؟ أم غرورا لمن الرجوع بعد إليه؟ فتوبوا واعتبروا وغيروا المناكر واستغفروا، فقد أخذ الله بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع. ما بين العاصي والمداهن المطيع، أفيزين لكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم؟ فتوبوا إلى رب الأرباب، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ (٣). ومن أراد منكم التقرب بصدقة أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة، فعلى من
стр. 4254
ذكر الله في كتابه ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه، كذوي الضرورة الغير الخافية، والمرضى الذين لستم بأولى منهم بالعافية، ففي مثل هذا تسد الذرائع وفيه تمتثل أوامر الشرائع.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، ولا يتقرب إلى مالك النواصي بالبدع والمعاصي، بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون والأتقياء المفلحون، أكل الحلال وقيام الليالي ومجاهدة النفس في حفظ الأحوال بالأقوال والأفعال، البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد، ونصيحة تهتدى، وأمانة تُؤدى، وخُلُق على خُلُق القرآن يحذى، وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الآثام، وبيع النفس والمال من الله. ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٢) الآية. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣) الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام
стр. 4255
الشرعية بالبدع والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ (١) عن المقدام ابن معدي كرب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونها فيسأل عنهم ويسألون عنه» (٢)
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ (٣) فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، أو يعينهم على باطلهم. فإياكم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية، فمن المنقول عن الملل والمشهور في الأواخر والأول أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم، أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء، وحلت النقماء وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقعت بركة
стр. 4256
الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد.
والأدب مع الله ثلاثة:
حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع، ومراعاتها في الضيق والاتساع، لا ما يفعله هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ أو قال: أوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولي عليكم، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢).
وها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم. فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه، وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
стр. 4257
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (١).
التعليق:
يستفاد من هذا النص المبارك:
١ - مدى تأثر هذا السلطان بالعقيدة السلفية.
٢ - قوة علمه وإدراكه في الاستدلال بالكتاب والسنة.
٣ - بيان الحالة التي كان عليها أهل ذلك الزمان من ترد في الخرافات والشركيات والطرق الصوفية.
٤ - اعتماده في الاستدلال على فعل السلف وفي مقدمتهم الصحابة.
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٢) (١٢٤٢ هـ)
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الدرعية سنة خمس وستين ومائة وألف من الهجرة، وتفقه على أبيه وغيره. وبعد وفاة أبيه وشيخه، تصدى لنشر الدعوة السلفية والرد على المخالفين بالحجة والبرهان. كان ذا فهم جيد وحافظة قوية وذهن سيال وقريحة وقادة، وكان ﵀ يعتبر المرجع الأساسي في الأعمال الدينية والشؤون الشرعية في المملكة السعودية في عهد ثلاثة أئمة من حكام آل سعود هم: الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وحفيده عبد الله بن سعود.
стр. 4258
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: أدرك في الأصول والفنون أعلاها، وتفنن في علوم الإسلام حتى بلغ علاها، كان عارفا بالتفسير لا يجارى، وبأصول الدين، وإليه فيها المنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية. وقال أيضا: كان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول قيام، ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة، والافتقار إلى الله، والانكسار والانطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم ير في معناه مثله. أخذ عنه العلم علماء أجلاء منهم بنوه سليمان وعلي وعبد الرحمن والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف والشيخ أبا بطين والشيخ محمد بن مقرن وغيرهم. اعتقل ﵀ عند دخول إبراهيم باشا للدرعية، وأرسل إلى مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة، واستقر بالقاهرة إلى أن توفي بها سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف.
موقفه من الرافضة:
- له من الآثار السلفية:
- 'جواب أهل السنة النبوية في نقد كلام الشيعة والزيدية'، وقد طبع بحمد الله.
عبد العزيز بن حمد آل معمر (١) (١٢٤٤ هـ)
الشيخ الإمام عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن معمر، ولد في مدينة
стр. 4259
الدرعية سنة ثلاث ومائتين وألف من الهجرة، وأخذ عن علمائها منهم والده ﵀ والشيخ عبد الله بن محمد وحسين بن محمد وعلي بن محمد، أبناء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والشيخ حسين بن غنام وغيرهم. شغل جميع وقته في تحصيل العلم وطلبه، فصار عالما مجتهدا له اليد الطولى في التفسير والحديث والنحو والفقه. عينه الإمام سعود في جملة قضاة الدرعية.
قال ابن بشر: كان فقيها أديبا ومتواضعا، حسن البحث والسيرة، ذا شهرة في العلوم والديانة، وله أشعار رائعة لا سيما في أهل الدرعية. وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: كان أديبا بارعا، وعالما محققا، وفقيها مدققا، حاضر البديهة، قوي العارضة، فصيح اللسان، بليغ القول، مشاركا في شتى العلوم الأصولية والفروعية، ورعا زاهدا، متقللا من الدنيا، بعيدا عن مفاتنها وزخارفها، له اليد الطولى والباع الواسع في التصنيف والتأليف، ونشر العلم، وتخريج الكثير من الطلاب، والرد على المعارضين، وإفحام المخاصمين.
توفي ﵀ في البحرين سنة أربع وأربعين ومائتين وألف. ورثاه كثير من الأدباء والعلماء منهم الشيخ أحمد بن علي آل مشرف ﵀ في أبيات منها:
لقد صار في الإسلام ثلم بموته وقد كان للإسلام حصنا ومفزعا فأصبح مقصودا لمن طلب الهدى لقد فقد العلم العزيز ونشره هو البحر إن رمت العلوم وبحثها ... وكلم فمن ذا بالعلاج يحاول
إذا نزلت بالمسلمين النوازل
وكل لنيل المعالي وسائل
لدن فقدت عبد العزيز المحافل
سوى أنه للبحر يوجد ساحل
стр. 4260
موقفه من المشركين:
- له من الآثار: 'منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب' رد فيه على كتاب 'مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن' لقسيس إنجليزي.
- ومما جاء فيه: ولما كان الله تعالى قد أمر رسوله بإقامة الحجة على الكافرين بطريق الجدال، وشرع ذلك في السور المكية والمدنية حتى بعد فرض القتال، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ (٢) وأمره بعد إقامة الحجة على النصارى بالمجادلة أن يدعوهم إلى الملاعنة والمباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ (٣).
стр. 4261
فلم يزل ﷺ في جدال الكفار على اختلاف مللهم، وتباين نحلهم إلى حين وفاته، وكذلك أصحابه من بعده، ومن تبعهم من أئمة الدين وحماته، وبهذا الأمر قام الدين، واتضح منهاجه للعابدين، وإنما جعل السيف ناصرا للحجة والبرهان، مسهلا طريق البلاغ إلى المكلفين بالسنة والقرآن، وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأتباعه، الذين بذلوا نفوسهم لله ابتغاء مرضاته. (١)
- وقال: والمقصود أن شريعة محمد ﷺ موافقة لدين المسيح في التوحيد، وأصول الديانات، وإن خالفته في بعض ما دون ذلك من الشرائع، لكنها مخالفة لما ابتدعه ضلال النصارى، واخترعوه من قبل أنفسهم، وبدلوا به دين المسيح من الغلو في المخلوق حتى أنزلوه منزلة الخالق وادعوا أنه الله، وأنه ابن الله، تعالى الله وتقدس، وتنزه عن قولهم علوا كبيرا، وكذا ما بدلوه من فروع دين المسيح ﵇، كاستحلال الميتة والخنزير، وإحداث البدع في العبادات، مما نسخوا به دين المسيح ﵇، فبعث الله رسوله محمدا ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى متابعة عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم، وتصديقه في بشارته بخاتم الرسل وسيدهم في الدنيا والآخرة الذي هو أولى الناس به، كما ثبت عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال: «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» أخرجه البخاري
стр. 4262
ومسلم (١)، وإخوة العلات: أبناء أمهات شتى من رجل واحد. (٢)
- وقال: والمقصود أن القرآن نقل بالتواتر عن محمد ﷺ من أول الأمر حتى لا يتطرق الشك إلى حرف واحد منه أنه من القرآن، ولم يقيض لمن قبلنا من حفظ الكتب وضبطها ما يقارب ذلك، فإنا قد دللنا على وقوع التحريف والتصحيف في كتب النصارى بما لا يمكنهم دفعه، فضلا عما اعترفوا به من الشك في بعضها من أصله، وأما كتابنا فإن أحدا لو حاول أن يغير حرفا أو نقطة منه لقال له أهل الدنيا: هذا كذاب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا، ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب العزيز الذي صانه الله عن التحريف، وحفظه عن التغيير والتصحيف، مع أن دواعي الملحدة، واليهود والنصارى متوافرة على إفساده وإبطاله، وانقضى الآن ما ينيف على ألف ومائتين وأربعين سنة من أول نزوله، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ. (٣)
محمد بن علي الشوكاني (٤) (١٢٥٠ هـ)
الإمام العلامة المحدث محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم
стр. 4263
الصنعاني. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، بهجرة "شوكان" من بلاد "خولان"، ونشأ بصنعاء، وولي قضاءها سنة تسع وعشرين ومائتين وألف من الهجرة. قرأ على أبيه والقاضي الحسن المغربي والقاسم بن يحيى الخولاني والسيد عبد الرحمن بن قاسم المداني وغيرهم. وأخذ عنه القاضي محمد بن حسن الشجني وأحمد بن عبد الله الضمدي ومحمد بن أحمد السودي وغيرهم.
قال عنه تلميذه لطف الله بن أحمد جحاف: له مصنفات تدلك على قوة الساعد وسعة الاطلاع، ورزق السعادة في تصانيفه مع القضاء، وتناقلها من يلوذ به وذكروها في دروسهم، وله رغبة ومحبة في العلم، وما رأيت أنشط منه في التدريس. وقال عبد الرحمن بن سليمان الأهدل: ولقد منح رب العالمين سبحانه من بحر فضل كرمه الواسع هذا القاضي الإمام بثلاثة أمور، لا أعلم أنها في هذا الزمان الأخير جمعت لغيره: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها، وسعة التلاميذ المحققين والنبلاء المدققين أولي الأفهام الخارقة ... وسعة التصانيف المحررة والرسائل والجوابات المحبرة التي تسامي في كثرتها الجهابذة الفحول. وقال عبد الرحمن البهكلي: وعلى الجملة فما رأى مثل نفسه ولا رأى من رأى مثله علما وقياما بالحق، بقوة جنان وسلاطة لسان.
توفي ﵀ بصنعاء سنة خمسين ومائتين وألف من الهجرة عن ست وسبعين سنة وسبعة أشهر، ودفن بمقبرة خزيمة.
موقفه من المبتدعة:
هذا الإمام الكبير، كانت له صولة وجولة في بلاد اليمن، عاصر
стр. 4264
الأحداث التي كانت بين العثمانيين ودعوة التوحيد الخالصة. وقد ذكر في البدر الطالع في بعض تراجم آل سعود ثناء جيدا عليهم وعلى دعوتهم، وله قصيدة في رثاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي قصيدة طويلة توجد مطبوعة منشورة في عدة رسائل من رسائل الدعوة، وقد ذكرها الشيخ صالح العبود في رسالته في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١). وعلى كل حال، فقد استفاد من العقيدة السلفية، عن طريق كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب. غير أنه في باب الأسماء والصفات من نظر في تفسيره: 'فتح القدير' يجد الرجل على طريق المؤولة كما بينت ذلك في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (٢). ومن نظر في كتابه 'التحف' يجده يمدح مذهب السلف، لكن كأنني به يعني مذهب المفوضة والله أعلم.
- قال ﵀ في القول المفيد في حكم التقليد: فمع ما قد صار عندهم من هذا الاعتقاد في ذلك الإمام إذا بلغهم أن أحد علماء الاجتهاد الموجودين يخالفه في مسألة من المسائل، كان هذا المخالف قد ارتكب أمرا شنيعا، وخالف عندهم شيئا قطعيا، وأخطأ خطئا لا يكفره شيء، وإن استدل على ما ذهب إليه بالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لم يقبل منه ذلك ولم يرفع لما جاء به رأسا كائنا من كان، ولا يزالون منتقصين له بهذه المخالفة انتقاصا شديدا على وجه لا يستحلونه من الفسقة ولا من أهل البدع المشهورة كالخوارج والروافض، ويبغضونه بغضا شديدا فوق ما يبغضون أهل
стр. 4265
الذمة من اليهود والنصارى. ومن أنكر هذا فهو غير محقق لأحوال هؤلاء.
وبالجملة فهو عندهم ضال مضل، ولا ذنب له إلا أنه عمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واقتدى بعلماء الإسلام في أن الواجب على كل مسلم تقديم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على قول كل عالم كائنا من كان. (١)
- وفيه: وإذا تقرر لك إجماع أئمة المذاهب الأربعة على تقديم النص على آرائهم، عرفت أن العالم الذي عمل بالنص وترك قول أهل المذاهب هو الموافق لما قاله أئمة المذاهب، والمقلد الذي قدم أقوال أهل المذاهب على النص هو المخالف لله ولرسوله ولإمام مذهبه ولغيره من سائر علماء الإسلام.
ولعمري إن القلم مبري بهذه النقول على وجل من الله وحياء من رسول الله ﷺ ، فيا لله العجب -أيحتاج المسلم في تقديم قول الله أو رسوله ﷺ على قول أحد من علماء أمته إلى أن يعتضد بهذه النقول. يا لله العجب، أي مسلم يلتبس عليه مثل هذا حتى يحتاج إلى نقل هؤلاء العلماء ﵏ في أن أقوال الله وأقوال رسوله ﷺ مقدمة على أقوالهم، فإن الترجيح فرع التعارض، ومن ذاك الذي يعارض قوله قول الله أو قول رسوله ﷺ حتى نرجع إلى الترجيح والتقديم. سبحانك هذا بهتان عظيم.
فلا حيا الله هؤلاء المقلدة الذين ألجأوا الأئمة الأربعة إلى التصريح بتقديم أقوال الله ورسوله على أقوالهم لما شاهدوهم عليه من الغلو المشابه لغلو اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم.
وهؤلاء الذين ألجؤونا إلى نقل هذه الكلمات، وإلا فالأمر واضح لا
стр. 4266
يلتبس على أحد، ولو فرضنا والعياذ بالله أن عالما من علماء الإسلام يجعل قوله كقول الله أو قول رسوله ﷺ لكان كافرا مرتدا، فضلا عن أن يجعل قوله أقدم من قول الله ورسوله -فإنا لله وإنا إليه راجعون- ما صنعت هذه المذاهب بأهلها؟ وإلى أي موضع أخرجتهم؟ وليت هؤلاء المقلدة الجناة الأجلاف نظروا بعين العقل إذ حرموا النظر بعين العلم، ووازنوا بين رسول الله ﷺ وبين أئمة مذاهبهم وتصوروا وقوفهم بين يدي رسول الله ﷺ ، فهل يخطر ببال من بقيت فيه بقية من عقل هؤلاء المقلدين أن هؤلاء الأئمة المتبوعين عند وقوفهم المعروض بين يدي رسول الله ﷺ ، كانوا يردون عليه قوله أو يخالفونه بأقوالهم؟ كلا والله بل هم أتقى لله وأخشى له. فقد كان أكابر الصحابة يتركون سؤاله ﷺ في كثير من الحوادث هيبة وتعظيما. وكان يعجبهم الرجل العاقل من أهل البادية إذا وصل يسأل رسول الله ﷺ ليستفيدوا بسؤاله كما ثبت في الصحيح (١)، وكانوا يقفون بين يديه كأن على رؤوسهم الطير يرمون بأبصارهم إلى ما بين أيديهم ولا يرفعونها إلى رسول الله ﷺ احتشاما وتكريما. وكانوا أحقر وأقل عند أنفسهم من أن يعارضوا رسول الله ﷺ بآرائهم، وكان التابعون يتأدبون مع الصحابة بقريب من هذا الأدب، وكذلك تابعو التابعين كانوا يتأدبون بقريب من آداب التابعين مع الصحابة. فما ظنك أيها المقلد لو حضر إمامك بين يدي رسول الله ﷺ .
فإذا فاتك يا مسكين الاهتداء بهدى العلم فلا يفوتنك الاهتداء بهدى العقل، فإنك إذا استضأت بنوره خرجت من ظلمات جهلك إلى نور الحق. فإذا عرفت ما
стр. 4267
نقلناه عن أئمة المذاهب الأربعة من تقديم النص على آرائهم، فقد قدمنا لك أيضا حكاية الإجماع على منعهم التقليد، وحكينا لك ما قاله الإمام أبو حنيفة وما قاله إمام دار الهجرة مالك بن أنس من ذلك، أو لاح لك مما نقلناه قريبا ما يقوله الإمام محمد بن إدريس الشافعي من منع التقليد.
وقد قال المزني في أول مختصره ما نصه (اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقرأه على من أراده مع إعلامه بنهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه) اهـ. فانظر ما نقله هذا الإمام الذي هو من أعلم الناس بمذهب الشافعي ﵀ من تصريحه بمنع تقليده وتقليد غيره.
وأما الإمام أحمد بن حنبل فالنصوص عنه في منع التقليد كثيرة. قال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي أتبع أم مالك، فقال: لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به. وقال أبو داود سمعته -يعني أحمد بن حنبل- يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم من هو من التابعين بخير. اهـ
فانظر كيف فرق بين التقليد والاتباع. وقال لي أحمد: لا تقلدني ولا مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. قال ابن القيم: ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتابا في الفقه، وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك.
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما
стр. 4268
قلد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل ... ثم أطال الكلام في ذلك.
وبالجملة فنصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع من التقليد وفي تقديم النص على آرائهم وآراء غيرهم لا تخفى على عارف من أتباعهم وغيرهم. وأما نصوص سائر الأئمة المتبوعين على ذلك الأئمة من أهل البيت ﵈ فهي موجودة في كتبهم، معروفة قد نقلها العارفون بمذاهبهم عنهم. ومن أحب النظر في ذلك فليطالع مؤلفاتهم، وقد جمع منها السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في مؤلفاته مايشفي ويكفي لا سيما في كتابه المعروف بالقواعد، فإنه نقل الإجماع عنهم وعن سائر علماء المسلمين على تحريم تقليد الأموات، وأطال في ذلك وأطاب، وناهيك بالإمام الهادي يحيى ابن الحسين فإنه الإمام الذي صار أهل الديار اليمنية مقلدين له، متبعين لمذهبه من عصره وهو آخر المائة الثالثة -إلى الآن مع أنه قد اشتهر عند أتباعه والمطلعين على مذهبه- أنه صرح تصريحا لا يبقى عنده شك ولا شبهة بمنع التقليد له، وهذه مقالة مشهورة في الديار اليمنية يعلمها مقلدوه فضلا عن غيرهم، ولكنهم قلدوه شاء أم أبى. (١)
- وله من الآثار:
١ - 'البغية في الرؤية'، توجد منه نسخة في الجامعة الإسلامية.
٢ - 'الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد'. مطبوع
٣ - 'شرح الصدور في عدم جواز رفع القبور'. مطبوع
٤ - 'التحف في مذاهب السلف'. مطبوع
стр. 4269
٥ - 'القول المفيد في حكم التقليد'. مطبوع
موقفه من الخوارج:
- قال: (قوله: وعليها قضاء الصيام لا الصلاة). أقول: هذا معلوم الأدلة الصحيحة، وعليه كان العمل في عصر (النبوة) وما بعده، وأجمع عليه سلف الأمة وخلفها، سابقها ولاحقها، ولم يسمع عن أحد من علماء الإسلام في ذلك خلاف. وأما الخوارج الذين هم كلاب النار، فليس هم ممن يستحق أن يذكر خلافهم في مقابلة قول المسلمين أجمعين، ولا هم ممن يخرج المسائل الإجماعية عن كونها إجماعية بخلافهم، وما هذه بأول مخالفة منهم لقطعيات الشريعة، والعجب ممن ينصب نفسه من أهل العلم للاستدلال لباطلهم بما لا يسمن ولا يغني من جوع. (١)
موقفه من القدرية:
- سئل الشيخ: ما الراجح لديكم في مسألة خلق الأفعال، حسنها وقبيحها ... الخ، فهذه مسألة قد تكلم العلماء وكثر الخلاف فيها قديما وحديثا، وكثر الحجاج بين الطرفين، والواجب الرجوع إلى ما عليه الصالحون من سلف الأمة، قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الرد على الرافضة: "وأما قوله أنه عدل حكيم لا يظلم أحدا، ولا يفعل القبيح، وإلا لزم الجهل والحاجة -تعالى الله عنهما-، فيقال له: هذا متفق عليه بين المسلمين من حيث الجملة أن الله لا يفعل قبيحا، ولا يظلم أحدا، ولكن
стр. 4270
النزاع في تفسير ذلك، فهو إذا كان خالقا لأفعال العباد، هل يقال: إنه ما هو قبيح منه وظلم، أم لا؟ فأهل السنة المثبتون للقدر يقولون: ليس هو بذلك ظالما ولا فاعلا قبيحا، والقدرية يقولون: لو كان خالقا لأفعال العبادكان ظالما فاعلا ما هو قبيح منه، وأما كون الفعل قبيحا من فاعله لا يقتضي أن يكون كذلك لخالقه، لأن الخالق خلقه في غيره، لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل، لا من خلقه في غيره، كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلما، كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون، والريح، والحركة، والقدرة، والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما، أو صلاة، أو صياما، أو طوافا، كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام، وهو المصلي، وهو الصائم، وهو الطائف، ولكن من قال إن الفعل هو المفعول يقول: إن أفعال العباد هي فعل الله، فإن قال: وهو أيضا فعل لهم لزم أن يكون الفعل الواحد لفاعلين، كما يحكى عن أبي إسحاق الإسفراييني، وإن لم يقل هو فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلا لله لا لعباده كما يقوله الأشعري ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، الذين يقولون: إن الخلق هو المخلوق، وإن أفعال العباد خلق الله، فتكون هي فعل الله، وهي مفعول الله، فكما أنها خلقه فهي مخلوقة، وهؤلاء لا
يقولون إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، ولكنهم مكتسبون لها، وإذا طولبوا بالفرق بين الكسب والفعل لم يذكروا فرقا معقولا، ولهذا كان يقال: عجائب الكلام ثلاثة: أحوال أبي هاشم، وطفرة النظام، وكسب الأشعري.
стр. 4271
وهذا الذي ينكره جمهور العقلاء، ويقولون: إنه مكابرة للحس، ومخالفة للشرع والعقل.
وأما جمهور أهل السنة فيقولون: إن فعل العبد له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله لايقولون هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول. انتهى كلامه.
وأهل القول الثاني من السؤال لا يلزم ما يقولون في خلاف قولهم أنه إجبار وإبطال للشرائع، وإلزام الحجة على الشارع، بل -سبحانه- ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٢)، وكل ما فعله فهو فضل أو عدل، فلا يعترض على فضله وعدله، ومن جعل العقل ميزانا للشرائع فقد ضل وأضل، والله يلهمنا رشدنا ويقينا شرور أنفسنا. (٣)
عثمان بن محمد بن أحمد بن سند (١٢٥٠ ه ـ)
موقفه من الرافضة:
هذا الرجل النجدي الأصل، عرف بعداوته وانحرافه عن الدعوة السلفية وأعلامها، إلا أن له موقفا طيبا يشكر عليه، عندما رد على الشاعر الشيعي الخبيث دِعْبِل الخزاعي الذي طعن في سادات الصحابة الكرام أبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم، فألف قصيدة تضمنت أكثر من ألفي بيت
стр. 4272
سماها 'الصارم القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب'. (١)
الحسن بن علي القَنُّوجِي (٢) (١٢٥٣ هـ)
حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، ابن الأمير نواب أولاد علي خان بهادر أنور جنك. ولد سنة عشر ومائتين وألف للهجرة، وهو والد العلامة صديق حسن خان. أخذ عن الشيخ عبد الباسط القنوجي، ثم سافر إلى لكهنؤ فأخذ عن الشيخ محمد نور وغيره، ثم رحل إلى دهلي فتتلمذ على الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين ابني الشيخ ولي الله الدهلوي، ثم عاد إلى وطنه وبلده قنوج.
قال فيه ابنه السيد صديق بن حسن: وكان في التقوى والديانة واتباع الحق واقتداء الدليل ورد الشرك والبدع آية باهرة، وقدرة كاملة، ونعمة ظاهرة من الله . توفي ﵀ سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف.
موقفه من المشركين:
له: 'تقوية اليقين في الرد على عقائد المشركين' ذكره في هدية العارفين (٣).
стр. 4273
أحمد الهندي (١) (١٢٥٥ هـ)
أحمد بن عبد الرحيم الهندي الحكيم الحنفي. توفي ﵀ سنة خمس وخمسين ومائتين وألف.
موقفه من الرافضة:
له: 'نزهة الاثني عشرية في الرد على الروافض' ذكره في هدية العارفين (٢).
أحمد بن علي بن أحمد بن دعيج (٣) (١٢٦٨ هـ)
الشيخ أحمد بن علي بن أحمد بن سليمان بن دعيج الكثيري نسبا، المَرَائي بلدا. ولد في بلدة مرات، إحدى بلدان الوشم سنة تسعين ومائة وألف. وعاصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وله نظم جيد في المحنة التي وقعت في نجد على يد إبراهيم باشا وزير مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، وله نظم آخر في العقيدة. عين المترجم قاضيا في بلدته خلال استيلاء الدولة العثمانية على نجد، ثم خلال إمامة تركي ثم الإمام فيصل. وما زال في عمله مجدا إلى أن توفي ﵀ سنة ثمان وستين ومائتين وألف للهجرة.
موقفه من الجهمية:
له نظم سماه 'كتاب الدر الثمين عقيدة الموحدين' (٤). قال: وسبب تأليفه
стр. 4274
أنه ورد عليَّ جواب من بعض الإخوان سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين وألف يريد أن أعرض عليه ما نحن عليه من الاعتقاد وأخبار الصفات، فأجبته ولله الحمد، وهي معروضة على علماء المسلمين لتبيين الصحيح والتنبيه على الخطأ حتى نرجع عنه -إن شاء الله- إلى الصواب. ومطلع النظم هو:
باسمه أبدا كل امرئ تبركا وثنيت قبل النظم لله حامدا ... وحفظاً له لا يعتريه جذامها
مصل على المبعوث أحمد مقامها
إلى أن قال:
واقبل أخبار الصفات كما أتى ... بها النص لا ينفك عنك مرامها
محمد بن إبراهيم بن محمد السناني (١) (١٢٦٩ هـ)
الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم السِّنَاني. ولد في بلدة عنيزة، ونشأ فيها، وقرأ على قاضي عنيزة الشيخ عبد الله أبا بطين، ولازمه ملازمة تامة. ولي القضاء بإشارة من شيخه أبا بطين لأعيان أهل عنيزة. وكان ورعا عفيفا، صاحب معتقد طيب، إلا أنه كان معرضا عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتحذير الناس منها، ثم قرأها بعد، فأولع بها، وأصبح من الداعين إليها.
توفي ﵀ في بلدة عنيزة سنة تسع وستين ومائتين وألف للهجرة.
стр. 4275
موقفه من المبتدعة:
- قال ﵀ مدافعا عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعن مؤلفاته بعدما كان معرضا عنها، ومستهزءا بها: كنت في أول أمري مع أناس نسمي (كشف الشبه) بـ (جمع الشبه)، ولم أرها ولم أطالع فيها تقليدا لمن غروني، فلما سافرت إلى بعض الآفاق ورأيت كثرة من أعرض عن الهدى، دعوت الله أن يهديني لما اختلف فيه إلى الحق، فأزال الله عني الهوى والتعصب، وأبدله بالإنصاف، وصار عندي الحق أحق أن يتبع، فَعَنَّ لي أن أطالع (كشف الشبه) فوجدتها كاسمها، مشتملة على أجل المطالب وأوجب الواجبات، فكانت جديرة أن تكتب بماء الذهب، ثم قلت نظما:
لقد ضل قوم سموا الكشف بالجمع ... وقالوا مقالا واجب الدفع والرد
فجمع الشبه ما لفقوه ببغيهم ... وتضليلهم من هد ما شيد من ند
وقام بنصر الدين لله وحده ... وتجريده التوحيد للواحد الفرد
وجاهد فيما قام فيه لربه ... بماله والأهلين حقا وباليد
إلى أن قال:
فيا طالب الإنصاف بالعلم والهدى ... ألا تنظر كشف الشبه درة العقد
فقد حل فيها كشف ما كان مشكلا ... بأوضح تبيان ينوف على العد
فجازاه رب الخلق خير جزائه ... لما قام في التوحيد يهدي ويهتدي (١)