الدين. فروى أبو داود ﵀ في سننه، وروى أحمد بن حنبل الشيباني ﵁ في مسنده أثرا تضمن أن للعامل من هذه الأمة عند فساد الزمان أجر خمسين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ولفظ الحديث عند أبي داود، وعن أبي أمية الشعباني قال: "سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك -يعني بنفسك- ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر فيها مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، وزاد في غيره، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم» (٢)، وله شاهد يقويه فيما رواه مسلم ﵀ من أن العبادة في وقت الهرج -أي القتل والفتن- تعدل هجرة إلى رسول الله ﷺ (٣). هذا ولأهل السنة هجرات كثيرة لا بالأماني والأحلام ولكن بالتحقيق والتثبيت، فلهم هجرة إلى الله بالإخلاص والتوحيد، ولهم هجرة إلى رسول الله ﷺ بالاقتداء والاتباع، ولهم هجرة من البدع إلى السنن، ومن المعاصي إلى الطاعات، ومن الأقوال والآراء إلى ما قاله الرسول ﷺ وما جاء في القرآن؛ وله شاهد أيضا فيما
стр. 4762
رواه الترمذي من أن الذي يحيى سنة من سنن رسول الله ﷺ ماتت يكون رفيقه في الجنة (١).اهـ (٢)
- وقال في شرحه على العقيدة الواسطية: هذا بيان المنهج لأهل السنة والجماعة في استنباط الأحكام الدينية كلها، أصولها وفروعها، بعد طريقتهم في مسائل الأصول، وهذا المنهج يقوم على أصول ثلاثة: أولها كتاب الله ، الذي هو خير الكلام وأصدقه، فهم لا يقدمون على كلام الله كلام أحد من الناس. وثانيها: سنة رسول الله ﷺ ، وما أثر عنه من هدي وطريقة، لا يقدمون على ذلك هدي أحد من الناس. وثالثها: ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل التفرق والانتشار وظهور البدعة والمقالات، وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه من المقالات وزنوها بهذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، فإن وافقها قبلوه، وإن خالفها ردوه؛ أيا كان قائله. وهذا هو المنهج الوسط، والصراط المستقيم، الذي لا يضل سالكه، ولا يشقى من اتبعه، وسط بين من يتلاعب بالنصوص، فيتأول الكتاب، وينكر الأحاديث الصحيحة، ولا يعبأ بإجماع السلف، وبين من يخبط خبط عشواء، فيتقبل كل رأي، ويأخذ بكل قول، لا يفرق في ذلك بين غث وسمين، وصحيح وسقيم. (٣)
стр. 4763
• موقفه من الخوارج:
- قال في شرحه على الواسطية: قوله: (وفي باب أسماء الإيمان ... ) إلخ. كانت مسألة الأسماء والأحكام من أول ما وقع فيه النزاع في الإسلام بين الطوائف المختلفة، وكان للأحداث السياسية والحروب التي جرت بين علي ومعاوية ﵄ في ذلك الحين، وما ترتب عليها من ظهور الخوارج والرافضة والقدرية أثر كبير في ذلك النزاع.
والمراد بالأسماء هنا أسماء الدين؛ مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق ... إلخ.
والمراد بالأحكام أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.
فالخوارج الحرورية والمعتزلة ذهبوا إلى أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر. فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا باتفاق بين الفريقين.
ولكنهم اختلفوا: هل يسمى كافرا أو لا؟
فالخوارج يسمونه كافرا، ويستحلون دمه وماله، ولهذا كفروا عليا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفار.
وأما المعتزلة؛ فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر؛ فهو بمنزلة بين المنزلتين، وهذا أحد الأصول التي قام عليها مذهب الاعتزال.
واتفق الفريقان أيضا على أن من مات على كبيرة ولم يتب منها؛ فهو مخلد في النار.
стр. 4764
فوقع الاتفاق بينهما في أمرين:
١ - نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة.
٢ - خلوده في النار مع الكفار.
ووقع الخلاف أيضا في موضعين:
أحدهما: تسميته كافرا.
والثاني: استحلال دمه وماله، وهو الحكم الدنيوي. (١)
- وفيه أيضا: والشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة؛ قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) فنفي الشفاعة بلا إذن إثبات للشفاعة من بعد الإذن. قال تعالى عن الملائكة: ﴿* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (٣).
فبين الله الشفاعة الصحيحة، وهي التي تكون بإذنه، ولمن يرتضي قوله وعمله. وأما ما يتمسك به الخوارج والمعتزلة في نفي الشفاعة من مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٤) ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ
стр. 4765
وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (١) ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ (٢) ... إلخ، فإن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، وكذلك الشفاعة الشركية التي يثبتها المشركون لأصنامهم، ويثبتها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التي تكون بغير إذن الله ورضاه. (٣)
- وفيه أيضا: وأما قوله: (وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع فيمن استحق النار ... ) إلخ. وهذه هي الشفاعة التي ينكرها الخوارج والمعتزلة؛ فإن مذهبهم أن من استحق النار لابد أن يدخلها؛ ومن دخلها لا يخرج منها لا بشفاعة ولا بغيرها. والأحاديث المستفيضة المتواترة ترد على زعمهم وتبطله. (٤)
• موقفه من المرجئة:
- قال ﵀: أهل السنة والجماعة وسط في باب الوعيد بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وزعموا أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وإن لم ينطق به، وسُمّوا بذلك نسبة إلى الإرجاء، أي: التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان.
ولا شك أن الإرجاء بهذا المعنى كفرٌ يخرج صاحبه عن الملة؛ فإنه لا بد في الإيمان من قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، فإذا اختل
стр. 4766
واحد منها لم يكن الرجل مؤمناً.
وأما الإرجاء الذي نُسب إلى بعض الأئمة من أهل الكوفة؛ كأبي حنيفة وغيره، وهو قولهم: إن الأعمال ليست من الإيمان، ولكنهم مع ذلك يوافقون أهل السنة على أن الله يعذب مَن يعذب من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم منها بالشفاعة وغيرها، وعلى أنه لا بد في الإيمان من نطق باللسان، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة يستحق تاركها الذمّ والعقاب؛ فهذا النوع من الإرجاء ليس كفراً، وإن كان قولاً باطلاً مبتدَعاً؛ لإخراجهم الأعمال عن الإيمان. (١)
- وقال أيضاً: أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وأن هذه الثلاثة داخلة في مسمى الإيمان المطلق.
فالإيمان المطلق يدخل فيه جميع الدين: ظاهرُه وباطنُه، أصولُه وفروعه، فلا يستحق اسم الإيمان المطلق إلا من جمع ذلك كله ولم ينقص منه شيئاً.
ولما كانت الأعمال والأقوال داخلة في مسمى الإيمان؛ كان الإيمان قابلاً للزيادة والنقص، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ كما هو صريح الأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر مشاهد من تفاوت المؤمنين في عقائدهم وأعمال قلوبهم وأعمال جوارحهم.
ومن الأدلة على زيادة الإيمان ونقصه أن الله قسم المؤمنين ثلاث طبقات،
стр. 4767
فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).
فالسابقون بالخيرات هم الذين أدّوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، وهؤلاء هم المقربون.
والمقتصدون هم الذين اقتصروا على أداء الواجبات وترك المحرمات.
والظالمون لأنفسهم هم الذين اجترؤوا على بعض المحرمات وقصّروا ببعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم.
ومن وجوه زيادته ونقصه كذلك أن المؤمنين متفاوتون في علوم الإيمان، فمنهم من وصل إليه من تفاصيله وعقائده خير كثير، فازداد به إيمانه، وتمّ يقينه، ومنهم من هو دون ذلك، حتى يبلغ الحال ببعضهم أن لا يكون معه إلا إيمان إجمالي لم يتيسر له من التفاصيل شيء، وهو مع ذلك مؤمن.
وكذلك هم متفاوتون في كثير من أعمال القلوب والجوارح، وكثرة الطاعات وقلتها.
وأما من ذهب إلى أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وأنه غير قابل للزيادة أو النقص؛ كما يُروى عن أبي حنيفة وغيره؛ فهو محجوج بما ذكرنا من الأدلة، قال ﵇: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) (٢).اهـ (٣)
стр. 4768
محمد بهجة البيطار (١) (١٣٩٦ هـ)
الشيخ محمد بهجة البيطار، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق. ولد في دمشق سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف. وهو من أصل جزائري، نشأ في حجر والده محمد بهاء الدين، وتلقى على يده مبادئ العلوم الدينية، وعلى يد جده لأمه عبد الرزاق البيطار. واشتغل في عدة مناصب دينية آخرها توليه إدارة دار التوحيد السعودية، وعضوا عاملا في المجمع العلمي بدمشق والقاهرة.
له مؤلفات كثيرة منها: 'حياة شيخ الإسلام ابن تيمية' و'رسالة في الرد على من طعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب' و'رسالة في الرد على الكوثري'.
توفي ﵀ بدمشق في ثلاثين جمادى الأولى سنة ست وتسعين وثلاثمائة وألف.
• موقفه من المبتدعة:
دافع عن شيخ الإسلام ابن تيمية وله في ذلك مؤلف قال فيه: لقد صدق كثير من العلماء والأدباء في مختلف العصور هذه الرواية الآتية في رحلة ابن بطوطة الشهير، وجعلوها قضية مسلمة يروونها ويتوارثونها إلى عصرنا هذا، حتى إن دائرة المعارف الإسلامية التي تنقل الآن إلى العربية في مصر، قد ترجمت لابن تيمية ترجمة بقلم الأستاذ محمد بن شنب (ص.١٠٩ - ١١٦ج١)
стр. 4769
فيها أغلاط كثيرة، ونقلت عبارة ابن بطوطة هذه، وهي قوله عن إمام الشام وشيخ الإسلام ابن تيمية، "وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر" فرأيت أن أنشر كلمة في هذا الموضوع تكون الحد الفاصل بين الحق والباطل.
١ - إن ابن بطوطة ﵀ لم يسمع من ابن تيمية ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ستة وعشرين وسبعمائة هجرية، وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان من ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الاثنين لعشرين من ذي العقدة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة هجرية، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع وسمعه يقول: ينزل .. الخ.
٢ - إن رحلة ابن بطوطة مملوءة بالروايات والحكايات الغريبة، ومنها مالا يصح عقلا ولا نقلا، وهو يلقي ما ينقله على عواهنه، ولا يتعقبه بشيء فمن ذلك قوله (١): وفي وسط المسجد (أي الأموي بدمشق) قبر زكريا ﵇، والمعروف أنه قبر يحيى ﵇، وقوله أيضا: وقرأت في فضائل دمشق عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وهذا لا يقال من قبل الرأي، وسفيان أجل من أن يفضله على مسجد رسول الله ﷺ وعلى المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وهما لم يبلغ الثواب فيهما هذه الدرجة، كما هو معلوم للمحدثين وغيرهم، ومن نقوله التي أقرها
стр. 4770
ولم ينكرها (١) النذور للقبور المعظمة، والوقوف على أبواب الملوك، ومن ذلك النذر لأبي إسحاق، إذا هاجت الرياح في البحار، واشتدت الأخطار، وهو ما لم يبلغه أهل الجاهلية الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢).
٣ - لم يكن ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع كما زعم ابن بطوطة (٣) (فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ على منبر الجامع) بل لم يكن يخطب أو يعظ على منبر الجمعة كما يوهمه قوله: ونزل درجة من درج المنبر. وإنما كان يجلس على كرسي يعظ الناس، ويكون المجلس غاصا بأهله، قال الحافظ الذهبي: وقد اشتهر أمره، وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكان يورد الدرس بتؤدة وصوت جهوري فصيح، وقال: وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيام الجمع. (٤)
واسترسل الشيخ البيطار في رد هذه الفرية من وجوه فمن شاء وقف عليها في كتابه 'حياة شيخ الإسلام'.
• موقفه من المشركين:
- قال في كتابه 'شيخ الإسلام ابن تيمية': وأقول -تأييدا لما ذكره
стр. 4771
شيخ الإسلام-: إن الصحابة الكرام قد تناظروا بعد وفاة النبي ﵊، في أمر الخلافة، وفي جمع القرآن، وفي المعارك الدامية كوقعة الجمل وصفين والنهروان، وتناظر الشيخان في قتال مانعي الزكاة، وفي إرسال جيش أسامة، ولم يستغيثوا به في هذه الشدائد، ولم يستفتوه في شيء منها، وكل هذا معلوم من الدين والتاريخ بالضرورة، ومن العقل والحس والوجدان بالبداهة، فيجب رد ما يتجدد من الوقائع والحوادث إلى الوحي المنزل، وما عرف من سنن الصدر الأول للإسلام.
ولو كان ترك وسائل النصر والظفر، والاستنصار بغيره تعالى مفيدا لنا في شيء، لكنا اليوم أسعد الأمم حالا، وأنعمها بالا، وأوفرها عزة وثروة وقوة، ولكن تلك الخطة المعارضة للشرع والطبع والحس التي سلكها أولئك الناس لم تزد الأمة إلا نكالا ووبالا، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ (١).
ثم إن هذا المؤلف (البكري) قد جرى على عرف بعض العلماء المتأخرين الذين جعلوا الاستغاثة به ﷺ وبغيره في معنى التوسل إلى الله تعالى بجاهه وبحقه، كالسبكي في 'شفاء السقام' والقسطلاني في 'المواهب'،
стр. 4772
والسمهودي في 'خلاصة الوفا' وابن حجر المكي في 'الجوهر المنظم' وغيرهم.
والمراد أنهم يسألون الله تعالى بحقه وجاهه أن تقضى حوائجهم، وسيأتي بحث ذلك. أما الاستغاثة بأهل القبور أنفسهم بمعنى طلب الغوث منهم أي زوال الشدة، وتفريج الهم والكرب، وقضاء سائر الحوائج، فهذه استغاثة شركية، لا تدخل في دائرة الأسباب والمسببات بحال، بل هي توسل الغلاة والجهال في الحضر والسفر، والبر والبحر، والعسر واليسر، والفرج والشدة، ونحن نجل أهل العلم والعقل والإيمان، عن الوقوع في مثل هذا الطغيان والهذيان. (١)
- وقال: ومن المؤسف جدا عدم الاهتداء بهدي الأنبياء والصالحين، والاكتفاء بتشييد القبور، وجعلها كالقصور والقلاع، والصلاة عندها، والطواف حولها، ونذر النذور لسدنتها، ويرحم الله حافظا القائل:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات
والواجب يتقاضى علماء الدين الخالص، والعاملين للمدنية الصحيحة، أن يتعاونوا على إنشاء معاهد علمية في الأقطار الشرقية والغربية، تدعو إلى الله على بصيرة، وتصحح العقائد والعوائد، وتزيل المهالك والمفاسد، وتعيد عهد الأئمة، وتجدد معالم الأمة. (٢)
стр. 4773
حمد بن مطلق بن إبراهيم الغفيلي (١) (١٣٩٧ هـ)
الشيخ حمد بن مطلق بن إبراهيم بن راشد المحفوظي العجمي، من آل حصنان. ولد في بلدة الرس سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف، قرأ في بلدته، ثم انتقل إلى عنيزة، فلازم الشيخ عبد الرحمن بن سعدي واستفاد منه، وقرأ عليه أمهات الكتب. عين قاضيا في السوارقية سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف، ثم قاضيا في مدينة صبياء، ثم طريف ثم الفوارة ثم أخيرا قاضيا لمحكمة العظيم بمنطقة حائل.
كان ﵀ حسن الأخلاق، محبا للقرآن وكتب السنة، توفي في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وألف.
• موقفه من الرافضة:
له من الآثار السلفية:
١ - 'تنزيه جناب الشريعة عن تمويه مذاهب الشيعة'. وهو مقتبس من منهاج السنة. (٢)
صهيب بن محمد الزمزمي بن الصديق الغماري (بعد ١٣٩٧ ه ـ)
من عائلة الغماريّين المشتهرة بالانحراف السلوكيّ والعقديّ، منّ الله عليه بالبعد عن مخازيهم ونصرة المذهب الحق.
جمعنا وإياه مجلس مع الشيخ الألبانيّ حين جاء إلى المغرب. توفي بعد
стр. 4774
سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.
• موقفه من المبتدعة:
له رسالة اسمها: 'جماعة التبليغ أو أصحاب الدعوة الباكستانية خطر على المسلمين'. تحدث فيها عن أخطاء هذه الجماعة الدخيلة، وفنّد حججها الواهية، كما بيّن ﵀ خطرها على الإسلام والمسلمين مستدلاًّ على ذلك بالآيات البيّنات والأحاديث الواضحات.
- قال ﵀ في مقدمتها: وقد رغب إليّ كثير من المسلمين القاطنين ببلجيكا وهولندا، وألحوا علي أن أكتب رسالة أبيّن فيها موقف الإسلام من الخروج مع 'جماعة التبليغ' أو 'أصحاب الدعوة الباكستانية' هذا الخروج الذي يزعمون أنه في سبيل الله، وأنه لا يحل المسلم أن يتخلف عنه، ويثيرون بسببه ضجات وفتناً في المساجد ويدعون أنهم على هدى الرسول ﷺ وأصحابه، وأنهم الفرقة الناجية! والطائفة المنصورة.
حينئذ أخذت أتتبع نشاط هذه الطائفة وأقتفي أثر أفرادها في مجال الدعوة، بغية الحصول على معلومات تمكنني من تسليط الأضواء على هذه الفرقة، والحكم عليها حكماً لا جور فيه ولا شطط.
ومن خلال تحادثي مع بعض الأشخاص المنتمين إليهم، وبعد استماعي إلى أحاديث دعاتهم المسجلة على الأشرطة، تبين لي أن 'جماعة التبليغ' أو 'أصحاب الدعوة الباكستانية' أتباع طريقة صوفية جاءت على نمط جديد.
وأن انتشارها يضرّ بسمعة الإسلام، كما أن فيه خطراً على المسلمين، وهذا الخروج الذي يلهج به أتباعها في كلّ مكان، ويدندنون حوله في جميع
стр. 4775
أحاديثهم ليس إلا وسيلة لضمّ الناس إليهم، وتكثير السواد بهم.
وإذ ذاك، لم أجد بدّاً من كتابة هذه الرسالة التي أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه، ويقبلها مني نصحاً لدينه وللمسلمين. (١)
-وقال في رد بدعة التمذهب: كما أنه إذا كان الداعي ملتزما في أمور دينه بمذهب معين لا يخالف ما فيه من أقوال وآراء وإن علم أنها غير متفقة مع ما جاء في القرآن أو في السنة، فهذا أيضا لا يجوز له أن يتصدى للدعوى إلى الله، وذلك لأنه إذا دعا الناس وحاله هذه فإنما سيدعوهم إلى ما هو عليه من اتباع النظريات والأفكار المخالفة للكتاب والسنة، والله إنما أمر أن تكون الدعوة غليه بالكتاب والسنة فقال جل ذكره: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٢). قال ابن جرير: وهو ما أنزل عليه من الكتاب والسنة.
والخلاصة أن الدعوة إلى الله وما يتبعها من الأمر والنهي، لا يمكن ولا أن تتحقق بدون هذه الشروط:
١ - الفقه في الدين، ولو فيما يتعلق بالدعوة.
٢ - التمسك بالقرآن والسنة قولا وفعلا.
٣ - وأن يكون القرآن والسنة في مجال الدعوة وسيلة وغاية، بحيث
стр. 4776
تكون الدعوة إليهما وبهما: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١).اهـ (٢)
ثم بيّن ﵀ خطر هذه الجماعة على المسلمين من سبعة أوجه قويّة فقال: لماذا كانت الطريقة الباكستانية خطراً على المسلمين؟
يتميز أتباع هذه الطريقة بخصال:
أولها: مخالفة السنة النبويّة، بل محاربتها، فهم لا يعملون إلا بالسنة المقررة في طريقتهم والتي يعمل بها مشايخهم بالباكستان، وما سوى ذلك فهم لا يقبلونه ولا يرفعون به رأساً. (٣)
وقال ﵀ مبينا منهجه: هذا ونلفت القراء إلى أن الانتقادات التي نوجهها إلى أتباع الطريقة الباكستانية إنما تأتي على ضوء الكتاب والسنة، لا على أساس مبدإ صوفي، ولا ننتمي إلى مذهب؛ بل مذهبنا في الحياة الإسلام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤). وطريقتنا فيه العمل بما قام عليه البرهان، وثبتت حجته عن الله ورسوله. وما كان من اختلاف أو تنازع نبحث عن صوابه، ونطلب حله في القرآن، وفيما صح من أحاديث رسول الله ﷺ ، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
стр. 4777
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). فهذا ما ننبه إليه، فمن كان ملتزما بذلك فحسبنا به قارئا والسلام. (٢)
- ثم بيّن ﵀ خطر هذه الجماعة على المسلمين من سبعة أوجه قويّة نذكر بعضا منها:
قال ﵀: لماذا كانت الطريقة الباكستانية خطراً على المسلمين؟ يتميز أتباع هذه الطريقة بخصال:
أولها: مخالفة السنة النبويّة، بل محاربتها، فهم لا يعملون إلا بالسنة المقررة في طريقتهم والتي يعمل بها مشايخهم بالباكستان، وما سوى ذلك فهم لا يقبلونه ولا يرفعون به رأساً. (٣)
وقال: ثانيها: دعوة الناس إلى أمور يسمونها صفات الصحابة، وهي في الحقيقة مبادئ طريقتهم الباكستانية ويزعمون أنه حين لم يعد المسلمون أهلاً لاتباع السنة النبوية قام العلماء بجمع هذه الصفات الستة من حياة الصحابة ليعمل الناس بها! سبحان الله! ما هي شروط اتباع السنة؟ حبذا لو عرفناها!. (٤)
- وقال: ثالثها: اجتراؤهم على تفسير كلام الله تعالى، وشرح معاني آياته وهم جاهلون! حتى إن الواحد منهم لا يكاد يحسن كتابة اسمه، ورغم ذلك، يجلس في المساجد للوعظ والإرشاد، ويشرح للناس -بكل وقاحة! -
стр. 4778
ما يعرض من آيات قرآنية وأحاديث نبوية. (١)
- وقال: رابعها: الحديث عن الرسول ﷺ بأحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله ﷺ ، بل وبما يعرف الناس أنه ليس من كلام النبي ﷺ كالأمثال السائرة، وأقوال بعض الصوفية، والحكم المشهورة بين العامة.
وهذه الخصلة من الموبقات المهلكة، والكبائر العظيمة، التي تقذف صاحبها في النار. (٢)
- وقال: سابعها: أنهم لا يرعوون عن قذف أي عالم من علماء المسلمين ورميه بالكفر والإلحاد، والفسق والفجور إذا هو اعترض أفكارهم وأنكر طريقتهم، شأنهم في ذلك شأن اليهود الذين قال عنهم عبد الله بن سلام ﵁: (إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي بهتوني) (٣).
وهكذا أتباع الطريقة الباكستانية، فويل منهم للعالم الذي يحذّر الناس من طريقتهم ويردّ عليهم.
أخبرني الأستاذ الصمدي أنهم يكفرون الشيخ أبا الأعلى المودودي الكاتب الإسلامي المشهور! ونحن نعلم -مسبقاً- أن المودودي لا ذنب له عندهم إلا أنه يخالفهم، ولا يتفق معهم!
وقديماً بلغنا عنهم أنهم يقولون عن الدكتور الهلالي إنه مسيحيّ! والسبب هو هو، فالدكتور الهلاليّ قد عاش مدّة بالباكستان وعرف عنهم
стр. 4779
الكثير، فهو لذلك لا يسميهم إلا 'الإلياسيّين' نسبة إلى شيخهم، ويقول: إنهم أصحاب طريقة عصريّة.
وفي شهر رمضان من العام الماضي حضر إلى العاصمة البلجيكية عالم من السعوديّة، وألقى دروساً ببعض المساجد هناك، ولما رأى هؤلاء الباكستانيون إعراضه عنهم، وإنكاره لما هم عليه، أشاعوا عنه إشاعة قبيحة توحي بأنه رجل فاسق! ﴿إِن الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (١٩)﴾ (١).
فبوجود تلك الخصال في أتباع الطريقة الباكستانية كانت هذه الطريقة خطراً على المسلمين، إذ أنها لو ظهرت -والحالة هذه- وانتشرت -لا سمح الله بذلك- بين جميع المسلمين، لأصبحت الأمة الإسلامية أذلّ أمة على وجه الأرض، ضعيفة في دينها وعقيدتها، تحارب السنة، وترغب عنها، وتنصر البدعة، يتجاسر الجاهلون منها على تفسير كلام الله تعالى ولا يهابونه، ويكذبون على رسول الله ﷺ ولا يبالون، يتنصلون من مسؤولياتهم، ويهربون من واجبات الحياة باسم الدين، ويستحلّون الكذب، ويستبيحون الافتراء على الله والناس.
وبذلك، ينزل المسلمون إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط، ولا يبقى أي أمل في النهوض بهم بعد أبداً، وذلك بالذات، هو ما يتمناه أعداء الإسلام ويودون وقوعه. (٢)
стр. 4780
محمد كنوني المذكوري (١٣٩٨ ه ـ)
محمد بن محمد بن العربي كنوني المذكوري، الفقيه العلامة. كان ﵀ عضواً بارزاً في الأمانة العامّة لرابطة علماء المغرب، له مجموعة فتاوى نشرت في جريدة 'الميثاق' لسان رابطة علماء المغرب، ثم طبعت مستقلة. وقد قال الشيخ عبد الله كنون في تقريظه لها: والآن يقوم بهذه المهمة -أي الفتوى- فضيلة الفقيه العلامة الحاج محمد كنوني المذكوري الذي أبدى كفاءة ومقدرة عديمتي النظير في هذا الباب مع غاية التثبت وعدم الاندفاع في هذه الجهة أو تلك بمجرد الرغبة في الخلاف أو إرادة الشهرة؛ كما يقال: خالف تعرف. بل إن دافعه إحقاق الحق وبذل الجهد في إصابة حكم الله في المسألة من غير تعصب ولا تحامل، وفتاواه المنشورة في هذه المجموعة؛ وهي الدفعة الأولى دليل على ذلك، فالله يديم توفيقه وتسديده ويطيل بقاءه في صحة وعافية للنفع وخدمة العلم بهذه الروح العالية والهمة الصادقة، إنه تعالى سميع مجيب.
توفي ﵀ ليلة الجمعة لست وعشرين خلون من شهر محرّم سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة بمدينة الدار البيضاء.
• موقفه من المبتدعة:
له رسالة الفتاوى أبدى فيها مؤلفها نصاعة المنهاج الذي يجب على المسلمين أن يسيروا عليه، ألا وهو التمسك بالدليل مع الاسترشاد بفهم
стр. 4781
السلف ﵏. (١)
- قال المذكوري في مقدمة فتاواه: وقد سلكت في ذلك سلوك الاستدلال بكتاب الله تعالى، وبحديث رسول الله ﷺ ، ثم بكلام الفقهاء بعد ذلك، بعد مقابلته بالأصول المبني عليها، إذ من المعلوم المقرر من أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ أن ما كان عليه هو وأصحابه ﵃، هو هذان الأصلان الأولان للتشريع الإسلامي، فكيف يمكن إذن للمسلم أن يدع هذين الأصلين الصحيحين إلى أقوال البشر المعرضة للخطإ، وكيف يمكن لأهل العلم أن ينفر بعضهم ممن يدعو إلى العمل بكتاب الله الكريم وبالسنة المطهرة ويسلك السبيل الذي أراده بعض الإخوان من الفقهاء حيث انتقدوا هذا السلوك الذي يخالف رغبتهم في التقيّد بالتقليد الأعمى المحرّم كتاباً وسنة، وطالما أقنعناهم بأن يراجعوا الأصول التي بنى عليها الفقهاء الكبار رحمة الله عليهم مذاهبهم، فإن وجدوا الفروع موافقة لأصولها فذاك، وإلا فالرجوع إلى الأصل والصواب أفضل من التمادي على الباطل، ولكنهم لم يقتنعوا بحجة ذلك التقليد، ويزداد العجب عندما نجد أن بعض الإخوان لازالوا يسيرون في نفس هذا الاتجاه ولو كان مخالفاً للمصدرين المذكورين أو لأحدهما حتى صار الناس فرقاً مختلفة متناحرين، مع أن دستورهم الخالد هو كتاب الله القائل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
стр. 4782
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١)، والقائل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ (٢)، والقائل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٣) الآية، كما أن حديث رسولهم ﷺ واحد، وهو المبيّن لكتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
إلى أن قال: ولذلك فإننا ندعو على سبيل الذكرى التي تنفع المؤمنين جميع إخواننا المسلمين إلى مراجعة ما هم عليه من هذا التقليد بحيث يعرضون أعمالهم وسلوكهم على كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وعلى حديث رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وعلى ما استخرجه السادات العلماء ﵏ من ذلك.
стр. 4783
ومن أجل هذا وشبهه، اقترح علينا بعض إخواننا من أهل العلم وبعض المنتسبين للسنة المطهرة والعاملين بها من الطلبة وغيرهم، طبع هاته الأجوبة عسى أن يسترشد بها أصحاب العقول النيرة ويهتدي بها من هم في حيرة والتباس فأسعفت طلبهم رجاء ثواب الله تعالى. (١)
- وقال ﵀ ناصحاً الدعاة إلى الله: ومما ينبغي له أيضاً، بل يجب، هو اهتمامه بمسألة العقيدة، فهي أهم كل شيء، ولاسيما وقد انهارت من قلوب الكثير من الناس كما وقع لبعض الشباب الصاعد بسبب أنه لم يدرسها أصلاً أو درسها دراسة غير كافية أو منحرفة، أو كما وقع لبعض الشباب البريء، وكثير من الشيوخ والنساء والكهول، حيث يعتقدون اعتقادات ضالة لا يقرها ديننا الحنيف، ومن أجل هذه العقيدة، بعث الله الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، إلى أقوامهم ليعبدوا الله مخلصين له الدين، صارخين فيهم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكلنا نعلم ما وصلت إليه عقيدة الشعوب من عبادة القبور والقباب، مما تضيق من ذكره الصدور، ومن أعجب ما يستغرب، أن هذا القرآن الكريم، وإن كان مرّ على نزوله أربعة عشر قرناً، وهو يقرأ في كلّ وقت وحين، مندّداً ببطلان علة عابد الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢) قلت: ومع تكرارها بالألسنة، وعلى الآذان والعقول والأفهام، لازال عباد القبور
стр. 4784
والقباب، يتعللون بتلك العلة، فقد امتزجت بقلوبهم وعقولهم، ولذلك فاستئصالها من عقولهم أمر عسير، يحتاج إلى عناء كبير وحكمة وتبصّر، وخبرة باقتلاع جذورها من صدورهم، إذ ليست مرضاً كالأمراض العاديّة التي تعالج بالحبوب أو السوائل أو المسكنات، بل تحتاج إلى عملية جراحية، وأطباء ماهرين في اقتلاع ذلك بحكمة وأناة وصبر، وأنتم أيها العلماء والمرشدون وأمثالكم، هم الصالحون لإزالة ذلك المرض، فهيئوا لذلك نفوسكم، وسووا لها صفوفكم ووحدوا خطتكم ومعكم الله ورسوله والمؤمنون، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (١)، ومما ينبغي له كذلك، أن يقتصر على موضوع واحد بحيث يستحضر عناصره وأصوله، ويحلله تحليلاً سهلاً مبسطاً مع ضرب الأمثال ما استطاع، بحيث يتحدث إلى القلوب، فتنجذب إليه قبل الآذان، وأن يتجنب الألفاظ القاسية الشديدة التي ينفر منها الطبع ولا يستلذها الإحساس والسمع، فصاحبها كالطبيب اللبيب يستعمل لمريضه الدواء المر واللسان الحلو، ومما ينبغي له الاقتصار على الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، وما أكثرهما ولله الحمد، ففيهما كل كفاية، وذلك مخافة أن تحدثهم بالحديث الضعيف، فيسألوا غيرك، وما أكثر هذا الصنف من الناس، فإذا ما أخبرهم بضعفه، فإن هذا الضعف يشملك أنت أيضاً فيصير الكلّ ضعيفاً فترتفع الثقة منك وعدم الاطمئنان إليك، فحذار
стр. 4785
حذار. (١)
وقال ﵀ بعد ذكر قول الأئمة في نبذ التقليد: فهذه أقوالهم وأفعالهم، وهم قادة الأمة وسادتها، فليتأمل المتأمل المنصف ذلك وليقس عليه أفعال الناس اليوم وأقوالهم من ملازمتهم لهذا التقليد الأعمى حتى ولو خالف الكتاب والسنة، وهذا الشيء عشناه وشاهدناه، ولم نجد أيام دراستنا إلا مثل هذا التقليد، إلى أن قيّض الله تعالى لهذا الشعب المغربيّ النبيل أحد أبنائه البررة الإمام شيخنا وشيخ الإسلام المحدث الحافظ، أبا شعيب الدكالي ﵀ وجزاه خير ما يجازي به كل مصلح، فقد كانت دروسه برداً وسلاماً على قلوب المنتبهين والحائرين وجحيماً على المقلدين الجامدين، حيث حمل على البدعة والتقليد، وندّد بأصحابهما أيما تنديد، فانبثقت من درسه عدة دروس، اشتاقت لسماعها الكثير من النفوس، وخفقت أعلام السنة في المدن والبوادي وغنّى لها كل من الرائح والغادي، وأدبرت فلول البدعة تتعثر في أثواب الخجل والوجل، وتمت كلمة الله ، فله على هذا الشعب الفضل العظيم، وسيلقى جزاء ذلك عند الله الغفور الرحيم، فزالت بذلك عن كثير من القلوب الغباوة، وعن أعين الكثير الغشاوة، فالواجب على من بيدهم مقاليد أمور المسلمين أن يسعوا لجمع كل من فيه أهلية المجتهد أو حتى نصف المجتهد على القول به، لينظروا أو يسيروا في هذا الطريق السويّ بدافع الضرورة، أو لما حدث ويحدث في جميع بلاد الإسلام من وقائع
стр. 4786
ومستحدثات. (١)
وقال في تقريظه لرسالة ابن تاويت التطواني حول البناء على القبور والصلاة إليها: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. أما بعد:
فقد راجعت ما كتبه وحرره فضيلة الفقيه العلامة أحمد بن محمد بن تاويت التطواني في رسالته المسماة 'إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا'؛ رادا فيها على من أجاز ذلك معتمدا على قول الشيخ خليل والمدونة أولا، وسكوت علماء فاس على تنبيه الناس على صحة صلاتهم بضريح المولى إدريس وغيره ثانيا.
ولقد أجاد حفظه الله وأتى بالنصوص المستمدة من الينبوع الصافي السلسبيل؛ كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بما يشفي الغليل ويبرئ العليل.
وأسمع لو نادى حيا ... ولكن لا حياة لمن يُنادي
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ (٢) إذ التقليد الأعمى سرى في أمزجتهم وعقولهم، وامتزج بدمهم ولحمهم، فلا تنفع فيهم أدلة الكتاب الكريم ولا سنة رسوله، ولا أقوال وأفعال الخلفاء الراشدين، ولا العشرة المبشرين بالجنة، ولا سائر الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون بشهادته ﷺ .
هذا، وإنني كنت سئلت عن مثل ما جاء في الرسالة المذكورة من بعض
стр. 4787
النواحي، فأجبت بمثل ما أتى في هاته الرسالة، كما أنني كنت أقرر ذلك غير ما مرة سواء في الدروس أو في المجتمعات. ومع ذلك لا زالوا نائمين وعن التذركة معرضين، ثم إنه كيف يعقل أن يترك كلام رسول الله ﷺ المعصوم من الخطإ؛ وفعله وتقريره إلى قول فلان وسكوت فلان وفلان؟ وهل يتصور أن يرجح سكوت العلماء، ويرمى بما نطق به هذا الرسول الكريم وطبقه في أقواله وأفعاله، ويضرب بذلك كله عرض الحائط؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (١).
ثم هل هذا منهم يعد عنادا وتحديا لكلام الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وفي قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث؟ فإن كان الأمر كذلك فإني أخشى عليهم من قول الله تعالى كما في سورة المجادلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ
стр. 4788
وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١) إلخ. وفيها أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ (٢) إلخ. وقد تكرر نهي الله تعالى في كثير من آيات كتابه عن التقليد. ففي سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (٣) وفي سورة المائدة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ (٤) وفي سورة لقمان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ (٥) وفي سورة الزخرف: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا
стр. 4789
وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ (١) إلى غير ذلك.
ونحن من جهتنا لا نحب أن نثير هنا الجدال والإكثار من قيل وقال. فالصبح واضح لكل ذي عينين، وإنما نقول لهم: ارجعوا إلى كتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ ، فهما الأصلان الأولان لهذا التشريع الإسلامي الحكيم؛ الصالح لكل زمان ومكان وشخص. إذ فيهما من الأسرار الإلهية ما هو كفيل بإسعاد البشرية، وفيهما ما بينه رسول الله ﵇، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٢) ومن جملة ما بينه شروط سائر العبادات؛ فمن أداها بشروطها فقد امتثل الأمر، ومن لم يطبقها فلا عبادة له؛ إذ من المعلوم أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. ففي الصلاة مثلا بينها بأقواله وطبقها بأفعاله وأكد ذلك قائلا: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣)، ومن جملة أقواله النهي عن الصلاة في المقابر كما وضحه صاحب الرسالة، وفي الصوم قال: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (٤)،
стр. 4790
وفي الحج: «خذو عني مناسككم» (١)، وأكد ذلك بفعله إلخ.
والله تعالى لما كرر المحافظة على الصلاة فقال في سورة البقرة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) إلخ. وفي الأنعام: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ (٣) وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ (٤) وإني لأتعجب كثيرا لهذا المصلي المسكين الذي يتعب نفسه في استعمال الطهارة، وفي خروجه إلى الصلوات ولكن يوقعها وهو مخالف لأوامر ربه في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) ومخالف لنهي نبيه كما جاء في أحاديث تلك الرسالة.
هذه نصيحتنا لإخواننا المسلمين، إذ نحن ملزمون بأدائها عملا بقوله ﷺ : «الدين النصيحة» (٦) وعملا بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٧)
стр. 4791
ونحن نرجو الله تعالى أن لا نكون نحن ولا هم من الخاسرين. هذا ما يتعلق بالصلاة على القبور قدمتها لأهميتها. أما البناء على القبور سنقول فيه ما قلنا في شأن الصلاة، إذ كل ذلك مخالف للشرع، كما قاله وبينه رسول الله ﷺ وكما هو مبين كذلك في الرسالة المشار إليها، فلا داعي للتطويل بجلب الأولى على ذلك، والاستدلال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (١).
كما له فتاوى في بدعية رفع الصوت وراء الجنائز، وبدعية قراءة القرآن جماعة وغيرها.
موقفه من المشركين:
- له ﵀ 'التحريف والتدجيل في كتابي التوراة والإنجيل' بيّن فيه ما وقع من التحريف في التوراة والإنجيل وأنهما لم يبقيا على أصلهما الصحيح. وهذا الأمر أوضح من أين يذكر، فإن الله جلّ وعلا قد ذكره في كتابه، ومع ذلك نجد من يشكّ أو يشكّك في ذلك، فيدعو الناس إلى التقارب المزعوم بين الأديان السماوية، وكأنها لا زالت على ما كانت عليه، فلينتبه العاقل لهذا!.
موقفه من الصوفية:
قال: أما ما ذكره السائل من ذلك الرقص الفظيع والتلفظ بقولهم: "هي الله" فذاك شيء شنيع، فتبّاً له من تعبير، وتعالى الله عن فحش ذلك الضمير، أفلا يخشى الإنسان من هذا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا
стр. 4792
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ (١)، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَن مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَن اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ (٢) إلخ.
فكيف إذاً يحصل الخشوع الذي يظنه السائل، وهم على الحالة الموصوفة، بل ذلك شيء آخر أصون القلم عن تسطيره، وخير لهم كذلك أن يجتمعوا على ذكر الله تعالى، ولاسيما بالأذكار الواردة عن الرسول ﵇. (٣)
مبارك بن عبد المحسن بن باز (٤) (أواخر القرن الرابع عشر الهجري)
الشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز. ولد في بلدة الحلوة سنة ثلاث وثلاثمائة وألف، ونشأ فيها. قرأ على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف والشيخ حسن بن حسين آل الشيخ وغيرهم.
كان والده هو قاضي بلدة الحلوة، فلما توفي تولى القضاء بعده، ثم تقلب في قضاء عدة بلدان آخرها قضاء مقاطعة الشعيب. كان ﵀ أحد العلماء الذين بعثهم الإمام عبد العزيز بن سعود لمناظرة علماء مكة في مسائل
стр. 4793
التوحيد. توفي ﵀ في بلدة الحلوة في آخر القرن الرابع عشر الهجري.
موقفه من المشركين:
جاء في علماء نجد: ولما تولى الإمام عبد العزيز بن سعود على الحجاز عينه قاضيا في الطائف، وهو أحد وفد العلماء الذين بعثهم الإمام عبد العزيز ابن سعود ليناظروا علماء مكة في مسائل تتعلق بتحقيق التوحيد، وهذا قبل ولاية الإمام عبد العزيز بن سعود عليها، فاجتمعوا بهم وناظروهم، وظهر الحق بالجانب السعودي النجدي. (١)
محمد أسلم الباكستاني (حوالي ١٤٠٠ ه ـ)
الشيخ محمد أسلم عرفته طالبا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وكان ﵀ من الطلبة المحبين لمنهج السلف وتخرج من الجامعة الإسلامية، وذهب داعية إلى كندا، وكان مجتهدا في الدعوة إلى الله، ويعتبر أول من كتب عن جماعة التبليغ، وكان كتابه دراسة على جماعة التبليغ، تقدم به لنيل الإجازة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، وهو بعنوان 'جماعة التبليغ عقائدها وأفكارها ومشايخها'. وكان هذا الكتاب أصلا لكل كاتب على هذه الجماعة في بيان ضلالاتها وخرافاتها وعداوتها للمنهاج السلفي. وهو الذي اعتمده شيخنا الهلالي ﵀ في كتابه السراج المنير في تنبيه جماعة التبليغ على أخطائهم.
стр. 4794
مات ﵀ مقتولا في كندا على يد جماعة أثيمة عاملها الله بما تستحق.
موقفه من المبتدعة:
قال ﵀ في معرض رده على الديوبندي شيخ طائفة التبليغ: "استدلاله بالآية المحرفة": كل واحد يعرف الشيخ محمود حسن ديوبندي "يسمونه شيخ الهند" الذي كتب كتاب 'إيضاح الأدلة' ردا على عالم سلفي استدل على رد التقليد بآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (١). فقام الشيخ محمود حسن فرد على العالم المذكور، واستشهد بنفس الآية على ادعائه، لكن زاد فيها: ((وإلى أولي الأمر منكم)) زاعما أن هذا من الآية، مع أنه ليس من الآية. ثم قال: هذا هو السبب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ((وإلى أولي الأمر منكم .. )) والظاهر أن (أولي الأمر) في الآية غير الأنبياء، فانظر إلى الآية يتضح بها أن الأنبياء وأولي الأمر كلهم يجب اتباعهم. -ثم بدأ معترضا- أنك قد عرفت: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾، ولم تعرف إلى الآن أن القرآن الذي وجدت فيه هذه الآية [توجد فيه الآية] المذكورة التي استدللت بها، وليس بعجيب أن ترى التعارض بين الآيتين جهد
стр. 4795
عادتك، فنفتي بأن تكون إحداهما ناسخة والأخرى منسوخة. انتهى
ويثار السؤال على هذا الاستدلال بأن الآية الثانية التي زاد فيها الشيخ محمود حسن الديوبندي واستدل بها في أي جزء من القرآن وفي أي مصحف؟! وقد نشر الكتاب باسم الشيخ محمود حسن، والأغلب أنه نشر في قيد حياته وقرأه تلامذته من العلماء والمشايخ، ومن الديوبنديين وجماعة التبليغ، فهل وفق أحدهم أن يصلح هذه الهفوة "التحريف"؟. (١)
-وقال في ترجمة أحد شيوخ جماعة التبليغ -الشيخ محمد يوسف البنوري الحنفي الديوبندي الجشتي-: إنه من شيوخ جماعة التبليغ، وحكي عنه خرافات كثيرة من مكالمة الله ورسوله ﷺ ؛ ومن ذلك: أنه يؤيد ابن عربي الحاتمي القائل بوحدة الوجود، كما أنشد في كتاب الفتوحات المكية من شعره، بل من بعره:
العبد رب والرب عبد ... إن قلت عبد فذاك حق ... يا ليت شعري من المكلف ... أو قلت رب أنى يكلف
وقال فيه الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني في داليته المشهورة التي مدح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى:
وأكفر أهل الأرض من ظن أنه مسماه كل الكائنات بأسرها ... إله تعالى الله جل عن الند من الكلب والخنزير والفهد والقرد (٢)
стр. 4796
عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر (١) (١٤٠١ هـ)
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر بن محمد بن جاسر، ولد في شهر محرم سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف في بلد أشيقر، ونشأ بها وطلب العلم، فلازم الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ملازمة تامة دامت ست عشرة سنة، وقرأ عليه كتبا كثيرة في التوحيد والنحو والفقه والحديث والتفسير، كما أخذ عن الشيخ العالم محمد الطيب الأنصاري المدني. تولى القضاء بالمستعجلة بمكة سنة خمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم بالطائف ثم بالمدينة النبوية، فمكث بها سبع سنين، ثم صار رئيسا لمحكمة التمييز بالمنطقة الغربية وعضوا في مجلس القضاء.
توفي ﵀ سنة إحدى وأربعمائة وألف، وصلي عليه في المسجد الحرام بمكة المكرمة.
موقفه من الجهمية:
له: 'تنبيه النبيه والغبي فيما التبس على الشيخ المغربي'.
رد فيها على شيخ مغربي أنكر تكليم الله لموسى، وزعم أن جبريل ﵊ إنما أظهر لموسى كلام الله من اللوح المحفوظ. (٢)
стр. 4797
عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن حميد (١) (١٤٠٢ هـ)
الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حميد، من آل حسين بن عثمان. ولد في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، في بلدة معكال من الرياض، وكف بصره في طفولته، وطلب العلم، فأخذ عن مشايخ كبار أمثال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وغيرهم. عين قاضيا في الرياض، ثم نقل إلى قضاء مقاطعة سدير، ثم إلى مقاطعة قصيم، ثم عين رئيسا للرئاسة العامة للإشراف الديني على المسجد الحرام، ثم رئيسا لمجلس القضاء.
لازم الشيخ محمد بن إبراهيم ملازمة تامة، فأصبح من كبار علماء الإسلام، وكان ولاة الأمور يجلونه ويعظمونه لسعة علمه، حتى قال في حقه الملك عبد العزيز آل سعود: لو كنت جاعلا القضاء والإمارة جميعا في يد رجل واحد، لكان ذلك هو الشيخ عبد الله بن حميد.
قال الشيخ عبد الله البسام: شخصية سماحة الشيخ عبد الله تتميز بعدة صفات يصعب إجمالها، فإذا أردنا أن نعدد صفاته ومميزاته لاحتجنا لعدة مؤلفات فهو كبير في أشياء كثيرة، كبير في شخصيته وعلمه الغزير فهو يتميز عن الآخرين بعدة صفات وسمات تجعله مميزا عن غيره، فهو يتميز بالذكاء والدهاء والعقل الحكيم وقوة الرزانة وغير ذلك من الصفات العديدة التي كنت أدعو الله أن أحصل على أية صفة منها.
стр. 4798
كان ﵀ حاد الذكاء، جيد الفهم، واسع الاطلاع، ما زال خادما للعلم حتى توفي سنة اثنتين وأربعمائة وألف.
موقفه من المبتدعة:
له من الآثار السلفية:
١ - 'الدعوة إلى الجهاد في الكتاب والسنة'.
٢ - 'كمال الشريعة وشمولها لكل ما يحتاجه البشر'.
٣ - 'دفاع عن الإسلام'. (١) وغيرها.
جاء في علماء نجد خلال ثمانية قرون: رزقه الله بصيرة نافذة، يعرف الدعاة الحقيقيين الناصحين المخلصين، بحيث يميزهم من أهل التمويه والخداع، لا يمكن أن يُستغفل، فهو كيّس فطِن، يزوره الكثير من أهل العلم، وممن ينتسبون إلى جمعيات وأحزاب من الشرق والغرب، فيتعرف المصيبَ من غيره.
وكان يرى اتحاد المسلمين هو العلاج الوحيد لنصرة المسلمين، وأن الإسلام ليس فيه تحزب ولا تفرق، وهو بهذه النظرة البعيدة نال إعجاب المسلمين عامة، وثقة شعب المملكة خاصة.
وكان يحرص على توجيه الشباب ونصحهم بالتعقل والرزانة، فالشباب في الغالب تكون عندهم عجلة، وعدم تفكير في العواقب، مع حبهم للخير، وحرصهم على الدعوة إلى الله، فكان ﵀ يشجعهم، ولكنه ينصحهم بالتثبت والهدوء، وعدم العجلة، ويحذرهم من التهور، ويحثّهم على الاستقامة، والتأدب بآداب العلماء، وينصحهم بسلوك العلماء، وعلى ألا
стр. 4799
يأخذوا العلم إلا عن أهله المعروفين، وألا يأخذوه عن الجهال والأدعياء.
وكان ﵀ يكره الفتن، ويكره إثارتها، ويجعل قاعدة: "درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح" نصب عينيه. (١)
يوسف بن عبد المحسن أبا بطين (٢) (١٤٠٣ هـ)
الشيخ يوسف بن عبد المحسن بن إبراهيم بن عبد العزيز أبا بطين، ولد في الزبير سنة ستين وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ بها. أخذ عن والده الشيخ عبد المحسن أبا بطين والشيخ محمد بن سند وغيرهما. له مؤلفات تدل على تمكنه وسعة اطلاعه.
توفي ﵀ في بلده الزبير سنة ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة.
موقفه من الخوارج:
جاء في كتاب علماء نجد (٣): ألف كتابا بين فيه مذهب الخوارج، وفساد عقيدتهم ورد عليهم رد العالم المتمكن، وقد طبع الكتاب وحصلت منه الفائدة.
أحمد الخريصي (بعد ١٤٠٣ ه ـ)
تخرج من كلية القرويين قديما، ومن دار الحديث الحسنية بالرباط، وكان أستاذا بالمعهد العلمي بمكناس، وانخرط في سلك العدلية، واشتغل لمدة
стр. 4800
سنتين مدرسا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ابتداء من إحدى وأربعمائة وألف للهجرة.
موقفه من المبتدعة:
قال ﵀ متعقبا على ما كتبه أحمد بن المواز في مشروعية الاحتفال بالمولد: (الأعياد الشرعية اثنان لا ثالث لهما. وبالنسبة للنص الثاني:
١ - فقول أحمد بن المواز: "أن أول من احتفل بالمولد في المغرب أبو يعقوب المريني"، يرد بأن قرار أبي يعقوب المريني لا يضفي صفة المشروعية على الاحتفال بالمولد النبوي، إذ الاحتفال ليس بمصلحة دنيوية تدخل في نطاق الدليل المرسل الملائم لتصرفات الشرع، بحيث يصح لولي الأمر البت فيه، وإنما هو عبادة يرجع في شأنها إلى التوقيف فلا عبادة إلا على أساس نص.
٢ - وقوله: " .. وإلحاقه بأعياد المسلمين .. " صريح في أن الاحتفال بالمولد النبوي تقرر بصفة رسمية عيدا ثالثا من أعياد المسلمين.
وهذا هو المعروف بمغربنا الأقصى إلى -الآن- يحتفلون بثلاثة أعياد: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد المولد النبوي يوم ١٢ من ربيع الأول. وهذا هو المعتقد لدى عامة الناس بما فيهم سلطة حاكمة وعلماء إلا الأقل من القليل يعرفه بدعة، ولكن لايستطيع أن يجهر بالحق لأنه مقيد بدافع من الدوافع مما أشار إليها الشوكاني أعلاه ..
إن اعتقاد اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كعيد ثالث؛ اعتقاد خاطئ لايستند إلى دليل، بل يعتبر اتخاذا لشرع لم يأذن به الله من تخصيص زمان بما