← Адаб

Адаб · id 37327

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني

ابن الإفليلي

Полный текст (370 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مثله، وأن كان لا يجدي على من يستعمله، ولا يغني فتيلا عمن يتكلفه، فالأماني شواغل لا تحمد عواقبها، وأباطيل لا ترتقب عوائدها. وَغَيظٌ عَلى الأَيَّامِ كَالنَّارِ في الحَشَا ... وَلَكِنَّهُ غَيظُ الأَسِيرِ على القِدِّ فَإما تَرَيْنِي لا أُقِيمُ بِبَلدَةٍ ... فآفَةُ غِمدِي في دُلُوقِيَ مِنْ حَدِّي يَحُلُّ القَنَا يَومَ الطِّعَانِ بِعَقوَتِي ... فَأَحرِمُهُ عِرضِي وَأُطعِمُهُ جِلدِي القد: سير من جلد يشد به الأسير، والدلوق: خروج السيف من الغمد دون استلال، والعقوة: فناء الدار. فيقول على نحو ما قدمه: وغيظ على الأيام فيما تؤثره من الجور في الحكم، والإساءة في الفعل، يشبه النار في التضرم، وما يثيره في الإحساس من التوقد، ولكنه غيظ الأسير على القد يذله ويقصر هـ، ويستولي عليه ويقهره. ثم قال مقبلا على مخاطبه: فإما تريني موقوفا على الرحل، متحملا لمؤونة السفر، لا أقيم ببلدة، ولا أنفد من رحلة، فآفة ما يشتمل علي من تلك البلاد، أنه لا يقنعني برفده، فأدلق عنه دلوق السيف الصقيل من غمده. ثم قال مشيرا إلى موضعه من البأس، وما هو عليه من جرأة النفس: تحل الحرب بساحتي فتساجل فيها الأقران، وتطاعن فيها الفرسان، فأبلغ من الإقدام على شدائدها، والاقتحام في غمرات وقائعها، مبلغا أعرض فيه نفسي، وأظهر فيه جسمي للسلاح غير متوقع، وأباشر غير متهيب، ولا أوجد السلاح سبيلا إلى عرضي بالإحجام عنه، ولا يتعلق على المذمة في الإشقاق منه. تُبَدِّلُ أَيَّامِي وَعَيشِي وَمَنزِلي ... نَجَائِبُ لا يُفكِرْنَ في النَّحسِ والسَّعْدِ وَأَوْجُهُ فِتيَانٍ حَيَاءٍ تَلَثَّموا ... عَلَيهِنَّ لا خَوفَاً مِنَ الحَرِّ والبَردِ وَلَيسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّنْبِ شِيمَةً ... وَلَكنَّهُ مِنْ شِيْمَةِ الأسَدِ الوَردِ النجائب: كرائم الإبل، والتلثم: التنقب على الفم، فإذا كان على الأنف فهو التلثم،

стр. 282

والشيمة: الخلق. (فيقول) مشيرا إلى ملازمته للسفر، وما هو عليه من مداومه الرحل: تبدل أيامي بتخالفها، وعيشي بتصرفه، ومنزلي بتقاربه وتباعده، نجائب نافذات في السير، جريات على تقحم القفر، لا يفكرن فيما يتهيأ لهن من إقبال الجد، ولا يحلفن بما يواجهنه من النحس والسعد. ثم قال: ويبدل ذلك فتيان أصحبهم، وأنجاد من الأبطال الفهم، وآنس بموضعهم، وأدل ببأسهم وتقدمهم، يستعملون اللثم على وجوههم حياء، يقودهم إليه فضلهم، ويحدوهم عليه وكرمهم، لا ضعفا عن الحر وتحمله، وإشفاقا عن البرد وتموته. ثم قال: وليس حياء الوجه من شيم الذئاب، وما شاكلها من مخاتلة السباع، ولكنه من شيم الأسد التي تقصد ما تريده مجاهرة، وتأخذ ما تفرسه مغالبة. فأشار إلى أن الحياء الذي وصف به أصحابه موصول فيهم بأشد القوة، مصحوب بأوفر البأس والنجدة. إذا لَمْ تُجِزهم دَارَ قَومٍ مَوَدَّةٌ ... أَجازَ القَنَا والخَوفُ خَيْرٌ مِنَ الوُدِّ يَحِيدونَ عَنْ هَزلِ المُلُوكِ إلى الَّذي ... تَوَفَّرَ مِنْ بَينِ المُلُوكِ على الجِدِّ الحائد عن الشيء: الذي يعدل عنه، والتوفر على الشيء: التفرغ له، والجد في الأمور: الاعتزام ومجانبة الهزل. فيقول مشيرا إلى بأس أصحابه: إذا لم تجزهم ديار من يمرون به في سفرهم المودة والمقاربة، والمحبة والمؤالفة، أجازتهم رماحهم وشدتهم، ونفذ بهم إقدامهم ونجدتهم، والخوف في تقريب المطالب، وتسهيل المقاصد، أنفذ من المحبة، وأنفع من المعرفة والمودة، ولذلك تقول العرب: (فوق خير من حب). ثم قال، وهو يريد أصحابه، يحيدون عن هزل الملوك وترفهم، وباطلهم ورفاهيتهم، إلى ابن العميد مقصودهم، وهو الذي وفر نفسه من بين سائر الملوك

стр. 283

على الجد، وصرف اعتياده إلى ما يستكثر به من السيادة والمجد. وَمَنْ يَصحَبِ أسمَ ابن العَمِيدِ مُحَمَّدٍ ... يَسرْ بَينَ أَنيَابِ الأسَاودِ والأُسدِ يَمُرُّ مِنَ السُّمِّ الوَحِيِّ بِعَاجِز ... وَيَعبُرُ مِنْ أَفواهِهِنَّ عَلى دُردِ الأساود: الحيات، والأسد: معروفة في السباع، والسم الوحي: السريع القتل، والدرد: التي قد ذهبت أضراسها. فيقول: ومن يصحب أسم ابن العميد متبركا به، ويتفاءل بسعادته قاصدا له، يستقرب البعيد، ويسهل عليه العسير، ويسير بين أنياب الأساود والأسد غير متهيب، ويتصرف هنالك غير متوقع. ثم أكد ما قدمه؛ فيما يكشف قاصد ابن العميد من سعادته، فقال: يمر من السم الوحي بعاجز عن ضره، ويستعمله غير متخوف له على نفسه، ويعبر من أفواه الأسد والأساود على درد لا يتخوف عضها، ومغلوبة لا يتهيب أمرها، وجعل ما ذكره على سبيل المثل، وأشار إلى أن سعادة ابن العميد تحجز قاصده عن كل مضرة، وتحول بينه وبين كل مساءة. كَفَانَا الرَّبِيعُ العِيسَ مِنْ بَرَكَاتِهِ ... فَجَاَءتهُ لم تَسمَعْ حُدَاءً سِوَى الرَّعدِ إذا ما إستَحَينَ الماَء يَعرِضُ نَفسَهُ ... كَرَعنَ بِسبتٍ في إناءٍ مِنَ الوَردِ كَانَا أَرادَتْ شُكرَنَا الأرضُ عِندَهُ ... فَلَم يُخلِنَا جَوٌّ هَبَطنَاهُ مِنْ رِفْدِ الربيع: مدة ثلاثة أشهر، أولها انصرام ثنتين وعشرين ليلة من شهر آذار، والعيس: الجمال البيض، والكرع: الشرب، والسبت: جلود تدبغ من القرظ، والجو: المطمئن من الأرض، والرفد: المعونة. فيقول: أن سعادة ابن العميد أوجبت سفره إليه في أوان الربيع، فكفاه ذلك تمون طلب الكلأ والماء، ولم يعدم من الربيع سحابا يرويه، ورياضا معجبة، فجاءت رواحله والرعد يسوقها حاديا بها، والسحاب يرويها متعاهدا لها، كل ذلك ببركة

стр. 284

من قصدته، وسعادة الرئيس الذي اعتمدته. ثم قال مشيرا إلى رواحله: (إذا ما استحين الماء)؛ لكثرة تعاهده لها، وأردن مقارضته لما يظهره من البر لها، ألفينه والروض يشمله، وشربنه والزهر يستره، فتناولته بمشافر كالسبت، ووافقته في إناء من الورد؛ فأشار بالورد إلى تروض مشاربها، وبالسبت إلى رقة مشافرها، وكذلك ترق مشافر الإبل إذا كرمت مراعيها، وإذا رعت الشوك جفت وغلظت، وتغيرت وخشنت، وقد ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره من الرواة. ثم قال على نحو ما قدمه: كأنا بما أظهرته لنا الأرض من زخارفها، وطالعتنا من محاسنها، أرادت أن تشكر عند الرئيس الذي قصدناه بفعلها، ونثني عليه بما شهدناه من عونها، فلم يخلنا جو هبطناه، وموضع احتللناه، من رفد ومعونة، وتأثير ومبرة. لَنَا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِ ... وإتيَانِهِ نَبغِي الرَّغائِبَ بالزُّهدِ رَجَوْنَا الَّذي يَرجونَ في كُلِّ جَنَّةٍ ... بِأَرجَانَ حَتَّى ما يَئسنَا مِنَ الخُلْدِ الرغائب: الأشياء المرغوبة، واحدتها رغيبة، والزهد في الشيء: الإعراض عنه، وأرجان: البلد الذي كان فيه ابن العميد، والخلد: طول البقاء. فيقول، وهو يريد ابن العميد: لنا مذهب العباد الذين يزهدون في الدنيا وأهلها، ولا يحفلون بشيء من أمرها، لما يرتجون في الآخرة من جزيل الثواب، ويرتقبونه فيها من كريم المآب، وكذلك رجونا نحن من الممدوح بزهدنا في غيره، كالذي رجاه العباد من نعيم الجنة، وأملوه من الراحة والنعمة، حتى ما يئسنا مع ذلك بسعادة الممدوح من بقاء يشبه الخلود بدوامه، ويتكمل بأفضل ما يؤمله من تفضله وإنعامه. وهذا الإفراط من تزيد الشعراء الذين يدعون فيه ما لا يمكن ليظفروا ببلوغ الغاية فيما يمكن.

стр. 285

تَعَرَّضُ لِلزُّوَّارِ أَعنَاقُ خَيلِهِ ... تَعَرَّضَ وَحشٍ خائِفاتٍ مِنَ الطَّردِ وَتَلقَى نَواصِيها المَنَايا مُشيحَةً ... وُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحنَ في وِردِ وَتَنسُبُ أَفعَالُ السُّيُوفِ نُفُوسَهَا ... إليهِ وَيَنسُبنَ السُّيوفَ إلى الهِندِ تعريض الفرس لعنقه: أن يولي الناظر صفحته، ويعدل عنه بوجهه، والمشيح: الجري المقدم، وقد تكون الإشاحة بمعنى الحذر، وتكون بمعنى الإعراض، والقطا الصم: الذي لا عهد لها بالأنيس ولا بأصواتهم، وهي تجيب (الماء) لا تسمع صوتا، ولا تذعر فيه، فليس تنثني عن الورود، قال الراجز: رِدِي رِدِي وِردَ قَطاةٍ صَمَّا ... كُدْرِيَّة أَعجَبَها بَردُ المَا فوصفها بالصمم لشدة إعتزامها على الورود. فيقول: أن خيل ابن العميد تذعر بزواره؛ لاعتيادها أن تكون فيما يهبه لهم، فهي إذا أحست بهم عرضت أعناقها مستشرفة، وأصغت إليهم حذرة متوقعة، كما تفعل الوحش عند إحساسها بصائدها، وتوقعها لعادية طالبها. ثم قال: وتلقى نواصي تلك الخيل المنايا مقدمة غير محجمة، ومبادرة غير متوقعة، وتردها ورد القطا الصم على مشاربها، وتسرع إليها كإسراعها إلى مواردها. ثم قال، وهو يريد الممدوح: وتنسب أفعال السيوف أنفسها (إليه)، ولا تعول في نفاذها إلا عليه، مع أن السيوف إلى الهند منسوبة، وهي في تلك البلاد مطبوعة، ولكن أفعالها لهذا الممدوح خالصة، وهي في وقائعه متصرفة نافذة. إذا الشُّرَفاءُ البِيضُ مَتُّوا بِقتوِهِ ... أَتَى نَسَبٌ أَعلى مِنَ الأَبِ والجَدِّ فَتىً فَاتَتِ العَدوَى مِنَ النَّاسِ عَينُهُ ... فَمَا أَرمَدَتْ أَجفانُهُ كَثرَةُ الرَّمْدِ وخَالَفَهمْ خَلقَاً وخُلقاً وَمَوضِعَاً ... فَقَد جَلَّ أَن يُعدَى بِشَيءٍ وأَنْ يُعدِي القتو: الخدمة، والعدوى: اتصال الداء بغير صاحبه بالمجاورة ما هو أجل من

стр. 286

أنسابهم، وأعلى من أوليتهم وأحسابهم. ثم قال وهو يريده: فتى فات بكرمه أهل داره، وأربى عليهم برفيع قدره، فلم يعدوه بالنقصان الذي لحقهم، ولا نالوه بالتخلف الذي أحاط بهم؛ وضرب بالرمد مثلا لأهل زمانه، فيما هم عليه من التأخر، وأشار بسلامة الممدوح منه إلى موضعه من الرئاسة والتقدم. ثم دل على حال الممدوح في أهل الزمان، فقال: وخالفهم بخلقه وخلقه ومنزلته وموضعه، فقد جل أن يعدوه لتواضعهم عنه، أو يعديهم لتباعدهم منه؛ لأنهم يقصرون عن تمامه، ويعجزون عن تفضله وإنعامه. يُغَيِّرُ أَلوانَ اللَّيالِي على العِدَى ... بِمَنشُورَةِ الرَّاياتِ مَنصُورَةِ الجُندِ إذا ارتَقَبُوا صُبحَاً رَأَوا قَبلَ ضَوئِهِ ... كَتَائِبَ لا يَردِي الصَّباحُ كَما تَردِي وَمَبثُوثَةً لا تُتَّقَى بِطَلِعَةٍ ... ولا يُحتَمَى مِنها بِغَورٍ ولا نَجدِ المنشورة الرايات: الجيوش، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والرديان: ضرب من العدو شديد، والغور: ما اطمأن من الأرض، والنجد: ما ارتفع منها. فيقول مشيرا إلى الممدوح، وما هو عليه من كثرة جيوشه التي يوجهها إليهم، وجموعه التي تتواتر عليهم: ومما تتضمنه تلك الجيوش من السلاح الذي يضيء ويشرق، وينير ويتألق، وما يقترن بذلك من الرايات المنشورة، والكتائب المؤيدة المنصورة. ثم قال، وهو يريد أعداء الممدوح: إذا ارتقبوا إسفار صبحهم، وانتظروا انصرام ليلهم، رأوا قبل ذلك كتائب سائرة، ومقانب راجعة، تبادر الصباح لسرعة سيرها، وتسابقه برديانها وعدوها. ثم قال: ورأوا كثرة من الخيل مبثوثة، لا يعتصم من مثلها بطليعة؛ تؤذن بقربها، وتنبه من وراءه على أمرها، ولا يتخلص منها بسهول الأرض والإمعان في

стр. 287

قطعها، ولا بجبالها والترقي في وعرها؛ لأنها تملأ السهول والأوعار، وتعم البسائط والجبال. يَغضْنَ إذا ما عُدْنَ في مُتَفاقِدٍ ... مِنَ الكُثرِ غَانٍ بِالعَبِيدِ عَنِ الحَشْدِ حَثَتْ كُلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ ... فَهُنَّ عَلَيهِ كالطَّريقِ في البُردِ يغضن: يستترن، والمتفاقد: الجيش الذي يضل فيه الرجل صاحبه فلا يجده؛ لكثرة أهله، والكثر والقل: لغتان في الكثرة والقلة، والغاني: ذو الغنى، والحشد ما يستكثر به من الأباعد، وحثت: طرحت، والبرد: ثوب مطرق من ثياب اليمن. فيقول مشيرا إلى (الكتائب) المبثوثة من الجيش الذي وصفه: يغضن، مع ما هن عليه من كثرتهن، واحتفال عدتهن عند انصرافهن إلى الجيش، في متفاقد لا يهتدي فيه الرجل إلى صاحبه، ولا الطالب إلى بغيته؛ لاحتفال جمعه وكثرة أهله، وهو مع ذلك مستغن بعبيد الممدوح عن الاحتشاد بغيرهم، وبخاصتهم عن الاستكثار بمن لا يدخل في رسمهم. ثم قال مشيرا إلى كثرة ذلك الجيش، وحفل جماعته، وسعة موضعه، وبعد مسافته: حثت كل بقعة من الأرض في غباره تربة، وأظهرت في عجاجه سمة، فهي في ذلك الغبار كالطرائق في البرد تتبين ولا تكتتم، وتتميز ولا تستتر، وكل بقعة موضعه من الأرض على كثرة ما اشتمل عليه من الجمع. فَإنْ يَكُنِ المَهدِيُّ مَنْ بَانَ هَديُهُ ... فَهذا، وإلاَّ فالهُدَى ذَا، فما المَهدِى؟! يُعَلِّلُنا هذا الزَّمَانُ بِذا الوَعدِ ... وَيَخدَعُ عَمَّا في يَدَيهِ مِنَ النَّقْدِ هَلِ الخَيرُ شَيءٌ لَيسَ بِالخَيرِ غَائِبٌ ... أَمِ الرُّشْدُ شَيءٌ غَائِبٌ لَيسَ بالرُّشدِ المهدي: إمام عادل من أهل البيت، بشر به رسول الله ﷺ ، يكون في آخر الزمان، فيما ينقله بعض الرواة، والهدى: الاحتمال على الرشد. فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فأن يكن المهدي الذي بشر به، إنما استحق هذا

стр. 288

الاسم لبيان رشده، وتكامل فضله، فهذا الممدوح ذلك لا محالة، وإلا فأن الهدى مشهود في صواب فعله، وما أظهره الله من مشكور سعيه، فما المهدي؟ وما الزيادة التي ترتقب منه، والفضيلة الغائبة التي تؤثر عنه؟. ثم قال: يعللنا هذا الزمان بما يتخاين به عن المهدي، وصلاح الجميع به، وما دخره الله من الفضائل له، ويخدعنا عما نشهده في ابن العميد من تمام خصاله، وجلالة حاله، فيصير في ذلك كمن يدع النقد لدين يرتقبه، والحاصل لأجل ينتظره. ثم قال مؤكدا لما قاله: فهل يجوز لمن تحقق الخير وشاهده، أن يظن أنه غائب عن حضرته؟ أم يمكن لمن باشر الرشد وعاينه، أن يحتسب أنه بعيد عن مشاهدته؟! فأشار إلى أن ابن العميد تقتضي صفاته جميع ما بشر به في المهدي، وإذا كان ذلك، فهو أحق الناس بهذا الاسم، وأولاهم بإحراز هذا الفضل. أأحزَمَ ذِي لُبٍّ وأَكرَمَ ذِي يَدٍ ... وَأَشجَعَ ذِي قَلبٍ وَأَرحَمَ ذِي كِبدِ وَأَحسَنَ مُعتَمٍّ جُلوسَاً وَرِكبَةٍ ... عَلَى المِنبَرِ العَالِي أَو الفَرَسِ النَّهدِ تَفَضَّلَتِ الأيَّامُ بالجَمعِ بَينَنَا ... فَلَمَّا حَمِدْنا لَم تُدِمنا على الحَمْدِ اللب: العقل، والفرس النهد: القوي المشرف. فيقول، وهو يخاطب ابن العميد، وناداه بالألف وهي من حروف النداء: أأحزم ذوي الألباب فيما يشيره وتفعله. وأكرم ذوي الأيد فيما يسمح به ويبذله، وأشجع ذوي القلوب فيما يقصده، وأرحم ذوي الأكباد من يرعاه فقصر الحزم على اللب؛ لأنه الباعث عليه، والكرم على اليد؛ لأنها المتصرفة فيه، والشجاعة على القلب؛ لأنها منسوبة إليه، والرحمة على الكبد؛ لأنها موصوفة بها في المدح، وبالقسوة التي هي ضدها في الذم. وهذا باب من البديع يعرف بالتقسيم. ثم قال على نحو ما قدمه: وأحسن المعتمين جلوسا على المنابر العالية، وأجملهم

стр. 289

ركوبا على الخيول العتاق السامية؛ فأشار بذكر العمائم إلى تفضيله على جميع ملوك العرب الذين يختارونها لزيهم، ويتجملون بها في أيام حفلهم، وذل بما وصفه من التمكن على المنابر إلى موضعه من الخطابة، وبما وصفه به من الحذق بركوب الخيل إلى موضعه من الشجاعة، وأبدع بحسن التقسيم ولطف الإشارة. ثم قال مؤذنا لرحلته، وقاصدا إلى الممدوح بمخاطبته: تفضلت الأيام لمشاهدتي لك، وما مكنته من الاجتماع بك، فلما حمدت ما فعلته، وسكنت إلى ما مكنته، لم يدم ذلك فأديم حمدها، ولا وصلته فأقول بشكرها، ولكنها ألزمتني الارتحال عنك، وسلبتني غبطة الاقتراب منك. جَعَلْنَ وَدَاعي واحِداً لِثَلاثَةٍ ... جَمَالِكَ والعِلمِ المُبَرِّحِ والمَجدِ وَقَدْ كُنتُ أَدرَكتُ المُنَى غَيرَ أَنَّني ... يُعَبِّرُنِي أَهلِي بإدرَاكِها وَحدِي وَكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بِمُصبَحِي ... أَرَى بَعدَهُ مَنْ لا يَرَى مِثلَهُ بَعدِي العلم المبرح: الذي يشق بالطالب إدراك مثله، والصبح: وقت الصباح. فيقول مشيرا إلى الأيام، ومخاطبا للممدوح: جعلن وداعي فعلا مني واحدا لخصال منك ثلاث؛ جمالك الذي لا تقاوم بهجته، وعلمك الذي لا تعادل كثرته، ومجدك الذي لا تماثل رفعته. ثم قال: وقد كنت أدركت منك غاية الرغبة، واشتملت في حضرتك بأوفر النعمة، إلا أن أهلي يعيرونني بالاستئثار عليهم، وينكرون انفرادي بالحظ الجليل دونهم، فأنا أرغب مساهمتهم في فضلك، ومشاركتهم فيما وصله الله علي من رفدك. ثم قال: وكل من يسر من أهلي بمصاحبتي له، ويرتاح عند اختلائي به، أرى منك بعده من لا يعتاض بعدي بمثله، ولا يصل إلى ما أصل إليه من فضله، والنفوس

стр. 290

إلى الأهل جانحة، وفي مشاركتهم بصلاح الحال راغبة. فَجُدْ لِي بِقَلبٍ إنْ رَحَلتُ فَإنَّني ... أُخَلِّفُ قَلبِي عِندَ مَن فَضلُهُ عِندِي وَلَو فَارَقَتْ جِسمِي إليكَ حَياتُهُ ... لَقُلتُ أَصَابَتْ غَيرَ مَذمُومَةِ العَهدِ يقول مخاطبا للممدوح: فجد لي بقلب أستمتع به بعد رحيلي عن أرضك، وأسكن إليه بعدما أحرمه من قدرك، فأني أخلف قلبي منك من يخلف عندي فضله، ولا أضن به على ما أستوفي بجهدي شكره. ثم قال: ولو فارقتني حياتي إليك، وتاركتني بحرصها عليك، لقلت أصابت غير مذمومة العهد، وسلكت أبين مناهج الرشد.

стр. 291

العضديات وقال يمدح الملك عضد الدولة أبا شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة. أَوهِ بَديلٌ مِنْ قَولَتِي وَاهَا لِمَنْ ... نَأتْ والبَدِيلُ ذِكرَاها أَوهِ أَنْ لا أَرَى مَحَاسِنَها ... وَأَصلُ وَاهَاً وَأَوهِ مَرآها أوه: كلمة تقال على معنى التذكر والحزن، واها: كلمة تقال عند التلهف والتفجع، قال أبو النجم: وَاهَاً لِسَلمَى ثُمَّ وَاهَاً وَاهَا والذكر والذكرى: معروفان، والمرأى: المنظر، وما تعيده الرؤية من حقيقة المرئي. فيقول: أنه يتداول كلمات التأسف والتفجع، فيستقل من أوه إلى قوله واها، تلهفا على من نأت عنه بعد القرب، وباعدته بعد ما كانت تبذله من الوصل، فاعتاض من السرور بقربها، ما هو عليه من التعلل بذكرها. ثم قال معيدا لما ابتدأ به من التفجع، ومشيرا إلى ما يتشكاه من شدة التألم: أوه من ألا أرى محاسنها الكاملة، وبدائع خلقها المعجبة الرائقة، وأصل واها وأوه اللتين أشير بهما إلى ما بنفسي من الوجد والأسف، على ما امتحنت به في محبوبتي من البعد بمرآها، الذي يملكني بحسنه، وتبدلت من مشاهدته بذكره. وقد قبل إن (واها) كلمة تأتي بمعنى الاستطابة والتعجب، وهي في التلهف أبين. شَامِيَّةٌ طَالَ ما خَلَوْتُ بِهَا ... تُبصِرُ في نَاظِري مُحيَّاهَا فَقَبَّلتْ ناظِري تُغَالِطُني ... وإنَّما قَبَّلتْ بِهِ فَاهَا فَلَيتَها لا تَزَالُ آوِيَهُ ... وَلَيتَهُ لا يَزالُ مَأوَاها المحيا: الوجه، والناظر: سواد العين، والآوي: الذي يصير إلى مكان يستقر فيه، والمأوى: المكان المشتمل على من يأوي إليه. فيقول: أم محبوبته كانت من أهل الشام، وطال ما نعم بخلوتها، واستوفر الحظ من

стр. 292

محبتها، ولاعبها محيشا لها، ولثمها متصلا بها، فأبصرت في خلال ذلك محياها في ناظره، وقاربته هذه المقاربة إعجابا به. يشير إلى موضعه من نفسها، وما كانت تخصه به من إسعادها ووصلها. ثم قال: فقبلت ناظري مغالطة بما تظهر في ذلك من الإعجاب بي، وما تبديه في فعلها من الإيثار لي، وإنما رأت في ناظري شخصا فراقها حسنه، وتبينته فأعجبها أمره، فقبلته وفوها المقبل، وصبت إليه ووجهها المتأمل. وأشار بهذه الجملة إلى شدة المقاربة، وأعرب بها عن تمكن الاتصال والملابسة. ثم قال مؤكدا لما قدمه: فليتها لا تزال من ناظري في مأوى تنزله، وتقيم منه في محل تتخيره، وليت ناظري ذلك المأوى الذي تكون فيه إقامتها، والمحل الذي تشتمل عليه إرادتها. كُلُّ جَريحٍ تُرجَى سَلامَتُهُ إلاَّ ... فُؤادَاً دَهَتهُ عَينَاها تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابتَسَمَتْ مِنْ ... مَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاها ما نَفَضَتْ في يَدِي غَدائِرُها جَعَلَتهُ ... في المُدامِ أَفواهَا الفؤاد: القلب، ودهته: نالته بغاية الضر، والثنايا: الأضراس الأربعة المتوسطة في أعلى الفم وأسفله، وهي معروفة، والغدائر: جمع غديرة، وهي كل خصلة من الشعر تفتل ثم ترسل وتعقد، والأفواه: أخلاط الطيب، واحدها فوه. فيقول: كل جريح ترجى سلامته، وتؤمل من جراحه إفاقته، غير قلب سحرته عيناها وتيمته، ورمته بسهامها فأقصدته، فأن ذلك جريح لا يبل من سقمه، وعليل لا يبرأ من كلومه وألمه. ثم قال: تبل خدي كلما ابتسمت لاهية عما أتشكاه، ومستقلة لما أكابده وألقاه، (وقوله): (من مطر)، أشار به إلى دمعه، وكثرة (ما) بريق منه على خده. ثم ذكر أن برق ذلك المطر، الذي هو واكف دمعه، ما يبديه من التبسم وميض

стр. 293

ثناياها الواضحة، وما يطلعه من تلألؤ تلك الأنوار الساطعة. وعقد البيت على الإيماء والإشارة التشبيه والاستعارة. ثم قال مشيرا إلى موضع محبوبته من الرفعة، وما هي عليه من الرفاهية والنعمة: ما نفضت في يدي غدائرها من الطيب والعطر، وما اكتسبتها من الفوح والنشر، جعلته أفواها تتضوع، ومشاما تعبق وتسطع. لَقَينَنَا والحُمُولُ سَائِرَةٌ وَهُنَّ ... دُرٌّ فَذُبنَ أَمواها في بَلَدٍ تُضرَبُ الحِجَالُ بِهِ ... عَلى حِسَانٍ وَلَسنَ أَشبَاهَا كُلُّ مَهَاةٍ كَأَنَّ مُقلَتَها ... تَقوُل: إيَّاكُمُ وإيَّاهَا فِيهنَّ مَنْ تَقطُرُ السُّيوفُ دَمَاً ... إذا لِسَانُ المُحِبِّ سَمَّاها الحمول: الإبل عليهن النساء في هوادجهن، واحدها حمل، والأمواه: جمع ماء، والهمزة (مبدلة من هاء كما) في قولهم هرقت وأرقت وما أشبهه، ويدل على أن همزة ماء مبدلة من هاء قولهم في تصغير ماء مويه، وفي النسب إليه ما هي، وفي جمعه أمواه. فيقول مشيرا إلى محبوبته والمتصلات بها: لقيننا والحمول سائرة بهن في حسنهن، وتضوع بياضهن كاللؤلؤ المكنون، والدر الرفيع المصون، فذبن أمواها من الخجل، وغيرهن إفراط الأسف والحزن. ثم قال مشيرا إلى اللواتي قدم ذكرهن: كل مهاة تفتن بحسنها، وتغلب على القلوب بتكامل دلها، كأن مقلتها بما تضمنته من السحر، وصرفته من فتور اللحظ، تحذر من أبصرها من عواقب الحب، وتسير إلى قسوتها على المتيم الصب. ثم قال مبينا لمنزلة المذكورات من الرفعة، وموضعهن من جلالة الرتبة: فيهن من لا تتفوه الألسن بذكرها، ولا يتمكن التصريح باسمها، فأن أعلن المحب بذكر؛ لفرط كلفه لها، قطرت السيوف دما عند ذلك إكراما لها. فأشار إلى أن المذكورات

стр. 294

يتصلن بالملك، ويشتمل عزه عليهن بلا شك. أُحِبُّ حِمصَاً إلى خُناصِرَةٍ ... وَكُلُّ نَفسٍ تُحِبُّ مَحيَاهَا حَيثُ التقى خَدُّها وَتُفَّاحُ لُبنَانَ ... وَثَغرِي على حُمَيَّاها وَصَفتُ فِيهَا مَصِيفَ بادِيَةٍ ... شَتَوتُ بالصَّحصَحَانِ مَشتَاهَا حمص وخناصرة: بلدان من الشام، ولبنان: جبل من جبال الشام، لا نظير لتفاحه في طيب المطعم، وعبق الريح، وحميا الكأس: سورتها وحدتها، والصحصحان: ما استوى من الأرض واتسع، والمحيا والمصيف والمشتى: مصادر بمعنى الحياة والصيف والشتاء. فيقول: أنه يحب حمص، هذا البلد، إلى خناصرة، هذا الموضع، وما بين هذين المكانين مقر أحبته، وجماع مسرته، وكل نفس تألف حياتها وترغبها، وتؤثرها بالإرادة وتفضلها. ثم قال مشيرا إلى الجهة التي وصفها، وإلى محبوبته التي رفع بها: حيث التقى خد تلك المحبوبة بلثمي له، وتفاح لبنان بتنقلي به، وحميا الخمر التي نازعت محبوبتي كؤوسها، وقاسمتها مؤانستها وسرورها. واعتمد تفاح لبنان من بين سائر نقله، لمماثلته الخد الذي لثمه في الخلقة، ومقاربته له في اللون والنكهة. ثم قال، وهو يريد الناحية التي قدم ذكرها: (وصفت فيها مصيف بادية)، يخبر بأنه مدة ذلك المصيف جانب الحواضر، واثقا بجرأته، وتصرف في البادية مسندا إلى نفاذه وشدته، وكذلك قطع الشتاء المتصل بذلك الصيف في صحصحان تلك البادية، غير معتصم ببنيان يسكنه، ولا معرج على حصن يمنعه، معولا على نفسه ومن يألفه من الفتيان، ومستظهرا بمن يستضيف إليه من حماة الفرسان. إنْ أعشَبَتْ رَوضَةٌ رَعَينَاهَا أَو ... ذُكِرَتْ حِلَّةٌ غَزَونَاهَا أَو عَرَضَتْ عَانَةٌ مُفَزَّعَةٌ ... صِدْنَا بِأُخرَى الجِيادِ أُولاَهَا

стр. 295

أَو عَبَرَتْ هَجمَةٌ بِنَا تُرِكَتْ ... تَكُوسُ بَينَ الشُّرُوبِ عَقْراها الحلة: البيوت المجتمعة تنزلها القبيلة من الأعراب في البادية، والعانة: القطيع من حمر الوحش، والهجمة: ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، وكوس الدابة: أن تمشي على ثلاث قوائم، يقال من ذلك: كاست تكوس كوسا، وشروب: جمع شرب، وهم القوم يعكفون على الشراب. فيقول واصفا لحاله، يبديه الذي قدم ذكره: أن أعشبت روضة وردناها غير متوقفين، ورعتها إبلنا وخيلنا غير مدافعين، لا نحذر غارة تطرقنا، ولا نخاف جماعة تنازعنا، وإن ذكرت لنا حلة من حلل العراب غير حلتنا، غزوناها غير مستبقين لها، وأتيناها موقعين بها. يشير إلى ما يتصرف فيه من العزة، وما هو عليه من الاستظهار والقوة. ثم قال: أو عرضت لنا في خلال ما نحن عليه، عانة من حمر الوحش مذعورة مفزعة، مستنفرة مروعة. يشير بذلك إلى استفراغها لأنفسها في الجري، وبلوغها إلى غاية ما تستطيعه من العدو؛ طردناها طالبين، وتلوناها متبادرين، وقصدنا بأواخر خيلنا أوائلها، وبالمتأخرين من فرسانها سوابقها. فأعرب عن موضع خيله وخيول أصحابه من العتق، ومحلها من الكرم والسبق؛ لأن متأخرها بعفوه أدرك متقدم الحمر، مع ما بذل في العدو من جهده. ثم قال: وإن عبرت علينا هجمة من الإبل ضربنا سوق كرائمها بسيوفنا، فكاست عقراها بين شروبنا، فعقرناها مطعمين متكرمين، كما صدنا ما طردناه من الوحش منعمين مقتدرين. فَالخَيلُ مَطرُودَةٌ وَطَارِدَةٌ ... تَجُرُّ طُولَى القَنَا وَقُصراها يُعجِبُها قَتلُها الكُمَاةَ ولا ... يُنظِرُها الدَّهرُ بَعدَ قَتلاها الطولى والقصرى: بمعنى الطويلة والقصيرة، وكلاهما فعلى، من طال يطول

стр. 296

وقصر يقصر، بمنزلة الحسنى والسرءى، من حسن يحسن، وساء يسوء، والكماة: جمع كمي، وهو الذي يستر من شجاعته أكثر مما يظهر مأخوذة من كميت الشيء: إذا سترته، وينظرها: يمهلها. فيقول: وخيلنا مطرودة وطاردة، ومطلوبة وطالبة، في قتال من تقصده، ومنازلة من تغير عليه وتعتمده، تجر ما طال من القنا لصحته وسلامته، وما قصر لتكسره في استعمال المطاعنة به. يشير إلى مداومته ومداومة أصحابه للحرب، وتنازعهم لشدة الطعن. ثم قال مشيرا إلى خيله: يعجبها قتل من تقتله منك كماة الفرسان، ومشاهير الشجعان؛ لما لها في ذلك من الظهور والظفر، وما يتخلد لها من طيب الخبر، إلا أنها مع ذلك لا يمهلها الدهر فتطول مددها، ولا يتراخى عنها القتل فيتأخر أمدها. وقصد إلى قول بني الحارث بن عبد المدان. وإنَّا أُنَاسٌ لا نَرَى القَتلَ سُبَّةً ... إذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلُولُ يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنَا لَنَا ... وَتَكرَهُهُ آجَالُهم فَتَطُولُ فأفتخر بإسراع القتل إلى أصحابه وإليه، وتوطينهم لأنفسهم عليه. وَقَدْ رَأَيتُ المُلوكَ قَاطِبَةً ... وَسِرْتُ حَتَّى رَأَيتُ مَولاَها وَمَنْ مَنَاياهُمُ بِراحَتِهِ يَأمُرُها ... فِيهمْ وَيَنهَاهَا أَبَا شُجَاعٍ بِفَارِسٍ عَضدَ الدَّولَةِ ... فَنَاخُسرُو شَهنَشَاها قاطبة: كلمة بمعنى المصدر، كأن الذي يقول: رأيت القوم قاطبة، يقول: رأيتهم عامة وجميعا. فيقول: وقد رأيت الملوك محتفلا في رؤيتهم، وشهدتهم مستوعبا لجماعتهم، وسرت حتى بلغت إلى الملك الممدوح، فرأيت منزلته في المسميين باسمه، منزلة المولى من خادمه، والرئيس من تابعه، وعلمت أنه ملك الملوك لاشك فيه، وعظيم

стр. 297

العظماء لا خفاء عليه. ثم قال: ورأيت منه الذي منايا الملوك براحته، وتصرفهم في الأمور على حسب إرادته، فمن أرضاه مكنت له السعادة جميع مقاصده، ومن أسخطه أورده الحين أخبت مارده. وهذه العبارة وإن لم تكن على نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده. ثم قال، يريد الممدوح: أبا شجاع الذي أتيته بفارس، هذه البلدة الجليلة، والناحية المعظمة الكريمة، ثم أردف ذلك بقوله: فناخسرو شهنشاها، فأبان عنه بأسمه، وأتبعه برفيع من وصفه. والكلمتان فارسيتان، ومفهوم الوصف فيهما الإجلال والتعظيم، ومراد التفضيل والتقديم. أَسَامِياً لَمْ تَزِدهُ مَعرِفَةً وَإنَّما ... لَذَّةٌ ذَكَرنَاهَا تَقُودُ مُستَحسَنٌ الكَلاَمِ لَنَا ... كما تَقُودُ السِّحابَ عُظمَاها هو النَّفِيسُ الَّذي مَواهِبُهُ ... أَنفَسُ أَموَالِهِ وَأسنَاهَا العظمى من السحاب هي العظيمة، على وزن فعلى من العظم، وأسنى الأموال أرفعها قيمة. فيقول فيما قدمه من أسماء الممدوح: تلك الأسماء لم تزده شهرة، ولا أفادته في الناس معرفة، لما عظمه الله من قدره، وأبانه من جلالته وفضله، ولكنه أجتلبها التذاذا بذكرها، وأعلن بها استكثارا من حسنها. ثم قال: أن تلك الأسماء تقود مستحسن الكلام لنا وتتدقمه، وتشتمل عليه وتتضمنه، كما تقود العظمى من السحاب تواليها، وتتصل سائرها في النهوض بها. ثم قال مشيرا إلى الممدوح: هو النفيس الذي عطاياه ومواهبه، ومكارمه وفواضله، أنفس مما يقتنيه ويدخره، وأرفع ما يستفيده ويكتسبه، يريد أنه لا يصون الأموال

стр. 298

على البذل، ولا يلذ بغير ما يظهره من الفضل. لا تَجِدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِ إذا ... انتَشَى خَلَّةً تَلاَفَاهَا تُصَاحِبُ الرَّاحُ أَريَحِيَّتَهُ ... فَتَسقُطُ الرَّاحُ دُونَ أدنَاهَا لو فَطَنَتْ خَيلُهُ لِنَائِلَةٍ ... لَمْ يُرضِهَا أَنْ تَرَاهُ يَرضاها الانتشاء: السكر، والخلة: الوهن والنقصان، والراح: الخمر، والأريحية: اتساع الخلق والانبساط بالمعروف. فيقول، وهو يريد الممدوح: لا تجد الخمر عند تناوله لها، وانتشائه بها، خلة في كرمه تتلافاها بالزيادة فيما قصر عنه، ولم تبلغ بطبيعته إلى الغاية منه؛ لأن جوده في حين صحوه، لا تمكن الزيادة فيه بسكره. ثم قال مؤكدا لما قدمه: يصاحب الخمر في حين سكره، وما تزيد عليه من أريحية كرمه في حين صحوه، فيسقط ما يبعث عليه طرب السكر عند أقل ما تبعث عليه طبيعته من الكرم والفضل، وأراد ما سبق إليه أمرؤ القيس حيث يقول: وَتَعْرِفُ فيهِ مِنْ أَبيهِ شَمَائِلاً ... وَمِنْ خَالِهِ وَمِنْ يَزيدَ وَمَنْ حُجُرْ سَمَاحَةَ ذا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفاَء ذَا ... وَنَائِلَ ذَا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ ثم قال: لو فطنت خيله لعموم بذله فيما يملكه، وسروره بما ناله؛ ما يوافقه ويستحسنه، لما أرضاها أن ترضيه بتقدمها في سبقها، وتروقه بما يشهده من تطهيمها وعتقها؛ لما يدعو إليه ذلك من تقصيرها في جملة ما يبذله، فيما يؤثره من الإنعام والفضل. ثم أكد ذلك بقوله: تَسُرُّ طَربَاتُهُ كَرَائِنَهُ ... ثُمَّ تُزِيلُ السُّرورَ عُقبَاهَا بِكُلِّ مَوهوبَةٍ مُولولَةٍ ... قَاطِعَةٍ زِيرَهَا وَمَثْناهَا تَعُومُ عَومَ القَذَاةِ في زَبَدٍ ... مِنْ جُودِ كَفِّ الأَمِيرِ يَغشَاهَا

стр. 299

الكرائن: الضوارب بالكران، وهو العود، الواحدة كرينة، والمولولة: المرأة التي ترفع صوتها داعية بالويل على نفسها، والزير والمثنى: معروفان من أوتار العود، والقذاة: اليسير من الأشياء تطفو في الكثير من الماء، والزبد: السير الشديد، او البحر الهائج. فيقول: (تسر طرباته كرائنه) لما يرتجينه عنده من الحظوة، ويرتقبنه من الاختصاص والأثرة، ثم يعقب ذلك السرور منهن ما ينقله إلى ضده، ويحيله إلى غيره. ثم قال مبينا لذلك: بكل موهوبة موهن، تدعو بالويل على نفسها، وتجزع لمفارقة ما تستحقه بخدمته من ارتفاع قدرها، فتقطع أوتار عودها متحزنة، وتنفذ في جملة هباته متأسفة. ثم أشار إلى الكريمة المذكورة، فقال: تعوم عوم القذاة في جميل مواهبه، وتحفى في ما يبذله من عطاياه وفواضله، وتحل في ذلك محل القذاة في البحر، والخردلة في المهمة القفر، بما وصف به الممدوح، على أن ما حسن موقعه منه يخرجه الكرم بالهبة عنه. تُشْرِقُ تِيجانُهُ بِغُرَّتِهِ ... إشرَاقَ أَلفَاظِهِ بِمَعنَاهَا دَانَ لَهُ شَرقُهَا وَمَغرِبُها ... وَنَفسُهُ تَستقِلُّ دُنيَاهَا تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ مِلءُ ... فُؤادِ الزَّمانِ إحدَاهَا تشرق: تضيء، والغرة: بياض في الجبهة وما أشرف من الوجه، ودان: اعترف بالطاعة، والهمم: جمع همة، وهي ما انعقدت النية على فعله من رفيع الأفعال. فيقول مشيرا إلى الممدوح: تشرق تيجانه بجمال وجهه، وتزهى ببهائه وحسنه، إشراق ألفاظه البديعة المتخيرة، بمعانيه الحكيمة المستصوبة، فأقترن له ما اختص به من جلالة المنظر، بما استضاف إلى ذلك من براعة المخبر.

стр. 300

ثم قال، وهو يشير إلى الدنيا، وأضمر ثقة ببيان ما قصد له: دان له شرقها ومغربها، على بعد ما بين الأمرين، وتراخي الأمد بين الغايتين، ونفسه تستقل الدنيا بجملتها، ولا يقنعها أن تنفرد بإمرتها، لما تتحققه من بيان فضله، وتتيقنه من انقياد الرئاسة لمثله. ثم قال: تجمعت في فؤاده همم لا تتناهى رفعتها، ومقاصد في السيادة لا تتحصر جملتها، إحدى تلك الهمم تملأ فؤاد الزمان وتذعره، وتعجزه بما يحاوله وتبهره. ثم قال مشيرا إلى همم الممدوح المذكورة: فَإنْ أَتَى حَظُّهَا بِأَزِمِنَةٍ أَوسَعَ ... مِنْ ذَا الزَّمانِ أَبدَاهَا وَصَارَتِ الفَيلَقَانِ واحِدَةً تَعثُرُ ... أَحياؤُها بِمَوتاهَا وَدَارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ تَسجُدُ ... أَقمَارُهُ لأَبِهَاهَا الحظ: الجد، والفيلق: الكتيبة الشديدة، والنيرات: السيوف والأسنة، استعار ذلك من أسماء الكواكب، والفلك هاهنا: حيث تدور الحرب، شبهة بمدار النجوم على ما قدمه من استعارة أسمها للأسنة والسيوف. فيقول: فأن أتى حظ همم الممدوح المقرونة بالسعادة، المحروزة لغايات السيادة، بأزمنة هي أوسع من زمانه المشهور بما يقرب الله للممدوح من المراد، ويقربه بمقاصده من السداد، أبدى تلك الهمم وأظهرها، وصرفها فيما يحاوله وأعملها. ثم قال مبينا لما قدمه: وصارت الفيلقان، من أصحابه والمقدمين على خلافه، فيلقا واحدا باستيلائه على المناصبين له، وتملكه لمرهم، يعثر الأحياء المتغلبون من أصحابه في جثث القتلى المصرعين من أضداده. ثم قال مشيرا إلى السلاح ومجال الحرب: ودارت النيرات في فلك تسجد فرسان مغانيه، وتخضع زعماء مواكبه، وهم أقمار ذلك الموقف الطالعة، وكواكبه النيرة الثاقبة، لأبهاها وأرفعها، وأجلها وأكملها، يشير إلى أن الممدوح تخضع له في

стр. 301

حومة الحرب الأمراء، وتسجد له الشجعان والرؤساء. ثم قال يريد الممدوح: الفَارِسُ المُتَّقِي السِّلاَحُ بِهِ المُثنِي ... عَلَيهِ الوَغَى وَخَيلاها لَو أَنكَرَتْ مِنْ حَيَائِهَا يَدُهُ ... في الحَربِ آثَارَهَا عَرَفنَاهَا وَكَيفَ تَحفَى الَّتي زِيادَتُها ... وَنَاقِعُ المَوتِ بَعضُ سِيمَاها الوغى: الحرب، سميت بذلك لارتفاع الأصوات فيها، وناقع الموت: كثيره وشديده، والسيما: العلامة. فيقول، وهو يريد الممدوح: الفارس الذي يستكف السلاح بجلالته، ويتقي بإحجام الأبطال عن مواجهته، تثني عليه الوغى باستيلائه على جملتها، واستيفائه غاية حقيقتها، الذي يثني عليه خيلا الحرب من أصحابه وأضداده؛ فأما أصحابه فلاعتصامهم به، وأما أضداده فلاعترافهم له. ثم قال: لو أنكرت يده آثارها في الحرب، وزيادتها على جميع الشجعان في الطعن والضرب، ترفعا عن التمدح بذلك، وحياء من استجلاب ذكره، لعرفناها بانفرادها دون مماثلة، وتوحدها من غير مشابهة. ثم قال: وكيف تخفى أفعاله التي تزيد على ما تفعله الفرسان، وتقلل ما يفعله الشجعان، وناقع الموت المرتبط بها، ونفاذه في كل من يتعرض لها، بعض سيماها التي تخصها وتعينها وتظهرها للناس وتبينها. لَو كَفَرَ العَالمونَ نعمَتَهُ لَمَا ... عَدَتْ نَفسُهُ سَجَايَاهَا كالشَّمسِ لا تَبتَغِي بِمَا صَنَعَتْ ... مَنفَعَةً عِندَهُمْ ولا جَاهَا العالمون: جميع الخلائق من الإنس والجن، والسجايا: الطباع، واحدتها سجية، والجاه: ارتفاع المنزلة في الناس. فيقول مشيرا إلى الممدوح: لو كفر العالمون نعمته الجليلة الشاملة، وأياديه الرفيعة

стр. 302

الظاهرة، لما عدت نفسه سجيتها في الفضل، ومذهبها في إتيان الكرم والبذل؛ لأن نعمه ليست على سبيل الاستكثار من الشكر، وإنما هي على ما يضمنه عنه شرف الطبع. ثم قال مؤكدا لما قدمه من وصف الممدوح، وما جبله الله عليه من عموم فضله، والتقدم في الإحسان بطبعه: أنه كالشمس التي تنير بخلقتها، وتريق الخلائق بجبلتها، ولا تبتغي عندهم جزاء تعتقده من الشكر، ولا منزلة تحوزها بجميل الذكر، وأن كرمه خلق جبل عليه، لا لعرض من الدنيا يرغب إضافته إليه. الوَاسِعُ العُذرِ أَن يَتيهَ عَلَى الدُّنيَا ... وَأَبنَائِها وما تَاهَا وَلَّ السَّلاطينَ مَنْ تَوَلاَّها ... والجَأ إليهِ تَكُنْ حُدَيَّاها ولا تَغُرَّنَّكَ الإمارَةُ في ... غَيرِ أَميرٍ وَإنْ بِهَا بَاهَى التيه: الكبر، وحديا السلاطين: الذي يساجلهم ويباريهم، والمباهاة: المكاثرة بجمال الحال. فيقول: أن الممدوح في خلال من الرفعة، ومنزلة من الجلالة والمملكة، يوسعان عذره في التيه على الدنيا وأهلها، والأخذ في ذلك لنفسه (يفي) بحقها، ولكنه يؤثر التواضع ويألفه، وبجانب الكبر ولا يوافقه. ثم قال: ول ما عدا الممدوح من السلاطين من اعتمدهم بقصده، وما إليهم بتأميله ووده، ودعهم وما آثروه، وسلم إليهم ما تخيروه، والجأ إلى الممدوح تكن موازنا لغيره من السلاطين بنفسك، ومباريا لهم بجلالة حالك، فخدمته تفيد أكثر مما استفادوه، وتتكفل بأوفر ما جاوزه من النعمة. ثم قال: ولا تغرنك الإمارة ممن ينتحلها وليس باسم لها، ويتقلد أسمها دون أن يتحقق بها، مباهيا في ذلك غير منصف، ومغالطا بباطله غير معترف. ثم قال مؤكدا لما قدمه:

стр. 303

فَإنَّما المَلْكُ رَبُّ مَملَكَةٍ ... قَدْ فَعَمَ الخَافِقَينِ رَيَّاهَا مُبتَسِمٌ والوُجُوهُ عَابِسَةٌ ... سَلمُ العِدَى عِندَهُ كَهَيجَاهَا النَّاسُ كالعِابِدِينَ آلِهَةً ... وَعَبدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّهَا الملك والملك والمملكة: سلطان الملك، وفعم: بمعنى سد وملأ، والخافقان: المغرب والمشرق، والريا: الريح الطيبة، والسلم: الصلح، يقال بفتح السين وكسرها، فمن فتح أنث، ومن كسر ذكر، والهيجاء: الحرب، والآلهة: ما عبد من دون الله. فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فإنما الملك الذي لا يجهل قدره، والمعظم الذي لا يدفع أمره، من كان كالممدوح رب مملكة، قد فعم الخافقين طيب ريحها، وسد ما بينهما تضوعها وفوحها. ثم قال، وهو يريده: مبتسم عند شدة الحرب، والوجوه عابسة، والعقول لأهوالها طائشة، وهو لا يحفل بأمرها؛ لاستظهاره فيها، ولا يستوحش منها، لتيقنه بالقدرة عليها، فسلم أعدائه عنده كحربهم؛ لأنه يغلبهم، وطاعتهم كمعصيتهم؛ لأنه يستذلهم ويملكهم. ثم قال: الناس المعتقلون غيره، كالعابدين آلهة في بعدهم عن رشدهم فضلالهم فيما آثروه بقصدهم، وعبده المتمسك بحبله، المقتصر بأمله على فضله، في صواب ما رآه وتخيره، وصحة ما اعتمد عليه وآثره، كالذي يوحد الله فيتمسك بالحق ويؤمن به، فلا يعدل في ذلك عن الصدق. تم بحمد الله. . . . ابتداء الزيادة.

стр. 304

وقال أيضا يمدحه ويذكر شعب بوان: مَغَانِي الشَّعبِ طَيبَاً في المَغَانِي ... بِمَنزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ وَلَكِنَّ الفَتَى العَرَبِيَّ فِيها ... غَريب الوَجهِ واليَدِ واللِّسَانِ الشعب: ما انفرج بين الجبلين، وشعب بوان الذي ذكره: موضع معروف ببلاد فارس، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى، والربيع: الفصل الذي يكون بين فصل الشتاء وفصل القيظ، وهو حين يأخذ النهار في الزيادة، والليل في النقصان، وفي هذا الفصل من السنة يقوى النبات وتكثر الزهرات. فيقول مشيرا إلى شعب بوان: مغاني هذا الموضع في سائر المغاني المألوفة، والمواضع المستحسنة المحبوبة، كالربيع في سائر فصول الزمان التي يفضلها ببهجته، وتألفه النفوس من بينها بجملته، وتظهر الأرض فيه بدائع نورها، وتتصرف الأبصار في غرائب حسنها. ثم قال مشيرا إلى نفسه، وانقطاعه عند حلوله في تلك المغاني عن أبناء جنسه. ولكن الفتى العربي في هذه الأماكن غريب الوجه؛ بمخالفته الأعاجم من أهلها في الهيئة، غريب اليد؛ بمفارقته لهم في الكتابة والصنعة، غريب اللسان؛ ببعده في الإبانة واللغة. مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سَارَ فِيهَا ... سُلَيمَانٌ لَسَارَ بِتُرجُمَانِ طَبَتْ فُرسَانَنَا والخَيلَ حَتَّى ... خَشِيتُ وَإنْ كَرُمْنَ مِنَ الحِرَانِ الملاعب: مواضع اللعب والتجاول، والواحد منها ملعب، الجنة: جمع جني، والهاء لتأنيث الجمع، وسليمان: هو النبي ﷺ ، وسخر الله له الجن وفهمه لغاتها ولغات ما لا يتكلم من الحيوان، وطبت: صرفت وأمسكت، والحران: معروف. فيقول مشيرا إلى شعب بوان، وإقفاره مع حسنه، واستيحاشه مع طيبه: وأن مغانيه ملاعب جنة، ومواضع عزلة، فلو سار فيها سليمان لواجه من الجن ما لا يفهم

стр. 305

لغته إلا بمترجم، ولا يتفسر له قوله إلا بمبين، مع أنه قد علم كلام النمل، وتفسرت له لغات ما لا ينطق من الحكل. ثم ذكر أن تلك المواضع مع تباعدها عن الأسنة، وما هي عليه من الإقفار والوحشة؛ طبت فرسانه وخيلهم بجمالها وطيبها، وحببت إليهم الإقامة فيها ببهجتها وحسنها، حتى خشي على فرسانه التأخر عنه؛ لسرورهم بها، وعلى خيله الحران؛ لإيثارها لها. غَدَونَا تَنفُضُ الأغصَانُ فيهِ ... عَلَى أَعرَافِها مِثلَ الجُمَانِ فَسِرْتُ وَقَدْ حَجَبنَ الحَرَّ عَنَّا ... وَجِئنَ مِنَ الضِّياءِ بِمَا كَفَانِي وَألقَى الشَّرقُ مِنهَا في ثِيابِي ... دَنَانِيرَاً تَفِرُّ مِنَ البَنَانِ الجمان: أمثلة تؤخذ من الفضة كاللؤلؤ، واحدتها جمانة، والشرق: مطلع الشمس، والبنان: أطراف الأصابع. فيقول: غدونا نسير في هذا الشعب الذي ذكره، بين أشجار متكاثفة الظلال، متدانية الأغصان، تنفض على أعراف خيلنا من الندى المستقر في أوراقها، عند اتصالنا بها وتحريكنا لها، قطرا يشبه الجمان في حسن منظره، ويماثله في صفاء جوهره. ثم قال: فسرت بين تلك الأشجار، وقد حجبت عني الحر فما أتأمله، وأهدت إلي من الضياء بحسب ما أرغبه، وألقى الشرق على ثيابي من خلل تلك الأغصان، وفرج تلك الظلال لمعا من أنوار الشمس في هيئة الدنانير، تفر من بنان الأيدي فلا تدركها، وتسبقها عند الإيماء إليها فلا تلحقها. يشير إلى أن طريقه إنما كان بين أشجار متدانية، وحدائق متوالية، لا يتشكى الحر من سلك بينها، ولا يتوقعه من تفيأ ظلها. لَهَا ثَمَرٌ يُشيرُ إليكَ مِنهُ ... بأشْرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أوَانِي

стр. 306

وَأَموَاهٌ يَصِلُّ بِهَا حَصَاهَا ... صَلِيلَ الحَلْي في أَيدِي الغَوَانِي الثمر: حمل الشجر، والصليل: امتداد الصوت، والغواني: الشواب ذوات الأزواج، واحدتها غانية. فيقول: أن للشجر التي قدم ذكرها ثمرا في غاية النضرة، وعلى أفضل ما يروق ويعجب من النعمة، يكاد ينذاب في فم آكله، ولا يتماسك في يد متناوله، كالشراب المستجد في غير إناء، والقائم بنفسه من دون وعاء. ثم وصف المياه المطردة في تلك الغياض، والعيون المتفجرة بين تلك الرياض، فقال: أن تلك الأمواه يصوت حصاها عند تحريكها له، ويصل عند سيلانها به، تصويت جواهر الحلي إذا حركت، وعلى مثل حالها من الحسن والبهجة إذا تؤملت. وَلَو كَانَتْ دِمَشقَ ثَنَى عِنَانِي ... لَبِيقُ الثُّردِ صِينِيُّ الجِفَانِ يَلَنْجُوجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيفٍ ... بِه النِّيرانُ نَدِيُّ الدُّخانِ يُحَلُّ بِهِ عَلَى قَلبٍ شُجَاعٍ ... وَيُرحَلُ مِنهُ عَنْ قَلبٍ جَبَانِ دمشق: مدينة في الشام معروفة، واليلنجوج: العود الذي يتبخر به، والند: أخلاط من الطيب يجمع بالعنبر المذاب، ويستعمل ذلك في البخور، والجفان الصينية: جفان تتخذ من حنتم الصين، وهو أرفع ما يكون فيه الطعام. فيقول: ولو كانت هذه المنازل دمشق، قاعدة الشام التي لم أزل أعتقد التفضيل لها، وأتخير الاستقرار بها، لثنى عناني عنها الممدوح الذي أقصده، والرئيس الذي أعتمده، الجاري على سير العرب في بذل الطعام، والاحتمال من ذلك على سنن الكرام، إلا أن ثرده لبيقة خاصية الصنعة، وجفانه صينية جليلة القيمة، وما يرفعه للضيفان من نيرانه يلنجوجي الوقود، وما يثور عن ذلك من الدخان ندي الوجود. ثم قال: يحل زواره منه على قلب شجاع، متقدم في برهم، ويرحلون منه عن قلب

стр. 307

جبان محجم عن فقدهم. وطابق ما بين الشجاعة والجبن، وجرى جميع ذلك على غاية الحسن. مَنازِلُ لم يَزَلْ مِنهَا خَيَالُ ... يُشَيِّعُنِي إلى النَّوبَندَجانِ إذا غَنَّى الحَمَامُ الوُرقُ فِيهَا ... أَجَابَتهُ أَغَانِيُّ القِيَانِ وَمَنْ بالشَّعبِ أَحوجُ مِنْ حَمَامٍ ... إذا غَنَّى وَنَاحَ إلى البَيَانِ وَقَدْ يَتَقارَبُ الوَصفَانِ جِدّاً ... وَمَوصُوفاهُمَا مُتَبَاعِدَانِ الخيال: ما يتمثل في المنام مما تشتغل النفوس به، والنوبندجان: موضع من أرض فارس، والورقة: سواد في غبرة، والقيان: الإماءة المتزينات برفيع الصنع، والشعب: هو شعب بوان الذي قدم ذكره. فيقول: أن المنازل التي ذكر حسنها، وأحتفل في وصفها، لم يزل يشيعه منها خيال يمتثله، وتذكر يتوهمه، إلى أن صار بالنوبندجان؛ وأشار بهذا إلى ما باشره بالشعب من المحاسن المعجبة، وما شاهده من الأمور المستغربة. ثم قال: إذا غنت الحمام الورق في هذه المنازل، متداعية في أشجارها، مكثرة من التغريد على مجاري مياهها، أجابت تلك الألحان أغاني القيان المطربة، وأصواتها الندية المستحسنة. ثم قال: ومن بالشعب المذكور من أهله وساكنيه، ومستوطنيه وعامريه، أحوج من الحمام إذا غنى وناح، إلى بيان ما يذكره، والتعريف بما يرجعه. يشير إلى لغات أهل تلك البلاد، قد غلبت عليها العجمة، وفشي فيها الاستغلاق واللكنة. ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى تلك الأغاني والنغم، مفارقة لما عهد من نظائرها في بلاد العرب: وقد تتفاوت الأوصاف وتتماثل، وتتدانى هيئتها وتتشاكل، وأعيان الموصوفات بها متفارقة متنائية، وبعيدة في حقائقها متباينة. يَقُولُ بِشَعبٍ بَوانٍ حِصَانِي ... أعَنْ هذا يُسَارُ إلى الطِّعانِ؟!

стр. 308

أبُوكُمْ آدَمٌ سَنَّ المَعَاصِي ... وَعَلَّمَكُمْ مُفُارقَةَ الجِنَانِ الحصان: الذكر من الخيل. فيقول: أن فرسه الذي كان يحمله، ظهر عليه من التثاقل في الخروج عن الشعب، والنشاط إلى الاستقرار به، والحرص على الكون فيه، ما حل محل العاذل لراكبه، واللائم لمزعجه، حتى كأنه قال له: أعن هذه الجنات الظاهرة، والحدائق الملتفة الرائقة، يستعمل الرحلة إلى الملوك الذين لابد عندهم من الطعن والضرب، والطعان والمبارزة للأقرا؟! وكأنه خاطبه في عذله، وما تابع عليه من لومه بأن قال له: أنك من جماعة سن لهم أبوهم المسارعة إلى العصيان، والمفارقة للخلود في الجنان، فليس بعجيب ما تتخيره من التقصير بنفسك، وما تستهله من إتعاب جسمك. فَقُلْتُ إذا رَأيتَ أَبَا شُجَاعٍ ... سَلَوتَ عَنِ العِبَادِ وذا المَكَانِ فَإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَرِيقٌ ... إلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَانِ لَهُ عَلَّمْتُ نَفسِي القَولَ فِيهِمْ ... كَتَعلِيمِ الطِّرادِ بِلا سِنَانِ الطراد: التجاول في الميادين على الخيل، والسنان: الحديدة التي تركب في أعلى القناة، وبها يكون الطعن. فيقول مجيبا لما نسبه من الخطاب إلى حصانه: إذا رأيت أيها الحصان الممدوح أبا الشجاع، الذي أريده وأقصده، وأؤمله وأعتمده، وتقلبت في ذراه، وأحاطت بك عوارفه ونعماه، سلوت عن هذا المكان، وحدث لك زهد في جميع الأنام. ثم أكد ما قدمه بأن قال: فأن الناس باجمعهم، والدنيا المشتملة عليهم، طريق إلى من فات الناس بفضله، وبذهم بجلالة قدره، فليس له فيهم نظير يشبهه، ولا ثان يدانيه ويقاربه. ثم قال: له علمت نفسي ما قدمته من مدح الأمراء، وما نظمته من الشعر في

стр. 309

الرؤساء، لألقاه من ذلك في غاية الدربة، وعلى أفضل ما يرغب في الشعر من النفاذ والقوة، وإنما كنت فيما تقدم لي من الشعر كمن يتعلم الطراد بقناة لا سنان لها، ومطاعنة لا يتأذى بها، فلما أرضاه موضعه من الإحسان، وتقدمه في ذلك الشان، بلغ بالطراد إلى غايته، وأستعمله من حقيقة الحرب في نهايته، وكذلك لما رضيت موضعي من الشعر، اعتمدت من فات أهل زمانه في جلالة القدر. بِعَضدِ الدَّولَةِ امتَنَعَتْ وَعَزَّتْ ... وَلَيسَ لِغَيرِ ذِي عَضُدٍ يَدَانِ ولا قَبضٌ على البِيضِ المَواضِي ... ولا حَظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللِّدانِ دَعَتْهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء مِنهَا ... لِيومِ الحَربِ بِكرٍ أَو عَوَانِ عضد الدولة: هو لقب فناخسرو، وخفف عضدا؛ لأن الضمة والكسرة تخففان في الثلاثي في مثل عضد وإبل، ذكر ذلك سيبويه، وربما قرءوا الكلمة على حسبها قبل التخفيف، وربما قلبوا الضمة والكسرة على ما قبلهما، فيقولون في عضد: عضد، وفي كتف: كتف. والبيض: السيوف، والسمر: الرماح، واللدان منها: كثيرة الاهتزاز، والحرب البكر: التي لم يكن قبلها حرب، والعوان: التي تكون بعد حرب، واستعار ذلك من صفات النساء، فالبكر منهن: التي لم تتزوج، والعوان: التي قد كان لها زوج. فيقول: بالممدوح عضد الدولة امتنعت الدولة وعزت، وامتدت أطنابها وجلت، وفخمت على سائر الدول، وتواضع لها ملوك الملل، وما كان من الدول مما لم يكن فيه ممن يتغلب بها اللقب من رجال دعوتها، والمتصلين بجملتها، فليس لها يدان تبطش بقوتهما، وتبسط وتقبض بموضعهما؛ لأن اليدين إنما يتصرفان بالعضد، وهو لها أثبت سند. ثم أكد ذلك فقال: ومن لا عضد له فقد عدم حظه من أعمال البيض الصوارم، وتصريف السمر الذوابل. يشير إلى الترفيع بهذا اللقب، ويخبر أن له في السيادة أجل سبب.

стр. 310

ثم قال زائدا في تأكيد ما قدمه: دعته الدولة بمفزع أعضائها عند الشدائد، وعمدتها في الأمور العظائم، فكأن هذا اللقب إنما اشتق الممدوح من معناه، وأخبر عما تقلده في الدولة وتولاه. فَمَا يُسمِي كَفَنَّاخُسرُو مُسمٍ ... ولا يُكْنَى كَفَنَّاخُسرُو كَانِ ولا تُحصَى فَضَائِلُهُ بِظَنٍّ ... ولا الإخبَارِ عَنهُ ولا العِيَانِ أُرُوضُ النَّاسِ مِنْ تُربٍ وخَوفٍ ... وَأرضُ أَبي شُجَاعٍ مِنْ أَمَانِ يسمي: بمعنى يسمي، وهو ذكر الرجل بالعلامة التي يعرف بها، يقال سميته وأسميته، والكنية: معروفة. فيقول: ما يسمي مسم، ولا يكني كان كفناخسرو في نفاذ أمره، وجلالة قدره، وانفراده بالمكارم، وبحمله للعظائم. ثم قال: ولا تطمح الظنون إلى أن تحصي فضائله، ولا تبلغ الأخبار إلى أن تستوفي محاسنه، ولا يستوعب العيان ذلك ولا يدركه، ولا يأتي عليه ولا يستكمله، إذ هو واحد زمانه في جلالة الشأن، ومقدم أهله في علو المكان. ثم قال: فإذا كانت أروض الملوك في زمانه من ترب متماثل، وخوف شامل لا يتباين، فأرضه من أمان ودعة، وأهلها في خفض وسعة، قد ضبطها بقوة سياسته، وسكنها بتعاهده ورعايته. تُذِمُّ على اللُّصوصِ لِكُلِّ تَجرٍ ... وَتَضمَنُ لَلصَوارِمِ كُلَّ جَانِ إذا طَلَبَتْ وَدَائِعُهُمْ ثِقَات ... دُفِعنَ إلى المَحَانِي والرِّعانِ فَبَاتَتْ فَوقَهُنَّ بِلا صِحَابٍ ... تَصِيحُ بِمَنْ يَمُرُّ أَمَا تَرَانِي؟! تذم: تجير وتعاهد، واللصوص: القاطعون للسبل، ومن يجري مجراهم، والتجر: جماعة التجار، يقال: تاجر وتجر، كما يقال شارب وشرب، والمحاني: معاطف الأودية، والرعان: أنوف الجبال، الواحد رعن.

стр. 311

فيقول: أن أبا شجاع الممدوح بحسن ضبطه، وقوة سلطانه، تذم أرضه على اللصوص للتجر، ويجيرهم من أذاهم في المهمه القفر، فيأمنون ضررهم بحسن رعايته، ويتصرفون دون مخافة في كنف حياطته، وتضمن الجناة لصوارم السيوف حتى تحكمها فيهم، وتعود بهم إليها حتى يبسطها عليهم ثم قال مؤكدا لما قدمه: فإذا طلب التجار لودائعهم ثقات يحفظونها، وذوي أمانات فيها يؤدونها، اكتفوا بمعاطف أودية بلاده، وأن بعدت، وبأنوف جبالها وأن إنفردت، لا يخاف التجار على أموالهم في أعماله عدوة ظالم،. . . ولا يحوزون مضرة لص خارب. ثم قال مؤيدا لما ذكره: فتبينت تلك الأموال في القفار النازحة، وتهمل على أنوف الجبال الشامخة، والأيدي عنها منقبضة، ومضرات أهل الاستطالة دونها مرتفعة، حتى كأنها تهتف باللصوص مزرية عليهم، وتناديهم متقدمة بالوعيد إليهم. رَقَاهُ كُلُّ أَبيَضَ مَشرَفِيٍّ لِكُلِّ ... أَصَمَّ صِلٍّ أُفعوانِ وما يَرقِي لُهَاهُ مِنْ نَدَاهُ ... ولا المالَ الكرِيمَ مِنَ الهَوانِ الأبيض المشرفي: السيف المنسوب إلى المشارف، وهي قرى بالشام تنسب إليها صوارم السيوف، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والصل منها: الشديد العادية، والأصم: الذي لا ينفع الرقي فيه، واللها: دفع العطاء، واحدتها لهوة. فيقول: أن رقى الممدوح فناخسرو لكل قاطع سبيل، ضرره كضرر الصل الأفعوان، سيف صارم يهلكه به، وحتف عاجل يمكنه له. ثم قال: وما يرقي الممدوح أبو شجاع أمواله من بذله، ولا يبقى على لهاه بتفريقه لها في تأكيد فضله، ولا يعصم كرائم أمواله من إصابته لها بالبذل، واستهلاكه إياها في سبيل الحمد والشكر. حَمَى أطرَافَ فَارِسَ شِمَّرِيٌّ ... يَخُضُّ على التَّبَاقِي في التَّفانِي بِضَربٍ هَاجَ أَطرَابَ المَنَايَا ... سِوى ضَربِ المَثَالِثِ والمَثَانِي

стр. 312

الشمري: النافذ الماضي من الرجال، والمثالث والمثاني: أوتار معروفة في عيدان الغناء. فيقول: حمى أطراف بلاد فارس من الممدوح فناخسرو، شجاع صارم، نافذ عازم على استدامة السلامة والبقاء، باستهلال الهلكة والفناء؛ يريد: أنه يعتقد أن الإكثار من القتل في سبيل الحق يعود راحة شاملة، وسلامة لمن يلتزم الاستقامة دائمة. ثم أكد ما قدمه، فقال: بضرب تطرب المنايا بأصواته، وترتاح عند حلول أوقاته، هو غير ضرب المثالث والمثاني المستعمل لتسلية المكروب، واستجلاب الفرح إلى القلوب. كَأَنَّ دَمَ الجَمَاجِمِ في العَنَاصِي ... كَسَا البُلدَانَ رِيشَ الحَيقُطانِ فَلَو طُرِحَتْ قُلُوبُ العِشقِ فيها ... لَمَا خَافَتْ مِنَ الحَدَقِ الحِسَانِ العناصي: خصل الشعر، الواحدة عنصوة، الحيقطان: ذكر الدراج. فيقول: كأن ما رفعه الممدوح فناخسرو من رؤوس اللصوص والقاطعين للسبل في أقطار بلاد فارس، وما صار في عناصي تلك الرؤوس من دمائها، وما أفضى إليه ذلك من إخافة المفسدين، وتأمين المستورين، مهد البلاد وأمنها، ووطأها وسكنها، حتى كأنها مفروشة بريش الدراج من الطير، الذي هو أوطأ فراش وألينه، وأوثر مهاد وأفضله. ثم أكد ذلك فقال: لو طرحت في تلك البلاد قلوب العشاق، وهي أضعف القلوب منة، وأكثرها وقارا وروعة، لما خافت من الحدق الحسان، مع نفاذ الحدق عليها فيما تقصده، وقوتها فيما تدعو إليه وتوجبه. فأشار إلى فناخسرو، بقوة سلطانه، وشدة ضبطه لأعماله، أمن من المخاوف ما لا يؤمن مثله، وفعل في ذلك ما لا يتمكن لأحد فعله. وَلَمْ أرَ قَبلَهُ شِبلَيْ هِزَبرٍ ... كَشِبلَيهِ ولا فَرَسَي رِهَانِ

стр. 313

أَشَدَّ تَنَازُعَاً أَصلٍ وَأشبَهَ ... مَنظَرَاً بِأبٍ هجانِ وأكثَرَ في مَجَالِسهِ استِماعَاً ... فُلانٌ دَقَّ رُمحاً في فُلانِ الهزبر: الأسد، والشبل: ولده، والرهان: المسابقة بالخيل، والهجان من الرجال: الكريم الفضل، والدق: الكسر. فيقول: ولم أر قبل ورثة الممدوح فناخسرو شبلي أسد كشبلية، ولا متسابقين إلى مجد كولديه. يشير إلى أنه لما لقيه وأفضى إلى ما شاهده من عظم شأنه، وجلالة سلطانه، أبصر من ولديه من يحذو حذوه، ويمتثل فضله، ورآهما يتسابقان في المجد، ويجريان إلى إحراز غابات الحمد. ثم قال، وهو يريده: أشد منهما تنازعا لأصل كريم يتلوان فضله، وأثبت شبها بأب جليل يمتثلان فعله، مقتفين لما خلده من المكارم، مستبقين إلى ما شيده من الفضائل. وأكثر منهما استماعا في مجالسه، لما يتخابر به من أمور الحرب، وما ينسب إلى الأبطال من التقدم في الطعن والضرب، لا يصغيان إلا على مثل ذلك، مما يزيد في الإقدام والبأس، ويحمله تحفظه على قوة النفس. وَأَوَّلُ دَايَةٍ دَأَيَا المَعَالِي ... فَقَدْ عَلِقَا بِهَا قَبلَ الأوَانِ وَأَوَّلُ لَفظَةٍ فَهِمَا وَقَالا ... إغَاثَةُ صَارخٍ أَو فَكُّ عَانِ وَكُنتَ الشَّمسَ تَبهَرُ كُلَّ عَينٍ ... فَكَيفَ وَقَدْ بَدَتْ مَعَهَا اثنَتَانِ؟! الداية: الحاضنة التي تتولى تربية الولد دون أمه، والعاني: الأسير، وفكه: إطلاقه، وتبهر: بمعنى تغلب. فيقول، وهو يريد ولدي الممدوح: وأول داية وليت تربيتهما، واتصلت بهما عند نشأتهما، معالي الأخلاق الذي غذتهما، وشراف الأفعال التي ألفتهما، فقد علقا ذلك قبل أوانه، وجريا على اكرم عادة في استحسانه.

стр. 314

ثم قال: وأول لفظة تفوها بذكرها، وأحاط علما بحقيقة أمرها؛ إغاثة صارخ يفزع إليهما، وفك أسير يقتصر بأمله عليهما، فلم يعرفا غير الفضل والإحسان، ولا عهدا غير التطول والإنعام. ثم قال يخاطب الممدوح فناخسرو: وكنت الشمس منفردا بنفسك، متوحدا في جلالتك ومجدك، تبهر العيون ضياء وبهجة، وتغشيها كمالا ورفعة، فكيف الظن بك إذا قارنك شمسان نيرتان تقفوانك في الجلالة وتماثلانك، وتحكيانك في السياسة وتظاهرانك؟!. فَعَاشَا عِيشَةَ القَمَرَينِ يُحيَا ... بِضَوئِهِمَا ولا يَتَحَاسَدانِ ولا مَلَكَا سِوى مُلكِ الأَعادِي ... وَلاَ وَرثَا سِوَى مَنْ يَقتُلانِ وكانَ ابنَا عَدوٍّ كاثَرَاهُ ... لَهُ يَاَءي حُروفِ أُنَيسَيَانِ القمران: الشمس والقمر، تسميا بأخف الاسمين كما قيل العمران في أبي بكر وعمر رحمهما الله، وأنيسيان: تصغير إنسان على غير قياس، وياءاه ياء تصغير. فيقول، وهو يريد ولدى فناخسرو: فعاشا عيشة القمرين في طول بقائهما، وبيان إعتلائهما، يحيا الأنام بنورهما، وتشرق الدنيا بضوئهما، ولا جعلهما الله يتحاسدان فيما منحهما من فضله، ووصل بهما ما أتاهما من جميل صنعه. ثم قال: ولا جعلهما يستزيدان ملكا غير ملك من عاداهما وخالفهما، ولا أن يرثا مالا غير من أباداه من الأعداء بقتلهما، فلا يزالان ظاهرين على الممالك بإبادتهما لأربابهما، ومحثوثين على أموال أهل الخلاف بغلبتهما لأصحابها. ثم قال: وجعل الله أبني من كاثراه من الأعداء، ومن نازعهما من أهل البغضاء، له كياءي حروف أنيسيان، يعودان عليه التصغير والذلة، ويجلبان إليه غاية الضعف والقلة. دُعَاءٌ كالثَّنَاءِ بلا رياءٍ ... يُؤدِّيهِ الجَنَانُ إلى الجَنَانِ

стр. 315

فَقَدْ أَصبَحْتُ مِنهُ في فِرندٍ ... وَأصبَحَ مِنكَ في عَضبٍ يَمَانِ وَلَولا كَونُكمْ في النَّاسِ كَانُوا ... هُذاءً كالكَلامِ بلا مَعَانِي الفرند: وشيء السيف، وهو الأثر، والعضب: السيف الصارم، واليماني: الذي طبعه أهل اليمن، والهذاء: ما لا يعقل من الكلام. فيقول: ودعائي الذي قدمته، كالثناء في حسنه، وصحة ما يتأدى من لفظه، لا رياء فيه، ولا سبيل للتصنع عليه، يؤديه مني ضمير خالص، ويتلقاه أيها الممدوح منك ضمير (مخلص). ثم قال يخاطبه: فقد أصبحت منه في فرند يخبر عن كرم جوهرك، وشاهد عدل يبين عن شرف عنصرك، وقد أصبح منك في سيف صقيل صارم، وفي عضب يمان نافذ، يبدو عليه كما يبدو الأثر على السيف، فيخبر عن كرمه وعتقه، ويتقدم به على سائر جنسه. ثم قال: ولولا كونك وكون بينك ورهطك ملوكا في عصركم، وأمراء على أبناء دهركم، لكان الناس كالهذاء من الكلام، الذي لا يعقل لفظه، ولا يعود على السامع له نفعه.

стр. 316

وقال يمدحه، ويذكر وقعة كانت مع وهسوذان بن محمد بالطرم؛ (حصن من حصون أذربيجان). إثلِثْ فَأنَّا أَيُّها الطَّلَلُ ... نُبكِي وَتُرزِمُ تَحتَنَا الإبِلُ أو لا، فلا عَتبٌ عَلَى طَلَلٍ ... إنَّ الطُّلُولَ لِمِثلِها فُعلُ ثلث الواحد الاثنين: إذا صار ثالثا لهما، والطلل: ما أشرف من بقايا الديار، وإرزام الإبل: أصواتها بالرغاء عند الكلال، والعتب: الموجودة. فيقول مستدعيا لإسعاد الطلل على ما هو بسبيله من الحزن، وما يذريه في رسومه الدارسة من الدمع: كن لنا ثالثا أيها الطلل في البكاء على ما غيرته الأيام من بهجتك، وأذهبته من غضارتك وجدتك، ووصلته من نأي أحبتنا العامرين لك، الجامعين لشمل السرور بك، فإننا نبكي فيك وإبلنا ترزم وتندب ساكنيك، ودموعنا تسجم. ثم قال: أو لا، فلا عتب عليك في الخرس عن الجواب، والتأخر عن الإطلاب، فالطلول بمثل ذلك فاعلة، وهي في الاحتمال عليه متشاكلة. لو كُنتَ تَنطِقُ قُلتَ مُعتَذِرَاً ... بِي غَيرُ ما بِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَبكَاكَ أنَّكَ بَعضُ مِنْ شَغَفُوا ... لَم أَبكِ أَنِّي بَعضُ مَنْ قَتَلوا إنَّ الَّذينَ أَقَمتَ واحتملوا ... أَيَّامُهُمْ لِدِيارِهِمْ دُوَلُ الشغف: إحراق الحب القلب، والدولة: مدة الإقبال. فيقول، وهو يخاطب الطلل: لو كنت تنطق أيها الطلل، لقلت صادقا غير مكذب، ومعذورا غير مؤنب؛ إن الذي أشكوه وأظهره يقل عند ما تخفيه وتضمره، وأن دلائل ما تطويه من الأسف بادية، وشواهده وأن صمت مناديه، ولقلت: أني أبكي بكاء من شغفه الراحلون عنك بحبهم، وأوحشوه بما منعوه من قربهم، وأنك تبكي بكاء من قتلوه فلا حراك به، وأياسوه فلا رجاء في البقاء له. ثم قال، يخاطب الطلل: أن الذين أقمت ورحلوا عنك، وبعدوا بجماعتهم منك،

стр. 317

أيامهم للديار التي يحتلونها، والمنازل التي يتخيرونها، دول سرور مستقبلة، وأيام جذل مستأنفة، والذي صرف عنك من ذلك يوحشك، وما منعت منه لا محالة يؤلمك. الحُسْنُ يَرحَلُ كُلَّما رَحَلوا ... مَعَهُمْ وَيَنزِلُ حَيثُمَا نَزَلُوا في مُقلَتَي رَشَأٍ تُدِيرُهُما ... بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بِهَا الحِلَلُ تَشْكو المَطَاعِمُ طُولَ هِجرَتِها ... وَصُدُودِهَا وَمنِ الَّذي تَصِلُ؟ الحلة: البيوت المجتمعة للقوم النزول، والرشأ: الصغير من الظباء. فيقول: الحسن يرحل مع الذين هاجه الحزن لرحيلهم، وينزل من المواضع بالمكان الذي ينزلونه، ولا يفارقهم انقيادا لهم، ولا يتأخر عنهم كلفا بهم. ثم قال: وجماع ذلك الحسن الذي أرفع بوصفه، وأطنب فيما اجتلب من ذكره، في مقلتي رشأ تديرهما بدوية ساحرة الطرف، ناعمة ظاهرة الظرف، يفتن بها ما تأوي إليه من الحلل، ويقتضي بقربها غاية الأمل. ثم قال: تشكو المطاعم الرفيعة طول هجرتها لها، ويوحشها قلة إلمامها بها، وكيف لها بتقلبها مع ما هي فيه من الترفه، ومن الذي تصله مع موضعها من الجلالة والرفعة؟!. ما أَسَارَتْ في القَعبِ مِن لَبَنٍ ... تَرَكَتهُ وهو المِسكُ والعَسَلُ قَالَتْ: أَلا تَصْحو؟ فقلت لَهَا: ... أَعلمتِنِي أَنَّ الهَوى ثَمَلُ السؤر: ما يبقيه الشارب لغيره، والقعب: القدح الضخم، والثمل: السكر. فيقول مخبرا عن التي وصفها بالحسن، وأخبر عنها بالدلال والدل: أن الذي أسأرته من اللبن بعد شربها، وغادرته في القعب بعد ملامستها بكفها، تركته وهو المسك في أرجه وفورجه، والعسل في حلاوته وطيبه. ثم خاطبته فقالت: ألا تصحو عن الحب، وعما أنت بسبيله من اشتغال القلب؟!

стр. 318

فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى سكر يغلب على العقل، والممتحن به لا يصغي إلى الملامة والعذل. لَو أَنَّ فَنَّاخُسرُو صَبَّحَكُمْ ... وَبَرَزْتِ وَحدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ وَتَفَرَّقَتْ عَنكُمْ كَتَائِبُهُ ... إنَّ المِلاَحَ خَوادِعٌ قُتُلُ الغزل: الكلف بأمور النساء، وشدة الحرص عليهن، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والوحدة كتيبة، والقتل: اللواتي يقتلن بحبهن، والواحدة: قتول. فيقول لمحبوبته التي قدم وصفها: لو أن فناخسرو صبح بلادك بجموعه، وأعتمد ناحيتك بجيوشه، وبرزت وحدك، فأبديت له حسنك، ونظر إليك وقد سفرت عن وجهك، لعاقه غزل الحب عما استظهر به من الجموع للحرب. ثم قال: ولتفرقت كتائبه عنكم، ويئست عما تحاوله منكم، فالملاح خوادع العقول، والكلف بهن من أسباب الذهول. مَا كُنْتِ فَاعِلَةً وَضَيفُكُمُ ... مَلِكُ المُلُوكِ وَشَأنُكِ البَخَلُ أَتَمنَعِينَ قِرىً فَتَفتَضِحِي ... أَمْ تَبذُلِينَ لَهُ الَّذي يَسَلُ؟ بَلْ لا يَحُلُّ حَلَّ بِهِ ... بُخلٌ ولا جَورٌ ولا وَجَلُ ضيف القوم: الذي يأوي إليهم، والبخل: لغة في البخل، والقرى: ما يتكلف للضيف، والوجل: الخوف. فيقول مخاطبا لمحبوبته: ما كنت فاعلة وضيفك ملك الملوك، وسيد السادة، وسبيل من حل به أن يظهر إجلاله وأعظامه، وأن يلتزم مبرته وإكرامه، وشأنك الإعراض والبخل، وخلقك التثاقل والكسل. ثم قال: أكنت تمنعين من قراه، فتفضحي في فعلك، أم تسمحين بذلك فتخرجي عن المعهود من أمرك؟. ثم قال: بل لا يحل بحيث حل من منازله، ولا يصير فيما يستقل به من مواضعه،

стр. 319

بخل يفارق في البذل، ولا جور يخالف مذهبه في العدل، ولا وجل يعترض فيما بسط الله به من الدعة والأمن. إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ قَبلَهُ عَجَزُوا ... عَمَّا يَسُوسُ بِهِ فَقَدْ غَفَلُوا حَتَّى أَتَى الدُّنيا ابن بَجْدَتِها ... فَشَكَا إلَيهِ السَّهلُ والجَبَلُ شَكوى العَلِيلِ إلى الكَفِيلِ لَهُ ... ألاَّ تَمُرَّ بِجِسمِهِ العِلَلُ أبن بجدة الشيء: الذي يعلم باطنه، والكفيل: الضامن. فيقول: أن الممدوح فناخسرو ساس الملك أحسن سياسة، وعمرت الأرض به أفضل عمارة، وأربى بإحاطته على الملوك المتقدمين، وزاد على سير الحكماء الأولين، فأن لم يكن من قبله من الملوك عجز عما أبداه في السياسة وأظهره، فقد قصر في أهمل ذلك وأغفله. ثم قال: حتى تملك الدنيا منه ابن بجدتها، الخبير ببواطنها، ودبر أمورها، الرئيس الجليل البصير بمصالحها، فشكا إليه السهل والجبل ما لحقهما من الخلل، واستنهضاه إلى إزاحة ما نالهما من العلل. ثم قال: شكوى العليل المنهوك بالعلة إلى الكفيل بالبرء والصحة، فداوى ما شكاه بثابت من علمه، ونهض فيما أملاه بمشكور من عزمه، وأمن القريب والبعيد من مكروه الضرر، وتلاف جميع ذلك بأجمل النظر. قَالَتْ فلا كَذَبَتْ شَجَاعَتُهُ ... أَقدِمْ فَنَفسُكَ مَا لَهَا أَجَلُ فَهوَ النِّهايَةُ إن جَرَى مَثَلٌ ... أَوْ قِيلَ يَومَ وَغىً مَنِ البَطَلُ؟ الوغى: الأصوات في الحرب، والبطل: المتقدم في الشجاعة. فيقول: قالت شجاعته؛ فيما مثلته لنفسه، وانعقدت عليه حقيقة أمره، فلا أكذبها الله فيما ضمنته له من الفوزة، وصدقها فيما حسنته عنده من الجرأة: أقدم في حروبك، والسلامة مضمونة لك، وأشجع، فالغلبة مقرونة بك، فأجلك مؤخر لا

стр. 320

تحذره، والمكروه مصروف عنك فلا تتوقعه. ثم قال: فإذا ضرب المثل بأعلام الفرسان، وهتف في الحروب بأبطال الشجعان، فهو الشجاع الذي لا يعدل أحد به، والبطل الذي تخضع رقاب الأبطال له. عُدَدُ الوُفُودِ العَامِدِينَ لَهُ ... دُونَ السِّلاحِ الشُّكْلُ والعُقُلُ فَلِشُكْلِهِمْ في خَيلِهِ عَمَلٌ ... وَلِعَقلِهِمْ في بُختِهِ شُغُلُ تُمسِي على أَيدِي مَوَاهِبِهِ هِيَ ... أَوْ بِقِيَّتُها أو البَدَلُ العقل: جمع عقال، وهو رباط البعير، والشكل: معروفة، والشكل واحدها شكال، والبخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي، والبدل: العوض. فيقول: أن الوفود القاصدين إليه قد غنوا عن تحمل السلاح في بلاده، لما شمل أهلها من الدعة، وما عمها من السكون والأمنة، وأنهم لا يتحملون إلا بالشكل والعقل، متيقنين لما يختارون في هباته من الخيل وما يصير إليهم بها من البخت. ثم قال مشيرا إلى صدق ظنون الوفود القادمين عليه فيما يشملهم به من الفضل، ويتابعه عندهم من الإحسان والبذل: فللشكل الذي يجلبونها عمل في خيله، وللعقل التي يتحملون بها نحوه تصرف في بخته. ثم قال: تمسي تلك الخيل والبخت مقبوضة من قاصديه، محوزة في تملك مؤمليه، نافذة على أيد مواهبه، متصيرة عندهم في جمل فواضله، وأن سبق إلى بعضها المتقدمون من عفاته، والأولون من وفوده، كان لمن تلاهم من قصاده ما بقي من حملها، أو ما حل مما يعتاضه محل بدلها. يَشتَاقٌ مِنْ يَدِهِ إلى سَبَلٍ ... شَوقَاً إلَيهِ يَنبُتُ الأسَلُ سَبَلٌ تَطُولُ المَكرُمَاتُ بِهِ ... والمَجْدُ لا الحَوذَانُ والنَّفَلُ وَإلى حَصَى أَرضٍ أَقَامَ بِهَا ... بِالنَّاسِ مِنْ تَقبِيلِهِ يَلَلُ إنْ لم تُخَالِطْهُ ضَواحِكُهُمْ ... فَلِمَنْ تُصَانُ وَتُذخَرُ القُبَلُ
следующие страницы →