Полный текст (370 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حتى كأن ساعات زمانه متضيقة عليه، فهو يقضي بالقرى واجب حقها، ويعتبط الدماء فيها بإجرائها وسفكها.
ثم أكد ذلك وفسره فقال: تجري النفوس حواليه مختلفة، ويكثر إتلافه لها ممتزجة، ومن تلك النفوس نفوس أعداء يتلفها بالقتل، وفيها نفوس أغنام وآبال يذهبها بالذبح والعقر؛ فمن تلك النفوس ما يذهب به الإكرام والضيافة، ومنها ما يذهب به الإيقاع والإخافة، فساعدته مشمولة بالحالتين، مغمورة بهذين الأمرين.
ثم قال: وهو يشير إلى فاتك: لا يحرم البعد نائله من بعد عنه، ولا يعوق مؤمله عما رجاه؛ لأن جوده يعم عموم الغيث، ويفيض كفيض البحر، فهو يدرك النائي البعيد، كما يشمل الداني القريب، وليس يعجز صغار الأطفال عن الاشتمال به، ولا يخرجها الصغر عن التناول له؛ لأنه عام لا خصوص فيه، ممكن لا يعترض المنع عليه، يدركه الكبير والصغير، ويتقلب فيه القريب والبعيد.
أَمْضَى الفَرِيْقَيْنِ في أَقْرانِهِ ظُبَةً ... والبِيْضُ هادِيَةٌ والسُّمْرُ ضُلالُ
يُرِيكَ مَخْبَرُهُ أَضْعَافَ مَنْظَرهِ ... بَينْ الرّجالِ وفِيها المَاءُ والآلُ
وَقَدْ يُلَقبُهُ المَجْنُونَ حاسِدُهُ ... إِذا اخْتَلَطْنَ وَبَعْضُ العَقلِ عُقالُ
القرن: الند والمثل، والظبة: حد السيف، والهادي إلى الشيء: الذي يقصده بوجهه، والآل: السراب، وهو الذي يتخيل في قيعان الأرض عند شدة الحر، كأنه ماء، والعقال: داء يكون في أرجل الدواب يمنعها من المشي.
فيقول: إن فاتكا شديد البأس، مقدام النفس، وإنه أمضى الفريقين ظبة من أصحابه واعدائه، إذا حميت الحرب واستمر الجلاد والضرب، وقصرت الرماح وضلت، عن مقاصدها، وضاق المجال عن استعمال التطاعن بها، وصار الأمر إلى مباشرة الحتوف والتجالد بالسيوف، فصارت السيوف هادية مبصرة، والرماح متضللة مقصرة، فحينئذ يكون فاتك أمضى الفريقين من أصحابه وأعدائه، وأنفذ
стр. 177
الطائفتين من أوليائه وأضداده.
ثم قال: إن فاتكا وإن كان جمع الجمال والوسامة، والبهاء والجلالة فإنه يريك بما يخبره من فضله، وتؤديه المحبة إليك من كرمه وبأسه، أضعاف ما يؤديه ظاهره في الرجال، وما يتعرف فيه من الوسامة والجمال، وفي الرجال ما هو كالماء الذي يرويك ولا يعطشك، ويصدقك ولا يخذلك، وفيها ما هو كالآل الذي يكذب ولا يصدق، ويخدع ولا ينفع.
ثم قال: وقد يلقبه المجنون حاسده الذي لا يلحقه، وظالمه الذي لا ينصفه، وإنما ألزمه هذا اللقب إقدامه على الطعن والضرب، واقتحامه في غمرات الحرب، وبعض العقل في ذلك الموقف عقال يعقل صاحبه، وسبب من أسباب الضعف يعجز إلفه، وكان فاتك يلقب بالمجنون، ففسر عليه أبو الطيب هذا اللقب تفسيرا أذهب قبحه، وحسن عند المنكر له أن يتقلد مثله.
يَرْمِي بِهَا الجَيْشَ لا بُدَّ لَهُ وَلَهَا ... مِنْ شَقَّهِ ولو أَنَّ الجَيْشَ أَجْبَالُ
إِذا العِدَى نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُ ... لم يَجْتَمِعْ لَهُمْ حِلْمٌ ورئْبالُ
فيقول مشيرا إلى السيوف التي قدم ذكرها: يرمي بها الجيش الذي يناصبه، والجمع الذي يتعرض له، ولا بد له ولتلك السيوف المطيفة به من شق ذلك الجيش، وفض ذلك الجمع، ولو كان هضابا عارضة، وأجبالا قاتلة.
ثم قال: إذا العدى المتمرسون، والأضداد المتعرضون له، نشبت مخالبه فيهم، وأظهر سطوته عليهم، لم يجتمع لهم في ذلك الموطن أسد تحذر عاديته، وحلم تؤمن بادرته، فأشار إلى أن الاستسهال للموت، والاقتحام على الحرب، ليس من طريق الحلم، ولا تحمل عليها أحكام العقل.
يَرُوعُهُمْ مِنْهُ دَهْرٌ صَرْفُهُ أَبداً ... مُجَاهِرٌ وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تَغْتالُ
أَنالَهُ الشَّرَفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُ ... فَمَا الَّذي بِتَوَقي ما أَتَى نالوا
стр. 178
إِذا المُلُوكُ تَحَلَّتْ كانَ حِلْيَتُهُ ... مُهَنَّدٌ وأَصَمُّ الكَعْبِ عَسَّالُ
يروعهم: يفزعهم، وصروف الدهر: ما يقع من حوادثه، والمجاهرة بالشيء: الإعلان به، والاغتيال: الإهلاك على غفلة، والشرف: ارتفاع المنزلة في الفضل، والتوقي: التوقع، والمهند: السيف، والأصم: اليابس، والكعب: العقدة الناشزة في آخر كل أنبوب من القناة، والعسال: المضطرب، وأراد الرمح بهذه الصفة.
فيقول مشيرا إلى فاتك، ومخبرا عن أعدائه: يروعهم منه ملك، هو كالدهر في قدرته عليهم، ونفاذ ما يريده فيهم، إلا أن ما يبعثه عليهم من صروفه، إنما يبعثه مجاهرا، ويمضيه على الأعداء مغالبه، والدهر يغتال بصروفه، ولا يؤذن بخطوبه، فجعل لفاتك على الدهر مزية بينة، وزيادة ظاهرة.
ثم قال: أناله من الشرف أعلى منازله، ومن السلطان أرفع مراتبه؛ إقدامه وجرأته، واقتحامه على المهالك وشدته، فما الذي ناله أعداؤه بتوقيهم لما أقدم عليه، وإبطائهم عما تسرع إليه؟
ثم قال: إذا الملوك تحلت بحسن الملبس، وقدرت لأنفسها الهيبة بجمال المنظر، كان فاتك المذكور حليته سيف مهند يتقلده، ورمح عسال يتحمله، يريد: أنه احتاز الرئاسة مغالبة بسيفه، واستحقها لشجاعة نفسه.
أَبو شُجاع أبو الشُّجْعانِ قاطِبَةً ... هَوْلٌ نَمَتْهُ مِنَ الهَيْجَاءِ أَهْوالُ
تَمَلَّكَ الحَمْدَ حَتى ما لِمُفْتَخِرٍ ... في الحَمْدِ حَاءٌ ولا مِيْمٌ ولا دَالُ
عَلَيْهِ مِنْهُ سَرَابِيْلٌ مُضَاعَفَةٌ ... وَقَدْ كَفَاهُ مِنَ الماذِيَّ سِرْبَالُ
قاطبة: يؤيد جميعا، والهول: ما أخاف وأفزع، والمضاعف من الثياب: الذي يكون عليه مثله، والماذي: الدروع.
فيقول، وهو يريد فاتكا: أبو شجاع كنيته، وهي له صفة ثابتة، وحقيقة ظاهره؛ لأنه أبو الشجعان قاطبة، برئاسته فيهم واستعلائه عليهم، وأنه كبيرهم وقدوتهم،
стр. 179
وقطبهم وعمدتهم، والهول الذي ينميه من الحرب أهوال لا يعهد مثلها، ولا يشارك في شرفها وفضلها.
ثم قال: تملك الحمد وأحاط به، واحتازه وأصبح خالصا له، فما لأحد منه نصيب يعلم، ولا حظ يتبين ويعرف، وجعل ذكر الحاء والميم والدال إشارة [إلى] انفراده بجملته، واحتيازه لعامته.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: عليه من الحمد سرابيل مضاعفة، وحلل متتابعة؛ يشير إلى رغبته فيه، واستكثاره منه، وليس عليه من الدروع إلا سربال واحد؛ لأنه لا يكثر التوقع، ولا يحتفل في التحرز. فأشار إلى أنه مستكثر مما يشتمل به من كريم الذكر، ومستخف بما يدفع به عادية الحرب، فوصفه بالرغبة في الإحسان، وقلة التوقع عند لقاء الأقران.
وكَيْفَ أَسْتُرُ ما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... وَقَدْ غَمَرْتَ نَوالاً أَيُّها النَّالُ
لَطَّفْتَ رَأيَكَ في وَصْلي وَتَكْرُمَتِي ... إنَّ الكَرِيْمَ عَلى العَلْيَاءِ يَحْتَالُ
حَتَّى غَدَوْتَ وَلِلأَخْبَارِ تَجْوَالٌ ... ولِلكَواكِبِ في كَفيْكَ آمالُ
النوال: العطاء، والنال: الكثير النوال، يقال: رجل نال: إذا كان كثير النوال، كما يقال رجل مال، إذا كان كثير المال، روى ذلك يعقوب، ولطفت: بلغت الغاية من الرفق.
فيقول، وهو يخاطب فاتكا: وكيف استر ما أوليتني من الفضل، وأغفل ما ألزمتني من الشكر، قد أفضت علي بحورا غمرتني من جودك، وحملتني أعباء أثقلتني من برك، يا أيها النال الذي لا ينقطع نواله، ولا يتأخر تطوله وإفضاله.
ثم قال: لطفت رأيك فيما فتحته لي من باب صلتك، وما خصصتني من ظاهر كرامتك، إن الكريم على العلياء محتال لا تعجز حيلته، ومجتهد لا تضعف نيته.
ثم قال: حتى غدوت بما أوليتني من فضلك، وما وجدت لي من إحسانك وبرك،
стр. 180
قد جعلت للأخبار مجالا تستعمل في ذكره، ومكانا تتصرف في مثله، وصيرت الكواكب مع علو مواضعها، وارتفاع منازلها، تأمل من يديك زيادة في الرفعة، واستكثارا من علو الرتبة.
وهذا من الغلو الذي أشار فيه بذكر ما لا يمكن إلى إحراز غاية ما يجوز ويمكن.
وَقَدْ أَطَالَ ثَنائي طُول لابِسِهِ ... إِنَّ الثَّنَاَء عَلَى التَّنْبالِ تِنْبالُ
إِنْ كُنْتَ تَكْبُرُ أَنْ تَخْتَالَ في بَشَرٍ ... فإِنَّ قَدْرَكَ في الأَقْدَارِ يَخْتَالُ
التنبال: القصير من الرجال، والاختيال: إظهار الزهو والعجب.
فيقول مشيرا إلى فاتك: وقد أطال لساني بالثناء، وفتح لب باب المدح والإطراء، جلالة قدر من مدحته، وكثرة فضائل من وصفته، وإنما أنا في ذلك ذاكر لما عاينت، ومخبر عما شاهدت، والثناء إنما يقصر على التقصير الحال، الراغب عن الكرم والإفضال.
ثم قال، يخاطب فاتكا: إن كنت تكبر عن استعمال الاختيال والزهو، وتكلف التعظم والكبر في بشر أنت منهم، ومن قوم أنت فيهم، فقدرك في أقدار الملوك المتشبهين بك، يختا بجلالته، وينفرد برفعته وفخامته.
كَأَنَّ نَفْسَكَ لا تَرْضَاكَ صَاحِبَها ... إلاَّ وَأَنْتَ على المِفْضالِ مِفْضَالُ
ولا تَعُدُّكَ صَوَّانا لِمُهْجَتِها ... إِلا وأَنْتَ لَهَا في الرَّوْعِ بَذَّالُ
الروع: الفزع.
فيقول: كأن نفسك لا تألفك راضية بفعلك، ولا تصحبك شاكرة لسعيك، حتى يكون كل مفضال إنما يفضل بما تعب له، ويجود بما تعطيه وتبذله.
ثم قال: وكأن نفسك لا تعدك صائنا لمهجتها، ولا تعتقدك ساعيا في مسرتها وغبطتها، إلا إذا ابتذلتها في الروع، بتقحم المهالك، وعرضتها في الحرب لمواجهة المتالف.
стр. 181
لأَوْلا المَشَقَّةُ سَادَ كُلُّهُمُ ... الجودُ يُفْقِرُ والإقْدَامُ قَتَّالُ
وإنما يَبْلُغُ الإِنْسَانُ طَاقَتَهُ ... ما كُلُّ مَاشِيَةٍ بالرَّجْلِ شِمْلالُ
الشملال: الناقة القوية السريعة.
فيقول مبينا لصواب ما قدم ذكره من أفعال فاتك: لولا المشقة في إيثار المجد، وكثرة التمون في اكتساب الحمد، لساد الناس كلهم، وأدركوا الشرف بأسرهم، ولكن الجود يورث الإقلال والفقر، والشجاعة توجب التلف والقتل، وهذه الشدائد لا يتكلفها إلا من شرف طبعه، ولا يتحملها إلا من وطن على المكاره نفسه.
ثم أكد ما قدمه، فقال: وإنما يبلغ المرء فيما يقصده مقدار طاقته، ويدرك ما يحاوله على حسب استطاعته، فليس كل كريم يحوز غاية الكرم، ولا كل شريف يبلغ نهاية الشرف، كما أن كل ماشية من النوق برجلها شملال سريعة، وكريمة النجار قوية، وكذلك ليس كل من يتعاطى الكرم من الأمراء، ويوصف بالتقدم والفضل من الرؤساء، يبلغ في ذلك مبلغ فاتك الذي لا يعادل في فضله، ولا يماثل في جلالة قدره.
إِنَّا لَغِي زَمَنٍ تَرْكُ القَبِيحِ بِهِ ... مِنْ كْثَرِ النَّاسِ إِحْسانٌ وإجْمَالُ
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني، وحاجَتُهُ ... ما قاتَهُ، وَفُضولُ العَيْشِ أَشْغَالُ
يقول منبها على غرابة فاتك في دهره، وانفراده بالكرم من أبناء عصره: إنا من إدبار خير الزمان، وزهد أهله في الفضل والإحسان، لفي زمن إمساك أهله عن قبيح الفعل، وتأخرهم عن مذموم السعي، [فضل] يؤثر، وإحسان يحمد ويشكر، فكيف أتفق فيه مثل فاتك، وهو رئيس المحسنين، وزعيم الكرماء المنعمين؟!.
ثم قال، مشيرا إلى ما خلده فاتك من الفضل، وأبقى على نفسه من جميل الذكر، وأن التوفيق في ذلك موصول برأيه، والصواب مقصور على فعله: ذكر الفتى بجميل مساعيه، وما يخلده من مكارمه ومعاليه، عمره الثاني التالي لعمره، وحظه
стр. 182
من الدنيا المبقي لذكره، وحاجته فيما عدا هذا قوت يبلغه، وكفاف من العيش يستره، ومن رغب من الدنيا غير ذلك، فإنما يتعلق بفضول تشغله، وأباطيل تموته.
تم السفر بحمد الله وعونه وتأييده وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما. يتلوه: ومات أبو شجاع فاتك.
стр. 183
الجزء الثاني
توفي أبو شجاع فاتك بمصر، فقال أبو الطيب يرثيه قبل خروجه من مصر، وأظهر الشعر بعد خروجه منها:
الحُزنُ يُقلِقُ والتَجَمَّلُ يَردَعُ ... والدَّمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طَيِّعُ
يَتَنازَعَانِ دُمُوعَ عَينِ مُسَهَّدٍ ... هذا يَجِيءُ بِهَا وهذا يَرجِعُ
النَّومُ بَعدَ أبي شُجَاعٍ نَافِرٍ ... واللَّيلُ مُعيٍ والكَواكِبُ ظُلَّعُ
الردع: الكف، وعصي: فعيل من العصيان، وفيه معنى المبالغة، والطيع، والمستحكم الطاعة، وانتزاع الشيء: الاعتماد له، والظلع: البطيئة السير، التي كأنها تتوجع في مشيها، الواحد: ظالع.
فيقول: الحزن يقلق المحزون فيغلبه على الصبر، ويدعوه إلى كشف ما يسره من الأمر، والتجمل يكف ذلك ويردعه، ويصرف عنه ويمنعه، والدمع يطيل التجمل فيتوقف ويذهب، ويغلب عليه الحزن فيفيض ويسكب.
ثم قال، وهو يشير إلى التجمل والحزن: يتنازعان دموع عين محزون مسهد، مفجوع مرزأ، فالتجمل يعوق الدموع ويكفها، والتأسف يجيء بها ويحثها.
ثم قال: النوم بعد أبي شجاع، يريد فاتكا، نافر لا يرجع، وشاد لا يسكن، والليل لطول مدته، ووفور جملته، كالمعيي الذي لا يرحل، والمقيم الذي لا يظعن، والكواكب فيه ظالعة لا تنهض في الذهاب، وثابتة لا تهم بالانتقال. يشير إلى
стр. 184
استطالته لليل بما يهيج له من الحزن، واستبطائه بحركات نجومه لما يقاسي فيه من الوجد.
إنَّي لأجبُنُ مِن فِراق أَحبَّتي ... وَتُحسُّ نَفسي بالحِمامِ فأشجُعُ
وَيَزَيدُني غَضَبُ الأعَادِي قَسوَةً ... وَيُلمُّ بي عَتبُ الصَّدِيقِ فأجزَعُ
الحمام: الموت، والعتب: الموجدة.
فيقول باسطا لعذره، فيما وصف به نفسه من الجزع، واستحكام الهلع لمصاب فاتك: إني لأجبن من فراق من أحبه؛ إيثارا للوفاء، وأضعف عن تحمل ذلك، مراعاة لأذمة الإخاء، وأحس بالموت فأشجع على مواجهته، وأتيقنه فلا أشفق من مباشرته.
ثم أكد ما قدمه فقال: ويزيدني غضب الأعادي أنفة وقسوة، ويبعث مني إعراضهم حمية وجرأة، ويلم بي عتب الصديق فأجزع، وأسلم لأمره، ويتزيد علي فأرضيه، وأقصر نفسي على حكمه. يشير إلى أن جزعه على فاتك لم يكن عن خور وضعف منة، وإنما كان عن كرم ووفاء جبلة.
تَصفُو الحَيَاةُ لِجَاهِلٍ أو غَافِلٍ ... عَمَّا مَضَى فيها وما يُتَوَقَّعُ
وَلِمَنْ يُغالِطُ في الحَقَائِقِ نَفسَهُ ... وَيَسُومُها طَلَبَ المُحَالِ فَتَطمَعُ
يقول: أن الحياة لا تصفو لمن يلحظ الدنيا بعين المعرفة، ويتأملها تأمل الدراية والتجربة، وإنما تصفو لجاهل لا يعرف عواقبها فيتوقعها، أو غافل لا يمتثل تصاريفها فيتذكرها.
ثم قال على نحو ما قدمه: وتصفو الدنيا لمن يكابر فيها عقله، وتحسن عند من يغالط فيها نفسه، ويسومها المحال فتركن إليه، ويمنيها إياه فتعتمد بأملها عليه.
أينَ الَّذي الهَرمَان مِن بُنيانِهِ ... ما قَومُهُ ما يَومُهُ ما المَصرَعُ؟!
تَتَخَلَّفُ الآثارُ عَن أَصحَابِها ... حِينَاً، ويَدرِكُها الفَنَاءُ فَتتَبعُ
стр. 185
الهرمان: بناءان عظيمان بأرض مصر، لا يكاد يعرف الباني لهما، وهما ثابتان بحسن بنائهما، غير متغيرين لقوتهما وإتقانهما.
فيقول منبها على أن الدنيا مفنية لأهلها، متنكرة على كل من اغتر بها: أين الذي بنى الهرمين، فدل ببنائهما على قوته، وأبقاهما شاهدين على تمكنه وقدرته؟! كيف تظن بقومه وكثرتهم وتمكنهم وقوتهم؟! وكيف تظن بيومه الذي انصرفت فيه مدته، ومصرعه الذي عجزت عنه قوته؟! أما عفت الدنيا على آثار ملكه، وأفنته ومن استضاف إليه من قومه؟!.
ثم قال مشيرا إلى الهرمين، ونبها على أن الفناء سيدركهما، والخراب سينالهما ويلحقهما: تتخلف الآثار عن أصحابها مدة، فتدل على أحوالهم في القوة ومنازلهم في الاقتدار والبسطة، ثم ينالها ما نالهم من الإنقضاء، ويدركها ما أدركهم من الفناء، فتذهب الآثار كما ذهب المؤثرون لها، وتعدم كما عدم الذين دلوا على أنفسهم بها. هذه حال الدنيا وأهلها، والمعهود من تصرفها وفعلها.
لَمْ يُرضِ قَلبَ أبي شُجَاعٍ مَبلَغٌ ... قَبلَ المَمَاتِ ولم يَسَعهُ مَوضِعُ
كُنَّا نَظُنُّ دِيَارَهُ مَملُوَءةً ... ذَهَباً فَمَاتَ وَكُلُّ دارٍ بَلقَعُ
وإذا المَكَارِمُ والصَّوارِهُ والقَنَا ... وَبَناتُ أعوَجَ كُلُّ شَيءٍ يَجمَعُ
البلقع: الخالية التي لا شيء فيها، وبنات أعوج: الخيل، وأعوج: فحل معروف.
فيقول: لم يبلغ فاتك من الرفعة مبلغا إلا رآه قليلا لنفسه، متواضعا عند جلالة قدره، وكذلك لم يملك جهة من الأرض إلا ضاقت عن همته، وقصرت مع سعتها عن الوفاء برغبته.
ثم قال: كنا نظن مع كثرة جبايته، وسعة أقطاره وولايته، أن دياره مملوءة بالذهب، وأن حاله في ذلك حال الجامع المكتسب، فمات ومال كل دار أن تكون خالية من ساكنها، بلقعا بعد ذهاب عامرها.
стр. 186
ثم قال: فلما شهدنا ما اقتناه وجمعه، واكتسبه وذخره، فإذا ذلك هبات قصرت عليه ذكر مكارمه، وسلاح وخيل أعدها بملاحم وقائعه.
المَجْدُ أَخسَرُ والمَكَارِمُ صَفْقَةً ... مِنْ أن يَعِيشَ لها الكَرِيمُ الأروَعُ
والنَّاسُ أَنزَلُ في زَمَانِكَ مَنزِلاً ... مِنْ أَنْ تُعايِشَهُمْ وَقَدرُكَ أَرفَعُ
الأروع من الرجال: ذو الجسم التام والمنظر الجميل، والإنزال: التواضع.
فيقول، وهو يشير إلى فاتك: المجد والمكارم أضيع وأخسر، وأتعس وأخيب، من أن يعيش لها فاتك الكريم، الموكل بحفظها، الأروع الجامع لشملها.
ثم قال، وهو يخاطبه: والناس من أهل زمانك أنزل منزلة، وأوضع مكانا ومرتبة من ان تعايشهم مع مباينتك لهم، وتصحبهم مع قلة اشتباهك بهم؛ لأنك ترتفع عنهم ويتواضعون عنك، وتكبر عن مماثلتهم ويتباينون منك.
بَرِّدْ حَشَايَ إِنْ استَطَعتَ بِلَفظَةٍ ... فَلَقَدْ تَضُرُّ إذا تَشَاءُ وَتَنفَعُ
مَا كانَ مِنكَ إلى خَلِيلٍ قَبلَها ... ما يُستَرابُ بِهِ ولا ما يُوجِعُ
يقول مشيرا إلى ما بنفسه عليه من شدة الوجد، وما يضمره من الأسف والحزن: برد حشاي أيها المفقود بلفظة أسمعها، وإشارة أتبينها، فقديما كنت تقول فيسمع، وتضر إذا تشاء وتنفع.
ثم قال: ما كان منك إلى أحبتك قبل أن تفجعهم بنفسك، وتطرقهم الأيام بفقدك، فعل ينكرونه فيريبهم، ويكرهونه فيوجعهم، وما زلت تشملهم بفضلك، وتعتمدهم بإحسانك وبرك، وبحسب ذلك أوجعت قلوبهم، وأبكيت بمصابك عيونهم.
وَلَقَدْ أراكَ وَما تُلِمُّ مُلِمَّةٌ ... إلاَّ نَفَاهَا عَنكَ قَلبٌ أصمَعُ
وَيَدٌ كَأنَّ نَوَالَها وقِتَالَها ... فَرضٌ يَحِقُّ عَليكَ وَهوَ تَبرُّعُ
الأصمعي: الذكي، والتبرع: التطوع.
فيقول: وهو يخاطب فاتكا: ولقد بلوتك وما تطرقك ملمة من الدهر، ولا تعن لك
стр. 187
عظيمة من الأمر، إلا نفى عنك وما تحذر من ذلك، قلب ذكي لا تنازعه الغفلة، ونفس جريئة لا تعارضها الهيبة.
ثم قال: ونفى ذلك عنك يد باذلة للنوال، قوية باطشة في القتال، كأن البذل والهبة، والنفاذ والقوة، فرض عليها لا تستبد منه، ولزام لا تجد محيصا عنه.
يا مَنْ يُبَدِّلُ كُلَّ وَقتٍ حُلَّةً ... أَنَّى رَضَيتُ بِحُلَّةٍ لا تُنزَعُ؟!
ما زِلتَ تَخلَعُها عَلَى مَن شَاَءها ... حَتَّى لَبِسْتَ اليَومَ ما لا يُخلَعُ
ما زِلتَ تَدفَعُ كُلَّ أَمرٍ فَادحٍ ... حَتَّى أَتَى الأمرُ الذي لا يُدفَعُ
الحلة: ثوبان يلبسهما الرجل مجتمعين، والفادح: الأمر الذي يثقل حامله.
فيقول، وهو يشير إلى فاتك: يا من يبدل كل وقت حلة يفيتها عن نفسه، بأن يخلعها على زائره، ويهبها لقاصده، كيف رضيت من اكفانك بحلة لا تنزع، واشتملت منها بلبسة لا توهب؟!.
ثم قال: ما زلت تخلع ملابسك خلع مبرة وإكرام، وتبذلها بذل تطول وإنعام، حتى لبست من جهاز الموت ما لا يوهب وأحاط بك منها ما لا يفارق وينزع.
ثم قال: وهو يريده: ما زلت تدفع كل فادح يطرقك بنفاذك وقوتك، وتستظهر عليه باقتدارك وجرأتك، حتى أتاك من الموت أمر لا يدفع بتصرف وحيلة، ولا يستكف بجلالة وقدرة.
فَظَلِلتَ تَنظُرُ لا رِمَاحُكَ شُرَّعٌ فِيمَا ... عَرَاكَ ولا سُيُوفُكَ قُطَّعُ
بِأبي الوَحِيدُ وَجَيشُهُ مُتَكَاثِرٌ يَبكي ... وَمِنْ شَرِّ السِّلاحِ الأدمُعُ
وإذا حَصَلتَ مِنَ السِّلاحِ على البُكا ... فَحشَاكَ رُعتَ بِهَا وخَدَّاكَ تَقرَعُ
إشراع الرماح: بسط الأيدي بها، والقرع: الضرب.
فيقول نادبا لفاتك: فظللت تنظر إلى الموت نظر المسلم، وتلحظه بعين المحكم، لا تطيق مدافعته، ولا تمكنك مباطشته، قد عجزت رماحك عن مطاعنته، وقصرت
стр. 188
سيوفك عن مجالدته، فسطا عليك سطوة المالك لك، وغلبك غلبة المحيط بك.
ثم قال مشيرا إليه: بأبي الوحيد من الأنصار مع تكاثر جيشه، المفرد من الأصحاب مع توافر جمعه، الباكي على نفسه عند تيقنه بفناء عمره، ومن شر السلاح عند المدافعة، وأظهره تقصيرا عند المغالبة، البكاء الذي لا ينفع المستعمل له، والدمع الذي لا يغني المستظهر به.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وأجرى قوله مجرى لمثلك وإذا حصلت من سلاحك على الحزن، ومن أنصارك على الدمع، فحشاك تروع بحزنك، وخداك تقرع بدمعك، والبكاء الذي ترتقب نصرته هو الذي يقصر عليك مكروهه وسطوته.
وَصَلَتْ إليكَ يَدٌ سَواءٌ عِندَها البَازِيُ ... الأشَيهبُ والغُرابُ الأبقَعُ
مَنْ لِلمَحَافِلِ والجَحَافِلِ والسُّرَى؟ ... فَقَدَتْ بِفَقدِاكَ نَيِّراً لا يَطلُعُ
وَمَنِ اتَّخَذْتَ على الضُّيوفِ خَلِيفَةً؟ ... ضَاعوا وَمَثلُكَ لا يَكادُ يُضيَّعُ
الباز: معروف، والأشهب: الذي غلب البياض على لونه، والغراب الأبقع: الذي في صدره بياض، ذكر ذلك رواة اللغة، والمحافل: جمع محفل، وهو المجتمع، والجحافل: جمع جحفل، وهو العسكر العظيم، والسرى: سير الليل، والنيران: الشمس القمر.
فيقول، هو يردي فاتكا: وصلت إليك من الموت يد لا يفلتها ما تأخذه، ولا يفوتها ما تقصده، سواء عندها الشريف والمشروف، والقوي والضعيف، فعلها في الباز الأشهب مع كرمه ورفعته، كفعلها في الغراب الأبقع مع قبحه وضعته، وكذلك نالك منها أيها الرئيس المعظم، وأدركك من مكروهها أيها السيد المقدم، كالذي يدرك الخامل الذي لا قدر له، والساقط الذي لا يحفل به.
ثم قال متفجعا عليه: من للمحافل (في إرشاد جماعتها، والجحافل) في تصريف كتائبها، وللسرى عند انتهاز فرص الحرب، وطلب الغرة من الأعداء في الغزو؟
стр. 189
فقدت أيها الرئيس بفقدك المرشد الذي كانت تستمد برأيه، والنير الذي كانت تهتدي بضوئه، فعدمت ما كانت تعهده عنده، وغرب ذلك النير غروبا لا يطلع بعده.
ثم قال متفجعا عليه: ومن اتخذت خليفة على ضيوفك الذين كنت تسر بقربهم، وتلتذ بما تتكلف في برهم؟ ضاعوا بعدك بما لحقهم من فقدك، وعدموا ما عهدوه من فضلك، ومثلك لا يضيع في حياته قاصده، ولا يخيب من مبرته زائرة، ولكن المنايا تغلب العادات، والأيام بتصرفها تفرق الجماعات.
قُبحَاً لِوَجهِكَ يا زَمانُ! فإِنَّهُ ... وَجهٌ لَهُ مِنْ كُلِّ قُبحٍ بُرقُعُ
أيَمُوتُ مِثلُ أَبي شُجَاعٍ فَاتِكٍ ... وَيَعيشُ حَاسِدُهُ الخَصِيُّ الأوكَعُ؟!
أيدٍ مُقطَّعَةٌ حَوَالي رَأسِهِ ... وَقَفاً يَصِيحُ بها: أَلا مَنْ يَصفَعُ؟
البرقع: معروف، والأوكع: الأحمق، والصفع: ضرب القفا باليد.
فيقول متظلما من الزمان، ومستنكرا لفعله، ومنبها على جوره: قبح الله وجهك أيها الزمان وأتعبه، وأهانه ولا أكرمه، فإنه وجه متبرقع بضروب من القبح، مستتر بصنوف اللؤم، لا يحمد مثله، ولا يشكر فعله.
ثم قال: أيموت مثل أبي شجاع فاتك، عماد الإفضال والكرم، وولي الآلاء والنعم، وبعيش كافور حاسده اللئيم الأوضع، والخصي المنقوص الأوكع؟!.
ثم قال، وهو يريد كافورا، مشيرا إلى عبوديته، ومخبرا عن سقوطه ودناءته: أيد حواليه لم يبعد عهدها بضربه، وتوجعها بتناول أدبه. وقفا يناديها منه، مع ما صار إليها من الرفعة، وما حصل عليه من الرئاسة والإمرة، استيحاشا للعادة، وترقبا لامتهان العبودية: ألا من يصفع على من عهدت؟ فيصير ويضرب، فأسلم ولا أنكر.
أَبقَيتَ أَكاذِبٍ أَبقَيتَهُ ... وَأَخذتَ أَصدَقَ مَن يَقُولُ وَيَسمَعُ
وَتَركتَ أَنتَنَ رِيحَةٍ مَذمُومَةٍ ... وَسَلَبتَ أَطيَبَ رِيحَةٍ تَتَضَوَّعُ
стр. 190
التضوع: شدة الفوح.
فيقول مخاطبا للزمان، ومؤكدا لما قدم من ملامته: أبقيت من كافور أكذب من أبقيته من الكاذبين، وأسقط من غادرته من المتأخرين، وأخذت أصدق من يقول فلا ينكر صدقه، وأكرم من يسمع فلا ينكر فضله.
ثم قال، وهو يخاطب الزمان: وتركت من كافور الأسود، أنتن ريحة وأخبثها، وأحقها بالذم وأكرهها، وسلبت من فاتك أطيل مشموم تعيق ريحه، وأكرم مشهور يتضوع فوحه.
فَاليَومَ قَرَّ لِكُلِّ وَحشٍ نافِرٍ دَمُهُ ... وَكَانَ كَأَنَّهُ يَتَطَلَّعُ
وَتَصَالَحَتْ ثَمَرُ السِّياطِ وَخَيلُهُ ... وَأَوَتْ إليها سُوقُها والأذرُعُ
وَعَفَا الطِّرادُ فلا سِنَانٌ رَاعِفٌ ... فَوقَ القَنَاةِ ولا حُسَامٌ يَلمَعُ
التطلع: الاستشراف، وثمر السياط: العقد التي تكون فيها، وأوت: سكنت ورجعت، وعفا: درس وذهب، والطراد: التجاول في الحرب، والسنان: سنان الرمح، والراعف: الذي يقطر منه الدم، والحسام: السيف القاطع، ويلمع: يبرق.
فيقول: فاليوم قر بوفاة فاتك دم كل وحش نافر كان يتوقع اقتناصه وتصيده إياه، وكان ذلك الدم كأنه يحس بالسفك ويتطلع إلى الجري. يشير إلى أن فاتكا كان يلازم الصيد بمواصلته للغزوات، وتبديه في المهامه والفلوات.
ثم قال: والآن تصالحت بوفاته ثمر السياط وخيله التي كان يستعجلها في العدو، ويستكرهها على مطاولة الغزو، وأوت إلى تلك الخيل أذرعها وسوقها بغراحتها وصيانتها، وجمامها وإقامتها؛ لأنها تثنيها راقدة، وتصرفها على اختيارها وادعة، وكانت بحياة فاتك لا تنفك من عجل، وكأنها كانت من الخيل بمعزل.
ثم قال: وعفا الطراد بوفاة فاتك ودرس، فلا سنان بعده يرعف باستعماله في المطاعنة، ولا حسام يلمع بتصريفه عند المجالدة. يشير إلى أن فاتكا كان عماد
стр. 191
الأمراء المتمرسين في زمانه بالحرب، والمشهورين بمداومة الطعن والضرب.
وَلَّى وَكُلُّ مُخالِمٍ وَمُنَادِمٍ بَعدَ ... اللُّزومِ مُشبِّعٌ وَمُودِّعُ
قَدْ كانَ فِيهِ لِكُلِّ قَومٍ مَلجأٌ ... وَلِسَيفِهِ في كُلِّ قَومٍ مَرتَعُ
المخالم: المصادق، والمنادم: المشارب، والمرتع: الموضع السري المتمكن الرعي.
فيقول، وهو يريد فاتكا: ولى عند النهوض به إلى قبره، والتقديم إلى لحده، وكل من أمله وخالمه، وعول عليه ونادمه، مشيعون له غير مؤانسين، ومودعون غير ملازمين.
ثم قال: قد كان فيه لكل من والاه وأطاعه ملجأ يتمسك بعصمته، وكان لسيفه في كل من عصاه وخالفه مرتع يروع القلوب بسطوته.
إنْ حَلَّ في فُرسٍ فَفيها رَبُّهَا ... كِسرى تَذلُّ لَهُ الرِّقابُ وَتَخضَعُ
أَو حَلَّ في رُومٍ فَفِيها قَيصَرٌ ... أو حَلَّ في عُربٍ فَفِيها تُبَّعُ
يقول: أن فاتكا كان معظما في كل أمة، معترفا بفضله في جل فرقة، فأن حل بين الفرس، لحظته العين التي كانت تلحظ بها كسرى، رب ملكها، والمنفرد بتدبير أمرها، فخضعت الفرس لطاعته، واعترفت برفعته وجلالته.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأن حل بين الروم أحلته محل قيصر ملكها المقدم، ومتوجها المعظم، فاحتملت على حكمه، وسلمت لأمره، وأن حل بين العرب كان كتبع، متوج جماعتها، والمتقدم في رئاستها، ولا يدفع فضله، ولا يخالف أمره، فأشار إلى أن فاتكا كان مقدما في جميع الأمم، محرزا لغاية البأس والكرم.
قَدْ كَانَ أَسرَعَ فَارِسٍ في طَعنَةٍ فَرَساً، ... وَلكنَّ المَنِيَّةَ أسرَعُ
لا قَلَّبتْ أيدي الفَوارِسِ بَعدَهُ رُمحَاً، ... ولا حَمَلَتْ جَواداً أَربَعُ
يقول: وهو يريد فاتكا: قد كان أسرع الفرسان فرسا إلى الطعن، وأشدهم إقداما على تقحم غمرات الحرب، ولكن المنية أسرع في إدراك ما تقصده، وأقرب إلى
стр. 192
ما تبغيه وتعتمده.
ثم قال، على سبيل الدعاء والتأكيد لما قدمه عليه من الثناء: لا قلبت أيدي الفوارس رمحا بعده، فإنها عاجزة عن سعيه، ولا حملت الخيل قوائمها، فإنها مقصرة عن نكاية العدو لفقده. فأشار إلى أن السلاح والخيل إنما كانا يكرمان بما يظهر فاتك فيهما من رغبته، وما كان يستعملها فيه مما يدعو إليه علو همته.
стр. 193
وقال أيضا بالكوفة يرثيه، وكتب بها.
حَتَّامَ نَحنُ نُسَارِي النَّجمَ في الظُّلَمِ ... وَمَا سُراهُ على خُفٍّ ولا قَدَمِ؟
وَلا يُحِسُّ بِأجفانٍ يُحِسُّ بِها ... فَقدَ الرُّقادِ غَرِيبٌ باتَ لَمْ يَنَمِ
الكسارات: المفاعلة من السرى، وهو سير الليل، والنجم: واحد النجوم، وقد يراد به الجميع، ويخبر عنه على ذلك، قال الله : (والنجم إذا هوى)، قال اكثر أهل التفسير: أنه أقسم بغروب النجوم، والخف للجمل كالقدم للرجل، وكالحافر للدابة.
فيقول مستطيلا لأسفاره، ومنبها على كثرة رحله: إلى متى ترقب النجوم وتصحبها، وتجاريها في قطع الظلام وتمتثلها، وشأننا في ذلك غير شأنها، وسبيلنا غير سبيلها؛ لأنها ليست بذات خفاف فتتألم السير، ولا بذوات أقدام فتتهيب الليل، فنحن وإبلنا تتشكى من السرى، ما لا تحفل النجوم بمثله، وتتوجع منه لما هي مجبولة على فعله.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا تحس النجوم طول السهر، وفقد النوم في السفر، بأجفان يحس بها غريب شارد النوم، متعب متغير الحال. فأشار بما ذكره من مسارات النجوم إلى اتصال رحله، وبما هو عليه من قلة النوم إلى شدة ألمه.
تُسَوِّدُ الشَّمسُ مِنَّا بِيضَ أَوجُهِنَا ... ولا تُسَوِّدُ بِيضَ العُذرِ واللِّمَمِ
وَكَانَ حَالُهُما في الحُكمِ وَاحِدٌ ... لو احتَكَمنَا مِنَ الدُّنيا إلى حَكَمِ
وَنَتركُ المَاَء لا يَنفَكُّ مِنْ سَفَرٍ ... ما سَارَ في الغَيمِ مِنهُ سَارَ في الأدَمِ
العذر جمع عذار، وهو شعر العرض، واللمم: جمع لمة، وهي ما يكثر من شعر الرأس، فيزيد على الوفرة، والغيم: النوء الذي يكون عن تكاثف السحاب، والأدم: جلود يصنع منها القرب وغيرها.
فيقول: تسود الشمس منا فيما نعانيه من الرحيل، وما تتكلفه من السفر، بياض وجوهنا، وتذهب بنضرة جمالنا، وتبقي الشيب فلا تغيره، وتعرض عنه فلا تسوده
стр. 194
تناقلا عما نأمله، وسرعا إلى ما تكرهه، وإيذانا بفناء العمر، وتنبيها على اقتراب الهرم.
ثم قال مشيرا إلى اتصال أسفاره: ونترك الماء على ما نحن عليه من مداومة الترحل، ومعاناة السفر والتنقل، فما كان منه في السحاب فأودعته الأرض بانسكابها به، وصيرته في بطونها بأمطارها له، تزودنا مستكثرين، وحملناه غير مستبدين، فما كان ينتقل منه في السحاب المستعلية، نقلناه في المزواد والأسقية.
لا أُبغِضُ العِيسَ لكِنَّي وَقَيتُ بِهَا ... قَلبِي مِنَ الحُزنِ أو جِسمِي مِنَ السَّقَمِ
طَردتُ مِن مِصر أَيديها بأَرجُلهِا ... حَتَّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ والعَلَمِ
تَبري لَهُنَّ نَعَامُ الدُّوِّ مُسرَجَةً ... تُعارِضُ الجُدُلَ المُرخَاةَ باللُّجُمِ
العيس: الجمال البيض، وهي من كرائم الجمال، ومرقن: يعني خرجن، يقال: مرق السهم من الرمية؛ إذا خرج عنها، وجوش والعلم: موضعان معروفان، وتبري: تعرض، والجدل: أزمة الجمال التي تقاد بها، واحدها جديل.
فيقول مشيرا إلى تخلصه من كافور، ومواصلته بالسير من مصر إلى أرض العراق: لا أبغض العيس ولا أنكر فضلها، ولا أزال أتشكر فعلها، وقد وقيت بها قلبي ما كان يحبه من الحزن، وكفيت بها جسمي ما كان يتوقاه من السقم. يشير إلى أن الإبل التي تخلص بها من مصر، وفات بها من كافور، استوجبت الشكر؛ لأنها استنقذته مما كرهه، وأدرك عليها ما حاوله ورغبه.
ثم قال مشيرا إلى شدة سيره، واعتزامه على ما حاوله من أمره؛ قرنت أيدي هذه الإبل بأرجلها، استعجلها بغاية الجهد للطلب الذي كنت أحذره، وسوء مذهب كافور الذي كنت أتيقنه، حتى مرقن بنا من جوش والعلم، فأمنت ما حذرت، واستبعدت ما كرهت.
ثم قال: تبري بهذه الإبل الخيل التي جنبناها مسرجة، وتعترض جدلها باللجم
стр. 195
متصرفة، وكنى عنها بنعام الدو، مشيرا إلى ما كانت عليه من سرعة السير، وما كلفها فيه من وجهته من ملازمة القفر، والعرب تضرب المثل بالنعام في السرعة فيقولون لمن أفرط في الهرب: (أشرد من ظلم)، و (شالت نعامة بني فلان)، وللنعام في القوة على ملازمة الفلوات حال لا تجهل، وقوة لا تنكر، فكنى عن الخيل التي جنبها في وجهتها بهذا الاسم، ووسمها لنفاذها في ملازمة القفر بهذا الوسم.
في غِلمَةٍ أَخطَروا أرواحَهُمْ وَرَضوا ... بِمَا لَقينَ رِضَى الأيسَارِ بالزَّلَمِ
تَبدو لَنَا كُلَّما أَلقوا عَمَائِمَهُمْ ... عَمَائِمٌ خُلِقَتْ سُودَاً بِلا لُثُمِ
بِيضُ العَوَارِضِ طَعَّانينَ مَنْ لَحِقُوا ... مِنَ الفَوَارِسِ شَلاَّلِينَ لِلنِّعَمِ
الخطر: الغرر، وأخطر الرجل نفسه: إذا عرضها لذلك، والأيسار: الذين يقترعون في الميسر، والزلم: قدح لا ريش له، وقداح الميسر كذلك، وكل واحد من الأيسار مسلم لما يصيبه بالقدح الذي يخرج له، واللثم: جمع لثام، وهو ما ستر الفم من مقنع أو عمامة، والعوارض: جمع عارض، وهو الذي يصل بين الرأس واللحية من الشعر، والشل: الطرد، والنعم: الإبل تختلط بالغنم وسائر الماشية.
فيقول: أنه قطع القفر الذي قدم ذكره، في غلمة رضي صحبتهم، وخبر إقدامهم وجرأتهم، فأخطروا معه أنفسهم مغررين، وتقحموا مكروه المخافة موطنين، ورضوا بما تجشمته خيلهم وركائبهم غير متسخطين، رضى الأيسار بالزلم الذي لا يخالفونه، وعلى نحو تسليمهم بحكمه الذي لا يتكرهونه.
ثم قال واصفا للقوم الذين صحبهم بالإقدام والشدة، والاقتبال والقوة: تبدو لنا منهم، كلما ألقوا عمائمهم، وحسروا عن رؤوسهم، عمائم من شعورهم، سود لا يتلثم بمثلها، باقية على حقيقة خلقها. وأشار بسواد شعور رؤوسهم إلى أنهم لم يخلقوا بالشيوخ الذين تضطرب أمورهم، ويقعد بهم السن فتضعف جسومهم.
стр. 196
ثم أكد ما قدمه فقال: أنهم بيض العوارض مع سواد شعر رؤوسهم. فأشار إلى اكتهال أسنانهم، وإحرازهم الكمال في جملة أحوالهم. ثم وصف غناءهم وشدتهم، وبأسهم وجرأتهم، فقال: أنهم طعانون بمن لحقوه من الفوارس عند حملاتهم، شلالون لما يستاقونه من النعم في غاراتهم. فدل بقوله: (طعانون من لحقوا) على ضعف الأعداء عن موافقتهم، وبما وصفهم به من شل ما يستاقونه، على عجز من أغاروا عليه عن متابعتهم.
قَد بَلَّغوا بِقَنَاهُمْ فَوقَ طَاقَتِهِ ... وَلَيسَ يَبلُغُ ما فِيهِمْ مِنَ الهِمَمِ
في الجاهِلِيَّةِ إلا أَنَّ أنفُسَهُمْ ... مِنْ طِيبهِنَّ بهِ في الأشهُرِ الحُرُمِ
نَاشوا الرِّماحَ وَكَانَتْ غَير نَاطِقَةٍ ... فَعَلَّموها صِياحَ الطَّيرِ في البُهَمِ
القنا: قصب الرماح، واحدها قناة، والهمم: جمع همة، وهي مراد الإنسان، وما تنزع إليه نفسه، والجاهلية: التصرف على غير أحكام الشريعة والشهر الحرم: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وكانت العرب في جاهليتها لا تستحل القتال في هذه الأشهر، وناشوا: تناولوا، والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدري من أين يقصد في القتال لهيبته.
فيقول: أن الفرسان الذين قدم ذكرهم قد بلغوا برماحهم، بكثرة استعمالهم لها في الطعن، وتصريفهم إياها في شدائد الحرب، فوق ما تطيقه، واكثر مما تحتمله، فلا تزال في تلك الملاحم تنكسر، وفي تلك الوقائع تنحطم، وهي مع ذلك لا تبلغ الغايات التي تطمح إليها هممهم، والحدود التي ترضى ببلوغها أنفسهم.
ثم قال: أنهم لتمرسهم بالحروب، ومداومتهم للقتال والقتل، في مثل أحوال الجاهلية، إلا أن أنفسهم بتلك الرماح وما تكسبهم من العزة، وما يتيقنون بها من الظهور والقدرة، في مثل الأشهر الحرم التي كان أهل الجاهلية لا ينتهكون بالقتال عظيم حرمتها، ولا يزالون آمنين في مدتها.
стр. 197
ثم قال: تنالوا الرماح وهي خرس لا أصوات لها، وصوامت لا يظن الصياح بها، فكسروها عند مطاعنة الأقران، وأكرهوها في أجسام بهم الفرسان فحكت أصوات الطير عند تقصفها، ولم تبعد منها في حين تحطمها.
تَخدِي الرِّكابُ بِنَا مَشَافِرُها ... خُضراً فَرَاسِنُها في الرُّغلِ واليَنَمِ
مَعكُومَةً بِسياطِ القَومِ تَضربُها ... عَنْ مَنبِتِ العُشبِ تَبغِي مَنبِتَ الكَرَمِ
وَأَينَ مَنبِتُهُ مِنْ بَعدِ مَنبِتِهِ ... أبي شُجَاعٍ قَريعِ العُربِ والعَجَمِ؟
الوخد: ضرب سريع من السير، والركاب: الجمال التي يتحمل عليها، والمشافر للإبل كالجحافل للخيل، وهي ما تتناول العلف به من أفواهها، والفراسن: جمع فرسن، وهو (لحم) على خف البعير. والرغل والينم: نبتان، والمعكوم: المغلوب، أستعير له من الذي يجعل الكعام في فمه فلا يتكلم، وقريع القوم: سيدهم.
فيقول: تخدي الركاب بنا مسرعة، ونقطع بها الفلوات مستعجلة، ومشافرها بيض باللغام الذي تقذف به من أفواهها، وفراسنها خضر بالنبت الذي تطؤه في طرقها، فأشار بكثرة ما تقذفه الإبل من اللغام إلى استعجالهم لها، وبكثرة العشب في طرقهم إلى قلة المرور بها.
ثم قال، وهو يشير إلى الإبل: معكومة عن الهدير بشدة السير، مشغولة عنه بسياط القوم تضربها عن منابت العشب، وما تخيم عليه العرب من ذلك في البلد القفر، ونحن نعتمد ملوك الأمصار، أرباب النعم، والذين في أيديهم منابت الكرم.
ثم قال مستطردا إلى ذكر فاتك: وأين منبت الكرم بعد أبي شجاع، منبته ومألفه، وشقيقه ومحالفه، قريع العرب والعجم، والمحرز لغابات الفضل والكرم؟!.
لا فَاتِكٌ آخَرٌ في مِصرَ نَقصِدُهُ ... ولاَ لَهُ خَلَفٌ في النَّاسِ كُلِّهِمِ
مَنْ لا يُشابِهُهُ الأحيَاءُ في شيمٍ ... أَمسَى تُشابِهُهُ الأَمواتُ في الرِّمَمِ
عَدِمتُهُ وكَأَنَّي سِرتُ أَطلُبُهُ ... فَمَا تَزيدُنِي الدُّنيا على العَدَمِ
стр. 198
الشيم: الأخلاق، الواحد شيمة، والرمم: العظام البالية، واحدتها رمة.
فيقول: لا فاتك آخر غير المفقود في مصر فترحل إليه وتقصده، وتعول عليه وتعتمده، ولا له عوض في الناس كلهم فتعدل إلى ذلك العوض، تألفه وتقتصر عليه بالشكر والحمد.
ثم قال: من كانت لا تشابهه في شيمه، ولا تساجله في إقدامه وكرمه، وكان بينهم واحدا لا نظير له، وفردا لا يقترن رئيس به، أمسى في قبره رمة كسائر الرمم، وكواحد ممن أفناه الموت من الأمم.
ثم قال: عدمته بالموت الذي عاجله، والحتف الذي اخترمه وواقعه، ثم سرت مرتحلا عن أرضه، ومؤملا للعوض برئيس مثله، فلم تزدني الدنيا على العدم لما املته، ووقوع البأس عما طلبته.
مَا زِلتُ أَضحِكُ إبلي كُلَّما نَظَرَتْ ... إلى مَن اختَضَبتْ أَخفَافُها بِدَمِ
أَسِيرُهَا بينَ أَصنَامٍ أُشَاهِدُها ... وَلاَ أُشَاهِدُ مِنها عِفَّةَ الصَّنَمِ
حَتَّى رَجَعتُ وَأَقلامِي قَوائِلُ لِي ... المَجدُ لِلسَّيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ
أخفاف الإبل: واحدها خف، وهو فرسن البعير الذي يطأ الأرض بأسفله، والأصنام: تماثيل من خشب وأحجار كانت تعبد في الجاهلية، والعفة: الكف عما لا يحل، والمجد: إدراك الشرف.
فيقول: ما زلت أضحك إبلي وأن كانت لا تعقل، وأطيل عجبها مع أنها لا تفهم، (كلمة) نظرت إلى ملوك الأمصار التي قصدتها، ورؤساء البلاد التي ىختللتها، وتبينت أحوال من اختضبت بالدم في قصده، ولقيت أشد الجهد في ترحلها إلى أرضه.
ثم قال: أسير إبلي منهم تشبه الأصنام (في تعظيمها وطاعتها، ولا تشبهها) بعفتها عما يستجيزونه من الظلم؛ وبراءتها عما يحتملون عليه من البغي.
стр. 199
ثم قال: حتى رجعت بعد تبيني لأحوالهم، ومعرفتي بحقيقة إقرارهم، وأقلامي تعاتبني جاهدة، وتخاطبني منادية قائلة: المجد للسيف الذي يعيد العز ويوجبه، ويجير المغلوب وينصره، لا للقلم الذي يخذل المستعمل له، ولا يبدو غناءه عن المدافع به.
أكتُبْ بِنَا أبداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ ... فإنَّما نَحنُ لِلأسيَافِ كالخَدَمِ
أسمَعتِنِي وَدَوائِي ما أَشَرتِ بِهِ ... فَإنْ غَفَلتُ فَدَائي قِلَّةُ الفَهَمِ
مَن اقتَضَى بِسِوَى الهِندِيِّ حَاجَتَهُ ... أَجَابَ كُلَّ سؤالٍ عَنْ هَلٍ بِلَمِ
يقول مخبرا عن أقلامه التي قيد بها عمله، وآدابه التي نظم منها شعره: أنها حضته على أن يقدم السيف في ما يطالبه، ويعول عليه فيما يحاوله؛ فأن الأقلام والآداب كالخدم للأسياف، تتبعها متواضعة لقدرها، وتخدمها ممتثلة لأمرها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد أقلامه: أسمعتني ودوائي لا محالة استعمال السيف الذي أشرت بالعدول إليه، وإيثار البطش الذي ندبت إلى التعويل عليه، فأن غفلت عن إنفاذ قولك، وقصرت عن امتثال رأيك، فدائي قلة الفهم لصحيح الآراء، وإعراضي عن امتثال أقوال النصحاء.
ثم قال على نحو ما تقدم: من اقتضى بغير السيف حاجته، وحاول من غير طريق الغلبة رغبته، خاب سعيه، واستضعف رأيه، وأجاب المستفهم بها عن أمره؛ بأنه لم يظفر فيه بإسعاد من دهره.
وَتَوَهَّمَ القَومُ أَنَّ العَجزَ قَرَّبَنا ... وفي التَّقَرُّبِ ما يَدعو إلى التُّهَمِ
وَلَمْ تَزَل قِلَّةُ الإنصَافِ قَاطِعَةً ... بَينَ الرِّجالِ وإنْ كَانوا ذَوِي رَحِمِ
الرحم: القرابة.
فيقول: توهم القوم المتوثبون على الدول، المتسورون على المدن، أن العجز عن مساجلتهم، والتقصير عن مقاومتهم، ونى بنا عنهم، وقربنا منهم، وفي التقرب
стр. 200
والمسامحة، والإمساك والمجاملة، ما يدعو إلى اتهام ذي القوة، واستضعاف من تشهر بالبأس والنجدة.
ثم قال: ولم يزل ما يغشانا به من نباشره من الولاة والمتوثبين، من قبح المعاملة، وقلة الإنصاف والمجاملة، يقطع ما بين المتواصلين، ويفرق ما بين المتعارفين، وأن كانوا ذوي أرحام واشجة، وقرابات لاصقة.
فَلاَ زِيادَةَ إلاَّ تُزورَهُمُ ... أيدٍ نَشَأنَ مَعَ المَصقُولَةِ الخُذُمِ
مِن كُلِّ قَاضِيَةٍ بالمَوتِ شَفرَتُهُ ... ما بَينَ مُنتَقَمٍ مِنهُ ومُنتَقِمِ
صُنَّا قَوائِمَها عَنهُمْ فَمَا وَقَعَتْ ... مَوَاقِعَ اللُّؤمِ في الأيدِي ولا الكَزَمِ
السيوف الخذم: القاطعة، الواحد خذوم، والقاضي: الحاكم، والكزم: قصر الأصابع.
فيقول: فلا بقية لنا عليهم، ولا زيادة بيننا وبينهم، إلا أن تزورهم بأيد باطشة، تصول بسيوف خذم ماضية، واصلتها في قديم النشأة، ووافقتها في حقيقة الجبلة، وأن كان في هذه العبارة زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة من بنيته، محكوم عليها في حقيقته.
ثم قال على نحو ما قدمه: من كل سيف صارم تقضي بالموت شفرته، وتحكم به حدته، وتتصرف ما بين مطلوب ينتقم منه، وطالب تنطق سيوفه عنه.
ثم قال: صنا قوائم تلك السيوف عن المقصودين بها، وعلينا عليها المعرضين (لها)، وانفرادنا بها دونهم، وسبقنا إليها جميعهم، فلم تقع في أيديهم، في أيد لئيمة المخبر، كزمة قبيحة المنظر، وكزم اليد وخشونتها من دلائل الهجنة، ومقابح الخلقة.
هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ ... فإنَّما يَقَظَاتُ العَينِ كالحُلُمِ
ولاَ تَشَكَّ إلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُ ... شَكوَى الجَريحِ إلى الغِربَانِ والرَّخَمِ
وَكُنْ عَلَى حَذرٍ لِلنَّاسِ تَكتُمُهُ ... ولاَ يَغُرُّكَ مِنهُمْ ثَغرُ مُبتَسِمِ
стр. 201
شق الشيء على طالبه: إذا صعب والحلم: معروف.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتجلد على ما تصعب من أمره: هون على بصرك ما ساءك أن تبصره، ولم يوافقك أن تشهده، فأن أمور الدنيا بجملتها سريع تنقلها، منتظر تبدلها، وإنما هي وأن كانت يقظة تتيقن، وحقيقة تتبين، كالأحلام العارضة، والخيالات الذاهبة.
ثم قال مخاطبا لنفسه: ولا تشك إلى أحد من الناس فتشمته بنفسك، وتسره بما تعوق من أمرك، وتكون فيما تشكو إليه كالجريح يشكو إلى الغربان والرخم، وهي تستبطئ هلكه، وترقب أن تلتهم جسمه.
ثم قال على نحو ما قدمه: وكن من الناس على حذر تضمره، وتوقع لا تظهره، ولا يغرك منهم من يبتسم في وجهك، ويخدعك بما يبديه من السرور بقربك، فكل ذلك كاذب لا يصدقك، وأباطيل تظاهر بها ولا تنفعك.
غَاضَ الوَفَاءُ فَمَا تَلقَاهُ في عِدَةٍ ... وَأَعوَزَ الصِّدقُ والإخبَارِ والقَسَمِ
سُبحانَ خالِقِ نَفسِي كَيفَ لَذَّتُها ... فِيما النُّفوسُ تَراهُ غَايَةَ الأَلَمِ؟!
غاض: ذهب، وأعوز: امتنع.
فيقول: غاض الوفاء، وعدم أهله، وزهد في المعروف، وأنكر فعله، فلست تلقى من يفي لك بوعده، ويخبرك بالحقيقة عن نفسه، وكذلك أعوز الصدق في الأخبار المجملة، والإيمان المؤكدة، فتساوى الأمران، وتماثل المذهبان.
ثم قال مخبرا عن جلده وقوته، ومبينا عن صرامته وشدته: سبحان من جعل نفسي متخلقة بالصبر، متجلدة على نوائب الدهر! تلتذ من ذلك بما سائر النفوس تتألمه، وتسكن فيه إلى ما غيرها من النفوس تستكرهه.
الدَّهرُ يَعجَبُ مِنْ حَملِي نَوائِبَهُ ... وَصَبر نَفسِي على أحدَاثِهِ الحُطُمِ
وَقتٌ يَضيعُ، وعَمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ ... في غَيرِ أُمَتِهِ مِن سَالِفِ الأُمَمِ
стр. 202
أَتَى الزَّمانُ بَنُوهُ في شَبِيبَتِهِ ... فَسَرَّهُمْ وأَتَينَاهُ عَلَى الهَرَمِ!
الأحداث: التصاريف، والحطم: التي تهلك بشدتها، واحدتها حطوم.
فيقول: الدهر يعجب من صبري على تحمل نوائبه، واستقلالي بما يطرقني من حوادثه، وأن كانت حطما موجعة، وكريهة مؤلمة، تطرق فأصبر، وتتابع فلا أنكر.
ثم قال مبينا لما قدمه: وقت من الدهر يضيع فلا أنتفع به، وينصرم وما أنا بالشاكر له، وعمر لا أغتبط بتراخي مدته، ولا أسر بتصرف في جملته، أقطعه في أمة لا أنس بقربها، ولا اسكن إلى مثلها وأود أني أفنيت عمري فيمن هدم من الأمم السالفة، وبين ما انصرم من القرون الماضية.
ثم قال: أتى الزمان من تقدمنا من أبنائه وهو شاب غير هرم، وطلق غير متجهم، فسر وأسعد، وأبهج وأغبط، وأتيناه هرما قد كبر، وعابسا قد بسر، فاكتنفتنا صروفه، وتعاورتنا خطوبه، ولم يكنا أن نحيله عن رتبته، ونعدل به عن بنيته.
стр. 203
دخل على أبي الطيب صديق له بالكوفة، وبين يديه طرائف مما أهدى إليه فاتك بمصر، فنظر إلى تفاحة ند وعليها أسم فاتك منقوشا، فأستحسنها فقال أبو الطيب:
يُذَكِّرُوني فَاتِكَاً حِلمُهُ وَشَيءٌ ... مِنَ النَّدِّ فيهِ أسمُهُ
وَلَستُ بِنَاسٍ وَلكِنَّني يُحدِّدُ ... ليْ رِيحَهُ شَمُّهُ
الحلم: معروف، والند: أخلاط مؤلفة من الطيب.
فيقول: يذكرني فاتكا ما شهدته من حلمه، وبلوته من سعة فضله، وشيء من الند يحضر لي، موسوم باسمه، متفاوح بتضوع نشره، ولست بناس لعهده، ولا بمعرض عن التفجع لرزئه، ولكن شم هذا الند جدد لي ما عهدته من ريحه، وذكرني بما شهدته من فوحه.
وَأَيُّ فَتىً سَلَبَتنِي المَنُونُ؟ ... وَلَم تَدرِ ما وَلَدَتْ أُمُّهُ!
ولاَ ما تَضُمُّ إلى صَدرِها وَلَو ... عَلِمَتْ هَالَها ضَمُّهُ
المنون: الموت.
فيقول: وأي فتى سلبتني المنون فيه؟ لم تدر أمه ما ولدت منه في موضعه من الرئاسة والرفعة، ومنزلته من الشجاعة والشدة.
ثم قال: ولا علمت بما تضم فيه إلى صدرها، ومن الذي ترضع منه بثديها، ولو علمت ما له في النجدة وما يبلغه من البأس والجرأة، لهالها إمساكه وضمه، ولأفزعها تقليبه وحمله.
بِمِصرَ مُلُوكٌ لَهُمْ ما لَهُ وَلَكنَّهُم ... ما لَهُمْ هَمُّهُ
وأَجوَدُ من جودِهِمْ بُخلُهُ وَأَحمَدُ ... مِنْ حَمْدِهِمْ ذَمُّهُ
وأَشرَفُ مِن عَيشِهِمْ مَوتُهُ وَأَنفَعُ ... مِنْ وُجدِهِمْ عُدمُهُ
الهم والهمة: بمعنى، والوجد الغنى والسعة، والعدم: الفقر والعسرة.
فيقول: بمصر رجال يساوونه في المال والسعة، والإكثار والجدة، ولكنهم لا يساوونه في علو همته، وكرم شيمته، فأجود من جودهم ما يستقل من هباته،
стр. 204
فيحل فيها محل البخل، وأبلغ من حمدهم ما يختصر من ثنائه، حتى يقع لاختصاره موقع الذم.
ثم قال: وأشرف مما يصيرون إليه بالعيش ما أحرزه من الثناء بالموت، وأنفع مما يفعلونه من الإكثار والوجد، ما يفعله مع الإقلال والعدم. ويشير إلى أنه يعجز جهد جميع المحسنين بعفوه، ويتقدمهم بأيسر سعيه.
وإنَّ مَنِيَّتهُ عِندَهُ ... لَكَالخَمرِ سُقِّيهُ كَرْمُهُ
فَذَاكَ الذي عَبَّهُ ماؤُهُ ... وَذَاكَ الَّذي ذَاقَهُ طَعمُهُ
وَمَنْ ضَاقَتِ الأرضُ عَن نَفسِهِ ... حرَّى أن يَضيقَ بِهَا جِسمُهُ
الخمر: تذكر في الأقل وتؤنث في الأكثر، وأحتمل على لغة من ذكر، والكرم: جمع كرمة، وهي شجرة العنب، وحرى (وحري) بمعنى واحد، يراد بهما ما يراد بحقيق.
فيقول، يريد فاتكا، ويشير إلى شجاعته: وأن منيته عنده، في أنسه بها، وقلة تهيبه لها، لكالخمر تسقاه الكرم فيضرب إلى عنصره وينزع به إلى أوله، والموت لفاتك على هذه السبيل؛ لأنه كان يستصحبه في وقائعه، ويقدم عليه في ملاحمه.
ثم قال نحو ما قدمه: فذاك الذي عبه الكرم من الخمر، ماؤه الذي لا يستنكره، كما أن الموت الذي ذاقه فاتك طعمه الذي لا يستكرهه. فأشار إلى أن فاتكا أنسه بالموت ما سلف له به من طول الصحبة، كما أن الكرم أنسه بالخمر كونه منه في حقيقة الخلقة.
ثم قال: ومن ضاقت الأرض عن نفسه، لعلو همته، وما كان عليه من ارتفاع رتبته، فهو حري أن يضيق فيها جسمه، ويرتفع أن تشتمل الأرض عليه قدره.
стр. 205
وقال يمدح عبد العزيز بن يوسف الخزاعي، وكانت بينه وبينه صداقة أيام ينزل ببلبيس.
جَزَى عَرَباً أَمسَتْ بِبلبِيسَ رَبُّها ... بِمَسعَاتِها تَقرَرْ فَذَاكَ عُيُونُها
كَرَاكِرَ مِنْ قَيسِ بِن عَيلانَ سَاهِراً ... جُفونُ ظُبَاها لِلعُلاَ وَجُفُونُها
بلبيس: موضع معروف، المسعاة: مفعلة من السعي، وهو الاجتهاد في العمل، والكراكر: الجماعات، الواحدة كركرة، والظبا: جمع ظبة، وهو حد آخر السيف، والجفون: جمع جفن، وهو غطاء مقلة العين.
فيقول: جزى العرب المستقرين ببلبيس، هذا الموضع، ربها بمسعاتها الكريمة، وأفعالها المشكورة؛ لتقر بذلك عيونها، وتبتهج بالجزاء الجميل من الله نفوسها.
ثم أشار إلى عز هؤلاء القوم وقوتهم، وامتناعهم من الأعداء وكثرتهم، فقال: كراكر من قيس عيلان تسهر جفونهم وجفون سيوفهم في سبيل المجد، ولا ينامون عن ما يستكثرون به من الشكر والحمد. وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة.
وَخَصَ بها عَبدَ العزِيزِ بنَ يُوسُفٍ ... فَمَا هُوَ إلا غَيثُها وَمَعِينُها
فَتىً زَانَ في عَينَيَّ أَقصَى قَبِيلَةٍ ... وَكَمْ سَيِّدٍ في حِلَّةٍ لا يَزِينُها
المعين: الماء الجاري على وجه الأرض، والحلة: الموضع الذي ينزله القوم، مجتمع فيه بيوتهم، والقبيلة: الجماعة من الثلاثة إلى ما فوق ذلك، إذا كانوا لأب واحد.
فيقول: وخص الله في هذه الجماعة بحسن الجزاء، وقبول ما قدمته من الدعاء، عبد العزيز بن يوسف؛ فأنه غيثها الذي يعمها فضله، ومعينها الذي ينالها رفده.
ثم قال: فتى زان في عيني أقصى قبيلته، وحسن عندي أحوال جماعته، ورب من يكون في الحلة التي تصغر عند مثلها القبيلة الحافلة، وتقل عند كثرتها الجماعة الوافرة، فلا يزينها بمشكور فعله، ولا يعمها بمرجو فضله.
стр. 206
ونبتدي بما هجا به كافورا الأسود، فنرتبه على ما قال في أوقاته. فمنه أنه دخل عليه بعد إنشاده: (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا)، فلما سلم عليه ضحك في وجهه، وأراد القيام، فنظر إلى شقوق في رجليه لما لبس النعل فقال:
أُريكَ الرِّضَا لو أَخفَتِ النَّفسُ خَافِيا ... وَمَا أَنَا عَن نفسِي ولا عَنكَ رَاضِيا
أَمَينَاً وإخلافَاً وَغَدراً وَخِسَّةً ... وَجُبنَاً؟ أَشخصَاً لَحتَ لي أَم مَخَازيا؟!
الخافي من الأشياء: الذي يبدو ويظهر، والخفي: الذي ينطوي ويستتر، والمين: الكذب.
فيقول، وهو يريد كافورا: أريك من نفسي الرضا بقصدك، والاغتباط بما يكون من فعلك، لو أخفت النفس ما هو ظاهر من تكرهي لك، وطوت قدمي على ما ظننته من الجميل بك، وما أنا مع ما أظهره راضيا عنك، للدناءة التي خبرتها منك، ولا عن نفسي لسوء ما تخيرته فيك.
ثم قال: جمعت الإخلاف واليمن والخسة والغدر والدناءة والجبن، فما أدري أن كنت جثة منصوبة أو مخازي مجموعة؟!.
تَظُنُّ ابتِساماتِي رضجَاءً وغِبطَةً ... وَمَا أَنَا إلاَّ ضاحِكٌ مِنْ رَجَائِيا
وَتَعجِبُنِي رِجلاَكَ في النَّعلِ إنَّني ... رَأيتُكَ ذا نَعلٍ وَإنْ كُنتَ حَافِيا
وَإنَّكَ لا تَدري أَلونُكَ أَسودٌ ... مِنَ الجَهلِ أم قَد صَارَ أبيَضَ صَافِيا
يقول، وهو يخاطب كافورا: أتظن ما أظهره من الفرح والتهلل، وآوي إليه من الضحك والتبسم، رجاء فيك، وغبطة بك، وجنوحا إليك، وإخلاصا لك، وما أنا إلا ضاحك من الرجاء الذي عدل بي إليك، والرأي المخطئ الذي قصر أملي عليك.
ثم قال، وهو يخاطبه: وتعجبني رجلاك وأستغربهما، ويطول ضحكي عند تأملها؛ لأني أراها، وإن كنت حافيا، في نعلين من جفاء جلدتهما، وواقيتين من خشونة خلقتهما.
ثم قال: ورأيتك لا تدري، لشدة جهلك، وما أنت عليه بسبيله من عمى قلبك،
стр. 207
ألونك أسود حالك سواده، أم هو أبيض ناصع بياضه؟ ومن جهل مثل هذا من نفسه، لم تكن به هدية في شيء من أمره.
وَيَذكرُني تَخييطُ كَعبِكَ شَقَّهُ ... وَمَشيُكَ في ثَوبٍ مِنَ الزَّيتِ عَارِيا
وَلَولاَ فُضولُ النَّاسِ جِئتُكَ مادِحَاً ... بِمَا كُنتُ في سِرِّي بِهِ لَكَ هاجِيَا
فَأصبَحتَ مَسرُوراً بِما أَنا مُنشِدٌ ... وإن كَانَ بالإنشَادِ هَجوُكَ غَالِيَا
تخييط الكعب: ظهور آثار الشقوق الملتئمة فيه كالخيوط في بياضها واندماجها.
فيقول، وهو يريد كافورا: ويذكرني تخبيط كعبك بشقوقه في حين مهنتك، وما كنت عليه زمان عبوديتك، ومشيك عاريا في ثوب من الزيت الذي كنت تواصل الإدهان به، وتكثر الاستعمال له.
وخصيان النوبة في حين جلبهم إلى مصر، يساقون عراة؛ ليس عليهم غير جلود تستر عوراتهم، ويكثرون من الإدهان بالزيت، ليلينوا بذلك ما جف من جسومهم، فأشار أبو الطيب لكافور إلى تلك الحال التي تصرف في بؤسها، وتقلب في دناءتها، وقال: (في ثوب من الزيت) على سبيل الاستعارة؛ لأن الزيت لما شمل جسمه صار كالثوب له.
ثم قال مخاطبا له: ولولا فضول الناس، وأني لا آمن على أن ينبهوك على ما لا تعلمه، ويشرحوا لك ما لا تفهمه، لأنشدتك هجوك على طريق المدح وأنت لا تفهم، وأجزت ذلك عليك وأنت لا تعلم.
ثم قال: فكنت تصبح مسرورا بما أنشده من هجوك، وأوفق الصدق بذلك في وصفك، وأن كان هجوك غاليا يتكلف (ما) لا تشاكله، ومتواضعا عن إشغال الفكر به.
فَإنْ كُنتُ لا خَيراً أَفَدْتُ فَإنَّني ... أَفَدتُ بِلَحظِي مِشفَرَيكَ المَلاَهِيَا
وَمِثلُكَ يُؤتَى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍ ... لِيُضحِكَ رَبَّاتِ الخُدُورِ البَوَاكِيَا
стр. 208
المشفر: إنما يكون للبعير، وهو منه بمنزلة الشفة من الإنسان، فاستعاره في كافور، إشارة إلى عظم شفتيه، وقبح خلقه، وهجنة شخصه، والخدور: جمع خدر، وهو ما تحجب النساء به من الستور في البيوت والهوادج.
فيقول لكافور: وأن كنت لم أفد خيرا في قصدك، ولا حصلت على طائل من برك، فقد أفدت بملاحظة مشفريك أفراحا مسلية، وضروبا من المضحكات مهلية.
ثم قال: وملك يؤتى من بلاد البعيدة، ويتكلف إليه مؤن الأسفار الطويلة، ليسلي ربات الخدور إذا طرقهن الحزن، ويلهيهن إذا عظم عليهن الرزء، فأخبر أنه لا نظير له في قبحه، ولا شبيه له في استكراه الأبصار لشخصه.
стр. 209
وقال أيضاً:
مِنْ أَيَّةِ الطُّرقِ يَأتِي مِثلَكَ الكَرَمُ ... أينَ المَحَاجِمُ يا كَافُورُ والجَلَمُ؟
جَازَ الأُولى مَلَكَتْ كَفَّاكَ قَدرَهُمُ ... فَعَرِّفُوا بِكَ أَنَّ الكَلبَ فَوقَهُمُ
لا شَيَء أَقبَحُ مِنَ فَحلٍ لَهُ ذَكَرٌ ... تَقُودُهُ أَمَةٌ لَيسَتْ لَهَا رَحِمُ
الجلم: المقراض، والمعروف فيه أن يقال: جلمان، إلا أنه قد جاء في بعض أشعار المتقدمين، قال بعض الأعراب: ونيرب من موالي السوء ذي حسد يفتات لحمي ولا يشفيه من قرم داويت صدرا طويلا عمره إحنا منه وقلمت أظفارا بلا جلم.
الرحم: وعاء الولد في البطن.
فيقول مخاطبا لكافور: كيف لك بالكرم الذي لا يشبهك؟! ومن أية الطرق يقصدك وهو لا يليق بك؟! وإنما كنت عبدا ساقطا تحلق وتحجم، وتلوم ولا تكرم.
ثم قال: جاز أهل مصر أقدارهم فيما تخلقوا به من الكبر، وأمنوه من حوادث الدهر، فعرفوا بولايتك لأمورهم، وانفرادك بتدبيرهم، أن الكلب مع ضعته يتعالى عنهم، وأنه أرفع منزلة منهم.
ثم قال: لا شيء أقبح من فحل كامل الخلق، سوي جميل الشخص، يقوده متملكا، ويصرفه متلاعبا به، خصي أسود يخرج من الرجال بالخصاء، ويتواضع عن حقيقة النساء.
سَادَاتُ كُلَّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهمُ ... وَسَادَةُ المُسلمِينَ الأعبُدُ القُزُمُ
أَغَايَةُ الدِّينِ أَن تَحفُوا شَوَارِبَكُمْ ... يا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِنْ جَهلِهَا الأُمَمُ؟!
القزم: اللئام المحتقرون، وهي كلمة بمعنى المصدر، تقع للواحد والجمع، وإحفاء الشوارب: استئصال ما فيه من الشعر بالحلق، وكان أهل مصر يفعلون ذلك.
فيقول: سادات كل أمة رجال من أنفسهم، ومقدمون من صميمهم، وسادة المسلمين العبيد الذين لا تعرف أنسابهم، ولا ترضى مذاهبهم وأحوالهم. يشير إلى كافور وغيره ممن تأمر في أمصار المسلمين من الأتراك والديلم، فتممه على غلظ الخلق
стр. 210
في أمرهم وما نفذ في الإسلام من مكرهم.
ثم قال مخاطبا لأهل مصر: أغاية الدين عندكم، وجملة الفضل في معتقدكم إحفاؤكم شواربكم، وتقبيحكم بذلك لمناظركم، وأنتم مع ذلك معرضون عن محنتكم بهذا العبد الأسود الذي ملك رقابكم، وأستذل خياركم، وهذه العبارة وأن كانت تزيد على لفظه، فهي معربة عن حقيقة قصده، ومفهومة عند تأمل شعره.
ألا فَتىً يُورِدُ الهِندِيَّ هَامَتَهُ ... كَيمَا تَزُولَ شُكُوكُ النَّاسِ والتُّهَمُ؟
فَإِنَّهُ حُجَّةٌ يُؤذِي القُلُوبَ بِهَا ... مَن دِينُهُ الدَّهرُ والتَّعطِيلُ والقِدَمُ
مَا أَقدَرَ اللَّهَ أَنْ يُخزِي خَليقَتَهُ ... ولا يُصَدِّقُ قَوماً بِالَّذي زَعَمُوا
الهامة: الرأس من جميع الحيوان.
فيقول مشيرا إلى كافور: ألا فتى يورد السيف هامته فيقتله، ويبيع نفسه من الله في ذلك، ويهلكه ليزيل من أنفس الناس ما يلحقهم به من الشكوك والتهم، وتسقط عنهم ما يدركهم من الضلالات والفتن.
ثم قال: فإن تأمر مثل هذا الخصي الأسود، مع سقوطه وضعته، وعبوديته وخسته، حجة لأهل التعطيل والزيغ والقائلين بقدم الدهر، يؤذون القلوب بما في أمره من ظاهر المحنة، ويتسلطون بذلك على أهل التقصير والغفلة.
ثم قال: ما أقدر الله على أن يعاقب خليقته عن ذنوبهم بما شاء، دون أن يعجل لهم ما عجله من الخزي، وأن ينالهم ما نالهم به من الضر، وأن يكفيهم أمر كافور الذي قد صار من فتن الملحدين، وحدث به أشد المكاره على المسلمين.
стр. 211
وقال أيضاً:
أَمَا فِي هذهِ الدُّنيا كَرِيمُ ... تَزُولُ بِهِ عَنِ القَلبِ الهُمومُ؟!
أما في هذهِ الدُّنيا مَكَانٌ يُسَرُّ ... بِأَهلهِ الجَارُ المُقيمُ؟!
تَشَابَهَتِ البَهَائِمُ والعِبِدَّى عَلَينا ... والمَوَالِي والصَّمِيمُ
البهائم: ذوات الأربع وما أشبهها، والعبدى: جماعة العبيد على غير قياس واحده، والصميم: الخالص من كل شيء.
فيقول: أما في هذه الدنيا كريم يسكن إليه، وذو فضل يعول عليه، تزول بموضعه هموم النفس وتبعد، وتستدفع عنها المكاره وتطرد؟.
ثم قال: أما في هذه الدنيا مكان صالح يسكن العاقل إلى مثله، ويسر بما يباشره من حسنه، ويتأنس الجار المقيم فيه بعوائد فضله، ويغدو ويروح متشكرا لأهله؟!.
ثم قال: تشابهت البهائم فيه والعبدى لعدم العقول، وتساوت الطائفتان في قصر العلوم، وصار صميم القوم ومواليهم أشكالا في تواضع الهمم، وأشباها يعتقدونه بالإعراض عن الكرم.
وَمَا أَدرِي إذا دَاءٌ حَدِيثُ ... أَصَابَ النَّاسَ أَمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟!
حَصَلتُ بأرضِ مِصرَ على عَبِيدٍ كَأَنَّ ... الحُرَّ بَينَهُمُ يَتِيمُ
كَأَنَّ الأسوَدَ اللاَّبِيَّ فِيهِمْ غُرَابٌ ... حَولَهُ رَخَمٌ وَبُومُ
اللابي: منسوب إلى اللابة وهي الحرة، والحرة: أرض تلبسها حجارة سود، فنسب السودان إليها على سبيل المجانسة في اللون. روى أبو عبيدة أن العرب تقول في الحرة: لابة ولوبة، وإلى ذلك نسب السودان، وروى غيره لابة، والرخم والبوم: ضربان معروفان من الطير يماثلان الغربان في تكره الناس لهما، واستيحاشهم من أصواتهما.
فيقول: وما أدري أهذا الذي أصاب الناس، من محبتهم برئاسة العبدان، وأهل الزهادة في التفضل والإحسان، داء حديث طرقوا به، أو أمر قديم عرضهم الزمان
стр. 212
له.
ثم قال: حصلت بأرض مصر بين عبيد متغلبين وسوق معتدلين، كأن الحر فيهم يتيم مغلوب على أمره، ضعيف لا يدفع الضر عن نفسه.
ثم قال مشيرا إلى كافور: كأن الأسود اللابي، المتغلب على ملكهم، المنفرد بتدبير أمرهم، بين من يستضيف إليه من أصناف العبيد، اللذين هم أنصار دعوته، وأشباهه في دناءته، غراب يتجند بالبوم والرخم، ولا ينسب هو ولا من حوله إلى شيء من الكرم.
أُخِذتُ بِمَدحِهِ فَرَأيتُ لَهوَاً ... مَقَالِيَ لِلأحَيمَقِ يا حَليِمُ
وَلَمَّا أَن هَجَوتُ رَأيتُ رَأيتُ عَيبَاً ... مَقَالِي لأبنِ آوَى يا لَئِيمُ
فَهَلْ مِن عَاذِرٍ في ذا وفي ذا ... فَمَدفُوعٌ إلى السُّقمِ السَّقِيمُ
إذا أَتَتِ الإساَءةُ مِنْ وَضيعٍ ... وَلَمْ أَلمُ المُسِيَء فَمَنْ أَلُومُ؟!
الحليم: الوافر العقل، الواسع الصدر، وأبن آوى: دويبة ضعيفة حقيرة، واللئيم: الدنيء الساقط.
فيقول مشيرا إلى كافور: دفعتني الأيام إلى مدحه، وامتحنتني بقصد مثله، فرأيت بابا من اللهو، وضربا من ضروب الهزء، أن أصفه بالحلم مع بيان سخفه، وبالرجاحة مع ظهور ضعفه.
ثم قال: ولما أن أخذت في هجوه وعدلت إلى ذمه، رأيت من العي أن أدل من عيوبه على ما لا يجهل، ومن نقصانه على ما لا ينكر فأصير كمن يحتقر أبن آوى ولا أحد يستعظمه، ويسترذله ولا أحد من الناس يستنبله.
ثم قال: فهل من عاذر لي في الأمرين اللذين عاينتهما من مدحه وذمه، وتقريظه وهجوه؟ فلم أك في ذلك إلا في قبض الاضطرار، وغير جار على شيء من وجوه الاختيار.
стр. 213
ثم قال مشيرا إلى الاعتذار من انحطاطه إلى هجو كافور: إذا أتت الإساءة من وضيع خسيس، قذر، لئيم، حقير أمره، ولم ألمه على سوء فعله، وأعنفه بتقصير عقله، فمن الذي أعتمده باللوم، وأصرف فيه وجوه الهجاء؟!.
стр. 214
وقال أيضا:
أَنوَكُ مِن عَبدٍ وَمِن عِرسِهِ ... كمَن حَكَّمَ العَبدَ عَلى نَفسِهِ
وإنَّما تُظهِرُ تَحكِيمَهُ لِيَظهَرَ ... الإفسَادُ في حِسِّهِ
ما مَنْ يَرَى أَنَّكَ في وَعدِهِ ... كَمَنْ يَرَى أَنَّكَ في حَبسِهِ
عرس الرجل: زوجه، والحس: إدراك الأشياء بإحدى الحواس.
فيقول مشيرا إلى كافور: أنوك من العبد ومن عرسه الذي هو قيم أمرها، والمطلق على ملكها، من حكم العبد في نفسه، وهو يجد السبيل إلى مفارقة أرضه، والتباعد عن قربه.
ثم قال: وإنما نظهر التسليم لأمره، والوقوف عند رأيه، مغالطين غير محققين، ومظاهرين غير مجدين، لنخدعه عن نفسه، ونبين الإفساد في معرفته وحسه.
ثم قال: وليست حال من توهمه أنك منتظر لفضله، ومرتقب لما أسلف عندك من وعده، كحال من يعتقد أن بقاءك فيما قبله بقاء ضرورة وحبس، وغلبة وقهر، فنحن مضطرون إلى مغالطته في بقائنا عنده، لنستدفع بذلك مخوف فعله، ونأمن ما نحذره من أمره.
العَبدُ لا تَفضُلُ أَخلاَقُه ... عَنْ فَرَجِهِ المُنتِنِ أو ضِرسِهِ
لا يُنجزُ المِيعادَ في يَومِهِ ... ولا يَعِي ما قَالَ في أمسِهِ
وإِنَّما تَحتالُ في جَذبِهِ ... كأَنَّكَ المَلاَّحُ في قَلسِهِ
الملاح: النوتي، والقلس: حبل ضخم من حبال السفينة.
فيقول: العبد بطبعه قصير الهمة، لئيم البنية، ليس في أخلاقه فضل عن فرجه وفمه، يشير إلى النكاح والأكل، واشتغال العبد بهما، وأن همته لا تتجاوزهما.
ثم قال، وهو يؤكد ما قدمه: أن وعد العبد بوعد تناساه في يومه، ولم يستقبح الكذب فيه على نفسه، وأن فاتحك بقول تناساه في ليلته، ولم يضبطه في الأمس بلؤم طبيعته.
стр. 215
ثم قال، وهو يشير إلى كافور: إنما تحتال في جذبه إلى ما ترغبه وعطفه على (ما) تقصده، باستعمال المخادعة، وإظهار الملاطفة، على نحو ما يتحيل الملاح في جذب قلس السفينة، وما يتحمله في ذلك من المؤونة.
فَلاَ تُرَجِّ الخَيرَ عِندَ امرئٍ ... مَرَّتْ يَدُ النَّخَّاسِ في رَأسِهِ
وإنْ عَرَاكَ الشَّكُّ في نَفسِهِ ... بِحالَةٍ فأنظُرْ إلى جِنسِهِ
يقول، وهو يخاطب نفسه، ويشير إلى كافور: فلا ترج الخير عند متن لئيم محتقر، قد مرت يد النخاس الذي عرض البيع به في ضرب رأسه، وامتهان نفسه، وإن نازعك في لؤم قدره، وتواضع أمره، بحال ينتقل إليها من الثروة، ورتبة يصير إليها من الرفعة، فأنظر إلى جنسه في العبودية، يتبين لك لؤم طبيعته، ولا يستتر عنك تمكن دناءته.
فَقَلَّما يَلؤمُ في ثَوبِهِ ... إلاَّ الذي يَلؤم في غِرسِهِ
مَنْ وَجَدَ المَذهَبَ عَنْ قَدرِهِ ... لم يَجِدِ المَذهِبَ عَنْ قِنسِهِ
الغرس: شيء يخرج من الولد كأنه مخاط، والقنس: الأصل.
فيقول على نحو ما قدمه: فقل من يتحقق منه اللؤم مشاهدة، ويتبين منه معاينة، إلا الذي يكون اللؤم في خلقته، ويلزمه في حين ولادته.
ثم قال على سبيل المثل، مؤكدا لما قدمه: من وجد مذهبا على قدره بنعمة يكتسبها، ومنزلة يستجدها، لم يجد مذهبا عن أصله، الذي إليه ينزع بطبعه، ويستبين عليه في قوله وفعله.
следующие страницы →