محمود مهدي الإستانبولي (حوالي ١٤٢١ ه ـ)
موقفه من المبتدعة:
له رسالة صغيرة المباني، غزيرة الفوائد والمعاني، أسماها: 'كتب ليست من الإسلام'. ردّ فيها على مجموعة من الكتب المشبوهة، وللإسلام أضحت مُشوِّهة.
قال فيها: لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتدارسون سيرة رسول الله ﷺ ومغازيه ويعلمونها أطفالهم، كما يعلمونهم القرآن. كل ذلك على أمل التأسي به ﷺ باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وليس ذلك بالطرب وسماع الأغاني المائعة والسخيفة وقديماً قال الشاعر:
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحبّ لمن يحبّ مطيع
ومما يؤسف له، ولعلّ ذلك كان مقصوداً من أعداء الإسلام، أنه قد وضعت في مناسبة مولده ﷺ قصص -وكذلك في معراجه كما سنرى- قصص نسبت إلى بعض الشخصيات الإسلامية لتنطلي على العامة، فيقبلون على قراءتها. وفي هذه القصص كثير من الأكاذيب والأوهام والسخافات التي تسيء إلى سمعة هذا الرسول العظيم ﷺ وتنفر الأجيال وغيرهم منه. وقد كنت نشرت منذ سنوات بعيدة في الصحف الدمشقية نقد إحدى هذه القصص، وهي المسماة (بمولد العروس) وجاء فيه:
بين يديّ الآن قصة (مولد العروس) المنسوبة كذباً وافتراءً إلى العلامة الكبير ابن الجوزي لما فيها من الضلالات والأساطير المعزوّ إلى الله تعالى وإلى
стр. 5182
نبيّه الكريم مما لا يصحّ السكوت عنه. (١)
ثم ذكر الأباطيل والأكاذيب الواردة فيه، وردّ عليها ردّاً مباركاً.
موقفه من المشركين:
- قال في مقدمة كتابه الماتع 'طه حسين في ميزان العلماء والأدباء': في أوائل الثلاثينات من هذا القرن العشرين، ظهر الكاتب الدكتور طه حسين، فحمل على الإسلام حملات شرسة، وخصّ القرآن العظيم بالنقد والتكذيب سنة، وعمد إلى نشر أدب الفسق والدعارة والزندقة، تساعده في ذلك المراكز الاستشراقية، والدوائر الاستعمارية، ودعاة التغريب، الذين يسعون لهدم أركان هذا الدين بمختلف الوسائل الظاهرة والخفية، من أجل تحطيم أعظم معاقل الدفاع بين المسلمين، للتمكن منهم والقضاء على معاقل الدفاع فيهم وإفناء شخصيتهم، ليذوبوا في الحضارة الغربية الفاشلة ...
فقيّض الله سبحانه جماعة من كبار العلماء والأدباء، ندر أن يجود الزمن بمثلهم، للدفاع عن الإسلام والرّدّ على هذا الخصم الشرس والأديب العميل، بالكشف عن دسّه وجهله، فألقموه حجراً، وأصلوه ناراً حامية.
ولكن العاصفة هدأت، ومضى نصف قرن من النسيان على هذه المعركة بين الحق والباطل، واختفت هذه الردود في زوايا الإهمال، حتى كأنها لم تكن!
وبقيت كتب الباطل تسرح وتمرح، وازداد نشاطها لتفسق في الأرض، وتنشر الفساد والضلال.
стр. 5183
وقد كان المفروض في هذه الدسائس والأكاذيب أن تندثر بعد منيّة كاتبها؛ فتموت بموته. ولكن من وراء نشرها والدعاية لها والإنفاق عليها الدوائر والمراكز التي سبق ذكرها، لاستمرار دولة الباطل على تمثيل دورها الإجراميّ المدمّر ...
لهذا كلّه سارعت لإنقاذ الموقف، فأصدرت هذا الكتاب الضخم، انتصاراً للحقّ وحماية للأجيال المسلمة، جمعت فيه أغلب هذه الردود القويّة، والشموس الساطعة، والقذائف الرّهيبة على الباطل.
اقرأه بتدبّر وإمعان، تطّلع على حقائق مذهلة وآثار قيمة منسية لا توجد في غيره، مما لا غنى عنه! ..
وقد سار طه حسين قُدُماً، في طريقه هالة من الخداع والتضليل والحماية تحت أسماء التجديد والتقدّم العصريّة والبحث العلميّ، وظهرت الأجيال الجديدة من الشباب في هذا الجوّ المطعم بالخرافة الأسطورية، فلم تستطع أن تتبيّن وجه الحق، بعدما رأت ما أطلق عليه عميد الأدب محاطاً بهالة من التبرير والدوي، فلم تعرف حقيقة الدور الذي قام به في مجال التغريب والغزو الثقافي، فكان لا بد أن ينطلق للحق لسان ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). ومن ثم كانت هذه المحاولة السريعة التي نقدمها اليوم بين يدي القارئ ... (٢)
стр. 5184
- ثم قال: ما كاد طه حسين المسمى بعميد الأدب العربي، يرحل من الدنيا، حتى سارع أنصاره ومحبّوه وكثير من طلابه ومن وراء كلّ ذلك المستشرقون من أعداء الإسلام، إلى تصنيف الكتب العديدة عن مزاياه وجهاده ليبهروا أصحاب العقول البسيطة، والنفوس الضعيفة بعظمته المزعومة ويفرضوا على الناس آراءه الإلحادية والهدامة.
ومن هذه المؤلفات كتاب 'قاهر الظلام' اطلعت عليه في واجهات بعض المكتبات، ولم تطاوعني نفسي حتى على تصفحه لما في عنوانه من خداع وتعريض بالإسلام. ومثله كتاب 'طه حسين وزوال المجتمع التقليدي'!
ومما يؤسف له أننا لم نجد من العلماء والأدباء المؤمنين من تصدى لهذا (العميد) ولأتباعه بعد موته كما تصدى العلماء والأدباء الغيارى في حياته في أوائل هذا العصر، فكشفوا عن تآمره على الإسلام وعلى لغة القرآن وتجنيه على الحقيقة والتاريخ وعبثه بعقول الكثير من السذج والمخدوعين.
وقد أصدرت له بعد موته دور النشر التجارية التي قد تكون مخدوعة بشهرته الواسعة، أو مدفوعة بالربح الماديّ، المؤلفات الكاملة له، مع مقدمات إضافية عن قيمتها العلمية والأدبية المزعومة، ناسية أو متناسية تبعتها أمام الله العظيم في تضليل الأجيال، وهو القائل: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ (١).
ولما كان السكوت عن هذه المؤلفات يعدّ جبناً وهزيمة بل مؤامرة على
стр. 5185
الإسلام وبعداً عن الحق وتجنياً عليه، رأيت من واجبي أن أجمع أقوال أكثر العلماء والأدباء الكبار الذين تصدوا لطه حسين في أوج مجده المصطنع، وبرهنوا بالحجج الدامغة والأدلة الساطعة على ضلاله وزيفه، وحطموا شخصيته الموهومة، وذلك خدمة للحق الناصع ودفاعاً عن الحمى المستباح، وإنقاذاً للأجيال الحاضرة والمستقبلة من أن تقع فريسة للخداع البراق والزائف.
وقد وقعت فعلاً، وظهرت بوادر ظاهرة رهيبة منذ سنوات، لا تزال مستمرة، تتلخص بجرأة بعض الكتّاب على القرآن واتهامه بالتناقض، ونعتهم قصصه بالأساطير -كما قال طه حسين من قبل- ووصفهم الله جلّ شأنه بالمكر والتناقض والخداع، مما لم نكن نعهده من قبل كأمثال صادق العظم في كتابه 'النقد الفكري والديني' وأمثاله، وقد ردّ عليه بعض العلماء والكتّاب أمثال الأخ المؤرخ والعالم الغيور 'محمد عزة دروزه' في كتابه 'القرآن والملحدون' وغيره.
ولو درسنا الأسباب متعقبين الحوادث لوجدنا ذلك نتيجة مؤلفات طه حسين. ومن المؤلم أن أحداً -كما أعلم- ممن ردّ على صادق العظم وغيره لم يذكر من قريب أو بعيد أن ذلك من نتائج أقوال من سمي بعميد الأدب فهو المسؤول الأول ... وخاصة بعد اختفاء آثار كبار العلماء والأدباء الذين ردّوا عليه وأوضحوا مبلغ تجنيه على الحق وبُعده عن الصواب، الأمر الذي يفيد في ردع الضالين وتنبيه الغافلين وتحذير المبتدئين. (١)
стр. 5186
موقفه من الصوفية:
قال في مقدمة رسالته 'كتب ليست من الإسلام': وبعد فإن القارئ والقارئة سيفاجآن -على الغالب- حين دراسة هذه الرسالة، بحقائق مذهلة، عما جاء في بعض الكتب المسماة إسلامية! من مبالغات وضلالات وشركيات، انكب عليها غالبية المسلمين في كثير من بلدان العالم الإسلامي، ويا للأسف، يتلون ما جاء فيها آناء الليل وأطراف النهار، مما صرفهم عن كتاب ربهم سبحانه، وحديث نبيهم محمد. وقد جاء فيها كثير من الأحاديث الموضوعة والأخبار الملفقة الكاذبة الخاطئة، ليغري مؤلفوها المسلمين بتلاوتها، متعهدين لمن يثابر على ذلك بالثواب الجزيل والأجر العظيم مما ينكره الشرع، ولا يتصوره العقل، فإن الله سبحانه لا يعبد بالضلالات والخرافات ...
وراح البوصيري ناظم 'البردة' يزعم كاذباً أنه أصيب بالفالج، فأنشدها للرسول ﷺ في المنام، فسر بها وكساه بردته، فاستيقظ في الصباح معافى، مما تكذبه الأحاديث، كما يكذبه الواقع والتجربة، الأمر الذي يجعل الكثيرين من الجهلة والمغفلين وأدعياء العالم ينشدونها، ويتلونها كما يتلون القرآن، ويكتبونها في الآنية ويشربون ماءها، مع ما فيها من الضلالات والشركيات، وكل ذلك بدعة ضلالة، فلم يعرف عن الرسول ﷺ أنه فعل ذلك أو أمر به!
وقد رأيت إنقاذاً للموقف، وحرصاً على إيمان المسلمين مما في هذه الكتب من خرافات ووثنيات، التحدث عن كل منها بما تيسر، للكشف عما فيها من أفكار خبيثة وشركيات مضللة، تتفطر منها القلوب، وتشيب من هولها الرؤوس، وتتقزز من سخفها النفوس، خفيت على الكثيرين -ويا
стр. 5187
للخسارة- فأبعدتهم بسبب الجهل والغفلة والشهرة الطاغية، عن كتاب ربهم العظيم، وهو الدستور الإلهي الذي من عمل به اهتدى، ومن تركه ضلّ ضلالاً بعيداً. وفي تلاوته -وخاصة مع التدبر- الثواب الجزيل مما لا يتوفر في غيره. وقد قال النبي ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها! لا أقول: (ألم) حرفاً: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١) رواه الترمذي، وسنده صحيح، كما قال المحدثون. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيحبّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات (الناقة) عظام سمان؟ قلنا: نعم! قال: فثلاث آيات من يقرؤهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان» (٢) رواه مسلم. وقال ﷺ : «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (٣) رواه مسلم.
هذا -ولا شك- أن بعض أنصار هذه الكتب المشؤومة، كالعامة وسدنة القبور والمغفلين من المتعامين سيشيعون بين الناس -كما هو شأنهم في محاربة كل إصلاح، للتنفير من دراسة هذه الرسالة: (إننا لا نحب الرسول ﷺ ونكره الصلاة عليه) ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ
стр. 5188
إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (١)، وذلك ليفسدوا علينا خطتنا الإصلاحية في محاربة البدع والضلالات.
فنأمل من المسلمين الواعين مساعدتنا في إحباط هذه المؤامرة، والابتعاد عن هاتين المفسدتين: 'دلائل الخيرات' و'البردة' بعد أن يتحقق لهم البرهان من القرآن والسنة على صحة ما نقوله، لإنقاذ المسلمين من العقائد والأفكار الزائفة، ليكتب لنا الثواب معاً إن شاء الله تعالى.
والله سبحانه يشهد، وهو خير الشاهدين، أننا ما نشرنا هذا البحث إلا غيرة على القرآن وحماية للتوحيد وحبّاً بالرسول ﷺ ، وحرصاً على المسلمين الحريصين على الصلاة على النبي، وهي خير موضوع لما فيه من الثواب العظيم والأجر الجزيل، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (٢) وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرة» رواه مسلم (٣)، وهناك أحاديث عديدة في فضل الصلاة على النبيّ وعظيم ثوابها. (٤)
- وله ردود على كل من 'دلائل الخيرات' للجزولي، و'الطبقات'
стр. 5189
للشعراني، و'الأنوار القدسية' له، و'تائية ابن الفارض' وغيرها من الكتب المعتمدة في التصوف. قال رادا على الأنوار القدسية: يقول الشعراني تحت عنوان (لا ذكر بعد المشاهدة): ثم إذا دخل الحضرة وحضر قلبه مع الحق تعالى فليسكت حينئذٍ، لأنه لا معنى للذكر اللفظي مع شهود الحق تعالى، ثم قال:
بذكر الله تزداد الذنوب ... وتنطمس البصائر والقلوب!!
ويقول الشعراني تحت عنوان (من شأن المريد أن لا يقول لشيخه: لِمَ؟). وقال أيضاً: (من ظهر له في شيخه نقص عدم النفع به) ويقول أيضاً: وسمعت شيخ الإسلام الشيخ برهان الدين بن أبي شريف ﵀ يقول: (من لم ير خطأ شيخه أحسن من صوابه هو لم ينتفع به). وقال أيضاً: وكان يقول: (المريد الصادق مع شيخه كالميت مع مغسله لا كلام ولا حركة ولا يقدر ينطق بين يديه من هيبته، ولا يدخل ولا يخرج ولا يخالط أحداً ولا يشتغل بعلم ولا قرآن ولا ذكر إلا بإذنه: لأنه أمين على المريد فيما يرقبه، وربّ عمل فاضل دخلته النفس وصار مفضولاً).
ويقول الشعراني: (وزار أبو تراب النخشي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي فلما قدم خادمه السفرة قالا له: كل معنا يا فتى، فقال: إني صائم، فقال له أبو تراب: كل ولك أجر صوم سنة فقال: لا، فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله فسرق ذلك الشابّ بعد سنة فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ).
وقال الشعراني: (وسمعت سيدي علي الخواص ﵀ يقول: لا يبلغ
стр. 5190
أحد مقام الإخلاص في الأعمال حتى يصير يعرف ما وراء الجدار وينظر ما يفعله الناس في قعور بيوتهم في بلاد أخرى). ويقول أيضاً: (والله ما صدق مريد في محبة الطريق إلا نبعت الحكمة من قلبه وصار يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي بإذن الله). ويقول أيضاً: (وكذلك بلغنا سيدي محمد الشوعي أحد أصحاب سيدي مدين والمدفون في زاويته تجاه قبته، إنه تزوج بكراً فمكثت معه يسيراً ومات عنها وهي بكر، وكان قال لها: لا تتزوجي بعدي أحداً أقتله، فلما مات خطبها شخص واستفتى العلماء بها فقالوا له: هذا خاص برسول الله ﷺ ، فدخل بها فلما جلس عندها قبل أن يمسها خرج الشيخ له من الحائط بحربة فطعنه فمات لوقته). وذكر بعدها عدة قصص مثل ذلك، وختم هذه الحكايات بقوله: (هذه وقائع فمن شك فليجرب، اللهم إلا أن يأمر الشيخ بذلك لما يرى لزوجته من الحظ والمصلحة مثلاً فلا بأس بذلك، فينبغي للمفتي في ذلك أن يتوقف ويقول: أنا لا أفتي على أحد من أرباب الأحوال).
ونختتم الكلام عن هذا الكتاب بهذه القصة: قال الشعراني: (وحكى لي خادم سيدي أبي الخير الكليباني أن شخصاً أتاه وأخبره أنه قال للشيخ: (إن زوجتي حامل وقد اشتهت مامونية حموية ولم أجدها، فقال له الشيخ: ائتني بوعاء، فأتاه به فتغوط له فيها مأمونية حموية سخنة، فقال الخادم: وأكلت منها لعدم اعتقادي أنها غائط.
لا شك أن القارئ تألم كثيراً من هذه الانحرافات والضلالات والسخافات التي جاءت في كتاب 'الأنوار القدسية'، ولكن ما قوله إذا
стр. 5191
ذكرت له أن لجنة في مصر -في بلد الأزهر- تألفت -ولا شك أن أغلب أعضائها منه- 'لإحياء التراث الصوفي'. وقد حَقَّقَتْ كتاب 'الأنوار القدسية' وقد علّق عليه أحد أعضائها!! وهي خليقة أن تسمى: 'الظلمات الصوفية'!
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إخلاص وإيمان. (١)
- وقال أيضاً رادّاً على حِكم ابن عطاء الله السكندري:
أ- أقوال يؤيد فيها نظرية وحدة الوجود القائلة بأن الخالق والمخلوق واحد ومثلها نظرية الاتحاد والحلول، وكل ذلك كفر!
١ - (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان).
إن القسم الأول من هذا الكلام حديث صحيح، والقسم الثاني وحدة وجود، فصار المعنى: كان الله ولا شيء معه، والآن هو لا شيء معه! أي: أن الله والكون واحد!
٢ - (ما حجبك عن الله وجود موجود معه، إذ لا شيء معه! ولكن حجبك عنه، توهم موجود معه).
٣ - (كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء)!
٤ - (أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوَّن، فإذا شهدته، كانت الأكوان معك).
٥ - (ما العارف من إذا أشار، وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل
стр. 5192
العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده).
٦ - (الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون، وشهده فيه أو عنده أو قبله، أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس العارف، بسحب الآثار).
٧ - (علم منك أنك لا تصبر عنه، فأشهدك ما برز منه).
٨ - (لولا ظهوره في المكونات! ما وقع عليها أبصار، ولو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته).
٩ - (الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان! فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار).
ب- أقواله في النهي عن دعاء الله، مما لا يقول به من لديه إنارة من علم أو إيمان:
١ - (سؤالك منه اتهام له).
ويستدلّ ابن عطاء الله على ذلك بحديث باطل على لسان إبراهيم ﵊: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وهو مخالف للآيات والأحاديث الكثيرة التي تحض على دعاء الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ وقوله سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١).
٢ - (من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع عنه ورود العقوبة منه، فما قام بحق أوصافه).
هذا الكلام هو كقول رابعة العدوية المنحرف: (ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا رغبة في جنتك، ولكني عبدتك لأنك أهل للعبادة) وهذا مخالف لعبادة الملائكة الذين يخافون ربهم من فوقهم، وعبادة الأنبياء الذين يعبدون الله سبحانه رغباً ورهباً!.
٣ - (لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج).
٤ - (ربما دلهم الأدب إلى ترك الطلب).
ليت هذا الجاهل علم أن الأمر بالعكس، فإن ترك الطلب هو العصيان، وقلة الأدب!
٥ - (من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما
стр. 5193
قام بحق أوصافه).
٦ - (إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال، وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال) ترى لماذا كان الرسول ﷺ يكثر من الدعاء ويأمر به إلى درجة الإلحاح!
٧ - (ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته (!) فكيف لا يستحي أن يرفعها إلى خليقته) لقد سمح لنا الشارع الحكيم أن نرفع حاجتنا إلى الناس، على أن نعتقد أنه هو المعطي.
٨ - (كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟ أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك) ومعنى ذلك أن تبقى خشباً مسندة!!
стр. 5194
٩ - (كيف أشكو إليك حالي وهي لا يخفى عليك).
ج - أقوال تشجع على ارتكاب المعاصي:
١ - (أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته).
٢ - (ربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب، فكان سبباً بالوصول).
هذا الكلام تشجيع على ارتكاب الذنوب، فما فتح سبحانه باب الطاعة إلا ليكافئ عليها. جاء في القرآن العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (١).
د- أقوال تشجع على تعطيل المواهب والعزائم وتدعو إلى التماوت وترك التدبير:
١ - (أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك، لا تقم به لنفسك). وقد تكلمتُ عن ذلك مفصلاً حين الكلام على كتاب ابن عطاء الله المسموم والمضلل: (التنوير في إسقاط التدبير).
٢ - (سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار) فما أدرانا بهذه الأقدار؟! وقد علمنا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أن نفر من قضاء الله إلى قضاء الله ... وقد حضنا الرسول ﷺ بقوله: «احرص على ما ينفعك ولا تعجز» (٢).
٣ - (إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تبالِ معها إن قلّ العمل ... ).
стр. 5195
٤ - (ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه) أين كل هذا من قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (١)!؟
هـ - أقوال متناقضة وسخيفة:
١ - (جل ربنا أن يعامله العبد نقداً، فيجازيه نسيئة) إذا كان الأمر كما قال، فما الفائدة من الآخرة؟!
٢ - (إنما جعل الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين، لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجلَّ أقدارهم عن أن يجزيهم في دار لا بقاء لها).
٣ - (العطاء من الخلق حرمان (!)، والمنع من الله إحسان!).
إذا كان الأمر كما يقوله هذا الجاهل، فلماذا أمرنا الرسول ﷺ بقوله: «من لا يشكر الناس، لا يشكر الله» (٢) ولا أدري كيف يكون عطاء الله سبحانه إذا لم يكن عن طريق الناس؟! وقد قال الخليفة عمر ﵁: إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة!
٤ - (من أطلق لسانك بالطلب، فاعلم أنه يريد أن يعطيك). أين هذا الكلام من سخف قوله وقد سبق ذكر: (طلبك منه اتهام له)؟!.
٥ - (إن أردت أن لا تعزل، فلا تتولَّ ولاية لا تدوم لك) وأيّ شيء
стр. 5196
يدوم في هذه الدنيا؟!، وقد طلب هذه الولاية يوسف ﵇ من عزيز مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (١) وإذا لم يتولَّ الصالحون الوظائف، فهل يتركونها للأشرار؟!
٦ - (كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟! أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك؟) (!)
٧ - (إلهي! حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي مقال مقالاً، ولا لذي حال حالاً).
٨ - (إلهي! كيف أعزم، وأنت القاهر؟ وكيف لا أعزم وأنت الآمر؟).
أكتفي بهذا القدر من النقل من هذه النقم التي سميت بالحكم! وهي لا تزال تدرس في كثير من المعاهد حتى الأزهر، ويوصي بها جهلة الشيوخ طلابهم، وقد وصفها بعض أدعياء العلم الحمقى بقوله: (لو جازت الصلاة بغير كتاب الله، لجازت بحكم ابن عطاء الله)!! ومعنى ذلك أنه فضلها على حديث رسول الله ﷺ . وقد أثنى على هذه الحكم الدكتور محمد عبيد الرحمن البيصار شيخ الجامع الأزهر الحالي في مقدمته لكتاب 'التنوير ... ' فقال: (وحكم ابن عطاء الله تمضي بين الناس في رحلة خالدة! وكأنها شمس تنير للحيارى ظلام الطريق)!!
وقد شرح هذه الحكم الصوفي المحروق ابن عجيبة بكتاب سمّاه 'إيقاظ الهمم' وهو جدير بأن يسمّى 'إماتة الهمم' وقد زعم في مقدمته أن الرسول
стр. 5197
- ﷺ اختص بعض الصحابة بعلم الباطن، ومعنى ذلك أنه كتم شيئاً من الدين عن المسلمين. وقد حقق هذا الكتاب أخيراً مثنياً عليه الدكتور عبد الحليم محمود.
وقد سجدت إلى الله تعالى سجدة شكر لما علمت بموته، فقد ملأ العالم الإسلامي بكتب الفلسفة السخيفة المارقة والصوفية الخرقاء الهدامة، وقد أمر بهدم قبة مسجد البدوي وبناء قبة أكبر منها، وإضافة مئذنة أخرى له، ليزيد من إضلال المسلمين الذين يطوفون حول قبره ويستغيثون به ويدعونه عند الشدائد أمام أكثر شيوخ الأزهر الساكتين عن الحق ... مما هو شرك بواح ... وقد أوصى هذا الدكتور بدفنه في المسجد الذي شيده في شارع الزيتون بالقاهرة، مع أن الرسول ﷺ لعن من يفعل ذلك في أحاديث عديدة، فكتب له الأخ المكرم سماحة الشيخ الجليل عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ينهاه عن الإقدام على هذا العلم المنحرف المخالف للشريعة، ويحذره من أن يكون قدوة سيئة لمن بعده من المسلمين بصفته شيخاً للأزهر! ومن مؤلفات هذا الدكتور ويا للأسف! رسائل عن الشاذلي والمرسي والبدوي من الصوفية والتفكير الفلسفي في الإسلام، مما يحتاج إلى كتاب ضخم في نقد ما كتب عنهم، وخاصة عن البدوي، فقد زعم في رسالته عنه أنه ذهب إليه في طنطا، واستأذنه في الكتابة عنه!! فأين عمله هذا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ
стр. 5198
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ (١)! ومثله كتابه 'التفكير الفلسفي في الإسلام' مع أن هذا الإسلام حرب على كل فلسفة، والفلاسفة المسمون مسلمين، وإن كان لهم وجه علمي مشرق، فهم في الفلسفة أتباع أرسطو معلمهم الأول كما يسمونه، وقد كفرهم حتى الغزالي في كتابه: 'المنقد من الضلال' مع العلم أن فيه كثيراً من الضلالات، في مقدمتها أنه زعم أن طريق التصوف الضال المهترئ، هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله، لا طريق الكتاب والسنة، كبرت كلمة تخرج من فيه إن يقول إلا ضلالاً وكذباً!
ومما يجدر ذكره أن هذا الدكتور حارب في آخر حياته الفلسفة في آخر رسالة له في سلسلة 'كتابك' وأثبت أنها لا توصل إلى الحقيقة، وبذلك هدم كل ما بناه من الفلسفة بعدما ضلل بها الكثيرين، ومما يؤسف له أن كتابه 'التفكير الفلسفي في الإسلام' الذي نحن بصدد الكلام عليه طبع طبعة جديدة بعد موته، ليستمرّ في فساد الأجيال! فكم كان جديراً بهذا الدكتور بعد رسالته الأخيرة أن يعلن تبرأه من جميع كتبه الفلسفية، لينجو من تبعيتها بعد موته، وقد قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ (٢)! وخاصّة وقد صرّح في الرسالة المذكورة (كتابك: ص.٦٠): (إن هذا المنهج اليهودي -أي: المنهج الفلسفي- الذي رسموه بعد تفكير طويل، والتزموا القيام به بكل الوسائل أو بكل الطرق، وهو مذهب التشكيك في القيم والمثل والعقائد
стр. 5199
والأخلاق. يستخدمون هذا المنهج في المجالات المختلفة لإفساد المجتمعات وتحلّلها أخلاقياً ودينياً، و ...
إن اليهود يهدفون من وراء كلّ ذلك إلى السيطرة على العالم! إنهم يحطمون القيم والمثل حتى لا يكون في المجتمعات قوة من عقائد، أو قوة من حق! ومن أجل ذلك تعاونوا على أن تكون لهم الكلمة الأولى في الجامعات في علم الاجتماع وفي علم النفس، وفي مادّة الأخلاق، وفي تاريخ الأديان، وفي الفلسفة ... ).
ومن عجيب أمر هذا الدكتور أنه بعدما ثبت له عقم طريق الفلسفة وأنه لا يوصل إلى الحقيقة، وهو منهج اليهود لتضليل الأجيال وانحرافها، بقي على ضلاله وزعم زوراً وبهتاناً أنه طريق الكتاب والسنة: طريق الاتباع!! فكان مما قاله: ( ... وجدت في جوّ الحارث بن أسد المحاسبيّ الهدوء النفسي، أو الطمأنينة الروحية، ولكنه هدوء اليقين، وطمأنينة الثقة بما يعلم ... ) (ص.٦٢).
وهذا الكلام من الدكتور عبد الحليم يدلّ على جهل بالسنة وعدم اطلاع على آثار السلف الذين ذمّوا الحارث المحاسبي ونهوا المسلمين عن مخالطته. وقد تعلّق به الدكتور فسبّب له هذا الانحراف والعياذ بالله.
ذكر الخطيب البغداديّ بسنده إلى سعيد بن عمر البردعي قال: (شهدت أبا زرعة -وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إيّاك وهذه الكتب!! هذه كتب بدع وضلالات! عليك بالأثر - إلى الكتاب والسنة، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه عبرة،
стр. 5200
فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك ابن أنس وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس، وهذه الأشياء! هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم! يأتون مرة بالحارث المحاسبي وعدد أسماء بعض الصوفية. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!).
ويقول الحافظ ابن رجب في كتابه 'جامع العلوم والحكم' (ص.٢٢٣): (وإنما ذمّ أحمد وغيره المتكلمين -ومنهم الحارث المحاسبي- على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي) ومن يطالع كتاب 'تلبيس إبليس' للإمام ابن الجوزي وما كتبه عن الحارث المحاسبي وانحرافاته، يجد العجب العجاب!
مما سبق ندرك خطر بعض الكتب التي ليست من الإسلام والتي يجب تحريقها ونسفها في اليمّ نسفاً، لإنقاذ المسلمين منها، فهي من أهم أسباب تخديرهم وضلالهم وضعفهم واستيلاء الأعداء عليهم، فأذاقوهم صنوف العذاب.
كما هي من أسباب جلب الطعن بالإسلام من قبل خصومه، فينسبون إليه ما هو منه براء!. (١)
وله آثار سلفية أخرى نفع الله بها نفعاً عظيماً. فجزاه الله خيراً.
موقفه من الجهمية:
- قال: ومما يؤسف له ويبعث في النفس الأسى أن المسائل التي يدور
стр. 5201
عليها علم الكلام قديماً، قد زالت من الأذهان كخلق القرآن والجوهر والجسم ومسألة ذات الله تعالى وصفاته التي ذكرتها سابقاً، ونشأت مشكلات أخرى في العصور المتأخرة كقانون الصدفة والمادة، وهل هي ثابتة أم تزول، وقضية النشوء والتطور وغير ذلك. فمن الحماقة والجنون دراسة علم الكلام القديم وإهمال البحث في هذه الموضوعات. (١)
- وقال أيضاً: ومن أعظم جرائم علماء الكلام فتح الباب على مصراعيه للمؤولين من الفلاسفة، فراحوا يدعون أن للقرآن ظاهراً وهو للعوام، وباطناً وهو للخواص، وأن هناك شريعة وحقيقة. فخرجوا من الإسلام وهم يظنون أنهم لا يزالون مسلمين!
وقد كان هذا التأويل الذي بدأ من عند علماء الكلام أعظم نكبة أصابت المسلمين، وأبعدتهم عن دينهم، فانقسموا إلى فرق متعددة ذكرهم رسول الله ﷺ بقوله: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار! وواحدة في الجنة، وهي: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي (٢).
وقد حكي أن ملكاً كتب إلى عماله في البلدان أني قادم عليكم، فاعملوا كذا وكذا ففعلوا إلا واحداً منهم. فإنه قعد يفكر في الكتاب فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر؟ أترى كتبه قائماً أو قاعداً؟ فما زال يتفكر حتى قدم الملك، ولم يعمل مما أمره به شيئاً! فأحسن جوائز الكل وقتل هذا!!
стр. 5202
ومن أعظم الأدلة على بطلان علم الكلام اختلاف المتكلمين، فقد انقسموا إلى معتزلة وماتريدية وأشاعرة وغيرهم. فلو كان علم الكلام يؤدي إلى الحق، لكانوا جميعاً في صف واحد، ولما كفر بعضهم بعضاً. وأغلبهم -ويا للأسف- وقعوا في حمأة التأويل فأوّلوا وعطّلوا صفات الله سبحانه، خلافاً لرأي السلف الذين لا يؤولون ولا يعطلون ولا يشبهون ولا يجسمون. بل يفوضون ويصفون الله سبحانه كما وصف به نفسه وكما وصفه رسوله ﷺ دون تشبيه ولا تأويل. وقد سئل الإمام مالك عن قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. (٢)
- وله ردٌّ طيّب على كتاب 'الفلسفة والحقيقة' لعبد الحليم محمود.
محمد صفوت الشوادفي (٣) (١٤٢١ هـ)
محمد صفوت أحمد يوسف الشوادفي، ولد في قرية الشغانبة من ضواحي مدينة بلبيس سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، تربى في أحضان أسرة أصيلة متأصلة على مبادئ الشريعة الغراء تخرج في كلية الاقتصاد وحصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصادية سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لثمان وسبعين وتسعمائة وألف
стр. 5203
ميلادي، وكان أحد قادة الصحوة الإسلامية، حيث قاد الدعوة بكلية الاقتصاد أيام أن كان طالبا فيها، وألف مجموعة كانت تدعو العلماء إلى الكلية لإلقاء المحاضرات الدينية، ولما تخرج من الجامعة لم يلبث في الوظيفة إلا قليلا، ثم سافر إلى السعودية حيث سمع من شيوخ أمثال فضيلة الشيخ بن باز ﵀ والشيخ ابن عثيمين، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، وكانت له علاقات طيبة معهم، وقد كان لهذا السماع أثره في تكوين عناصر فكره الديني، فقد أفاد كثيرا في تأصيل المسائل الفقهية، فجمع ﵀ بين ترتيب الفكر وتنظيمه، وبين تأصيل المنهج وتقويمه.
ولم يكتف الشيخ ﵀ بما قرأ أو سمع في السعودية، بل التحق بكلية أصول الدين بالزقازيق، رغبة في الحصول على الإجازة العالية.
سكن مدينة بلبيس ورأس فرع جماعة أنصار السنة المحمدية ببلبيس، وقد كان له جهد مشكور في بناء مجمع التوحيد ببلبيس، بل كانت له بصمات واضحة في الدعوة وأعمال البر، ولما انتقل إلى مدينة العاشر من رمضان أنشأ فرعا للجماعة.
اختير عضوا في مجلس إدارة المركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية عام إحدى عشر وأربعمائة وألف للهجرة الموافق لإحدى وتسعين وتسعمائة وألف ميلادي، وعهد إليه تنظيم إدارة الدعوة.
كان ﵀ حريصا على اتصال الجماعة بمشيخة الأزهر في عهد شيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق ﵀ وبعده، فأعاد بذلك مسيرة الشيخ حامد الفقي وعبد الرحمن الوكيل وخليل هراس، حيث كانت لهم
стр. 5204
علاقات طيبة بشيوخ الأزهر وعلمائه.
توفي ﵀ مساء ليلة الجمعة سبعة عشر جمادى الأولى لسنة تسعة عشر وأربعمائة وألف، إثر حادث أليم.
موقفه من المبتدعة:
كان ﵀ رئيس تحرير مجلة التوحيد، ومن خلال هذه المجلة كان يطلع القراء على بديع مقالاته التي تلمس منها غيرة على هذا الدين، وشفقة على المؤمنين العازفين عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، فكانت له مواقف مشرفة منها:
قال ﵀: فإننا ننبه إلى قضيتين:
الأولى: أن دعوة التمسك بالكتاب والسنة يدعيها كل الفرق والطوائف والطرق الصوفية والجماعات والجمعيات، وفي هؤلاء من هو صادق ومن هو كاذب .. وعلامة الصدق: مطابقة القول والفعل بمعنى اتباع السنة قولا وعملا لا قولا فقط.
الثانية: كل من دعا إلى سنة أو حارب بدعة أو حذر من ضلالة يرميه خصومه بأنه يفرق الأمة؟!! فإذا لم تكن الدعوة إلى الله قائمة على الدعوة إلى السنة والتحذير من البدعة وتصحيح المفاهيم وتوضيح العقيدة الصحيحة فعلى أي شيء تقوم الدعوة؟!! (١)
موقفه من المشركين:
خصص ﵀ في مجلة التوحيد حلقات متواليات يبين فيها كيد
стр. 5205
اليهود ابتداء من نشأتهم إلى يومنا هذا، ومحذرا من خطرهم وسياستهم الدفينة البغض للإسلام والمسلمين. كما فضح ﵀ العلمانية وبين خطرها على الأمة المحمدية، فقال: العلمانية لا صلة لها بالعلم من قريب أو بعيد!! بل هي ضد العلم وضد الدين، وقد جاء تعريفها في دائرة المعارف البريطانية بأنها: (حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس، وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها)!. وهي وبهذا التعريف الواضح لا تهدف فقط إلى فصل الدين عن الدولة، وإنما تهدف إلى فصل الدين عن الحياة كلها، أو بمعنى أكثر وضوحا تهدف إلى القضاء على الدين، وبهذا يكون تعريفها الصحيح هو (العلمانية حركة اجتماعية تهدف إلى القضاء على الدين، وإقامة المجتمع اللاديني). وقد تسللت العلمانية إلى كثير من بلاد المسلمين خاصة في مصر! وتهدف العلمانية في مصر إلى القضاء على الإسلام بصورة متدرجة! تحت شعار محاربة التطرف! وكل من وقف في طريقهم أو اعترض على أقوالهم فهو متطرف، ولو كان شيخ الأزهر!!.
ويتبع العلمانيون نفس الخطة التي وضعها ستالين للقضاء على الدين في الاتحاد السوفيتي سابقا، وباءت بالفشل!!.
وتنقسم خطة ستالين إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مهادنة الدين، وإيهام أصحابه أنهم أحرار في عقائدهم، وقد انتهت هذه المرحلة التي كانت أقلام العلمانية فيها تظهر احترام الإسلام، وتوقير علماء الأزهر، وتكتفي فقط بالكتابة عن الحب، والإثارة الجنسية، والتماثيل، والفنون، والأفلام، والأغاني ... إلخ.
стр. 5206
المرحلة الثانية: محاولة تنقيح الدين، وتطويره! ومعنى ذلك تفسيره تفسيرا ماركسيا، مستغلين النقاط التي تلتقي فيها الماركسية مع الدين. وفي هذه المرحلة أيضا يتم إظهار الاهتمام بالدين ورجاله. وهي نفس الخطة التي اتبعتها الأقلام العلمانية لإقناع الرأي العام بأن الديمقراطية من الإسلام! وأن الإسلام والاشتراكية وجهان لعملة واحدة!!.
والإسلام بريء من الديمقراطية، فإنها ضلال وفساد، وأما الإسلام فيرتكز نظامه السياسي على الشورى، وهي تختلف تماما عن الديمقراطية من جميع الوجوه، ونظامه الاقتصادي متميز، فهو ليس اشتراكيا، ولا رأسماليا!!.
المرحلة الثالثة: ادعاء وإظهار معايب الدين، وبعده عن الحقائق العلمية، ومهاجمته، وادعاء أنه لا يفي بحاجات البشر، ومتطلبات العصر! وكذلك الاستهزاء برجال الدين، والسخرية من العلماء! وهذه المرحلة هي التي نعيشها اليوم، ونسأل الله السلامة.
ويمكن لكل مسلم أن يتابع هذا التدرج ويدرك خطورته.
إلى أن قال: وهم الآن يرفعون شعارين يحاربون بهما الإسلام.
الأول منهما: الدعوة إلى حرية الرأي في الدين. وحقيقة الأمر أنهم يهدفون إلى الطعن في الدين، والصد عن سبيله بأقلامهم وألسنتهم، ولأنهم لا يستطيعون الإعلان عن ذلك حتى لا ينكشف أمرهم، ولا يفتضح مكنون صدورهم، فهم يبالغون في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين!.
وقد كتبوا في الآونة الأخيرة كلاما هو الكفر بعينه ﴿قَدْ بَدَتِ
стр. 5207
الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١).
وأما الثاني: فدعوة خبيثة إلى عدم احترام العلماء، وإسقاط هيبتهم من نفوس المسلمين. والهدف هو القضاء على الدين من خلال علمائه بالتقليل من شأنهم، والحط من قدرهم.
والعلماء هم قادة الأمة، وسراجها المنير ولكن هؤلاء لا يعلمون! (٢).
موقفه من الرافضة:
قال ﵀: فإنه من المعلوم أن الشيعة أكثر فرق الأمة الضالة ضلالا وكفرا، وعقيدتهم تشهد عليهم بذلك؛ حيث يكتشف من يقف عليها أن الكذب والبهتان ركن من أركان الإيمان عندهم!! ومع ذلك فمازال في المسلمين من هو مخدوع بهم، بل قد يتصور -خطأ- أن بالإمكان حدوث تقارب بينهم وبين أهل السنة!! والحق أن السنة والشيعة ضدان لا يجتمعان ونقيضان لا يلتقيان! وإذا أردت شاهدا على ذلك فإليك البيان ... (٣)
ثم ذكر اعتقادهم في القرآن والسنة والصحابة وغير ذلك.
موقفه من الصوفية:
- قال: وأما الصوفية فقد حكم عليها العلماء قديما وحديثا بالبدعة والضلال، وحاصل كلامهم أن الصوفية قد أدخلت على الدين ما ليس منه،
стр. 5208
وابتدعت فيه بدعا كثيرة تزداد بمرور العصور وتعاقب السنين. (١)
- وقال: فإن الطرق الصوفية قد جمعت في صفوفها من يعبد الشيطان، ويسمع له ويطيع! وإليك البيان:
بالقرب من ميدان السيدة زينب، ﵂، يوجد مقر لطريقة صوفية سرية باطنية، شيخها يسمى (عمر أمين حسنين)، مات منذ ست سنوات، ويسمون أنفسهم الطريقة البيومية العمرية نسبة إلى شيخ الطريقة، ومقر الطريقة شقة فاخرة بأغلى وأحلى أنواع الأثاث عامرة، وتقدم فيها للمريدين أطعمة شهية فاخرة لم ترها عين الفقراء في مصر، ولا سمعت بها آذانهم، ولا خطرت على قلوبهم! وهذا الطعام والشراب والأثاث الذي يزيد في مستواه على فنادق السبعة نجوم دليل قاطع على الزهد الذي تتغنى به الصوفية في الماضي والحاضر! وهذه الطريقة يجتمع فيها الشرك مع الموسيقى، والغناء مع الاختلاط، والخرافات مع الضلالات، والبدع مع الأطعمة الشهية، التي تجعل لعاب المريدين يسيل أنهارا، حتى يفنى الأكل في البطن حسب نظرية الفناء الصوفي!! ونحن نسوق هنا بعض الوقائع التي تقع في مقر الطريقة يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، فإن الدعوى لا تقبل إلا ببينة. (٢)
- كما أنه ﵀ تحدى صوفية مصر بعشرين سؤالا أن يجيبوا عنها، يتبين بها خلطهم وتناقضهم، فقال ﵀ بعد ذكر هذه الأسئلة العشرين: وإن مما يلفت النظر ويثير الانتباه أن قراء (عقيدتي) قد لاحظوا بوضوح
стр. 5209
وجلاء أن الصوفية قد فشلت فشلا ذريعا في الرد على الأسئلة العشرين، وعن كشف الغموض والطلاسم، وعلامات الاستفهام الكثيرة التي تحيط بالطرق الصوفية .. وقد خرجت جميع الأقلام الصوفية عن الموضوع، وانحرفت بعيدا عنه ثلاثة اتجاهات:
الأول: اتجاه السب والشتم واتهام النيات .. وهذا قد تخصص فيه الأخ محمد المهنا من العشيرة المحمدية، وقلده في بعض ذلك تلميذ الطريقة العزمية غفر الله لهما.
الثاني: اتجاه ترديد محاسن التصوف وفضله على الإسلام، ومحاولة تفهيم القراء أن الله حفظ دينه بالصوفية وأن الأمة المسلمة لا حياة لها إلا به!!. وهذا الاتجاه تتبناه كل الطرق.
الثالث: فهو الدعوة إلى الحوار والجلوس على مائدة البحث والمناظرة، وقد تبناه شيخ الطريقة العزمية، ونحن نرحب بهذا الحوار؛ بل ننتظره منذ فترة وقد قمنا على الفور بالاتصال ببعض علماء الأزهر الكبار ليتولى ترتيب هذا اللقاء وتنسيقه على الوجه الأكمل .. تحت رعاية جريدة عقيدتي. (١)
موقفه من الجهمية:
قال: عقيدتنا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكذلك الإيمان بكل ما نطق به القرآن، أو جاءت به السنة الصحيحة. ونعتقد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى التي
стр. 5210
وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ ، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تعطيل؛ وأنه -سبحانه- استوى على العرش، أي علا وارتفع، كما فسره السلف بكيفية لا نعلمها.
وأنه -سبحانه- ينزل إلى السماء الدنيا كما أخبرت بذلك السنة الصحيحة بكيفية لا نعلمها، والله في السماء، وعلمه في كل مكان! كما نؤمن أنه -سبحانه- خلق آدم بيده، وأن يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، كما نثبت له -سبحانه- وجها، وسمعا، وبصرا، وعلما، وقدرة، وقوة، وعزة، وكلاما، وغير ذلك من صفاته، على الوجه الذي يليق به، فإنه -جل شأنه-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١).
ونحن نثبت لله كل صفة أثبتها لنفسه، كما ننفي عنه -سبحانه- كل صفة نفاها عن نفسه، ونسكت عما سكتت عنه النصوص، فإذا قيل: هل لله جسم؟ نقول: هذا مسكوت عنه فلا نثبته، ولا ننفيه، بل نسكت عنه طاعة لله. (٢)
مقبل بن هادي الوادعي (٣) (١٤٢٢ هـ)
الشيخ الإمام مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة الهمداني الوادعي الخلالي، من قبيلة آل راشد. ولد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف تقريبا.
стр. 5211
بدأ الشيخ دراسته قي قريته دماج، حيث تعلم مبادئ الخط والكتابة بالمكتب، ثم انتقل إلى جامع الهادي لطلب العلم فلم يساعد عليه، ثم رحل إلى بلاد الحرمين ونجد، فكان يسمع من بعض الواعظين والدعاة، واستنصحهم في شراء بعض الكتب، فأرشدوه إلى صحيح البخاري وبلوغ المرام ورياض الصالحين وشروح كتاب التوحيد وغيرها من الكتب وبعد زمن عاد إلى بلده، فأنكر عليهم ما وجدهم فيه من البدع والضلالات، فحاربوه بشتى الوسائل.
وبعد ذلك درس في جامع الهادي بمدينة صعدة، ثم توجه إلى أرض الحرمين وسكن بنجد، فأخذ عن الشيخ محمد بن سنان الحدائي والشيخ يحيى ابن عثمان الباكستاني. ثم فتح معهد الحرم المكي، فتقدم للاختبار فنجح، وفيه أخذ عن عدة مشايخ منهم الشيخ عبد العزيز السبيل والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وغيرهما.
ثم انتقل الشيخ إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة، فدرس بكلية الدعوة وأصول الدين، ومن أبرز من درس عنه فيها الشيخ السيد محمد الحكيم والشيخ محمود عبد الوهاب فائد المصريان. كما كان ﵀ يحضر دروس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الألباني رحمهما الله وغيرهما.
ثم عاد ﵀ إلى اليمن، فتوافد عليه طلاب العلم من شتى أنحاء العالم للاستفادة وتحصيل العلم الشرعي.
من مؤلفاته ﵀: 'الطليعة في الرد على غلاة الشيعة'، و'الصحيح المسند من أسباب النزول'، و'شرعية الصلاة في النعال' و'تحريم الخضاب
стр. 5212
بالسواد'، وغيرها من الكتب النافعة.
توفي ﵀ في ثلاثين ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف بمدينة جدة، ودفن بمكة المكرمة بناء على وصيته.
موقفه من المبتدعة:
- قال ﵀: وما اختلفنا فيه ينبغي أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وأن نترك العادات والتقاليد التي تخالف الكتاب والسنة وننبذها. (١)
- وقال ﵀ مبينا خطورة التقليد: المذاهب الأربعة ما أنزل الله بها من سلطان وما ورد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ أن ذاك يكون شافعيا وذاك يكون حنبليا إلى آخر ذلك، بل قال الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٣) وقال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (٤). وقال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
стр. 5213
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (١). فهذه المذاهب فرقت الناس، وقد تحدينا غير واحد من المتعصبين لهذه المذاهب أن يأتوا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ يدل على أن المسلم ملزم بالتعبد بمذهب من هذه المذاهب، بل جاء القرآن على كراهة هذا فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢)
ونبينا محمد ﷺ يقول: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (٣) أو بهذا المعنى. ففي هذا التحذير؛ وأهل الكتاب اختلفوا، فنبينا محمد ﷺ يحذرنا من أن نسلك سبيلهم في الاختلاف فقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة شبرا بشبروذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٤) أو بهذا المعنى، وهو وارد في الصحيح من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد والمعنى متقارب، فهذه المذاهب فرقت الناس وأدخلت بينهم البغضاء والعداوة، وما تعبدنا الله إلا بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ وهي مبتدعة ما جاءت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ وما حدثت هذه البدعة إلا بعد القرون المفضلة، ولقد أحسن محمد ابن إسماعيل الأمير إذ يقول:
стр. 5214
وأقبح من كل ابتداع سمعته ... وأنكاه للقلب المولع للرشد
مذاهب من رام الخلاف لبعضها ... يعض بأنياب الأساود والأسد
ويعزي إليه كل ما لا يقوله ... لتنقيصه عند التهامي والنجدي
وليس له ذنب سوى أنه غدا ... يتابع قول الله في الحل والعقد
لئن عده الجهال ذنبا فحبذا ... به حبذا يوم انفرادي في لحدي
على ما جعلتم أيها الناس ديننا ... لأربعة لا شك في فضلهم عندي
هم علماء الأرض شرقا ومغربا ... ولكن تقليدهم في غد لا يجدي
ولا زعموا حاشاهموا أن قولهم ... دليل فيستهدي به كل من يهدي
بل صرحوا أنا نقابل قولهم ... إذا خالف المنصوص بالقدح والرد
فأصبح التعصب لهذه المذاهب شنيعا، تقدم أقوال أصحاب المذاهب على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ حتى قال منذر بن سعيد الأندلسي قال:
عذيري من قوم يقولون كلما ... طلبت دليلا هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا قال سحنون مثله ... ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن زدت قالوا قال أشهب مثله ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا ... وقالوا جميعا أنت قرن مماحك
فإن قلت قد قال الرسول فقولهم ... أتت مالكا في ترك ذاك المسالك
لم يزل العلماء يتوجعون من التقليد الأعمى الذي باعد الناس عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وحال بين الناس وبين كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وقد ألف العلماء المؤلفات القيمة في التحذير من التقليد منها:
стр. 5215
جزء كبير لابن القيم في كتابه 'إعلام الموقعين' ومنها كتاب للشوكاني 'القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد' ولم يزل علماء السنة يحذرون من هذا التقليد الذي حال بين الناس وبين كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . (١)
- ثم قال: لسنا نقول: إن كتب الأئمة الأربعة لا يستفاد منها ولا ينتفع بها، فالحمد لله نحن نقتني كتب الأئمة الأربعة ونستفيد منها، لكن ننصح إخواننا بالإقبال على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ ، فكتب الأئمة الأربعة تقتنى وتكون مرجعا كغيرها من المراجع، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
فنحن وإن كنا نقول: إننا لسنا متعبدين بأفهامهم فنحن نقول أيضا: إن أفهام الأئمة وأفهام الصحابة خير لنا من أفهامنا، لكنا لسنا متعبدين بأفهامهم، وفي كثير من المسائل قد اختلفوا رحمهم الله تعالى، وتعصب المتأخرون لهم غاية التعصب حتى قال أبو عبد الله البوشنجي:
ومن شعب الإيمان حب ابن شافع ... وفرض أكيد حبه لا تطوع
أنا شافعي ما حييت وإن أمت ... فوصيتي للناس أن يتشفعوا
أبو عبد الله البوشنجي من رجال تهذيب التهذيب وتعقبه أو خلفه: عبد الله بن محمد بن إسماعيل الهروي (حنبلي) فهو يقول:
أنا حنبلي ما حييت وإن أمت ... فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
هذا التعصب الأعمى لسنا منه ومنه نحذر، وكفانا كتاب الله وسنة
стр. 5216
رسول الله ﷺ ، والأئمة نستفيد من أفهامهم ونستعين بالله ثم بأفهامهم على فهم الكتاب والسنة، لأنهم لديهم من الفهم ومن الاطلاع والعلم ما ليس لدينا، وليس معناه أننا متعبدون بأفهامهم. والله المستعان. (١)
- وقد سئل عن حكم الشرع في الذي يرفض العمل بالسنة ويقصر العمل والحجة على القرآن؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد ألا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فحكم هذا الذي يقصر العمل على القرآن ويرفض العمل بسنة رسول الله ﷺ أنه كافر؛ يقول الله في كتابه الكريم: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (٢) ويقول الله في كتابه الكريم: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٣) ونبينا محمد ﷺ يقول كما في
стр. 5217
الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١) ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢)، ويقول : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٣)،
ويقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٤).
هؤلاء لهم شبهة وهي شبهة قديمة، وهي حديث موضوع باطل: "إذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فهو مني وأنا قلته وما لم يوافق فليس مني ولم أقله"، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول إنه سند مجهول فالحديث لا يثبت عن النبي ﷺ وذكر الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه 'إرشاد الفحول' ذكر عن يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي أنهما قالا إن الحديث مما وضعته الزنادقة ليردوا به السنن.
стр. 5218
فسنة رسول الله ﷺ لا يستغنى عنها، فتأتي مؤكدة للقرآن، وتأتي مبينة للقرآن، وتأتي أيضا ناسخة للقرآن على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ فالسنة مبينة ومخصصة وتأتي أيضا بشرع مستقل. فالنهي عن لحوم الحمر الأهلية لم يرد في كتاب الله، والنهي عن أكل كل ذي ناب من السبع وذي مخلب من الطير لم يرد في كتاب الله، وهكذا أشياء كثيرة لم ترد في كتاب الله فالسنة تأتي بشرع مستقل وجب قبوله والله المستعان. وتفصيل الصلاة والزكاة مأخوذ من سنة رسول الله ﷺ . (١)
- وسئل ﵀: ما هو رأيكم فيمن يجعل هذه الجماعات والأحزاب من أهل البدع والفرق ويقول: إنهم يدخلون تحت حديث الافتراق؟
فأجاب: هذا هو الذي يظهر، لأنها فرقت كلمة المسلمين وخصوصا من كان منهم صوفيا أو شيعيا أو يوالي ويعادي من أجل الحزب، والنبي ﷺ يقول كما في سنن أبي داود من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة» (٢) وجاء بيانها في سنن أبي داود أيضا من حديث معاوية ﵁ بأنها الجماعة (٣).
فهذه التفرقة لوحدة المسلمين تعتبر تفرقة، ثم بعد ذلك يصدر كتاب في
стр. 5219
هذه الأيام أن لا بأس بتعدد الجماعات، بل به بأس وبأس وبأس، فإن الله عزوجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١)، ويقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ (٢)، فهم يريدون أن يستروا على أنفسهم.
فأعداء الإسلام يدأبون ليلا ونهارا في تنفيذ مخططاتهم والمسلمون متفرقون، لكن هل الفرقة من قبل أهل السنة؟ لا، أهل السنة يقولون لهم: نحن نريد أن نتبع نحن وأنتم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأولئك يقولون: نحن نريد أن نزاحم الشيوعيين والبعثيين والناصريين، أنحن مفوضون في هذا الدين؟ الله عزوجل يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ (٣). وقد بلغني أن شخصا أقام اجتماعا في جبل الأهنوم وسئل: ما رأيك في الأحزاب؟ قال: بيننا وبينهم اتفاق ألا يتكلم بعضنا في بعض.
فهذه هي آثار الحزبية، وآثار الكراسي والدنيا؛ فأنصح كل طالب علم أن يبتعد عن هذه الحزبية، وأن يحذر المسلمين منها بالكتابة والخطابة
стр. 5220
والأشرطة وبالمناقشة، والمناظرة العلنية حتى ينكشف للمجتمع أنهم ليسوا متمسكين بهذا الدين كما ينبغي.
فالمسألة مسألة كراسي ومصالح، أنحن نستطيع أن ننصر أنفسنا حتى نكون أو نعمل بما نريد، لا، الله عزوجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (١)، ويقول أيضا في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢). فلا نستطيع أن ننصر أنفسنا حتى نتحذلق ونكتم بعض العلم، فلا تتكلم في موضوع كذا وكذا ولا تتكلم في موضوع كذا وكذا، من أجل أن الناس ينفرون، ورب العزة يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٣)، ويقول : ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وضائقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (٤).
فلسنا مفوضين في هذا الدين حتى نؤجل بعض القضايا ونسكت عن بعض الأمور، فربما بعض الأمور تكون شركية، ويقولون: اسكت عنها وأخرها حتى ننقض ونثب على الكرسي، ثم ماذا تعملون إذا وثبتم على