← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

لفي خسر إلا من جمع أربعة أوصاف، وإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يخبر عن المغيبات، ولكن يخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلل، ويترك الواجبات بغير سبب مجوز، فاعلم أنه شيطان نصبه الله تعالى فتنة للجهلة، وليس ذلك بعيدا من الأسباب التي وضعها الله تعالى للضلال، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإن الدجال يحيي ويميت ويمطر السماء فتنة لأهل الضلال، وكذلك من يأكل الحيات ويدخل النيران. (١) - وقال: يقال للمقلد على أي شيء كان الناس قبل أن يوجد فلان وفلان الذين قلدتموهم، وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع، وليتكم اقتصرتم على ذلك، بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو ضلالة؟ فلا بد من أن يقروا بأنهم كانوا على هدى، فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنة والآثار، وتقديم قول الله تعالى ورسوله ﷺ وآثار الصحابة ﵃ على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول فلان وفلان ورأيه؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى يؤفكون؟ فتدبر. (٢) - وله كتاب 'تمييز المحظوظين عن المحرومين في تجريد الدين وتوحيد المرسلين'. قال فيه: واحترز أيها المؤمن عن الصيغ المحدثة المبتدعة، والأحزاب المؤقتة التي فيها المنكرات بل الأكاذيب والكفريات كـ 'دلائل الخيرات'

стр. 4587

للجزولي، و'صلوات الثناء' للنبهاني؛ فإنها من البدع المنكرة، لا يحل لمن يؤمن بالله وبكتابه ورسالة رسوله محمد ﷺ أن يفعل ذلك، أو يعتقد جوازه، فإنه مما لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أحد من أئمة المسلمين، فالحذر الحذر. (١) - وقال: وقد صدق الله العظيم؛ فإن المسلمين لما كانوا كاملي الإسلام؛ كالخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ نصرهم الله تعالى على الأعداء، وفتح على أيديهم البلدان الكثيرة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فجزاهم الله تعالى في الدارين خير الجزاء. وأما الخلف؛ الذين خالفوا الله، وخالفوا أمره، وخالفوا رسول الله ﷺ وخالفوا سنته، وخالفوا السلف الصالحين، وتركوا العمل بكتاب الله الهادي إلى سعادة الدارين، وجهلوا معانيه، واتخذوا دينهم هزوا ولعبا، واعتمدوا على الخرافات ودجل الدجالين، واعتقدوا أن أرواح الأولياء تعينهم وتمدهم، وأن الأقطاب والأوتاد تتصرف في العالم وتحفظه، فبنوا الأربطة والخانقات، واشتغلوا بالخرافات والخزعبلات، بل الشركيات والبدعيات والضلالات، وساعدهم السلاطين الجهلة، والعلماء الدجاجلة؛ فسلب الله تعالى عنهم الدولة، وسلط عليهم الكفرة الخذلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ (٢).اهـ (٣)

стр. 4588

- وقال: الآية الخامسة والثمانون في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ (١). قد نادى الله تعالى وخاطب عباده المؤمنين؛ مؤدبا إياهم أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين الذين يتناجون بالإثم فيما بينهم، والفسق والعدوان على غيرهم، ومنه معصية الرسول ﷺ ومخالفته، ويصرون عليها، ويتواصون بها فيما بينهم؛ كأكثر البخاريين الذين يجاورون الحرمين وهم مصرون على عداوة أهل التوحيد العاملين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فيعادون الوهابيين، ويعادون السلفيين، ويقولون على طريق التشنيع: إنه وهابي، ويتواصون بذلك بعضهم بعضا، ويتواصون بعضهم بعضا أن لا يحضروا ولا يستمعوا دروس التفسير والحديث والتوحيد. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ وتساررتم فيما بينكم ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ كما يتناجى الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن على شاكلتهم ومالأهم على ضلالهم من المنافقين والمقلدين الجامدين، بل أنتم أيها المؤمنون

стр. 4589

﴿تناجوا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ فيجازيكم على أعمالكم وأقوالكم وقد أحصاها عليكم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾؛ أي: المساررة حيث يتوهم المؤمن بها سوءا من تزيين الشيطان وتسويله؛ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾؛ أي: إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين ويسوؤهم، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ كما يفعل أكثر المبتدعين في حق السلفيين الموحدين، وما هم بضارين شيئا إلا بإذن الله، فنحن نستعيذ منهم بالله، ونتوكل عليه تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل. فيا أيها المؤمنون اتقوا ربكم؛ فإنه عليم خبير، وعذابه أليم وشديد، ولا تغتروا بوساوس الشيطان من الجن والإنسان. (١) - وقال: ثم اعلم أنه كما اختلفت وكفرت طائفة من بني إسرائيل؛ كذلك اختلفت وكفرت طوائف من هذه الأمة، وغلت في نبيها وآله؛ كالرافضة، والشيعة، وغلاة الصوفية، والحنفية الهندية البريلوية، فادعت أن النبي ﷺ يعلم الغيب الآن (٢)، وأن حاله ﷺ بعد موته كحاله قبل موته، وهو حي في قبره كحياته الدنيوية، ولهذا ينادونه ويستغيثون به، حتى إنهم حينما

стр. 4590

يقرؤون قصة المولد يقومون قياما بغاية التعظيم، ويقولون: مرحبا يا مرحبا يا مرحبا ... مرحبا جد الحسين مرحبا وإنما يقومون لأنهم يعتقدون أن روحه ﷺ قد حضر هناك. وزاد غلو متأخريهم حتى صاروا يعتقدون أن الأولياء كعبد القادر الجيلاني مثلا- يعلمون الغيب، ويتصرفون في الأمور، فلهذا تراهم ينادونهم ويستغيثون بهم وينذرون لهم، فهؤلاء وأمثالهم كفرة مشركون، والعياذ بالله تعالى. (١) موقفه من المشركين: له من الآثار السلفية: ١ - 'المشاهد المعصومية عند قبر خير البرية في المدينة الطيبة' وهو عبارة عن رسالة صغيرة ذكر فيها ما يتعلق بالقبة ومتى بنيت، وذكر ما دخل المسجد النبوي من تغييرات مخالفة لهدي الرسول ﷺ . وأسوق بعض النماذج من كلامه. قال ﵀: اعلم أنه إلى عام ٦٧٨هـ لم تكن قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبره ﷺ وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة ٦٧٨هـ فعملت تلك القبة. قلت: إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلدهم جهلا منه بأمر النبي ﷺ وسنته، كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد فتنبه. وقال: غيروا توحيد الله بالشرك باعتقاد أن أرواح الأنبياء والأولياء

стр. 4591

وخصوصا روح رسول الله ﷺ تعلم الغيب وتنفع وتضر. وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى ما لم يتب منه؛ وبالركوع والسجود وكمال الخضوع إلى قبره الشريف وجعله قبلة في كل يوم مرات، وغيروا الإسلام باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فاستحلوا ما حللوه لهم وإن كان محرما ممنوعا من الله ورسوله كالبناء على القبور وتزيين المساجد وابتداع عبادات وأوراد في أوقات مخصوصة كدلائل الخيرات وقصيدة البردة. وحرموا على أنفسهم ما حلله الله بل فرضه، كتحريمهم العمل بالكتاب والسنة، وتحريمهم الإشارة بالسبابة، وإيجابهم تقليد أحد المذاهب المعينة وإلزامهم أخذ البيعة على يد شيخ من شيوخ الطرق ونحو ذلك من الخرافات والضلالة فتدبر. وقال في موضع آخر: فما في مسجد المدينة من النقوش المتنوعة، وطلي الذهب الكثير جدا، وكتابة الأبيات والأشعار الباطلة محفورة على الأسطوانات، وكتابة أسماء النبي ﷺ على الجدار القبلي، وفيها ما هو من أسماء الله الخاصة له تعالى كالمهيمن والمحيي، وكتابة أبيات قصيدة البردة تماما على سقوف الأروقة والقبب القبلية، وكتابة أحاديث موضوعة محفورة على الحديد المذهب كحديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (١) ونحوها من النقوش التي هي منكرة؛ وإني لا أشك أن رسول الله ﷺ لو كان

стр. 4592

حيا لأزالها حالا، ولا يدخل هذا المسجد حتى تزال هذه المنكرات فتنبه. موقفه من الصوفية: قال ﵀: لما غلب الجهل على كثير ممن يدعي الإسلام والتصوف؛ حرفوا هذه المراقبة، وبدلوها بمراقبة الشيخ، وسموها رابطة، فصاروا يراقبون صور شيوخهم، وهؤلاء الشيوخ يأمرونهم بذلك، فوضعوا شيوخهم موضع رب العالمين، فصاروا بذلك مشركين بالشرك الأكبر وهم لا يشعرون، وقد دخلوا في دين الوثنية باسم التصوف وهم لا يعلمون، ولهذا صاروا يتوجهون إلى القبور وإلى أصحاب القبور، ويستمدون منهم ويستغيثون بهم، ويبنون على قبور من يزعمونه صالحا قبة وعمارة عالية، ويزخرفونها، ويتوجهون إليها، وينذرون لها؛ كما هو حالهم المشاهد في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وقد صاروا عباد الأصنام والأوثان وهم لا يفهمون: ولهذا أذلهم الله تعالى في هذه الحياة الدنيا تحت أرجل الكفرة من الإنكليز والطليان والفرنسيين والروس والبلاشفة والأمريكان، ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ (١). فيا أيها المسلمون توبوا إلى الله، وارجعوا إلى دراسة كتاب الله وأحاديث رسول الله، واجتهدوا في فهم أوامر الله وخطاباته لكم؛ كي يعفو الله عنكم ويغفر ذنوبكم، فيدفع عنكم البلاء. (٢)

стр. 4593

محمد بن علي بن محمد بن تركي (١) (١٣٨٠ هـ) الشيخ محمد بن علي بن محمد بن منصور بن تركي، ولد في بلدة عنيزة عام ألف وثلاثمائة وواحد للهجرة. سافر إلى مكة والهند والعراق ومصر وفلسطين وسوريا ولبنان وغيرها. استفاد كثيرا من الشيخ عبد الرحمن آل سعدي، ومن الشيخ شعيب الدكالي المغربي، والشيخ عبد الرحمن الدهان، وغيرهم. أخذ عنه كثيرون منهم عبد الله بن مطلق الفهيد وعبد العزيز الصالح البسام وغيرهما. ولي قضاء المدينة النبوية، ثم مساعدا لرئيس القضاة في مكة، ثم أعفي منها، كما عين مدرسا في مدرسة العلوم الشرعية في المدينة. توفي ﵀ على إثر مرض أصابه وذلك سنة ثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة في المدينة. موقفه من المشركين: له رد على عبد القادر الإسكندراني، اشترك فيه هو والشيخ بهجة البيطار. (٢) وقد أثنى على ردهما الملك عبد العزيز آل فيصل في رسالة وجهها إليهما، مما جاء فيها: "وعرضناه على مشايخ المسلمين، فاستحسنوه وأجازوه، فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية، وعصابة تذب عن دين المسلمين، وتحمي حماه عن زيغ الزائفين، وشبه المارقين والملحدين". (٣)

стр. 4594

عبد الحفيظ الفاسي (١) (١٣٨٣ هـ) عبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفهري، أبو الفضل الفاسي. من نسل عالم الأندلس في وقته أبي بكر محمد بن الجد، ويرجع نسبهم إلى بني فهر بن مالك من قريش. أخذ عن والده وعمه أبي جيده بن عبد الكبير وخاله عبد الكبير الكتاني وعبد الله السنوسي وأبي شعيب الدكالي وعبد الرحمن المرادي وعبد الله الأمراني ومحمد بن جعفر الكتاني وغيرهم. وأجازه جماعة منهم أحمد بن سودة وعبد الله السنوسي وماء العين وغيرهم. قضى زهاء عشرة أعوام في القضاء الشرعي في عدة مدن منها الصويرة وسطات، ثم كان من أعضاء المحكمة الجنائية العليا. له من المؤلفات: ١ - 'رياض الجنة في تراجم من لقيت أو كاتبني من الجلة' أو 'المدهش المطرب بأخبار من لقيت أو كاتبني بالمشرق أو المغرب'. ٢ - 'الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات'. ٣ - رسالة 'الداء والدواء'. ٤ - 'الإسعاد لمراعاة الإسناد'. ٥ - 'التاج فيمن اسمه محمد من ملوك الإسلام'. ٦ - 'خبايا الزوايا' في أربع مجلدات.

стр. 4595

٧ - 'الإنصاف في العمل بالتلغراف'. ٨ - 'إتقان الصنعة في الرد على مقسمي البدعة'. ٩ - وله رسالة في الرد على الطائفة المعروفة بهداوة. ١٠ - 'أربع رسائل في إبطال المهدوية' وغيرها. قال الزركلي: وانقطع عن العمل يوم استقل المغرب، فعكف على كتبه وأوراقه في منزله بالرباط إلى أن توفي وذلك سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف. قلت: وكان ذلك لأربع وعشرين خلون من رمضان. موقفه من المبتدعة: - قال ﵀ في يوسف بن إسماعيل النبهاني: المترجم ممن رزق الإعانة على التأليف كما رزق التيسير في طبعها وقبولها فلا ينشر منها كتاب إلا وتهافت الناس على شرائه في مشارق الأرض ومغاربها، وهي وإن كانت له فيها حسنات فهي لا تقابل ما له فيها من السيئات، وذلك لما خلط بها من الخرافات ونسبة المقامات العظيمة لمن لا قدم له فيها من الطغام، وادعاء الكرامات حتى لمن عرفوا بعدم التمسك بالتقوى، ولا مستند له فيها إلا مجرد التقول والدعوى، أو نقل فلان عن علان، ولو كان هيان بن بيان، أو الاغترار بظواهر الأحوال، وعدم البحث عن حقائق الرجال، وبعكس ذلك عمد إلى علماء الإسلام الذين خدموا السنة والدين خدمة لم يشاركهم فيها غيرهم في عصرهم بشهادة الموافق والمخالف لهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فحمل عليهما حملة شعواء في كتابه شواهد الحق في

стр. 4596

الاستغاثة بسيد الخلق. (١) - وقال عن تآليفه أيضا: فقد ملأها النبهاني بتأييد البدع ورصعها بخرافات وأوهام دنس بها صحيفته ووجه الدين الإسلامي النقي الطاهر، وأبقاها حجة ووسيلة يتذرع ويحتج بها الطاعنون في الإسلام والثالبون لتعاليمه الصحيحة الحقة .. (٢) موقفه من الصوفية: قال في سياق الترهيب من الكذب على رسول الله ﷺ في شرحه لحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٣) رادا على الطائفة التجانية: ومن ذلك افتراء بعضهم كون النبي ﷺ وعلى آله خص أصحابه بمزايا دون سائر الأمة، وجعل لصلواتهم وأورادهم فضائل تقوم مقام العبادات في السنين العديدة، وتكفر ما ضيعوا من الصلوات، وتغفر من غير توبة ما اجترموا من المعاصي والسيئات، وأمثال هذا مما يضللون به الجهال الذين لا يعرفون حقيقة الإسلام وشرائعه تشويقا لهم وترغيبا للدخول في طريقتهم؛ لأن النفوس متشوفة إلى نيل الأجور الكثيرة على الأعمال الصغيرة، وميالة إلى ترك الشاق من الطاعات والتهاون بالمحرمات والعياذ بالله. ولا شك أن مدعي هذا داخل في الوعيد المذكور في حديثنا المتكلم عليه لما في تلك البشائر والخصائص من الكذب على رسول الله ﷺ

стр. 4597

وعلى آله بدليل ما فيها من مخالفة قواعد الدين، وتشريع عبادات لم يشرعها، وإبطال فرائض قد أوجبها، مع أن باب التشريع قد انسد لموته ﷺ وعلى آله. (١) موقفه من الجهمية: - قال في شرحه للحديث المسلسل بالأولية: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٢): وقوله: «يرحمكم من في السماء» نقل في المنح البادية عن الخطيب أبي علي أن المراد به الله تعالى، والمعنى بذلك الإشارة إلى أن الله فوق من طريق الصفات لا من طريق الجهة؛ فإنها مستحيلة على الله تعالى، وقيل معناه من في السماء أمره وملكه، واختصت السماء بالذكر وإن كان أمره وملكه أيضا في الأرض تنبيها على عظمها في النفوس وأن الذي يتصرف فيها أمره وفيها سلطانه هو الذي له الأمر والملك في الأرض حقيقة سبحانه لا إله إلا هو، ويمكن أن يراد بمن في السماء أهل السماء كما جاء كذلك في رواية أخرى انتهى. ومثله قول الشيخ علي الخواص: يعني الملائكة يرحمون من رحم أهل البلايا وتجاوز عنهم في الدنيا باستغفارهم له في السماء وهو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ انتهى. قلت: الأول يتمشى على مذهب أهل الحديث والأثر في آيات وأحاديث الصفات؛ فإنهم يتركونها على ظاهرها ويؤمنون بها كما جاءت من غير تأويل مع اعتقاد التنزيه، وما بعده يتمشى على مذهب المؤولة من المتكلمين من سائر الفرق؛

стр. 4598

فإنهم يحملونها على ما عرف من المجازات، والمذهب الأول وهو مذهب أهل الحديث هو الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والأئمة المجتهدون بعده ولا يلزم من إثبات صفة العلو والفوقية لله تعالى على مذهب أهل الحديث القول بالجهة المستلزمة للحد والجسمية؛ فإن أهل الحديث يفرون من ذلك وينزهون الباري ﷻ عن الجهة والجسمية وعن مشابهته تعالى للحوادث، وإن ألزمهم المؤولة ذلك يلزم من قبلهم من باب أولى وأحرى؛ لأن مستند أهل الحديث هو ما يروى عن النبي ﷺ وعن أصحابه الذين لم يكن يخطر ببالهم عند ذكر تلك الصفات تشبيه أو تشكيك؛ بل كانوا يعلمون أن الحق سبحانه لم يكن مشابها للمخلوقات كما في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، فكذلك صفاته لا تماثل ولا تشابه صفات المخلوقات، فكانوا يؤمنون بها كما وردت، لأن الله تعالى وصف بها نفسه وهي لائقة بذاته القديمة الكريمة، ولم ينقل عن النبي ﷺ أو عن أحد من أصحابه أنهم أولوا أو أخرجوا تلك النصوص عن ظواهرها، بل ثبت أن النبي ﷺ قال للجارية السوداء: «أين الله؟» فأشارت بأصبعها إلى السماء، فقال: «إنها مؤمنة» (٢). فهل يقدر أحد ينتمي إلى الإسلام أن يقول إنها مجسمة، أو تعتقد الجهة لما يلزم عليه من كون النبي ﷺ أقرها على معتقدها الباطل؟ ومعاذ الله أن يقع ذلك؛ لأنه ﷺ ما بعث إلا لتقديس الله تعالى وتوحيده، فشيء أقره -

стр. 4599

صلى الله عليه وسلم - وشهد لصاحبه بالإيمان كيف يسوغ لنا أن ننكر على من يقول به؟ ونقول: إنه يعتقد الجهة والجسمية، بل نعتقد أنه هو المذهب الحق، وندين الله به، ولا نتحول عنه. وقد أطلق غير واحد من الأئمة ممن حكى إجماع السلف -منهم الخطابي- أن أحاديث الصفات تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان في رسالته المدنية ما نصه: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل انتهى. وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية -وهو مجدد مذهب الأشعرية-: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مرادها، وتفويض معانيها (١) إلى الله، ثم قال: والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة السلف للدليل القاطع على إن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرف عصر الصحابة والتابعين عن الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى.

стр. 4600

فليسعنا ما وسعهم؛ فإنهم هداتنا وقدوتنا، وقد رضيناهم حجة بيننا وبين الله تعالى، وقلدناهم فيما دون هذا وهو الفروع الفقهية العملية فكيف لا نقلدهم في معتقدنا هذا. وقد رأيت للعلامة السفاريني في شرح عقيدته كلاما نفيسا في صفة الفوقية والعلو للعلي الأعلى التي يقول بها أهل الحديث، ومنه يتبين تنزيههم عن القول بالجهة والتجسيم، فلنسقه هنا تتميما للفائدة وشرحا لمعتقدهم الطاهر .. (١) - وقال ﵀: ذكر أهل التاريخ أن أهل المغرب كانوا في الأصول والمعتقدات بعد أن طهرهم الله تعالى من نزغة الخارجية أولا والرافضية ثانيا على مذهب أهل السنة، مقلدين للصحابة ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح وأهل القرون الثلاثة الفاضلة؛ في الإيمان بالمتشابه وعدم التعرض له بالتأويل، مع اعتقاد التنزيه، كما جرى عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني في عقيدته، واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر محمد بن تومرت الملقب نفسه بالإمام المعصوم أو مهدي الموحدين، وذلك في صدر المائة السادسة، فرحل إلى المشرق، وأخذ عن علمائه مذهب المتأخرين من أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري من الجزم بعقيدة السلف مع تأويل المتشابه من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وتخريجه على ما عرف في كلام العرب من فنون مجازاتها وضروب بلاغتها، ومزج ذلك بما كان ينتحله من عقائد الخوارج والشيعة والفلاسفة، حسبما يعلم ذلك أولا بمعرفة كتب الإمام أبي الحسن

стр. 4601

الأشعري كالإبانة في أصول الديانة وغيرها التي ينصر فيها مذهب السلف، وبمعرفة كتب الجهابذة من أتباعه الذين اقتدوا به في ذلك كإمام الحرمين، وثانيا بإمعان النظر في أقوال وأفعال وأحوال ابن تومرت وخلفائه من بعده، ثم عاد ابن تومرت إلى المغرب بهذه العقيدة المختلطة المدلسة الفاسدة، وألف فيها التآليف العديدة هو وأتباعه، ودعا الناس إلى سلوكها، وجزم بتضليل من خالفها؛ بل وتكفيره. وسمى أصحابه بالموحدين تعريضا بأن من خالف عقيدته ليس بموحد؛ بل مجسم مشرك، وجعل ذلك ذريعة إلى الانتزاء على ملك المغرب حسبما هو معلوم، فقاتل على عقيدته، واستباح هو وخلفاؤه لأجلها دماء مئات الآلاف من الناس وأموالهم حتى تمكنت من عقول الناس بالسيف، ونبذوا ما كان عليه سلفهم الأول، وأقبلوا كافة على تعاطي هذا المذهب، وقام العلماء بتقريره وتحريره درسا وتأليفا، والناس على دين ملوكهم. (١) - وقال معلقا ومستدركا على كلامه السابق: وفاتنا أن نبين هناك أن الإمام أبا عبد الله محمد بن أحمد المسناوي الدلائي ثم الفاسي من علماء القرن الحادي عشر والثاني قام بنصرة مذهب السلف وألف كتابه 'جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبد القادر' لطعن الناس في عقيدته الحنبلية، وتتبع ما قيل فيه وفي شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصرهما بما يعلم بالوقوف على تأليفه المذكور. ولما جلس على عرش مملكة المغرب السلطان المعظم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إسماعيل العلوي قام في أوائل القرن الثالث

стр. 4602

عشر بنصرة هذا المذهب، وصرح في أول كتابه 'الفتوحات الكبرى' بكونه مالكي المذهب حنبلي العقيدة، وافتتح كتابه بعقيدة الرسالة لكونها على مذهب السلف، وعقد في آخره بابا بين فيه وجه كونه حنبلي العقيدة ونصره، ولم يزل معلنا بذلك في مؤلفاته ورسائله ومجالسه العلمية. وقد نقل عنه أبو القاسم الزياني أنه كان يطعن في الرحالة ابن بطوطة ويلمزه في عقيدته، ويكذبه فيما ذكر في رحلته من أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر يوما حديث النزول فنزل عن كرسيه وقال: كنزولي هذا، ويبرئ ابن تيمية من عقيدة التجسيم التي تفيدها هذه القضية، ويقرر أن ابن بطوطة كان يعتقد ذلك، فأراد أن يظهره بنسبته إلى ابن تيمية. ولما أفضت الخلافة إلى ولده أبي الربيع سليمان نهج منهجه في ذلك، واتصلت المكاتبة بينه وبين الأمير سعود ناصر المذهب الوهابي الحنبلي حين افتتح الحجاز وطهره مما كان فيه من البدع، وأرسل وفدا مؤلفا من أولاده وبعض علماء حضرته، ووجه له قصيدة من إنشاء شاعرحضرته العلامة المحدث الصوفي الأديب أبي الفيض حمدون بن الحاج مجيبا له عن كتابه ومادحا له ولمذهبهم السني السلفي. (١)

стр. 4603

محمد بن العربي العلوي (١) (١٣٨٤ هـ) محمد بن العربي بن محمد بن محمد العلوي المدغري الحسني، ولد بالقصر الجديد بمدغرة بتافيلالت سنة إحدى وثلاثمائة وألف للهجرة، وقيل سنة خمس. حفظ القرآن بالمكتب على والده العربي العلوي وابن عمه الطيب ابن علي العلوي. والتحق بمعهد القرويين سنة ثمان عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة. تتلمذ على عبد السلام بن محمد بناني، ومحمد بن محمد بن عبد السلام كنون، وأحمد بن الخياط، والفاطمي الشرادي، وأحمد بن المامون البلغيني، والتهامي كنون، والمهدي الوزاني، وأبي شعيب الدكالي وغيرهم. تخرج على يده تلاميذ كثر، منهم: علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني ومحمد المختار السوسي. درّس بالقرويين، كما عين قاضيا بفاس، ثم رئيسا لمجلس الاستئناف الشرعي الأعلى بالرباط، ثم وزيرا للعدل. وكان لا يفتي إلا بالاجتهاد دون التقليد. نفاه المستعمر مرتين بسببها، وسبب دروسه المحرضة ضد المستعمر في القرويين. وعين وزيرا عضوا في مجلس التاج سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة بعد الاستقلال، وقاضيا شرعيا بالقصر الملكي.

стр. 4604

سمعت شيخنا محمد الأمين الشنقيطي (صاحب الأضواء) يثني عليه ويصفه بقوة الذكاء. توفي ﵀ يوم الخميس الثاني والعشرين من محرم سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة. موقفه من المبتدعة: قال تلميذه عبد السلام عبد القادر بن سودة في 'سل النصال للنضال' (١): العلامة السلفي، المطلع المشارك النقاد، المدرس النفاعة الوطني، المخلص المكافح بكل ماله وقوته وأفكاره وآرائه الصائبة عن الإسلام وعن وطنه بإخلاص وحسن نيته. كان في أول أمره يومن بالطرق وأهلها ويدافع عنها، بل كان تجاني الطريقة، ولما رجع الشيخ أبو شعيب الدكالي من المشرق بعد ما طلب العلم هناك حاملا الأفكار السلفية الداعية إلى الرجوع للإسلام على حقيقته، اتصل به اتصالا مكينا، وأخذ عنه؛ فأنار فكره، وقوّى عزيمته، وأخرجه من ربقة التقليد الأعمى، فكان صاحب الترجمة أول من أظهره الله للوجود من العلماء السلفيين، وأول من صدع بالحق بعد الشيخ أبي شعيب، فدخل إلى القرويين وصار ينير مشكلها، ويضيء جوانبها بقبس من النور، فما لبث أن التف حوله نخبة من الشباب لا يستهان بهم، وانتشر مذهبه في الأوساط العلمية الراقية، وصار الناس ما بين مؤيد ومخالف، وسرعان ما انتصر الحق على الباطل

стр. 4605

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ (١). فكانت جل دروسه حاملة سيف الانتصار ضد أهل الطرق الموجودة بالمغرب وأهل الزوايا والمشعوذين الملبسين الحق بالباطل، وحمل ضد زيارة القبور، والتملق إليها، وطلب النفع منها، والالتجاء إليها، كل هذا كان لا يخلو من نقد وشتم ولعن من أصحاب الطرق، فكم نصبوا له من أفخاخ، وكم بارزوه بمكايد حتى إن بعض العلماء أفتوا بكفره وخروجه من ربقة الإسلام، كل هذا لم يؤثر في عزمه؛ لأنه يعرف نفسه أنه على الحق. قال محمد زنيبر: وكان يتناول تفسير القرآن بلهجة لا تخلو من صراحة وحرية فكر، وكل همه أن يحارب الخرافات والشعوذة وكل مظاهر الجمود التي رانت على الفكر المغربي منذ أجيال. (٢) قال تلميذه محمد بن الفاطمي السلمي في كتابه 'إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنهم من الشيوخ': .. يتابع دروسه التفسيرية بالقرويين وكانت عبارة عن وعظ وإرشاد وتوجيه إلى السلفية والإصلاح الديني بتحرير الأفكار والعقول من الأوهام والأباطيل والخرافات وباطل الاعتقادات وهو متأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية في أفكارهما النيرة الإصلاحية. (٣)

стр. 4606

موقفه من المشركين: - قال عبد السلام بن سودة (١): ومن المآثر التي تحفظ له ولا تنكر قطع شجرة السدرة الكبرى التي كانت قبالة باب ضريح الشيخ أبي غالب الكائن بحومة صريرة داخل باب الفتوح؛ فإن هذه الشجرة كادت أن تعبد من دون الله، فقد كبرت واتسعت وطال عليها الأمد، وكانت النساء والصبيان وحتى بعض الرجال يقصدونها، ويلتمسون بركاتها، وتعلق فيها بعض الخرق المعقودة، ولا يمكن حلها إلا بعد قضاء الحاجة المتطلبة، وكان ربما أعماهم الشيطان فيصادفون بعض الإجابة؛ فإذا رأيت منظرها اندهشت من كثرة ما يعلق بها من الخرق والتمائم، وأوراق الكتابة والحروز وغير ذلك من الأمور، التي يستغرب منها كشعر النساء، وكان من العادة الجارية أن كل من زارها وعلق بها مطلبه لا بد له من أن يدخل الضريح ويجعل فيه شيئا من المال؛ لأجل أن تقضى حاجته، ومن لا يفعل ذلك لا تقضى له حاجة، فكان ولاة الضريح وهم الشرفاء الطالبيون يعظمونها مع الناس؛ لأجل المادة التي تحصل لهم. وكان يوم قطعها يوما مشهودا بين مستحسن ومخالف، وقال رئيس الفئة المتطرفة وزعيمهم الأكبر: إن ابن العربي صاحب الترجمة سيصاب بشلل من أجل قطع الشجرة التي يتبرك بها الناس، وبعد مدة سلط الله عليه ذلك وبقي ابن

стр. 4607

العربي سالما إلى الآن والحمد لله؛ لأنه يدافع عن الحق. (١) موقفه من الصوفية: يتجلى ذلك في المناظرة حول التيجانية بينه وبين الشيخ محمد تقي الدين الهلالي وهذه حكايتها. - قال محمد تقي الدين الهلالي (٢) بعد مقدمة بين فيها كرم ضيافة الشيخ محمد بن العربي العلوي له، وأنه لما سمعه وجلساءه يطعنون في الطرق الصوفية غضب وهمَّ بالخروج: ولم تخف حالي على الشيخ فقال لي: أراك منقبضا فما سبب انقباضك؟ فقلت: سببه أنكم انتقلتم من الطعن في الطريقة الكتانية إلى الطعن في الطريقة التجانية، وأنا تجاني لا يجوز لي أن أجلس في مجلس أسمع فيه الطعن في شيخي وطريقته. فقال لي: لا بأس عليك أنا أيضا كنت تجانيا؛ فخرجت من الطريقة التجانية لما ظهر لي بطلانها (٣)، فإن كنت تريد أن تتمسك بهذه الطريقة على جهل وتقليد فلك علي ألا تسمع بعد الآن في مجلسي انتقادا لها أو طعنا فيها، وإن كنت تريد أن تسلك مسلك أهل العلم فهلم إلى المناظرة؛ فإن ظهرت علي رجعت إلى الطريقة، وإن ظهرت عليك خرجت منها، كما فعلت أنا، فأخذتني النخوة، ولم أرض أن أعترف أني أتمسك بها على جهل، فقلت:

стр. 4608

قبلت المناظرة. قال الشيخ: أريد أن أناظرك في مسألة واحدة إن ثبتت ثبتت الطريقة كلها، وإن بطلت بطلت الطريقة كلها، قلت: ما هي؟ قال: ادعاء التجاني أنه رأى النبي ﷺ يقظة لا مناما وأعطاه هذه الطريقة بما فيها من الفضائل، فإن ثبتت رؤيته للنبي ﷺ يقظة وأخذه منه فأنت على حق وأنا على باطل، والرجوع إلى الحق حق، وإن بطل ادعاؤه ذلك فأنا على حق وأنت على باطل، فيجب عليك أن تترك الباطل وتتمسك بالحق. ثم قال: تبدأ أنت أو أبدأ أنا؟ فقلت: ابدأ أنت. فقال: عندي أدلة كل واحد منها كاف في إبطال دعوى التجاني. قلت: هات ما عندك وعلي الجواب. فقال: الأول: أن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ كان بسبب الخلافة، قالت الأنصار للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. وقال المهاجرون: إن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش (١) ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن دفن النبي ﷺ فبقي ثلاثة أيام بلا دفن صلاة الله وسلامه عليه. فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم ويقول: الخليفة فلان، فينتهي النزاع؟ كيف يترك هذا الأمر العظيم؟ لو كان يكلم أحدا يقظة بعد موته لكلم أصحابه وأصلح بينهم وذلك أهم من ظهوره للشيخ التجاني بعد مضي ألف ومائتي سنة، ولماذا ظهر؟ ليقول له: أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو

стр. 4609

والده وأولاده وأزواجه لا الحفدة. فكيف يترك النبي ﷺ الظهور يقظة والكلام لأفضل الناس بعده في أهم الأمور، ويظهر لرجل لا يساويهم في الفضل ولا يقاربهم لأمر غير مهم. فقلت له: إن الشيخ ﵁ قد أجاب عن هذا الاعتراض في حياته، فقال: إن النبي ﷺ كان يلقي الخاص للخاص والعام للعام في حياته، أما بعد وفاته فقد انقطع إلقاء العام للعام وبقي إلقاء الخاص للخاص لم ينقطع بوفاته، وهذا الذي ألقاه إلى شيخنا من إعطاء الورد والفضائل هو من الخاص للخاص. فقال: أنا لا أسلم أن في الشريعة خاصا وعاما، لأن أحكام الشرع خمسة، وهذا الورد وفضائله إن كان من الدين فلا بد أن يدخل في الأحكام الخمسة لأنه عمل أعد الله لعامله ثوابا، فهو إما واجب أو مستحب، ولم ينتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى بين لأمته جميع الواجبات والمستحبات، وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قيل له: هل خصكم رسول الله ﷺ معشر أهل البيت بشيء؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء إلا فهما يعطاه الرجل في كتاب الله وإلا ما في هذه الصحيفة، ففتحوها فإذا فيها العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر (١). فكيف لا يخص النبي ﷺ أهل بيته وخلفاءه بشيء ثم يخص رجلا في آخر الزمان بما يتنافى مع أحكام الكتاب والسنة. فقلت: إن الشيخ عالم بالكتاب والسنة وفي جوابه مقنع لمن أراد أن

стр. 4610

يقنع. قال: احفظ هذا. الأمر الثاني: اختلاف أبي بكر مع فاطمة ﵄ على الميراث، فلا يخفى أن فاطمة طلبت من أبي بكر الصديق ﵁ حقها من ميراث أبيها، واحتجت عليه بأنه إذا مات هو يرثه أبناؤه، فلماذا يمنعها من ميراث أبيها؟ فأجابها أبو بكر الصديق بأن النبي ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركنا صدقة» (١). وقد حضر ذلك جماعة من الصحابة فبقيت فاطمة الزهراء مغاضبة لأبي بكر حتى ماتت بعد ستة أشهر بعد وفاة أبيها ﷺ . فهذان حبيبان لرسول الله ﷺ فإنه قال: «فاطمة بضعة مني يسوؤني ما ساءها» (٢) أو كما قال ﵊ وصرح بأن أبا بكر الصديق أحب الناس إليه، وقال: «ما أحد أمن علي في نفس ولا مال من أبي بكر الصديق» (٣) رواه البخاري. وهذه المغاضبة التي وقعت بين أبي بكر وفاطمة، تسوء النبي ﷺ ، فلو كان يظهر لأحد بعد وفاته لغرض من الأغراض لظهر لأبي بكر الصديق وقال له: إني رجعت عن عما قلته في حياتي فأعطها حقها من الميراث، أو لظهر لفاطمة وقال لها: يا ابنتي لا تغضبي على أبي بكر، فإنه لم يفعل إلا ما أمرته به.

стр. 4611

فقلت له: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت. قال: احفظ هذا. الأمر الثالث: الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبي طالب من جهة أخرى، واشتد النزاع حتى وقعت حرب الجمل في البصرة، فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين وعقر جمل عائشة، فكيف يهون على النبي ﷺ سفك هذه الدماء ووقوع هذا الشر بين المسلمين بل بين أخص الناس به، وهو يستطيع أن يحقن هذه الدماء بكلمة واحدة، وقد أخبر الله في آخر سورة التوبة برأفته ورحمته بالمؤمنين وأنه يشق عليه كل ما يصيبهم من العنت وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (١). فقلت له: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت، وظهوره وكلامه للشيخ التجاني فضل من الله، والله يؤتي فضله من يشاء. قال: احفظ هذا وفكر فيه. الأمر الرابع: خلاف علي مع الخوارج، وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر النبي ﷺ لرئيس الخوارج وأمره بطاعة إمامه لحقنت تلك الدماء. فقلت: الجواب هو ما سمعت. فقال لي: احفظ هذا وفكر فيه، فإني أرجو أنك بعد التفكير ترجع إلى الحق ... والأمر الخامس: النزاع الذي وقع بين علي ومعاوية، وقد قتل في

стр. 4612

الحرب التي وقعت بينهما خلق كثير، منهم عمار بن ياسر، فكيف يترك النبي ﷺ الظهور لأفضل الناس بعده، وفي ظهوره هذه المصالح المهمة من جمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم، وهو خير المصلحين العاملين بقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (٢) ثم يظهر للشيخ التجاني في آخر الزمان لغرض غير مهم وهو في نفسه غير معقول، لأنه مضاد لنصوص الكتاب والسنة. فلم يجد عندي جوابا غير ما تقدم ولكني لم أسلم له. فقال لي: فكر في هذه الأدلة وسنتباحث في المجلس الآخر، فعقدنا بعد هذا المجلس سبعة مجالس، كل منها كان يستمر من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بكثير، وحينئذ أيقنت أنني كنت على ضلال. - قال عبد السلام بن سودة (٣): ومن أفعاله المذكورة صرخته الكبرى في وجه الطوائف الضالة مثل الطائفة المنسوبة للشيخ مَحمد -فتحا- بن عيسى والطائفة المنسوبة للشيخ علي بن حمدوش، وغيرهما من الطوائف الذين كانوا يفعلون أفعالا لا يقبلها الشرع؛ مثل الشطح في الأسواق والأزقة على نغمات المزامير والطبول، وأكل اللحم النيئ، وضرب الرؤوس بشواقر، وجعل النار في أفواههم، إلى غير ذلك من الموبقات. فقد سعى بكل جهوده لقطع دابر

стр. 4613

ذلك من المغرب، ولم يهمل السعي وراءه حتى صدر الأمر بمنعه من جلالة الملك محمد الخامس، عام أربعة وخمسين وثلاثمائة وألف، وأراح الله من ذلك البلاد والعباد. ومناقبه في هذا الباب لا تعد. وإن شئت قلت بلا مداهنة ولا محاباة إنه هو الرجل الأول الذي غرس البذرة الأولى للسلفية في الشعب. وقال الحسن العرائشي: إن حلقات هذا الشيخ كانت تهدف أساسا لمواجهة أدعياء المشيخة وتطهير الدين من الخرافات والخزعبلات التي ألصقها به هؤلاء المشعوذون الذين ربطوا مصيرهم بمصير الاستعمار. (١) ومنع الفرقة العيساوية بفاس من التوجه إلى ضريح شيخهم بمكناس لإقامة الرقص والشطح الصوفي. (٢) عبد الرحمن النتيفي (٣) (١٣٨٥ هـ) الشيخ الإمام عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم النتيفي الجعفري، ينتهي نسبه إلى محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعلي الزينبي هو ابن زينب بنت فاطمة الزهراء بنت نبينا محمد ﷺ . ولد الشيخ عام ثلاث وثلاثمائة وألف للهجرة بقرية المقاديد بقبيلة هنتيفة، وحفظ القرآن في صغره. وفي عام أربع عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة بدأ بقراءة العلم على جمع من الشيوخ منهم: بوشعيب البهلولي. وسافر إلى فاس عام ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة وأخذ عن عدة مشايخ كالفاطمي الشرايبي ومحمد التهامي كنون ومحمد بن جعفر الكتاني وغيرهم. وفارق فاس عام خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة وقصد مراكش معرجا على الدار البيضاء فحضر موقعة تدارت التي تم على إثرها احتلال المدينة. وبعد الوقعة قصد الشيخ خنيفرة عاصمة قبائل زايان بالأطلس المتوسط فأقام بها وأنشأ مدرسة للعلم تخرج على يده جماعات كثيرة من أهل العلم كأخيه قاضي مراكش جعفر محمد النتيفي والفقيه عباس المعداني وغيرهما. حج البيت الحرام عام تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة وعاد من رحلته الحجازية عام ثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة. ورجع إلى خنيفرة فمكث فيها لنشر العلم وإحياء الإسلام والسنة في تلك القبائل البربرية الذين كانوا أبعد عن الإسلام بجفاء طبعهم فنفع الله به العباد والبلاد. خرج من خنيفرة بعد احتلال الفرنسيين الكفرة لها وقصد قبائل أيت عمو ودخل فاس عام

стр. 4614

ست وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة فمكث فيها سنتين يدرس بالقرويين إلى عام سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة وفي آخر تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة فارق فاس. ودخل المدينة القديمة البيضاء عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة واتخذ بها مدرسة. وقصدته أفواج من أنحاء المغرب للقراءة عليه، والإقامة بمنزله وتحت نفقته. وأنشأ بالمدينة الجديدة من البيضاء مدرسة سماها (السنة) لتمييز منهاج دروسها وتعليمها. للشيخ ﵀ باع طويل في العلم، أصيب بفقد البصر وكان قوي الذاكرة، ولم يكن متقيدا بمذهب معين بل يدور مع الدليل أين ما دار.

стр. 4615

توفي ﵀ عام خمسة وثمانين وثلاثمائة وألف من الهجرة. موقفه من المبتدعة: ١ - ' حل إبرام النقض في الرد على من طعن بالمحلول أو سنة القبض'. رد فيه على محمد الخضر الذي ألف كتابا في نصر السدل. ٢ - 'القول الفائز في عدم التهليل وراء الجنائز'. ٣ - 'السيف المسلول في الرد على من حكم بتضليل من ترك السيادة في صلاة الرسول'. ٤ - 'الأبحاث البيضاء مع الشيخين عبده ورشيد رضا'. وهو رد على بعض آرائهما. ٥ - 'كشف النقاب في الرد على من خصص أزواج النبي ﷺ بآية الحجاب'. موقفه من المشركين: ١ - ' حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب'. ٢ - 'إرشاد الحيارى في تحريم زي النصارى'. ٣ - 'رد طعن الطاعنين في سحر اليهود لسيد المرسلين'. موقفه من الصوفية: له من الآثار السلفية: ١ - 'تنبيه الرجال في نفي القطب والغوث والأبدال'. وهو رد على المتصوفة الذين ينتحلون أسماء لشيوخهم كالقطب والغوث. ٢ - 'القول الجلي في الرد على من قال بتطور الولي'. رد فيه على

стр. 4616

المتصوفة الذين قرروا أن من كرامات الأولياء التطور في أشكال شتى. ٣ - 'الذكر الملحوظ في نفي رؤية اللوح المحفوظ'. (١) ٤ - 'الاستفاضة في أن النبي ﷺ لا يرى بعد وفاته يقظة'. رد فيه على السيوطي الذي زعم أن الرسول ﷺ يرى بعد وفاته يقظة. ٥ - 'تنبيه الرجال في نفي القطب والغوث والأبدال'. وهو رد على الصوفية الذين أضفوا هذه الألقاب على مشايخهم. ٦ - 'الذكر الملحوظ في نفي رؤية اللوح المحفوظ'. وهو رد على من زعم أن شيخه كان يرى اللوح المحفوظ. ٧ - 'القول الجلي في الرد على من قال بتطور الولي'. وقد رد فيه على بعض الفقهاء المتصوفة الذين قرروا بأن من كرامات الأولياء التطور في أشكال شتى. ٨ - 'الميزان العزيز في البحث مع أهل الديوان المذكور في كتاب الإبريز للشيخ الدباغ عبد العزيز'. رد فيه على الدباغ عبد العزيز في كتابه 'الإبريز' الذي أثبت التصرف للأولياء، وأن لهم ديوانا يجتمعون فيه. ٩ - 'تحفة الأماني في الرد على أصحاب التجاني'. وقد ضاعت للمؤلف بالأطلس المتوسط. ١٠ - 'كشف الهمم في أن عهود المشايخ لا تلزم'. ١١ - 'البراهين العلمية في ما في الصلاة المشيشية'. ١٢ - 'كتاب الزهرة في الرد على غلو البردة'. ١٣ - 'الحجج العلمية في رد غلو الهمزية'. ١٤ - 'أحسن ما تنظر إليه الأبصار وتصغى إليه الأسماع في نقد ما اشتمل عليه ممتع الأسماع في الجزولي وأصحابه والتباع'. ١٥ - 'الدلائل البينات في البحث في الدلائل الخيرات وشرحه مطالع المسرات'. وغيرها كثير بحمد الله، وهذه التي ذكرت إنما هي غيض من فيض.

стр. 4617

موقفه من الجهمية: له: 'الإرشاد والتبيين في البحث مع شراح المرشد المعين'. رد فيه على شراح المرشد المعين في التوحيد وما قرروه من أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت تبعا لمذهب المعتزلة. وله كتاب: 'نظر الأكياس في الرد على جهمية البيضاء وفاس'. - قال في مطلعه: الحمد لله الذي استوى على عرشه بلا كيف، واتصف بصفات الكمال، وانفرد بها دون سائر خلقه؛ نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره استغفار خائف من قهره. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته ولا في فعله ووصفه، ونشهد أن نبينا (١) محمدا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه ورسله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى آله وكرام صحبه. أما بعد: فإن مما أبرزته الأقدار ونفست به الأيام والأعصار ما دهمنا من الوقائع في هذه الديار من كيد جماعة من الأشرار، ليسوا من الأقوياء الفجار ولا من الأتقياء الأبرار، التي هي واقعة رجب سنة ثلاثة وستين وثلاثمائة وألف هجرة، فقد قام بها بعض من أولئك المشار إليهم هنالك بعد أن أجمعوا أمرهم وأتوا صفا، وقاموا قومة رجل واحد، واختنقوا غيظا وحيفا، وانكشفت صدورهم عما فيها من الضغائن والحقود؛ وحشروا لكيدهم كل مبتدع وحسود، واستغاثوا لنصرتهم بكل معاد للسنة وكائد، دفعا لها، وتصمما عن سمعها، وتسلحوا لذلك بكل دافع ومعاند؛

стр. 4618

وكانوا مهما سمعوا للسنة أثرا، ومر على آذانهم ذكر من يؤيد لها خبرا، تحلفوا لذلك واجتمعوا وتحيلوا في كيدها وناصرها، وحفظوا في ذلك ووعوا ثم لم يزالوا في هذا الحال، والحال ما حال يتربصون الفرص، ويتجرعون الغصص إلى أن بدت لهم فرصة غصوا بريقهم فيها أزالوا غصتهم فيها بالدعاوى والصياح، والفتنة واللعن والشتم، وغير المباح، وأفعال لو كانت من الصبيان والمجانين لحق لها أن [لا] (١) توضع في مجالس العلم وبيوت أذن الله أن ترفع. وذلك أننا ذكرنا مذاهب الناس في استواء الله على عرشه، وأيدنا منه ما أيده الله في كتابه ورسوله في حديثه، وسلف أمته ومحققوا خلفها / بصريح نصه؛ قامت قيامة قيامتهم تلك، وانتظموا لنصر خلاف ما لله ولرسوله وسلف أمته في صف وسلك، ولعنوا وشنعوا وطيروا الخبر إلى كل من بادية المغرب ومدنه. وشكوا إلى أمراء الوقت وقضاته وسلطانه. وآل الأمر بيننا وبينهم إلى إيقاف دروسنا ودروس قبيح جاهل منهم وهو الذي تولى كبر هذه الفتنة نحو أربعين يوما على يد قاضي الوقت. وعقد مجلس للمناظرة على يده أخرص الله فيها ألسنة القوم، وعجزوا عن تأييد مذهبهم إلا بأفكارهم التي ينبذونها عند الدليل ويرجعون إليها ولا بد للتعصب والميل، وكان في خلال هذه الأيام أن رجلا من هؤلاء فاسيا تذكر ذاخرة تركها له أبوه، فيالها من ذخيرة وياله من أب لله دره، وهي ما حدثني بعض الفضلاء عنه أن السلطان أبا علي المولى الحسن العلوي

стр. 4619

نور الله ضريحه وأسكنه من روض الجنان فسيحه بينما صحيح البخاري يقرأ بين يديه على العادة بفاس إذ وقع في مجلسه خلاف في استواء الله على عرشه بين علماء فاس وعالم من أهل طنجة؛ فاستدعاه السلطان للحضور معهم، وهو: الشيخ عبد الله السنوسي. فأمهلهم الإمام إلى أن يأتوا غدا بأدلتهم. فجاءوا غدا بأوراق في أيديهم؛ فلما صفحت ورقات أبيه أعجبت السلطان وأمر بسردها وأن ينتهى إلى معناها وقولها بعد أن عجز خصمه عن رد ما فيها إلى آخر ما قال .. ودفع السلطان ذلك العالم عن مجلسه، فبقيت من هذه الرسالة بيد ولد صاحبها المذكور. فأسرع بها إلى أبي المكارم السلطان المولى محمد بن الإمام المولى يوسف إمام وقتنا أعلا الله علاه وأعز كلمته، ورفع شأنه. وزعم أنه أخذها منه ثمانية أيام وينسخها -أو يطالعها- فردها بعد الأجل؛ وقصد الرجل بذلك أن يغيضنا به ويغير قلب الملك ويدخل في علمه أن لأسلافه الفاسيين حجة علمية، ومستندا للانتقام منا، ولا علم لنا بذلك؛ ولكن أبى الملك الكبير واللطيف الخبير إلا أن يحق الحق ويبطل الباطل، فأيد سلطاننا ونور/ ذهنه وفكره حتى ميز بين الحق فأيده وأحبه، وبين الباطل فأدمغه وأرداه، فكان جزاء أعمال أولئك المبطلين من مالك العوالم ثم من مالك المغرب الحرمان، وانعكست عليهم القضية، فكانت مقاصدهم السيئات في جانبنا حسنات حيث تسببوا لنا بذلك في قرب من السلطان وصِلاته وسماع الدروس منا المرة بعد المرة، وإعجابه بذلك، وذكره للخاصة والعامة؛ وطرد الذي تولى كبر الفتنة من المسجد الأعظم، فخمدت بذلك نار فتنته واضت

стр. 4620

تضطرم في أحشائه، ثم بعد هذا جاءنا الفاضل الذي حدثنا عن الفاسي وشأن رسالته بها فقرأناها وتأملنا ما فيها؛ فإذا هي من باب تكلموا تُعرَفوا، قد أعربت عن مدارك أصحابها. وقدمنا رِجْلاً وأخرنا أخرى في الكتب علينا برهة من الدهر حتى ألح عليها بعض الفضلاء في رقم كلمات عليها. فأجبناه لذلك، وسألنا الله العون عليه. (١) - وقال فيه أيضا: وقول الإمام مالك: والسؤال عن هذا بدعة؛ صحيح، لأن السلف كانوا يعتقدون أن تلك الصفات المنصوص عليها في الكتاب والسنة صفات لله وإن تشاركت مع صفة المخلوق من حيث الأسماء، ويحكمون بمباينة المسميات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢). لأن ذات الله وصفاته وأفعاله لا تقاس بذات المخلوقات ولا بصفاته وأفعاله. وهذا معلوم عندهم لا يسأل عنه إلا حديث عهد بالإسلام أو مبتدع. ولما كثر السؤال عنه من مبتدعة الجهمية في زمان الإمام مالك، إذ جهم (٣) والجعد ابن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري، شاعت دعوتهم في زمان بني أمية ثم ازدادت شيوعا في دولة بني العباس. فقد قال أهل التاريخ: ظهر الخوارج والروافض والشيعة والمرجئة، فلم يتجاسروا على رد نصوص الشريعة بالعقل، وصاح بهم الصحابة من كل صوب وبدّعوهم، وتركوا السلام عليهم، ونسبوهم إلى العظائم، ثم ظهر الجهمية

стр. 4621

في آخر عصر التابعين، فعارضوا الوحي بالعقل، وقالوا كل شريعة لا تقبلها عقولنا رددناها بالتأويل إليها، ثم ذلك منهم في آخر زمان بني أمية، فخمدت نار فتنتهم فقتل خالدُ ابن عبد الله الجعدَ ابن درهم ثاني رؤسائهم، ثم اشتعلت نار فتنتهم في زمان المأمون فأوقع / المحنة بالعلماء حيث أعجبه مذهب هؤلاء المبتدعة، فقتل من قتل من العلماء، ونجا منهم بإظهار مذهبهم اتقاء شرهم أو بالصبر على الحبس والعذاب، وعلى هذه البدعة حَبَسَ المعتصمُ الإمام أحمدَ وضربه، ثم أطفأ الله نار هذه البدعة وأظهر السنة على لسان خلقه، وخطب بها على المنابر زمانا حتى ظهرت جنود إبليس القرامطة والباطنية والملاحدة، ودعوا الناس إلى العقل المجرد، وأن أمور الرسل تعارض المعقول. وفي زمنهم غلب الكفار على كثير من بلاد المسلمين، وهم الذين كسروا عسكر الخليفة العباسي، وقلعوا الحجر الأسود (١)، وقتلوا الحجاج. ثم خمدت دعوتهم في المشرق وظهرت في المغرب قليلا قليلا. ثم أخذوا يطؤون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة، وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها هم وولاتهم وقضاتهم، وفي زمنهم صرح ابن أبي زيد بأن الله مستو على عرشه بذاته، ردا لمذهبهم من غير أن تأخذه في الله لومة لائم، واتخذ الكلاب ليحرسوا من صائلهم ومعتدهم. وفي أيامهم ألفت الإشارات وكتب ابن سينا، قال: كان أبي من أهل الدعوة الحاكمين. وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين، بل كان لأهل الذمة من الأمان

стр. 4622

والجاه والعز عندهم ما ليس لأهل السنة. فكم أغمد من سيوفهم في أعناق العلماء، وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء، حتى استنقذ الله الإسلام والمسلمين من أيديهم على يد نور الدين محمود بن زنكي والسلطان الأعظم صلاح الدين ابن أيوب ﵀، قابل الإسلام من علته وانتعش بعد طول الحمرة حتى استبشر أهل الأرض والسناء، واستنقذ الله بعبده صلاح الدين وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، فعاش الناس/ في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة وقدم الناس العقول على النقول، والأذواق على الشريعة الربانية، وكان رئيسهم هذا الطوسي وأضرابه، هذا في المشرق. وأما في المغرب فمنذ فتح الإسلام إلا وهو على عقيدة السلف إلا ما كان من فتنة العبيدين وبدعتهم، ثم انجلت ظلمتها واستضاء المسلمون بنور السنة ومذهب السلف حتى ظهر فيهم في أوائل القرن السادس محمد بن تومرت المهدي تلميذ أبي حامد الغزالي، فملأ أرضهم بمعارضة العقل للوحي، واشتهر مذهب شيخه الغزالي في هذه البقاع، وسمى من خالفه من علماء المغرب وملوكهم وجمهورهم مجسمة، وقاتلهم على ذلك، وسمى أتباعه الموحدين؛ وفي ذلك يقول الحفيد ابن رشد: ولما ظهر أبو حامد طم الوادي على القرى ثم لم يزل أهل المغرب في دولة الموحدين وبني مرين بعدهم وغيرهم آخذين بمذهبه. وآخذ بمذهب السلف وهم القليل، حتى كانت دولة سيدي محمد بن عبد الله العلوي، فعانق مذهب السلف هو وخواصه، وأظهره للجمهور، وهكذا ابنه أبو الربيع المولى سليمان كما تقدم.

стр. 4623

وأما أهل المشرق فبعث الله عليهم في خلال هذه الدعوة عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وهم التتار، ثم تيمور ثم نيضت نابغة أيضا تدعوا إلى معارضة النقل بالعقل فقيض الله لهم شيخ الإسلام الحراني وأصحابه، فكانوا يناضلون بسيف الحجة عن مذهب أهل السنة، ثم اختلط الأمر بعد ذلك ومرج؛ فمن آخذ بمذهب هؤلاء، ومن آخذ بمذهب هؤلاء. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خافهم حتى يأتي أمر الله» (١). ولذلك تفرس في السائل الإمام (٢) أنه من أهل هذه الدعوة لدليل ما قال: "وأظنك رجل سوء، أخرجوه". ولولا ما ظنه الإمام فيه لما ساغ له أن يواجهه بهذا الكلام، / ولا أن يقول: "أخرجوه"، إذ السائل لا ينهر؛ بل يلان له القول ويكرم. ولا يشك في أن الإمام مالكا من أكابر أهل السنة لا شَكَّاكٌ، ولو كان قصد مالك بقوله: "معلوم" ما نسبتم له من التأويل لكان قوله: والكيف مجهول، ضائعا، ومنافيا لاعتقاده. إذ لا يقال الكيف مجهول إلا إذا كان الاستواء على معناه الحقيقي، بل لا يحكم على شيء أنه مجهول إلا إذا كان موجودا، وإلا كان اسم المعدوم أحق به. (٣)

стр. 4624

محمد بن عبد العزيز بن مانع (١) (١٣٨٥ هـ) الشيخ الإمام محمد بن عبد العزيز بن محمد بن مانع بن شبرمة الوهيبي التميمي. ولد بعنيزة سنة ثلاثمائة وألف للهجرة، ورحل في طلب العلم إلى بريدة، فالبصرة، فبغداد، ثم استقر في الأزهر بمصر. كان فقيها مطلعا على خلاف العلماء، حافظا للسنة، وآية في العلوم العربية لا سيما النحو، حتى قيل إن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي كان يفضله فيها على الشيخ الشنقيطي. وأما حفظ المتون واستحضار مسائلها وأقوال شراحها فأمر عجيب. أخذ عن مجموعة من الشيوخ منهم السيد محمود شكري الآلوسي والشيخ محمد الذهبي والشيخ جمال الدين القاسمي والشيخ عبد الرزاق الأعظمي وغيرهم. وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ عبد العزيز ابن محمد بن مانع (ابنه) والشيخ عثمان بن صالح القاضي وغيرهم. رجع إلى بلدته "عنيزة" سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم دعي للتدريس في البحرين سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة، ثم استدعاه أمير قطر فولاه الإفتاء والوعظ والقضاء، ثم دعاه الملك عبد العزيز آل سعود سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة فدرس في الحرم المكي، ثم طلب حاكم قطر من السعودية انتدابه للعمل فيها سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة فأقام فيها إلى أن توفي ﵀ سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وألف.

стр. 4625

موقفه من المبتدعة: له من الآثار السلفية: ١ - 'القول السديد فيما يجب لله على العبيد'. ٢ - 'مختصر شرح عقيدة السفاريني'. ٣ - 'تحقيق النظر في أخبار المهدي المنتظر'. ٤ - 'حاشية على العقيدة الطحاوية'. وكذا على العقيدة الواسطية وغيرها. موقفه من الخوارج: - قال ﵀: اعلم وفقنا الله وإياك أن أول اختلاف وقع في هذه الأمة: هو خلاف (الخوارج) حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم. ثم حدث بعدهم خلاف (المعتزلة) وقوله: "إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر"، ويثبتون (المنزلة بين المنزلتين). ثم حدث خلاف (المرجئة)، وقولهم: "إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان". وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وبينوا ما هو الحق فيها، وصرحوا: أن الفاسق الملي، مرتكب الكبيرة، فاسق بكبيرته، مؤمن بإيمانه، وهو تحت مشيئة الله تعالى. (١) - وقال: فالمؤمن لا يخرج من الإيمان بملابسة كبائر الذنوب والعصيان.
следующие страницы →