← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك، لأنهم كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء ﵈، حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل ﵈ تفويض الأمور إليه ، فحين طالبوهم بالإسلام، والتزام الأحكام، احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم مناط العَيُّوق. (١) ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، أي: تكذبون على الله تعالى. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول والبيان. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ بالتوفيق لها، والحمل عليها، ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك. ومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية: وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم وقدرتهم، وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله

стр. 4377

تعالى ورسوله ﵊ بذلك، فرد الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم، وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال، فكذب الرسل، وأشرك بالله عزوجل، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك بمشيئة الله تعالى، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة. ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته، وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعين. والمقصود أن يمتحض وجه الرد عليهم، وتتلخص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد، وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم، وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية، وعجزها معجزا للمعتزلة، إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة لأهل السنة على المعتزلة، والحمد لله رب العالمين. ومنهم من وجه الآية: بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء ﵈، على معنى أن الله تعالى شاء شركنا، وأراده منا، وأنتم تخالفون إرادته، حيث تدعونا إلى الإيمان، فوبخهم سبحانه وتعلى بوجوه عدة: منها قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، فإنه بتقدير الشرط، أي:

стр. 4378

إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾. وقوله سبحانه: ﴿فلو شَاءَ﴾ بدلا منه على سبيل البيان، أي: لو شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه، لو كان الأمر كما تزعمون، لكان الإسلام أيضا بالمشيئة، فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام، كما وجب بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك، فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة، بل موافقة وموالاة. وحاصله: أن ما خالف مذهبكم من النِّحل يجب أن يكون عندكم حقا، لأنه بمشيئة الله تعالى فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة. وفي سورة النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ (١). الكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة، ولا تراهم يتشبثون إلا عند انخذال الحجة، ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة الزخرف وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ

стр. 4379

سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ (١). ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، والمراد بما حرموه: السوائب والبحائر وغيرها. وفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي، لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول ﵊ والطعن في الرسالة رأسا، فإن حاصله: أي ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه شاء أن نوحده، ولا نشرك به شيئا، ونحلل ما أحله، ولا نحرم شيئا مما حرمنا، كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك، وتحليل ما أحله، وعدم تحريم شيء من ذلك، وحيث لم يكن كذلك، ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك، بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما يقوله الرسل ﵈ من تلقاء أنفسهم. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، أي: أشركوا بالله تعالى، وحرموا من دونه ما حرموا، وجادلوا رسلهم بالباطل

стр. 4380

ليدحضوا به الحق. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾، أي: ليست وظيفتهم إلا البلاغ للرسالة، الموضح طريق الحق، والمظهر أحكام الوحي التي منها تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١). وأما إلجاؤهم إلى ذلك، وتنفيذ قولهم عليه شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم، ولا من الحكمة التي يتوقف عليها التكليف، حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل ﵈ أو على عدم تعلق مشيئته تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لابد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية، وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله، وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين. والكلام على هذه الآية ونحوها مستوفى في تفسير 'روح المعاني' (٢) وغيره. فجحود القدر، والاحتجاج به على الله، ومعارضة شرع الله بقدره، كل ذلك من ضلالات الجاهلية. والمقصود أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، فمن زلت

стр. 4381

قدمه عن هذه الجادة كان على ما كان عليه أهل الجاهلية، وهي الطريقة التي رد عليها الله سبحانه ورسوله ﷺ . (١) الشيخ بَابَ (٢) (١٣٤٢ هـ) العلامة المحدث سيدي بن سيدي محمد، وقد اشتهر بلقبه باب ابن الشيخ سيدي، ويقال له الشيخ سيدي بَابَ، وكنيته أبو محمد ويرجع نسبه إلى قبيلة تَنْدَغ المرابطية. ولد عام سبع وسبعين ومائتين وألف في بلاده، ونشأ في بيئة علمية متدينة فهو من عائلة ذات شهرة دينية وعلمية كبيرة لها مكانة في المجتمع الموريتاني. حفظ القرآن الكريم قبل بلوغه عشر سنين، واشتغل بتحصيل العلم على كبار علماء بلاده، منهم: محمد بن السالم البوحسني، ومحمد بن حنبل بن الفال، وأحمد بن سليمان الديماني، وأحمد بن أزوين. درس السنة وجعلها نصب عينيه وعمل بها، عقيدة وشريعة وسلوكا. كان لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يبالي بما يصيبه في سبيله وقاد دعوة سلفية تهدف إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ونبذ الجمود والتقليد. قال سبطه محمد بن أبي مدين: محيي السنة ومجدد القرن الرابع عشر. وقال عنه أحمد بن أحمد المختار: العلامة المحقق الموحد، العالم المتبحر سيف الله المسلول على المبتدعين والمعطلين وأهل الخرافة أجمعين. وله عدة مؤلفات

стр. 4382

منها: 'إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين' و'أرجحية التفويض في آيات الصفات وأحاديثها' و'حكم الهجرة من البلاد المحتلة' و'بيان إعجاز القرآن' وغيرها. توفي رحمه الله تعالى في بلاده سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة عن عمر بلغ أربعة وستين عاما. موقفه من المبتدعة: - قال ﵀ في منظومته: كن للإله ذاكرا ... وأنكر المناكرا وكن مع الحق الذي ... يرضاه منك دائرا ولا تعد نافعا ... سواءه أو ضائرا واسلك سبيل المصطفى ... ومت عليه سائرا أما كفى أولنا؟ ... أليس يكفي الآخرا؟ وكن لقوم أحدثوا ... في أمره مهاجرا قد موهوا بشبه ... واعتذروا معاذرا وزعموا مزاعما ... وسودوا دفاترا واحتنكوا أهل الفلا ... واحتنكوا الحواضرا وأورثت أكابر ... بدعتها أصاغرا واحكم بما قد أظهروا ... فما تلي السرائرا وإن دعا مجادل ... في أمرهم إلى مرا فلا تمار فيهم ... إلا مراء ظاهرا

стр. 4383

- وقال أيضا: آمن أخي واستقم ... ونهج أحمد التزم واجتنب السبل لا ... تغررك أضغاث الحلم لا خير في دين لدى ... خير القرون منعدم أحدثه من لم يرد ... نص بأنه عصم من بعدما قد أنزلت ... اليوم أكملت لكم وبعدما صح لدى ... جمع على غدير وخم وادع إلى سبيله ... وخص في الناس وعم واذكر إذا ما أعرضوا ... عليكم أنفسكم (١) موقفه من الجهمية: - قال ﵀: ما أوهم التشبيه في آيات ... وفي أحاديث عن الثقات فهي صفات وصف الرحمن ... بها وواجب بها الإيمان ثم على ظاهرها نبقيها ... ونحذر التأويل والتشبيها قال بذا الثلاثة القرون ... والخير باتباعهم مقرون وهو الذي ينصره القرآن ... والسنن الصحاح والحسان وكم رآه من إمام مرتضى ... من الخلائق بناظر الرضى ومن أجاز منهم التأويلا ... لم ينكروا ذا المذهب الأصيلا

стр. 4384

والحق أن من أصاب واحد ... لاسيما إن كان في العقائد ووافق النص وإجماع السلف ... فكيف لا يتبع هذا من عرف ومن تأول فقد تكلفا ... وغير ما له به علم قفا وفي الذي هرب منه قد وقع ... وبعضهم عن قوله به رجع حتى حكى في منعه الإجماعا ... وجعل اجتنابه اتباعا وقد نماه بعض أهل العلم ... من الأكابر لحزب جهم فاشدد يديك أيها المحق ... على الذي سمعت فهو الحق (١) - وقال أيضا: وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار الذين ساروا على هذا المنهج، كالإمام مالك، والشافعي، والسفيانين، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم من الأئمة المتمسكين بهذا المذهب .. كلهم تلقوا آيات الصفات وأحاديثها بالقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، حيث كانوا يقولون: اقرأوها كما جاءت، بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، على حد قوله تعالى: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).اهـ (٣)

стр. 4385

إسحاق بن حمد بن علي بن عتيق (١) (١٣٤٣ هـ) إسحاق بن حمد بن علي بن عتيق. ولد في رجب سنة سبع وثمانين ومائتين وألف وقيل غير ذلك. نشأ نشأة علمية، حيث قرأ على والده العلامة الشيخ حمد وعلى أخيه الشيخ سعد. وله قصائد كثيرة، منها مراثي ومنها أمداح. توفي ﵀ سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: له حاشية على كتاب التوحيد. (٢) وقد نظم شروط "لا إله إلا الله" وما يضادها، فقال: لسبعة الشروط في الشهادة ... حتم علينا قبول ذي الإفادة علم ينافي الجهل واليقين ... إذا نفى للشك يا فطين كذا القبول إن نفى للرد ... والانقياد رابع في العد وهو المنافي الشرك إخلاص الفتى ... إذا نفى للشرك فافهم يا فتى والصدق أيضاً المنافي للكذب ... محبة تنفي لشد فاحتسب (٣)

стр. 4386

محمد عز الدين القسام (١) (١٣٤٥ هـ) محمد عز الدين بن عبد القادر القسام ولد سنة ثلاثمائة وألف للهجرة بجبلة الأدهمية من أعمال اللاذقية بالشام. رحل إلى الأزهر لطلب العلم وعمره أربعة عشر سنة. ثم رجع إلى قريته بعد أن تخرج من الأزهر وحمل شهادته سنة عشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. فعمل إماماً وخطيبا بمسجد المنصوري بجبلة، وعين مدرسا في الجامع الكبير بجبلة جامع إبراهيم بن أدهم. شارك في الجهاد ضد الفرنسيين الذين احتلوا بلاده فحكموا عليه بالإعدام وطاردوه، ثم رحل إلى فلسطين واستقل في ضاحية "الياجور" قرب "حيفا"، فأصبح خطيبا ومدرسا بجامع الاستقلال الذي سهر على جمع التبرعات لبنائه وأنشأ مدرسة ليلية لتعليم الأميين العرب ومن خلالها بث فكرة الجهاد في نفوس الناس ثم أسس جمعية لذلك وجمع التبرعات ودرّب من انضمّ إليه تدريبا عسكريا بعد أن هيّأه دينيّاً للجهاد في سبيل الله. ثم بعد أسبوعين من مهاجمة قوات الاحتلال الإنجليزي للمتظاهرين العرب في القدس أعلن الجهاد فتوجّه بالمجاهدين إلى جبال جنين فهاجمهم الإنجليز، فتوفي ﵀ في تلك المعركة جعله الله من الشهداء الأبرار وذلك يوم الأربعاء لأربع وعشرين خلون من شهر شعبان عام أربع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة.

стр. 4387

موقفه من المبتدعة: ألف بالاشتراك مع محمد كامل القصاب رسالة ماتعة في ردّ بدعة الجهر بالذكر في تشييع الجنازة وضمّناها رد الكثير من البدع: كإحياء ذكرى المولد النبوي، وإحياء ليلة النصف من شعبان بصلوات وأذكار مخصوصة، وبدعة التوحيش وهي أناشيد توديع رمضان التي تقام إذا بقي من رمضان أيام قليلة من طرف المؤذنين بعد سلام الإمام من الوتر. - قال في مطلعه: أما بعد؛ فقد اطلعنا على رسالة 'فصل الخطاب في الرد على الزنكلوني والقسام والقصاب' تأليف الفاضل الشيخ محمد صبحي خزيران الحنفي العكي، رئيس كتاب المحمكة الشرعية في ثغر "عكاء"، وقد ألفها انتصارا لأستاذه الفاضل الشيخ عبد الله الجزار مفتي عكاء وقاضيها؛ إذ قد أفتى أحدنا لما سئل عن حكم الصياح في التهليل والتكبير وغيرهما أمام الجنائز، بأنه مكروه تحريما، وبدعة قبيحة، يجب على علماء المسلمين إنكارها، وعلى كل قادر إزالتها، مستدلا بآية قرآنية، وحديث صحيح، وأقوال الفقهاء. (١) - قال في 'النقد والبيان' (٢) عن الاحتفال بالمولد النبوي: إن الاحتفال بقراءة قصة المولد النبوي ليست سنة الخلفاء الراشدين، فيُعضّ عليها بالنواجذ، ولا فعلها أحد من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، التي هي خير القرون الإسلامية، بشهادة الرسول ﷺ ، وإنما أحدثها الملك المظفّر التركماني الجنس، صاحب إربل، ثم صارت عادة متبعة وسنة مبتدعة وشعارا دينينا.

стр. 4388

- وقال عن بدعة رفع الصوت بالذكر في تشييع الجنائز: .. يتعين على كل قادر على إزالة هذه البدعة أن يزيلها، وإلا فهو آثم وشريك لصاحبها ويجب على كل عالم أن ينكرها .. (١) موقفه من المشركين: - جاء في كتاب: 'عز الدين القسام شيخ المجاهدين في فلسطين' (٢) لمحمد حسن شراب: إن عز الدين القسام حارب حج النساء إلى مقام الخَضِر بجبال "الكرمل" قرب "حيفا" لتقديم النذور وذبح القرابين للشفاء من المرض أو نجاح في مدرسة، وكُنّ يرقصن حول المقام الموهوم فدعا الناس إلى أن يتوجهوا بنذورهم وأضاحيهم إلى الله تعالى فقط لأنه وحده هو القادر على الضر والنفع. (٣) - ومن مواقفه التي تحفظ له في مواجهة المستعمر الإنجليزي أنه باع بيته ليشتري به السلاح لحرب الكافر المعتدي. عبد الله بن علي بن محمد بن حميد (٤) (١٣٤٦ هـ) عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الله بن حميد بن غانم من آل أبي غنام، وجده هو صاحب السحب الوابلة. ولد في عنيزة سنة اثنتان وتسعين ومائتين وألف للهجرة، وتوفي جده وله أربع سنين، وتوفي والده وله أربع عشرة

стр. 4389

سنة. نشأ المترجَم في بيت علم وفضل، وقرأ على علماء مكة كالشيخ شعيب المغربي والشيخ أحمد بن عيسى والشيخ عبد الله بن علي بن عمرو. وأخذ عن الشيخ عبد الله القدومي والشيخ محمد سعيد بابصيل والشيخ صالح العثمان آل قاضي وغيرهم. قال فيه الشيخ زكريا بن عبد الله: عالم فاضل ناسك عرفته يواظب على الصلاة في المسجد الحرام. تولى إفتاء الحنابلة بمكة المكرمة، ثم عزل، ثم أعيد. له من التلاميذ الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع والشيخ سليمان بن محمد ابن شبل والشيخ محمد بن سليمان الفريح الأشيقري والشيخ عبد الله بن سليمان التركي وغيرهم. توفي ﵀ في ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة في الطائف. موقفه من المبتدعة: له من الآثار السلفية: 'شرح مختصر على عقيدة السفاريني'. (١) سليمان بن سَحْمَان (٢) (١٣٤٩ هـ) الشيخ سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان العالم المصنف واللسان المدافع عن الدعوة السلفية. ولد بقرية السقا سنة ثمان وستين ومائتين وألف، فنشأ فيها وقرأ على والده الذي كان من حفاظ القرآن ثم بالرياض

стр. 4390

على الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه العلامة عبد اللطيف، فلازم دروسهما وجد واجتهد حتى صلب عوده في العلم وقوي عضده في النضال. واعتدل قلمه في الكتابة واستقام لسانه في الإنشاء. قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: بلغ في العلوم مبلغا حتى صار منارا يهتدى به، إماما هماما، شهما مقداما، أصوليا مجتهدا، متبحرا كثير التصانيف، كشف جميع شبه المشبهين نظما ونثرا، حتى أدحض حججهم وأرغم أنوفهم، منارا يهتدى به، أمة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل البدع كل حديث وقديم، قام في رد الشبه مقاما فاق به أهل وقته، فثبته الله وسدده، وأدحض به الباطل وأخمده. وله مصنفات كثيرة في توضيح الدعوة السلفية. توفي بالرياض سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: جاء في علماء نجد: جرد قلمه للرد على هؤلاء المغرضين -يعني أعداء الدعوة السلفية- ولسانه برائع الشعر على المارقين، فصار يكيل لهم الصاع صاعين بقوة الكلام، وسطوع الحجة وصحة البرهان، فيدحض أقوالهم، ويرد شبههم، ويوهن حجتهم، كما يرميهم بشهب من قصائده الطنانة، وأشعاره الرنانة، وقوافيه المحكمة، وأبياته الرصينة، وبهذا فهو ذو القلمين، وصاحب الصناعتين، وقلّما اجتمع النثر والشعر لواحد إلاّ لنوابغ الكُتّاب وأصحاب الأقلام، فصار لسان هذه الدعوة، ومحامي هذه الملة، فكان من هذه الردود

стр. 4391

القاطعة، والحجج الدامغة هذه المؤلفات الساطعة (١)، نذكر منها: ١ - 'الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد'. ٢ - 'الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية'. ٣ - 'كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام'. ٤ - 'الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق'. ٥ - 'كشف شبهات البغدادي في تحليله ذبائح الصليب وكفار البوادي'. ٦ - 'إقامة الدليل والمحجة'. ٧ - 'تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والمين'. ٨ - 'تأييد مذهب السلف وكشف شبهات من حاد وانحرف ودعي باليماني شرف'. ٩ - 'منهاج أهل الحق والاتباع'. (٢) وكتب هذا الشيخ أغلبها مطبوعة، ولعلنا نقف على حقيقتها كلها فنصفها ونعطيها ما تستحقه من الوصف العلمي. موقفه من الجهمية: له مؤلفات عظيمة أفردها ﵀ في الرد على الجهمية سواء منها الجهمية الغابرة أو جهمية أهل زمانه، من هذه المؤلفات: ١ - 'كشف الأوهام والالتباس عن تلبيس بعض الأغبياء من الناس'، بين فيها إجماع أهل السنة النبوية على تكفير الجهمية، وهي عبارة عن رد

стр. 4392

على حسين بن حسن آل الشيخ في ادعائه أن لأهل السنة في تكفير الجهمية قولين. ٢ - 'منظومة منظمة الشيخ سليمان بن سحمان في الرد على من أنكر على الإخوان تكفير جهمية أهل هذا الزمان'. وهي كسابقتها. ٣ - 'تمييز الصدق من المين في محاورة الرجلين'. وهو كسابقيه. وقد آثرنا الإشارة إلى ذلك فقط دون إسهاب وتطويل، ومن شاء التفصيل فليرجع إلى الرسائل المشار إليها آنفا، فسوف يجد فيها بغيته بإذن الله. سعد بن حمد بن عَتِيق (١) (١٣٤٩ هـ) سعد بن حمد بن علي بن محمد بن عتيق. ولد في بلدة الحلوة سنة سبع وسبعين ومائتين وألف، ونشأ فيها فقرأ على والده، فلما أدرك في التوحيد والتفسير والحديث والفقه والنحو رغب في الزيادة فسافر إلى الهند فقرأ على أعلامها كالشيخ صديق حسن خان والشيخ نذير حسين الدهلوي والشيخ شريف حسين وغيرهم. ثم عاد بعد تسع سنين إلى مكة في موسم الحج فالتقى بالشيخ شعيب الدكالي المغربي وآخرين، وبانكبابه على القراءة والاستفادة من هؤلاء العلماء الكبار بلغ في العلم مبلغا كبيرا وصار في عداد كبار العلماء. قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: وبرع حتى أدرك من العلوم حظا وافرا، وفاق أهل زمانه محصولا، وسمق حتى كان حجة حافظا، وكان كامل العقل، شديد التثبت، حسن السمت، حسن الخلق، له اليد الطولى في

стр. 4393

الأصول والفروع، تام المعرفة في الحديث ورجاله، وكان من العلماء العاملين، واشتهر ذكره في العالمين، وأثنت عليه ألسن الناطقين. توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: جاء في علماء نجد: وصار من عداد كبار العلماء المشار إليهم بالبنان كما ورث عن والده الغيرة الشديدة في الدين، والصلابة في العقيدة. فاشتهر بسعة العلم والتقى والصلاح، وجد واجتهد في نشر الدعوة السلفية، حتى نفع الله باجتهاده وبركة دعوته خلقا كثيرا. له من الآثار السلفية: 'عقيدة الطائفة النجدية في توحيد الألوهية'. يوجد مخطوطا في جامعة سعود. جمعت كتاباته وفتاواه في كتاب سمي: 'المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق'. (١) أبو بكر خُوقِير (٢) (١٣٤٩ هـ) أبو بكر بن محمد عارف بن عبد القادر المكي مولدا وسكنا ووفاة، عين مفتيا للحنابلة، ثم اشتغل بالاتجار في الكتب، ثم عين مدرسا بالحرم المكي في العهد السعودي، واستمر إلى أن توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف.

стр. 4394

موقفه من المبتدعة: له من الآثار: ١ - 'ما لا بد منه في أمور الدين' وهو عبارة عن أسئلة وأجوبة في العقيدة يشبه النهج المدرسي، وهو مطبوع. ٢ - 'فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال'. ٣ - 'التحقيق في الطريق' مطبوع وفيه بعض الخلط. ٤ - 'تحرير الكلام عن سؤال الهندي في صفة الكلام'. (١) ناصر بن سعود بن عبد العزيز شويمي (٢) (١٣٤٩ هـ) الشيخ ناصر بن سعود بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى شويمي. ولد في بلده شقراء في حدود سنة خمس وثمانين ومائتين وألف للهجرة، ونشأ فيها وأخذ عن علمائها وأشهرهم الشيخ القاضي علي بن عبد الله بن عيسى والشيخ أحمد بن عيسى والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق وغيرهم. رحل إلى الرياض والحجاز وصنعاء والشام والعراق فأخذ فيها عن العلامة محمود شكري الآلوسي وعن غيره من علماء بغداد. كان ﵀ واسع الاطلاع في كل العلوم من توحيد وتفسير وحديث وفقه وغيرها، وكانت له اليد الطولى في اللغة وأشعار العرب. جلس للتدريس في جامع شقراء وولي إمامته وخطابته. أخذ عنه الشيخ عبد الرحمن

стр. 4395

بن عبد العزيز الحصين والشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ إبراهيم الهويش والشيخ عبد الرحمن ابن علي بن عودان قاضي عنيزة وغيرهم. عرض عليه القضاء فرفض، واستمر على نشر العلم إلى أن توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف وقيل خمسين وثلاثمائة وألف للهجرة ﵀. موقفه من المشركين: له قصيدة رد بها على أمين بن حنش العراقي وشيخه داود بن جرجيس وهي تزيد على أربعين بيتا، منها: واضرب بصمصامة الشعر القوي أخا ... جهل لئيم الخيم خوانا أمين ابن الذي يدعونه حنشا ... من اكتسى من ثياب الزيغ ألوانا فظل يمدح جهلا من سفاهته ... ذا الكفر والجهل داود بن سلمانا هلا مدحت الذي شاعت فضائله ... وشاد للملة البيضاء أركانا حبر الزمان ومحيي كل ما اندثرت ... من سنة المصطفى فعلا وتبيانا عبد اللطيف الذي ألقت أزمتها ... كل العلوم إلى يمناه إذعانا (١) عبد الله السنوسي (٢) (١٣٥٠ هـ) عبد الله بن إدريس بن محمد بن أحمد السنوسي، أبو سالم، العالم الأثري، الفاسي نزيل طنجة. من قبيلة بني سنوس بالبربر من كومية، وتعرف قديما بصطفورة. أخذ عن والده أبي العلاء إدريس وأبي عيسى محمد المهدي

стр. 4396

ابن سودة والقاضي حميد بناني ومحمد نذير حسين الدهلوي وأبي الفضل جعفر الكتاني وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن العلوي وغيرهم كثير. وأجازه جماعة. وله تلاميذ كثر من أبرزهم عبد الله كنون وعبد الحفيظ الفاسي. رحل مرات إلى الشرق فحج، واستوطن دمشق الشام، ودرس في كل بلد وأفاد، وهرع الناس للرواية عنه. قال عنه تلميذه عبد الحفيظ الفاسي: العالم العلامة المحدث الأثري السلفي الرحالة المعمر ... وقال عنه العلامة محمد تقي الدين الهلالي في مقال له بمجلة دعوة الحق المغربية (١): العالم السلفي المحدث المحقق. وقال عنه الشيخ عبد الرحمن النتيفي (٢): وكان ﵀ سلفي المذهب. (٣) استقر آخر حياته بطنجة معلما ومدرسا إلى أن توفي بها ﵀ في أربع وعشرين من جمادى الأولى سنة خمسين وثلاثمائة وألف. بعد ما عمر نحو تسعين سنة. موقفه من المبتدعة: - قال عبد الحفيظ الفاسي: ولما حج شيخنا أبو سالم عبد الله بن إدريس السنوسي ورجع إلى المغرب محدثا بما تحمله عمن لقي من أهل الحديث والأثر؛ كمحمد نذير حسين الهندي المحدث الأثري المشهور وأضرابه، ووفد على السلطان المقدس المولى الحسن رحمه الله تعالى قربه وأدناه وأمره بحضور

стр. 4397

مجالسه الحديثية؛ فأعلن بمحضره وجوب الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ ما سواهما من الآراء والأقيسة، ونصر مذهب السلف في العقائد، واشتد الجدال بينه وبين من كان يحضر من العلماء في ذلك المجلس، كل فريق يؤيد مذهبه ومعتقده، إلا أن السلطان لم يكن يعمل بأقوال العلماء فيه ككونه معتزليا، وخارجيا، وبدعيا؛ بل كان في الحقيقة ناصرا له بما كان يخصه به من العطايا والصلات، زيادة على سهمه معهم في جوائزه المعتادة، وبسبب تعضيد السلطان له بعطاياه ثابر على مذهبه طول حياته؛ فنشره في كافة أنحاء المغرب، وتلقاه عنه كثير من مستقلي الأفكار منذ أوائل هذا القرن إلى أن توفي منتصفه رحمه الله تعالى حسبما استوفينا الكلام على ذلك في ترجمته من المعجم (١)، هكذا تقلب هذا المذهب في المغرب، وهو اليوم شائع منصور بفضل القائمين به، وتأييده بالأدلة الصحيحة وسيزداد اليوم ظهورا. (٢) - وقال: كان ﵀ عالما مشاركا، محدثا ملازما لتلاوة القرآن الكريم، حسن النطق به، دؤوبا على نشر الحديث وتدريسه، سلفي العقيدة، أثري المذهب، عاملا بظاهر الكتاب والسنة، نابذا لما سواهما من الآراء والفروع المستنبطة، منفرا من التقليد، متظاهرا بمذهبه، قائما بنصرته، داعيا إليه، مجاهرا بذلك على الرؤوس، لا يهاب فيه ذا سلطة، شديدا على خصمائه من العلماء الجامدين وعلى المبتدعة والمتصوفة الكاذبين، مقرعا لهم، مسفها أحلامهم، مبطلا آراءهم، مبالغا في تقريعهم، لم يرجع عن ذلك منذ

стр. 4398

اعتقده ولا جل (١) من عزمه كثرة معاداتهم له. (٢) وقال محمد السائح: وكان أثريا سلفيا .. فصدع بوجوب إصلاح العقيدة وفتح باب الاجتهاد والأخذ بالسلفية، فثار في وجهه علماء فاس ورشقوه لسهام الانتقاد عن يد واحدة. (٣) وقال عنه عبد الله كنون: .. ففي الصنف الرابع وهو المتمسك بالسنة اعتقادا وعملا، وقد قلنا إنه شخص واحد وذلك -فيما أدركنا وما رأينا- وإن كان هناك غيره فإن هذا الشخص هو الذي كان له الظهور والشهرة عند الخاص والعام، ونعني به الشيخ الجليل السيد عبد الله بن إدريس السنوسي الفاسي، فهذا الرجل كان قد وصل إلى المشرق وجال في أقطاره وأخذ من أعلامه، وعاد جبلا راسخا في العلم بالسنة والتمكن من المذهب السلفي، ونبذ التقليد، والجهر بالدعوة إلى توحيد الألوهية، ومحاربة البدع والضلالات والطرقية، والتعلق بالقبور والأموات. ثم قال: ولم يفتأ ينشر الدعوة إلى السنة ويندد بالجمود والابتداع. (٤) موقفه من الصوفية: وأما اتهامه بإنكار الولاية والكرامات؛ فمعاذ الله أن يصدر منه ذلك؛ وإنما هو من مفترياتهم، إلا أنه ينكر على المدعين الذين جعلوا التصوف حبالا وشباكا يصطادون بها أموال الناس، ويدعون المقامات العالية كذبا وزورا،

стр. 4399

ويبشرون من أخذ عنهم بفضائل وأجور تغنيهم عن تحمل أعباء العبادات والعزائم الشرعية. موقفه من الجهمية: - قال عبد الحفيظ الفاسي في معرض ذكره الكتب التي درسها عليه: (قرأت كتاب 'الرد على الجهمية' لشيخ أهل السنة ومقتداهم الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وكتاب 'الأدب المفرد' للبخاري إلا يسيرا من آخره، وكذلك 'العلو' للذهبي؛ وهو كتاب حفيل عجيب .. ). (١) - وقال عبد الحفيظ وهو يذكر بعض المجالس التي حضرها السنوسي بعد رجوعه إلى فاس مع جمع من أعيانها وعلمائها بحضرة السلطان الحسن الأول ﵀: فأعلن في ذلك الجمع بما تحمله في الشرق عن شيوخه الأعلام من الرجوع إلى الكتاب والسنة والعمل بهما دون الأقيسة والآراء والفروع المستنبطة، ومن رفض التأويل في آيات وأحاديث الصفات والمتشابهات، وإبقائها على ظاهرها كما وردت، ورد علم المراد بها إلى الله تعالى مع اعتقاد التنزيه كما كان عليه سلف الأمة. وغير ذلك من المسائل. فقام بينه وبين أولئك العلماء خلاف كبير من أجل ذلك، وتناظروا في مجلس السلطان، ولمزوه بالاعتزال والتمذهب بعقائد أهل البدع والأهواء وإنكار الولاية والكرامات، وألف فيه بعضهم المؤلفات المحشوة بالسب والسخافات، الخارجة عن الأدب، مع لمزه بنزغة الاعتزال، ونقل ما قال الناس في المعتزلة والخوارج، وما طعنوا به من الأقوال البعيدة عن الإنصاف في الإمام ابن حزم

стр. 4400

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى. (١) اهـ (٢) - وقال أيضا: ولازمته مدة إقامته بفاس، وتمكنت الرابطة بيني وبينه، وأدركت عنده منزلة عظيمة؛ لما كان يرى من حرصي على سماع الحديث وروايته؛ فأجازني إجازة عامة وهو ضنين بها، ولقد طلب منه بعض إخوة مولاي عبد العزيز الإجازة فامتنع، وكان يقول لي: أنت عندي بمنزلة الولد، وبسبب هذا الاتصال أمكن لي أن أحقق كل ما نسب إليه من الاعتزال والبدع والأهواء؛ فوجدته مباينا للمعتزلة في كل شيء، وبريئا من كل ما نسب إليه؛ بل عقيدته سالمة، على أن ما خالف فيه الفقهاء من الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ التأويل في آيات الصفات شيء لم يبتكره ولا اختص به من دون سائر الناس؛ بل ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأيمة المجتهدين ومن بعدهم من الهداة المهتدين. محمد بن عثمان الشاوي (٣) (١٣٥٤ هـ) محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله الشاوي، من آل عثمان. ولد في بلدة البكيرية سنة ثلاث وثلاثمائة وألف للهجرة، وكف بصره منذ صغره. رحل إلى بريدة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، ثم إلى الرياض فقرأ على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله بن راشد، والشيخ

стр. 4401

سعد بن عتيق والشيخ عبد الله العنقري وغيرهم. عين قاضيا في قرية سنام، وعمره عشرون سنة، ومنها إلى بلدة الغطغط. حضر غزوات كثيرة أشهرها معركة تربة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف، وفتح مكة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف. عين مدرسا في المعهد العلمي السعودي بمكة، ثم تولى القضاء في بلدة تربة، ثم قضاء شقراء. أخذ عنه الفقيه عبد العزيز بن سبيل والشيخ سليمان بن راشد الحديثي والشيخ عبد الله بن يوسف الوابل والشيخ عبد العزيز الخضيري وغيرهم. وكان ﵀ شاعرا مجيدا، له قصائد دافع فيها عن التوحيد وعن العقيدة السلفية. توفي ﵀ في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: جاء في علماء نجد: أنه -بعد أن استولت الجيوش السعودية على الحجاز- قام بتصحيح العقائد وتوضيح خالص التوحيد ومحاربة البدع التي رسخت في العالم الإسلامية، ومنه الحرمين الشريفين فنفع الله به. كما ناضل الشعراء وأصحاب المقالات الذين يؤيدون تلك الأمور المنافية لصفاء التوحيد. فكانت مقالاته وقصائده في الصحف المحلية هي اللسان المدافع في ذلك. (١) موقفه من الجهمية: له قصائد جيدة نافح بها عن الشريعة والعقيدة السلفية السليمة وصادم

стр. 4402

كبار الشعراء منها: فيا من هو القدوس لا رب غيره ... تباركت أنت الله للخلق مرجع ويا من على العرش استوى فوق خلقه ... تباركت تعطي من تشاء وتمنع بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... توسل عبد بائس يتضرع عبد السلام السرغيني (١) (١٣٥٤ هـ) عبد السلام بن محمد السرغيني، أصله من قبيلة "السراغنة" بالمغرب الأقصى، استوطن فاسا، فقيه مطلع. من شيوخه أحمد بن الخياط وأحمد بن الجلالي الأمغاري وأحمد بن المامون البلغيتي ومحمد فتحا القادري ومحمد فتحا كنون وحماد الصنهاجي عبد السلام بناني. كان مدرسا بالمدرسة الثانوية بفاس، وله دروس حافلة بالقرويين، عين قاضيا في قبيلته السراغنة، وبقي هناك إلى أن توفي بها. له كتاب 'المسامرة'، وهو كما قال عنه شيخنا تقي الدين الهلالي: "في الدعوة لإقامة السنة ومحاربة البدع". وقال عن مؤلفه: "فقيد السلفية والدعوة للإصلاح الديني العلامة عبد السلام السرغيني برد الله ثراه". (٢) وقال عنه محمد الفاسي: "إن تاريخ الحركة الوطنية -بل الفكرة الوطنية نفسها- يرجع الفضل في بثها ونشرها إلى شيخ الإسلام ابن العربي ومن كان معه من بعض العلماء السلفيين كشيخنا السيد عبد السلام السرغيني ﵀

стр. 4403

وكثيرا ممن تتلمذوا لابن العربي، كانوا أيضا في نفس الوقت تلاميذ للسيد عبد السلام السرغيني، وقد لاقت هذه لرحكة أيضا مقاومة شديدة من طرق القبوريين وكان أقطاب السياسة الأهلية من رجال الحماية يساندون الجامدين ويضطهدون بشتى الوسائل دعاة الإصلاح". (١) توفي ﵀ يوم الاثنين الخامس والعشرين من شوال عام أربع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة. موقفه من المبتدعة: له كتاب 'المسامرة' وهو عبارة عن محاضرة ألقاها بنادي المسامرة بالمدرسة العليا الإدريسية بفاس، قال في مستهله: - الحمد لله الذي أنزل القرآن نورا يهتدى به في ظلمات الجهل الداجن وصراطا مستقيما من سلكه اهتدى لأقوم المحاج. وأرسل سيدنا محمد ﷺ ليبين للناس ما نزل إليهم من كتابه السراج الوهاج. وصلى الله عليه وسلم - وعلى آله السالكين باتباع سنته أقوم منهاج، القامعين لأهل البدع والضلال باللسان والسيف والسنان في الأفراد والأزواج. أما بعد أيها السادات الكرام إنني ملق إليكم بكلمات طالما اختلج بها الضمير، ولم يكن يمكن عنها باللسان التعبير، وما جرأني على ارتكاب ذلك، وإن كنت لست ممن يقرع تلك الأبواب ولا من يسلك تلك المسالك؛ إلا أني لم أر أحدا من السادة الذين سامروا قبلي تكلم عليها ولا أشار إليها، مع أنها هي التي ينبغي أن تقدم، وتقصد وتؤم؛ إذ ما من مكلف مكلف إلا

стр. 4404

ويجب عليه أن يتمسك بالسنة ويعض عليها بالنواجذ، ويجتنب البدع ويفر من أهلها ولا فراره ممن يقصد من مقاتله المنافذ؛ وذلك لأن ارتكاب البدعة أعظم من ارتكاب المعصية؛ لأن المعصية وإن عظمت قد يتوب منها صاحبها، والبدعة لا يتوب منها صاحبها لاعتقاده أنها مطلوبة فهي أحب إلى الشيطان من المعصية ... (١) - وقال أيضا: ثبت أن النبي ﷺ لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف له من أهل السنة، وإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم. قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا. فالمبتدع معاند للشارع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة ووجوها خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين. فالمبتدع راد

стр. 4405

لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر؛ ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع؛ أنه علم ما لم يعلمه الشارع؛ وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال بَيِّنٌ. وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز ﵁ إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية، فكتب إليه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق والتعمق. فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور أقوى وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي. (١) موقفه من المشركين: - قال ﵀ في مكايد الشيطان لبعض الناس: فمن أعظم مكايده التي كاد بها جل الناس، ولم يسلم منها إلا من لم يرد الله فتنته؛ ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، إلى أن عبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح ﵇،

стр. 4406

كما أخبر الله تعالى في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ الآية (١). قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون بعدهم؛ دب إليهم إبليس اللعين فقال: إنهم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. وهذا كان سبب عبادة اللات والعزى؛ وذلك أن رجلا كان يلث السويق للحاج ويطعمهم، ومات فعكفوا على قبره وعبدوه؛ وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الصالح الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، ويقولون: قبر فلان الترياق المجرب لقضاء الحوائج؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس

стр. 4407

وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصدوها كما قصده المشركون سدا للذريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخذها مساجد، وبناء المساجد عليها. فقد تواثرت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. (١) - وقال ﵀ أيضا: وقد زاد الأمر بهذه الحضرة كغيرها، حتى وصل الحال إلى الشرك بالله قولا واعتقادا، لا سيما طائفة النساء، فقد رأينا وسمعنا من ذلك ما ينفطر له كل قلب دخله الإيمان، فمهما مرض لهم إنسان أو أصابه محذور؛ ذهبوا إلى الشواف أو الشوافة، وسألوه عن المريض وما به، ويزعمون أنهم يعلمون الغيب!! فما أخبر به من سبب الداء وطرق الدواء اعتقدوا ذلك صحيحا، فتارة يقول لهم: إن الذي أصابه: سيدي حموا وشفاؤه في لبسه ثوبه الخاص به من الألوان، وتارة مولى الغابة، ولا بد له من ثوب خاص، أو موسى أو ميرة، أو غير ذلك من مفترياتهم الباطلة، فيعتقد ذلك المريض أنه لابد له من ذلك الثوب الخاص فمهما بلي لابد له من خلفه

стр. 4408

وإلا حل به البلاء والمرض. وتارة يقول لهم: لابد له من الليلة، فيجمعون طائفة العبيد ويرقصون له على طبولهم، ولا تسأل عما يقع في ذلك من المناكر التي لا يرضاها من له أدنى مسكة من عقل، فضلا عمن له غيرة على حريمه، فيعتقد ذلك المريض أن شفاءه في ذلك، فيفعل ذلك، رغما عما يلزمه من الخسائر الدينية والدنيوية. وصار شبه النساء من الرجال يعتقدون ذلك ويفعلونه، بل ربما فعل ذلك بعض من ينسب إلى العلم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا الاعتقاد الفاسد لم تعتقده اليهود ولا النصارى، ولا المجوس ولا ملة من الملل فيما علمنا وبلغنا. وهذا غاية الحمق والسفه فضلا عن الشرك بالله الفاعل بالاختيار الذي لا يعلم الغيب سواه، ولا يبري من الأمراض والأدواء إلا إياه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (١).اهـ (٢) موقفه من الصوفية: قال ﵀: فمن المناكر الشنيعة التي يندى لها وجه الدين ويتبرأ منها الإسلام وسائر المسلمين؛ اختلاط النساء بالرجال، والرقص على الشبابة والطار والغربال، من الشيوخ والكهول والنساء والأطفال، ويسمون ذلك التخبط وذلك الجنون بالحال. فترى منهم من يشدخ رأسه بالشواقر، ومنهم

стр. 4409

من يجعل النار في ثوبه أو فيه، ومنهم من يأكل الشوك أو الزجاج، ومنهم ومنهم إلى غير ذلك من أفعالهم الوحشية البهيمية. وقد كنت يوما من أيام مواسمهم مارا إلى المدرسة بطالعة هذه الحضرة الفاسية، فرأيت جمعا منهم على هذا الحال الشنيعة، فخرج من بينهم وحش إلى وسطهم ورمى بكورة من حديد إلى أعلى ولقيها برأسه، فسقطت على أم رأسه فخرج دماغه من أنفه وسقط إلى الأرض، فغطوه وقالوا: إنه غلبه الحال!! والواقع أنه ليس هناك حال، وإنما ذهب التعس المجنون ضحية جهله، وفريسة فعله، فكان الأحمق قاتل نفسه. فأنشدكم الله معشر المسلمين؛ هل مثل هذه الهمجية الوحشية يكون من دين الإسلام؟! حتى صار من لا يعرف حقيقة الإسلام يسمي تلك المناكر بالعوائد الدينية، كلا ومعاذ الله أن يكون لدين الصلاة والصيام والذكر والقيام عوائد شيطانية، بل دين الإسلام برئ من هذه المناكر وأهلها، ومن هم منسوبون إليه بريء منهم ومن أفعالهم. (١) السلطان عبد الحفيظ بن الحسن (٢) (١٣٥٦ هـ) عبد الحفيظ بن الحسن بن محمد الحسني العلوي، أبو المواهب: سلطان المغرب الأقصى، ولد بفاس، ونشأ في قبيلة بني عامر في الجنوب الغربي من مراكش، تولى السلطنة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة. وخلع نفسه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وكان فقيها أديبا.

стр. 4410

توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة. موقفه من المبتدعة: له من الآثار: 'كشف القناع عن اعتقاد طوائف الابتداع'. طبع قديما بفاس على الحجر وبالمطبعة المولوية بفاس سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهو عبارة عن رد على الطائفة التجانية في زمانه، وقد تجنت هذه الطائفة على هذا الكتاب؛ فتجندت لتتبعه وشرائه من الأسواق ثم إحراقه، ولكن نجى الله منه بعض النسخ؛ فهي لا تزال إلى الآن، كما توجد منه نسخة في المكتبة الملكية بالرباط، وأخرى في مكتبة باريز. ذكر فيه مقدمة حافلة في الحث على الاتباع وذم الرأي والابتداع، قال ﵀: إنما يلتمس رضى الله بكلامه وفروضه وسنة نبيه، لا يلتمس بالبدع وقول الزور على الله ورسوله، والزيادة في الدين ما ليس منه. أبهذا يلتمس رضى الله تعالى ونبيه؟ لا يلتمس بهذا أبدا. (١) موقفه من المشركين: - قال: وقد قلت في شدة لرجل يوما يستغيث ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني: قل يا الله؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢) فغضب، وبلغني أنه قال: إن فلانا منكر على الأولياء، وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من

стр. 4411

الله ، وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. اهـ (١) - وقال: وقد صح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار» (٢) إلخ، ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃ وهم أحرص الخلق على كل خير أنه طلب من ميت شيئا، بل قد صح عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائرا: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يطلب من سيد العالمين ﵊ أو من ضجيعيه المكرمين ﵄ شيئا، وهم أكرم من ضمته البسيطة، وأرفع قدرا من سائر من أحاطت به الأفلاك المحيطة. (٣) موقفه من الصوفية: - قال في كشف القناع وهو يتكلم عن صلاة الفاتح عند التيجانيين: ومن زعمهم الفاسد أيضا أن صلاة الفاتح خصنا الله بها كما خصنا بالنبي ﷺ ، وأنها تسمو على كل العبادات، ومن أين للقائل أن صلاة الفاتح خصنا الله بها؟ فإن كان يريد اللفظ العربي فلا مزية لها على غيرها من الصلوات المخترعات، وإن أراد خصوصية شرعية فلا يجد لذلك سبيلا -ولو قولا

стр. 4412

شاذا- وهل الخصوصية تقبل من مدعيها بلا نص؟ ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ (١). ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ (٢) قال: لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي وعلى فرض تسليم أنها خصوصية فهل تجعل مقارنة لخصوصية النبي لنا، على أننا لا خصوصية لنا بالنبي ﷺ ؛ فهو مرسل للعالمين جميعا إنسيهم وجنيهم يهوديهم ونصرانيهم، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣). ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ (٤). ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٥). فمقالة هذا الرجل تؤذن بعدم عموم الرسالة، وهذا كفر صراح نعوذ بالله، وتؤذن باستواء الفاتح والنبي، وإن أراد بالخصوصية كونه من العرب فمسلمة، ولكن لانسبة بينهما وبين الفاتح ولا خصوصية للفاتح. وقولهم إنها تسمو على كل العبادات (ال) في العبادات للاستغراق ورفع إيهام الجنسية في ضمن فرد، والاستغراق العرفي بقولهم (كل). فثبت الاستغراق الحقيقي بجميع الأفراد،

стр. 4413

ويلزم عليه أنها أفضل من القرآن والحج؛ لأنهما عبادة ومن الصلوات الخمس ومن الجهاد ومن سائر العلوم الشرعية فقها وحديثا وتفسيرا وتوحيدا وغير ذلك وهذا كفر صراح، إذ كلام الله بالنسبة لكلام الخلق كنسبة الله من الخلق، وأما غيره مما سردناه فلا يشك أحمق فضلا عن عاقل أن ثواب الواجب أعظم وأفضل. وفي الحديث: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» (١). وإن قيل مراده الأذكار، أقول: قال ﵇: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» (٢). وكلام النبي من المخلوقات بمنزلة النبي منهم فهل صلاة مخترعة تعدل بهذا كله؟ كزعمهم الفاسد في التصلية التي يسمونها بجوهرة الكمال، وفيها ما يوهم نقصا في النبي ﷺ ؛ وهو قوله: "الأسقم"؛ إذ هو اسم تفضيل من السقم، وقد نص الفقهاء على أن من قال قولاً يوهم نقصاً في النبي يكفر إجماعاً. وكذلك من قال قولاً يتضمن مخالفته ﷺ ، انظر الدردير وغيره. ما لهم لم يقولوا "الأقوم" أَثَقُل على ألسنتهم؟ أم قصدوا الاستغراق في المتشابه؟ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣) على أن ذلك في كتاب الله لا في المخلوقات، وأما كلام المخلوقات فما يوهم نقصا فيه، مما يؤدي لإهانة النبي كفر، ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 4414

يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ (١). ومن زعمهم الفاسد أن سيدي أحمد التيجاني ممد لمن مضى قبله ومن يأتي بعده. و (من) مِن صيغ العموم كما هو معلوم؛ فيدخل النبي وأصحابه وأهل القرون المشهود لهم بالخير، فانظر رحمك الله هذا الحمق الفادح كيف يمد رجل في القرن الثالث العشر أهل القرن الأول؛ أتهوّرٌ؟ أم كفرٌ؟ أم سكرٌ؟ وكيف يمد من بعده وهو ميت انقطع عمله عن الدنيا بالكلية، وحتى الثلاث المستثناة أو العشر فكلها راجعة لكسبه المتقدم في الدنيا؛ إذ لا يوجد فيها ما فعله بعد مماته، أما ما يقرأ عليه أو يتصدق به فليس من عمله، وفيه خلاف بين العلماء منشؤه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (٣)، قال: وما من كاتب إلا سيبلى ... فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ... ويُبقي الدهرُ ما كتبت يداهُ يسرك يوم القيامة أن تراهُ ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ (٤). ومن زعمهم الفاسد أن المواظب على تلك الصلاة ينال الخير الرابح،

стр. 4415

وأقول: الخير كله في اتباع كلام الله وكلام رسوله، وما استنبطه العلماء ﵏، أما الأمر بالمواظبة على الفاتح؛ فإني لا أرى داعي له؛ فإن كان يريد به الدين النصيحة؛ فالنصيحة أن يرشدهم إلى الفقه والحديث وكلام الله وتعلم الضروري من علوم الدين، وإن كان يريد أنه حصل هذا ولم يبق له إلا العمل، فالنصيحة أن يرشدهم إلى تلاوة كتاب الله؛ فإن الحرف منه بعشر حسنات بفهم وبغير فهم، وإن قال: "هذا من باب التدلي -على زعمهم- ليصل إلى الترقي" فأقول: يرشدهم إلى ما ورد في الحديث من الاستغفار وسبحان الله بحمده، وغير ذلك، وإن أرادوا خصوص الصلاة عليه ﵇ فما أحسن الوارد، كيف وقد قالوا: (كيف نصلي عليك يا رسول الله؟) قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (١) على أن أصحاب النبي ﷺ لم يعلموا أحداً تدلياً ولا ترقياً، بالمعنى المصطلح عند القوم، وإنما علّموا كتاب الله وأحكامه. ومن زعمهم الفاسد الشنيع المتعارف بينهم نشر ثوب وسطهم، حال التصلية، أسمعت، أو علمت، أو روي لك، شيخ من أصحاب الحديث، أم جاء في كتاب الله، أو استنبط من فعل رسول الله ﷺ أنّ قارئ القرآن ينشر أمامه ثوبا ليقرأ عليه فضلا عن قارئ الفاتح، ألهذا مزية وفضل استوجب به هذا، وما بلغ مداه القرآن والحديث فحرُما، إلا أن خير الهدي هدي محمد -
следующие страницы →