← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١).اهـ (٢) موقفه من الرافضة: - جاء في معارج القبول: فصل من هو أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ وذكر الصحابة بمحاسنهم، والكف عن مساويهم وما شجر بينهم ﵃. أهم ما في هذا الفصل خمس مسائل: الأولى: مسألة الخلافة. والثانية: فضل الصحابة وتفاضلهم بينهم. والثالثة: تولي أصحاب النبي ﷺ وأهل بيته سلام الله ورحمته وبركته عليهم، ومحبة الجميع والذب عنهم. الرابعة: ذكرهم بمحاسنهم والكف عن مساويهم. والخامسة: السكوت عما شجر بينهم، وأن الجميع مجتهد: فمصيبهم له أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، ومخطؤهم له أجر الاجتهاد وخطؤه مغفور. وبعده الخليفة الشفيق ... نعم نقيب الأمة الصديق ذلك رفيق المصطفى في الغار ... شيخ المهاجرين والأنصار وهو الذي بنفسه تولى ... جهاد من عن الهدى تولى

стр. 4552

(وبعده): أي بعد رسول الله ﷺ . (الخليفة): له في أمته. الشفيق: بهم وعليهم. (نعم): فعل مدح. (نقيب): فاعل نعم، والنقيب عريف القوم وأفضلهم. (الصديق): هو المخصوص بالمدح وهو النقابة منه لجميع الأمة، وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أول الرجال إسلاما، وأفضل الأمة على الإطلاق ﵁ ... (١) - وفيه: ثانيه في الفضل بلا ارتياب ... الصادع الناطق بالصواب أعني به الشهم أبا حفص عمر ... من ظاهر الدين القويم ونصر الصارم المنكي على الكفار ... وموسع الفتوح في الأمصار (ثانيه): أي ثاني أبي بكر. (في الفضل): على الناس بعده فلا أفضل منه، وكذا هو ثانيه في الخلافة بالإجماع. (بلا ارتياب): أي بلا شك. (الصادع): بالحق المجاهر به الذي لا يخاف في الله لومة لائم، ومنه قول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٢) فكان عمر ﵁ كذلك، وبه سماه النبي ﷺ فاروقا. (الناطق بالصواب): والذي وافق الوحي في أشياء قبل نزوله كما سيأتي. (أعني به): أي بهذا النعت. (الشهم): الذكي المتوقد، السيد المطاع الحكم القوى في أمر الله الشديد في دين الله. (أبا حفص عمر): ابن الخطاب ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح

стр. 4553

ابن عدي بن كعب العدوى ثاني الخلفاء وإمام الحنفاء بعد أبي بكر ﵄، وأول من تسمى أمير المؤمنين. (الصارم): السيف المسلول. (المنكي): من النكاية. (على الكفار): لشدته عليهم وإثخانه إياهم، حتى إن كان شيطانه ليخافه أن يأمره بمعصية كما قاله علي بن أبي طالب ﵁. (وموسع): من الاتساع. (الفتوح): فتوح الإسلام. (في الأمصار): فكمل فتوح بلاد الروم بعد اليرموك ثم بلاد فارس حتى مزق الله به ملكهم كل ممزق، ثم أوغل في بلاد الترك كما هو مبسوط في كتب السير وغيرها. (١) - وفيه: ثالثهم عثمان ذو النورين ... ذو الحلم والحيا بغير مين بحر العلوم جامع القرآن ... منه استحت ملائك الرحمن بايع عنه سيد الأكوان ... بكفه في بيعة الرضوان (ثالثهم): في الخلافة والفضل. (عثمان): بن عفان بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف، من السابقين الأولين إلى الإسلام بدعوة الصديق إياه، وزوجه رسول الله ﷺ رقية ابنته ﵂، وهاجر الهجرتين وهي معه، وتخلف عن بدر لمرضها، وضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره. وبعد وفاتها زوجه النبي ﷺ أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها وبذلك تسمى. (ذو النورين): لأنه تزوج ابنتي نبي واحدة بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره ﵁. ذو الحلم: التام الذي لم يدركه

стр. 4554

غيره. (والحياء): الإيماني الذي يقول فيه النبي ﷺ : «الحياء شعبة من الإيمان» (١) وقال: «أشدكم حياء عثمان» (٢). (بحر العلوم): الفهم التام في كتاب الله تعالى حتى إن كان ليقوم به في ركعة واحدة فلا يركع إلا في خاتمتها إلا ما كان من سجود القرآن. (جامع القرآن): لما خشى الاختلاف في القرآن والخصام فيه في أثناء خلافته ﵁، فجمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على القراءة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ سني حياته ... (٣) - وفيه: والرابع ابن عم خير الرسل ... أعني الإمام الحق ذا القدر العلي مبيد كل خارجي مارق ... وكل خب رافضي فاسق من كان للرسول في مكان ... هارون من موسى بلا نكران ولا في نبوة فقد قدمت ما ... يكفي لمن من سوء ظن سلما (والرابع): في الفضل والخلافة. (ابن عم): محمد ﷺ . (خير الرسل): أكرمهم على الله . (أعني): بذلك. (الإمام الحق): بالإجماع بلا مدافعة ولا ممانعة. (ذا): صاحب. (القدر العلي): الرفيع، وهو أمير المؤمنين أبو السبطين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ﵁

стр. 4555

وأرضاه ... (ومبيد كل خب رافضي فاسق): الخب الخداع الخائن، والرافضي نسبة إلى الرفض، وهو الترك بازدراء واستهانة، سموا بذلك لرفضهم الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وزعموا أنهما ظلما عليا واغتصبوه الخلافة ومنعوا فاطمة ﵂ فدك، وبذلك يحطون عليهما ثم على عائشة ثم على غيرها من الصحابة. وهم أقسام كثيرة لا كثرهم الله تعالى، أعظمهم غلوا وأسوأهم قولا وأخبثهم اعتقادا بل وأخبث من اليهود والنصارى هم السبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي قبحه الله، كانوا يعتقدون في علي ﵁ الإلهية كما يعتقد النصارى في عيسى ﵇، وهم الذين أحرقهم علي ﵁ بالنار، وأنكر ذلك عليه ابن عباس كما في صحيح البخاري والمسند وأبي داود والترمذي والنسائي عن عكرمة ﵁ قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١). حكى عن أبي المظفر الاسفراييني في الملل والنحل: أن الذين أحرقهم علي ﵁ طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبئية، وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة. وتفصيل ذلك ما ذكره في الفتح من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال:

стр. 4556

قيل لعلي ﵁: إن هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. قال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني. فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فأمر علي ﵁ أن يخد لهم أخدود بين المسجد والقصر، وأمر بالحطب أن يطرح في الأخدود ويضرم بالنار ثم قال لهم: إني طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال: إني إذا رأيت أمر منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا قال ابن حجر: "إسناده صحيح" (١).اهـ (٢) - وفيه: وأكثر ما يكذب على علي ﵁ الرافضة الذين يدعون مشايعته ونشر فضائله ومثالب غيره من الصحابة، فيسندون ذلك إليه ﵁ وهو بريء منهم، وهم أعدى عدو له. وفي الصحيحين من طرق عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكذبوا علي فإنه من

стр. 4557

كذب علي فليلج النار» (١). وفي فضائله ﵁ من الأحاديث الصحاح والحسان ما يغني عن أكاذيب الرافضة، وهم يجهلون غالب ما له من الفضائل فيها، وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت فثلاث قالهن رسول الله ﷺ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له وقد خلفه في مغازيه فقال له علي ﵁: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله ﷺ : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي؟» وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله»، قال فتطاولنا لها قال: «ادعوا لي عليا»، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ليلة فتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ (٢) دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» (٣).اهـ (٤)

стр. 4558

- وفيه: ثم السكوت واجب عما جرى ... بينهم من فعل ما قد قدرا فكلهم مجتهد مثاب ... وخطؤهم يغفره الوهاب أجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتد بإجماعهم على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ بعد قتل عثمان ﵁، والاسترجاع على تلك المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة، والاستغفار للقتلى من الطرفين والترحم عليهم، وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر مناقبهم، عملا بقول الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١) الآية. واعتقاد أن الكل منهم مجتهد: إن أصاب فله أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد والخطأ مغفور، ولا نقول إنهم معصومون بل مجتهدون إما مصيبون وإما مخطئون لم يتعمدوا الخطأ في ذلك. وما روي من الأحاديث في مساويهم الكثير منه مكذوب، ومنه ما قد زيد فيه أو نقص منه وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون. (٢) موقفه من الصوفية: سئل ﵀: إلى كم قسم تنقسم البدع في العبادات:

стр. 4559

فأجاب: إلى قسمين: الأول: التعبد بما لم يأذن الله أن يعبد به ألبتة، كتعبد جهلة المتصوفة بآلات اللهو والرقص والصفق والغناء وأنواع المعازف وغيرهما، مما هم فيه مضاهئون فعل الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١). والثاني: التعبد بما أصله مشروع، ولكن وضع في غير موضعه، ككشف الرأس مثلا هو في الإحرام عبادة مشروعة، فإذا فعله غير المحرم في الصوم أو في الصلاة أو غيرها بنية التعبد كان بدعة محرمة، وكذلك فعل سائر العبادات المشروعة في غير ما تشرع فيه، كالصلوات النفل في أوقات النهي، وكصيام يوم الشك وصيام العيدين، ونحو ذلك. (٢) موقفه من الجهمية: - قال في معرض ذكره للإلحاد في أسماء الله: وهو ثلاثة أقسام: الأول: إلحاد المشركين، وهو ما ذكره ابن عباس وابن جريج ومجاهد من عدولهم بأسماء الله تعالى عما هي عليه، وتسميتهم أوثانهم بها مضاهاة لله ومشاقة له وللرسول ﷺ . الثاني: إلحاد المشبهة الذين يكيفون صفات الله ويشبهونها بصفات خلقه مضادة له تعالى وردا لقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

стр. 4560

شَيْءٌ﴾ (١)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٢) وهو مقابل لإلحاد المشركين؛ فأولئك جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق وسووه به، وهؤلاء جعلوا الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة وشبهوه بها، تعالى وتقدس عن إفكهم. الثالث: إلحاد النفاة، وهم قسمان: قسم أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى دون ما تضمنته من صفات الكمال، فقالوا: رحمن رحيم بلا رحمة، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. واطردوا بقية الأسماء الحسنى هكذا وعطلوها عن معانيها وما تقتضيه وتتضمنه من صفات الكمال لله تعالى، وهم في الحقيقة كمن بعدهم، وإنما أثبتوا الألفاظ دون المعاني تسترا وهو لا ينفعهم. وقسم لم يتستروا بما تستر به إخوانهم بل صرحوا بنفي الأسماء وما تدل عليه من المعاني واستراحوا من تكلف أولئك، وصفوا الله تعالى بالعدم المحض الذي لا اسم له ولا صفة؛ وهم في الحقيقة جاحدون لوجود ذاته تعالى، مكذبون بالكتاب وبما أرسل الله به رسله. وكل هذه الأربعة الأقسام كل فريق منهم يكفر مقابله، وهم كما قالوا كلهم كفار بشهادة الله وملائكته وكتبه ورسله والناس أجمعين من أهل الإيمان والإثبات الواقفين مع كلام الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وآله وصحبه أجمعين. (٣)

стр. 4561

- وقال في 'أعلام السنة المنشورة' مبينا معتقده في القرآن: القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، تكلم الله به قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا، فهو وإن خط بالبنان وتلي باللسان، وحفظ بالجنان وسمع بالآذان وأبصرته العينان، لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن، فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة، والمكتوب بها غير مخلوق، والألسن والأصوات مخلوقة والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق، والصدور مخلوقة، والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة، والمسموع غير مخلوق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال ابن مسعود ﵁: "أديموا النظر في المصحف" والنصوص في ذلك لا تحصى، ومن قال: القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر

стр. 4562

يخرجه من الإسلام بالكلية، لأن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود وكلامه وصفته، ومن قال: شيء من صفات الله مخلوق فهو كافر مرتد، يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام فإن رجع وإلا قتل كفرا ليس له شيء من أحكام المسلمين. (١) موقفه من الخوارج: بين ﵀ الواجب لولاة الأمور طبقا لما قرره أهل السنة فقال: الواجب لهم النصيحة بموالاتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتذكيرهم برفق، والصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، والصبر عليهم وإن جاروا، وترك الخروج بالسيف عليهم ما لم يظهروا كفرا بواحا، وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح والتوفيق. (٢) موقفه من المرجئة: - قال ﵀ في سلم الوصول: اعلم بأن الدين قول وعمل ... فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل - وقال أيضا فيه: إيماننا يزيد بالطاعات ... ونقصه يكون بالزلات وأهله فيه على تفاضل ... هل أنت كالأملاك أو كالرسل والفاسق الملي ذو العصيان ... لم ينف عنه مطلق الإيمان لكن بقدر الفسق والمعاصي ... إيمانه مازال في انتقاص

стр. 4563

وقد شرح ﵀ هذه الأبيات في معارج القبول شرحا وافيا فلتنظر هناك. (١) موقفه من القدرية: عقد فصلا في كتابه الجليل 'معارج القبول' في رؤوس الطوائف الضالة وذكر من بينهم القدرية فقال: الطائفة الرابعة: نفاة القدر، وهم فرقتان: فرقة نفت تقدير الخير والشر بالكلية وجعلت العباد هم الخالقين لأفعالهم خيرها وشرها، ولازم هذا القول أنهم هم الخالقون لأنفسهم، لأن في قولهم نفي تصرف الله في عباده، وإخراج أفعالهم عن خلقه وتقديره، فيكون تكونهم من التراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى آخر أطوار التخليق هم بأنفسهم تطوروا، وبطبيعتهم تخلقوا، وهذا راجع إلى مذهب الطبائعية الدهرية الذين لم يثبتوا خالقا أصلا كما قدمنا مناظرة أبي حنيفة لبعضهم فأسلموا على يديه. وفرقة نفت تقدير الشر دون الخير، فجعلوا الخير من الله وجعلوا الشر من العبد، ثم منهم من ينفي تقدير الشر من أعمال العباد دون تقديره في المصائب، ومنهم من غلا فنفى تقدير الشر من المصائب والمعايب. وعلى كل حال فقد أثبتوا مع الله تعالى خالقا، بل جعلوا العباد معه خالقين كلهم، ونفوا أن يكون الله هو المتفرد بالتصرف في ملكوته، وهذا راجع إلى مذهب المجوس الثنوية الذين أثبتوا خالقين خالقا للخير وخالقا للشر قبحهم الله

стр. 4564

تعالى. (١) - وعقد بابا في القضاء والقدر فيه من نظم سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد قال: والسادس الإيمان بالأقدار ... فأيقن بها ولا تمار فكل شيء بقضاء وقدر ... والكل في أم الكتاب مستطر (٢) ثم بسط شرح ذلك مطولا. شيخ أنصار السنة بمصر حامد الفقي (٣) (١٣٧٨ هـ) الشيخ العلامة محمد حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، ولد في قرية جزيرة نكلا العنب في سنة عشر وثلاثمائة وألف للهجرة. حفظ القرآن الكريم وأتم حفظه في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. بدأ دراسته بالأزهر في شهر شوال سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. ودراسته للحديث والتفسير بعد مضي ست سنين. نال شهادة العالمية في الأزهر الشريف سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف وعمره آنذاك خمس وعشرون سنة. وانقطع بعدها إلى خدمة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . أنشأ جماعة أنصار السنة المحمدية سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وألف،

стр. 4565

واتخذ لها دارا بعابدين. وبعدها أسس مجلة الهدي النبوي فنفع الله بها النفع العظيم. قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: لقد ظل إمام التوحيد (في العالم الإسلامي) والدنا الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ أكثر من أربعين عاما يجاهد في سبيل الله، ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب، واعتاد النصر على الأحداث، وإرادته تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ له، إذ كان الخوف من الله آخذا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يدهن في القول ولا يداجي، ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا. توفي ﵀ فجر الجمعة سابع رجب سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة على إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة. موقفه من المبتدعة: كان هذا الإمام شوكة في حلق المبتدعة في زمنه. ونفع الله به نفعا عظيما. وأخرج كثيرا من كتب السلف وزينها بتعاليقه الجيدة. وهي وإن كانت مختصرة، لكنها مفيدة. منها ما جاء في هامش 'اقتضاء الصراط المستقيم': - قال: وكذلك المقلدون على عمى: قد أطاعوا من قلدوهم في أخطائهم، وردوا بها صريح نصوص الكتاب والسنة، زاعمين أنها لم يأخذ بها

стр. 4566

معظمهم. (١) - وقال: الجاهلية: هي الحالة الناشئة عن الجهل والإعراض عن أسباب العلم التي أقامها الله في آياته الكونية في الأنفس والآفاق وفي النعم المتتالية؛ فهذه الحالة الجاهلية ملازمة للإعراض عن الفهم والتفقه لما أنزل الله في كتبه وأرسل به رسله، وللإعراض عن التدبر والتأمل لسنن الله الكونية، وآياته العلمية. وهذه حال يعمد الشيطان إلى إركاس الناس فيها بصرفهم عن الحق والهدي الذي جاءهم به رسل الله. وقد أركس الشيطان الناس اليوم فيها بالتقليد الأعمى وتعطيل عقولهم وأفهامهم، وحرمانهم من تدبر سنن الله وآياته، ومن الفقه في كتاب الله وسنة رسوله، فغلب عليهم العقائد الزائغة، والأخلاق الفاسدة، وانعكست بهم الأحوال، فغلبت النساء بسفههن الرجال، ونفقت سوق الشرك والبدع والخرافات، والفسوق والعصيان، وتحاكموا إلى الطواغيت، وتقطعت الصلات، وتباغضت القلوب، وتعاونوا على الإثم والعدوان، وأصبحوا شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، وضل سعيهم في كل شئون الحياة الدنيا. وعلى الجملة: أصبحوا في حياة لا ينبغي أن تنسب إلا إلى الجهل والسفه والغي، والإسلام دين الحكمة والرشد والفطرة السليمة، ودين العزة والقوة: برئ منها كل البراءة. (٢) - وقال: لا يمكن أن تكون بدعة إلا ولها سلف وقدوة خبيثة من دين

стр. 4567

الكافرين وخبث أعمالهم التي أوحاها إليهم شياطين الإنس والجن. (١) - وقال: والذي أعتقده -والله الموفق- هو أن شرع الإسلام بعقائده وعباداته وشرائعه شرع تام بما أتمه الله غير محتاج إلى غيره ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) بل جعله الله مهيمنا على غيره. بحيث يجب على المؤمن أن لا يرجع إلى غيره، ولو أنه عرض له في حياته أمر أي أمر -فيجب أن يرده إلى الله ورسوله. فهو الشريعة التي حفظ الله أصولها ونصوصها، بحيث لا يتطرق شك ولا ريبة إلى أي أصل من أصولها، ولا نص من نصوصها، وهي الشريعة التي ارتضاها الله ربنا سبحانه -وهو العليم الحكيم الرحيم- لعباده من كل بني آدم من وقت نزولها إلى آخر الدهر، واختزن ربنا في طوايا نصوصها ما فيه الهدى والرحمة، والرشد والحكمة، والشفاء لما في صدور جميع الناس من كل داء ومرض من أمراض الشبهات والشهوات في الفرد والأسرة والحكومة والمجتمع. (٣) - قال الشيخ ﵀ عقب كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء: "وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيما له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع: من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا". قلت: كيف يكون لهم ثواب على هذا وهم مخالفون لهدي رسول الله

стр. 4568

- ﷺ ولهدي أصحابه؟! فإن قيل: لأنهم اجتهدوا فأخطأوا، فنقول: أي اجتهاد في هذا؟ وهل تركت نصوص العبادات مجالا للاجتهاد؟! والأمر فيه واضح كل الوضوح. وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء، حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول الله ﷺ إلى دين اليهود والنصارى والوثنيين. فعليهم ما يستحقونه من لعنة الله وغضبه، وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله ﷺ بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه، والمسارعة إلى الوثنية واليهودية والنصرانية؟ ومن هم أولئك الذين أحيوا تلك الأعياد الوثنية؟ هل هم مالك أو الشافعي أو أحمد أو أبو حنيفة أو السفيانان أو غيرهم من أئمة الهدى ﵃؟ حتى يعتذر لهم ولأخطائهم، كلا، بل ما أحدث هذه الأعياد الشركية إلا العبيديون الذين أجمعت الأمة على زندقتهم، وأنهم كانوا أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم كانوا وبالا على المسلمين، وعلى أيديهم وبدسائسهم وما نفثوا في الأمة من سموم الصوفية الخبيثة انحرف المسلمون عن الصراط المستقيم، حتى كانوا مع المغضوب عليهم والضالين؟ وكلام شيخ الإسلام نفسه يدل على خلاف ما يقول من إثابتهم، لأن حب الرسول وتعظيمه الواجب على كل مسلم: إنما هو باتباع ما جاء به من عند الله. كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا

стр. 4569

أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ

стр. 4570

يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١).اهـ (٢) وله كلام جيد على بدعة قراءة القرآن على الموتى: جاء في اقتضاء الصراط المستقيم: "والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم فيها من الفائدة: أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته، فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الكافر وجهاد الفاجر. وقد قال ﷺ : «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٣) ". - قال حامد الفقي عقب هذا القول: لقد كان هذا من أقوى أسباب إماتة القرآن فقها وعلما وعملا وإن حفظوه حروفا وألفاظا، لأنهم يحترفون قراءته للموتى، على مثال كهنة قدماء المصريين الوثنيين، وبذلك هان القرآن ونزل من نفوس القادة والرؤساء، بل والعامة، حتى أصبح أقل منزلة في نفوسهم من قول الشيوخ وآرائهم، وعادات الآباء وتقاليدهم، وحتى أصبح في زمننا هذا أقل من قوانين الفرنجة وضلالهم. ولم يبق له في العقائد والعبادات والأخلاق والأدب والأحكام والدولة والأسرة أي أثر ولا قيمة،

стр. 4571

كل ذلك من آثار امتهانه للموتى والمقابر وللحجب والتمائم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهل كان السلف يستعينون على حفظ القرآن بهذا؟ أو هل أثر عن أحد من الخلفاء الراشدين قراءة القرآن على المقابر؟ ولكن هي السنن، حين تتحكم الأهواء، فيلتمس الناس لجعلها دينا أي دليل، ولو كان أوهى من بيت العنكبوت. (١) موقفه من المشركين: له هوامش على 'فتح المجيد': - قال ﵀ عقب قول الشارح: " .. فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى": هم في الواقع ما أحبوا الله حقيقة، لأن حب الله لا يكون إلا عن معرفة بالله، بأسمائه وصفاته. ومن أحب الله على الحقيقة لا يمكن أن يتخذ من دونه ندا. وليس معنى (كحب الله) أي كحبهم لله. ولكن معناها والله أعلم: يحبونهم حبا من جنس الحب الذي لا يكون إلا لله. وهو حب العبادة: غاية الحب في غاية الذل والتعظيم. فهذا هو الحب الذي ينشأ عنه الدعاء واللجأ والضراعة وطلب تفريج الكروب ونحوها مما يجرده المؤمنون لله وحده وهم أشد حبا لله. والمشركون يجردونه لأوليائهم أو يشركونهم مع الله، ولا يرجون لله وقارا. (٢) - وقال: الظاهر أن المعنى: أنهم يحبون أندادهم من جنس حب الله الذي هو حب التعظيم والذل والخضوع. لأنه ليس كل حب يكون عبادة

стр. 4572

حتى يكون فيه تعظيم وخضوع. ولذلك قال: (كحب الله) ولم يقل: كحبهم لله. فهم في الوقت الذي يحبونهم أعظم الحب، يخافونهم أشد الخوف، معتقدين أنهم يخلفون عليهم خيرا مما ينذرونه لهم، ويذبحونه لهم من طيب مالهم، ويرجون منهم المساعدة والمعونة على كشف الضر ودفع البأساء، ويحذرون انتقامهم بحرق زرعهم وإهلاك أولادهم وأنفسهم، ويروون عن سدنتهم روايات مكذوبة في تأييد دعاويهم تهويلا عليهم وتمكينا للضلال والشرك من أنفسهم. فهم لا يرجون لله وقارا كما يرجون لهم، ولا يخشون الله كما يخشونهم. فتجود أنفسهم بسخاء في سبيل التقرب إلى أولئك الموتى من أوليائهم بما لا تجود بعشره في سبيل الله برا للوالدين أو صلة للأرحام، أو إطعاما لجار بائس، أو مسكين من أهل قريته؛ هذا شأن عباد القبور والموتى اليوم. دقق في أحوالهم وطبقها على آيات المشركين في القرآن تجدهم زادوا على مشركي الجاهلية الأولى. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن من تحقق محبة مشركي زماننا لآلهتهم التي يسمونها بالأولياء يعلم يقينا أنهم يحبونها أكثر من محبتهم لله، ويتصدقون لوجوهها بما لا يقدرون أن يتصدقوا بعشره لوجه الله. (١) - وقال: في التِّوَلَة: وإن زعم الذين يصنعونها للنساء أنهم مسلمون ومتدينون، وأن ما يكتبونه من القرآن وأسماء الله، فإنهم يفعلون ذلك تضليلا بالقرآن وإلحادا فيه. لأنهم يكتبونه على طريقة اليهود حروفا مقطعة وبمداد خاص، ويمزجونه بأدعية جاهلية وبخطوط يزعمونها على صورة خاتم سليمان

стр. 4573

الذي كان فيه سر ملكه، كما يزعم اليهود الذين يعتقدون كفر سليمان، وأنه كان يسخر الجن بالسحر لا بمعجزة من الله. وعلى هذه العقيدة اليهودية الدجالون الذين يكتبون التمائم والتولات، ويزعمون أن للحروف والأسماء خداما يقومون بما يطلب منهم من الأعمال السحرية، ويتخذون أنواعا من البخور والأدوات المخصوصة التي يوحي بها شياطينهم. وكل ذلك من الكفر العظيم. (١) - وقال: في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٢): الظن هنا: ظن المشركين بأوليائهم أنها تسمع الدعاء وتجيب، فإنهم ليس لهم علم بذلك لا من طريق حواسهم، ولا من خبر صادق، وإنما هو مما يشيعه السدنة ترويجا لتجارتهم الخاسرة. ويزيد الجاهلين تعلقا بأوليائهم من دون الله ما تهوى أنفسهم من قضاء حاجاتهم بغير الأسباب الكونية فهم يعظمون أولئك الموتى لهوى أنفسهم وقضاء وطرهم لا حبا في الإيمان والمؤمنين. ولذلك تراهم يتنقلون من ميت إلى آخر إذا لم يجدوا مسألتهم قضيت عند الأول. وهكذا ترى السدنة إذا انتقلوا من وظيفة عند هذا الولي الذي كان في نظرهم كبيرا أصبح الولي الذي انتقلوا عند قبره أعظم بركة وأكثر كرامات. والله يقول: إن هؤلاء جميعا لا يتبعون إلا هوى أنفسهم وهم كاذبون أعظم الكذب في دعواهم حب الأولياء والصالحين. (٣)

стр. 4574

عبد الرحمن الكمالي (١٣٧٩ ه ـ) عبد الرحمن بن أحمد بن يحيى الكمالي الأنصاري، ولد سنة تسع وتسعين ومائتين وألف لسبع خلون من محرم الحرام. وتعلم ببلاده بجزيرة القسم "الجَسَم" بقرية كاروان بجنوب فارس، ثم رحل إلى "لنجة" فدرس على الشيخ عبد الرحمن بن يوسف، ثم رحل إلى مكة ومكث بها عشر سنين؛ فدرس هناك على الشيخ أبي شعيب الدكالي المغربي علوم الحديث والتفسير والتوحيد، ولازمه مدة طويلة. وكان الشيخ أبو شعيب هو السبب في تحول الشيخ عبد الرحمن الكمالي إلى المنهج السلفي، لذا قال فيه (١): وفي الغرب من أتباع مالك الإمام ... قوم لهم ذخر حديث محمد هنالك شيخي المغربي شعيب الـ ... ـذي كابن عبد البر في نصر مسند ودرس أيضا على مشايخ الحرم علوم العربية والفقه وغير ذلك. رجع إلى بلده ودرس فيها العقيدة السلفية في المدرسة الكمالية المشهورة بالعلم، وقضى عمره في مواجهة المناوئين فكانت له معارك كلامية معهم يذب فيها عن منهج السلف في العقيدة، وابتلي جَرَّاء ذلك أثابه الله وأحسن إليه. له منظومة 'شهود الحق' أبرز فيها المنهج السلفي في العقيدة، شرحها محمد رشاد محمد صالح (إسماعيل زادة) وقام بطبعها، وقدم لها الشيخ أحمد بن حجر رئيس قضاة المحكمة الشرعية بقطر، فأثنى عليها وعلى صاحبها،

стр. 4575

وللمترجم قصائد أخرى في نصرة العقيدة السلفية منها: قصيدة في أسماء الله وشروطها وغيرها. توفي ﵀ يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة في مسجد كاروان في جزيرة "الجسم" ببلده. موقفه من المشركين: - قال في منظومته 'شهود الحق': ولا تعتد لا تدع معه خليقة ... ولو ملكا ذا قرب أو بشيرا هدي طغى بعض أصحاب النجوم بدعوة الـ ... ـكواكب والخدام بعدا لمعتد فإن الدعاء والقرابين والسجو ... د والصوم والتسبيح لله فاعبد قريب لمن يدنو إليه بلطفه ... مجيب لمن يدعو فلا تتبعد - وقال في قصيدة 'أسماء الله الحسنى وشروطها' (١): ولا تعبدن الخلق بل كن موحدا ... لمن كان قبل الخلق ربا وسيدا - وقال أيضا (٢): بإخلاصك التوحيد نل قصرك المشيد ... في جنة سقف لها العرش فافرش موقفه من الرافضة: - قال ﵀ (٣): وآل رسول الله بالصدق وَالِهم ... على السنة البيضا لجدهم اهتد

стр. 4576

ولا تك خبا رافضيا بزعمه ... محبتهم في سب صحب محمدي وقذف الطهور أم من آمنوا رضا ... وتخوين جبريل الأمين الممجد وتنزيهما في بضع عشرة آية ... أمانتهم جاءت بآيات اشهد فذو الرفض كالجهمي يخفي شواهد الـ ... ـعلو وفي الوحيين ألف لمهتد قم اتبع وحب الصحب فالتابعون في ... رضا الله موصولون معهم إلى غد هم أولياء الله مع تابعيهم ... طريق الهدى معهم شريعة أحمد موقفه من الجهمية: قال الشيخ أحمد بن حجر في مقدمته لمنظومة 'شهود الحق' (١): ولم يكتف الشيخ عبد الرحمن بكونه أصبح سلفيا متقيدا بعقيدته في الكتاب والسنة وفي أعماله، بل أصبح مناظرا ومجاهدا وسيفا مسلولا على المؤولة. - قال ﵀ (٢): سألنا علي الذات والوصف جمعنا ... بمجمع أسعاد بأرفع مسعد ودفعا لأشرار الفلاسفة البغاة ... في طغيهم عما أتى من محمد ورفعا لوسواس لهم قد أتوا به ... إلينا بأوهام الكلام المبعد ومنعا لطرق الشك في قلب واحد ... من الجمع، جمع الشمل شمل التسعد ورجعا لمن في مهمه الوهم تاه من ... تسفسط قول الفلسفي المعربد إله الورى لا داخل العالمين بل ... ولا خارجا عنها فما الفوق فاجحد نصوصا أتت فيه وإن جلت إذ قضت ... لحشوية أرذال أمة أحمد

стр. 4577

يقولون مولانا عن الخلق بائن ... بفوقية جاءت نصوص فنقتدي وإن أمكن التأويل أول وقل لهم ... بفوقية القدر اصرفنها وقيد كقولك إن السيف فوق الجريد أو ... كما قيل الياقوت فوق الزبرجد ولا تطلقن اسم العلي ودافعن ... نصوصا وأخرى اطعن وأول وبعد وإن كثرت منها السهام ولم تجد ... مجالا لتأويل فلا تتشرد وقل عقلنا قد عارض النقل فلنقد ... م العقل إذ منه إلى النقل نهتدي فذلك أصل وهو أولى تقدما ... عن الفرع واستمسك بذا وتجلد أقول إذا فليصنعوا ما بدا لهم ... فبالوحي ما استهدوا ولا بمحمد وكم لهم من حيلة حولوا بها ... قلوبا عن استقبال سنة أحمد إن العقل بالإيمان بالوحي مجدوا ... ولم يمرقوا فالوحي أصل الممجد ولكن عقل المثبتين هو الذي ... يوافقه لا عقل أهل التجحد يقولون ما لا في كتاب وسنة ... بلى سنة اليونان أكيد حسد - وقال أيضا (١): أيا حيلة اليونان في درك سمك المد ... سم قد ألهمت إلهام من هدي ويا حيلة اليونان في رد كيدك الموكـ ... ـد قد برهنت برهان مهتد ويا حيلة اليونان ربي ناصري ... عليك فإني من جيوش محمد ويا حيلة اليونان حولي فدرعي القر ... آن وسيفي سيف جدي أحمد معوذتاه حلتا عقدا عقد ... ت من سحر تخييل بغير توجد

стр. 4578

فكم صدت أقواما بسحر خيالك المحا ... ل بدعوى نفي تشبيه ابتدي يخيل للأقوام أنك تجحدين ... تشبيهه حتى ظفرت بمقصد وما تم ذاك النفي إلا بنفيه ... تعالى، فهذا منتهى قصدك الردي بقصدك رأسا بان أنك تعلمـ ... ـين حربا ويكفي الرأس عن رجل أو يد بلغت مناك من أناس كثيرة ... فلا تقريبنا يا بغي بل ابعدي تريدين قطعا للطريق إصالة ... لأنك قطعا من أصول التمرد وأبلس إبليس اللعين برأيه ... كمثلك قطعا بعد طول التعبد - وقال أيضا (١): كفانا بحمد الله ليس كمثله ... بذات وأوصاف ولم نتجحد كما أنه بالذات ليس كمثله ... كذا في صفات الذات لم نتردد وبالحي والقيوم نعلم أنه ... بأحمد أوصاف الكمال وأمجد فكيف وقد جاءت بقرآن ربنا ... وسنة هادينا، أبالجحد نرتدي؟ وأسماءه الحسنى قبلنا جميعها ... بمدلولها عكس الجحود المبعد تفرقتم عن جمع جمع صفاته ... مع الذات واستجمعتم آراء مفسد فناف لذات الله ناف صفاته ... لزوما ولم يهدأ بروغ ويهتد - وقال (٢): وما يهتدى إلا بهدي محمد ... وما مدعي هدي عداه بمرشد أكنت بمعراج النبي إلى العلي ... الأعلى على أعلى العلا في تردد

стр. 4579

عروجا حقيقيا بغير تأول ... أم أول جهمي به كنت تقتدي كذلك الأملاك إليه عروجهم ... يخافونه من فوقهم مع تعبد وتنفيه عن فوق فليس بسافل ... فلم تتشهد مع يقين وتعبد وعما وراكون فليس بداخل العـ ... ـتخشى الذات يا ذا التردد لعلك في وهم بأن العظيم في ... قلبيك ذاتا كالحلولي يا ردي أو الذات في الأكوان مزجا ... أو احتشت ولم تمتزج حشوي أهون معتد أو الرب والمربوب لم يتباينا ... هما واحد كالاتحادي نعتدي فلم تخل من بعض أو أنت معطل ... جحود كلا أدرية بالتأكيد جزاك عمود النار فوق الجحود، ذق ... جزاء وفاقا للعزيز الممجد فكم فرق في تيه لا الله داخلا ... ولا خارجا أبدت فنون التردد كما مر ذكر البعض والنهر إن يسد ... مجراه يهدم حوله من مشيد فنون أهالي التيه صارت جنون من ... يتيه بدعوى كل فن مفند وأما قلوب الناس في حال فطرة ... الإله عليها قبل نحو التهود فنحو العلا مجبولة في رجوعها ... إلى الله هذي فطرة اله فاشهد وعامة إسلام تقر بفوقه ... بحمد الله كالحديث المؤيد فسله السواد الأعظم اليوم أو غدا ... تجد جود مولانا على الناس فاحمد - وقال (١): أيا مسلما سلم لوصف علوه ... تسلم تسليما به المرء يهتدي

стр. 4580

ويا مؤمنا أيقن بنعت علوه ... هديت إذ الإيقان ضد التردد وأدرى عباد الله بالله عبده ... الرسول وبالوحي بغير تردد تواترت عنه في العلو دلائل ... بقول وفعل أعجزت ذا التجحد وكان رسول الله يدعوه بالعلي ... الأعلى إذا ما اهتم بالقصد الأوكد كذاك إذا ما اهتم يدعوه رافعا ... يديه فتبدو الإبط للشاهد الهدي وجد برفع الوجه والعين واليد ... فزال الردا عن قده بالتجهد ببدر بدا كالبدر بل هو أبين ... كذا الرفع في الحج وبعد الوضو أشهد فقال لنا الجهمي ذا الرفع للسماء ... لا للعلي الواحد المتفرد فهل لك يا جهمي نص بصرف ذا ... عن الله هل بالصرف للخلق تهتدي - وقال (١): هم سلفيَّ إياك إياك أن ترى ... تخالفهم، خف من شقاء مؤبد هم الأهل، لا أصحاب شر زمخشر ... وأضرابه من حائر متردد ترددهم في ذات ربي ووصفه ... وأسمائه من اعتزال مبعد محمد سلطان المعصومي (٢) (١٣٨٠ هـ) أبو عبد الكريم محمد سلطان بن أبي عبد الله محمد أورون المعصومي الخجندي، نسبة إلى جده الأعلى محمد المعصوم. ولد في بلدة خجندة من بلاد ما وراء النهر سنة سبع وتسعين ومائتين وألف. سافر إلى الحجاز ثم إلى

стр. 4581

الشام ثم إلى مصر، آخذا عن علمائها ومشايخها، ثم رجع إلى موطنه، فاشتغل بالتدريس في المدرسة التي أنشأها والده. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة خرج الشيخ من الصين متوجها إلى مكة المكرمة بسبب محن وقعت له، فاستوطنها، وبقي فيها يدرس ويعلم إلى أن توفاه الله سنة ثمانين وثلاثمائة وألف ﵀. موقفه من المبتدعة: كان هذا الرجل من المجاهدين في سبيل عقيدتهم، وكاد أن يكون ضحية الزحف الأحمر الملعون في روسيا ولكن الله نجاه رغم العواصف التي مرت به ترك لنا تراثا سلفيا جيدا من ذلك: 'هدية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان' وهي رسالة جيدة جوابا على سؤال: هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين من المذاهب الأربعة؟ نجتزئ منها بعض أقواله: - قال: أساس دين الإسلام إنما هو العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هذا هو دين الإسلام الحق، وأصله وأساسه الكتاب والسنة، فهما المرجع في كل ما تنازع فيه المسلمون. ومن رد التنازع إلى غيرهما فهو غير مؤمن، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١). ولم يقل أحد من الأئمة اتبعوني فيما ذهب إليه، بل قالوا خذوا من حيث أخذنا،

стр. 4582

على أن هذه المذاهب أضيف إليها كثير من أفهام القرون المتأخرة، وفيها كثير من الغلط، والمسائل الافتراضية التي لو رآها أحد من الأئمة الذين نسبت إلى مذاهبهم لتبرؤوا منها وممن قالها. وكل واحد ممن يحفظ عنه العلم والدين من أئمة السلف قد تمسك بظاهر الكتاب والسنة، ورغب الناس في التمسك والعمل بهما، كما ثبت عن الإمام أبي حنيفة، وكذا مالك، والشافعي، وأحمد، والسفيانين (١): الثوري وابن عيينة، والحسن البصري، وأبي (٢) يوسف يعقوب القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الرحمن الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والإمام البخاري، ومسلم، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وكل واحد منهم يحذر من البدعة في الدين، ومن التقليد لغير المعصوم؛ والمعصوم إنما هو رسول الله ﷺ ، وأما غيره فأياً كان فغير معصوم، فيقبل من قوله ما وافق الكتاب والسنة، وينبذ ما خالفهما أيا كان، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "كل الناس يؤخذ منه ويؤخذ عليه إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ ". وعلى هذا سلك المحققون من الأئمة الأربعة وغيرهم، وكل واحد منهم يحذر من التقليد الجامد، لأن الله تعالى قد ذم في غير موضع من كتابه المقلدين الجامدين، وما كفر غالب من كفر من الأولين والآخرين إلا بالتقليد للأحبار والرهبان، والمشايخ والآباء. وقد ثبت عن الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: "لا يحل لأحد أن يفتي بكلامنا، أو يأخذ بقولنا ما لم يعرف من أين

стр. 4583

أخذناه" وصرح كل واحد منهم أنه: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" وقالوا أيضا: "إذا قلت قولا فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله، فإن وافقهما فاقبلوه، وما خالفهما فردوه، واضربوا بقولي عرض الحائط" وهذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام، أدخلهم الله تعالى دار السلام. ولكن الأسف ألف أسف من المقلدين المتأخرين، والمؤلفين الذين سودوا الدفاتر، وقد ظنهم الناس أنهم علماء مجتهدون معصومون، فهم قد ألزموا الناس تقليد واحد من الأئمة الأربعة ومذاهبهم المعروفة، فبعد الالتزام حظروا الأخذ والعمل بقول غيره كأنهم جعلوه نبيا مطاعا، يا ليتهم يعملون بقول الأئمة أنفسهم، ولكن لا يعرف أكثرهم من قول الإمام المتبوع إلا الاسم، وقد اخترع بعض المتأخرين مسائل، وابتدع مذاهب، ونسبها إلى الإمام، فيظن من يأتي بعده أنها قول الإمام أو مدعيه، والحال أنه مخالف لما قاله الإمام وقرره، وهو بريء مما نسب إليه، كقول كثير من متأخري الحنفية بحرمة الإشارة بالسبابة في تشهد الصلاة، أو أن المراد من يد الله قدرته، أو أنه تعالى في كل مكان بذاته وليس على العرش استوى. وبهذا وأمثاله قد انشقت عصا المسلمين، وتفرقت جماعتهم وجمعيتهم فاتسع الخرق على الراقع، وامتلأت الآفاق بالنفاق والشقاق. فبدع بعضهم بعضا، وضللت كل جماعة من يخالفها في أدنى شيء، وحتى كفر بعضهم بعضا، وضرب بعضهم رقاب بعض، وصاروا مثلا لما أخبر به الرسول الصادق الأمين سيدنا محمد ﷺ : «ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة»، قيل من هم يا رسول الله؟ قال:

стр. 4584

«الذين على ما أنا عليه وأصحابي» (١). المتأخرون غيروا وبدلوا حتى الزموا تقليد واحد فتفرقوا. والله العظيم، إن المسلمين حينما كانوا مسلمين كاملين، وصادقين في إسلامهم، كانوا منصورين وفاتحين البلاد، ورافعين أعلامهم الدين (٢)، كالخلفاء الراشدين والتابعين لهم بإحسان ﵃، ولكن لما غير المسلمون أوامر رب العالمين، جازاهم الله تعالى بتغيير النعمة عليهم، وسلب عنهم الدولة وأزال عنهم الخلافة، كما تشهد به آيات كثيرة. فمن جملة ما غيروا: التمذهب بالمذاهب الخاصة، والتعصب لها ولو بالباطل، وهذه المذاهب أمور مبتدعة حدثت بعد القرون الثلاثة، وهذا لا شك فيه ولا شبهة، وكل بدعة تعتقد دينا وثوابا فهي ضلالة، والسلف الصالحون كانوا يتمسكون بالكتاب والسنة وما دلاّ عليه، وما أجمعت عليه الأمة، وكانوا مسلمين رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم وأرضاهم وجعلنا منهم، وحشرنا معهم في زمرتهم؛ ولكن لما شاعت بدعة المذاهب نشأ عنها افتراق الكلمة، وتضليل البعض البعض، حتى أفتوا بعدم جواز اقتداء الحنفي وراء الإمام الشافعي مثلا، وإن تقولوا بأن أهل المذاهب الأربعة هم أهل السنة، ولكن أعمالهم تكذبهم وتعارض قولهم وتبطله، فحدثت من هذه البدع هذه المقامات الأربعة في المسجد الحرام، فتعددت الجماعة، وانتظر كل متمذهب جماعة مذهبه، فبأمثال هذه البدع حصّل إبليس مقصدا من مقاصده، ألا وهو

стр. 4585

تفريق المسلمين وتشتيت شملهم، فنعوذ بالله من ذلك. (١) - وقال: والعجب من هؤلاء المقلدين لهذه المذاهب المبتدعة الشائعة والمتعصبين لها، فإن أحدهم يتبع ما نسب إلى مذهبه مع بعده عن الدليل، ويعتقده كأنه نبي مرسل، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب، وقد شاهدنا وجربنا أن هؤلاء المقلدين يعتقدون أن إمامهم يمتنع على مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب البتة، وأضمر في قلبه أنه لا يترك تقليده وإن ظهر الدليل على خلافه، وهذا هو طبق ما رواه الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) فقلت: يا رسول الله إنهم ما كانوا يعبدونهم، فقال ﷺ : «إنهم إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه، فذلك عبادتهم» (٣).اهـ (٤) - وقال: اعلم أن معظم الناس خاسرون وأقلهم رابحون، فمن أراد أن ينظر في ربحه وخسره؛ فلينظر وليعرض نفسه على الكتاب والسنة، فإذا وافقهما فهو الرابح، وأما إذا خالفهما فهو الخاسر، فيا حسرة عليه، وقد أخبر الله تعالى بخسارة الخاسرين وربح الرابحين، فأقسم بالعصر إن الإنسان

стр. 4586

لفي خسر إلا من جمع أربعة أوصاف، وإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يخبر عن المغيبات، ولكن يخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلل، ويترك الواجبات بغير سبب مجوز، فاعلم أنه شيطان نصبه الله تعالى فتنة للجهلة، وليس ذلك بعيدا من الأسباب التي وضعها الله تعالى للضلال، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإن الدجال يحيي ويميت ويمطر السماء فتنة لأهل الضلال، وكذلك من يأكل الحيات ويدخل النيران. (١) - وقال: يقال للمقلد على أي شيء كان الناس قبل أن يوجد فلان وفلان الذين قلدتموهم، وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع، وليتكم اقتصرتم على ذلك، بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو ضلالة؟ فلا بد من أن يقروا بأنهم كانوا على هدى، فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنة والآثار، وتقديم قول الله تعالى ورسوله ﷺ وآثار الصحابة ﵃ على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول فلان وفلان ورأيه؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى يؤفكون؟ فتدبر. (٢) - وله كتاب 'تمييز المحظوظين عن المحرومين في تجريد الدين وتوحيد المرسلين'. قال فيه: واحترز أيها المؤمن عن الصيغ المحدثة المبتدعة، والأحزاب المؤقتة التي فيها المنكرات بل الأكاذيب والكفريات كـ 'دلائل الخيرات'

стр. 4587

للجزولي، و'صلوات الثناء' للنبهاني؛ فإنها من البدع المنكرة، لا يحل لمن يؤمن بالله وبكتابه ورسالة رسوله محمد ﷺ أن يفعل ذلك، أو يعتقد جوازه، فإنه مما لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أحد من أئمة المسلمين، فالحذر الحذر. (١) - وقال: وقد صدق الله العظيم؛ فإن المسلمين لما كانوا كاملي الإسلام؛ كالخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ نصرهم الله تعالى على الأعداء، وفتح على أيديهم البلدان الكثيرة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فجزاهم الله تعالى في الدارين خير الجزاء. وأما الخلف؛ الذين خالفوا الله، وخالفوا أمره، وخالفوا رسول الله ﷺ وخالفوا سنته، وخالفوا السلف الصالحين، وتركوا العمل بكتاب الله الهادي إلى سعادة الدارين، وجهلوا معانيه، واتخذوا دينهم هزوا ولعبا، واعتمدوا على الخرافات ودجل الدجالين، واعتقدوا أن أرواح الأولياء تعينهم وتمدهم، وأن الأقطاب والأوتاد تتصرف في العالم وتحفظه، فبنوا الأربطة والخانقات، واشتغلوا بالخرافات والخزعبلات، بل الشركيات والبدعيات والضلالات، وساعدهم السلاطين الجهلة، والعلماء الدجاجلة؛ فسلب الله تعالى عنهم الدولة، وسلط عليهم الكفرة الخذلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ (٢).اهـ (٣)

стр. 4588

- وقال: الآية الخامسة والثمانون في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ (١). قد نادى الله تعالى وخاطب عباده المؤمنين؛ مؤدبا إياهم أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين الذين يتناجون بالإثم فيما بينهم، والفسق والعدوان على غيرهم، ومنه معصية الرسول ﷺ ومخالفته، ويصرون عليها، ويتواصون بها فيما بينهم؛ كأكثر البخاريين الذين يجاورون الحرمين وهم مصرون على عداوة أهل التوحيد العاملين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فيعادون الوهابيين، ويعادون السلفيين، ويقولون على طريق التشنيع: إنه وهابي، ويتواصون بذلك بعضهم بعضا، ويتواصون بعضهم بعضا أن لا يحضروا ولا يستمعوا دروس التفسير والحديث والتوحيد. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ وتساررتم فيما بينكم ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ كما يتناجى الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن على شاكلتهم ومالأهم على ضلالهم من المنافقين والمقلدين الجامدين، بل أنتم أيها المؤمنون

стр. 4589

﴿تناجوا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ فيجازيكم على أعمالكم وأقوالكم وقد أحصاها عليكم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾؛ أي: المساررة حيث يتوهم المؤمن بها سوءا من تزيين الشيطان وتسويله؛ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾؛ أي: إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين ويسوؤهم، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ كما يفعل أكثر المبتدعين في حق السلفيين الموحدين، وما هم بضارين شيئا إلا بإذن الله، فنحن نستعيذ منهم بالله، ونتوكل عليه تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل. فيا أيها المؤمنون اتقوا ربكم؛ فإنه عليم خبير، وعذابه أليم وشديد، ولا تغتروا بوساوس الشيطان من الجن والإنسان. (١) - وقال: ثم اعلم أنه كما اختلفت وكفرت طائفة من بني إسرائيل؛ كذلك اختلفت وكفرت طوائف من هذه الأمة، وغلت في نبيها وآله؛ كالرافضة، والشيعة، وغلاة الصوفية، والحنفية الهندية البريلوية، فادعت أن النبي ﷺ يعلم الغيب الآن (٢)، وأن حاله ﷺ بعد موته كحاله قبل موته، وهو حي في قبره كحياته الدنيوية، ولهذا ينادونه ويستغيثون به، حتى إنهم حينما

стр. 4590

يقرؤون قصة المولد يقومون قياما بغاية التعظيم، ويقولون: مرحبا يا مرحبا يا مرحبا ... مرحبا جد الحسين مرحبا وإنما يقومون لأنهم يعتقدون أن روحه ﷺ قد حضر هناك. وزاد غلو متأخريهم حتى صاروا يعتقدون أن الأولياء كعبد القادر الجيلاني مثلا- يعلمون الغيب، ويتصرفون في الأمور، فلهذا تراهم ينادونهم ويستغيثون بهم وينذرون لهم، فهؤلاء وأمثالهم كفرة مشركون، والعياذ بالله تعالى. (١) موقفه من المشركين: له من الآثار السلفية: ١ - 'المشاهد المعصومية عند قبر خير البرية في المدينة الطيبة' وهو عبارة عن رسالة صغيرة ذكر فيها ما يتعلق بالقبة ومتى بنيت، وذكر ما دخل المسجد النبوي من تغييرات مخالفة لهدي الرسول ﷺ . وأسوق بعض النماذج من كلامه. قال ﵀: اعلم أنه إلى عام ٦٧٨هـ لم تكن قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبره ﷺ وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة ٦٧٨هـ فعملت تلك القبة. قلت: إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلدهم جهلا منه بأمر النبي ﷺ وسنته، كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد فتنبه. وقال: غيروا توحيد الله بالشرك باعتقاد أن أرواح الأنبياء والأولياء
следующие страницы →