← Адаб

Адаб · id 37327

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني

ابن الإفليلي

Полный текст (370 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال أيضاً: أَمَا فِي هذهِ الدُّنيا كَرِيمُ ... تَزُولُ بِهِ عَنِ القَلبِ الهُمومُ؟! أما في هذهِ الدُّنيا مَكَانٌ يُسَرُّ ... بِأَهلهِ الجَارُ المُقيمُ؟! تَشَابَهَتِ البَهَائِمُ والعِبِدَّى عَلَينا ... والمَوَالِي والصَّمِيمُ البهائم: ذوات الأربع وما أشبهها، والعبدى: جماعة العبيد على غير قياس واحده، والصميم: الخالص من كل شيء. فيقول: أما في هذه الدنيا كريم يسكن إليه، وذو فضل يعول عليه، تزول بموضعه هموم النفس وتبعد، وتستدفع عنها المكاره وتطرد؟. ثم قال: أما في هذه الدنيا مكان صالح يسكن العاقل إلى مثله، ويسر بما يباشره من حسنه، ويتأنس الجار المقيم فيه بعوائد فضله، ويغدو ويروح متشكرا لأهله؟!. ثم قال: تشابهت البهائم فيه والعبدى لعدم العقول، وتساوت الطائفتان في قصر العلوم، وصار صميم القوم ومواليهم أشكالا في تواضع الهمم، وأشباها يعتقدونه بالإعراض عن الكرم. وَمَا أَدرِي إذا دَاءٌ حَدِيثُ ... أَصَابَ النَّاسَ أَمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟! حَصَلتُ بأرضِ مِصرَ على عَبِيدٍ كَأَنَّ ... الحُرَّ بَينَهُمُ يَتِيمُ كَأَنَّ الأسوَدَ اللاَّبِيَّ فِيهِمْ غُرَابٌ ... حَولَهُ رَخَمٌ وَبُومُ اللابي: منسوب إلى اللابة وهي الحرة، والحرة: أرض تلبسها حجارة سود، فنسب السودان إليها على سبيل المجانسة في اللون. روى أبو عبيدة أن العرب تقول في الحرة: لابة ولوبة، وإلى ذلك نسب السودان، وروى غيره لابة، والرخم والبوم: ضربان معروفان من الطير يماثلان الغربان في تكره الناس لهما، واستيحاشهم من أصواتهما. فيقول: وما أدري أهذا الذي أصاب الناس، من محبتهم برئاسة العبدان، وأهل الزهادة في التفضل والإحسان، داء حديث طرقوا به، أو أمر قديم عرضهم الزمان

стр. 212

له. ثم قال: حصلت بأرض مصر بين عبيد متغلبين وسوق معتدلين، كأن الحر فيهم يتيم مغلوب على أمره، ضعيف لا يدفع الضر عن نفسه. ثم قال مشيرا إلى كافور: كأن الأسود اللابي، المتغلب على ملكهم، المنفرد بتدبير أمرهم، بين من يستضيف إليه من أصناف العبيد، اللذين هم أنصار دعوته، وأشباهه في دناءته، غراب يتجند بالبوم والرخم، ولا ينسب هو ولا من حوله إلى شيء من الكرم. أُخِذتُ بِمَدحِهِ فَرَأيتُ لَهوَاً ... مَقَالِيَ لِلأحَيمَقِ يا حَليِمُ وَلَمَّا أَن هَجَوتُ رَأيتُ رَأيتُ عَيبَاً ... مَقَالِي لأبنِ آوَى يا لَئِيمُ فَهَلْ مِن عَاذِرٍ في ذا وفي ذا ... فَمَدفُوعٌ إلى السُّقمِ السَّقِيمُ إذا أَتَتِ الإساَءةُ مِنْ وَضيعٍ ... وَلَمْ أَلمُ المُسِيَء فَمَنْ أَلُومُ؟! الحليم: الوافر العقل، الواسع الصدر، وأبن آوى: دويبة ضعيفة حقيرة، واللئيم: الدنيء الساقط. فيقول مشيرا إلى كافور: دفعتني الأيام إلى مدحه، وامتحنتني بقصد مثله، فرأيت بابا من اللهو، وضربا من ضروب الهزء، أن أصفه بالحلم مع بيان سخفه، وبالرجاحة مع ظهور ضعفه. ثم قال: ولما أن أخذت في هجوه وعدلت إلى ذمه، رأيت من العي أن أدل من عيوبه على ما لا يجهل، ومن نقصانه على ما لا ينكر فأصير كمن يحتقر أبن آوى ولا أحد يستعظمه، ويسترذله ولا أحد من الناس يستنبله. ثم قال: فهل من عاذر لي في الأمرين اللذين عاينتهما من مدحه وذمه، وتقريظه وهجوه؟ فلم أك في ذلك إلا في قبض الاضطرار، وغير جار على شيء من وجوه الاختيار.

стр. 213

ثم قال مشيرا إلى الاعتذار من انحطاطه إلى هجو كافور: إذا أتت الإساءة من وضيع خسيس، قذر، لئيم، حقير أمره، ولم ألمه على سوء فعله، وأعنفه بتقصير عقله، فمن الذي أعتمده باللوم، وأصرف فيه وجوه الهجاء؟!.

стр. 214

وقال أيضا: أَنوَكُ مِن عَبدٍ وَمِن عِرسِهِ ... كمَن حَكَّمَ العَبدَ عَلى نَفسِهِ وإنَّما تُظهِرُ تَحكِيمَهُ لِيَظهَرَ ... الإفسَادُ في حِسِّهِ ما مَنْ يَرَى أَنَّكَ في وَعدِهِ ... كَمَنْ يَرَى أَنَّكَ في حَبسِهِ عرس الرجل: زوجه، والحس: إدراك الأشياء بإحدى الحواس. فيقول مشيرا إلى كافور: أنوك من العبد ومن عرسه الذي هو قيم أمرها، والمطلق على ملكها، من حكم العبد في نفسه، وهو يجد السبيل إلى مفارقة أرضه، والتباعد عن قربه. ثم قال: وإنما نظهر التسليم لأمره، والوقوف عند رأيه، مغالطين غير محققين، ومظاهرين غير مجدين، لنخدعه عن نفسه، ونبين الإفساد في معرفته وحسه. ثم قال: وليست حال من توهمه أنك منتظر لفضله، ومرتقب لما أسلف عندك من وعده، كحال من يعتقد أن بقاءك فيما قبله بقاء ضرورة وحبس، وغلبة وقهر، فنحن مضطرون إلى مغالطته في بقائنا عنده، لنستدفع بذلك مخوف فعله، ونأمن ما نحذره من أمره. العَبدُ لا تَفضُلُ أَخلاَقُه ... عَنْ فَرَجِهِ المُنتِنِ أو ضِرسِهِ لا يُنجزُ المِيعادَ في يَومِهِ ... ولا يَعِي ما قَالَ في أمسِهِ وإِنَّما تَحتالُ في جَذبِهِ ... كأَنَّكَ المَلاَّحُ في قَلسِهِ الملاح: النوتي، والقلس: حبل ضخم من حبال السفينة. فيقول: العبد بطبعه قصير الهمة، لئيم البنية، ليس في أخلاقه فضل عن فرجه وفمه، يشير إلى النكاح والأكل، واشتغال العبد بهما، وأن همته لا تتجاوزهما. ثم قال، وهو يؤكد ما قدمه: أن وعد العبد بوعد تناساه في يومه، ولم يستقبح الكذب فيه على نفسه، وأن فاتحك بقول تناساه في ليلته، ولم يضبطه في الأمس بلؤم طبيعته.

стр. 215

ثم قال، وهو يشير إلى كافور: إنما تحتال في جذبه إلى ما ترغبه وعطفه على (ما) تقصده، باستعمال المخادعة، وإظهار الملاطفة، على نحو ما يتحيل الملاح في جذب قلس السفينة، وما يتحمله في ذلك من المؤونة. فَلاَ تُرَجِّ الخَيرَ عِندَ امرئٍ ... مَرَّتْ يَدُ النَّخَّاسِ في رَأسِهِ وإنْ عَرَاكَ الشَّكُّ في نَفسِهِ ... بِحالَةٍ فأنظُرْ إلى جِنسِهِ يقول، وهو يخاطب نفسه، ويشير إلى كافور: فلا ترج الخير عند متن لئيم محتقر، قد مرت يد النخاس الذي عرض البيع به في ضرب رأسه، وامتهان نفسه، وإن نازعك في لؤم قدره، وتواضع أمره، بحال ينتقل إليها من الثروة، ورتبة يصير إليها من الرفعة، فأنظر إلى جنسه في العبودية، يتبين لك لؤم طبيعته، ولا يستتر عنك تمكن دناءته. فَقَلَّما يَلؤمُ في ثَوبِهِ ... إلاَّ الذي يَلؤم في غِرسِهِ مَنْ وَجَدَ المَذهَبَ عَنْ قَدرِهِ ... لم يَجِدِ المَذهِبَ عَنْ قِنسِهِ الغرس: شيء يخرج من الولد كأنه مخاط، والقنس: الأصل. فيقول على نحو ما قدمه: فقل من يتحقق منه اللؤم مشاهدة، ويتبين منه معاينة، إلا الذي يكون اللؤم في خلقته، ويلزمه في حين ولادته. ثم قال على سبيل المثل، مؤكدا لما قدمه: من وجد مذهبا على قدره بنعمة يكتسبها، ومنزلة يستجدها، لم يجد مذهبا عن أصله، الذي إليه ينزع بطبعه، ويستبين عليه في قوله وفعله.

стр. 216

وسبب له إلى الرملة بمال يقبضه، فأستأذنه في الخروج إليها ليقبض المال، فمنعه من الخروج، وقال له: نحن نوجه لك من يقبضه فقال: أتَحلِفُ لا تُكلِّفُني مَسِيراً إلى ... بَلَدٍ أُحَاوِلُ فِيهِ مَالا وأَنتَ مُكلِّفِي أَنبَا مَكَانَاً وأَبعَدَ ... شُقَّةً وَأَشَدَّ حَالا إذا سِرنَا عَنِ الفُسطَاطِ يَومَاً ... فَلِّقني الفَوَارِسَ والرِّجالا لِتَعلَمَ قَدرَ مَنْ فَارَفتَ مِنِّي ... وَأَنَّكَ رُمتَ مِن ضَيمِي مُحالا الشقة: المسافة، والفسطاط: قصبة مصر، والضيم: الذل. فيقول، وهو يريد كافورا: أتحلف على أنك لا تكلفني مسيرا أتمونه، ولا تحملني سفرا أتجشمه، وأن كان ذلك المسير إلى مال أستفيده، ومكسب أستحدثه، مظهرا للصيانة لي، ومحتملا على الضنانة بي. ثم قال: وأنت تكلفني المقام عندك في أنأى مكان من ذلك واكره، وأسوأ حال وأضيق، وتحملني في ذلك أبعد المسافات المنيعة، وتشملني بأشد الأحوال الموجعة. ثم قال: إذا ما سرت عنك من الفسطاط يوما، أخرج به عن ضبطك، ويسقط عني ما أحاط بي من حصرك، فلقني فوارسك ورجلك وأجلب في تعويقي عن السير بمبلغ جهدك. ثم قال: لتعلم قدر من تفارق مني في الإقدام والجرأة، والصرامة والقوة، وأنك قد حاولت من ضمي محالا لا يتمكن لمحاوله، وأمرا لا يقرب على متناوله.

стр. 217

وقال أيضاً: لَو كَانَ ذَا الآكِلُ أَزوَادَنَا ضَيفَاً ... لأَوسَعنَاهُ إحسَانَا لَكِنَّنا في العَينِ أَضيَافُهُ يُوسِعُنَا ... زُورَاً وَبُهتَانَا فَلَيتَهُ خَلَّى لَنَا طُرقَنَا أَعانَهُ ... اللَّهُ وإِيَّانا الزور: الكذب، والبهتان: قذفك الإنسان بما ليس فيه. فيقول، وهو يريد كافورا: لو كان هذا الذي يأكل ما تزودناه، ويتحيف ما جمعناه، بإغفاله أمرنا، واضطرارنا إلى الإنفاق مما عندنا، (ضيفا) نتكلف مؤونته، وسائلا نتيقن ضرورته، لأوسعناه إحسانا ويرا، ولأوليناه إكراما وفضلا. ثم قال: ولكننا أضيافه في عين الناظر، وقصاده في الشاهد، وهو يوسعنا مع ذلك زورا فيما يعدنا به، وبهتانا فيما يعرضنا له، غير مراع لحق ضيافتنا، ولا آخذ بحق من مجاملتنا. ثم قال: فليته خلى لنا طرقنا فننصرف عنه، ولم يعترضنا في سلك سبلنا فنريح أنفسنا منه، وفقه الله لما فيه كفايتنا بفضله، وتخلصنا منه بخفي لطفه.

стр. 218

وقال عند خروجه من مصر في سنة خمسين وثلاث مائة. عِيدٌ بأَيَّةِ حَالٍ عُدتَ يا عِيدُ بِمَا ... مَضَى أَمْ لأَمرٍ فِيهِ تَجدِيدُ أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبَيدَاءُ دُونَهُمُ ... فَلَيتَ دُونَكَ بِيداً دُونَها بِيدُ العيد: ما اعتاد الإنسان من مرض أو حزن، قال الشاعر: عَادَ قَلبِي مِنَ الطَّويلَةِ عِيدُ ... واعتراني مِنْ حُبِّها تَسهِيدُ البيداء: المفازة المقفرة، وجمعها بيد، وكسرت الباء من بيد، وهي على وزن فعل، للياء التي بعدها، كما فعل ذلك ببيض. فيقول مخبرا عن الحزن الذي كان يعتاده باتصال غربته، وتراخي عهده بأحبته: عيد أنت أيها الحزن تتتابع ولا تغفل، وتتكرر ولا تفتر، فبأي حال عدت الآن أيها الحزن المتأكد، والبث المتمكن؟! ألمثل ما مضى وأنصرم، وسلف وتقدم، أم بضرب من الأشواق أحدثته، ونوع من أنواع الأحزان جددته؟!. ثم قال، يخاطب البث المعتاد له، والحزن المتولع به: أما الأحبة فدارهم نازحة، والبيد المقفرة فيما بيني وبينهم قاطعة، وأنت أيها الحزن قريب لا تبعد، وملازم لا تفقد، فليت بيني وبينك مسافات متراخية، ومفازات بعيدة متنائية. لَولاَ العُلَى لم تَجُبْ بي ما أَجُوبُ بِهَا وَجَنَاءُ ... حَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدودُ وَكَانَ أَطيَبَ مِن سَيفِي مُضَاجَعَةً ... أَشبَاهُ رَونَقِهِ الغِيدُ الأمَالِيدُ جبت المفازة: إذا قطعتها، والوجناء: الناقة الضخمة القوية، والحرف: الضامرة، والجرداء: القصيرة شعر الجلد، والقيدود: الطويلة، ورونق السيف: ماؤه وصفاؤه، والغيد: الطوال الأعناق، الواحدة غيداء، والماليد، الحسان النواعم، الواحدة أملود. فيقول: لولا العلى وما أرغبه من إكتسابها، وما أعتقده من الشغف بها، لم أتمون الأسفار الطويلة، ولا تكلفت الرحل البعيدة، ولا قطعت بي الفلوات النازحة، والمهامة الشاسعة، نجائب الإبل وكرائمها، وعتاق الخيل وسوابقها. ثم قال: وكان أطيب من مضاجعة السيف في الأسفار التي أحاولها، والرحل التي

стр. 219

ألازمها، الخفض والدعة، والسكون والرفاهية، ومضاجعة الحسان اللواتي يشبهن رونق السيف بما هن عليه من الحسن والبهجة، ويتمكن الفلوات بما يبدين من الشباب والنعمة. لم يَترُكِ الدَّهرُ مِن قَلبِي وَمِنْ كَبِدِي ... شَيئاً يُتَيِّمُهُ عَينٌ ولا جِيدُ يا سَاقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما ... أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهِيدُ؟ أَصَخرَةٌ أَنَا؟ ما لي لا تُغَيِّرُني ... هذي المُدَامُ ولا هذي الأَغاريدُ! يتيمه: يستعبده، والتسهيد: ذهاب النوم، والأغاريد: الأصوات المطربة. فيقول: أن الدهر بكثرة نوائبه، وما طرقه به من مؤلم حوادثه، أعدمه قلبه وكبده، بتأثير أوجد فيهما، فلم يترك له منهما ما تتيمه العيون الفاترة، وتروق الأجياد الناعمة. ثم قال: يا ساقيي أهذا الذي تدايرانه في كؤوسكما خمر يلتذ بطعمها، ويستفاد السرور بشربها، أم ذلك هم وسقم، وتسهيد وألم؟ يشير إلى أن الخمر كانت تثير كوامن وجده، وتجدد أسباب حوبه. ثم قال معجبا بما هو عليه من تعذر السلوة، وقلة الجلد على الغربة: أصخرة أنا فلا تغيرني المدام بما تبعثه من الفرح، والأصوات الغردة بما تثيره من الطرب! فقد خرجت في ذلك عن المعهود، واقتصرت على الأسف الشديد. إذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَّونِ صَافِيَةً ... وَجَدتُها وَحَبِيبُ النَّفسِ مَفقُودُ ماذا أبقَيتُ مِنَ الدُّنيا؟ وأعجَبُها ... إِنِّي بِما أَنا بَاكٍ مِنهُ مَحسودُ! أمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خَازِنَاً وَيَداً ... أَنَا الغَنِيُّ وَأقوَالي المواعِيدُ الكميت من الخمر وغيرها: ما كان فيه حمرة وسواد، والمثري: الكثير المال. فيقول: إذا أردت الخمر الكميت الصافية ألفيتها قريبة ممكنة، كثيرة متأتية، إلا أن أحبه وأمقه، وأسكن إليه وأتعشقه، بعيد متعذر القرب، معدوم غير متمكن الوصل؛

стр. 220

وهذه الحال تمنع من السرور بالخمر، وتثير الأحزان في القلب. ثم قال: ماذا لقيت من الدنيا وتصرفها، ومن الأيام وتقلبها، وأعجب ما خبرت من ذلك وباشرت، وأغرب ما أبصرت منه وشاهدت، أني أحسد على ما هو يبكي ويحزن، وأنافس في ما مثله يوجع ويؤلم. ثم قال: أمسيت أروح المثرين نفسا وخادما، وأفرغهم يدا وخازنا، لأني غني وأموالي عدات غير حاصلة، ومكثر وذخائري أقوال غير صادقة. إنِّي نَزَلتُ بِكَذَّابِينَ ضَيفُهُمُ ... عَن القِرَى وَعَن التَّرحَالِ مَحدُودُ جُودُ الرِّجالِ مِنَ الأيدِي وَجودُهُمْ ... مِنَ اللِّسَانِ فلا كَانُوا ولا الجُودُ مَا يَقبِضُ المَوتُ نَفساً مِن نُفُوسِهمُ ... إلاَّ وفي كَفِّهِ مِن نَتنِها عُودُ المحدود: الممنوع. فيقول مشيرا إلى كافور، ومن كان يستضيف إليه (من) الإخشيدية: إني نزلت بكذابين لا يصدقون في قلوبهم، مذمومين لا يشكرون في فعلهم، يمنعون ضيفهم من أن يقضوا بالقرى حقه، ويعرضون عنه ويطرحون بره، ويحولون بعد ذلك بينه وبين الرحيل من أرضهم، ويتركونه محبوسا على شرهم. يشير إلى أن كافورا قصر من أمره، ومنعه مع ذلك من الخروج عن أرضه. ثم قال: جود كرام الرجال بأيديهم وبذلهم، وما يتقدمون به من إحسانهم وفضلهم، وجود كافور وأصحابه من ألسنتهم وقولهم، وما يستجيزونه من كذبهم وإفكهم، فلا كانوا ولا كان الجود المرجو منهم، ولا أعدمهم الله الذم المأثور عندهم. ثم قال: ما يقبض الموت نفسا من أنفسهم الدنية، ولا يتلف روحا من أرواحهم الخبيثة، إلا والموت يتكره ذلك ويتقذره، ويتفادى منه ويتسخطه، حتى كأنه إنما يتناول تلك النفوس بعود يصونه عن قبح روائحها، ويدفعها به إلى خبيث مصائرها. فبين أنهم أرجاس مهجورون، وسقاط محتقرون.

стр. 221

مِنْ كُلِّ رِخو وكِاءِ البَطنُ مُنفَتِقٍ ... لا في الرِّجالِ ولا النِّسوانِ مَعدُودُ أَكُلَّما اغتَالَ عَبدُ السُّوءِ سَيِّدَهُ ... أو خَانَهُ فَلَهُ في مِصرَ تَمهيدُ صَارَ الخَصِيُّ إمامَ الآبِقِينَ بِها ... فالحُرُّ مُستَعبَدٌ والعَبدُ مَعبودُ الوكاء: الرباط، واغتال: قتل على غفلة، والتمهيد: التوطئة. فيقول مشيرا إلى كافور: من كل عبد قد نقص الخصاء رباط بطنه، واضطربت لذلك أعضاء جسمه، فهو كالمنفق الذي لا يملك نفسه، والمغلوب الذي لا يضبط أمره، لا يعتد به في الرجال ولا في النسوان، ولا يلحظ إلا بعين النقصان. ثم قال مشيرا إليه: أكلما اغتال عبد السوء سيده؛ بخيانة وجناية يتقلدها، كان له في مصر عند كافور تمهيد يفزع إليه، وسند يعول إليه، يريد أن لؤم العبودية نسب بينه وبين شرار العبيد، فهم يقصدونه فيأمنون به، ويقتحمون جناياتهم على طريق التأميل له. ثم قال: صار الخصي كافور في هذه البلدة إمام الآبقين، وملجأ للمذنبين، فالحر فيما قبله مستعبد بحريته، مستذل بعروبيته، والعبد كالمعبود لجلالة قدره، وما يعترف به من تعظيم حقه. نَامَتْ نَواظير مِصرٍ عَنْ ثَعالِبِها ... فَقَدْ بَشِمنَ وَمَا تَفنَى العَنَاقِيدُ العَبدُ لَيسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بِأخٍ ... لَو أَنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ لا تَشتَرِي العَبدَ إلاَّ والعَصَا مَعَهُ ... إنَّ العَبِيدَ لأَنجَاسٌ مَناكِيدُ النواظير: المخترسون، والبشم: غثيان النفس من الإفراط في الأكل، والأنجاس: الأقذار، الواحد: نجس، والمناكيد: المشائيم. فيقول: نام المخترسون بفوائد مصر، والمعظمون لحرمتها، والمدافعون عن حوزتها، عن منع العبيد من ملكها، ودفعهم عن التغلب على أرضها، وكنى بالثعالب عن العبيد جنسهم، وضعتها في أنفسها. ثم قال: فقد أبشم تلك الثعالب

стр. 222

كثرة الأكل، وفوائد مصر لا تنفذ، وخيراتها لا تعدم، وكنى بالعناقيد والثعالب عن العبيد والفوائد. ثم قال: العبد لا يؤاخي الحر الصالح؛ لمخالفته له بطبعه، ومباينته إياه بجنسه، فهو لا يألفه ولا يوده، ولا يضافيه ولا يحبه، لو أنه المشتمل عليه عند ولادته، والحافظ له بالغ حياطته. ثم قال: لا تشتر العبد إلا وأنت مشتر للعصا معه، لتدخله تحت المخافة، وتحمله على أشد الإهانة، وإلا فإنك لا تستخلص وده، ولا تنتفع بما عنده، فالعبيد أنجاس لا يعدم نكدهم، شرار لا يؤمن تمردهم. ما كُنتُ أَحسِبنُي أَحيَا إلى زَمَنٍ ... يُسِيءُ بي فِيهِ كَلبٌ وهو مَحمُودُ ولا تَوَهَّمتُ أَنَّ النَّاسَ قَد فُقِدوا ... وَأَنَّ مِثلَ أَبي البَيضَاءِ مَوجودُ وَأنَّ الأسوَدَ المَثقُوبَ مِشفرُهُ ... تُطِيعُهُ ذِي العَضَارِيطُ الرَّعادِيدُ جَوعَانُ يَأكُّلُ مِنْ زَادِي ويَحسِبُنِي ... لِكي يُقالَ عَظِيمُ القَدرِ مَقصُودُ أبو البيضاء: كناية عن سواد اللون على سبيل التفاؤل، كما قالوا للديغ سليم، وللقفر المفازة، والعضاريط: الذين يخدمون بطعام بطونهم، واحدهم عضروط، والرعاديد: الجبناء، واحدهم رعديد. فيقول: ما كنت أحسبني أستديم العمر، وأصحب الدهر، إلى زمن بشيء بي فيه مثل كافور، وهو الكلب لؤما وضعة، وسقوطا ودناءة، وما اتفق له من السلطان، وأقترن به من إسعاد الزمان، يوجبان مظاهرته بالحمد على سوء فعله، والمساعدة له فيما يتكره من أمره. ثم قال: ولا توهمت أن الناس قد عدم رؤساؤهم، وفقد زعماؤهم، حتى صار مثل أبي البيضاء موجودا فيمن يؤمل رفده، مذكورا فيمن يحاول قصده. ثم قال، وهو يريد كافورا: ولا ظننت أن مثل هذا الأسود المثقوب المشفر، اللئيم

стр. 223

المحتقر، يرتهن طاعة المتصلين به من أتباعه السقاط الأرذلين، الأدنياء المستضعفين. وسمى شفته مشفرا على سبيل الإستعارة، وأشار بذلك إلى قبح خلقها، وتفاوت عظمها، والمشافر من الإبل كالشفاة من الناس، ودل بما ذكره من ثقبها على أنه من جفاة السودان، وأهل الغباوة فيهم والنقصان. ثم قال: جوعان بلؤم طبعه وما هو عليه من افتقار نفسه، فهو لا يفتقدني بشيء من بره، ويسلبني ما قد تزودت به إلى أرضه، ويمنعني مع ذلك من الرحلة، ولا يوجدني سبيلا إلى النقلة، لكي يقال أنه مقصود مؤمل الفضل، مرجو معظم القدر. إنَّ امرَأً أَمَةٌ حُبلَى تُدَبِّرُهُ ... لَمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفؤودُ وَيَلُمَّها خُطَّةً وَيلُمِّ قَابِلِهَا ... لِمثلِها خُلِقَ المَهريَّةُ القُودُ وَعِندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شَارِبُهُ ... إنَّ المَنِيَّةَ عِندَ الذُّلِّ فندِيدُ الأمة: المملوكة، والمستضام: المستذل، والسخين: العين الذي يبصر ما يكره، والمفؤود: الذي أصيب فؤاده. والفؤاد: القلب، وقوله: ويلمها: أراد ويل أمها، فحذف الهمزة استخفاف، وبنى الكلمتين: بناء واحدا، وحرك اللام بالكسر على كرحة ما بعدها، كما حركوا الميم في قولهم: أبنم على حركة ما قبلها، حين جعلوا الكلمتين كلمة واحدة، وحذفوا مستخفين، وكل ذلك مسموع من العرب، والمهرية: جمال تنسب إلى مهرة، وهم قبيل من العرب يستفرهون الإبل، ولذ: بمعنى استطاب وأستعذب، والقنديد: شراب يطبخ من عصير العنب يجعل فيه أفاويه. فيقول، وهو يشير إلى كافور: أن امرأ يدبره خصي كالأمة الحبلى، كثير أكله، منتفخ بطنه، أسود لونه، لمستضام سخين العين، مفجع مصاب القلب، موقوف على غاية ما يكره، مدفوع إلى أشد ما يحذر. ثم قال: ويلم تلك الخطة، ويلم القابل لها، وأبعدها الله، وأبعد الراضي لنفسه بها، فللفرار من مثلها، وطلب النجاة من نشرها، تكلف السفر البعيد، واستعملت المهرية

стр. 224

القود. ثم قال: وعند تحمل تلك الخطة، ومباشرة مكروه تلك الرتبة، يلتذ بطعم الموت شاربه، ويستسهل مخوف الحتف مباشره، أن المنية عند الذل قنديد يستطاب طعمه، وأمر لا يتخوف فعله. مَنْ عَلِّم الأسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً ... أَقَومُهُ البِيضُ أَم آباؤُهُ الصَّيدُ؟! أم أُذنُهُ في يَدِ النَّخَّاسِ دَامِيَةً ... أَم قَدرُهُ وهو بِالفَلسَينِ مَردُودُ الصيد: الملوك السادة، واحدهم أصيد. فيقول: من علم كافورا الأسود المخصي، الحقير الدني، إسداء النعم، وآثار الكرم؟ وأقومه البيض المشهورون بالرئاسة، أم آباؤه الصيد المتقدمون في السياسة؟!. ثم قال: أم علمه المكارم حقيقة أمره، وما عهده قديما من نفسه، إذ كانت أذنه دامية في يد النخاس يفركها عند معاقبته، ويجبذها مظهرا لإهانته، أم قدره الساقط، وهو بالنزر اليسير بيعه، وبالتافه الحقير يتداول ملكه، فكيف يظن الخير بمثله، وينكر القبيح المذموم من فعله؟!. أَولَى اللِّئامِ كُويفِيرٌ بِمَعذِرَةٍ ... في كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنِيدُ وَذَاكَ أَنَّ الفُحُولَ البِيضَ عَاجِزَةٌ ... عَنِ الجَمِيلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السُّودُ؟! التفنيد: اللوم والتثريب. فيقول: أولى اللئام بمعذرة في لؤم طبعه، ودناءة نفسه، كويفير، وصغره محتقرا بشأنه؛ لأنه لا سبيل لمثله إلى محمود الشيم، ولا سبب له في شيء من الكرم، وبعض العذر تفنيد لا شك فيه، وتوبيخ لا خفاء عليه. ثم قال: وذلك أن الفحول الذين تم خلقهم، البيض الذين يروق حسنهم، قد عجزوا عن الجميل في هذا الزمان، الذي قل خيره، وخبث أهله، فكيف يظن ذلك بالخصية السود، مع نقصان خلقهم، وخبث عنصرهم، وإشتمال القبيح على أولهم

стр. 225

وآخرهم؟.

стр. 226

وقال عند وروده الكوفة، يصف خروجه ومنال طريقه، ويهجو كافورا. ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيزَلَى ... فِدَى كُلِّ ماشِيَةِ الهَيدَبَى وَكُلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... خَنُوفٍ وما بِيَ حُسنُ المِشَى وَلكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحَيَاةِ ... وَكَيدُ العُدَاةِ وَمَيطُ الأذَى الخيزلى: ضرب من مشي النساء فيه تفكك، والهيدبى: ضرب سريع من عدو الخيل، والنجاة من النوق: السريعة، والبجاوية: منسوبة إلى موضع من بلاد النوبة، يستفره أهله الإبل، قال الطرماح يصف ناقة كريمة: بُجَاوِيَّةٌ لَمْ تَستَدِرْ حَولَ مَشبَر ... وَلَم تَتَخَوَّنْ دَرَّها ضَبُّ آفِنِ المشبر: الموضع الذي تضع فيه الناقة، وتخون الدر: استماحته، والضب: الحلب بجميع اليد، والآفن: الذي يلح في الحلب. والخنوف: التي بيديها (ميل) إلى ناحية في مشيها لشدة نشاطها، والمشى: جمع مشية، والجبال: العهود والوصائل، والميط: مصدر ماط الشيء يميط، إذا أذهبه عن نفسه. فيقول مشيرا إلى خروجه عن مصر، وما خلفه من التغرير بنفسه، والإسراع في سيره: ألا جعل الله حسان النساء اللواتي يمشين الخيزالي؛ لعظم خلقهن، وبراعة حسنهن، مع تمكنهن من النفوس، وتحكمهن على القلوب، فداء الخيل التي تهذب في سيرها، وتفوت الطلب بقوة عدوها. ثم قال: وجعلهن الله فداء كل ناقة نجاة قوية، بجاوية كريمة، خنوف في مشيها، نشيطة في عدوها، وما بي أن اعتمد من المشي ما يعجب مثله، ويروق الأبصار حسنه. ثم قال: ولكن الإبل والخيل من الأسباب التي تحرس الحياة، وتقرب النجاة، وتنفذ من الأعداء، وتنفذ الكيد فيهم، وتدفع أذاهم، وتسهل الظهور عليهم. ضَرَبتُ بها التِّيهَ ضَرْبَ القِمارِ ... إمَّا لِهذا وإِمَّا لِذا

стр. 227

إذا فَزِعَتْ قَدَّمَتها الجيادُ ... وَبِيضُ السُّيوفِ وَسَمرُ القَنا فَمَرَّتْ بِنَخلٍ وفي رَكبها ... عَنِ العَالَمِينَ وَعَنهُ غَنَى التيه: قفر لا يكاد يهتدي فيه، والقمار: المخاطرة في الميسر وما أشبهه، والفزع: الفرق، وقدمتها: بمعنى تقدمتها، يقال: قدم وأقدم وأستقدم بمعنى واحد، والجياد: الخيل، ونخل: منزل بالبادية. فيقول: ضربت بما تحملت عليه من الإبل مجهول القفر، ضرب المقامر، وأقدمت عليه إقدام المخاطر، إما لخلاص أتعجله، وإما لهلاك أتقحمه. ثم قال: إذا فزعت الإبل لاستيحاش القفر الذي تقطعه، وصعوبة الطريق الذي تركبه، أنستها الخيل بتقدمهم لها، وأنهضتها أسلحة الفرسان لإحاطتهم بها. ثم قال: فمرت بنخل؛ هذا المنزل من البادية، وفي ركبها، بنفاذ عزمهم، واكتفائهم بأنفسهم، غنى عن العالمين وعن العدول إليه، وقوة تمنعهم من التعريج عليه. وأَمسَتْ تُخبِّرُنا بالنِّقابِ ... وادِي المِياهِ وَوادِي القُرى فَقُلْنا لَهَا أَينَ أَرضُ العِراقِ؟ ... فَقَالَتْ وَنَحنُ بِتُربَانَ: ها وَهَبَّتْ بِحِسمَى هُبُوبَ الدَّبُورِ ... مُستَقبِلاتٍ مَهَبَّ الصَّبَا النقاب: موضع بعينه، ووادي (المياه) ووادي القرى: منزلان بالبادية بعيدان من النقاب، وتربان: واد معروف، بعيد من أرض العراق، وها: كلمة إجابة، وحسمى: موضع، وهبوب الرياح: انتشارها، والدبور: الريح الغربية، والصبا: الريح الشرقية. فيقول مشيرا إلى سرعة مسيره، واستقرابه للبعيد من مسافات طريقه: ولما سرنا بالنقاب، كنا كالمشافهين لوادي المياه ووادي القرى؛ لسرعة ورودنا لها، وقصر المدة فيما حاولناه من الاتصال بها. ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يشير إلى رواحله، ويخبر عما كانت عليه من سرعة

стр. 228

المشي، وقوة السير: فقلنا لها، ونحن بتربان، أين أرض العراق؟ مستطيلين للشقة، ومستكثرين لتراخي المدة، فكأنها أجابتنا منبهة على مشاهدتها، ومحيلة في ذلك المقام على معاينتها، وبين ما قصد إليه امرؤ القيس حيث يقول: وَكَأّنَّما بَدرٌ وَصِيلُ كُتَيفَةٍ ... كَأَنَّما مِن عَاقِلٍ أرمَامُ قال الأصمعي: يريد أن هذه المواضع كأنها اتصلت له مع تباعد من بينها؛ لسرعة سيرها، فلذلك قال أبو الطيب: (فقالت ونحن بتربان ها)، كأن ركائبه أجابته بالإشارة إلى العراق، استقصارا للمدة، وإخبارا عن قلة المهلة. ثم قال، وهو يريد ركائبه، مؤكدا لما قدمه من سرعتها، وشدة نفاذها وقوتها: وهبت بحسمى، هذا الموضع، هبوب الريح الدبور إذا استقبلت مهب الصبا، وقصدت ذلك القصد، وأمت ذلك السمت، وشبه سرعتها بريح الدبور؛ لأن مهبها من المغرب، واعتمادها مهب الصبا، وهو حقيقة المشرق، وكذلك كان نهوضه من مصر وهي في المغرب، واعتماده العراق وهي في المشرق، فبلغ الغاية فيما وصفه من استعجال رحلته، وأعرب عن الابتداء والانتهاء في سفرته. رَوَامِي الكِفَافِ وَكَبْدِ الوِهاد ... وَجَارِ البُوَيرَةِ وادِي الغَضَا وَجَابَتْ بُسَيطَةَ جَوبَ الرَّدَاءِ ... بَينَ النَّعامِ وَبَينَ المَهَا إلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتَّى شَفَتْ ... بِمَاءِ الجُراويِّ بَعضَ الصَّدَى الكفاف وكبد الوهاد: موضعان، ووادي الغضا والبويرة: واديان متجاوران، وبسيطة: فلاة معروفة، والجوب: القطع، والمها: صغار بقر الوحش، وعقدة الجوف: موضع بعينه، والجراوي: ماء معروف، والصدى: العطش. فيقول مشيرا إلى ركائبه، وذاكرا لمشاهير المواضع التي اجتازها في طريقه، ويؤكد لما قدمه من استعجال سيره: الكفاف، هذا الموضع، بقوة العدو، وحقيقة العزم، وفاعلة مثل ذلك في كبد الوهاد، هذا الموضع الآخر، وفي وادي الغضا

стр. 229

والبويرة، هذين الواديين المتجاورين، والموضعين المتقاربين. ثم قال، وهو يريد ركائبه: وجابت بسيطة، هذه الفلاة، فشقتها شق الرداء، متوسطة لها، ومظهرة لأشد العجلة بها، وهي فيما هنالك بين النعام الشاردة، وصغار بقر الوحش السالمة. يشير إلى أن هذه المفازة بعيدة لا تسلك، ونائية لا تعبر، فوحشها لا يذعر، ونعامها لا ينفر. ثم قال: أنه واصل السير غير مترفق، وأمضاه غير متثبط، حتى أورد مطاياه عقدة الجوف، فشفى بماء الجراوي بعض عطشها، وأعانها بورده على كد تعبها. وَلاَحَ لَها صَوَرٌ والصَّبَاحُ ... وَلاَحَ الشَّغُورُ لها والضُّحَى وَمَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئْدَاؤُها ... وَغَادَى الأضَارِعَ ثُمَّ الدَّنَا فَيَالَكَ لَيلاً على أَعكُشٍ ... أَحمَّ الرَّواقِ خَفِيَّ الصُّوَى صور والشغور والجميعي: مواضع بالبادية، والدئداء عدو أسرع من الخبب، والأضارع والدنا: مياه معروفة، وأعكش: موضع، والأحم: الأسود، والرواق: ظلة ترفع على عمود واحد. والصوى: حجارة تجمع في الطريق لتكون هداية فيه، واحدتها صوة. فيقول مخبرا عن ركائبه: ولاح لها، بعد الماضع التي قدم ذكرها، صور، والصباح ظاهر، والليل ظاعن، ولاح الشغور لها، في ضحى ذلك اليوم. (ثم قال: ومسى الجميعي) دائداء تلك الإبل، وهي جاهدة غير مفترة، ومسرعة غير مقصرة، وغادى ذلك الدائداء الأضارع والدنا، مع ما بينهما وبين ما تقدمها من طول الشقة، وبعد المسافة. ثم قال مشيرا إلى الليل الذي قطعه، والإظلام الذي أدرعه: فيا لك ليل غشيني على أعكش، هذا الموضع، فمد علي رواق سدفه، وأخفى عنى الصوى، التي هي الهداية، بشدة ظلمه، فقطعته مشتملا به، ونهضت فيه غير متهيبة له.

стр. 230

وَرَدْنَا الرُّهيمَةَ في جَوزِهِ ... وَبَاقِيهِ أَكثَرُ مِمَّا مَضَى فَلَمَّا أَنخنَا رَكَزنَا الرِّماحَ ... فَوقَ مَكَارِمِنَا والعُلاَ وَبَتنَا نُقَبَّلُ أسيَافَنا ... وَنَمسَحُها مِنْ دِماءِ العِدَا الرهيمة: موضع معروف، وجوز الليل: وسطه، والركز: الغرز. فيقول: وردنا الرهيمة في وسط الليل، وقد أمنا مخوف الطلب، وتخلصنا من محذور الغرر، والليل قد استقبلنا أكثره، واستبقينا معظمه، فنزلنا مستريحين، وحططنا رحالنا مطمئنين. ثم قال: فلما أنخنا رواحلنا، وأرحنا ركائبنا، وتركنا الرماح استغناء عن احتمالها، وفارقناها غير محتاجين إلى اعتقالها، فركزناها فوق ما خلدناه من مكارمنا، وأثبتناها فيما اخترناه من المجد بنفاذ عزائمنا. ثم قال: وبتنا نقبل أسيافنا التي استدفعنا بها ما حذرناه، ونمسحها من دماء القوم الذين حاولوا منا ما كرهنا. لِتَعلَمَ مِصرُ وَمَنْ بِالعِرَاقِ ... وَمَنْ بِالعَواصِمِ أَنِّي الفَتَى وَأَنِّي وَفَيتُ وَأَنِّي أبَيْتُ ... وَأَنِّي عَتَوتُ عَلَى مَنْ عَتا وَمَا كُلُّ مَنْ قَالَ قَولاً وَفَى ... وَلا كُلُّ مَنْ سِيمَ خَسفَاً أَبَى فيقول: أن الذي تكلفه بالخروج عن مصر من الخطر، وواقعه في مباينته لكافور من الغرر، إنما كان ليعلم رؤساء البلاد التي ذكرها، وسائر أهلها، أنه الفتى الذي لا يقر على الذل، والكريم الذي لا يصبر على الضيم. ثم قال: وليعلموا أجمعون أني وفيت شاكرا على النعمة، وأبيت من احتمال الذلة، وعتوت على من عتا على من عتا علي وتكبر، وفارقت من عدل عن الإنصاف وتنكر، فجازيت المحسن بالاعتراف لفضله، وقابلت المسيء بمقارضته على فعله. ثم قال: وما كل من يقول يفي بقوله، ويقف عند ما يعد به من نفسه، ولا كل من

стр. 231

يسام الخسف يأباه منكرا له، ويستدفعه غير مرتض به، فأشار إلى أنه فارق كافورا أنفة من الذل، ووفى له بما تقدم له في مفارقته من القول. وَمَنْ يَكُ قَلبٌ كَقَلبِي لَهُ يَشُقُّ ... إلى العِزِّ قَلبَ التَّوى ولا بُدَّ لِلقَلبِ مِن آلَةٍ وَرَأيٍّ ... يُصَدِّعُ صُمَّ الصَّفَا وَكُلُّ طَرِيقٍ أَتَاهُ الفَتَى عَلى ... قَدَرِ الرَّجلِ فِيهِ الخُطَا التوى: الهلاك، والآلة: الشدة والجرأة، والصفا: الحجر العظيم الأملس، والخطا: معروفة، واحدها خطوة. فيقول: ومن يكن له قلب كقلبي في ثباته وقوته، وشجاعته وجرأته، يطلب العز وينافس فيه، ويحاوله ويحرص عليه، ويشق إليه الهلاك المحض، الذي لا يكاد يتخلص من مثله، ولا يبعد المنقحم فيه من الإشراف على التلف بنفسه. ثم قال: ولا بد للقلب من إقدام وجراة، وجلد وشدة، ورأي راجح، وإدراك ثاقب، يدفعان الصفا بقوتهما، وينفذان فيهما بصحة نيتهما. ثم قال: وكل طريق يأتيه الفتى ويسلكه، ويحتمل عليه ويركبه، على قدر ثبات رجله فيه وتمكنها، تتصل خطاه عند تنقلها. وهذا مثل ضربه لنفسه، وأعرب فيه عن نفاذ فعله، واخبر أن الإنسان إنما يكون تصرفه في قصده بمقدار ما يثبت عليه من صحة عقده. وَنَامَ الخُوَيدِمُ عَنْ لَيلِنَا ... وَقَد نَامَ قَبلُ عَمىً لا كَرَى وَكَانَ على قُربِنَا بَينَنا ... مَهَامِهُ مِن جَهلِهِ والعَمَى الخويدم: تصغير خادم، وهو العبد المحبوب، والكرى: النوم، والمهامة: القفار، الواحد مهمه. (فيقول) مشيرا إلى كافور، وصغر أسمه على سبيل الاحتقار له: ونام الخويدم عما أنفذناه في ليلنا، وأحكمناه من امرنا، في خروجنا عن ارضه، ونقصنا لما

стр. 232

حاوله في جهتنا من مكره، وقد نام قبل ذلك جهلا بما نديره، وعمى عن معرفة ما نقصده، لا نوم حقيقة تغلبه على عقله، وتمنعه من التبيين لأمره. ثم قال: وكان مع قربنا منه في رأي العين، واتصالنا به على ظاهر الحال، يبعد عنا بجهله، ويعمى عما يديره بقصر عقله، حتى كان بيننا وبينه مهامه لا تسلك، لبعد غايتها، وفلوات لا تعبر، لطول مسافتها. لَقَدْ كُنتُ أَحسِبُ قَبلَ الخَصِيَّ أَنَّ ... الرُّؤُوسَ مَقَرُّ النُّهى فَلَمَّا نَظَرْتُ إلى عَقلِهِ ... رَأيتُ النُّهَى كُلَّها في الخُصَى النهى: العقل، وهو جمع نهية، والنهية: ما ينتهي في الأمور. فيقول، وهو يشير إلى كافور: ولقد كنت أحسب قبل مشاهدة الخصي، أن الرؤوس تضم العقول وتجمعها، وتشتمل عليها وتتضمنها. ثم قال: فلما خبرت كافورا في جملة أمره، وتبينت ما هو عليه من قصر عقله، علمت أن الخصى معدن العقول، وأن عليها مدار التحصيل، فمن عدمها فلا تحصيل له، ومن فقدها فلا يظن شيء من العقل به. وَمَاذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ وَلكِنَّهُ ... ضَحِكٌ كَالبُكَا بِهَا نَبطِيٌّ مِنْ أهلِ السَّوادِ ... يُدَرِّسُ أَنسَابَ أهلِ الفَلاَ وَأسوَدُ مِشفَرُهُ نِصفُهُ يُقالُ ... لَهُ أنتَ بَدرُ الدُّجَى النبط: صنف ن العجم ينزلون سواد العراق، واحدهم نبطي، وأراد ها هنا الوزير ابن حنزابة، وهو جعفر بن الفضل بن الفرات، وكان على بنت الإخشيد مولى كافور، فعرض به، ونسبه إلى أصله، بنو الفرات من أعقاب من أسلم من النبط. والفلا: جمع فلاة، وهي الأرض المقفرة، والمشفر: الشفة الضخمة، استعارها لكافور من الجمل؛ لأن المشفر من الجمل كالشفة من الرجل. فيقول: وماذا بمصر من الأمور المضحكة، والأعاجيب المستغربة، وأن كان ذلك

стр. 233

الضحك كالبكاء عند النظر والتبين، والإحتمال على حقيقة التأمل. ثم قال، وهو يريد ابن حنزابة، وكان مولعا بتتبع أنساب العرب: بها نبطي من أرض السواد قد جعل مطالعة أنساب العرب علمه، وقصر على الاعتناء بها نفسه، فهو يدرس أنساب أهل البادية ويتعلمها، ويبحث عنها بجهده ويتفقدها، والعرب ليسوا من صنفه، والاعتناء بأنسابهم ليس من شأن مثله. ثم قال: وبها من كافور مدبر أمرها، ومصرف ملكها، أسود، مشفره لعظمه نصف جسمه، وبصر الناظر إليه تقذى لقبحه، وهو مع ذلك يغالط في امره، ويكذب عن نفسه، ويقال له: أنه إنما يماثل البدر في الحسن والبهجة، ويساويه في العلو والرفعة. وَشَعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنَ ... بَينَ القَريضِ وَبَينَ الرُّقَى فَمَا كَانَ ذلِكَ مَدحَاً لَهُ ... وَلكِنَّهُ كان هَجوَ الوَرَى وَمَنْ جَهِلَتْ نَفسُهُ قَدرَهُ ... رَأى غَيرُهُ مِنهُ ما لا يَرَى الكركدن: دابة تكون بأرض الهندن مستشنعة الصورة، متفاوتة الخلق، شبه بها كافورا في اضطراب خلقه، وتناهي قبحه، والقريض: الشعر، والرقى: جمع رقية، وهي المعاذة. فيقول: ومن أعاجيب مصر شعر مدحت به كافورا، الذي هو كالكركدن في قبح صورته، واستكراه العيون لطلعته، وكان ذلك الشعر بين القريض فيما ظاهرت به من مدحه، وبين الرقى فيما استدفعت به من شره. ثم قال: فما كان ذلك مدحا خلصته له، ولا ثناء أعتد به، ولكنه كان هجوا للورى بجملتهم، واستهجانا لهم بكليتهم، إذ صار مثله فيهم ملكا يغتنم قصده، ومرجوا يؤمل رفده. ثم قال على سبيل المثل، مشيرا إلى ما كافور عليه بن الجهل لنفسه، والغلط في

стр. 234

مبلغ قدره: ومن جهل نفسه، وتعدى طوره، رأى الناس من أمره ما لا يراه ولا يدركه، وبدا لهم فيه ما لا يبين لهم فيه ولا يعرفه، وكذلك كافور يجهل محله من الدناءة والخسة، ويظن أنه بموضع من الجلالة والرفعة، والناس بما يجهله عالمون، وهم لما يظنه مكذبون.

стр. 235

وقال أيضاً: وأَسْوَدٌ أَمَّا القَلبُ مِنهُ فَضَيِّق ... نَخِيبٌ وَأَمَّا بَطنُهُ فَرَحِيبُ يَمُوتُ بِهِ غَيظَاً على الدَّهرِ أَهلُهُ ... كَمَا مَاتَ غَيظَاً فَاتِكٌ وَشَبِيبُ النخيب: الضعيف، وهو فعيل بمعنى مفعول، وفاتك: هو فاتك الإخشيدي الذي رثاه أبو الطيب وامتدحه، وشبيب (هو) ابن جرير العقيلي الذي خرج في الشام على كافور، وهلك بدمشق في خروجه ذلك، ونظم في أمره أبو الطيب قصيدة. فيقول، وهو يريد كافورا: (وأسود أما القلب منه فضيق)، بعدم حلمه، نخيب لتمكن جبنه، إلا أن بطنه رحيب، لا تكاد يده تشبعه، ولا الكثير من الأكل يقنعه. ثم قال: يموت أهل الدهر غيظا به وكمدا، وتنقطع أنفسهم استكراها له وأسفا، كما مات من ذلك شبيب وفاتك، مع موضعهما من الكرم، ورغبتهما في إسداء النعم. أَعَدْتُ على مَخصَاهُ ثُمَّ تَرَكتُهُ ... يُتَبِّعُ مِنِّي الشَّمسَ وَهِيَ تَغِيبُ إذا ما عِدِمتَ العَقلَ والأَصلَ والنَّدَى ... فما لِحَيَاةٍ فِي جَنَابِكَ طِيبُ الجناب: الناحية. فيقول: أعدت الخصاء عليه؛ لنقضي لأمره، وإبطالي لمكره، واجتنابي لأرضه، وتركته فيما عاناه من طلبي، وحاوله من توجيه خيله على أثري، كمن يتبع الشمس عند غروبها، ويريد أن يلحقها في حين مغيبها. ثم قال يخاطبه: إذا ما عدمت بعبوديتك كرم الأصل، وبعدت بجهالتك عن وفور العقل، ولؤمت بطبيعتك، وكرهت كل جميل بخليقتك، فما للحياة في جنابك طيب تسكن النفوس إلى موضعه، وتستلذ ما تباشر من تطعمه.

стр. 236

وقال، وأراد بها سيف الدولة: فَارَقتُكُمْ فإذا ما كَانَ عِندَكُمُ ... قَبلَ الفِرَاقِ أَذَّى بَعدَ الفِراق يَدُ إذا تَذَكَّرْتُ ما بَيِني وَبَينَكُمُ ... أَعَانَ قَلبِي على الشَّوقِ الذي أَجِدُ فيقول لسيف الدولة: فارقتكم فإذا ما كان أذى عندكم، ومكروها في حين إلمامي بكم، قد صار يدا بعد مفارقتكم، وإنعاما في حين مباعدتكم، فإذا تذكرت عقوقكم الذي كنت أتألمه، وتقصيركم بي الذي كنت أتكرهه، أعان ذلك قلبي على الوجد الذي أجده في التباعد منكم، والأسف الذي أضمره على الانفصال عنكم.

стр. 237

نزل أبو الطيب في سفره إلى الكوفة بحسمي، وطابت له فأقام بها شهرا، وكان بطيف به رجل من طيّء يقال له وردان، فأفسد عليه غلمانه، وكانوا ينقطعون إلى بيته، فوافق غلاما منهم كان أشدهم، على أن يحتال على أبي الطيب، ويسرق سيفا له كان عليه حلية ذهب، فوافق الغلام رفيقا له وأعطاه السيف، واستوى على ظهر فرسه، وأراد الغلام أن يأخذ فرس أبي الطيب، وكان نائما على مقوده، فأنتبه أبو الطيب وأنكر أمر الغلام، فضرب وجهه بالسيف، فرمى برأسه، وأفلت الغلام الآخر بالسيف على الفرس في جوف الليل، فقال أبو الطيب: لَحَا اللَّهُ وَردَانَاً وَأُمَّاً أَتَتْ بِهِ ... لَهُ كَسبُ خِنزيرٍ وَخُرطُومُ ثَعلَبِ فَمَا كَانً مِنهُ الغَدرُ إلاَّ دَلاَلَةً ... عَلى أَنَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمِّ والأَبِ إذا كَسَبَ الإنسَانُ مِنْ هَنِ عِرسِهِ ... فَيا لُؤمَ إنسَانٍ ويا لُؤمَ مَكسَبِ لحا الله: بمعنى أهان وأبعد، والهن: كلمة تستعمل في الكناية، وأراد بها ها هنا الفرج، وكسب الخنزير العذرة، لأنه يتقوت بها ويحرص عليها، حكى ذلك المؤلفون في الحيوان، وخرطوم الثعلب: ما يتناول به مأكوله، والخراطيم للسباع كالمشافر للإبل والجحافل للخيل. فيقول: لحا الله وردان وأمحقه، وأهانه وأبعده، ولحا أما ولدته، وحاملة وضعته، فإنه لا يرتفع عن الخنزير في لؤم كسبه، ولا عن الثعلب في دناءة مطعمه، وأشار إلى ما استجازه وردان من سرقته، وما رضي به من الدناءة في وجهته. ثم قال: فما كان ما عاملني من غدره، وما أشرفت عليه من مذموم فعله، إلا دلالة قاطعة، وشهادة صادقة على أن ذلك اللؤم أورثته إياه أمه بقبح اتصالها بأبيه، وبعدها عن الولادة الصالحة فيه. ثم قال مشيرا إليه، وإلى ما تقدم من إفساد وردان لغلمانه عليه: إذا كسب الإنسان من هن عرسه، وسهل مثل هذه الفعلة المذمومة على نفسه، فيا لؤم ذلك الإنسان، وأبعد إليه مثله، ولا مرحبا به، وقبح الله فعله.

стр. 238

أَهذا اللُّذَيَا بِنتُ وَردَانَ بِنتُهُ ... هُما الطَّالِبانِ الرَّزقَ مِن شَرِّ مَطلَبِ لَقَدْ كُنتُ أَنفِي الغَدرَ عَنْ تُوسِ طَييءٍ ... فَلا تَعذُلاني رُبَّ صِدقٍ مُكَذَّبِ اللذيا: تصغير الذي، والتوس: الأصل. فيقول، وهو يشير إلى وردان، ويخبر عن أبنته: أهذا وردان الذي بنت وردان بنته، وهي الموصوفة بأقبح الصفة، المشهورة بقلة العفة، التي تطلب مع أبيها الرزق من أخبث مطالبه، ويسلكان إليه الأم طرائقه. ثم قال: لقد كنت قبل ما خبرته من وردان أنفي اللؤم عن طييء هذه القبيلة وأصلها، وأظن الجميل بها في أوائلها ونسلها، فأنا الآن أوجب ما نفيته، وأصدق ما كذبته، ورب صدق لم يتبينه السامع فأنكره، ولا وقف على حقيقته فدافعه.

стр. 239

وقال أيضا: فَإنْ تَكُ طَيِّيءٌ كانَتْ لِئَامَاً ... فَألأَمُها رَبيعَةُ أَوْ بَنُوهُ وإِنْ تَكُ طَيِّيءُ كانَتْ كِرَامَاً ... فَوَردَانُ لِغَيرِهِمُ أَبُوهُ بنو ربيعة بن جرول: قبيلة من قبائل طييء، كان منهم وردان الذي هجاه أبو الطيب. فيقول: أن طيئا، هذه القبيلة، أن كانوا لئاما متحققين باللؤم، أدنياء مقصودين بالذم، فألأمهم ربيعة الذي وردان منهم، ومن نسله أو بنوه الذين شركهم وردان في أصله. ثم قال: وأن كانت طييء كراما لا ينكر فضلهم، خيارا لا ينتقص مثلهم، فوردان كاذب فيما يدعيه من ولادتهم، مبطل فيما ينسب إليه من قرابتهم. مَرَرَنا مِنهُ حِسمَى بِعَبدٍ يَمُجُّ ... اللُّؤمَ مَنخِرُهُ وَفُوهُ أَشَذَّ بِعرسِهِ عَنِّي عَبيدْي ... فَأَتْلَفَهُمْ وَمالي أَتْلَفُوهُ فَإنْ شَقِيَتْ بِأَيدِيِهِمْ جِيَادِي ... لَقَدْ شَقِيَتْ بِمُنصُلِيَ الوجُوهُ حسمى: موضع معروف، ومج الرجل الشراب: إذا رماه من فيه، وأشذ: فرق، والعرس: الزوج، والجياد: الخيل، والمنصل: السيف. فيقول، وهو يريد وردان: مررنا منه في حسمى، هذا الموضع، بعبد، فيما شاهدناه من فعله، دنيء لا تحسن العروبية بمثله، يمج منخره وفوه اللؤم، لقبح خليقتهما، ويشهدان به عليه لما يظهرانه من هجنتهما. ثم قال مشيرا إليه: أشذ عني عبيدي بما أباحهم من عرسه، وأتلفهم وأتلف مالي بما استجازه من قلة الصيانة لنفسه. ثم قال: فإن شقيت جيادي بإباق عبيدي بها، وعدمتها بما حملهم وردان عليه من الانتهاب لها، لقد شقيت بسيفي من العبيد وجوههم، ولقد فللت بمن قتلت منهم عديدهم.

стр. 240

وقال في العبد الذي قتله: أَعْدَدتُ لِلغادِرِينَ أَسيَافاً أَجدَعُ ... مِنهُمْ بهنَّ آنافَا لا يَرحَمُ اللَّهُ أَرؤُسَاً لَهُمُ ... أطرنَ عَنْ هَامِهنَّ أَقحَافا ما يَنقِمُ السَّيفُ غَيرَ قِلَّتهِمْ ... وأَنْ تضكُونَ المِئُونَ آلافَا الجدع قطع الأنف والأذن، والهام: الرؤوس، الواحد هامة، والأقحاف: أعالي الجماجم، الواحد قحف، ونقم: بمعنى أنكر. فيقول مشيرا إلى قتله العبد الذي حاول الغدر به: أعددت لمن أراد الغدر بي أسيافا صارمة، وعزائم قوية نافذة، وأجدع بتلك السيوف أنوفهم، وأقرب بتلك العزائم حتوفهم. ثم قال داعيا عليهم: لا يرحم الله أرؤسا لهم اعتقدت الغدر، وأساءت الفعل، فأوجبت بذلك إطارة أقحافها، وتعرضت لما أفضت إليه من إهلاكها وإتلافها. ثم قال: ما ينكر السيف إلا أنهم قليل لا يدرك بهم رغبة، يسير لا يلحقهم بمثلهم بغية، وبوده أن المئين منهم آلاف متكاثرة، وجماعات مترادفة. يا شَرَّ لَحمٍ فَجعتُهُ بِدَمٍ وَزَارَ ... لِلخَامِعَاتِ أَجوافَا قَدْ كُنتَ أُغنِيْتَ عَنْ سُؤالِكَ بي ... مَنْ زَجَرَ الطَّيرَ لي وَمَنْ عَافَا وَعَدْتُ ذَا النَّصلَ مَن تَعرَّضَهُ ... وَخِفْتُ لَمَّا اعتَرَضْتَ إخلافَا الخمع: العرج، والخوامع: الضباع، وهي توصف بالعرج، وزجر الطير: التفاؤل بها، والعيافة: التكهن على سبيل الزجر، والنصل: السيف. فيقول مشيرا إلى العبد الذي قتله. يا شر لحم فجعته بسيفك دمه، وإعدام نفسه، فزار أجواف الضباع، وأصبح من أقوات السباع. ثم قال، وهو يريده: قد كنت أغنيت عن أن تسأل بي غيرك، وأن تغالط في نفسك بما سلف لك معي من طول الصحبة، وما توليته لي من قديم الخدمة، ثم رجع إلى الاستفهام على سبيل التعجب، فقال: من زجر الطير لي مع ما كان عليه في جهتي

стр. 241

من ثابت المعرفة، ومن تولى العيافة في أمري مع ما سلف له من قديم التجربة. ثم قال: وعدت سيفي بأعماله فيم ن تعرض له، وإمكانه ممن تمرس به، ووجلت لما اعترضني هذا العبد أن أخالف السيف فيما وعدته، ولا أنفذ له ما قد شرطته. لا يُذْكَرُ الخَيرُ إن ذُكِرتَ ولا ... تُتبِعُكَ المُقلَتَانِ تَذرافَا إذا أمرُؤٌ راعَنِي بِغَدرِتَهِ ... أَورَدْتُهُ الغَايَةَ التي خَافَا التذراف: انحدار الدمع من العين. فيقول، وهو يريد العبد الذي قتله: لا يذكر الخير عندما يعن من ذكرك، ولا يتأخر الذم عنك بما قدمته من غدرك، ولا تتبعك المقلتان تذراف الدمع، ولا تظهر عليك شيئا من الحزن. ثم قال: إذا امرؤ فاجأني وحاولني بمكروه فعله، لقيته القتل فصار إلى ما كان يتخوفه، وجاريته به فأفضى إلى ما كان يتوقعه.

стр. 242

وقال في طريقه: بُسَيطَةُ مَهلاً سُقِيتِ القِطارَا ... تَرَكْتِ عُيونَ عَبِيدي حَيَارَى فَظَنُّوا النَّعَامَ عَلَيكِ النَّخيلَ ... وَظَنُّوا الصِّوارَ عَلَيكِ المَنَارَا فَأمسَكَ صَحبِي بِأكوَارِهم ... وَقَدْ قَصَدَ الضِّحكُ فِيهمْ وَجَارَا بسيطة: فلاة معروفة، والقطار: جمع قطر، والصوار: القطيع من بقر الوحش، والمنار: الصوامع، واحدتها منارة، والأكوار: الرحال، والقصد: الاستقامة في الشيء، والجور: الخروج فيه عن الواجب. فيقول مخاطبا للفلاة: بسيطة مهلا! فيما كلفتنا من السير، ولازمتنا به من قلة النوم، فقد تركت عيون عبيدي حيارى في نظرها، غير متحققات للمرئيات عند تأملها. ثم قال: فظن عبيدي عليك (أن) النعام نخيل؛ بما توالى عليهم من السير، وأن بقر الوحش صوامع؛ بما أتصل لهم من طول السفر. وأشار إلى أنهم يتمنون الخروج من تلك الفلاة إلى القرى المعمورة، لتطاولها عليهم، فكانوا يظنون نعامها نخيلا، وبقرها الوحشية منارا. ثم قال: فأمسك صحبي بأكوارهم معتصمين بها، وعولوا عليها ملتزمين لها، وقد أخذ الضحك فيهم بحظه، وتجاوزوا فيه إلى أكثر مما عهد من أمره، وأشار بما ذكر إلى أنهم كاد أن يسقطهم الضحك عن رواحلهم، وأن يخرجهم بغلبته عن مواضعهم.

стр. 243

ونجم ناجم من بني كلاب، وسار إلى الكوفة، فخرج إليه أهلها، وكان فيمن خرج إليه أبو الطيب، وجرى بينهم طراد، فانهزم الخارجي ومن معه من بني كلاب، وجرد الديلمي دلير بن يشكروز إلى الكوفة ومعه جيش، فصادف القوم وقد انهزموا، فواصل أبا الطيب وأنفذ إليه ثيابا من الديباج الرومي والخز والدبيقي، وقاد إليه فرسا بمركب ثقيل، فقال أبو الطيب يمدحه، أنشده في سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة. كَدَعواكِ كُلٌّ يَدَّعِي صِحَّةَ العَقلِ ... وَمَنْ ذَا الَّذي يَدري بِمَا فِيهِ مِنْ جَهلِ لَهِنّضكِ أَولَى لاَئِمٍ بِمَلامَةٍ ... وَأَحوَجُ مِمَّنْ تَعذِلِينَ إلى العَذلِ تَقُولِينَ ما في النَّاسِ مِثلَكَ عَاشِقٌ ... جِدِى مِثلَ مَنْ أَحبَبتُهُ تجِدِي مِثلِي لهنك: كلمة إضمار ومخاطبة معناها: لأنك، فأبدلوا الهاء من الهمزة، كما قالوا: هراق وهم يريدون أراق، وأدخلت لام الإخبار على ذلك. فيقول مخاطبا لعاذلته، ومشيرا إلى لائمته: مثل الذي تدعينه أيتها العاذلة من صحة العقل، وتظنينه في عذلك من صواب الفعل، يدعيه كل ذي رأي سواك ويعتقده، وكل ذي مذهب يتخيره ويلتزمه، ومن ذا الذي يشعر بمقدار جهله، وينظر بعين الحقيقة من نفسه؟!. ثم قال: لهنك أيتها العاذلة أحق اللائمين بالملامة، وأبعدهم عن طرق الإصابة، وأحوج إلى العذل من الذي تقصدينه بعد ذلك وتعتمدينه بلومك. ثم قال مشيرا إليها: تقولين لي ما في الناس عاشق على مثل بصيرتك، ولا محب يحتمل على طريقتك، وقولك في ذلك لا يدفع عن الصدق، ورأيك لا يعدل عن الحق، فجدي مثل من أحببته في جلالة القدر، تجدي مثلي فيما بلغته من الحب. مُحِبٌّ كَنَى بالبِيضِ عَنْ مُرهَفَاتِهِ ... وَبالحُسنِ في أَجسَامِهِنَّ عَنِ الصَّقلِ وَبِالسُّمرِ عَنْ سُمرِ القَنَا غَيرَ أَنَّني ... جَنَاهَا أَحبَّائِي وَأَطرَافُهَا رُسلي المرهفات: السيوف، والقنا: الرماح، وجنى الشجرة: (اجتنى) ثمرتها، ويستعار

стр. 244

ذلك في كل ما ترتقب فائدته. فيقول لعاذلته: والمثل الذي أشير لك إليه؛ هو محب يكنى بالبيض عن مرهفات سيوفه عند ذكرها، وبالحسن في أجسامهن عما يعجب به من صنيعها وصقلها. ثم قال: ويكني بالسمر عن سمر رماحه كلفا بها، ويجعل ما يظهره من الشغف خالصا لها، ويعتقد أن ما يجتنيه بتلك الرماح، كالأحباب الذين ينحو نحوهم، ويجعل أطرافها إليهم، الرسل الذين يستحفظهم أمرهم. عَدِمتُ فُؤادَاً لَم تَبِتْ فيهِ فَضلَةٌ ... لِغَيرِ الثَّنَايَا الغُرِّ والحَدَقِ النُّجلِ فَمَا حَرَمَتْ حَسنَاءُ بالهَجرِ غِبطَةً ... وَلا بَلَّغَتها مَنْ شَكَا الهَجرَ بالوَصلِ الثنايا من الأسنان: معروفة، والغر: البيض، والأعين النجل: الواسعة. فيقول: أعدمني الله قلبا (لا) تكون فيه فضلة عن الاشتغال بالحب، والتصرف في أسباب لعشق، والكلف بحسان النساء، ذوات الثنايا الغر الواضحة، والعيون النجل الفاترة، ولا مرحبا بقلب ينزع من الأمور إلى أرفعها، ويحن من منازل الشرف إلى أجلها وأكرمها. ثم أكد ما دقمه، فقال: فما حرمت حسناء بهجرها غبطة يتشرف المحروم بنيلها، ولا منعته كرامة ترتفع منزلته بإدراك مثلها، ولا بلغت إلى ذلك من شكا هجرها بما تبذله من الوصل، ولا من ألم لبعدها بما تسمح له به من القرب. ذَرِينِي أَنَلْ ما لا يُنَالُ مِنَ العُلاَ ... فَصَعبُ العُلاَ في الصَّعبِ والسَّهلُ بالسَّهلِ تُريِدينَ لُقيَانَ المَعَالِي رَخيصَةً ... ولا بُدَّ دُونَ الشَّهدِ مِنْ إبَرِ النَّحلِ حَذَرْتِ عَلَينَا المَوتَ والخَيلُ تَدَّعِي ... ولم تَعلَمِي عَنْ أَيِّ عَاقِبَةٍ تُجلِي اللقيان: لغة في اللقاء، وإبرة النحل: التي تلدغ بها، وكذلك إبرة العقرب، وجمعها: إبر، والإدعاء في الحرب: الانتساب على طريق الافتخار وطلب الاشتهار، والإجلاء: الكشف.

стр. 245

فيقول مشيرا إلى عاذلته: ذريني لأنال من العلا ما يصعب نيله، وأدرك منها ما لا يقرب مثله، فليس يدرك من المعالي ما تجل قيمته، إلا بتكلف ما تعظم مشقته، وما كان منها يقرب تناوله، فبحسب ذلك يكون تسافله. ثم قال مخاطبا لها: تريدين أن ألقى المعالي وادعا غير متمون، وأدركها ريحا غير متكلف، ولابد دون الشهد والتلذذ بتطعمه من لدغ إبر النحل، والتحمل لألمه. ثم قال، وهو يريد عاذلته، وأشار إلى الوقعة التي شهدها عند وروده الكوفة، حذرت علينا الموت، والحرب تسعر، والفرسان في غمراتها تدعي وتفتخر، ولم تعلمي ما أجلت عنه من الظهور والغبطة، وما أعقبت به من الكرامة والرفعة. وأشار إلى تشكره له دلير بن يشكروز من اشتهاره في تلك الحروب، وما قارضه به من الإحسان والبر. وَلَسْتُ غَبِينَاً لَو شَرَبْتُ مَنِيَّتي ... بإكرامِ دِلِّيرَ بنِ يَشكَرَوَزَ لِي تَمُرُّ الأَنَابِيبُ الخواطِرُ بَينَنَا ... وَنَذكُرُ إقبَالَ الأَميرِ فَتَحْلَو لِي وَلَو كُنتُ أَدرِي أَنَّها سَبَبُ لَهُ ... لَزَادَ سُرورِي بالزِّيَادَةِ في القَتْلِ الغبين: المغبون، وهو فعيل بمعنى مفعول، كما يقال قتيل بمعنى مقتول، وشريت الشيء، بعته، وشريته: ابتعته، وأراد هاهنا الابتياع، والأنابيب: ما بين كعوب القناة، واحدها: أنبوب، وأشار بها إلى الرماح. فيقول: ولست مغبونا لو ابتعت المنية مغتبطا بها، ولقيتها غير متكره لها، جزاء بما أولاني دلير بن يشكروز من كرامته، ومقارضة لما خصني به من ملاطفته. ثم قال مشيرا إلى الوقعة التي شهدها بالكوفة، وكانت سبب قدوم دلير بن يشكروز على الناحية: تمر بيننا أنابيب الرماح التي استعملناها في المطاعنة، وضربناها فيما عانيناه من المقاتلة، ونذكر ما يدعو ذلك إليه من قدوم الأمير دلير بن يشكروز، فيحلو لي لنا من ذلك ما مر طعمه، ويحسن عندنا منه ما يستكره أمره.

стр. 246

ثم قال: ولو كنت أدري دراية تيقن أن ما باشرته في تلك الوقعة سبب إلى قربه، وموجب للنظر إلى وجهه، لزاد سروري بوفور حظي من القتل الذي كنت أحذره، واقتحامي على الهلاك الذي كنت أتوقعه. فَلا عَدِمَتْ أَرضُ العِراقَينِ فِتنَةً ... دَعَتكَ إليها كاشِفَ الخَوفِ والمَحْلِ ظَلِلْنَا إذا أَنبَى الحَدِيدُ نُصولَنَا ... نُجَرِّدُ ذِكرَاً مِنكَ أَمضَى مِنَ النَّصلِ وَنَرمي نَواصِيهَا مِنِ أسمِكِ في الوَغَى ... بِأَنفَذَ مِنْ نُشَّابِنَا وَمِنَ النَّبلِ المحل: الجدب، والعرقان: الكوفة والبصرة، والعراق: شاطئ، ولذلك سميتا، والنصول: السيوف، ونبوها: تأخرها عن النفاذ في القطع، والوغى: أصوات المقاتلين في الحرب. فيقول مخاطبا لدلير: فلا أعدم الله العراق فتنة قدمت بك إلى أرضها، وصيرتك مدبرا لأمور أهلها، فأنت كاشف الخوف عنها بهيبتك، وبركة سياستك، وصارف المحل بكرمك وجود راحتك. ثم قال يخاطبه: ظللنا في الوقعة التي قدمت على أثرها إذا نبت السيوف بأيدينا عند المجالدة، وعليها كثرة (جنن) أعدائنا المتظاهرة، نجرد فيهم من ذكرك ما هو أنفذ من السيوف الصارمة، وأشد عليهم من النصول الماضية. ثم قال، وهو يريده: ونرمي من أسمك نواصي الخيل التي نستقبلنا، ونراكب الفرسان التي تعترض لنا، بأنفذ من نشابنا، وأمضى ما نستعمله من سلاحنا. يريد أنه كان تداعيهم في تلك الحرب باسمه، وإجلابهم على المقاتلين لهم بذكره، أنفذ مما رموه من النشاب عن القسي العجمية، ومما رموا به من نبلهم عن القسي العربية، والنبل: سهام العرب، وصاحبها نابل ونبال، وسائر سهام العرب النشاب. قال الأعشى وهو يذكر عجم الفرس في يوم ذي قار: لَمَّا أَمالوا إلى النُّشاب أَيدِيَهُمْ ... مِلْنَا بِبِيضٍ فَظَلَّ الهَامُ يُختَطَفُ

стр. 247

وقال الفند الزماني: وَنَبلي وقفاها كعراقيبِ ... قَطىً طِحِلِ وقال أمرؤ القيس: وَلَيسَ بِذي سَيفٍ وَلَيسِ بِنَبَّالِ هذا المعروف الغالب، وإليه أشار أبو الطيب حين فرق بين النشاب والنبل. فَإنْ تَكُ مِنْ بَعدِ القِتَالِ أَتَيتَنا ... فَقَدْ هَزَمَ الأَعدَاَء ذِكرُكَ مِنْ قَبلِ وما زِلْتُ أَطوَي القَلْبَ قَبلَ اجتمَاعِنَا ... عَلَى حاجَةٍ بَينَ السَّنَابِكِ والسُّبلِ ولو لم تَسِرْ سِرْنَا إليكَ بأَنفُسٍ ... غَرائِبَ يُؤثِرونَ الجِيادَ على الأَهلِ وَخَيلٍ إذا مَرَّتْ بِوَحشٍ وَرَوضَةٍ ... أبَتْ رَعيَها إلاَّ وَمِرجَلُنَا يَغلِي السنابك: مقادم حوافر الخيل، واحدها: سنبك، والسبل: الطرق، واحدها سبيل، والجياد: الكرام، والمرجل: القدر. فيقول مخاطبا لدلير: فأن كنت أتيتنا على عقب وقعتنا، ولم تشهد ما قصدت له من نصرتنا، فلم نهزم أعداءك قبل ورودك إلا بذكرك، ولا أظهرنا إلا ما أحاط بنا من سعدك. ثم قال: وما زلت قبل اجتماعي بك، وما حصلت عليه من المشاهد لك، أطوي القلب على نية في قصدك، وحاجة من النهوض إلى أرضك، قضاؤها والوفاء بها مكتسب بين سنابك الخيل التي تستعمل ركضها، ومناهج الطرق التي تستأنف قطعها. ثم قال: ولو لم تسر نحونا لبادرنا إليك مسرعين، وليممنا أرضك متسابقين، بأنفس غرائب تؤثر الجياد على الأهل، ولا تأنس إلا بما يوفر حظها من الفضل. ثم قال: وكنا نقصدك بخيل كرام لا يستنكر سبقها، عتاق لا يستكره خلقها، إذا عنت لها سوانح الوحش، وأحاطت بها خمائل الروض، أبت أن تطمئن راتعة،

стр. 248

وتستقر وادعة، حتى تدرك بها ما تحاوله من الوحش، فنخضب فيما نعفره بعدوها، كإخضابها فيما تستقبله من رعيها. وَلَكِنْ رَأَيتَ الفَضْلَ في القَصدِ شِركَةً ... فكانَ لَكَ الفَضلانِ بِالقَصدِ والفَضلِ وَلَيسَ الذي يَتَّبَّعُ الوَبلَ رائِداً ... كَمَنْ جَاَءهُ في دارِهِ رائِدُ الوَبلِ وَما أَنا مِمَّنْ يَدَّعِي الشَّوقَ قَلبُهُ ... وَيَحتَجُّ في تَركِ الزِّيارَةِ بالشُّغلِ الشركة: لغة في الشركة، والوبل: المطر، والرائد: الذي يرسله القوم ليطلب لهم الكلأ. فيقول مشيرا إلى دلير: ولكنك رأيت القصد لمن يعتقد قصدك، ومن أجمع على الرحلة نحوك، تشريكا بين ضربين من الفضل، واستكمالا لنوعين مشكورين من الفعل، فكان لك الفضل لما تكلفته من قصدك، وأكدت ذلك بما قرنته من إنعامك وفضلك. ثم قال: وليس الذي يتبع الوبل مقتفيا لأثره، متكلفا للرحلة إلى كلأه، كمن جاءه الوبل وهو ناظر في منزله، وأحاط به الخصب وهو متودع في موضعه، أن فضل دلير كان مضاعفا؛ لأنه كفاه مؤونة الرحلة، وأعتمده بأوفر النعمة. ثم قال: وما أنا ممن يدعي الشوق ولا يصدق ذلك بظاهر فعله، ويحتج في ترك الزيارة بما يترادف عليه من شغله. يشير إلى أنه لو تأخر عنه دلير، لم يقصر هو عن قصده، ولا كان ممن يقدر التأخر عنه على مثله. أرادَتْ كِلابُ أَنْ تقومَ بِدَولَةٍ ... لِمَنْ تَرَكَتْ رَعيَ الشُّوَيهاتِ والإبِلِ؟! أَبَى رَبُّها أَن يَترُكَ الوَحشَ وَحدَها ... وَأَن يُؤمِنَ الضَّبَّ الخَبيثَ من الأَكلِ كلاب: قبيلة معروفة من قيس بن عيلان، كان الخارجي الذي قاتله أبو الطيب قبل إقبال دلير منهم، والضب: دابة تأكلها الأعراب. فيقول: أرادت كلاب، هذه القبيلة الضعيفة الحال، المتأخرة القليلة المال، أن تقوم

стр. 249

بسلطان ودولة، وتتسور على ملك وإمرة، فلمن كانت تترك رعي شويهاتها وإبلها، وما هي عليه من إقلالها وجهدها؟!. ثم قال: أبى ربها أن يظفرها من ذلك بما طلبته، ويعنيها على ما حاولته ورغبته، وأن يترك الوحش في القفر من مجاورتها، عادما لما هو بسبيله من مساكنتها، وأن يؤمن الضب الخبيث من تصيدها، وما هي عليه من استعمالها للتفوت بها. فأشار إلى أن الله قد حكم على بني كلاب بسكنى القفار، والتقوت بالضباب، فكيف لهم مع ذلك بالتسمي بالإمرة، والتعاطي لمنازل الرفعة؟!. وَقَادَ لَها دِلَّيرُ كُلَّ طِمرَّةٍ ... تُنيفُ بِخَدَّيهَا سَحُوقُ مِنَ النَّخلِ وَكُلَّ جَوادٍ تَلطِمُ الأرضَ كَفُّهُ ... بِأَغنَى عَنِ النَّعلِ الجَديدِ مِنَ النَّعلِ الطمرة: الفرس الكريمة السريعة، والسحوق: النخلة الطويلة. فيقول، وهو يريد بني كلاب؛ هذه القبيلة: وقاد لها دلير كل فرس طمرة سريعة الجري، كريمة عظيمة الخلق، كأن ما يشرف برأسها من عنقها، سحوق ترفعه، وجذع ينيف به على من تأمله. وأشار بالخدين إلى الرأس؛ لأنهما منه غير منفصلين عنه. ثم قال: وقاد لها كل حصان جواد، قوي أسره، شديد خلقه، تلطم الأرض كفه لصلابتها وقوتها، وسلامتها وصحتها، بما هو أغنى من نعل الحديد من ذلك النعل عن نفسه، وما هو أثبت منه في حقيقة جنسه. فَمَرَّتْ تُريغُ الغَيثَ والغَيثَ خَلَّفَتْ ... وَتَطلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجلِ تُحَاذِرُ هَزْلَ المَالِ وهِي ذَليلَةٌ ... وأَشهَدُ أَنَّ الذُّلَّ شَرٌّ مِنَ الهَزْلِ وأَهدَتْ إلينَا غَيرَ قاصِدَةٍ بِهِ ... كَريمَ السَّجايا يَسْبِقُ القولَ بالفِعْلِ الإراغة: الارتياد والمحاولة، والغيث معروف، وأشار به إلى ما يكون من الخصب والكلأ، والمال: السائمة من الإبل وغيرها، وهزل ذلك: إضاعته حتى

стр. 250

يغلب الضعف عليه، يقال: هزل فلان إبله يهزلها هزلا، إذا أضاعها حتى تهزل، روى ذلك أبو حاتم عن شيوخه، والسجايا: الخلائق، الواحد سجية. فيقول، وهو يريد بني كلاب، هذه القبيلة: فمرت تريغ الغيث، وتطلب الخصب، وقد خلقت ذلك في البلاد التي نفاها عنها دلير، بخلافها على السلطان الذي جرده نحوها، وقلد مناصبتها وحربها، فصارت تطلب ما كان في أييدها وملكها وهي وادعة آمنة، بالانتقال والرجل وهي متوقعة خائفة. وأشار باليد والرجل إلى هاتين الحالين، وكنى بهما عن هاتين الطريقتين. ثم قال: تحاذر على مالها الضياع والهزل، وتستسهل لأنفسها الصغار والذل، وأشهد أن الذل أشد من الهزل، وأن الصغار أوجع لقلوب الحرار من الفقر. ثم قال: وأهدت إلينا بنو كلاب، بما أظهرته من العصيان، وما عملت به من خلاف السلطان، غير عامدة إلى ما أهدته، ولا قاصدة لما أوجبته من (قدوم) الأمير دلير، كريم الخلائق، مشكور المذاهب، يسبق في الإفضال فعله قوله، ويتقدم في الإحسان إنجازه وعده. تَتَبَّعَ آثارَ الرَّزايا بِجُودِهِ ... تَتَبُّعَ آثارِ الأَسِنَّةِ بالفُتلِ شَفَى كُلَّ شَاكٍ سَيفُهُ ونَوالُهُ ... مِنَ الدَّاءِ حَتَّى الثَّاكلاتِ مِنَ الثُّكلِ عَفِيفٌ تَرُوقُ الشَّمسَ صُورَةَ وَجهِهِ ... فَلَو نَزَلَتْ شَوقَاً لَحادَ إلى الظِّلِّ الرزايا: الفجائع، وآثار الأسنة: الجراح التي تحدثها، والفتل: معروف، واحدها فتيل، والنوال: العطاء، والثاكلات: المفجعات، والثكل: المصاب. فيقول مشيرا إلى دلير: تتبع آثار الفجائع فسلى عنها بجوده، وتقصى بقايا المكاره فعزى عنها بفضله، وتلافى ذلك كما تتلافى جراح الأسنة بالفتل، التي تجبر خللها، وترفع عواديها وألمها. ثم قال، وهو يريده: شفى من الداء كل من يتشكاه؛ فأذهب الآجال بسيفه، وقرب
следующие страницы →