← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

السلف أصحاب الحديث: جاء في الفكر السامي: "إنه أول من أدخل المسانيد الأربعة للمغرب من الحرم الشريف يعني ما عدا الموطأ، وافتتحه -أي كتاب "الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية"- بعقيدة رسالة ابن أبي زيد ... وقد كان سلفي العقيدة على مذهب الحنابلة كما صرح بذلك في تآليفه ... ومن مآثره أنه كان يحض على قراءة كتب المتقدمين وينهى عن المختصرات، ويرى الرجوع للكتاب والسنة؛ ولو عملوا برأيه لارتقى علم الدين إلى أوج الكمال. (١) وفي الاستقصا: "وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله ﵀ ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية ﵃، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل، وكان يقول عن نفسه حسبما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة: إنه مالكي مذهباً حنبلي اعتقاداً، يعني أنه لا يرى الخوض في علم الكلام على طريقة المتأخرين، وله في ذلك أخبار". (٢) - وفيه: "ومن عجيب سيرته ﵀ أنه كان يرى اشتغال طلبة العلم

стр. 72

بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييع للأعمار في غير طائل، وكان ينهى عن ذلك غاية. ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما. ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك، حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل، وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما، حتى وضع في ذلك كتاباً مبسوطاً أعانه عليه أبو عبد الله الغربي وأبو عبد الله المير وغيرهما من أهل مجلسه. ولما أفضى الأمر إلى السلطان العادل المولى سليمان ﵀ صار يحض الناس على التمسك بالمختصر، ويبذل على حفظه وتعاطيه الأموال الطائلة، والكل مأجور على نيته وقصده. (١) قال صاحب الاستقصا: "إنا نقول: الرأي ما رأى السلطان سيدي محمد ﵀، وقد نص جماعة من أكابر الأعلام النقاد مثل الإمام الحافظ أبي بكر ابن العربي، والشيخ النظار أبي إسحاق الشاطبي، والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون وغيرهم، أن سبب نضوب ماء العلم في الإسلام ونقصان ملكة أهله فيه إكباب الناس على تعاطي المختصرات الصعبة الفهم، وإعراضهم عن كتب الأقدمين المبسوطة المعاني، الواضحة الأدلة، التي تحصل لمطالعها الملكة في أقرب

стр. 73

مدة، ولعمري لا يعلم هذا يقيناً إلا من جربه وذاقه. اهـ (١) وجاء في "النبوغ المغربي" لعبد الله كنون: "أصدر مرسوماً ملكياً سنة ثلاث ومائتين وألف للهجرة في إصلاح المنهج التعليمي بالمغرب، وألزم العلماء والوعاظ به، وتوعد بالعقوبة كل من خالفه، ومما قال فيه: "ومن أراد علم الكلام فعقيدة ابن أبي زيد ﵁ كافية شافية يستغني بها جميع المسلمين". ثم قال: "ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص؛ فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرنا في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه، وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها، ما مرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة، وأن يُضلوا طلبة البادية؛ فإنهم يأتون من بلدهم بنية خالصة في التفقه في الدين وحديث رسول الله ﷺ ، فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها؛ يظنون أنهم يحصلون على فائدة بها، فيتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث رسول الله ﷺ ، وإصلاح ألسنتهم بالعربية، فيكون ذلك سبباً في ضلالهم". (٢) فمن أعلام السلفية بالمغرب قبل الشيخ تقي الدين الهلالي أو من عاصره:

стр. 74

- السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي، أبو الربيع (١٢٣٨ هـ). - عبد الله بن إدريس بن محمد بن أحمد السنوسي، أبو سالم (١٣٥٠ هـ). - عبد السلام السرغيني (١٣٥٤ هـ). - السلطان عبد الحفيظ بن الحسن العلوي أبو المواهب (١٣٥٦ هـ). - أبو شعيب الدكّاليّ (١٣٥٦ هـ) وكان وزيراً للعدل. - عبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفاسي الفهري (١٣٨٣ هـ). - ابن المؤقت محمد بن محمد بن عبد الله المؤقت المراكشي (١٣٦٨ هـ). - محمد بن العربي العلوي (١٣٨٤ هـ) وكان وزيراً للعدل أيضاً. - عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم النتيفي (١٣٨٥ هـ). - محمد بن اليمني الناصري (١٣٩١ هـ). - محمد الجزولي (١٣٩٣ هـ). - صهيب بن محمد الزمزمي بن الصديق الغماري (بعد ١٣٩٧ هـ). - محمد بن محمد بن العربي كنوني المذكوري (١٣٩٨ هـ) وكان ﵀ عضواً بارزاً في الأمانة العامّة لرابطة علماء المغرب. - أحمد الخريصي (بعد ١٤٠٣ هـ). - عبد الله كنون رئيس رابطة علماء المغرب وأمينها العام. (١٤٠٩ هـ). - أحمد بن محمد بن عمر ابن تاويت التطواني (١٤١٤ هـ).

стр. 75

وهؤلاء ممن تيسر الوقوف على مواقفهم التي ضمناها موسوعتنا هذه وعامتها في المجلدين التاسع والعاشر. وختاماً: هذا ما تيسر بسطه في هذه المقدمة للتعريف بهذه الموسوعة المباركة، التي سنعمل إن شاء الله تعالى على وضع تتمات وزوائد ومستدركات عليه، إن كتب الله في العمر فسحة. والله أسأل أن ينفع بها، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يجزي أبوي وأم سهل رفيقة العمر -والتي كانت خير سند لنا في المسيرة الدعوية والعلمية- وأبناءنا وتلامذتنا خيراً؛ فإن لهم اليد البيضاء في هذا البحث وفي غيره من الأعمال الدعوية والعلمية ونشر الكتاب والسنة، جعلهم الله خير خلف لخير سلف، وجعل منهم العلماء والدعاة والمجاهدين في الله حق جهاده، ومن نسلهم ودعوتهم إنه سميع مجيب. كما لا ننسى الشكر والدعاء لكل من له يد خير في التوجيه والنصح للجمعية التي نقوم عليها، وخدمتها بعلمه أو عمله، أو ماله أو قلمه. فنسأله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة ويعظم لهم الأجر. وكتب محمد بن عبد الرحمن المغراوي مراكش

стр. 76

حمزة بن عبد المطلب (١) (٣ هـ) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، وكان يقال له أسد الله، وأسد رسوله، يكنى أبا عمارة، وأبا يعلى أيضا لابنيه عمارة ويعلى. الإمام البطل الضرغام البدري الشهيد. قال ابن إسحاق: لما أسلم حمزة، علمت قريش أن رسول الله ﷺ قد امتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وأخرج الحاكم وصححه عن جابر عن النبي ﷺ قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب" (٢) كان أسن من رسول الله ﷺ بأربع سنين. قتله وحشي يوم أحد بطلب من هند بنت عتبة انتقاما لأبيها ومثلت به. موقفه من المشركين: عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل من أسلم، وكان واعية، أن أبا جهل اعترض رسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له. فلم يكلمه رسول الله ﷺ . ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم. ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن

стр. 77

أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له. كان صاحب قنص يرميه، ويخرج له، فكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة. وكان إذا فعل ذلك لا يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم. وكان أعز قريش وأشدها شكيمة. وكان يومئذ مشركا على دين قومه. فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله ﷺ فرجع إلى بيته، فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم آنفا قبيل، وجده هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته. فخرج سريعا لا يقف على أحد، كما كان يصنع، يريد الطواف بالبيت. معدا لأبي جهل أن يقع به. فلما دخل المسجد، نظر إليه جالسا في القوم. فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس وضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة. وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه. فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت. قال حمزة: وما يمنعني منه، وقد استبان لي منه ذلك، وأنا أشهد أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق. فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله ﷺ من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه. فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه. فقال في ذلك شعرا حين ضرب أبا جهل وأسلم: ذق يا أبا جهل ما عسيت ... من أمرك الظالم إذ مشيت

стр. 78

عن أمرك الظالم إذ عنيت ... لو كنت ترجو الله ما شقيت ستسعط الرغم بما أتيت ولا ... تؤذي رسول الله إذ نهيت تركت الحق إذ دعيت ... ولا هويت بعد ما هويت حتى تذوق الخوى قد لقيت ... فقد شفيت النفس وأشفيت (١) " التعليق: هذا أحد مواقف حمزة ﵁، وكانت كلها في نصرة عقيدة التوحيد الخالصة، فهو أسد الله يوم بدر، قتل طاغوتا من أكبر طواغيت الشرك: شيبة بن ربيعة، وشارك في قتل عتبة بن ربيعة، وقتل طعيمة بن عدي، وأبلى البلاء الحسن يوم أحد، واستشهد في تلك المعركة الخالدة، وسماه النبي ﷺ : "سيد الشهداء" (٢): فرضي الله عنه وأرضاه. سعد بن معاذ (٣) (٥ هـ) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي البدري. أسلم على يد مصعب بن عمير. قال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلا، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلامكم علي حرام،

стр. 79

رجالكم ونساؤكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا. قال ابن إسحاق: آخى رسول الله ﷺ بين سعد وأبي عبيدة بن الجراح. وقال ابن إسحاق: حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وأم سعد معها، فعبر سعد عليه درع مقلصة، قد خرجت منه ذراعه كلها وفي يده حربة يرفل بها ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت أم سعد: الحق يا بني، قد والله أخرت. فقالت عائشة: يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، رماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة، فقال: عرق الله وجهك في النار. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. ثم أبلغه أمنيته بأن أمكن رسول الله ﷺ والمؤمنين منهم، فنزلت بنو قريظة على حكم سعد فوافق حكم الله تعالى فيهم. (١) رمي ﵁ يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهرا ثم انتقض جرحه فمات منه، وذلك سنة خمس للهجرة.

стр. 80

عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ" (١). وعن أنس قال: لما حملت جنازة سعد ابن معاذ، قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن الملائكة كانت تحمله" (٢). موقفه من المشركين: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد [هو ابن معاذ] بعث رسول الله ﷺ وكان قريبا منه- فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم، فجاء فجلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية. قال: لقد حكمت فيهم بحكم الملك". (٣) موقف السلف من مسيلمة الكذاب (١٢ ه ـ) قال شيخ الإسلام في المنهاج: وقرآنه الذي قرأه قد حفظ الناس منه سورا إلى اليوم، مثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين. ومثل قوله:

стр. 81

الفيل، وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، إن ذلك من خلق ربنا لقليل. ومثل قوله: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل ساحر وكافر. ومثل قوله: والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، إهالة وسمنا، إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين، ولكن قريشا قوم لا يعدلون. (١) وقال أيضا: وكان مسيلمة قد كتب إلى النبي ﷺ في حياته: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك" فكتب إليه النبي ﷺ : "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ... " (٢) ولما جاء رسوله إلى النبي ﷺ قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم. قال: لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك. ثم بعد هذا أظهر أحد الرسولين الردة بالكوفة، فقتله ابن مسعود، وذكره بقول النبي ﷺ هذا. وكان مسيلمة قد قدم في وفد بني حنيفة إلى النبي ﷺ ، وأظهر الإسلام، ثم لما رجع إلى بلده قال لقومه: "إن محمدا قد أشركني في الأمر معه" واستشهد برجلين: أحدهما الرجال (٣) بن عنفوة، فشهد له بذلك. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال لثلاثة أحدهم أبو هريرة، والثاني الرجال هذا: "إن أحدكم ضرسه في النار أعظم من كذا وكذا" (٤) فاستشهد الثالث في سبيل الله، وبقي أبو هريرة

стр. 82

خائفا، حتى شهد هذا لمسيلمة بالنبوة، واتبعه، فعلم أنه هو كان المراد بخبر النبي ﷺ . وكان مؤذن مسيلمة يقول: أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله. (١) ذكر مقتله لعنه الله: جاء في الكامل لابن الأثير: فلما مات النبي ﷺ ، وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين، أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل بن حسنة، فعجل عكرمة ليذهب بصوتها، فواقعهم فنكبوه، وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر، وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر. فكتب إليه أبو بكر: لا أرينك ولا تراني، لا ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة، ثم تسير أنت وجندك تستبرون الناس حتى تلقى مهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت. فكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد، فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة. فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه قبل عذره ورضي عنه ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه المهاجرين والأنصار وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب، وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه. فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثيرون كانت عدتهم أربعين ألف مقاتل، وعجل شرحبيل بن حسنة، وبادر خالدا بقتال مسيلمة، فنكب، فلامه خالد، وأمد أبو بكر خالدا بسليط ليكون ردءا له لئلا يؤتى من خلفه. وكان أبو بكر

стр. 83

يقول: لا أستعمل أهل بدر، أدعهم حتى يلقوا الله بصالح أعمالهم، فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر بهم. وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره. وكان مع مسيلمة نهار الرجال بن عنفوة، وكان قد هاجر إلى النبي ﷺ ، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، وبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد أن محمدا ﷺ يقول: إن مسيلمة قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره، وكان يؤذن له عبد الله بن النواحة، والذي يقيم له حجير بن عمير، فكان حجير يقول: أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله، فقال له مسيلمة: أفصح حجير، فليس في المجمجمة خير. وهو أول من قالها. (١) عن عروة قال: سار بنا خالد إلى اليمامة إلى مسيلمة، وخرج مسيلمة بمجموعة فنزلوا بعقرباء فحل بها خالد عليهم، وهي طرف اليمامة، وجعلوا الأموال خلفها كلها وريف اليمامة وراء ظهورهم. وقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حينفة اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم ستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا بعقرباء قتالا شديدا، فجال المسلمون جولة، ودخل ناس من بني حنيفة فسطاط خالد وفيه مجاعة أسير، وأم تميم امرأة خالد، فأرادوا أن يقتلوها فقال مجاعة: أنا لها جار، ودفع عنها، وقال ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مدبرين: أف لكم ولما تعملون، وكر المسلمون فهزم الله العدو،

стр. 84

ودخل نفر من المسلمين فسطاط خالد فأرادوا قتل مجاعة، فقالت أم تميم: والله لا يقتل وأجارته. وانهزم أعداء الله حتى إذا كانوا عند حديقة الموت اقتتلوا عندها، أشد القتال. وقال محكم بن الطفيل: يا بني حنيفة ادخلوا الحديقة فإني سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعة وقتل، وقال مسيلمة: يا قوم قاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى قتل مسيلمة. (١) استشهد في هذه الوقعة عدة من سادات الصحابة رضوان الله عليهم منهم أبو حذيفة بن ربيعة ومولاه سالم وزيد بن الخطاب وعبد الله بن سهيل وعباد بن بشر وثابت بن قيس بن شماس وأبو دجانة وعبد الله بن أبي وغيرهم كثير، أوصلهم خليفة بن خياط إلى ثمانية وخمسين رجلا. (٢) عكرمة بن أبي جهل (٣) (١٣ هـ) عِكْرِمَة بن أبي جهل عمروبن هشام بن المغيرة، أبو عثمان القرشي المخزومي المكي أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه وخرج إلى المدينة، ثم إلى قتال أهل الردة ووجهه أبو بكر الصديق إلى جيش نعمان، فظهر عليهم، ثم إلى اليمن ثم رجع. وذكر الطبري أن النبي ﷺ استعمله على صدقات هوازن عام وفاته. قال الشافعي: كان محمود البلاء في الإسلام، ﵁. قال ابن أبي مليكة: كان عكرمة إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني يوم

стр. 85

بدر. ذكر الطبري أنه قتل يوم أجنادين، وقال الواقدي: لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك. وقيل قتل يوم اليرموك في خلافة عمر. موقفه من الجهمية: جاء في السنة لعبد الله: عن ابن أبي مليكة قال كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويقول كلام ربي كلام ربي. (١) أمير المؤمنين أبو بكر الصِّدِّيق (٢) (١٣ هـ) عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، أبو بكر الصِّدِّيق بن أبي قُحَافَة، خليفة رسول الله ﷺ ، أمه أم الخير، سلمى بنت صخر. ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. كان أول من آمن من الرجال، لقب بعتيق. أنفق أمواله على النبي ﷺ وفي سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر" (٣). وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله أي الرجال أحب إليك؟ قال: "أبو بكر" (٤). وقال ﷺ : "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر

стр. 86

خليلا" (١). وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٢). أول خليفة بعد رسول الله ﷺ . أم المسلمين في مرض موت رسول الله ﷺ . شهد له النبي ﷺ على التعيين بالجنة. صحب النبي ﷺ سنة قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار وفي المشاهد كلها، وكانت الراية معه يوم تبوك. قال ابن حجر في الإصابة: ومناقب أبي بكر ﵁، كثيرة جدا، ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). كانت خلافته ﵁ سنتين. قاتل أهل الردة الذين منعوا الزكاة. وقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" (٤). توفي ﵁ في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة للهجرة. موقفه من المبتدعة: - روى الدارمي عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة

стр. 87

من أخمس، يقال لها: زينب: قال: فرآها لا تتكلم، فقال: مالها لا تتكلم، قالوا: نوت حجة مصمتة فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، قال: فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين، قالت: من أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: فمن أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية، فقال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وأيما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤساء وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم مثل أولئك على الناس. (١) - عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن آية من كتاب الله؟ فقال: أية أرض تقلني أو أية سماء تظلني، أو أين أذهب، وكيف أصنع؟ إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها. (٢) - جاء في الإبانة عنه قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به وإني لأخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. (٣) " التعليق: قال ابن بطة عقبه: هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه الزيغ إن هو خالف شيئا من أمر نبيه ﷺ ، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره، ويتباهون بمخالفته، ويسخرون

стр. 88

بسنته، نسأل الله عصمة من الزلل ونجاة من سوء العمل. - قال شيخ الإسلام: كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. (١) موقفه من المشركين: اختار الله محمد بن عبد الله ﷺ لرسالته، واختار أبا بكر لصحبته، لم تعرف البشرية بعد رسول الله ﷺ مثل أبي بكر، ومواقفه في نصرة عقيدة التوحيد الخالصة تكفي أن تكون نموذجا لكل سلفي مخلص لعقيدته، كان شوكة في حلق كل مشرك منذ أسلم إلى أن توفي، ضحى بالمال والولد والنفس، جمع بين اللين والقوة، وبين العلم والشجاعة. أجمع الصحابة كلهم على حبه والاعتراف بفضله، وبعدهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، إلا من أصيب بداء الرفض الذي لا دواء له إلا السيف، فرضي الله عنك يا خليفة رسول الله. أول خطيب بكلمة التوحيد الخالصة بعد رسول الله ﷺ : كان هذا الموقف من أعظم المواقف للصديق ﵁، حيث واجه جبال الشرك بمعاول عقيدة التوحيد الخالصة، وحاولت هذه الجبال أن تتردى عليه، وإن كان أصابه بعض شرره، ولكنه صبر واستيقن أن ما عليه هو الحق، وأن يوما ستتلاشى خيوط العنكبوت، التي ربما ظهرت لضعفاء الإيمان مظهر القوة وهي لا شيء، وهكذا يكون الأمر في كل زمان، فإنه مهما ظهر رؤوس الشرك والبدع، ومهما علا شأنهم وقويت شوكتهم، فإنهم كما قال الله

стр. 89

تعالى: مَثَلُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. (١) نص الموقف: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله ﷺ ، وكان له صديقا في الجاهلية: فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها، فقال رسول الله ﷺ : إني رسول الله أدعوك إلى الله. (٢) الخ. وبالسند نفسه عن عائشة قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، ورسول الله ﷺ جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين

стр. 90

عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته. ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فمسوا منه بألسنتهم، وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير، انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح. قال: أين هو، قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فان لله علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ﷺ ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، قال: فأكب عليه رسول الله ﷺ ، فقبله. وأكب عليه المسلمون. ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها

стр. 91

بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله ﷺ ، ودعاها إلى الله، فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرا، وهم تسعة وثلاثون رجلا وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر .. الخ. (١) كان هذا الموقف من أشرف مواقف الصديق ﵁، حفظ الله به الإسلام والأمة الإسلامية، وحقق الله به وعده في حفظ دينه، ومهما قلنا ووصفنا، فإن القلم يعجز عن التعبير عن مدح الصديق وما قدمه للإسلام والمسلمين. فجزاه الله عن عقيدة التوحيد الخالصة خيرا. انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وظهر كل من كان في قلبه مرض، أبدى النفاق عنقه صريحا، ومن كانوا يطمعون في الرئاسة وحب الظهور، قلبوها إلى دعوى النبوة، وارتد من ارتد من الأعراب الذين جبلوا على الفساد في الأرض، واجتمعت المصائب على الصديق، ولكن الصديق لم يكن ذلك الرجل الضعيف، الذي يتأثر بالكلمة أو الكلمتين، ولكنه الرجل الموفق الذي صمد لها وجعل عقيدة التوحيد الخالصة ترفرف فوق أبراج المشركين، الذين ولوا وأدبروا خاسئين. واسمع ما يذكره الحافظ ابن كثير في بدايته في هذا المقام: قد تقدم أن رسول الله ﷺ لما توفي، ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، ونجم النفاق بالمدينة، وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتفت على طليحة الأسدي بنو أسد وطيء وبشر كثير أيضا، وادعى النبوة أيضا، كما ادعاها مسيلمة الكذاب، وعظم الخطب واشتدت

стр. 92

الحال، ونفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة، وراموا أن يهجموا عليها فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس: علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا. (٢) - عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر، كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله" فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. (٣)

стр. 93

- جاء في المنهاج: والصديق قاتلهم -أي المشركين- حتى قال له ابنه عبد الرحمن: قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك. فقال: لكني لو رأيتك لقتلتك. (١) - جاء في الشريعة: عن عروة قال: سعى رجال من المشركين إلى أبي بكر ﵁ فقالوا له: هذا صاحبك يزعم أنه قد أسري به الليلة إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فقال أبو بكر ﵁: أو قال ذاك؟ قالوا: نعم. قال أبو بكر ﵁: فأنا أشهد إن كان قال ذاك لقد صدق. قالوا: تصدقه أنه قد جاء الشام في ليلة واحدة ورجع قبل أن يصبح؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة وعشية. فلذلك سمي أبو بكر ﵁: الصديق. (٢) - وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية. فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن

стр. 94

الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله . والنبي ﷺ يومئذ بمكة. (١)

стр. 95

- جاء في مجموع الفتاوى: وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام، وينظمونه من الشعر بين حديث مفترى، وشعر مفتعل. واليهما أشار أبو بكر الصديق رضى الله عنه لما قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يخاطبه به: يا خليفة رسول الله تألف الناس. فأخذ بلحيته وقال: يا ابن الخطاب، أجبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام؟ علام أتألفهم؟ أعلى حديث مفترى؟ أم شعر مفتعل؟ يقول: إني لست أدعوهم إلى حديث مفترى كقرآن مسيلمة، ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الأسدي. (١) - عن أبي برزة، قال: كنت عند أبي بكر ﵁ فتغيظ على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد ﷺ . (٢) - ذكر سيف بن عمر التميمي في كتاب 'الردة والفتوح' عن شيوخه، قال: ورفع إلى المهاجر -يعني المهاجر بن أبي أمية، وكان أميرا على اليمامة ونواحيها- امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي ﷺ ، فقطع يدها، ونزع ثنيتيها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين، فقطع يدها، ونزع ثنيتيها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمزمت بشتم النبي ﷺ ، فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود،

стр. 96

فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر. (١) موقفه من الصوفية: عن حنظلة الأسيدي -قال: وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت نافق حنظلة. قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ . قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات. (٢) قال القرطبي في المفهم (٣): وقول أبي بكر ﵁: 'والله إنا لنلقى مثل هذا' رد على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يُعرجون بسببها على أهل ولا مال، ووجه الرد أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس كلهم بعد رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدَّع

стр. 97

خروجا عن جبلة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر وعدم الفترة ما هو خاصة الملائكة. وقد ادعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال ... موقفه من الجهمية: - جاء في الفتاوى: قال أبو بكر الصديق -لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب- إن هذا الكلام لم يخرج من إل -يعني رب. (١) - ولابن بطة بسنده إلى نيار بن مكرم الأسلمي -وكانت له صحبة-، قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ (٢)، قالت قريش لأبي بكر ﵀: يا ابن أبي قحافة، لعل هذا من كلام صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام الله . (٣) موقفه من المرجئة: عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: إياكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان. (٤)

стр. 98

ابن أم مكتوم (١) (١٥ هـ) عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري، ابن أم مكتوم الصحابي الجليل، وقيل اسمه عبد الله، والأول عليه أكثر أهل الحديث. أسلم قديما بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، وكان ضريرا مؤذنا لرسول الله ﷺ . روى عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه عبد الله بن شداد بن الهاد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو رزين الأسدي وآخرون. استخلفه النبي ﷺ على المدينة في غزوة بدر، وهو المذكور في سورة (عبس وتولى)، وأخرج البخاري عن البراء رضي لله عنه قال: لما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) دعا رسول الله ﷺ زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾ (٢).اهـ (٣) قال الزبير بن بكار: خرج إلى القادسية، فشهد القتال، واستشهد هناك، وكان معه اللواء حينئذ، وقيل بل رجع إلى المدينة بعد القادسية، فمات بها، ذكره البغوي، وقال الواقدي: بل شهدها، ورجع إلى المدينة، فمات بها، ولم يسمع له بذكر، بعد عمر بن الخطاب. قال ابن حجر: مات في آخر خلافة عمر. وأرخ له ابن العماد الحنبلي والذهبي في سنة خمس عشرة.

стр. 99

موقفه من المشركين: عن عبد الله بن معقل قال: نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه، وتؤذيه في النبي ﷺ فتناولها فضربها، فقتلها، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال هو: أما والله إن كانت لترفقني، ولكن آذتني في الله ورسوله. فقال النبي ﷺ : "أبعدها الله، قد أبطلت دمها". (١) أبو عبيدة بن الجراح (٢) (١٨ هـ) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال، أبو عبيدة القرشي الفهري المكي. أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وسماه النبي ﷺ أمين هذه الأمة. شهد بدرا وما بعدها، وهو أحد الرجلين اللذين عينهما أبو بكر للخلافة يوم السقيفة، وهو الذي انتزع الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ ، فسقطت ثنيتا أبي عبيدة. روى عنه جابر بن عبد الله والعرباض بن سارية وأبو أمامة وسمرة بن جندب وجماعة. قال ابن إسحاق: آخى رسول الله ﷺ بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل محمد بن مسلمة. فعن حذيفة ﵁ قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا:

стр. 100

ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف له الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح". (١) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح". (٢) وقد استعمله النبي ﷺ غير مرة. قال الزبير بن بكار: شهد بدرا مع رسول الله ﷺ ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه النبي ﷺ من المغفر يوم أحد، فانتزعت ثنيتاه، فحسنتا فاه، فقيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة، وقام يوما من مجلس النبي ﷺ ، فنظر رسول الله ﷺ في قفاه وكان يقال: داهيتا قريش: أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح. ودعا أبو بكر الصديق يوم توفي رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر بن الخطاب أو أبي عبيدة بن الجراح، وقال: قد رضيت لكم أحدهما وولاه عمر بن الخطاب الشام، وفتح الله عليه اليرموك والجابية، وسرع مدينة الشام والرمادة. عن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفا أو استخلفه؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ فقالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، ثم انتهت إلى

стр. 101

هذا. (١) قال محمد بن سعد وخليفة بن خياط: مات أبو عبيدة بن الجراح في طاعون عمواس بأرض الأردن وفلسطين سنة ثماني عشرة. زاد ابن سعد: وهو ابن ثمان وخمسين سنة. موقفه من المشركين: - وقد شهد أبو عبيدة بدرا، فقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا. (٢) - فتح الله عليه اليرموك والجابية، وسرع مدينة الشام والرمادة. (٣) معاذ بن جبل (٤) (١٨ هـ) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي البدري، الإمام المقدم في علم الحلال والحرام وفيه قال رسول الله ﷺ :

стр. 102

" ... وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ" (١) شهد العقبة شابا أمرد وشهد المشاهد كلها. وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ . فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ :_"خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبيّ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة" (٢). وعن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة من المهاجرين عمر وعثمان، وعلي وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ وزيد. وكان من أفضل شباب الأنصار حلما وحياء وسخاء. ومناقبه كثيرة. عن نيار الأسلمي: أن عمر كان يستشير هؤلاء فذكر منهم معاذا. وصح عن عمر قوله: من أراد الفقه، فليأت معاذ بن جبل. وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة ثماني عشرة ﵁. موقفه من المبتدعة: - جاء في أصول الاعتقاد: كان معاذ يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن، فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ثم ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة. واتقوا زيغة الحكيم فإن الشيطان يلقي على في الحكيم

стр. 103

الضلالة ويلقي المنافق كلمة الحق قال: قلنا: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق، وأن الشيطان يلقي على في الحكيم كلمة الضلالة. قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت ما هذا؟ ولا ينأ بك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع ويلقي الحق إذا سمعه، فإن على الحق نورا. (١) - قال معاذ بن جبل: إياكم والبدع والتبدع والتنطع، وعليكم بالأمر العتيق. (٢) - وعنه قال: يد الله فوق الجماعة، فمن شذ لم يبال الله بشذوذه. (٣) " التعليق: كان معاذ بن جبل من أغزر الصحابة علما بالحلال والحرام، وأما علمه بعقيدة التوحيد الخالصة فأمر مجمع عليه بينه وبين إخوانه من الصحابة رضوان الله عليهم. ولذا كان يعلم خطر البدع والمبتدعة، فكان يحذر منهم في كل مجلس، فهؤلاء هم أحياء القلوب، وأما أهل زماننا فأموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون. قبلوا البدعة ورضوا بها، وتسهالوا مع المبتدعة واتخذوهم أحبابا وإخوانا، وآووهم في بيوتهم وأحاطوهم بكل رعاية والله المستعان. - وجاء في السير عن أم سلمة أن أبا عبيدة لما أصيب، استخلف معاذ

стр. 104

ابن جبل -يعني في طاعون عمواس- اشتد الوجع، فصرخ الناس إلى معاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، قال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم، أيها الناس، أربع خلال من استطاع أن لا تدركه، قالوا: ما هي؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدري ما أنا، لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة. (١) - وجاء في الإبانة عن عاصم بن حميد، قال: سمعت معاذا يقول: إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الأمر إلا شدة، ولن تروا من الأئمة إلا غلظة، ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حقره بعد ما هو أشد منه. قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: اللهم رضنا مرتين. (٢) موقفه من المشركين: عن أبي موسى أن رجلا أسلم ثم تهود، فأتاه معاذ بن جبل -وهو عند أبي موسى- فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهود، قال لا أجلس حتى أقتله، قضاء الله ورسوله ﷺ . (٣) موقفه من الجهمية: عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن

стр. 105

معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في صعيد واحد فينادي: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة. (١) موقفه من المرجئة: - عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه. (٢) - عن سفيان عن عبد الملك بن عمير قال: قال لمعاذ: ما ملاك أمرنا الذي نقوم به؟ قال: الإخلاص، وهي الفطرة والصلاة وهي الملة والسمع والطاعة وهي العصمة وسيكون بعدك اختلاف. (٣) أبيّ بن كعب (٤) (١٩ هـ) أُبَيّ بن كَعْب بن قَيْس الأنصاري الخزرجي البدري أبو المنذر ويكنى أيضا أبا الطفيل سيد القراء. شهد بدرا والمشاهد. وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ

стр. 106

وعرض على النبي ﷺ وحفظ عنه علما مباركا وكان رأسا في العلم والعمل. وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، وفي لفظ أمرني أن أقرئك القرآن. قال: آلله سماني لك؟ قال: نعم، قال: وذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه" (١). وقال له النبي ﷺ : "ليهنك العلم أبا المنذر". (٢) كان من أصحاب العقبة الثانية، وكان عمر يسميه سيد المسلمين. أخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا. وفي تاريخ موته اختلاف، قال الهيثم بن عدي: مات سنة تسع عشرة، وقيل اثنتين وعشرين، وقيل سنة ثلاثين، والله أعلم. موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة: قال أبيّ: (هلك أهل العقدة ورب الكعبة هلكوا وأهلكوا كثيرا، والله ما عليهم آسى ولكن آسى على ما يهلكون من أمة محمد ﷺ ). يعني: بالعقد الذين يعتقدون على الآراء والأهواء والمفارقين للجماعة. (٣) - وفيها: عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء، فقال:

стр. 107

أكان هذا؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا رأينا. (١) - وفي أصول الاعتقاد عن أبي بن كعب قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة. وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فيعذبه. وما على الأرض عبد على السبيل والسنة وذكره -يعني الرحمن في نفسه- فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها. وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا أو اقتصادا أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم. (٢) موقفه من القدرية: عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فأتيت أبي ابن كعب فقلت: أبا المنذر، وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يكون فيه هلاك ديني وأمري، حدثني عن ذلك بشيء، لعل الله ينفعني به. فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد أو مثل جبل أحد ذهبا أنفقته في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم

стр. 108

أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك وإن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فقال مثل ذلك، كان أبو سنان يقتص الحديث، قال ولا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان، فتسأله. فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ذلك، وقال: ايت زيد بن ثابت فسله. فأتيت زيد ابن ثابت، فسألته. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك قبل أحد أو مثل أحد ذهبا، أنفقته في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار". (١) " التعليق: هذا هو فقه العقيدة الصحيح الذي امتاز به الصحابة الكرام، لم ينقصهم العلم والفهم في عقيدة التوحيد الخالصة، كما يدعي المبتدعة أن الصحابة لم يخوضوا في أمر العقيدة، ولا كان لهم علم بها، فلا أدري ما هو العلم إن لم يكن هذا هو العلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، أوتوا الحظ الأوفر من العلم والفهم والعمل.

стр. 109

بلال بن رباح (١) (٢٠ هـ) بِلال بن رَبَاح الحبشي: المؤذن. مولى أبي بكر الصديق ﵁ اشتراه من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي ﷺ وأذن له وشهد معه جميع المشاهد وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. كان من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله، شهد له النبي ﷺ على التعيين بالجنة. وفي كنية بلال ثلاثة أقوال: أبو عبد الكريم وأبو عبد الله، وأبو عمرو وكان تِرْب أبي بكر ﵁. ومناقبه كثيرة مشهورة. مات في الشام زمن عمر ﵁ سنة عشرين. موقفه من المشركين: - عن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. (٢) قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من

стр. 110

أصحابه. فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة، إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولد من مولديهم وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب. وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ﷺ وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك: أحد أحد. (١) " التعليق: كانت هذه المواقف الخالدة لبلال من أفضل المواقف التي تحدث بها الكبير والصغير والصبي والمرأة، وعرفته الأجيال قبلنا وستعرفه الأجيال من بعدنا إن شاء الله، وستبقى هذه المواقف أنموذجا يقتدي به كل سلفي يدعو إلى عقيدة التوحيد الخالصة، لا إلى الذين يريدون المداهنة مع المشركين والمبتدعين، ويتهمون الذين يجهرون بعقيدة التوحيد أنهم متشددون، فهذه مواقف صحابة رسول الله ﷺ ومعهم الرسول مع المشركين؟!
следующие страницы →