← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر (١) (١٤٠١ هـ) الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر بن محمد بن جاسر، ولد في شهر محرم سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف في بلد أشيقر، ونشأ بها وطلب العلم، فلازم الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ملازمة تامة دامت ست عشرة سنة، وقرأ عليه كتبا كثيرة في التوحيد والنحو والفقه والحديث والتفسير، كما أخذ عن الشيخ العالم محمد الطيب الأنصاري المدني. تولى القضاء بالمستعجلة بمكة سنة خمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم بالطائف ثم بالمدينة النبوية، فمكث بها سبع سنين، ثم صار رئيسا لمحكمة التمييز بالمنطقة الغربية وعضوا في مجلس القضاء. توفي ﵀ سنة إحدى وأربعمائة وألف، وصلي عليه في المسجد الحرام بمكة المكرمة. موقفه من الجهمية: له: 'تنبيه النبيه والغبي فيما التبس على الشيخ المغربي'. رد فيها على شيخ مغربي أنكر تكليم الله لموسى، وزعم أن جبريل ﵊ إنما أظهر لموسى كلام الله من اللوح المحفوظ. (٢)

стр. 4797

عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن حميد (١) (١٤٠٢ هـ) الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حميد، من آل حسين بن عثمان. ولد في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، في بلدة معكال من الرياض، وكف بصره في طفولته، وطلب العلم، فأخذ عن مشايخ كبار أمثال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وغيرهم. عين قاضيا في الرياض، ثم نقل إلى قضاء مقاطعة سدير، ثم إلى مقاطعة قصيم، ثم عين رئيسا للرئاسة العامة للإشراف الديني على المسجد الحرام، ثم رئيسا لمجلس القضاء. لازم الشيخ محمد بن إبراهيم ملازمة تامة، فأصبح من كبار علماء الإسلام، وكان ولاة الأمور يجلونه ويعظمونه لسعة علمه، حتى قال في حقه الملك عبد العزيز آل سعود: لو كنت جاعلا القضاء والإمارة جميعا في يد رجل واحد، لكان ذلك هو الشيخ عبد الله بن حميد. قال الشيخ عبد الله البسام: شخصية سماحة الشيخ عبد الله تتميز بعدة صفات يصعب إجمالها، فإذا أردنا أن نعدد صفاته ومميزاته لاحتجنا لعدة مؤلفات فهو كبير في أشياء كثيرة، كبير في شخصيته وعلمه الغزير فهو يتميز عن الآخرين بعدة صفات وسمات تجعله مميزا عن غيره، فهو يتميز بالذكاء والدهاء والعقل الحكيم وقوة الرزانة وغير ذلك من الصفات العديدة التي كنت أدعو الله أن أحصل على أية صفة منها.

стр. 4798

كان ﵀ حاد الذكاء، جيد الفهم، واسع الاطلاع، ما زال خادما للعلم حتى توفي سنة اثنتين وأربعمائة وألف. موقفه من المبتدعة: له من الآثار السلفية: ١ - 'الدعوة إلى الجهاد في الكتاب والسنة'. ٢ - 'كمال الشريعة وشمولها لكل ما يحتاجه البشر'. ٣ - 'دفاع عن الإسلام'. (١) وغيرها. جاء في علماء نجد خلال ثمانية قرون: رزقه الله بصيرة نافذة، يعرف الدعاة الحقيقيين الناصحين المخلصين، بحيث يميزهم من أهل التمويه والخداع، لا يمكن أن يُستغفل، فهو كيّس فطِن، يزوره الكثير من أهل العلم، وممن ينتسبون إلى جمعيات وأحزاب من الشرق والغرب، فيتعرف المصيبَ من غيره. وكان يرى اتحاد المسلمين هو العلاج الوحيد لنصرة المسلمين، وأن الإسلام ليس فيه تحزب ولا تفرق، وهو بهذه النظرة البعيدة نال إعجاب المسلمين عامة، وثقة شعب المملكة خاصة. وكان يحرص على توجيه الشباب ونصحهم بالتعقل والرزانة، فالشباب في الغالب تكون عندهم عجلة، وعدم تفكير في العواقب، مع حبهم للخير، وحرصهم على الدعوة إلى الله، فكان ﵀ يشجعهم، ولكنه ينصحهم بالتثبت والهدوء، وعدم العجلة، ويحذرهم من التهور، ويحثّهم على الاستقامة، والتأدب بآداب العلماء، وينصحهم بسلوك العلماء، وعلى ألا

стр. 4799

يأخذوا العلم إلا عن أهله المعروفين، وألا يأخذوه عن الجهال والأدعياء. وكان ﵀ يكره الفتن، ويكره إثارتها، ويجعل قاعدة: "درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح" نصب عينيه. (١) يوسف بن عبد المحسن أبا بطين (٢) (١٤٠٣ هـ) الشيخ يوسف بن عبد المحسن بن إبراهيم بن عبد العزيز أبا بطين، ولد في الزبير سنة ستين وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ بها. أخذ عن والده الشيخ عبد المحسن أبا بطين والشيخ محمد بن سند وغيرهما. له مؤلفات تدل على تمكنه وسعة اطلاعه. توفي ﵀ في بلده الزبير سنة ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة. موقفه من الخوارج: جاء في كتاب علماء نجد (٣): ألف كتابا بين فيه مذهب الخوارج، وفساد عقيدتهم ورد عليهم رد العالم المتمكن، وقد طبع الكتاب وحصلت منه الفائدة. أحمد الخريصي (بعد ١٤٠٣ ه ـ) تخرج من كلية القرويين قديما، ومن دار الحديث الحسنية بالرباط، وكان أستاذا بالمعهد العلمي بمكناس، وانخرط في سلك العدلية، واشتغل لمدة

стр. 4800

سنتين مدرسا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ابتداء من إحدى وأربعمائة وألف للهجرة. موقفه من المبتدعة: قال ﵀ متعقبا على ما كتبه أحمد بن المواز في مشروعية الاحتفال بالمولد: (الأعياد الشرعية اثنان لا ثالث لهما. وبالنسبة للنص الثاني: ١ - فقول أحمد بن المواز: "أن أول من احتفل بالمولد في المغرب أبو يعقوب المريني"، يرد بأن قرار أبي يعقوب المريني لا يضفي صفة المشروعية على الاحتفال بالمولد النبوي، إذ الاحتفال ليس بمصلحة دنيوية تدخل في نطاق الدليل المرسل الملائم لتصرفات الشرع، بحيث يصح لولي الأمر البت فيه، وإنما هو عبادة يرجع في شأنها إلى التوقيف فلا عبادة إلا على أساس نص. ٢ - وقوله: " .. وإلحاقه بأعياد المسلمين .. " صريح في أن الاحتفال بالمولد النبوي تقرر بصفة رسمية عيدا ثالثا من أعياد المسلمين. وهذا هو المعروف بمغربنا الأقصى إلى -الآن- يحتفلون بثلاثة أعياد: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد المولد النبوي يوم ١٢ من ربيع الأول. وهذا هو المعتقد لدى عامة الناس بما فيهم سلطة حاكمة وعلماء إلا الأقل من القليل يعرفه بدعة، ولكن لايستطيع أن يجهر بالحق لأنه مقيد بدافع من الدوافع مما أشار إليها الشوكاني أعلاه .. إن اعتقاد اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كعيد ثالث؛ اعتقاد خاطئ لايستند إلى دليل، بل يعتبر اتخاذا لشرع لم يأذن به الله من تخصيص زمان بما

стр. 4801

لم يخصه به الله، الشيء الذي يؤدي إلى وقوع ما وقع فيه أهل الكتاب .. على أن النص على حصر الأعياد الشرعية في عيدين واضح لا يقبل التأويل، فقد ورد عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبان فيهما فقال: «أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح (١). إن الأعياد -كما قلنا أعلاه- شريعة من الشرائع يجب فيها الاتباع لا الابتداع، وما أكثر الأحداث، والوقائع والعهود والانتصارات التي مرت بين يدي رسول الله ﷺ خلال إبلاغه الدعوة إلى الناس، وهي مذكورة في سيره ومغازيه ﷺ . مثل: غزوة بدر، وحنين، والخندق، وبيعة الرضوان، وفتح مكة، ووقت الهجرة ودخول المدينة .. إلى غير ذلك .. ولكنه ﷺ لم يأمر باتخاذ أيامها أعيادا، أو ذكريات، ولا فعلها خلفاؤه الراشدون، ولا الدول الإسلامية ذات القرون الثلاثة الأولى المفضلة ... وإنما يفعل مثل هذه الموالد النصارى، الذين يتخذون أيام أحداث عيسى ﵇ أعيادا .. حتى أصبحت كل الدول الإسلامية وبعض الأفراد من شعوبها في عصرنا الحاضر تقلد أوروبا المسيحية في إقامة الأعياد للموالد والوقائع والأحداث .. وفي هذا المعنى ورد الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم: أن

стр. 4802

النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله؟ اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (١). ٣ - وقوله: " ... وكان الاهتمام بذلك عند كثير من شيوخ التربية" بمقتضى أن المتصوفة هم الذين قرروا بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ وذلك لنفوذهم المعنوي على الجمهور .. ٤ - وقوله: " .. وكان عدد من الناس يحتفلون له في اليوم السابع من المولد لكونه يوم عقيقة مولانا رسول الله ﷺ كأهل القصر الكبير ومن وافقهم .. يقتضي أن الاحتفال بيوم ١٢ من ربيع الأول لم يكن متفقا عليه بالمغرب الأقصى .. فها نحن نرى سكان القصر الكبير الذي كان أحد معاقل المتصوفة، وبقية الجهات التابعة له كانوا يحتفلون باليوم السابع، أي يوم الثامن عشر من ربيع الأول، الأمر الذي يؤكد مدى استيلاء الجهل على الناس، مما جعلهم منقادين لأهوائهم، وإيحاءات شياطينهم .. (٢) - وقال داحضا شبهة تعلق بها أصحاب الاحتفال بالمولد:" غير أنهم أجابوا: أنهم قصدوا بـ "الاحتفال" التعبير عن محبة رسول الله ﷺ التي هي واجبة على كل مسلم؛ وجوبا مقدما على نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ..

стр. 4803

ورد بأن ما قصدوه خطأ، وأن محبة رسول الله ﷺ إنما هي في الاتباع لا في الابتداع، وأن الاتباع المطلوب شرعا هو اتباع أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ (١) وقال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). إن محبة رسول الله ﷺ لا تعبر عنها تلك المظاهر المزرية، التي تتجلى في المهرجانات التي تقام عادة بهذه المناسبة بين ساحات المدن والقرى الغاصة بحلقات أهل الفساد والبدع، والمتمثلة في قرع الطبول، ونفخ المزامير والأبواق، وشدخ الرؤوس، والضرب على الصدور والزعق، وشق الجيوب، والتشبه بالحيوانات الشاردة أو المفترسة من كل ما يفعله الجهلة الهمج. كما لا تعبر عنها تلك الاحتفالات التي تقام في الأضرحة وبعض الأربطة التي أسسها الطرقيون، كمساجد للضرار تضايق المساجد المؤسسة على تقوى من الله، فتتلى فيها المدائح، والتلاوات بأصوات رخيمة عذبة وترنمات يتبارى فيها المنشدون بألبستهم الفضفاضة، ومماويلهم وتقاطيعهم الموسيقية .. كلا .. لا يعبر عن محبة رسول الله ﷺ لا هذا ولا ذاك .. وإنما الذي يقرره

стр. 4804

المسلم الغيور هو القول: بأن تلك المظاهر محادة لله ورسوله، وضرب من الخلف في مقتضيات كتاب الله وما جاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه من محجة بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .. (١) - وقال: فنحن المسلمين اليوم أحوج ما كنا إلى إدراك العبرة من مولد الرسول ﵇ لكن لا في نطاق حب الرسول المزعوم الذي يكتسي مظهرا مزريا يتجلى في تلك المهرجانات التي تقام عادة بهذه المناسبة بين ساحات المدن والقرى الغاصة بحلقات أهل الفساد والبدع والضلالات والتي لو بعث الرسول لتبرأ من إسلامهم المزعوم، ولا في نطاق الاحتفالات التي تقام في الأضرحة وبعض الزوايا فتتلى فيه القصص والمدائح النبوية بأصوات رخيمة عذبة يترنح لها عشاق الطرب والتي لا تعدو في الواقع حد المتعة والسلوى. فهذه لايصح أن تكون تعبيرا عن حب الرسول إذ المسلم الذي لا يعيش الرسول في ضميره لا يغنيه أبدا أن يترنم بعدة قصائد في الأمداح النبوية أو يستمع إليها ليس ذاك هو إكنان حب الرسول الذي ينبغي أن ندرك مغزاه ... ولكن حب الرسول هو أسمى من تلك القشور، وترك اللباب المهجور، فإن حب الرسول في الرجوع إلى اللباب: إلى كتاب الله واتباع سنته والعمل بروح شريعته، إلى سلوك المرء في تقويم نفسه وإصلاح شأنه في عباداته وعاداته إلى جمع كلمة المسلمين من أقصى الشرق إلى المحيط، وإلغاء الحواجز

стр. 4805

المصطنعة بين المسلمين .. المؤمنون إخوة في كل قارة لا جنسية في الإسلام لا أقلية في الإسلام لا جالية في الإسلام المؤمنون كتلة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم .. موقفه من الصوفية: ألف ﵀ كتابه 'المتصوفة وبدعة الاحتفال بمولد النبي' تحدث فيه عن نشأة التصوف وتطورهم عبر التاريخ، وتسارعهم إلى البدع والمبتدعات، وإغراقهم في ذلك. - قال ﵀ ردّا على المتصوفة اختراعهم للمولد: إن من يفكر في أسباب هذه البدعة أو كيف لصقت بالمسلمين وأعاد بالذاكرة إلى الوراء مستعرضا عصور انحطاط المسلمين سوف لا يجد ذلك إلا من ابتكارات المتصوفة الذين دأبوا على إطلاق العنان لخيالاتهم في اختراع التوسلات والأذكار والتصليات، وإنشاء الأحزاب ودلائل الخيرات .. إلى غير ذلك من كل ما يشغل ويلهي عن كتاب الله تعالى، الأمر الذي يتعين معه القول: بأنه لا بلية أصابت المسلمين في عباداتهم وعقائدهم أخطر من بلية المتصوفة، إذ من بابهم دخلت على المسلمين تصورات ومفاهيم أجنبية غريبة، لا عهد لهم بها في ماضيهم النقي المجيد، ومن بابهم دخلت الوثنية، وبدعة إقامة الموالد ومواسم الأضرحة والمهرجانات على عقائد المسلمين مما سنقف على نماذج منها إن شاء الله تعالى. (١) - وقال: وقد يأخذك العجب، وتستغرب أشد الاستغراب، إذا قلت

стр. 4806

لك: إن المتصوفة إذا ما أعوزهم الدليل فإنهم لا يتورعون أن يدعموا احتجاجهم على تبني الفكرة ولو بالرواية عن إبليس اللعين. ولكن يزول استغرابك وتواجهك الحقيقة المرة، إذا أوقفتك على النص، خاصة وقد رواه زعيم متصوفة المتأخرين، ألا وهو أبو حامد الغزالي ﵀، وسجله في كتابه 'إحياء علوم الدين'. فقد نص في كتاب العلم من إحياء علوم الدين تحت عنوان: (الباب السادس في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء) على ما يلي: "وحكي عن إبليس لعنه الله أنه بث جنوده في وقت الصحابة ﵃، فرجعوا إليه محسورين، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ما رأينا مثل هؤلاء، ما نصيب منهم شيئا، وقد أتعبونا، فقال: إنكم لا تقدرون عليهم، قد صحبوا نبيهم، وشهدوا تنزيل ربهم، ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم، فلما جاء التابعون بث جنوده فرجعوا إليه منكسين، فقالوا: ما رأينا أعجب من هؤلاء نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الذنوب، فإذا كان آخر النهار أخذوا في الاستغفار، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، فقال: إنكم لن تنالوا من هؤلاء لصحة توحيدهم، واتباعهم لسنة نبيهم، ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر أعينكم بهم تلعبون بهم وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم، لم يستغفروا فيغفر لهم، ولا يتوبون، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، قال: فجاء بعد القرن الأول فبث فيهم الأهواء، وزين لهم البدع، فاستحلوها، واتخذوها دينا لا يستغفرون الله منها، ولا يتوبون عنها، فسلط الله عليهم الأعداء، وقادوهم حيث شاءوا".

стр. 4807

إن أبا حامد الغزالي -وكان ذكي الفؤاد- عندما وقع في المصيدة وأصبح مستهدفا للنقد اللاذع الذي استوجبه فقدان السند عن إبليس اللعين حاول التخلص بالجواب الآتي، ولكنه جواب بارد لا تسخنه إلا حرارة النقد كما يقول لدى مناقشته لمذهب الروافض وعقائدهم الباطلة: "في كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف" ولنصغي إليه، وهو يتساءل ويجيب في العبارات التالية: "فإن قلت: من أين عرف قائل هذا ما قاله إبليس وهو لم يشاهد إبليس، ولا اجتمع به، ولا حدثه بذلك؟. فاعلم: أن أرباب القلوب يكاشفون بأسرار الملكوت، تارة على سبيل الإلهام: بأن يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون، وتارة على سبيل الرؤيا الصادقة، وتارة في اليقظة، وعلى سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة، كما يكون في المنام، وهذا على درجات، وهي من درجات النبوة العالية، كما أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. فإياك أن يكون حظك من هذا العلم إنكار ما جاوز حد قصورك، ففيه هلك المتحذلقون من العلماء الزاعمون أنهم أحاطوا بعلوم العقول فالجهل خير من عقل يدعو إلى إنكار مثل هذه الأمور لأولياء الله تعالى (ومن أنكر ذلك للأولياء لزمه إنكار الأنبياء، وكان خارجا عن الدين بالكلية). (١) ثم استرسل الخريصي ﵀ يرد هذا الهراء.

стр. 4808

أبو عبد الله محمد أعظم بن فضل الدين الجوندلوي (١) (١٤٠٥ هـ) الشيخ العلامة محمد أعظم بن فضل الدين، أبو عبد الله الجوندلوي، ولد في قرية "جوندلانوالا" بباكستان يوم الخميس في رمضان سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف. حفظ القرآن الكريم في صباه، ودرس على عدد من الشيوخ كالشيخ عبد الجبار الغزنوي والشيخ محمد حسين الهزاروي والشيخ عبد المنان ابن شرف الدين الوزير آبادي وغيرهم. اعتنى ﵀ بصحيح البخاري عناية كبيرة، حيث درسه أكثر من خمسين مرة، وكان شديد التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية. وله تلاميذ كثيرون أخذوا عنه واستفادوا منه كالعلامة عبيد الله المباركفوري والشيخ محمد عطاء الله حنيف والحافظ عبد الله الفيروز فوري والشيخ أبي البركات أحمد المدراسي وغيرهم كثير. وله مؤلفات تدل على علو كعبه في العلوم. توفي ﵀ في الرابع عشر من رمضان لعام خمسة وأربعمائة وألف للهجرة وله تسعون سنة. موقفه من المبتدعة: هذا الشيخ من القطر الهندي الذي أشرقت فيه شمس السنة يوم أن كان العالم الإسلامي يعيش في ظلام التقليد والجهل، وكان لهذا القطر من رجال حفظ الله بهم السنة النبوية والتراث النبوي، وقد استوفى ذكرهم في مؤلف خاص الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، سماه 'جهود أهل

стр. 4809

الحديث في الهند' والكتاب مطبوع، وسأقتصر على نماذج منهم ممن عرفته اهتم كثيرا بالعقيدة السلفية، فهذا المعنون له منهم. قال عبد الرحمن بن عبد الجبار في مسودة له في هذا الشيخ: كان الشيخ سلفي المنهج والاعتقاد، على طريق أهل السنة والحديث، وكان شديد التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية كما يرى من مصنفاته. وقال في موضع آخر: واشتغل في هذه الرحلة بكتب الجهابذة المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الرشيد ابن القيم. ثم ذكر من آثاره العقائدية: ١ - 'رسالة في ختم النبوة' رد فيها على القاديانية. ٢ - 'إثبات التوحيد' رد فيه على مؤلف لأحد النصارى اسمه إثبات التثليت. ٣ - 'تحفة الإخوان في الكلام والعقائد'. ٤ - 'رسالة في رد حسن القصد في عمل المولد للسيوطي'. ٥ - 'رسالة في الرد على منكري الحديث'. ٦ - 'كتاب في الرد على النصرانية'. ٧ - 'الإصلاح في الرد على أهل البدع'. ٨ - 'زبدة البيان في تنقيح حقيقة الإيمان وتحقيق زيادته والنقصان'.

стр. 4810

تقي الدين الهلالي (١) (١٤٠٦ هـ) شيخنا الإمام محمد تقي الدين الهلالي الحسني السجلماسي، الداعية إلى التوحيد، الناشر للسنة، نفع الله بدعوته أهل المشرق والمغرب. ولد سنة إحدى عشر وثلاثمائة وألف بالفيضة القديمة وتسمى "الفرخ" من أرض سجلماسة المعروفة بتافيلالت من بلاد المغرب. قرأ القرآن على جده ووالده، فحفظه وهو ابن اثنتي عشرة سنة. رحل طالبا للعلم إلى كل من القاهرة والهند والعراق ثم إلى المملكة العربية السعودية، حيث عين مراقبا للمدرسين مدة سنتين، ثم مدرسا في المسجد الحرام والمعهد السعودي لمدة سنة. وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف هجرية حصل على رسالة الدكتوراه في ترجمة 'مقدمة كتاب الجماهير في الجواهر' للبيروني، مع التعليق عليها. وفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة توجه الشيخ إلى الحج، فالتقى بالعلامة عبد العزيز بن باز، فعين أستاذا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وبقي فيها إلى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة. كان لدعوته المباركة الأثر الكبير في الهند، وفي العراق، وفي أوربا عموما، وأما المغرب فنور دعوته أشرق في كثير من مدن المغرب وقراه، ونحن -بحمد الله- من ثمرة دعوته. عرفته في صغر سني، وتتلمذت عليه، وقرأت عليه النحو والحديث واللغة والعقيدة والفقه. وكان فحلا لا يجارى، فشعره يحاكي الأقدمين، ولغته كأنه رضع العربية من ثدي أمه. وأما مواقفه الصادقة فتذكرنا بمواقف كبار أئمة السلف، وقد استمر في

стр. 4811

دعوته التي تتصف بالصدق والأمانة إلى أن لقي ربه سنة ست وأربعمائة وألف للهجرة، عليه رحمة الله. وقد ترك مؤلفات تدل على منهاجه القويم منها: 'سبيل الرشاد' و'حكم تارك الصلاة' و'الصبح السافر في حكم صلاة المسافر' و'الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق' وكتاب 'الدعوة إلى الله' و'القاضي العدل في حكم البناء على القبور' نشر في المنار لمحمد رشيد رضا، وغيرها كثير. موقفه من المبتدعة: موقفه من بدعة قراءة القرآن على الأموات: - قال محمد تقي الدين عقب حديث ابن عباس في القبرين اللذين مر عليهما النبي ﷺ وأخبر أنهما يعذبان (١): ولو كانت قراءة القرآن للأموات مشروعة ونافعة لقرأ النبي ﷺ شيئا من القرآن وجعل ثوابه لهما، ولاقتدى به أصحابه ففعلوا مثل ذلك. وقد كان النبي ﷺ يزور القبور كثيرا ولم يقرأ على أهلها شيئا من القرآن، مع أن قراءته لا حَدَّ لثوابها، بل كان يدعو لهم ويعلم أصحابه إذا رأوا القبور ذلك الدعاء (٢) كما يعلمهم السورة من القرآن، وقد تقدم لفظه. ومن الأدلة على أن قراءة القرآن وجعل ثوابها غير مشروعة، حديث أبي هريرة المتقدم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث من

стр. 4812

ولد صالح يدعو له» الحديث (١)، ولم يقل: يقرأ عليه القرآن أو ادعوا المتأكلين بالقرآن ويعطيهم أجرة ليقرؤوا ختمة من القرآن ويجعلوا ثوابها لوالده كما يفعل أهل هذا الزمان الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. (٢) - وقال: من عجائب ما يقع في المغرب وينسب إلى الإسلام، والإسلام بريء منه، شيء يسمونه الفدية وهو شائع عند الجهلة، يدعو أولياء الميت جماعة من البطالين المحتالين ليعملوا لهم "فدية" للميت تنقذه من العذاب وتجعله من أهل الجنة! فإذا كان قبره حفرة من النار ينقلب في الحين روضة من رياض الجنة، وذلك أن أولئك البطالين يذكرون لا إله إلا الله سبعين ألف مرة، يتقاسمون العدد فيما بينهم، كل واحد بضعة آلاف، فيطعمهم ذلك المسكين، ويعطي كل واحد منهم شيئا من الدراهم يأكلها سحتا، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ (٣).اهـ (٤) وله قصيدة في خمسة وتسعين بيتا في ذم من عارض القرآن والسنة:

стр. 4813

منها: ومن يَقْل سنات الرسول فإنه ... يعذب في الدنيا وفي فتنة القبر ويسأله فيه نكير ومنكر ... وما من جواب عنده غير لا أدري وذي سنة الجبار في كل من غدا ... يحارب دين الله في السر والجهر ألم تدر أن الله ناصر دينه ... وموقع أهل البغي في داره الخسر وكم قد سعى ساع لإطفاء نوره ... بكيد فرد الله كيده في النحر وتنصر إشراكا وفسقا وبدعة ... وناصر هذي خاسر أبد الدهر دعا المصطفى قدما عليه بلعنة ... ومن يلعن المختار فهو إلى شر وتلعنه الأملاك من فوق سبعة ... كذلك أهل الأرض في السهل والوعر ومنها: وما نحن إلا خادمون لسنة ... أتت عن نبي الله ذي الفتح والنصر وخادم سنات الرسول حياته ... كخادمها من بعد ما صار في القبر وما غاب إلا شخصه عن عيوننا ... وأنواره تبقى إلى الحشر والنشر فيا مبغضي هدي النبي ألا أبشروا ... بخزي على خزي وقهر على قهر سلكتم سبيلا قد قفاها أمامكم ... أبو جهل المقصوم في ملتقى بدر وعاقبة المتبوع حتم لتابع ... كما لزم الإحراق للقابض الجمر فإن أنتم كذبتم بوعيده ... فكم كذبت من قبلكم أمم الكفر فصب عليهم ربهم سوط نقمة ... فصاروا أحاديث المقيمين والسفر "فيارب هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم" إليك الأمر في العسرواليسر قلوا سنة المختار يبغون محوها ... وكادوا لها فاجعل لهم كيدهم يفرى

стр. 4814

هم استضعفونا اليوم من أجل أننا ... قليل وقد يعلو القليل إلى الكثر ولا سيما إن كان لله قائما ... وأعداؤه للبغي من جهلها تجري وإدراك إحدى الحسنيين محقق ... لمن يقتدي بالمصطفى من ذوي الحجر ومن ظن أن الله مخلف وعده ... وخاذل أنصار النبي بذا العصر فذاك غليظ الطبع أرعن جاهل ... عريض القفا بين الورى مظلم الفكر تكفل بالنصر العلي لحزبه ... حياتهم هذي وفي موقف الحشر ففي غافر قد جاء ذلك واضحا ... ولكنه يخفى على الفدم والغمر سلام على أنصار سنة أحمد ... فهم أولياء الله في كل ما دهر إليهم أجوب البر والبحر قاصدا ... فرؤيتهم تشفي السقيم من الضر هم حفظوا الدين الحنيف وناضلوا ... عن الحق بالبرهان والبيض والسمر هم خلفوا المختار في نشرسنة ... بفعل وأقوال تلألأ كالدر هم جردوا التوحيد من كل نزغة ... من الشرك والإلحاد والزيغ والنكر فلا قبة تبنى على قبر ميت ... ولم يعبدوا قبرا بذبح ولا نذر ولا بطواف أو بتقبيل تربة ... فذلك فعل المشركين ذوي الكفر ولا رحلوا يوما لغير ثلاثة ... مساجد خصت بالفضائل والأجر ولم يستغيثوا في الشدائد كلها ... بغير إله الناس ذي الخلق والأمر ومنها: ومن ظن تقليد الأئمة منجيا ... فأفتى بتقليد فيا له من غر كمنتحل عذرا ليغفر ذنبه ... أضاف له جرما تجدد بالعذر ألا إنما التقليد جهل وظلمة ... وطالبه خلو من العلم والخبر

стр. 4815

كطالب ورد بعدما شفه الظما ... جرى خلف آل لاح في مهمه قفر فإن قمت بالإفتاء أو كنت قاضيا ... فإياك والتقليد فهو الذي يزري وجرد سيوفا من براهين قد سمت ... عن الحدس والتخمين والسخف والهتر وطرفك سرح في الكتاب فإنه ... رياض حوت ما تشتهيه من الزهر ومن بعده فاعلق بسنة أحمد ... فأنوارها تسمو على الشمس والبدر ولا تحكمن بالرأي إلا ضرورة ... كما حلت الميتات أكلا لمضطر ومهما بدا أن القضاء على خطا ... أقيم فبادر للرجوع على الفور ومن يقض بالتقليد فهو على شفا ... كعشوا غدت في كافر حالك تسري ومن يفت بالتقليد فهو قد افترى ... وفي النحل نص جاء في غاية الزجر لعمرك ما التقليد للجهل شافيا ... وأما نصوص الوحي فهي التي تبري وصل وسلم يا إلهي على النبي ... صلاة تدوم الدهر طيبة النشر فدونكها بكرا عروبا خريدة ... مهفهفة غيدى عروسا من الشعر يضيء ظلام الليل نور جمالها ... وليس لها إلا القراءة من مهري قصدت بها نصرا لسنة أحمد ... وناصرها لا شك يظفر بالنصر وعدتها تسعون من بعد خمسة ... وأختمها بالحمد لله والشكر (١) موقفه من الصوفية: له من الآثار السلفية: 'الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية'. قال فيه ﵀: اعلم أن التيجانيين رووا عن شيخهم فضائل تحصل

стр. 4816

للمتعلقين به مصادمة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وزعموا أن الشيخ التجاني كتب تلك الفضائل بيده وسلمها إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يقرأها ويضمنها له فقرأها وضمنها له، وقع ذلك يقظة لا مناما انظر صفحة ٤٤ من الجزء الثاني من الرماح، وهذه الفضائل زعموا أن الله يعطيهم إياها بسبب تعلقهم بشيخهم، وسأسرد هنا هذه الفضائل وعددها تسع وثلاثون، أربع عشرة فضيلة تحصل لكل من اعتقد فيه الخير ولم يعترض على طريقه وكان محبا له ولأصحابه ولكل من أطعمه أو سقاه أو قضى له حاجة إذا استمر على محبته حتى الموت وإن لم يأخذ ورده ولم يصر من أصحاب طريقته وسائر الفضائل، وهي خمس وعشرون خاصة بمن أخذ الطريقة والتزم شروطها: الفضيلة الأولى: أن النبي ﷺ ضمن لهم أن يموتوا على الإيمان والإسلام. الفضيلة الثانية: أن يخفف الله عنهم سكرات الموت. الفضيلة الثالثة: لا يرون في قبورهم إلا ما يسرهم. الفضيلة الرابعة: أن يؤمنهم الله تعالى من جميع أنواع عذابه وتخويفه وجميع الشرور من الموت إلى المستقر في الجنة. الخامسة: أن يغفر الله لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر. السادسة: أن يؤدي الله تعالى عنهم جميع تبعاتهم ومظالمهم من خزائن فضله لا من حسناتهم. السابعة: أن لا يحاسبهم الله تعالى ولا يناقشهم ولا يسألهم عن القليل

стр. 4817

والكثير يوم القيامة. الثامنة: أن يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم القيامة. التاسعة: أن يجيزهم الله تعالى على الصراط أسرع من طرفة عين على كواهل الملائكة. العاشرة: أن يسقيهم الله تعالى من حوضه ﷺ يوم القيامة. الحادية عشرة: أن يدخلهم الله تعالى الجنة بغير حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى. الثانية عشرة: أن يجعلهم الله تعالى مستقرين في الجنة في عليين من جنة الفردوس وجنة عدن. الثالثة عشرة: أن النبي ﷺ يحب كل من كان محبا له. الرابعة عشرة: أن محبه لا يموت حتى يكون وليا، قال -أي أحمد التجاني-: قد أخبرني سيد الوجود ﷺ أن كل من أحبني فهو حبيب للنبي ﷺ ولا يموت حتى يكون وليا قطعا، وقال لي سيد الوجود ﷺ : أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين، وأنت حبيبي ومن أحبك حبيبي، وكل من أخذ وردك فهو محرر من النار، وقال: أبشروا أن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أي حالة كان، ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله وقال: وأما من كان محبا ولم يأخذ الورد فلا يخرج من الدنيا حتى يكون من الأولياء. ثم قلت في الرد على هذه الأباطيل في صفحة ٨٦ ما نصه:

стр. 4818

قال محمد تقي الدين: لم يستوف صاحب الرماح الفضائل التي وعد بذكرها؛ بل اقتصر على ذكر ثلاث وثلاثين، وفي ما ذكره من الطوام والضلالات ما لا يبقي شكا في أن هذه الطريقة على الحال الراهنة يستحيل أن تجتمع في قلب شخص واحد مع ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحنيف المبني على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وسنعقب عليها بالنقد والنقض حتى يتضح بطلانها وتنجلي ظلمتها، بحول الله وقوته وحسن توفيقه. اعلم أيها القارىء الموفق لمعرفة الحق واتباعه مع من كان وحيث كان أن ما ذكره صاحب الرماح من الفضائل بزعمه له ولإخوانه في الطريقة ولشيخهم بزعمهم مردود من وجوه بعضها إجمالي وبعضها تفصيلي، ولنبدأ بالإجمالي فنقول: كل ما نسبوه إلى النبي ﷺ من الأخبار هو من شر أقسام الموضوع المفترى وقد خاب من افترى، فإن الأمة بعلمائها وأئمتها من أبي بكر الصديق ﵁ إلى أن تقوم الساعة، أجمعت الأمة على أنه لا طريق لتلقي خبر من الأخبار عن النبي ﷺ إلا بالسماع والمشاهدة في حياته الدنيوية، أو بواسطة الثقات الأثبات بالسند المتصل، وما ذكروه من الأخبار ليس له سند أصلا وما زعموه من السماع كذب بإجماع الأئمة، ومن خرق إجماعهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم، وكان مشاقا للرسول ﷺ ومتبعا غير سبيل المؤمنين، ومن ذلك أن تلك الأخبار مناقضة لكتاب الله وللأخبار الصحيحة المروية بأسانيد كالشمس معلومة التواتر أو الصحة العالية، إذا قرأت ما تقدم من الرد تبين لك من خلاله فساد تلك الأخبار وبطلانها

стр. 4819

واضمحلالها. (١) موقفه من الجهمية: قال محمد تقي الدين: لقد من الله علي وأعانني على ختم هذا القسم، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وبمحبتنا واتباعنا لحبيبه وخليله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، أن يعينني على القسم الثالث، ويجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ولما كنت أنقل كلام الأئمة كنت أمر بأشعار في الرد على المقلدين وذم طريقتهم ومدح اتباع الكتاب والسنة، فرأيت أن أؤخرها وأجعلها خاتمة لهذا القسم يستمتع بها من حبب الله له الاتباع وكره إليه التقليد، وهذه هي وأول ما أبدأ به القصيدة المقصورة نظمتها في مصر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة (٢): تركت الطريق طريق الجفا ... وأقبلت أتبع المصطفى وسنته وكتاب الإله ... وأصحابه أنجم الاهتدا وأتباعهم أينما وجدوا ... سواء نأى عصرهم أم دنا سواء ذووالشرق أم غربنا ... وأهل الخيام وأهل القرى وليس يجوز بمذهبنا اتـ ... ـباع لغير فدع من هذى ولسنا نؤول لفظ الحديـ ... ـث والذكر إلا بما قد أتى فما هلك الناس إلا بما ... تؤوله زمرة الاعتدا فنحن على مذهب السابقيـ ... ـن من ﵃ علا

стр. 4820

ومن حاد عن نهجهم قد هوى ... سواء درى ذاك أم ما درى فخير الهدى هدى خير الورى ... وشر الأمور اتباع الهوى فلا تتصوف ولا تتكلف ... ولا تلج إلا لرب العلا ولا تدع من دونه أحدا ... فليس ولي سواه يرى أغير الإله أرى لي وليا ... إذا قد ضللت طريق الهدى أأتخذ الأولياء وربي ... بمحكم ذكره عنهم نهى ولو مرسلين ولو صالحين ... ولو طائرين بأوج السما ولا يعبد الله إلا بما ... أتى في شريعته وارتضى ومن زعم العلم غير الكتاب ... وغير الحديث الصحيح افترى ولا فضل في ديننا لأرسطو ... ولا لابن رشد ومن قد قفا فتوحيد ربي بمنزله ... غني عن المنطق المرتأى فإن أرسطو وأتباعه ... عدو لدين إله الورى وإن هم رأوا حكما أحكموها ... أخذنا بها في أمور الدنى ومهما وجدنا الحديث الصحيح ... عبدنا به من له المنتهى وليس له من وسيلة إلا ... علوم اصطلاح وعلم اللغى فعلم الكلام وبعض الأصول ... ظلام يجران كل العنا ولا نستغيث بغير الإله ... ومن يستغث بالعباد غوى ونعتقد الله سبحانه ... على عرشه ذي التعالي استوى ولسنا نؤول ذاك بقهر ... ولا غيره مثل من قد مضى وأن البخاري في كتبه ... قد أحسن للناس دون امترا

стр. 4821

عليها اعتكف ثم منها اقتطف ... تجد كل ما رمته من منى ومسلم لا تنس تأليفه ... فنعم الكتاب الوثيق العرى وإن خضت في غير دينك فاسلك ... بعلم غزير وإلا فلا ولا تعتبر كل كتب عليها ... فقد مزجوها بما يرتمى فجد وخذ زبد ما سطروا ... ودع ما تراه معيبا سدى وما قد يسمونه باطنا ... فباللام يقرأه من درى فإن الشريعة قد أكملت ... وقد بينت مثل شمس الضحى فما مات خير الورى أحمد ... إلى أن جلاها بغير خفا وما أحد من أهيل النفاق ... نجا فاصبر إن نلت منهم أذى ولا تبن في تربة قبة ... ومهما تراها فهدم البنا فقد عبدوها وما فطنوا ... ووافقهم علماء الشقا وقد ألفوا في عبادتها ... بدون احتشام بدون حيا لتدع الإله بما قد روى الثقات ... الهداة عن المجتبى وإن البخاري روى في الصحيح ... دعاء وذكرا به الاكتفا وحاذر من الشرك فهو بذا الز ... مان بكل النواحي فشا ولا قطب نعلمه غير نجم ... يرى في السماء وقطب الرحى ونحوهما لا الذي ذكروا ... يكون مقيما بغار حرا يمد الأنام ويجري الشؤو ... ن في الكون تالك أدهى الفرا فهل من كتاب وهل سنة ... أتت من صحيح الحديث بذا فخذ بالنصوص ولا تبتدع ... وفي عدم النص قس ما جلا

стр. 4822

وليس لنا مذهب لازم ... سوى مذهب المصطفى المرتضى عليه الصلاة وأزكى السلام ... سلاما يدوم بغير انتها ويشمل آلا وصحبا كراما ... ومن قد قفاهم بنهج الصفا موقفه من أهل الكلام: دع الكلام فما فيه سوى الخطل ... وانبذ مجالسه تحفظ من العلل فهو شر ابتداع جاء بالخلل ... وخل سمعك عن بلوى أخي جدل شغل اللبيب بها ضرب من الهوس الله يعلم كم قد سيق من ضرر ... للناس من أجله في البدو والحضر أقبح بها بدعة تدني إلى الشرر ... ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر ولا أتت عن أبي هر ولا أنس وكم دماء غدت في الناس مهرقة ... فهو الكلام بكسر ساء مخرقة فلا ترى فيه شمس الحق مشرقة ... إلا هوى وخصومات ملفقة ليست برطب إذا عدت ولا يبس داء كما جرب في الناس منتشر ... وكتبه بين أهل العلم تستطر ذر بدعة عند أهل الحق تحتقر ... فلا يغرك من أربابها هذر أجدى وجدك منها نغمة الجرس نأوا عن الحق بالأوهام وانطلقوا ... في مهمه بلقع ما فيه مرتفق وجادلوا بأباطيل بها مرقوا ... أعرهم أذنا صما إذا نطقوا وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس

стр. 4823

وأبعد عن الرأي بعدا يعدك الخطر ... فهو السحاب ولكن ما به مطر الرأي أغصان سدر ما بها ثمر ... ما العلم إلا كتاب الله أو أثر يجلو بنور سناه كل ملتبس (١) - قال ﵀: وفي الصحيح من حديث قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» (٢) وأخرجه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة بإسناد قوي عن ثابت عن أنس وفيه: «فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي ﵎ وهو على كرسيه أو سريره فأخر له ساجدا» وذكر الحديث. قال محمد تقي الدين: وهذا الحديث أيضا صريح في أن الله فوق عرشه، اللهم اشهد علينا بأننا آمنا به، فيا ويل من كذب به وأنكر معناه. (٣) - وقال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله إلا طيب- فإنه يتقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل» (٤) هذا حديث صحيح أخرجه البخاري. قال محمد تقي الدين: وماذا يقول الجهمي في هذا الحديث الذي

стр. 4824

يدل على صعود الصدقة إلى الله تعالى فيأخذها بيمينه أيؤمن به أم يكفر به؟ فإن آمن به فقد فاز وربح وإن كفر به فتعسا له. (١) - قال محمد تقي الدين: في هذا الحديث -يعني حديث الجارية (٢) - السؤال عن الله تعالى بـ (أين) ومنعه الخوارج وسائر الفرق المعطلة كالمعتزلة والمتأخرين من الأشعرية، وزعموا أن من سأل عن الله بأين فهو مجسم واختلفوا في كفره وفسقه ومعصيته، فيلزمهم نسبة ذلك إلى نبي الله الذي جاءنا بالإيمان، فقبح الله علما يفضي إلى مثل هذا، وفيه -إقرار النبي ﵊ بأن الله في السماء وأنكرته المعطلة واختلفوا في كفر معتقده، فيا ويلهم ماذا جنوا على أنفسهم بسبب جهلهم وعمى بصائرهم فنعوذ بالله من الخذلان. (٣) إحسان إلهي ظهير (٤) (١٤٠٧ هـ) إحسان إلهي ظهير من كبار علماء باكستان، ولد في "سيالكوت" عام ستين وثلاثمائة بعد الألف للهجرة. حفظ القرآن في التاسعة من عمره وأكمل دراسته في الجامعة السلفية بفيصل آباد، حصل على الليسانس في الشريعة من الجامعة الإسلامية في المدينة وكان ترتيبه الأول على طلبة الجامعة. ثم رجع

стр. 4825

إلى باكستان، وانتظم في جامعة البنجاب كلية الحقوق والعلوم السياسية، وعين في ذلك الوقت خطيبا في أكبر مساجد أهل الحديث بلاهور، وحصل على ست شهادات ما جستير في الشريعة، واللغة العربية، والفارسية والأردية والسياسة من جامعة البنجاب وكذلك حصل على شهادة الحقوق من كراتشي. وكان رئيسا لمجمع البحوث الإسلامية ورئيسا لتحرير مجلة (ترجمان الحديث) التابعة لجمعية أهل الحديث بلاهور في باكستان، وكذلك مديرا لتحرير مجلة أهل الحديث الأسبوعية. وفي الثالث والعشرين من شهر رجب سنة سبع وأربعمائة وألف كان الشيخ يلقي محاضرة بمقر جمعيته بمناسبة ندوة العلماء وكان أمامه مزهرية وضع بداخلها قنبلة موقوتة انفجرت فأصابت الشيخ بإصابات بليغة وقتلت سبعة من العلماء في الحال ومات اثنان آخران بعد مدة، وبقي الشيخ أربعة أيام في باكستان، ثم نقل إلى الرياض باقتراح من الشيخ ابن باز ﵀ وأدخل المستشفى العسكري لكن روحه فاضت إلى ربها في الأول من شعبان فنقل إلى المدينة ودفن بالبقيع بالقرب من الصحابة ﵃ الذين نذر حياته للدفاع عنهم وبيان فضائلهم. فرحمة الله عليه. موقفه من المبتدعة: - قال: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، نبي الهدى والرحمة وعلى آله وأصحابه الطاهرين البررة. وبعد، فإنه أشاع في هذا الزمان كلمة "الاتحاد والوحدة" كثير من دعاة الشقاق والفرقة، وكثر استعمالها حتى كاد ينخدع بها السذج من المسلمين الذين لا يعرفون ما

стр. 4826

وراءها من كيد ودس ودهاء. فالقاديانية عميلة الاستعمار الصليبي في القارة الهندية الباكستانية، وسمة العار على جبهة المسلمين المشرقة، تستعمل هذه الكلمة لكي يتسع لها الطريق لنفث السموم في نفوس المسلمين. والبهائية وليدة الروس، والإنكليز، والنزعات الشيعية، تريد بهذه الكلمة نفسها غزو الشيعة في إيرانها وعراقها. والشيعة ربيبة اليهود في بلاد الإسلام، يستعملون هذه الكلمة أيضا عند افتضاح أمرها، واكتشاف حقيقتها، وإماطة اللثام عن وجهها. فليست هذه الكلمة، إلا كلمة حق أريد بها الباطل، كما نقل عن علي ﵁ أنه لما سمع قول الخوارج "لا حكم إلا لله" قال: كلمة حق أريد بها الباطل، نعم لا حكم إلا لله". وقال: "سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل". فهذا هو الزمان الذي أشار إليه علي في قوله، فما أكثر الكذب فيه وما أفظعه. ولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتبا ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدعون فيها إلى التقرب إلى أهل السنة، ولكن الصحيح أنهم يريدون بها تقريب أهل السنة إليهم بترك عقائدهم، ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات اللائي صاحبنه بمعروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتقدوا ما نسجته أيدي اليهودية الأثيمة من الخرافات، والترهات في الله، أنه يحصل له "البداء"، وفي كتاب الله أنه محرف ومغير فيه، وأن يعتقدوا في رسول الله أن عليا وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين أنهم كانوا خونة مرتدين ومنهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأن يعتقدوا

стр. 4827

في أزواج النبي وأمهات المؤمنين، ومنهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، أنهن خن الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين ﵃ ورحمهم أجمعين-. نعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون. فكل من عرف هذا وقام في وجههم، ورد عليهم، صاحوا عليه ونادوا بالوحدة والاتحاد، ورددوا قول الله : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١). فبعدا للوحدة التي تقام على حساب الإسلام، وسحقا للاتحاد الذي بني على الطعن في محمد النبي، وأصحابه، وأزواجه -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فقد علمنا الله في كتابه الذي نعتقد فيه أن حرفا منه لم يتغير ولم يتبدل، وما زيد عليه كلمة، ولا نقص منه حرف، علمنا فيه أن كفار مكة طلبوا أيضا من رسول الله الصادق الأمين، عدم الفرقة والاختلاف حين دعاهم إلى عبادة الله وحده مخلصين له الدين، ونبذ آلهتهم، فأجابهم بأمر من الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي

стр. 4828

وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (١). وقال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) ولا الظل وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ (٣). نعم يمكن الوحدة إن أرادوها، ويمكن الاتحاد إن طلبوه، بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهما، حسب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٤). نعم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فتعالوا إلى هذه الكلمة، كلمة الوحدة، والاتحاد، إلى قول الله وقول نبيه محمد ﷺ . فلنرفع الخلاف ولنقض على النزاع، فهيا بنا إلى الوحدة أيها القوم. فاتركوا سب أصحاب رسول الله ﷺ ، خيار خلق الله، الذين بشرهم الله بالجنة في كتابه المجيد حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ

стр. 4829

وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (١). وقال: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) وقال رسوله الناطق بالوحي: «لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني» (٣) وقال ﵇: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه» (٤). ويمكن الاتحاد بالاعتراف أن كلام الله المجيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأن من قال فيه بتحريف وتغيير كان ضالا مضلا خارجا عن الإسلام، تعالوا فلنتفق ونتحد على هذا. (٥) - وقال: وأما المولد فقد صرح العلماء أن أول من أحدث هذه البدعة كان مظفر الدين بن زين الدين صاحب الإربل. كان ملكا مسرفا فأمر

стр. 4830

علماء زمانه أن يعملوا باستنباطهم واجتهادهم وأن لا يتبعوا لمذهب غيرهم، حتى مالت إليه جماعة من العلماء وطائفة من الفضلاء، وكان يحتفل بمولد النبي ﷺ في الربيع الأول، وهو أول من أحدث من الملوك هذا العمل. وكان ينفق كل سنة على مولد النبي ﷺ نحو ثلاثمائة ألف. وكان معينه ومساعده على هذه البدعة أبو الخطاب عمر بن دحية: اشتغل ببلاد المغرب ثم رحل إلى الشام ثم إلى العراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة ووجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب 'التنوير في مولد السراج المنير' وقرأ عليه بنفسه، فأجازه بألف دينار. ونقل الإمام ابن كثير عن السبط في ابن دحية هذا: وقد كان كابن عنين في ثلب المسلمين والوقيعة منهم، ويتزيد في كلامه فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الكامل مقبلا عليه، فلما أكشف له حاله أخذ منه دار الحديث وأهانه. وقد كتب عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني ما خلاصته: إنه كان كذابا كثير الكذب وضاعا، كثير الوقيعة في الأئمة وفي السلف من العلماء، خبيث اللسان، أحمق، شديد الكبر، قليل النظر في أمور الدين متهاونا -ونقل ذلك عن الحافظ ضياء، ثم كتب-: وحدثني علي بن الحسين أبو العلاء الأصبهاني وناهيك به جلالة ونبلا، قال: لما قدم ابن دحية علينا أصبهان نزل على أبي في الخانكاه، فكان يكرمه ويبجله فدخل على والدي يوما ومعه سجادة فقبلها ووضعها بين يديه وقال: صليت على هذه السجادة كذا وكذا ألف ركعة وختمت القرآن في جوف الكعبة، قال: فأخذها والدي وقبلها ووضعها على رأسه وقبلها منه مبتهجا بها، فلما كان آخر النهار حضر عندنا

стр. 4831

رجل من أهل أصبهان، فتحدث عندنا إلى أن اتفق أن قال: كان الفقيه المغربي الذي عندكم اليوم في السوق اشترى سجادة حسنة بكذا وكذا فأمر والدي بإحضار السجادة، فقال الرجل: أي والله هذه، فسكت والدي وسقط ابن دحية من عينيه. فذاك كان الملك وهذا كان مساعده في تأسيس هذه البدعة الشنيعة التي اخترعوها مضاهين النصارى، لأن يكون لهم عيد ميلاد النبي كما يوجد عندهم عيد ميلاد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم وعند القوم عادة أنه يقومون عند قراءة المولد وذكره ويقولون: إن الرسول ﵊ حضر في مجلس ذكر مولده فنستقبله قائما، ثم ينشدون هذا البيت المشهور، نذكره بنصه في اللغة الأردية. دم بدم برهو درود ... حضرت بهي هين يهان موجود صلوا صلوا على النبي ... فإنه حضر هاهنا ويقول أحد علماء القوم: يجب القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ . ويعملون هذه الفعلة على حساب ذلك النبي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه من كان يمنع عن القيام حتى وأيام حياته الميمونة بقوله: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» (١). ويروي أنس بن مالك ﵁، عن أصحاب رسول الله ﷺ : (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته

стр. 4832

لذلك) (١).اهـ (٢) - وقال في حديثه عن البريلوية: وللمحافظة على تجارتهم هذه أعموا أبصارهم وصموا آذانهم وختموا على قلوبهم كي لا تنفلت من أيديهم هذه الأغنام المدرارة الساذجة، فحرموا عليهم الاستماع إلى أحد من الموحدين، المتبعين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإصغاء إليهم، والمجالسة معهم، والاختلاط بهم، والحضور في خطباتهم واجتماعاتهم، والنظر في كتبهم، كي لا يعقل المغفل، ويتنور من أحيط بالظلام، ويتعلم من رغب عن الجهل فقال قائلهم: حرام على المسلمين أن يقرؤوا كتب الوهابيين وأن ينظروا فيها. ومن جالس الوهابية أو اختلط بهم لا يجوز مناكحته. وغير ذلك. ولم تكن هذه الاحتياطات كلها إلا للحفاظ على جهالاتهم ومناصبهم النافعة المفيدة في آن واحد، ولكن من أراد الله هدايته والخير به فلم يمنعه هذا الحصار لأن يخرج من الظلمات إلى النور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (٣). وإليكم النصوص من تعاليم القوم، وأتبعنا كل واحدة منها بالرد عليها من كتب الأحناف، لأن القوم يدعون انتسابهم إلى الحنفية، كي يعرف أن هؤلاء الناس ليس لهم من الأمر شيء، فلا الكتاب يؤيدهم، ولا السنة تناصرهم، ولا الفقه الحنفي يحالفهم، فإنهم ليسوا على دليل

стр. 4833

وبرهان، بل هم حقيقة أخلافا لأسلاف عرفوا في الجاهلية الأولى بالمشركين والوثنيين، وفي الجاهلية المتأخرة عبدة القبور والخرافيين والبدعيين، لاختلافهم بعض الاختلاف معهم في لون البدعات وصورها حسب الاختلاف الإقليمي والجغرافي، لأن العالمية للسنة، فسنة رسول الله في جميع البلدان والمدن وفي جميع أقطار الأرض وأطرافها سنة واحدة، لأن مصدرها واحد وهو ذات الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه. وأما البدعة فتختلف وتتنوع باختلاف المكان والزمان، وبحسب القطر والإقليم، وبحسب المقتضيات والمتطلبات، ولأن مصدرها أشخاص متعددون متنوعون حسب الأغراض والأهواء، ومختلفون حسب الذوق والمزاج، فالسنة عليها توثيق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)، والبدعة هي مصداق: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٢).اهـ (٣) - وقال: فكل شيء أحدث في الإسلام ولا يؤيده آية من كتاب الله أو أمر من رسول الله فهو مردود. «من أحدث في أمرنا هذا فهو رد» (٤). وقال: «فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (٥).

стр. 4834

ولو كان ذلك من الدين أو من المستحسن لما ترك الله بيانه ورسوله ﷺ تفصيله. فعدم وروده ووجوده في الكتاب والسنة يدل على أنه ليس من الدين. ولو كان من الدين ولم يرد ذكره فيهما لما كان الدين كاملا. (١) موقفه من المشركين: - قال في حديثه عن القاديانية: والعجب كل العجب أن الفئة الضالة المضلة التي لم تستطع مع كل إمدادات الاستعمار والحكومة الانكليزية أوان سلطتها أن تضم إليها في القارة الهندية، حيث يقع مركزها إلا أشخاصا معدودين، ممن نشؤوا في أحضان الاستعمار طوال سبعين سنة، ولا يزيد عددهم عن الألوف، ومساجدهم عن العشرات، ومدارسهم عن الأعداد المفردة، وهذا لأن المسلمين قد عرفوا حقيقتهم، واكتشفوا أمرهم، وفي إفريقيا وغيرها دعاة الإسلام غير موفورين، لم؟ هل المسلمون صاروا فقراء إلى هذا الحد حتى لم يستطيعوا إرسال المبلغين إلى تلك البلاد؟ أم ماذا؟ ينبغي أن يتفكر كل منا جواب هذا، وأن يسمح لي فأقول جهرا: إن كل شيء موفور عند المسلمين، أكثر ما كانت قبل، ولكن الفكر للإسلام والتألم له والنهوض به والدفاع عنه والتضحية في سبيله صارت مفقودة فينا، ونحن نرى أنفسنا بكل خير وفي كل خير ما دام لم يصبنا نحن، أولادنا، وأشقائنا، وأسرتنا، وعائلتنا أي أذى، وأما الإسلام فيكون في خطر والمسلمون يكونون في طوفان، طوفان الكفر والارتداد، طوفان الضلالة والإلحاد فلا يهمنا ما دام الطوفان بعيدا عن أبوابنا. فهذا عين الضلالة، وقد وصف الله أمة

стр. 4835

محمد ﵇ بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقد أهملنا هذه المنزلة وهذه المكرمة وفقدنا ميزة الخيرية. فتيقظوا أيها المسلمون. وتنبهوا، أليس من المبكي أن تغزو هذه الفئة الكثير من بلاد العالم الإسلامي بينما كان المسلمون في يقظة لكل عدو وحربا على كل ضلال وفساد للقضاء عليه في موطنه. فالمسئولية مشتركة كل بقدره. وإن العمل ضد القاديانية لإيقاف خطرها أمر يحتمه ويوجبه كل من الدين، والسياسة، والوطنية. أما الدين: فبتحريفها العقائد، وهدمها لأركان الإسلام. وأما السياسة: فلكونها الجسر الواسع للاستعمار في كل شعب تحل فيه كما أنشأها وعاهدها. وأما الوطنية: فكما بين الكاتب الهندوسي الكبير وكشف شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال حينما رد على جواهر لآل نهرو في تدعيمه إياها. (٢) موقفه من الرافضة: هذا العلَم الذي سخر قلمه ولسانه للذب عن المنهج السلفي، وتقويض أركان أهل الضلال والبدع خاصة الرافضة اللعينة، فقد تصدى لها الشيخ ﵀ بكل ما أوتي من قوة وجهد، وألف في ذلك المؤلفات العظيمة منها: ١ - 'الشيعة والتشيع'.
следующие страницы →