ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (١) رواه البخاري ومسلم.
ومنها حديث الأسلمي قال: قال النبي ﷺ : «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة» (٢) رواه البخاري. (٣)
ثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار إلى أن قال: وقد علم بما نقل من الأحاديث والآثار أن غربة الإسلام ليس معناها أنه يقل أهل الإسلام، دل عليه ما في حديث ثوبان المتقدم من قوله ﷺ : «بل أنتم يومئذ كثير» (٤) بل معناها أن الصالحين من أهل الإسلام يذهبون الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة الشعير وغثاء كغثاء السيل، وأن سنن الإسلام وشعبها وشرائعها من الصلاة والصيام والنسك والصدقة وغيرها تذهب وقتا فوقتا حتى لا يبقى إلا قول لا إله إلا الله (٥)، فإذا بعث الله ريحا طيبة توفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من
стр. 4342
خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فعليهم تقوم الساعة (١).
اهـ (٢)
أحمد بن إبراهيم بن عيسى (٣) (١٣٢٩ هـ)
الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد ينتهي نسبه إلى قبيلة بني زيد ثم إلى قضاعة بن مالك ثم إلى قحطان، شارح نونية ابن القيم. ولد الشيخ بشقراء في الخامس عشر من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف، نشأ في حجر والده العالم القاضي الشيخ إبراهيم بن عيسى، فتعلم مبادئ الكتابة والقراءة، ثم حفظ القرآن عن ظهر قلب ثم شرع في القراءة على والده بالتوحيد والفقه والحديث وسائر العلوم. من مشايخه: الشيخ عبد الرحمن ابن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهم. ثم سافر إلى الرياض ولازم علماءها الأجلاء، أدرك إدراكا تاما. وَفَاق أقرانه لا سيما في التوحيد، ثم سافر إلى مكة فأقام فيها للعبادة والعلم تعلما وتعليما. اتصل بأمير مكة وكلمه في هدم القباب والمباني على القبور والمزارات فأجابه لذلك. فكان من المساهمين في تطهير البلاد من الشرك والساعين في لم شتات الأمة. من
стр. 4343
تلامذته: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني والشيخ عبد الستار الدهلوي وغيرهم. عرّفه الكتاني بالعالم السلفي المسند.
توفي في بلد المجمعة بعد صلاة الجمعة في اليوم الرابع من جمادى الثانية من عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في تاريخ علماء نجد: وحدثني الشيخ الوجيه الأفندي محمد حسين نصيف رحمه الله تعالى قال لي: كان الشيخ أحمد بن عيسى يشتري الأقمشة من جدة من الشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني أحد تجار جدة بمبلغ ألف جنيه ذهبا، فيدفع له منها أربعمائة ويُقسط عليه الباقي. وآخر قسط يحل ويستلمه الشيخ التلمساني إذا جاء إلى مكة للحج من كل عام. ثم يبتدئون من أول العام بعقد جديد. وكان الكفيل للشيخ أحمد بن عيسى هو الشيخ مبارك المساعد من موالي آل بسام.
وكان صاحب تجارة كبيرة في جدة ودام التعامل بينهما زمنا طويلا. وكان الشيخ أحمد بن عيسى يأتي بالأقساط في موعدها المحدد لا يتخلف عنه ولا يماطل في أداء الحق. فقال له الشيخ عبد القادر: إني عاملت الناس أكثر من أربعين عاما، فما وجدت أحسن من التعامل معك -يا وهابي- فيظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين. فسأله الشيخ أحمد أن يبين له هذه الشائعات. قال: إنهم يقولون: إنكم لا تصلون على النبي ﷺ ولا تحبونه. فأجابه الشيخ أحمد بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 4344
إن عقيدتنا ومذهبنا أن من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فهو كافر. وإنما الذي ننكره نحن -أهل نجد- هو الغلو الذي نهى النبي ﷺ عنه، كما ننكر الاستعانة والاستغاثة بالأموات، ونصرف ذلك لله وحده. يقول الشيخ الراوي محمد نصيف عن الشيخ عبد القادر التلمساني: فاستمر النقاش بيني وبينه في توحيد العبادة ثلاثة أيام، حتى شرح الله صدري للعقيدة السلفية. وأما توحيد الأسماء والصفات الذي قرأته في الجامع الأزهر، فهو عقيدة الأشاعرة. وكتب الكلام مثل: 'السنوسية' و'أم البراهين' و'شرح الجوهرة' وغيرها.
فلهذا دام النقاش بيني وبين الشيخ ابن عيسى خمسة عشر يوما، بعدها اعتنقت مذهب السلف، وصرت آخذ التوحيد من منابعه الأصيلة: الكتاب والسنة وأتباعهما من كتب السلف. فعلمت أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم بفضل الله تعالى ثم بحكمة وعلم الشيخ أحمد بن عيسى. ثم إن الشيخ التلمساني أخذ يطبع كتب السلف.
فطبع منها: 'النونية' و'الصارم المنكي' و'الاستعاذة من الشيطان الرجيم' لابن مفلح و'المؤمل إلى الأمر الأول' لأبي شامة، و'غاية الأماني في الرد على النبهاني' وغيرها. وصار التلمساني من دعاة عقيدة السلف. قال الشيخ محمد نصيف: فهداني الله إلى عقيدة السلف بواسطة الشيخ عبد القادر التلمساني، فالحمد لله على توفيقه.
والمترجم له لم يقتصر نشاطه على دعوة الأفراد حتى اتصل بأمير مكة: الشريف عون الرفيق، وكلمه بخصوص هدم القباب والمباني التي على القبور
стр. 4345
والمزارات، وشرح له أن هذا مخالف للإسلام، وأنه غلو وتعظيم للأموات يسبب فتنة الأحياء، وبث الاعتقادات الفاسدة فيهم. فما كان من "الشريف عون" إلا أن أمر بهدم القباب التي على القبور عدا قبة قبر خديجة ﵂، والقبر المنسوب إلى حواء في جدة. فأبقاهما مراعاة للقاعدة الشرعية: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". وصار المترجم له بسبب علمه وعقله ونصحه مقربا من الشريف عون، يُجله ويُقدره ويعرف له فضله وحقه (١).
التعليق:
يستفاد من هذه القصة المباركة:
- أثر الصدق في المعاملة كان من هدي السلف، ولذا كان من نتيجته ما قص علينا في هذه القصة.
- منقبة لهذا الشيخ، حيث وفقه الله تعالى لهداية التلمساني والشيخ نصيف.
- قوة السلفيين في تأثيرهم على الحكام، وغايتهم في ذلك نشر العقيدة وترسيخها في النفوس، لا المنصب الحكومي، أو المطمع المادي، ولذلك آتت دعوتهم أكلها بإذن ربها، ولله الحمد والمنة.
آثار الشيخ السلفية:
١ - 'تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي' وهو كتاب قيم وقد طبع.
стр. 4346
٢ - 'الرد على ما جاء في خلاصة الكلام من الطعن على الوهابية والافتراء لدحلان'.
٣ - 'الرد على شبه المستغيثين بغير الله' طبع.
٤ - 'شرح النونية' طبع في جزءين. وهو ينم عن علم غزير وفهم عميق، يمكن أن يستخرج منه مواقفه من الفرق كلها ولكن نكتفي منه بما يلي.
موقفه من الجهمية:
قال ﵀: أشار ﵀ بهذه الأبيات إلى إثبات صفات الله تعالى التي نطق بها كتابه، وسنة رسوله ﷺ . ومذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات صفات الله تعالى التي ورد بها الكتاب؛ وصحيح السنة وحسنها، إثباتا بلا تمثيل؛ وتنزيها بلا تعطيل؛ خلافا للجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأمر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي شبخ البخاري: من شبه الله خلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله تشبيها. انتهى. بل هو إثبات على ما يليق بجلال الله وعظمته وكبريائه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (١)
وقال: ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل رؤية أهل الجنة ربهم ﵎ بأبصارهم جهرة، كما يرى القمر. وقد اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام، وأنكرها أهل البدع،
стр. 4347
كالجهمية، والمعتزلة، والباطنية، والرافضة ... (١)
إبراهيم بن حمد بن جَاسِر (٢) (١٣٢٩ هـ)
الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، ولد في بلدة بريدة ونشأ فيها وقرأ على علمائها، ومن أشهر مشايخه: الشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ إبراهيم بن محمد بن عجلان وغيرهم. وأدرك في العلوم لا سيما في التفسير والحديث واللغة العربية، فهو فيها بحر لا يجارى وعالم لا يمارى، واشتهر أمره وذاع صيته حتى عد من كبار علماء نجد، وشاع له ذكر حسن وثناء طيب، ثارت بعض الخلافات والنزاعات بينه وبين آل سليم، اتهمه بعضهم بتساهله في توحيد الألوهية ولكنه كذب مفترى.
قال فيه الشيخ يوسف الهندي: لم أر مثله في الاطلاع على الحديث إلا شيخي نذير حسين. وقال الشيخ محمد بن عبد العزيز آل مانع: إنه أعجوبة في سعة الاطلاع في التفسير والحديث. ويقول ابن مانع أيضا: إن الشيخ صالح العثمان آل قاضي يعجب من كثرة حفظه للحديث. وقال الشيخ محمد بن صالح البسام: إني كنت أحضر دروسه العامة قبل صلاة العشاء، فكان يشرع في تفسير الآية ويورد في معناها من الأحاديث والآثار وكلام العرب الشيء الكثير. من تلامذته: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي، والشيخ عثمان
стр. 4348
ابن صالح، والشيخ عبد العزيز بن عقيل وغيرهم.
توفي بعد عودته من العراق عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المشركين:
جاء في علماء نجد: الدليل الرابع على صدقه: ما حدثني به الثقات من أقاربي ممن حضروا القصة الآتية فقال: عرض على المترجم له إمامة وخطابة جامع النقيب في بلد الزبير براتب مغر، وكان في أمس الحاجة إليه. فذهب إلى الجامع المذكور ليراه ومعه بعض أفراد أسرتنا آل بسام، فدخل المسجد وتجول فيه، فرأى حجرة في مؤخر المسجد، فسأل عنها فقالوا: إنها قبر بانيه. فخرج من المسجد مسرعا وقال: لا أصلي ولا فرضا واحدا مأموما، فكيف أصير فيه إماما؟. (١)
موقفه من الصوفية:
جاء في تاريخ علماء نجد: والدليل الثالث على صحة معتقده أنه دخل المسجد الحرام أيام الحكم العثماني، فوجد حلق الصوفية تمارس بدعها وخرافاتها، فلم تمنعه غربته ولا إقرار حكومة البلاد لهذه الأعمال من أن يسطو عليهم بعصاه ضربا حتى فرقهم. فرفع أمره إلى أمير مكة المكرمة: "الشريف عون" فلما حضر وحقق معه وعرف أن الصواب مع الشيخ، فمنع هذه الأعمال البدعية. (٢)
стр. 4349
حسين آل الشيخ (١) (١٣٢٩ هـ)
الشيخ حسين بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. فهو أخو عبد الله بن حسن آل الشيخ. ولد في الرياض عام أربعة وثمانين ومائتين وألف. قرأ على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد بن حمود والشيخ حمد بن فارس والشيخ عبد الله الخرجي. قد أدرك لا سيما في النحو حتى ألف فيه وفي الفقه، وله قصائد رد بها على يوسف النبهاني وغيره.
نزح إلى عمان بساحل الخليج العربي وأقام هناك لنشر الدعوة السلفية، فنفع الله به وما زال هناك حتى توفي عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف. وليس له أولاد ولا أحفاد.
موقفه من المبتدعة:
له قصيدة رائية رد بها على قصيدة يوسف النبهاني، وأخرى رد فيها على أمين بن حنش العراقي. (٢)
إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (٣) (١٣٢٩ هـ)
الشيخ العلامة إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد في الرياض عام ثمانين ومائتين وألف وبها
стр. 4350
نشأ، ثم أخذ مبادئ الكتابة وقراءة القرآن الكريم على والده العلامة الشيخ عبد اللطيف، ثم حفظ القرآن ثم شرع في طلب العلم، فقرأ على أخيه الشيخ عبد الله والشيخ حمد بن فارس والشيخ محمد بن محمود حتى مهر في التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصولها والنحو.
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: برع في العلوم النقلية والعقلية، وكان آية في الفهم لم ير مثله في الذكاء والفطنة والحفظ، برز في كل فن حتى كاد يستوعب السنن والآثار حفظا، وفاق أهل عصره فكانت له المعرفة التامة في الحديث والتفسير والفقه مع ما جمع الله له من الزهد والعبادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام به. تولى القضاء بالرياض فسار فيه سيرة حميدة من عدالة الأحكام وإنصاف المظلوم، كما كان له حلقات في التدريس بأنواع العلوم فأخذ عنه جم غفير منهم ابناه محمد وعبد اللطيف، والشيخ عبد الملك بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن بن داود وغيرهم. وتصدى للإفتاء والإفادة، فله فتاوى تدل على جودة فهمه وحسن تصوره وله رد على أمين بن حنش في قصيدة طويلة بديعة نصر بها الحق ودحض بها الضلال.
توفي بالرياض ليلة السادس من شهر ذي الحجة عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المشركين:
له: منظومة في الرد على أمين العراقي بن حنش؛ هذا بعضها:
الحمد لله حمدا أستزيد به ... فضل الإلاه وأرجو منه رضوانا
وأستعين به في رد خاطئة ... من العراق أتت بغيا وعدوانا
стр. 4351
من جاهل عارض الحق المبين بها ... هذا به سفها تيها وطغيانا
قد عاب أهل الهدى من غير ما سبب ... وقام يعمر للإشراك بنيانا
فليس بالعلم المرضي مقالته ... ولا الأصيل ولا من نال إتقانا
قد فهت بالزور فيما قلت مجتريا ... لست الأمين ولكن كنت خوانا
من كان يصرف للمخلوق دعوته ... وكان يندب للأموات أحيانا
يدعوهموا باعتقاد منه أنهموا ... يفرجون عن المكروب أحزانا
هذا هو الشرك قد أعليت ذروته ... وسوف تصبح يوم الدين ندمانا
من كان يقصر آيات الكتاب على ... أسباب إنزالها قد نال خسرانا
فالاعتبار عموم اللفظ قال بذا ... من شاد للملة السمحاء أركانا
وليس ينكر أسبابا مؤثرة ... فالله خالقها سبحان مولانا
ومن يعطل للأسباب ينكرها ... قد خالف الشرع والمعقول طغيانا
والاعتماد على الأسباب منقصة ... لأنه من قسيم الشرك قد بانا
أما الخوارق للعادات فهي إذا ... لا تقتضي الفضل إطلاقا لمن كانا
هذا الذي قاله عبد اللطيف إذا ... ولم يكن يمنع المشروع بل كانا
مستمسكا بصحيح النقل متبعا ... خير القرون الأولى دانوا بما دانا
يحمي طريق رسول الله عن شبه ... وعن ضلال بذا التأسيس أنبانا
عن ذاك أفصح مصباح له ولقد ... أعلى بذلك للتوحيد بنيانا
هذا جوابك يا هذا موازنة ... فالحر ما دين إنصافا به دانا (١)
стр. 4352
جمال الدين القاسمي (١) (١٣٣٢ هـ)
محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم أبو الفرج من سلالة الحسين السبط، عالم مشارك في أنواع العلوم، إمام الشام في عصره علما بالدين وتضلعا من فنون الأدب، مولده ووفاته في دمشق. كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد، انتدبته الحكومة للرحلة وإلقاء الدروس العامة في القرى والبلاد السورية، فأقام في عمله هذا أربع سنوات، ثم رحل إلى مصر وزار المدينة، ولما عاد اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين، فقبضت عليه الحكومة وسألته فرد التهمة فأخلي سبيله واعتذر إليه والي دمشق، فانقطع في منزله للتصنيف، وإلقاء الدروس الخاصة والعامة في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب. ونشر بحوثا كثيرة في المجلات والصحف. ترك ثروة وافرة من تآليفه النافعة الكثيرة.
وافاه الأجل في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المبتدعة:
هذا الرجل كان من المصلحين الكبار، من الله عليه بالاطلاع على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وظهر ذلك في تفسيره: 'محاسن التأويل'. وله بعض الهنات في الكتاب المنسوب إليه: 'تاريخ الجهمية'. وكذلك بعض عباراته في قواعد التحديث، كالثناء على ابن عربي المجمع على
стр. 4353
زندقته، إلا من شذ، فلا عبرة به.
وله من الآثار السلفية:
١ - 'إصلاح المساجد من البدع والعوائد'، وهو جيد في بابه، وقد طبع وانتفع به كثير من الناس.
٢ - 'محاسن التأويل' وهو مطبوع متداول، تكلمت عليه في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (١).
٣ - 'دلائل التوحيد' وهو مطبوع كذلك.
من مواقفه:
- قال ﵀: الحمد لله الذي أمر بالدعوة إلى سبيله، وجعل الخير والفضل في قبيله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين.
أما بعد: فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين، وجب على كل مستطيع له، أن يقتحم لوجه الله سبله، خشية أن تعم البدعة وتفشو الضلالة، ويتسع الخرق وتشيع الجهالة، فتموت السنة ويندرس الهدي النبوي، ويمحى من الوجود معالم الصراط السوي، ولما أضحت البدع الفواشي، كالسحب الغواشي، يتعذر على البصير حصرها، وضبط أفرادها وسبرها، رأيت أن أدل بجزئي منها على كلياتها، وبنبذة منها على بقياتها، وذلك في البدع والعوائد، الفاشية في كثير من المساجد، لأني ابتليت كآبائي بإمامة بعض الجوامع في
стр. 4354
دمشق الشام، وبالقيام بالتدريس العام، فكنت أرى من أهم الواجبات إعلام الناس بما ألم بها من البدع والمنكرات، فإن القيم مسئول عن إصلاح من في معيته، وفي الحديث: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (١).اهـ (٢)
- وقال: لا يخفى أن النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم حذروا قومهم من البدع ومحدثات الأمور، وأمروهم بالاتباع الذي فيه النجاة من كل محذور. وجاء في كتاب الله تعالى من الأمر بالاتباع بما لا يرتفع معه الترك. (٣)
- وقال: لا يخفى أن مدار العبادات إنما هو على المأثور في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة مع الإخلاص في القلب وصحة التوجه إلى الله تعالى. ولكل مسلم الحق في إنكار كل عبادة لم ترد في الكتاب والسنة في ذاتها أو صورتها، فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه بأنه أكمل لنا ديننا وأتم علينا به نعمته، فكل من يزيد فيه شيئا فهو مردود عليه لأنه مخالف للآية الشريفة وللحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤).
وكل البدع التي منها حسن ومنها سيء فهي الاختراعات المتعلقة بأمور المعاش ووسائله ومقاصده وهي المراد بحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥) ولولا ذلك لكان لنا أن نزيد في
стр. 4355
ركعات الصلاة أو سجداتها (حققه بعض الفضلاء) والله أعلم. (١)
محمد بن قاسم آل غنيم (٢) (١٣٣٥ هـ)
محمد بن قاسم آل غنيم النجدي الزبيري. ولد في بلدة الزبير من أعمال العراق، ونشأ فيها. أخذ عن الشيخ عبد الله بن نفيسة النجدي الزبيري والشيخ صالح بن حمد المبيض والشيخ إبراهيم الغملاس وغيرهم. تعلم الطب ومهر فيه، وطالع كتب الأدب واشتغل به، ونشر العلم وألف المؤلفات. توفي ﵀ سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف في بلدته الزبير.
موقفه من الرافضة:
له نظم رد فيه على أحد علماء الرافضة. (٣)
محمد بن محمود بن عثمان الضالع (٤) (١٣٣٧ هـ)
محمد بن محمود بن عثمان الضالع القصيمي أصلا البغدادي مولدا ومنشأ. ولد في بغداد سنة تسع وخمسين ومائتين وألف، وقرأ القرآن، وأخذ شيئا من النحو على الشيخ بشير الغزي، وطالع كتب الفقه والتفسير وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وكان ﵀ مجاهرا بعقيدته السلفية، نابذا لأهل البدع ومنكرا عليهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله في ذلك
стр. 4356
الردود القيمة.
توفي ﵀ في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في علماء نجد: وكان من المتحمسين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن الدعاة إليها، يناظر فيها عن علم ممزوج بآداب المناظرة وحسن المجادلة، ولا يمنعه من المجاهرة بعقيدته وإنكاره مخالفة الناس له في ذلك، ونبذه الناس لانتحاله هذا المذهب لمناظرته فيه، ومطالعته كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، وإنكاره الشديد على أهل البدع، ونسبوا كل من كان يحضر مجلسه إلى الوهابية، فكان يتحاشاه أكثر عارفيه خصوصا في عهد السلطان عبد الحميد، ومع هذا فإنه لم يزل مصرا على عقيدته ومجاهرته بآرائه، لم يثن عزمه لومة لائم ولا وشاية واش.
وله رسالة وجيزة في الرد على خطبة (المسيو جبرئيل هانوتو) التزم فيها السجع، وله قصيدة رد بها على المصريين، وسبب ذلك أن الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقصيدة، فرد عليه الشيخ أبو بكر محمد بن غلبون المصري، فلما اطلع المترجم على الأصل وعلى رد أبي بكر بن غلبون رد عليه بقصيدة أولها:
سلام على من كان في قومه يهدي ... بأي مكان حل في الغور والنجد
ولاشك أن الأرض لا تخلو من فتى ... خلائقه ترضي وأفعاله تجدي
стр. 4357
ومنها:
ألا خبروني أنتموا أو هموا ممن ... يداهن في الدين الحنيفي على عمد
يرى كل أقوال الذين تقدموا ... صوابا وإن كان الحلول بما يبدي
وتعظيمهم حتى غدا الدين هزأة ... لكل جحود فاقد العقل والرشد
بتكذيب رسل الله والكتب التي ... نهتنا عن الإشراك بالواحد الفرد
وهي طويلة. وله غيرها من القصائد. (١)
علي بن سليمان بن حلوة آل يوسف (٢) (١٣٣٧ هـ)
علي بن سليمان بن حلوة من آل يوسف الوهيبي التميمي نسبا، العنزي القصيمي أصلا، البغدادي مولدا وموطنا. ولد في بغداد ونشأ فيها، وقرأ على علماء بغداد منهم السيد محمود شكري الآلوسي. قال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن درهم: العلامة ذو العقل الراجح والشهامة علي بن سليمان آل يوسف طلب العلم في بغداد على مشايخ كثر، وأدرك في كثير من الفنون إدراكا تاما، وقد رأيته واجتمعت به واستفدت منه في مدة إقامته عندنا ببلدنا قطر، وهو إذ ذاك في صحبة الشيخ يوسف آل إبراهيم في أيام قدومه على الشيخ المرحوم قاسم آل ثاني عام خمس عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، فرأيت رجلا لا يجارى فيما تكلم فيه من أي فن خصوصا في الأصول والعقائد، والتحقيق لعقيدة السلف والدعوة إليها والرد على من خالفها. له مؤلفات وردود تدل على سعة علمه، وتبنيه لعقيدة السلف.
стр. 4358
توفي ﵀ ببغداد في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المبتدعة:
له من الآثار السلفية:
١ - 'أربح البضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة'.
٢ - 'قصيدة في الرد على أمين حنش البغدادي'.
٣ - 'قصيدة في الرد على النبهاني'. (١)
العلامة طاهر الجزائري (٢) (١٣٣٨ هـ)
طاهر بن محمد بن صالح بن أحمد بن موهب السمعوني الجزائري الأصل، الدمشقي المولد والنشأة دخل المدرسة الجقمقية وتخرج بالأستاذ عبد الرحمن البستاني، ثم اتصل بالعلامة الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني ولازمه إلى أن توفاه الله ثم أصبح فقيه المالكية بدمشق ومفتيها بالشام. كان مغرما باقتناء المخطوطات والبحث عنها، فساعد في إنشاء "دار الكتب الظاهرية" بدمشق و"المكتبة الخالدية" في القدس.
تحلق حول الشيخ طائفة من الشيوخ والعلماء النابعون كالشيخ جمال الدين القاسمي وعبد الرزاق البيطار وغيرهم، والتحق بهم نوابغ الشباب من أمثال محب الدين الخطيب ورفيق العظم ومحمد سعيد الباني الذي ألف في ترجمة الشيخ 'تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر'.
стр. 4359
من مؤلفاته:
١ - 'الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية'.
٢ - 'تنبيه الأذكياء في قصص الأنبياء'.
٣ - 'التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن'.
٤ - 'توجيه النظر إلى علم الأثر'.
وكلها طبعت.
٥ - 'الإلمام في السيرة النبوية'. وهو مخطوط.
٦ - 'التفسير الكبير' في أربع مجلدات. وهو مخطوط بالمكتبة الظاهرية.
وغيرها.
توفي ﵀ بدمشق سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة.
موقفه من المبتدعة:
قال تلميذه الشيخ سعيد الباني: كان يدعو المارقين إلى التدين، ولكن بالدين الذي تركنا عليه الشارع ﷺ ، ونهج عليه سلف الأمة الصالح، ويتحاشى الجمود والتقليد الأعمى، ويرفض كل ما ألصق بالدين من الحرج والتنطع والحشود والبدع مما لا يلتئم مع الإسلامية السمحاء. (١)
موقفه من الرافضة:
س: من أفضل الأمم جميعا بعد الأنبياء ﵈؟
ج: أفضل الأمم جميعا بعد الأنبياء هي الأمة المحمدية، وأفضلها
стр. 4360
الصحابة الكرام وهم الذين اجتمعوا بنبينا ﵊ وآمنوا به واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأفضلهم الخلفاء الأربعة. (١)
موقفه من الصوفية:
س: هل يبلغ الولي درجة النبي، وهل يصل إلى حالة تسقط عنه التكاليف عندها؟
ج: لا يبلغ الولي درجة نبي من الأنبياء أصلا ولايصل العبد ما دام عاقلا بالغا إلى حيث يسقط عنه الأمر والنهي ويباح له ما شاء. ومن زعم ذلك كفر وكذلك يكفر من زعم أن للشريعة باطنا يخالف ظاهرها هو المراد بالحقيقة، فأول النصوص القطعية وحملها على غير ظواهرها. كمن زعم أن المراد بالملائكة القوى العقلية، وبالشياطين القوى الوهمية. (٢)
موقفه من الجهمية:
جاء في الجواهر الكلامية:
س: ما المراد بالاستواء في قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣)؟
ج: المراد به استواء يليق بجلال الرحمن جل وعلا، فالاستواء معلوم والكيف مجهول. واستواؤه على العرش ليس كاستواء الإنسان على السفينة
стр. 4361
أو ظهر الدابة أو السرير مثلا، فمن تصور مثل ذلك فهو ممن غلب عليه الوهم لأنه شبه الخالق بالمخلوقات مع أنه قد ثبت في العقل والنقل أنه ليس كمثله شيء. فكما أن ذاته لا تشابه ذات شيء من المخلوقات كذلك ما ينسب إليه سبحانه لا يشابه شيئا مما ينسب إليها.
س: هل يضاف إلى الله سبحانه يدان أو أعين أو نحو ذلك؟
ج: قد ورد في الكتاب العزيز إضافة اليد إلى الله سبحانه في قوله جل شأنه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) واليدين في قوله سبحانه: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢)، والأعين في قوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٣) إلا أنه لا يجوز أن يضاف إليه إلا ما أضافه إلى نفسه في كتابه المنزل أو أضافه إليه نبيه المرسل.
س: ما المراد باليد هنا؟
ج: المراد باليد هنا معنى يليق بجلاله سبحانه، وكذلك الأعين، فإن كل ما يضاف إليه سبحانه يكون غير مماثل لما يضاف إلى شيء من المخلوقات. ومن اعتقد أن له يدا كيد شيء منها أو عينا كذلك فهو ممن غلب عليه الوهم إذ شبه الله بخلقه وهو ليس كمثله شيء.
س: إلى من ينسب ما ذكرته في معنى الاستواء واليدين والأعين؟
стр. 4362
ج: ينسب ذلك إلى جمهور السلف.
وأما الخلف فأكثرهم يفسرون الاستواء بالاستيلاء، واليد بالنعمة أو القدرة، والأعين بالحفظ والرعاية، وذلك لتوهم كثير منهم أنها إن لم تؤول وتصرف عن ظاهرها أوهمت التشبيه وقد اتفق الفريقان على أن المشبه ضال، وغيرهم يقولون إنما توهم التشبيه لولم يدل العقل والنقل على التنزيه، فمن شبه فمن نفسه أتي.
س: كيف نثبت شيئا ثم نقول: (الكيف فيه مجهول)؟
ج: هذا غير مستغرب فإنا نعلم أن نفوسنا متصفة بصفات كالعلم والقدرة والإرادة، مع أنا لانعلم كيفية قيام هذه الصفات بها، بل إنا نسمع ونبصر ولا نعلم كيفية حصول السمع والإبصار بل إننا نتكلم ولا نعلم كيف صدر منا الكلام. فإن علمنا شيئا من ذلك فقد غابت عنا أشياء، ومثل هذا لا يحصى.
فإذا كان هذا فيما يضاف إلينا فكيف الحال فيما يضاف إليه سبحانه. (١)
عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (٢) (١٣٤٠ هـ)
عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد في الرياض، وتعلم بالمدينة ومصر وتونس، وساح
стр. 4363
في مراكش وجنوب آسيا والهند والأفغان وإيران والعراق. كان مرجع النجديين في أمور دينهم، وشارك في سياستهم وحروبهم، واشتهر بالكرم والدهاء، وكان مع آل سعود في هجرتهم إلى الكويت.
توفي ﵀ بالرياض سنة أربعين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المبتدعة:
له من الآثار السلفية:
- 'رسالة في الاتباع وحظر الغلو في الدين'. (١)
محمود شكري الآلوسي (٢) (١٣٤٢ هـ)
محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الآلوسي الحسيني أبو المعالي، حفيد الآلوسي المفسر صاحب 'روح المعاني'، مؤرخ عالم بالأدب والدين من الدعاة إلى الإصلاح. ولد في رصافة بغداد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف، وأخذ العلم عن أبيه محمد وعمه وغيرهما. وتصدر للتدريس في داره وفي بعض المساجد وحمل على أهل البدع في الإسلام برسائل فعاداه كثيرون فسعوا إلى والي بغداد فكتب إلى السلطان عبد الحميد فصدر الأمر بنفيه إلى بلاد الأناضول فقام أعيانها وكتبوا إلى السلطان يحتجون فسمح له بالعودة إلى بغداد فلزم بيته عاكفا على التأليف والتدريس، عرض عليه قضاء بغداد فزهد فيه، ولم يل عملا بعد ذلك غير عضوية مجلس المعارف في بدء
стр. 4364
تأليف الحكومة العربية في بغداد. له مصنفات كثيرة نافعة.
توفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف.
موقفه من المبتدعة:
- قال عنه تلميذه الشيخ بهجة الأثري: ولأستاذنا الآلوسي النصيب الأكبر احتسب حياته لخدمة الدين الإسلامي، وتطهيره من أوضار البدع والمحدثات، التي فتت في ساعده، وبذل في ذلك غاية جهده، فجاهد أهل الحشو ودعاة عبادة القبور جهاد الأبطال في ساحات القتال، فكان سيفا ماضيا في رقاب الحشويين والقبوريين. (١)
- وقال أيضا: جاهد السيد البدع والوثنيات، ودعا إلى التوحيد الذي هو أول ما كانت تدعو إليه الرسل، وبين ضرر تقليد الآباء والسير على آثارهم الغامضة، غير مدخر في جهاده ودعوته وسعا حتى كبح جماح الوثنيين وخفف من غلواء القبوريين أو كاد، فكان له من التأثير المحمود في قمع الضلال ما لا سبيل لأحد إلى إنكاره. (٢)
- وقال في رده على النبهاني: إن كل ما ليس عليه أثارة من علم ليس بمقبول، وإن الاجتهاد ليس بنبوة حتى يقال إنه ختم بفلان وفلان، أما النبوة فقد دل نص الكتاب والسنة على ختمها. (٣)
стр. 4365
موقفه من المشركين:
لقد أجاد الشيخ ﵀ في شرحه للمسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وهي رسالة جيدة في بابها، نذكر نماذج منها:
- قال في شرحه المسألة التاسعة عشرة: من خصالهم الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر.
قال: وهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس، لا سيما من انتسب إلى الصالحين وهو عنهم بمراحل، فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقاه إليهم شياطينهم، وادعوا أن ذلك من الكرامات، مع أن الكرامة لا تصدر عن فاسق، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان، ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وفي مثلهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١).اهـ (٢)
- وقال في المسألة الثانية والثلاثين: القول بالتعطيل كما كان يقوله آل فرعون. والتعطيل: إنكار أن يكون للعالم صانع، كما قال فرعون لقومه:
стр. 4366
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١) ونحو ذلك. ولم يخل العالم عن مثل هذه الجهالات في كل عصر من العصور، وأبناء هذا الزمان إلا النادر على هذه العقيدة الباطلة، لو نظروا بعين الإنصاف والتدبر، لعلموا أن كل موجود في العالم يدل على خالقه وبارئه:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ومن أين للطبيعة إيجاد مثل هذه الدقائق التي نجدها في الآفاق والأنفس، وهي عديمة الشعور لا علم لها ولا فهم -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-. (٢)
- وقال في المسألة الثانية والأربعين: الغلو في الأنبياء والرسل ﵈. قال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٣). والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع
стр. 4367
ويغوث ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇. (١)
موقفه من الرافضة:
لقد جرد الشيخ قلمه للرد على الروافض ودحض شبههم في أكثر من كتاب منها:
١ - 'السيوف المشرقة مختصر الصواعق المحرقة'.
٢ - 'المنحة الإلهية'.
٣ - 'سعادة الدارين في شرح الثقلين' ترجمه عن الفارسية لمؤلفه الشيخ عبد العزيز ولي الله الدهلوي.
٤ - 'رجوم الشيطان'.
٥ - 'صب العذاب على من سب الأصحاب'.
- قال في مطلعه: لما انتشر بين الناس البدع والضلالات، وسرى الجهل إلى سائر الجهات، أشاع الروافض رفضهم بين الناس، وأظهروا ما انطووا عليه من الخبث والدس والإلباس، فشمر عند ذلك علماء أهل السنة ساعد الجد والاجتهاد، لتطهير ما لوث به أهل الأهواء وجه الأرض من الفساد، فردوا عليهم في كتبهم أتم رد، وصدوهم عما ذهبوا إليه أكمل صد، بدلائل جلية، وبراهين قطعية. (٢)
- وقال: والعجب كل العجب من رافضي ينتسب لأب؛ فإن من نظر إلى أحوال الروافض في المتعة في هذا الزمان لا يحتاج في حكمه عليهم
стр. 4368
بالزنا إلى شاهد ولا برهان؛ فإن المرأة الواحدة منهم تزني بعشرين رجلا في يوم وليلة، وتقول إنها متمتعة، وقد هيئت عندهم أسواق عديدة للمتعة توقف فيها النساء ولهن قوادون يأتون بالرجال إلى النساء، وبالنساء إلى الرجال، فيختارون ما يرضون، ويعينون أجرة الزنا، ويأخذون بأيديهن إلى لعنة الله تعالى وغضبه، فإذا خرجن من عندهم وقفن لآخرين، وهكذا. كما أخبر بذلك الثقات الذين دخلوا بلادهم، وإن جماعة نحو خمسة أو أقل أو أكثر يأتون إلى امرأة واحدة، فتقول لهم من الصبح إلى الضحى في متعة هذا، ومن الضحى إلى الظهر في متعة هذا، ومن الظهر إلى العصر في متعة هذا، ومن العصر إلى المغرب في متعة هذا، ومن المغرب إلى العشاء في متعة هذا، ومن العشاء إلى نصف الليل في متعة هذا، ومن نصف الليل إلى الصبح في متعة هذا، ويسمونها "المتعة الدورية" ... (١)
- وقال في خاتمة رده في صب العذاب: فإن هؤلاء الأوغاد، ومنشأ الفتن والفساد أقل من أن تسود جوههم بمداد الأقلام، وأذل من أن يقابلوا بأسنة الألسنة وسهام الأرقام؛ فإنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، قد كوّروا العمائم، واتخذوا ذلك شبكة لصيد طير الولائم، كل منهم قد شمخ بأنف من الجهل طويل، واشمخرّ بخرطوم كخرطوم الفيل، واحتشى من قيح الخبث وقبح الأباطيل، على أن من "يسمع يخِل"، وغالب الرعاع اليوم كالأنعام بل هم أضل، يتبعون كل ناعق ويألفون كل ناهق.
стр. 4369
ثم إن ما حرّرته في إبطال كلام الزائغين وأوهام الناكبين عن سبيل المؤمنين، كان في أقل مدة، من غير كلفة ولا عدة؛ فإن فسادهم باد في أول النظر، وكسادهم بيّن لدى كل ذي بصر؛ فإنهم لا فسحة للقول إلا الجدّ، ولا راحة للطبع إلا السرد.
وقد اقتصرت على رد ما ذكروه، ولم أتعرض في هذا المقام لسائر ما هَذَوا به وزوّروه، فقد قضي الوطر من إبطال جميع عقائدهم، وهدم أساس أصولهم وقواعدهم؛ فإن عادوا عدنا، وإن زادوا زدنا:
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة
وها أنا قائم على ساق العزم في ساحة المناظرة غير عاجز، ذو نية وبصيرة، يرجو الغداة نجاة فائز، واقف في ميدان البحث والمحاورة: هل من مبارز؟ إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز. وكيف لا وقد تكفل الله بنصرنا في قوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ (١). وبمن أبالي وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (٢) مع أني اليوم أقل القوم، وكم فينا معاشر أهل الحق من بطل همام، ونحرير إمام، يشق بذهنه الشعر، ويثقب بثاقب فكره الدرر، كم أقعدوا المخالفين على عجز الإفحام، وألجموا المعاندين بلجام الإلزام.
стр. 4370
ومن أين لفئة الضلال مثل هؤلاء الرجال؛ فإن كلا منهم "أحمق من ربيعة البكّاء"، ومن "ناطح الصخرة ولاعق الماء"، و"أخنث من هيت ودلال"، وأخبث ممن سارت بخبثه الأمثال، وقد زادوا بجهلهم على الحمير، وهذه آثارهم والبعرة تدل على البعير.
والحمد لله الذي صدقنا وعده، ونصر حزبه وجنده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى الآل والأصحاب ومن أخلص لهم وُدّه. (١)
موقفه من الصوفية:
- له من الآثار السلفية: 'غاية الأماني في الرد على النبهاني'، وقد طبع ووزع على نفقة بعض المحسنين. وكان أول محسن طبعه على نفقته الشيخ نصيف والشيخ عبد القادر التلمساني خدمة للعقيدة السلفية.
- ومما قال فيه: وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة مبتدعة الرفاعية؛ فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم، وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات والعقارب ونحو ذلك. (٢)
- قال ﵀ في شرحه لكتاب المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: المسألة السادسة والستون:
تعبدهم بالمكاء والتصدية. قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ
стр. 4371
صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ (١). تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: المسجد الحرام الذي صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله، فينبغي أن يعظم بالعبادة وهم لم يفعلوا.
﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ أي: صفيرا. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ أي: تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت. والمراد بالصلاة إما الدعاء أو أفعال أخر كانوا يفعلونها، ويسمونها صلاة، وحمل المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها، ولا معنى لها كصفير الطيور، وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي يليق أن تقع عند البيت ... والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية. فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول القائل فيهم:
أقال الله صفق لي وغن ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا
وقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا
стр. 4372
غُرُورًا (٦٤)﴾ (١).اهـ (٢)
موقفه من الجهمية:
قال في شرحه المسألة الخامسة والخمسين: تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية:
قال: كان أهل الجاهلية يلقبون من خرج عن دينهم بالصابئ، كما كانوا يسمون رسول الله ﷺ بذلك، كما ورد في عدة أحاديث من صحيح البخاري ومسلم وغيرهما (٣)، تنفيرا للناس عن اتباع غير سبيلهم.
وهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء مكروهة للناس.
وأما الحشوية، فهم قوم كانوا يقولون بجواز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة، كالحروف في أوائل السور، وكذا قال بعضهم، وهم الذين قال فيهم الحسن البصري لما وجد قولهم ساقطا، وكانوا يجلسون في خلقته أمامه: "ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة"، أي: جانبها.
وخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم، تنفيرا للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم، حيث يقولون في المتشابه: لا يعلم تأويله إلا الله. وقد أخطأت استهم الحفرة، فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في الكتاب ولا في السنة، بل يقولون في الاستواء مثلا: "الاستواء غير مجهول،
стр. 4373
والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر".
ولقد أطال الكلام في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، ولخص ذلك في كتابه 'جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن'.
ومن الناس من فرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية، بأن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد مطلقا، فالاستواء -مثلا- عندهم له معنى يتوصل إليه بمجرد سماعه كل من يعرف الموضوعات اللغوية، إلا أنه غير مراد، لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به -تعالى- لا يعلمه إلا هو .
وكيف يكون مذهب السلف هو مذهب الحشوية، وقد رأى الحسن البصري الذي هو من أكابر السلف سقوط قول الحشوية، ولم يرض أن يقعد قائله تجاهه؟!.
والمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل هذا اللقب الخبيث. قال أبو محمد عبد الله بن قتيبة في 'تأويل مختلف الأحاديث': إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والنابتة، والمتجبرة، والجبرية، وسموهم الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله ﷺ . (١)
موقفه من القدرية:
قال في المسألة الخامسة والثلاثين: جحود القدر، والاحتجاج به على الله تعالى ومعارضة شرع الله بقدر الله.
стр. 4374
وهذه المسألة من غوامض مسائل الدين، والوقوف على سرها عسر إلا على من وفقه الله تعالى.
ولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سماه 'شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل'.
وقد أبطل الله سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١).
تفسير هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: حكاية لفن آخر من أباطيلهم.
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾: لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح، إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم، بل هم كما نطقت به الآيات يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى، وأن التحريم إنما كان من الله عزوجل، فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند
стр. 4375
الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمر، وتستلزم الرضى، كما زعمت المعتزلة، فيكون حاصل كلامهم أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته، فهو مشروع ومرضي عند الله تعالى.
وبعد أن حكى ذلك عنهم، رد عليهم بقوله عز من قائل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وهم أسلافهم المشركون.
وحاصله: أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل ﵈، وقد دلت المعجزة على صدقهم. أو نقول: حاصله: أن ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، وكل ما هذا شأنه فلا تكليف به، لكونه مشروطا بالاستطاعة، فينتج: أن ما ارتكبه من الشرك وغيره، لم يتكلف بتركه، ولم يبعث له نبي، فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد بها باطل، لأنهم أرادوا بها أن الرسل ﵈ في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون، وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية، ولكونه صدقا أريد به باطل، ذمهم الله تعالى بالتكذيب.
ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف، لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة.
حتى ﴿ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾، أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم، وفيه إيماء إلى أن لهم عذابا مدخرا عند الله تعالى، لأن الذوق أول إدراك الشيء.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾، أي: هل لكم من علم بأن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان؟
стр. 4376
وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك، لأنهم كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء ﵈، حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل ﵈ تفويض الأمور إليه ، فحين طالبوهم بالإسلام، والتزام الأحكام، احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم مناط العَيُّوق. (١)
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، أي: تكذبون على الله تعالى.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول والبيان. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ بالتوفيق لها، والحمل عليها، ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك.
ومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية: وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم وقدرتهم، وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله
стр. 4377
تعالى ورسوله ﵊ بذلك، فرد الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم، وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال، فكذب الرسل، وأشرك بالله عزوجل، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك بمشيئة الله تعالى، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة.
ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته، وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعين.
والمقصود أن يمتحض وجه الرد عليهم، وتتلخص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد، وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم، وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة.
وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية، وعجزها معجزا للمعتزلة، إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة لأهل السنة على المعتزلة، والحمد لله رب العالمين.
ومنهم من وجه الآية: بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء ﵈، على معنى أن الله تعالى شاء شركنا، وأراده منا، وأنتم تخالفون إرادته، حيث تدعونا إلى الإيمان، فوبخهم سبحانه وتعلى بوجوه عدة:
منها قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، فإنه بتقدير الشرط، أي:
стр. 4378
إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.
وقوله سبحانه: ﴿فلو شَاءَ﴾ بدلا منه على سبيل البيان، أي: لو شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه، لو كان الأمر كما تزعمون، لكان الإسلام أيضا بالمشيئة، فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام، كما وجب بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك، فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة، بل موافقة وموالاة.
وحاصله: أن ما خالف مذهبكم من النِّحل يجب أن يكون عندكم حقا، لأنه بمشيئة الله تعالى فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة.
وفي سورة النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ (١).
الكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة، ولا تراهم يتشبثون إلا عند انخذال الحجة، ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة الزخرف وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ
стр. 4379
سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ (١).
ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، والمراد بما حرموه: السوائب والبحائر وغيرها.
وفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي، لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول ﵊ والطعن في الرسالة رأسا، فإن حاصله: أي ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه شاء أن نوحده، ولا نشرك به شيئا، ونحلل ما أحله، ولا نحرم شيئا مما حرمنا، كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك، وتحليل ما أحله، وعدم تحريم شيء من ذلك، وحيث لم يكن كذلك، ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك، بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما يقوله الرسل ﵈ من تلقاء أنفسهم. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، أي: أشركوا بالله تعالى، وحرموا من دونه ما حرموا، وجادلوا رسلهم بالباطل
стр. 4380
ليدحضوا به الحق.
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾، أي: ليست وظيفتهم إلا البلاغ للرسالة، الموضح طريق الحق، والمظهر أحكام الوحي التي منها تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).
وأما إلجاؤهم إلى ذلك، وتنفيذ قولهم عليه شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم، ولا من الحكمة التي يتوقف عليها التكليف، حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل ﵈ أو على عدم تعلق مشيئته تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لابد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية، وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله، وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين.
والكلام على هذه الآية ونحوها مستوفى في تفسير 'روح المعاني' (٢) وغيره.
فجحود القدر، والاحتجاج به على الله، ومعارضة شرع الله بقدره، كل ذلك من ضلالات الجاهلية.
والمقصود أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، فمن زلت