← Адаб

Адаб · id 37327

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني

ابن الإفليلي

Полный текст (370 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال يمدحه، ويذكر وقعة كانت مع وهسوذان بن محمد بالطرم؛ (حصن من حصون أذربيجان). إثلِثْ فَأنَّا أَيُّها الطَّلَلُ ... نُبكِي وَتُرزِمُ تَحتَنَا الإبِلُ أو لا، فلا عَتبٌ عَلَى طَلَلٍ ... إنَّ الطُّلُولَ لِمِثلِها فُعلُ ثلث الواحد الاثنين: إذا صار ثالثا لهما، والطلل: ما أشرف من بقايا الديار، وإرزام الإبل: أصواتها بالرغاء عند الكلال، والعتب: الموجودة. فيقول مستدعيا لإسعاد الطلل على ما هو بسبيله من الحزن، وما يذريه في رسومه الدارسة من الدمع: كن لنا ثالثا أيها الطلل في البكاء على ما غيرته الأيام من بهجتك، وأذهبته من غضارتك وجدتك، ووصلته من نأي أحبتنا العامرين لك، الجامعين لشمل السرور بك، فإننا نبكي فيك وإبلنا ترزم وتندب ساكنيك، ودموعنا تسجم. ثم قال: أو لا، فلا عتب عليك في الخرس عن الجواب، والتأخر عن الإطلاب، فالطلول بمثل ذلك فاعلة، وهي في الاحتمال عليه متشاكلة. لو كُنتَ تَنطِقُ قُلتَ مُعتَذِرَاً ... بِي غَيرُ ما بِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَبكَاكَ أنَّكَ بَعضُ مِنْ شَغَفُوا ... لَم أَبكِ أَنِّي بَعضُ مَنْ قَتَلوا إنَّ الَّذينَ أَقَمتَ واحتملوا ... أَيَّامُهُمْ لِدِيارِهِمْ دُوَلُ الشغف: إحراق الحب القلب، والدولة: مدة الإقبال. فيقول، وهو يخاطب الطلل: لو كنت تنطق أيها الطلل، لقلت صادقا غير مكذب، ومعذورا غير مؤنب؛ إن الذي أشكوه وأظهره يقل عند ما تخفيه وتضمره، وأن دلائل ما تطويه من الأسف بادية، وشواهده وأن صمت مناديه، ولقلت: أني أبكي بكاء من شغفه الراحلون عنك بحبهم، وأوحشوه بما منعوه من قربهم، وأنك تبكي بكاء من قتلوه فلا حراك به، وأياسوه فلا رجاء في البقاء له. ثم قال، يخاطب الطلل: أن الذين أقمت ورحلوا عنك، وبعدوا بجماعتهم منك،

стр. 317

أيامهم للديار التي يحتلونها، والمنازل التي يتخيرونها، دول سرور مستقبلة، وأيام جذل مستأنفة، والذي صرف عنك من ذلك يوحشك، وما منعت منه لا محالة يؤلمك. الحُسْنُ يَرحَلُ كُلَّما رَحَلوا ... مَعَهُمْ وَيَنزِلُ حَيثُمَا نَزَلُوا في مُقلَتَي رَشَأٍ تُدِيرُهُما ... بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بِهَا الحِلَلُ تَشْكو المَطَاعِمُ طُولَ هِجرَتِها ... وَصُدُودِهَا وَمنِ الَّذي تَصِلُ؟ الحلة: البيوت المجتمعة للقوم النزول، والرشأ: الصغير من الظباء. فيقول: الحسن يرحل مع الذين هاجه الحزن لرحيلهم، وينزل من المواضع بالمكان الذي ينزلونه، ولا يفارقهم انقيادا لهم، ولا يتأخر عنهم كلفا بهم. ثم قال: وجماع ذلك الحسن الذي أرفع بوصفه، وأطنب فيما اجتلب من ذكره، في مقلتي رشأ تديرهما بدوية ساحرة الطرف، ناعمة ظاهرة الظرف، يفتن بها ما تأوي إليه من الحلل، ويقتضي بقربها غاية الأمل. ثم قال: تشكو المطاعم الرفيعة طول هجرتها لها، ويوحشها قلة إلمامها بها، وكيف لها بتقلبها مع ما هي فيه من الترفه، ومن الذي تصله مع موضعها من الجلالة والرفعة؟!. ما أَسَارَتْ في القَعبِ مِن لَبَنٍ ... تَرَكَتهُ وهو المِسكُ والعَسَلُ قَالَتْ: أَلا تَصْحو؟ فقلت لَهَا: ... أَعلمتِنِي أَنَّ الهَوى ثَمَلُ السؤر: ما يبقيه الشارب لغيره، والقعب: القدح الضخم، والثمل: السكر. فيقول مخبرا عن التي وصفها بالحسن، وأخبر عنها بالدلال والدل: أن الذي أسأرته من اللبن بعد شربها، وغادرته في القعب بعد ملامستها بكفها، تركته وهو المسك في أرجه وفورجه، والعسل في حلاوته وطيبه. ثم خاطبته فقالت: ألا تصحو عن الحب، وعما أنت بسبيله من اشتغال القلب؟!

стр. 318

فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى سكر يغلب على العقل، والممتحن به لا يصغي إلى الملامة والعذل. لَو أَنَّ فَنَّاخُسرُو صَبَّحَكُمْ ... وَبَرَزْتِ وَحدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ وَتَفَرَّقَتْ عَنكُمْ كَتَائِبُهُ ... إنَّ المِلاَحَ خَوادِعٌ قُتُلُ الغزل: الكلف بأمور النساء، وشدة الحرص عليهن، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والوحدة كتيبة، والقتل: اللواتي يقتلن بحبهن، والواحدة: قتول. فيقول لمحبوبته التي قدم وصفها: لو أن فناخسرو صبح بلادك بجموعه، وأعتمد ناحيتك بجيوشه، وبرزت وحدك، فأبديت له حسنك، ونظر إليك وقد سفرت عن وجهك، لعاقه غزل الحب عما استظهر به من الجموع للحرب. ثم قال: ولتفرقت كتائبه عنكم، ويئست عما تحاوله منكم، فالملاح خوادع العقول، والكلف بهن من أسباب الذهول. مَا كُنْتِ فَاعِلَةً وَضَيفُكُمُ ... مَلِكُ المُلُوكِ وَشَأنُكِ البَخَلُ أَتَمنَعِينَ قِرىً فَتَفتَضِحِي ... أَمْ تَبذُلِينَ لَهُ الَّذي يَسَلُ؟ بَلْ لا يَحُلُّ حَلَّ بِهِ ... بُخلٌ ولا جَورٌ ولا وَجَلُ ضيف القوم: الذي يأوي إليهم، والبخل: لغة في البخل، والقرى: ما يتكلف للضيف، والوجل: الخوف. فيقول مخاطبا لمحبوبته: ما كنت فاعلة وضيفك ملك الملوك، وسيد السادة، وسبيل من حل به أن يظهر إجلاله وأعظامه، وأن يلتزم مبرته وإكرامه، وشأنك الإعراض والبخل، وخلقك التثاقل والكسل. ثم قال: أكنت تمنعين من قراه، فتفضحي في فعلك، أم تسمحين بذلك فتخرجي عن المعهود من أمرك؟. ثم قال: بل لا يحل بحيث حل من منازله، ولا يصير فيما يستقل به من مواضعه،

стр. 319

بخل يفارق في البذل، ولا جور يخالف مذهبه في العدل، ولا وجل يعترض فيما بسط الله به من الدعة والأمن. إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ قَبلَهُ عَجَزُوا ... عَمَّا يَسُوسُ بِهِ فَقَدْ غَفَلُوا حَتَّى أَتَى الدُّنيا ابن بَجْدَتِها ... فَشَكَا إلَيهِ السَّهلُ والجَبَلُ شَكوى العَلِيلِ إلى الكَفِيلِ لَهُ ... ألاَّ تَمُرَّ بِجِسمِهِ العِلَلُ أبن بجدة الشيء: الذي يعلم باطنه، والكفيل: الضامن. فيقول: أن الممدوح فناخسرو ساس الملك أحسن سياسة، وعمرت الأرض به أفضل عمارة، وأربى بإحاطته على الملوك المتقدمين، وزاد على سير الحكماء الأولين، فأن لم يكن من قبله من الملوك عجز عما أبداه في السياسة وأظهره، فقد قصر في أهمل ذلك وأغفله. ثم قال: حتى تملك الدنيا منه ابن بجدتها، الخبير ببواطنها، ودبر أمورها، الرئيس الجليل البصير بمصالحها، فشكا إليه السهل والجبل ما لحقهما من الخلل، واستنهضاه إلى إزاحة ما نالهما من العلل. ثم قال: شكوى العليل المنهوك بالعلة إلى الكفيل بالبرء والصحة، فداوى ما شكاه بثابت من علمه، ونهض فيما أملاه بمشكور من عزمه، وأمن القريب والبعيد من مكروه الضرر، وتلاف جميع ذلك بأجمل النظر. قَالَتْ فلا كَذَبَتْ شَجَاعَتُهُ ... أَقدِمْ فَنَفسُكَ مَا لَهَا أَجَلُ فَهوَ النِّهايَةُ إن جَرَى مَثَلٌ ... أَوْ قِيلَ يَومَ وَغىً مَنِ البَطَلُ؟ الوغى: الأصوات في الحرب، والبطل: المتقدم في الشجاعة. فيقول: قالت شجاعته؛ فيما مثلته لنفسه، وانعقدت عليه حقيقة أمره، فلا أكذبها الله فيما ضمنته له من الفوزة، وصدقها فيما حسنته عنده من الجرأة: أقدم في حروبك، والسلامة مضمونة لك، وأشجع، فالغلبة مقرونة بك، فأجلك مؤخر لا

стр. 320

تحذره، والمكروه مصروف عنك فلا تتوقعه. ثم قال: فإذا ضرب المثل بأعلام الفرسان، وهتف في الحروب بأبطال الشجعان، فهو الشجاع الذي لا يعدل أحد به، والبطل الذي تخضع رقاب الأبطال له. عُدَدُ الوُفُودِ العَامِدِينَ لَهُ ... دُونَ السِّلاحِ الشُّكْلُ والعُقُلُ فَلِشُكْلِهِمْ في خَيلِهِ عَمَلٌ ... وَلِعَقلِهِمْ في بُختِهِ شُغُلُ تُمسِي على أَيدِي مَوَاهِبِهِ هِيَ ... أَوْ بِقِيَّتُها أو البَدَلُ العقل: جمع عقال، وهو رباط البعير، والشكل: معروفة، والشكل واحدها شكال، والبخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي، والبدل: العوض. فيقول: أن الوفود القاصدين إليه قد غنوا عن تحمل السلاح في بلاده، لما شمل أهلها من الدعة، وما عمها من السكون والأمنة، وأنهم لا يتحملون إلا بالشكل والعقل، متيقنين لما يختارون في هباته من الخيل وما يصير إليهم بها من البخت. ثم قال مشيرا إلى صدق ظنون الوفود القادمين عليه فيما يشملهم به من الفضل، ويتابعه عندهم من الإحسان والبذل: فللشكل الذي يجلبونها عمل في خيله، وللعقل التي يتحملون بها نحوه تصرف في بخته. ثم قال: تمسي تلك الخيل والبخت مقبوضة من قاصديه، محوزة في تملك مؤمليه، نافذة على أيد مواهبه، متصيرة عندهم في جمل فواضله، وأن سبق إلى بعضها المتقدمون من عفاته، والأولون من وفوده، كان لمن تلاهم من قصاده ما بقي من حملها، أو ما حل مما يعتاضه محل بدلها. يَشتَاقٌ مِنْ يَدِهِ إلى سَبَلٍ ... شَوقَاً إلَيهِ يَنبُتُ الأسَلُ سَبَلٌ تَطُولُ المَكرُمَاتُ بِهِ ... والمَجْدُ لا الحَوذَانُ والنَّفَلُ وَإلى حَصَى أَرضٍ أَقَامَ بِهَا ... بِالنَّاسِ مِنْ تَقبِيلِهِ يَلَلُ إنْ لم تُخَالِطْهُ ضَواحِكُهُمْ ... فَلِمَنْ تُصَانُ وَتُذخَرُ القُبَلُ

стр. 321

السبل: المطر المنسكب، والأسل: قني الرماح، وكل نبات يتشعب دون ورق فهو أسل، والواحدة أسلة، والحوذان والنفل: ضربان من النبات، والضواحك من أضراس الأسنان: ما ولي الأنياب وأتصل بالطواحن، والليل: قصر في الأسنان، وإذا وصف بذلك الرجل قيل رجل أيل. فيقول: يشتاق إلى سبل يده التي تنسكب بالنعم، وتفيض بالآلاء والمنن، وينبت الأسل رغبة فيما يتصل بذلك السبل من الحكم، وما يتصرف به في الحرب والسلم. ثم قال: سبل يطول به الكرم والمجد، ويكثر عليه الشكر والحمد، وليس ينبت به الحوذان والنفل، ولا ترتعيه الشاء والإبل. ثم قال: ويكثر الشوق إلى حصى الأرض التي أقام الممدوح فيها، وآثرها وأستوطنها وتخيرها، فبالناس من تقبيل حصاها يلل يبدو ويظهر، ونقصان يتبين في ضواحكهم ولا يستتر. ثم قال: وإذا لم تباشر الأفواه وضواحكها الحصى إعظاما للممدوح، وإجلالا لقدره، وقضاء بالخضوع لحقه، فلمن يذخر ذلك بعده، وعند من يرتقب الجزاء فيه من الناس إلا عنده؟!. في وَجهِهِ مِنْ نُورٍ خَالِقِهِ قُدَرٌ ... هِيَ الآياتُ والرُّسُلُ فإذا الخَمِيسُ أَبَى السُّجودَ لَهُ ... سَجَدَتْ لَهُ فِيهِ القَنَا الذُّبُلُ وإذا القُلُوبُ أَبَتْ حُكومَتَهُ ... رَضِيَتْ بِحُكمِ سُيُوفِهِ القُلَلُ القدر: جمع قدرة، والخميس: الجيش الكثير، والقنا: الرماح، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة. فيقول: أن الله أبقى على وجه الممدوح فناخسرو، من الإشراق والبهجة، والإجلال والمحبة، ما فيه دليل بين على القدرة، وتصديق لما أخبرت به الرسل

стр. 322

عن الله ﵎ من بالغ الحكمة. ثم قال: فإذا الخميس توقف أهله عن أن يسجدوا له سجود الإذعان، ويعترفوا بطاعته اعتراف الإقرار، حكمت له القنا الذبل بما يرغبه، وانقادت لأوامره فيما يقصده، فكان ذلك منها كالسجود الذي يؤذن من يستعمله بالإنقياد، ويخبر عنه بالعدول عن مكروه العناد. ثم قال: وإذا القلوب أبت من الإذعان لحكمه، وانطوت على (العصيان) لما يبغيه من أمره، حكمت السيوف بذلك (الضرب) على قللهم، وقومت ما يظهرون بالعصيان من ميلهم. أَرَضِيتَ وَهسُوذَانُ ما حَكَمَتْ ... أَم تَستَزِيدُ؟ لأُمِّكَ الهَبَلُ!! وَرَدَتْ بلادَكَ غَيرَ مُغمَدَةٍ ... وَكَأَنَّهَا بَينَ القَنَا شُعَلُ والقَومُ في أَعيَانِهِمْ خَزَرٌ ... وَالخَيلُ في أَعيَانِها قَبَلُ الهبل: الثكل، تقول العرب: لأم فلان الهبل، أي الثكل، والخزر: أن تميل حدقة العين إلى اللحاظ، وهو آخر العين، والقبل: أن تميل إلى الموق، وهو مقدم العين المتصل بالأنف. فيقول مخاطبا لوهسوذان، بعد أن هزمه جيش ركن الدولة، وهو حسن بن بويه والد فناخسرو: أرضيت ما صنعته بك سيوف فناخسرو، لأن عسكر أبيه عسكره، أم تستزيد لأصحابك من القتل، ولنفسك من الخزي والذل؟ الهبل لأمك، والهوان والصغار لمثلك!. ثم قال مشيرا إلى السيوف المذكورة: وردت بلادك مصلته غير مغمدة، ومعملة غير ممسكة، فكأنها بين الرماح شعل نار مضطرمة، وسرج تضيء متقدة. ثم قال: وردت تلك السيوف بلادك، والرجال الممسكون لها غضاب، في عيونهم خزر، والتخازر من نظر المغضب من الرجال، والخيل في عيونها قبل، والقبل

стр. 323

تشاوس، وهو من نظر المغضب من الخيل. فَأَتَوْكَ لَيسَ لِمَنْ أَتَوا قِبَلٌ ... بِهِمُ وَلَيسَ بِمَنْ نَأَوْا خَلَلُ لَمْ يَدْرِ مَنْ بالرَّيِّ أَنَّهُمُ ... فَضَلُوا ولا يَدرِي إذا قَفَلوا وَأَتَيتَ مُعتَرِفَاً ولا أَسَدٌ ... وَمَضَيتَ مُنهَزِماً ولا وَعَلُ القبل: الطاقة، والخلل: الوهن في الأمر، والري: مدينة معروفة فيما بين أرض فارس وأرض خراسان، وهي كانت قاعدة ركن الدولة، والفصول: الخروج عن قاعدة الاستقرار إلى العدو، والقفول: الرجوع عن الغزو، والوعل: التيس البري. وحذف العائد على (من)، في قوله: (ليس لمن أتوا)، وهو يريد: أتوه، والعائد على (من) الثانية في قوله: (وليس بمن نأوا) يريد: نأوا عنه، وأسند إلى دلالة ما ذكره على ما حذف. فيقول مشيرا إلى رجال عسكر ركن الدولة: فأتوك ليس لمن أتوه قبل بهم، وهو يريد وهسوذان وجيشه، وليس بمن نأوا عنه خلل يمنعهم، وهو يعني ركن الدولة وجمعه، وأشار إلى ركن الدولة من كثرة العدد، وسعة العمل، بحيث لا يحفل بمثل الجيش الذي فصل إلى وهسوذان عنه، ولا يلتفت إلى اقترابه منه. ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى ركن الدولة: لم يدر من بالري، أن الجيش الذي هزم وهسوذان فصل عنه؛ لقلتهم في جمعه، ولا درى أنهم قفلوا إليه؛ لتواضع مقدارهم في نفسه. ثم قال، وهو يخاطب وهسوذان: وأتيت معتزما، ولا أسد في الإقدام يشبهك، ومضيت منهزما، ولا وعل في الفرار يلحقك. تُعطِي سِلاحَهُمُ وَرَاحَهُمُ ... مَا لَمْ تَكُنْ لِتَنَالَهُ المُقَلُ أَسخَى المُلوكِ بِنَقلِ مَملَكَةٍ ... مَنْ كَادَ عَنهُ الرَّأسُ يَنتَقِلُ الراح: الأيدي، وهو جمع راحة.

стр. 324

فيقول مخاطبا لوهسوذان، وواصفا لهربه عن جيش ركن الدولة: تعطي سلاحهم وأيديهم من التحكم في جيشك، وبلوغ المراد من تريق جمعك، ما لم تكن العيون تطمح إلى رؤية مثله، ولا النفوس تطمع بإدراك نيله. ثم قال: أسخى النفوس بنقل الممالك، وأشجعها على اقتحام المتالف، من جهل في ذلك ما يتقلده، ولم يعرف الحقيقة فيما يقصده، فأشرف على مثل ما أشرف عليه وهسوذان، من توقعه بمفارقة رأسه لجسده، واعتصامه بالفرار عن مملكته وبلده. لَوْلاَ الجَهَالَةُ ما دَلَفْتَ إلى ... قَومٍ غَرِقْتَ وإنَّما تَفَلُوا لا أَقبَلُوا سِرَاً ولا ظِفَروا غَدراً ... ولا نَصَرَتهُمُ الغِيَلُ الدلوف: الزحف، والتفل: البصق، والغيل: جمع غيلة، وهو القتل على الغفلة. فيقول: لوهسوذان: لولا جهلك بأمرك، وغلطك على نفسك، لما أقدمت على مزاحفة يوم بصقوا عليك فغرقوك، وأشاروا نحوك فأهلكوك. يشير إلى ركن الدولة وفناخسرو ورهطهما. ثم قال يريدهم: لا يقصدون إلى الأعداء سرا ومخاتلة، ولا يظفرون بهم غدرا ومخادعة، ولا تعصر عليهم الغيل، ولا تستنقذ الأعداء منهم الحيل. لاَ تَلْقَ أَفرَسَ مِنْكَ تَعرِفُهُ ... إلاَّ إذا ما ضَاقَتِ الحِيَلُ لا يَستَحِي أَحَدٌ يُقالُ لَهُ ... فَضَلُوكَ آلُ بُوْيْهٍ أَوْ نَضَلُوا قَدَروا عَفَوا، وَعَدوا وَفَوا، سُئِلُوا ... أَغنَوا، عَلَوا أعلَوا، وَلُوا عَدَلُوا التناضل: المسابقة في الرمي، ويقال: نضل الرجل، إذا ظهر عليه لكثرة الإصابة. فيقول مشيرا إلى وهسوذان: لا تلق أفرس منك على ظهور الخيل، وأنفذ منك في شدائد الحرب، إلا إذا ضاقت الحيل بك، وانقطعت طرق النجاة دونك، يعرض بوهسوذان في أنه تعرض لحرب ركن الدولة وأبنه فناخسرو، وهو عاجز عنهما، وترك الخضوع لهما، وهو غير بعيد من جميل عائدتهما، ولو إعترف لهما لقبلاه،

стр. 325

ولو استقام على طاعتهما لما قاتلاه. ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما يستحي أحد من أن يقال له فضلك آل بويه ونضلوك، واستولوا عليك وغلبوك، فيعترف بالتقصير عنهم، ويجعل الإذعان وسيلته في أن يأخذ بخطه منهم. ثم قال، يريد بني بويه: قدروا لعظم المملكة، فعفوا، وحمدت قدرتهم، ووعدوا من انقاد لهم بسعة الإفضال، فوفوا وأنجزوا عدتهم، وسئلوا التشريف بسلطانهم، والمشاركة في أموالهم، فأغنوا وشرفوا سائلهم، وعلت أحوالهم في الملك وجلالة الأمر، فأعلوا أقدار المتصلين بهم، ورفعوا منازل المؤملين لهم، واتصلت لهم ولاية أمور الناس، فشملوهم بالإحسان والمعدلة، ودبروا أمورهم، فعمهم ذلك التدبير بالمصلحة، فمن خالفهم فهو ظالم لهم، ومن ناصبهم فهو شديد الاغترار بهم. وهذا التأويل وأن لم تكن جملته في لفظ الشعر، فهو مفهوم منه، وغير خارج عند التأمل عنه. فَوقَ السَّمَاءِ وَفَوقَ ما طَلَبُوا ... فَإذا أَرَادُوا غَايَةً نَزَلُوا قَطَعَتْ مَكَارِمُهُمْ صَوَارِمَهُمْ ... فَإذا تَعَذَّرَ كاذِبٌ قَبِلُوا لا يَشهَرُونَ عَلَى مُخَالِفِهِمْ ... سَيفَاً يَقُومُ مَقَامَهُ العَذَلُ فيقول، وهو يريد بني بويه على توسع الكلام: فوق السماء منازلهم في العلو والرفعة، وأحوالهم فوق ما طلبوه لأنفسهم من جلالة الرتبة، فإذا أرادوا غاية بعدما بلغوه، لم يجدوا ذلك إلا بالتواضع عما أدركوه والتطأطؤ دون ما أحرزوه وشيدوه. ثم قال: حكمت مكارمهم على سيوفهم؛ لشمول عفوهم، وعموم فضلهم، فإذا اعتذر إليهم كاذب قبلوا عذره، وإذا استجاز بتجاوزهم مخالف سهلوا بسعة حلومهم أمره. ثم قال: لا يشهرون على من عارضهم سيفا في حرب، ولا يقصدون له بمساء وضر، مادام العذل يؤثر فيه، وحسن التبصير يحكم عليه، ولا يبعد عنه عفوهم إذا

стр. 326

استدعى فضلهم وعطفهم. فَأبُو عَلِيَّ مَنْ بِهِ قَهروا ... وَأَبُو شُجَاعٍ مَنْ بِهِ كَمُلُوا حَلَفَتْ لِذا بَرَكاتُ غُرَّةِ ذَا ... في المَهْدِ: ألاَّ فَاتَهُمْ أَمَلُ أبو علي: حسن بن بويه، ركن الدولة، والد فناخسرو، وأبو شجاع: فناخسرو عضد الدولة أبنه. فيقول، وهو يريد بني بويه: فأبو علي الذي قهروا أعداءهم بقوته، وأذلوا من خالفهم برفعته، واستظهروا على مطالبهم بجلالة منزلته، وأبو شجاع أبنه الذي كملت به مملكتهم، واستبانت على من خالفهم قوتهم، وانقاد لهم ما رغبوه، وأدركوا ما أملوه. ثم قال، وهو يشير إلى أبي علي ركن الدولة: (حلفت لذا بركات غرة ذا)، وهو يشير إلى فناخسرو، وهو مستقر في مهده، وفي النهاية من صغر سنه، بما ظهر عليه من شواهد البركة والنجابة، ومخايل الإقبال والسعادة: لا يفوت الوالد منهما وولده، ومن كان منهما بقرابة، وجمعه وإياهما اتصال ولادة، أمل يحاولون البلوغ إليه، وألا يمتنع دونهم مراد يعولون بقصدهم عليه.

стр. 327

وقال أيضا يمدحه ويذكر وهسوذان: أَزَائِرٌ يا خَيَالُ أَمْ عَائِد؟ ... أم عِندَ مَولاكَ أَنَّنِي رَاقِدْ؟ لَيسَ كما ظَنَّ غَشْيَةٌ عَرَضَتْ ... فَجِئتَنِي في خِلاِلهَا قَاصِدْ الخيال: ما يطرق في النوم، فيمثل الشيء على المعهود منه، والعائد: المتفقد لأحوال العليل، والمولى: الولي على جميع وجوه الولاية، وخلال الشيء: أثناؤه وما اشتمل عليه. فيقول: أزائر أنت أيها الخيال الطارق على الانتزاح والبعد، أم عائد لما يتيقن أني أقاسيه من الصبابة والوجد، أم عند مولاك الذي تدينه وتمثله، وتقربه وتظهره، أني رقدت فتعاهدني بزوره، وأكد ما بنفسي من ذكره؟. ثم قال مخاطبا للخيال، ومشيرا إلى محبوبه الذي مثله له: ليس الأمر كما قدره مهديك؛ من أن تهويمي تهويم رقاد ودعة، وسكون وراحة، وإنما ذلك لغشية من الألم مذهلة، وغمرة من غمرات السقم مؤلمة، أتيتني في خلالها متفضلا بالقصد، ومبشرا عمن أحبه بإقامته على العهد. عُدْ وَأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌ ... أَلصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهِ النَّاهِدْ وَجُدْتَ فِيه بِمَا يَشُحُّ بِهِ ... مِنَ الشَّتِيتِ المُؤشَّرِ البارِدْ الثدي الناهد: الذي قد كعب، والشتيت: الثغر الذي ينفصل فيه ما بين الثنيتين والرباعيتين، والأشر: تحزيز يكون في أطراف الأضراس أول ما تنبت، ويصحب ذلك في مدة الشباب. فيقول، وهو يخاطب الخيال: عد أيها الطيف وأعد تلك الغشية، وصل وأن جددت علي تلك الشدة، فحبذا تلف مثل لي عناق ذلك الثدي الناهد، وأدناني من ذلك الجسد الناعم. ثم قال، على نحو ما قدمه: وحبذا تلف تجود لي فيه بما يشح به من أنت خياله الزائر، ومثاله المقترب الواصل، من تقبيل الثغر الشتيت المؤشر، البديع المنظر

стр. 328

والمخبر. إذا خَيَالاتُهُ أَطَفْنَ بِنَا ... أضْحَكَهُ أَنَّنِي لَهَا حَامِدْ وَقَال إنْ كَانَ قَدْ قَضَى أَرَباً ... مِنَّا فَمَا بَالُ شَوقِهِ زَائِدْ؟ لا أجحَدُ الفَضلَ رُبَّما فَعَلتْ ... ما لَم يَكُنْ فاعِلاً ولا واعِدْ يقول: إذا طافت خيالات من نحبه زائرة، وأنستنا بأنفسها متدانية، فأحمدنا ما ننعم به من قربها، وما نسر به من تداني محلها، أضحكه ذلك وأعجبه، وألهاه كلفنا به وأستغربه. ثم قال مخبرا عن محبوبه: وقال أن كان قضى أربا منا بالخيال الذي وصله، والطيف الذي تمثل له، فما له يجرع ولا يصبر، وكمده يزيد ولا يفتر؟!. ثم قال: لا أدفع فضل خيالاته الطارقة، ولا أنكر الأنس بها، وأن لم تكن بالصادقة، فربما فعلت ما لا يسمح بفعله، وقربت ما لا يسعد على العدة بمثله. ما تَعرِفُ العَينُ فَرْقَ بَينَهُمَا كُلٌّ ... خَيَالٌ وِصَالُهُ نافِدْ يا طَفْلَةَ الكَفِّ عَبلَةَ السَّاعِدْ ... عَلى البَعِيرْ المُقَلَّدِ الواخِدْ زِيْدي أَذّى مُهجَتِي أَزِدكِ هَوىً ... فَأجهَلُ النَّاسِ عَاشِقٌ حَاقِدْ الطفلة الكف: الناعمة أصابع اليد، والعبلة: الغضة البضة، والساعد: ما بين المرفق والكف من الذراع، والوخد: ضرب سريع من مشي الإبل، والحاقد: الذي ينطوي على الضغينة. فيقول: ما تعرف العين فوق ما بين الخيال ومرسله، والطيف الطارق وممثله، فكلاهما وصاله اختلاس يتوهم ولا يصدق، ويتذكر ولا يتحقق. ثم قال مخاطبا لمحبوبته الذي يعتاده طيفها: يا طفلة الكف، البارعة الحسن، العبلة الساعد، الباعثة لي على الحزن، التي يخد بها البعير المزين بالقلائد لكرامته، المقدم في الإبل لنجابته.

стр. 329

ثم أكد ما قدمه، فقال يخاطب المذكورة: زيدي مهجتي من الأذى والوجع ببعدك، فأنني متزيد من الكلف بحبك، فأجهل الناس من يحقد على من يعشقه، وينكر ما يناله في ذلك من الألم، ويطرقه من السقم. حَكَيْتَ يا لَيلُ فَرْعَها الوارِدْ ... فاحْكِ نَوَاهَا لِجَفنِيَ السَّاهِدْ طَالَ بُكَائِي على تَذَكُّرِهَا ... وَطُلْتَ حَتَّى كِلاكُما وَاحِدْ الفرع: الشعر، وفرع كل شيء: أعلاه، والوارد: السابغ الكثير، والساهد: الذي لا يرقد. فيقول مخاطبا لليل: حكيت أيها الليل فرع التي أشبب بها في سواده وحلكته، وسيوغه وكثرته، فاحك نواها بانصرام مدتك وقلة إقامتك، لجفني الذي سهدته، وطرفي الذي أتبعته وأرقته. ثم قال: طال بكائي على تذكر التي أحببتها، وطلت أيها الليل بسهري من أجلها، فكلاكما واحد فيما يبعث لي من الأسف، وما يضاعف علي من ألم الشغف. ما بَالُ هذِي النُّجومِ حَائِرَةً ... كَأَنَّها العُميُ ما لَهَا قائِد؟! أو عُصْبَةٌ مِنْ مُلُوكِ ناحِيَةٍ ... أَبو شُجَاعٍ عَلَيهِمُ واجِدْ إنْ هَرَبُوا أُدرِكُوا، وإنْ وَقَفُوا ... خَشُوا ذِهابَ الطَّريفِ والتَّالِدْ هذي: لغة في هذه، والعصبة: العشرة من القوم فما فوقهم إلى الأربعين، والحائر: المتردد في مكانه، والواجد هنا: المتغيظ. والطريف: المال الحديث، والتالد: المال القديم. فيقول، وهو يشير إلى نجوم ليلته: ما بال هذه النجوم حائرة لا تنتقل، وثابتة لا تتزول، كأنها عمي لا قائد لها، ولا مرشد يسلك الطريق بهم. ثم قال مؤكدا في تشبيه ما قدمه: أو كأن النجوم المذكورة عصبة من ملوك جهة من الجهات، قد أتهم أبو شجاع طاعتهم، وقابل بالتسخط جماعتهم فتيقنوا موجدته،

стр. 330

ولم يأمنوا عقوبته. ثم قال مشيرا إلى الملوك الذين قدم ذكرهم، فهم أن هربوا أدركهم بسلطانه وقوته، وأن وقفوا خشوا ذهاب طارفهم وتالدهم بعقوبته. فَهُمْ يُرجُّونَ عَفْوَ مُقتَدِرٍ ... مُبَارَكِ الوَجهِ جائِدٍ ماجِدْ أَبلَجَ لَوْ عَاذَتِ الحَمَامُ بِهِ ... ما خَشِيتْ رامِيَاً ولا صَائِدْ أَوْ رَعَتِ الوَحشُ وَهِيَ تَذكُرُهُ ... ما رَاعَهَا حابِلٌ ولا طَارِدْ الماجد: الشريف الكريم، والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وذلك من صفات السادة، والحمام: ذوات الأطواق من الطير، وما جرى مجراها كالقماري والقطا والفواخت ونحو ذلك، والوحش: ما لا يستأنس من دواب البر، الذي يصيد الوحش بالحبالة، والطارد: الذي يصيدها بالمطاردة، والعائذ: المستجير. فيقول، وهو يريد الملوك المشفقين من موجدة الممدوح: فهم يرجون عفو مقتدر لا يدافع إلا بالخضوع له، ولا يعارض إلا بإنزال الثقة به، ميمون مبارك العزة، كريم جواد الرحاة، ماجد مشهور الرفعة. ثم قال مؤكدا لما ذكره: أبلج لو عاذت الحمام بأمنه، واعتصمت بكنفه وظله، مع تولع الناس بصيدها، وتقوت جوارح الطير بها لضعفها، ما خشيت راميا يقصدها، ولا صائدا يخيفها ويعتمدها. ثم قال على نحو ما قدمه: أو رعت الوحش معتصمة بذكره، منتسبة إلى رعايته وملكه، لما راعها حابل يصرعها مخادعة، ولا طارد يحتازها مغالبة. تُهْدِي لَهُ كُلُّ سَاعَةٍ خَبَراً ... عَنْ جَحفَلٍ تَحتَ سَيفِهِ بائِدْ وَمُوضِعَاً في فِتَانِ ناجِيَةٍ ... يَحمِلُ في التَّاجِ هَامَةَ العَاقِدْ تهدي: تبعث، والجحفل: الجيش العظيم، والبائد: التالف، والموضع: والمجتهد في السير، والفتان: غشاء أحمر يتخذ للرحل، والناجية: الناقة السريعة، والعاقد:

стр. 331

المذكور الذي يعقد التاج على رأسه. فيقول، وهو يريد الممدوح: تهدي له كل ساعة من ساعات أيامه فتحا يغبطه، وخبرا عن أوليائه يبهجه؛ يتضمن هلاك جيش من أعدائه، وظفرا يجدد الله لأوليائه. ثم قال: وتهدي له ساعة رسولا يوضع ملتزما لفتان ناقة ناجية، مستعجلا من ناحية نائية، يتحمل رأس ملك قد عقد التاج على هامته، فأجتلب رأسه في التاج على راحلته. نِلْتَ وَمَا نِلتَ مِنْ مَضَرَّةٍ وَهْسُوذَانَ ... ما نَالَ رَأَيُهُ الفَاسِدْ يَبدأُ مِنْ كَيدِهِ بِغَايَتِهِ ... وَإنَّما الحَربُ غَايَةُ الكَائِدْ فيقول مخاطبا لفناخسرو: نلت ما قصدت من الظفر بوهسوذان، وما بلغت منه باستلابك لملكه، وإيقاعك به وبجمعه، أكثر مما بلغه من نفسه، بسوء التدبير، وضعف نظره في عواقب الأمور، وما أصاره إليه فساد رأيه، ومذموم اختياره. ثم بين ذلك فقال: يجعل غاية كيده أول أمره، وفاتحه ما قصده من العصيان أبعد جهده، فيبدر إلى الحرب وهو يضعف عن القيام بها، ويسارع إليها وهو عاجز عن الصبر لها. ماذَا عَلَى مَنْ أَتَى مُحارِبَكُمْ ... فَذَمَّ ما اختَارَ لَوْ أَتَى وافِدْ بِلا سِلاحٍ سِوَى رَجائِكُمْ ... فَفَازَ بالنَّصرِ وانثَنَى راشِدْ يُقارِعُ الدَّهرُ مَنْ يُقارعُكُمْ ... عَلَى مَكَانِ المَسُودِ والسَّائِدْ الوافد: الزائر، والمنثني: الراجع، والمسود: التابع، والسائد: المتبوع. فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومشيرا إلى وهسوذان: ماذا على من تعرض لحربكم، وأقدم على المخالفة لأمركم، فذم ما تخير لنفسه، وتعرف أخبث العواقب في رأيه، لو أتاكم وافدا يستمطر فضلكم، وراغبا متصرفا على قصدكم.

стр. 332

ثم أكد ما قدمه، فقال: دون سلاح يتحملها سوى قوة الرجاء لكم، ولا عدة يتكلفها غير إنزال الثقة بكم، فيرجع ظافرا بما يطلبه، وينثني راشدا منصورا فيما يرغبه. ثم قال: يقارع الدهر من يتعرض لحربكم، ويصرع كل من لا يتصل بحزبكم، ويأبى الله إلا أن يجعل السيد منكم، والمسود المغلوب من ينحرف عنكم. وَلَيْتَ يَومَيْ فَنَاءِ عَسكَرِهِ ... وَلَمْ تَكُنْ دَانِيَاً ولا شَاهِدْ وَلَمْ يَغِبْ غَائِبٌ خَلِيفَتُهُ ... جَيشُ أَبِيهِ وَجَدُّهُ الصَّاعِدْ وَكُلُّ خَطِيَّةٍ مُثقَّفَةٍ ... يَهُزُّها مارِدٌ عَلَى مَارِدْ سَوَافِكٌ ما يَدَعْنَ فَاصِلَةً بَينَ ... طَرِيِّ الدِّماءِ والجَاسِدْ الجد: البخت، والصاعد: المتزايد، والخطية: قناة الرمح، تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف، والمثقفة: المقومة، والمارد: الشديد الجرأة، والجاسد: الدم اليابس. فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومخبرا عن وهسوذان: وليت يومي فناء عسكره اللذين فلت فيهما جيوشك حده، وفر بنفسه وحده، وكنت بعيدا عنه، ولم تكن في تلك المزاحفة دانيا منه، بل عصفت به رياح تدبيرك على البعد، وأذلته لأوليائك طوالع السعد. ثم قال مبينا لما قدمه: ولم يغب عن مزاحفة عدوه من يخلفه في ذلك؛ جيش أبيه وجنده، وإقبال دولته وجده. ثم قال: ويخلفه كل رمح خطي مثقف بيد كل مارد في الحرب، متصرف يحمله من الخيل ما يماثله في النفاذ والشدة، ويشاكله في الإقدام والجرأة. ثم أكد ذلك فقال: سوافك للدماء، معتادة الإيقاع بالأعداء، تتبع طري الدماء بالجاسد، وسائلها بالراكد الجامد. يا عَضُدَاً رَبُّهُ بِهِ العَاضِدْ ... وَسَارِيَاً يَبعَثُ القَطَا الهَاجِدْ

стр. 333

وَمُمطِر المَوتِ والحَيَاةِ مَعَاً ... وَأَنتَ لا بَارِقٌ ولا رَاعِدْ إذا المَنَايا فَدَعوَتُها ... أُبدِلَ نُونَاً بِدالِهِ الحائِدْ العضد: كناية عن القوة، وكان لقب فناخسرو عضد الدولة، والعاضد: المعين، والساري: الذي يسير بالليل، والهاجد: الساكن النائم، والسحاب البارق الراعد: الذي يكثر فيه البرق والرعد، والحائد: المنحرف، وإنما يريد الحائد عن الطاعة. فيقول مخاطبا لفناخسرو: يا عضد الدولة، ربها قد عضدها به، وأحرز الفخر في ذلك له، ويا ساريا على أعدائه في الفلوات النائية، والمهامه النازحة، التي تنام القطا فيها لبعدها، وتنقطع عن الأنيس بمبلغ جهدها، وجيوشك تطرقها في تلك المواضع لحفلها، وتبعثها من أقاصيها بكثرة أهلها. ثم قال، على نحو ما قدمه من مخاطبة الممدوح: ويا من يمطر الموت على أعدائه، ويمطر الفضل وأسباب الحياة على مؤمليه، وهو في الحالين لا يبرق ولا يرعد، ولا يتهدد، بل يسبق القول بفعله، وتصحبه السعادة والتأييد في جملة أمره. ثم قال، وهو يريد الممدوح: إذا المنايا بدت ناصرة له على من خالفه، ومسعدة بما يقصده في من حاربه وناصبه، فدعوتها أن يبدل الحائد عن طاعته، والمنحرف عن جماعته بنون من دال أسمه، حتى يصير حائنا بهلاكه، وفناء عمره، كما كان حائدا عن الاحتمال على أمره. إذا دَرَى الحِصنُ مَنْ رَمَاهُ بِهَا ... خَرَّ لَهَا في أسَاسِهِ سَاجِدْ ما كانتِ الطِّرْمُ في عَجَاجَتِها ... إلاَّ بَعِيراً أَضَلَّهُ نَاشِدْ تَسألُ أهلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍ ... قَدْ مِسَخَتهُ نعامَةً شَارِدْ الطرم: حصن معروف من حصون طبرستان، والناشد: الذي يهتف على الضالة. فيقول، وهو يشير إلى جيوش فناخسرو، والمنايا التي يبعث فيها على الأعداء: إذا درى الحصن الذي تقصده تلك الجيوش، وتيقن الباعث لها، والمصرف لأمورها،

стр. 334

خر له ساجدا في أساسه قبل الحرب، وتداعى بالانهدام قبل تجشم الطعن والضرب، فكيف بنية الممدوح فيه مؤونة المنازلة، وبدر أهله إلى الخضوع بطاعته قبل تكلف المقاتلة؟!. ثم قال: ما كانت الطرم؛ وهو حصن وهسوذان المتقدم الذكر، لما أحاطت به عجاجة تلك الجيوش، ودارت عليه كتائب تلك الجموع، إلا كبعير ظفر به (ناشده)، فتملكه دون مدافعة، ووصل إليه فأستحقه من غير منازغة. يشير إلى عجز وهسوذان عن منعه، ومبادرته إلى الفرار عنه بنفسه. ثم قال مؤكدا، وهو يريد الطرم المذكور، ويشير إلى سرعة افتتاح جيوش والد فناخسرو لها، وعجز وهسوذان عن ضبطها: تسأل أهل القلاع التي تماثلها، والمعاقل التي تشابهها وتشاكلها عن وهسوذان ملكها، وقد مسخته بمفارقته لها، وانحطاطه عن الإمارة التي كان ينتحلها به، نعامة شاردا في المهامه القفرة، ومستأنسا فيها بالانفراد والوحشة. تَستَوحِشُ الأَرضُ أَنْ تُقِرَّ بِهِ فَكُلُّهَا ... إنَّهُ بِهِ جَاحِدُ فلا مُشَادٌ ولا مَشِيدٌ حِمىً ... ولا مَشيدٌ أَغنَى ولا شَائِدْ أشدت البنيان وشيدته: إذا طولته وأعليته، والبنيان مشاد ومشيد، وشدته: إذا علوته بالشيد، وهو الجص والبلاط، والنبيان مشيد. فيقول، وهو يريد وهسوذان: تستوحش الأرض من الإقرار به؛ لما عليه من الطلب، وتجحده بما يظهر فيها من الفرار والهرب، فكلها يدفعه ولا يتقبله، ويخيفه ولا يؤمنه. ثم قال: فلم يحمه من الحصون ما ارتفع وطول، ولا عصمه من البنيان ما احكم وأتقن، ولا عاد إلا بالفرار على وجهه، وأن يطلب النجاة بذلك لنفسه. فَاغتَظْ بِقَومٍ وَهْسُوذَ ما خُلِقُوا ... إلاَّ لِغَيظِ العَدُوِّ والحِاسِدْ

стр. 335

رَأوْكَ لَمَّا أَتَوكَ نابِتَةً ... يَأكُلُها قَبْلَ أَهلِهِ الرَّائِدْ وَخَلِّ زِيّاً يُحَقِّقُهُ ... ما كُلُّ دَامٍ جَبِنُهُ عَابِدْ وهسوذ: ترخيم وهسوذان في غير النداء، وذلك جائز في الشعر، والرائد: هو الذي يطلب المرعى لمن وراءه. فيقول: فأغتظ يا وهسوذان من فناخسرو وأبيه وجماعتهما، بقوم ما خلقوا إلا ليغيظوا أعداءهم بقوة سلطانهم، ويشجوا حسادهم بترادف تفضلهم وإحسانهم. ثم قال مشيرا إلى فناخسروا وأبيه وجيوشهما، ومن ورد على وهسوذان من قوادهما: رأوك احتقارا لك، وقدروك في قلة الاحتفال بك، بمنزلة المرعى الذي يستمحيه الرائد قبل أن يرد عليه من أرسله، ويستأهله قبل أن يلحق به الحي الذي وجهه؛ لأنك أهلكك طرف من جيشهما، واستولى عليك من لم يخش به من جمعهما. ثم قال: وخل الملك والتزيي به، والترؤس والتعرض له، لمن يحقق ذلك بفخامته، ويوفيه شروط بمنصبه وجلالته، فليس كل من دمي جبينه ينسب إلى العبادة، ولا كل من انتحل الإمرة يقوم بشروط الرئاسة. إن كَانَ لا يَعْمَدِ الأَمِيرُ لِمَا ... لَقِيتَ مِنْهُ فَيُمنُهُ عَامِدْ يُقلِقُهُ الصُّبْحُ لا يَرَى مَعَهُ ... بُشرى بِفَتحٍ كَأَنَّهُ فَاقِدْ الفاقد: الذي يفقد من يكرم عليه، يقال ذلك للرجل والمرأة. فيقول، وهو يخبر عن فناخسرو، ويخاطب وهسوذان: إن كان لم يتعمد الأمير ما لقيت منه في افتتاح جيوشه لقاعدتك، وإيقاعهم بك وبجماعتك؛ لما قدر عليك من حين الاعتراف، وما تخيرت لنفسك من مكروه الخلاف، فيمنه اعتمد التحين لك، وصالك حتى نفذ الإيقاع بك. ثم قال، وهو يريد فناخسرو يقلقه صباح يوم ولا يبشر فيه بفتح يقدم عليه،

стр. 336

وسرور بذلك يتجدد فيما لديه، حتى كأنه (فاقد) لما قد ألفه، وممنوع مما سكن إليه وعرفه. والأَمْرُ لِلَّهِ رُبَّ مُجتَهِدٍ ... ما خَابَ إلاَّ لأَنَّهُ جَاهِدْ وَمُتَّقٍ والسِّهامُ مُرسَلَةٌ ... يَحِيدُ عن حابضٍ إلى صَارِدْ فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أَعادِيَةُ ... أَقائِمٌ نَال ذَلِكَ أَمْ قَاعِدْ المجتهد: الذي يستعمل في الشيء طاقته، والجاهد: الذي يستسهل في الشيء مشقته، والجابض في السهام: الذي يقع دون الغرض، والصارد: الذي ينفذ في الغرض، ويبل: بمعنى يبالي، حذفت الياء منه للنهي، والألف لكثرة الاستعمال على غير قياس، فقال: فلا يبل، ذكر ذلك سيبويه. فيقول مشيرا إلى ما مكنه الله من فتح الطرم، والإيقاع بوهسوذان، دون استعمال ما كان يقتضيه مثل هذا الأمر الكبير من الأهبة، وما عهد في مثله من المؤن والكلفة: والأمر لله فيما ينفذه من الأمور ويمكنه، وما يمضيه فيها ويقدره، ورب مجتهد كان الاجتهاد سبب خيبته، ومرديا إلى تعذر بغيته، ورب مترفق في الطلب قد أدرك بعفوه ما لا يدركه المجتهد بجهده. ثم قال على نحو ما قدمه: ورب متق للسهام في الحرب يحيد عن حابض متأخر ما كان يدركه إلى صادر نافذ يقضي عليه ويهلكه. يشير إلى أن وهسوذان لو اعتصم بالسلم، لتخلص مما أهلك به نفسه في تخير الحرب. ثم قال مشيرا إلى فناخسرو وركن الدولة أبيه، وما مكنت لهما السعادة من الظفر بوهسوذان دون تعب ولا تمرن: فلا يبل من ظفر بأعاديه، وأدرك من ذلك غاية أمانيه، أنال ذلك عن تعب ومزاولة، أم قربه السعد له بأيسر محاولة. وجعل القيام والقعود كناية عن هذا التفسير. لَيْتَ ثَنَائِي الَّذي أَصُوغُ فِدَى ... مَنْ صِيغَ فِيهِ، فإنَّهُ خَالِدْ

стр. 337

لَوَيتُهُ دُملُجاً على عَضُدٍ ... لِدَولَةٍ رُكنُها لَهُ وَالِدْ الملج: ضرب من الأسورة يستعمله نساء الأعراب في أعضادهن. فيقول: ليت ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة فداه، وكان مما يحذر عليه بدله، فأن ثنائي خالد لا ينفد عمره، ومحفوظ لا ينقطع ذكره. ثم قال، وهو يريد شعره: لويته دملجا، والدملج من حلي العضد، على عضد دولة أبوه ركنها، والذي أورثه شرفها وفضلها، فهما متعاقبان في القيام بجملتها، متشاكلان فيما حازاه من جلالتهما ورفعتهما.

стр. 338

وقال في يوم الجلسان، وقد نثر عليهم الورد وهم قيام بين يديه حتى غرقوا فيه. قَدْ صَدَقَ الوَردُ في الَّذي زَعَمَا ... أَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَمَا كَأنَّما مائِجُ الهَوَاءِ بِهِ ... بَحْرٌ حَوَى مِثلَ مائِهِ عَنَمَا الديم: السحاب الدائمة المطر، واحدتها ديمة، والمائج: الذي يدخل بعضه في بعض، والعنم: شجر من شجر السواك، لين الأغصان لا يعظم، وله زهر أحمر يشبه به وبأغصانه بنان النساء إذا اختضبن، وكنى به عن الورد على المماثلة. فيقول مخبرا عنه، ومخاطبا لعضد الدولة: قد صدق الورد فيما زعمه من أمره، وأخبر به عن نفسه، أنك صيرت ما نثرت منه ديما واكفة، وأمطرت به سحائب مترادفة. ثم قال مشيرا إلى الورد: فكأن الهواء من كثرته، وما اشتمل عليه من وفود جملته، بحر يحوي مثل مائه من العنم، وينسكب على مستمطره بالزهر المنسجم. نَاثِرُهُ النَّاثِرُ السُّيُوفَ دَمَاً ... وَكُلَّ قَولٍ يَقُولُهُ حِكَمَا والخَيْلَ قَدْ فَصَّلَ الضِّيَاعَ بِهَا ... والنِّعَمَ السَّابِغَاتِ والنِّقَمَا فَليُرِنا الوَردُ إنْ شَكَا يَدَهُ ... أَحسَنَ مِنهُ مِنْ جُودِهَا سَلِمَا يقول مخبرا عن الورد، ومشيرا إلى عضد الدولة: ناثره في مجالسه إكراما للأولياء، ناثر السيوف وقد تغشت بالدم في وقائعه، انتقاما من الأعداء، ومرسل القول حكما بالغة، ونوادر على وجه الدهر سائرة. ثم قال، وهو الذي ينثر الخيل والضياع بها مفصلة، ومننه فيها على مؤمليه متبينة، ويشفع النعم على من والاه، كما يعتمد بالنقم من خالفه وناوأه. ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: فليرنا الورد أن أنكر فعله، وشكا منه كرما وبذله، أحسن منه هيئة ومنظرا، وأكرم محتدا وعنصرا، قد سلم من جوده لضنانته به، ولم ينفد في مواهبه لإيثاره له. فَقُلْ لَهُ لَسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْ ... وَإنَّمَا عَوَّذَتْ بِكَ الكَرَمَا

стр. 339

خَوْفَاً مِنَ العَينِ أَنْ يُصَابَ بِهَا ... أصَابَ عَينَاً بِهَا يُعَانُ عَمَى يعان: يصاب بالعين. فيقول: فلست أيها الورد أفضل ما نثرته يد عضد الدولة المنبسطة بالنعم، المنطلقة بالآلاء والمنن، وإنما عوذت بك كرمها من العيون الحاسدة، وتفاءلت له بالسلامة من الحوادث الطارقة. ثم قال: وتخيرت ذلك حذرا من نظرة باغية، ونية على الحسد منطوية، أصاب عينا يعان بها صاحب تلك اليد، الذي هو عماد المجد، والمرتهن لضروب الشكر والحمد، عمى يبادرها ولا يمطلها، وتلف يعاجلها ولا يؤخرها.

стр. 340

وتوفيت عمة عضد الدولة، فقال يرثيها ويعزيه عنها: آخِرُ ما المَلْكُ مُعَزّىً بِهِ ... هذا الَّذي أَثَّرَ في قَلبِهِ لا جَزَعَاً بَل أَنَفَاً شَابَهُ ... أَنْ يَقدِرَ الدَّهرُ عَلَى غَصبِهِ لَو دَرَتِ الدُّنيا بِما عِندَهُ ... لاستَحيَتِ الأيَّامُ مِنْ عَتْبِهِ الملك: الملك، خففت الكسرة منه، والكسرات والضمات تخفف في مثل هذا الموضع، والأنف: الحمية، والعتب: الموجدة. فيقول: آخر رزء يعزى الملك به، ويعرضه الزمان له، هذا الرزء الذي أثر ما حدث منه في قلبه، وأهدى بمضضه في نفسه. ثم قال: وليس ذلك المضض من عضد الدولة جزعا ورقة، ولكنه يبعث منه غضبا وأنفة، وإنكارا لأن يكون الدهر يسؤه في أهله، ويقدر في المفقودة على ما حاوله من غصبه، وفي هذا من التزيد فيما يدخل في باب الإفراط الذي تصف الشعراء الشيء فيه بما لا يمكن، إيذانا ببلوغ الموصوف إلى غاية ما يمكن. ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: لو درت الدنيا بما عنده من الفضل، وما يصله في أهلها من التثبت والعدل، لاستحيت من التعرض لعتبه، وأن تطرقه أيامها بما يهدي الوحشة إلى قلبه. لَعَلَّها تَحسَبُ أَنَّ الَّذي ... لَيسَ لَدَيهِ مِنْ حِزبِهِ وَأَنَّ مَنْ بَغدادُ دَارٌ لَهُ ... لَيسَ مُقِيماً في ذُرَى عَضبِهِ وَأَنَّ جَدَّ المَرءِ أَوطانُهُ ... مَنْ لَيسَ مِنهَا لَيسَ مِنْ صُلبِهِ الذري: الكنف والستر، والعضب: السيف القاطع، والجد: معروف، والصلب إشارة إلى الولادة. فيقول: لعل الأيام تعتقد أن من بعد عن عضد الدولة من أهله فقد انقطع عن جملته وحزبه، فلذلك أخرجته في المفقودة عما عهده من تأديدها لسعده، وحفظ من إليه (ينسب) بما يمكنه من إقبال جده.

стр. 341

ثم قال على نحو ما قدمه: ولعل الأيام تعتقد أن من سكن بغداد وقطنها، وأستقر بها وأستوطنها (ليس ممن في كنفه، أو في حماية سيفه)، فأن البعد مع لصوق القرابة عضبة، والحلول بالمحل القريب من قلبه. ثم قال مشيرا إلى الأيام: ولعلها تظن أن وطن الإنسان أقعد به من جده، وأن تباعده فيه يقطعه عمن يفارقه من أهله، فلذلك خالفت الأيام عضد الدولة في عمته المفقودة ببغداد، فلم يكتنفها ما يكتنف سائر أقاربه المستقرين بدار سلطانه، وموضع استيطانه، من نساء العمر، والتباعد بسعادته عن حوادث الدهر. وهذا على نحو الإفراط المتقدم الذي وصف فيه المعزى بما لا يمكن، إشارة إلى أنه قد بلغ في الإقبال غاية ما يمكن. أَخَافُ أَنْ يَفطُنَ أَعداؤُهُ ... فَيُجفِلوا خَوفاً إلى قُربِهِ لابُدَّ لِلإنسَانِ مِنْ ضَجعَةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضجَعَ عَنْ جَنبِهِ يَنسَى بِهَا ما كَانَ مِنْ عُجبِهِ ... وما أَذَاقَ المَوتُ مِنْ كَربِهِ الإجفال: الإسراع. فيقول: أخاف أن يفطن أعداؤه لما يصحب المتصلين به من حفظ الله بجملتهم، وحراسته لجماعتهم، فيجفلوا مبادرين إليه، ويترادفوا وافدين عليه، رجاء في أن تحيط بهم سعادة قربه، والاعتصام بتداني محله. ثم قال مبينا للصدق فيما قدمه، وكاشفا لقناع الحق فيما ظاهر به وموهه، ومخبرا بأن الموت لا منجا منه، ولا محيص لأحد عنه: لابد للإنسان من ضجعة بالمنية لا تقلبه عن جنبه، ولا تملكه شيئا من أمره، تطرقه بأجله، وتسلمه إلى ما قدمه من عمله. ثم قال مخبرا عن الإنسان: ينسى بتلك الضجعة ما كان عليه من العجب، وما قاساه عند الموت من شدة الكرب، بما يشرف عليه من هول المطلع، وما يكتنفه

стр. 342

عند ذلك من الإشفاق والفزع. نَحنُ بَنُو المَوتَى فَمَا بَالُنا ... نَعَافُ لابُدَّ مِنْ شُربِهِ؟! تَبخَلُ أَيدِينَا بِأَرواحِنَا ... على زَمَانٍ هيَ مِنْ كَسبِهِ فَهذِهِ الأرواحُ مِنْ جَوَّهِ ... وَهذِه الأجسَامُ مِنْ تُربِهِ نعاف: نكره، يقال: عفت الشيء أعافه عيافة: إذا كرهته، والجو: الهواء. فيقول: نحن بنو الموتى المطبوعون على الموت، والمخلوقون له، والمطروقون في الغدو والرواح (به)، فما بالنا نعاف ما لا بد لنا من الورود عليه، ونكره ما لا عاصم لنا من المصير إليه. ثم قال: تبخل أيدينا بأرواحنا فيما نظهره من الشح بها، ونتكلفه في الصيانة لها، وإنما ذلك على زمان نشأت فيه على شرط الفناء، وصحبت أجسامها متيقنة لقلة البقاء، والزمان فيما يستوفيه منها كالطالب لكسبه والمسترجع لما تصرف في حفظه. ثم قال مشيرا إلى أن الإنسان قطعة من هذه الدنيا الفانية الجملة، المطبوعة على قصر المدة: فليس في الحق أن ينكر جملته، ويتكره خلقته، فنفسه من جوها، وأول جسمه وآخره من تربها، والله قد فطر على الموت بعد الحياة أهلها، وجعل إلى الزوال والانقضاء أمرها. لَو فَكَّرَ العَاشِقُ في مُنتَهَى ... حُسنِ الَّذي يَسْبِيهِ لَمْ يَسبِهِ لَمْ يُرَ قَرْنُ الشَّمسِ في شَرقِهِ ... فَشَكَّتِ الأنفُسُ في غَرْبِهِ قرن الشمس: أول ما يطلع منها. فيقول مؤكدا لما قدمه من أن أمور الدنيا صائرة إلى الزوال، مبنية على سرعة الانتقال: لو فكر العاشق في مآل الذي يسبيه بحسنه، ويفتنه بجمال خلقه، من الموت الذي يعدمه، ويفنيه ويغيره، لخفف ذلك ما استقر له بقلبه، ولحسن له السلو

стр. 343

عن حبه. ثم قال مؤكدا لما قدمه: لم ير قرن الشمس ظاهرا عند إشراقه وطلوعه، وتزين الدنيا بتزيد نوره، فشكت الأنفس في أنه على عجل معدوم غارب، وظلام الليل له معاقب، وكذلك الدنيا ببهجتها سريعة النقلة، ومسرتها قصيرة المدة. يَمُوتُ رَاعِي الضَّأنِ في جَهلِهِ ... مِيتَةَ جَالِينُوسَ في طِبِّهِ وَرُبَّما زَادَ على عُمْرِهِ ... وَزَادَ في الأمْنِ عَلَى سَربِهِ وَغَايَةُ المُفْرِطِ في سِلْمِهِ ... كَغَايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ فَلا قَضَى حاجَتَهُ طالِبٌ ... فُؤادُهُ يَخفِقُ مِنْ رُعبِهِ السرب: الطريق والمذهب، والسلم: الصلح، والخفق: شدة الاضطراب. فيقول مخبرا بأن الموت لا يستدفع بحيله، ولا يمتنع منه بقوة، وأن العالم والجاهل يتساويان في الاستسلام له، ويتماثلان في الفناء به: يموت راعي الضأن فيما هو عليه من الجهل كميتة جالينوس مع منزلته من العلم والطب، على سبيل واحدة، وطريقة في العجز على استدفاع الموت واضحة. ثم قال مؤكدا لما قدمه: وربما زاد الجاهل على العالم في طول العمر، وقصر العالم عنه في مداومته لصحبة الدهر. ثم قال: وغاية المفرط فيما يجنح إليه من السلم، ويؤثر من الدعة بأشد العزم، كغاية المحارب المقدم على اقتحام المهالك، المستسهل لركوب المخاوف، في أن كليهما لا يفوت الموت، ولا يبعد عنه، ولا يدفعه ولا يعتصم منه، فلا بلغ الجبان بغية من حاجته، ولا ظفر بأقل مراد من إدراك إرادته، إذا كان فؤاده يخفق من خوفه، وهو عند أجله مدفوع إلى حتفه. أَستَغفِرُ اللَّهُ لِشَخصٍ مَضَى ... كَانَ نَداهُ مُنتَهَى ذَنبِه وَكَانَ مَنْ عَدَّدَ إحسَانَهُ ... كَأَنَّما أَسرفَ في سَبِّهِ

стр. 344

يُريْدُ مِنْ حُبِّ العُلاَ عَيشَهُ ... ولا يُرِيدُ العَيشَ مِنْ حُبِّهِ يقول، وهو يريد المرثية: أستغفر الله لشخص مضى بالموت وفقد، وغيب في لحده وبعد، ونداه أقل خصاله، والذي يقع منه موقع الذنب؛ لتصاعده عند جليل خلاله. ثم قال مشيرا إلى الشخص الذي كنى به عن المرثية: وكان من عدد عنده ما يوليه من الأفضال، وواجهه بما يتابعه من الإنعام، يواقع من يكرهه لذلك، (أي) كالذي يواقعه لترفعه عن الإمتنان، وإستقلاله لعظيم ما يوليه من الإحسان. ثم قال مشيرا إلى الشخص المذكور: يريد العيش لما يكسبه من الحمد، ويعتقد فيه من الشرف والمجد، ولا يريده لاستدامة النعمة، والاغتباط برفاهية العيشة. يَحسَبُهُ دافِنُهُ وَحدَهُ ... وَمَجدُهُ في القَبْرِ مِنْ صَحْبِهِ وَيَظهَرُ التَّذكِيرُ في ذِكْرِهِ ... وَيُستَرُ التَّأنيثُ في حُجْبِهِ أُختُ أَبي خَيرِ أَمِيرٍ دَعَا ... فَقَالَ جَيشٌ لِلقَنَا لَبِّهِ يقول، وهو يريد الشخص الذي كنى به عن المرثية: يحسبه دافنه مفردا بنفسه، ومتوحدا في لحده، كسائر المقبورين، ومن سواه مم عهد من المدفونين، والمجد مدفون بدفنه، ومغيب معه في لحده. ثم قال: ويظهر في ذكره التذكير بجلالة وصفه، وما ترفعه أفعاله من قدره، والتأنيث فيما تطويه الأستار من شخصه، وما تشتمل عليه الصيانة من حقيقة أمره. ثم قال مشيرا إلى المرثية، وأنها عمة عضد الدولة: أخت أبي خير مليك تواضعت الملوك لقدره، وامتثلت الجماعات ما يرد عنه من أمره، ودعا فأجابت الجيوش الحافلة دعوته، وبادرت السيوف والرماح فيها تلبيته. يا عَضُدَ الدَّوْلَةِ مَنْ رُكنُهَا ... أَبُوهُ والقَلبُ أَبُو لُبِّهِ

стр. 345

وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبائِهِ ... كَأَنَّها النَّورُ على قُضبِهِ فَخرَاً لِدَهْرٍ بِتَّ مِنْ أَهلِهِ ... وَمُنجِبٍ أَصبَحتَ مِنْ عَقبِهِ اللب: العقل والإدراك، والنور: لغة في النوار، وعقب الرجل: ولده ومن يتناسل منهم، وبت: بمعنى أمسيت، والمنجب: الذي ينجب النجباء. فيقول، وهو يخاطب فناخسرو: يا عضد الدولة الذي أبوه ركنها وعمدتها، وسيفها وعدتها، والقلب أبو العقل ودافعه، ومقر الإدراك وحافظه. ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من نداء عضد الدولة: ومن بنوه بنجابتهم وفضلهم، وسيادتهم ومجدهم، زين آبائه الأولين، وسلفه الكرام المتقدمين، كأنهم النور على قضب الشجر، وما يبديه للروض مونق الزهر. ثم قال: فخرا لدهر أمسيت ملكا في أهله، ولمنجب أصبحت أميرا مقدما من عقبه، انسلك وأنت عماد الكرم، وأنجبك وأنت المنفرد بالفواضل والنعم. إنَّ الأَسَى القِرنُ فلا تُحيِهِ ... وَسَيفُكَ الصَّبرُ فلا تُنْبِهِ ما كَانَ عِنْدِي أَنَّ بَدرَ الدُّجَى ... يُوحِشُهُ المَفقودُ مِنْ شُهبِهِ الأسى: الحزن، والقرن: المثل في الشجاعة، والنابي: الذي لا يقطع، والدجى: جمع دجية، وهي القطعة من الليل، والشهب: النجوم، واحدها شهاب. فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أن الحزن قرنك في هذه الرزية، فلا تغلبه على نفسك بقلة التجلد له، وسيفك الصبر الجميل فلا تفله وتنبه، بترك الاستمساك به، وأحتسب مصابك يعوضك الله بجزيل الأجر، وسلم لله فيه يثبك بكريم الذخر. ثم قال: ما كان عدني أن بدر الدجى وهو يخلف الشمس بنوره وبهجته، ويتلوها بضيائه ورفعته، يوحشه ما يفقده من شبهه، وما يعدمه من النجوم المتصلة بقربه. يشير بذلك إلى أن منزلة المفقودة من عضد الدولة منزلة النجم من البدر، ومحلها بالإضافة إليه محل الوشل من البحر.

стр. 346

حَاشَاكَ أَنْ تَضعُفَ عَنْ حَمْلِ مَا ... تضحَمَّلَ السَّائِرُ في كُتْبِهِ وَقَد حَمَلْتَ الثِّقلَ مِن قَبلِهِ ... فَأغْنَتِ الشِّدَّةُ عَنْ سَحبِهِ يَدْخُلُ صَبْرُ المَرءِ في مَدْحِهِ ... وَيَدخُلُ الإشفاقُ في ثَلبِهِ حاشاك: بمعنى أستثنيك وأعيذك، السحب: الجر، وثلب الناس: ذكر عيوبهم. فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أعيذك، وحاشاك، من أن تضعف عن الاستقلال بالرزء الذي استقل بتحميله الرسول الوارد عليك في كتبه، والقادم الناهض به نحوك على ثقله، وأن تجزع والصبر شيمتك، وأن تضعف والقوة نيتك. ثم قال يخاطب عضد الدولة: وقد حملت الأثقال قبل هذا الرزء، فاستقللت بحملها، وأغنتك شدتك ومقدرتك عن تهيبها وسحبها، فضع هذا الحادث موضع ما كفيته من الخطوب بشكور الفعل، وما حزت بالصبر على ذلك من الشرف والفضل. ثم قال مؤكدا لما قدمه: يدخل صبر المرء في مناقبه ومدحه، ويدخل إشفاقه في معائبه وثلبه، فلا تختر أيها المعزى إلا أعلى المنزلتين، ولا تعدل بنفسك إلا (إلى) أرفع الصفتين. مِثلُكَ يَثنِي الحُزْنَ عَنْ صَوبِهِ ... وَيَستَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَربِهِ أَيَما لإبقاءٍ عَلَى قَلبِهِ ... أيَما لِتَسلِيمٍ على رَبِّهِ وَلَم أَقُلْ مثلُكَ أعنِي بِهِ ... سِوَاكَ يا فَردَاً بِلا مُشبِهِ يثني: يصرف، والصوب: الاندفاع والترادف، والغرب: واحد الغروب، وهي مجاري الدمع من العين، وأيما بفتح الهمزة وكسرها: بمعنى أما، وقال عمر بن أبي ربيعة: رَأتْ رَجُلاً أيمَا إذا الشَّمسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى، وإيمَا بالعَشِيِّ فَيَحصَرُ بإثبات الياء وفتح الهمزة وكسرها. فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة: مثلك في نفاذ عزمك، وسعة إحاطتك وعلمك،

стр. 347

يصرف الحزن عند تردافه، ويكفه بحسن السلو عند تكاثره، ويسترد الدمع عند تحرره، ويثنيه عن سبيله بجميل تصبره. ثم قال على نحو ما قدمه، من مخاطبة عضد الدولة: أيما أن يستعمل السلوة مبقيا بذلك على نفسه، ومنزها عن ضعف الجزع لقدره، وأيما أن يفعل ذلك مرضيا لربه، ومسلما لما نفذ في رزيته من حكمه. ثم قال مخاطبا لعضد الدولة: (ولم أقل مثلك) وأنا أريد غيرك وأعتقد أن سواك يشاكل قدرك، فأنت المنفرد بكل منقبة، السابق إلى غاية كل مكرمة، والأوحد في ملوك الزمان، والمنفرد فيهم بالتطول والإحسان.

стр. 348

وخرج أبو شجاع ومعه عدة للصيد، فكان يسير قدام الجيش يمنة وشأمة، فلا يطير شيء إلا صاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن يكون على عشرة فراسخ من شيراز، تحف به الجبال، والأرزن في غاب ومياه ومروج، فكانت الأيائل تصاد، ويقبل ببعضها تمشي والحبل في قرنه، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضائق، فإذا أثخنتها النشاب هوت من رؤوس الجبال إلى الدشت، فتسقط بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه، ومنها ما يذبح فيخرج نصول النشاب من كبده، فأقام بذلك المكان أياما على عين حسنة، وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه ويصف الحال، وأنشده في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة: ما أَجدَرَ الأيَّامَ واللَّيَالِي ... بِأنْ تَقولَ مَا لَهُ وما لي؟ لا أَنْ يَكُونَ هكذَا مَقَالِي ... فَتىً بِنِيرانِ الحُروبِ صَالِي مِنْهَا شَرَابِي وَبِهَا اغتِسَالِي ... لا تَخطُرُ الفَحشَاءُ لِي بِبَالِي الصالي للنار: الذي يقاسي شدة حرها، والفحشاء: الإقدام على ما حرمه الله. فيقول: ما أجدر الليالي والأيام، التي هي جماع الدهر، ومنها يكون التظلم في جملة الأمر، بأن تتشكاني مشفقة من تأثيري في جملتها، واقتداري على كف عاديتها، فتقول: ما له وما لي! متواضعة بذلك مستعفة، ومعتذرة إلي بذلك مسترضية، لا أن يكون ذلك مقالي، متوقعا لمضرتها، ومتشكيا لسوء صحبتها، قد شهدت مني فتى يصلي بنيران الحروب أنسا بها، ويجعلها شرابه وغسله؛ لقلة تهيبه لها، ولا تخطر الفحشاء بباله؛ لصدق عفته، ولا تتمثل له؛ لما هو عليه من مروءته. لَو جَذَبَ الزَّرَّادُ مِنْ أَذيَالِي ... مُخَيَّراً لي صَنعَتَيْ سِربَالِ ما سُمتُهُ سَرْدَ سِوَى سِروَالِي ... وَكَيفَ لا وإنَّما إدلالي بِفَارِسِ المَجروحِ والشَّمَالِ ... أَبي شُجَاعٍ قاتِلِ الأبطَالِ

стр. 349

الجذب: المد، والزراد: صانع الدروع، والأذيال: أسافل الثياب، وما يقع منها على الأرض، واحدها ذيل، والصنعة: ما يحاول من العمل، والسربال: القميص، وقد يسمى بذلك الدرع على الاستعارة، وثنى الصنعة مشيرا إلى عمل السربالين من القميص والدرع، والسرد: مداخلة حلق الدرع بالنسج لها، والسروال: لغة في السرابيل، وهي عجمية معربة، والمجروح والشمال: اسما فرسين لعضد الدولة. فيقول: لو جاذبني الزراد فضول ثيابي، حرصا على الاتصال بي، ورغبة في الموافقة (لي)، مخيرا في ثوب أصطنعه، وسربال أدرعه من صنعتي الحديد والكتان، وما أستظهر من ذلك على الأقران، ما سمته إلا سرد سروال أتأيده على العفة، وأستعين بذلك على ما أضمره من النية. ثم قال: وكيف لا يكون ذلك؟! وإنما أدل فيه بموضعي من عضد الدولة، فارس المجروح والشمال، المنفرد بالإنعام والإفضال، قاتل الأبطال ببأسه وشدته، ومستعبد الأحرار بما يسبغ عليهم من نعمته. سَاقِي كُؤُوسِ المَوتِ والجِريَالِ ... لَمَّا أَصَارَ القُفْصَ أَمْسِ الخَالِي وَقَتَّلَ الكُرْدَ عَنِ القِتَالِ ... حَتَّى اتَّقَتْ بالفَرِّ والإجفَالِ فَهَالِكٌ وطَائِعٌ وجَالِي ... وأقتَنَصَ الفُرسَانَ بالعوالِي والعُتُقِ المُحْدَثَةِ الصِّقَالِ الجريال من الخمر: الشديدة الحمرة، والجريال: صبغ أحمر يشبه الخمر به، والقفص: صنف من عجم طبرستان، والكرد: صنف من العجم، أصحاب أخبية وجولان، يشبهون بالأعراب، والإجفال: الاجتهاد في الهرب، والعوالي: الرماح، والعتق من السيوف: الصارمة الماضية، والمحدثة الصقال: التي تتعاهد بالتصنيع. فيقول مشيرا إلى الممدوح عضد الدولة: ساقي كؤوس الخمر من أطاعه ووالاه، وساقي كؤوس الموت من عصاه وعاداه، فهو يلطف وينعم (على) أهل محبته

стр. 350

وطاعته، ويبيد ويتلف من تعرض لمخالفته. ثم قال: لما أصار القفص، مع احتداد شوكتهم، وما كانوا عليه من كثرتهم وقوتهم، كأمس الذاهب، بسطوته عليهم، وتركهم حديثا يذكر بوقائعه فيهم، وقتل الكرد دون ما حاولوه من قتاله، وأهلكهم قبل تمكنهم فيما قصدوه من خلافه، سطا بهم فأجفلوا من مخافته هاربين، واقتدر عليهم فعاذوا بالفرار مستسلمين، وصيرهم ما بين هالك أتلفه التعرض لحربه، وطائع أنجاه التسليم لأمره، وجال هارب سار في الأرض على وجهه، قد لج في الفرار يطلب خلاصا لنفسه. ثم عاد إلى الإخبار عن الممدوح، إلى عضد الدولة، فقال: وأقتنص، بعد إيقاعه بالقفص والكرد، فرسان أعاديه بعوالي رماحه، واعمل فيهم صوارم سيوفه، ودان له من قرب وبعد، وأطاعه من اعترف وعند، ولم يبق له مخالف يقصده، ولا عدو يناصبه ويعتمده. سَارَ لِصَيدِ الوَحْشِ في الجِبَالِ ... وفي رَقَاقِ الأرضِ والرِّمالِ على دِمَاءِ الإنسِ والأوصَالِ ... مُنفَرِدَ المُهْرِ عَنِ الرِّعَالِ من عِظَمِ الهِمَّةِ لا المَلاَلِ ... وَشِدَّةِ الضَّنِّ لا الاستِبدَالِ ما يَتَحَرَّكْنَ سِوَى انسِلالِ ... فَهُنَّ يُضرَبْنَ على التَّصْهَالِ الرقاق من الأرض: اللينة الوطيئة، والرعال: قطع الخيل، والواحدة رعلة، لغة في الملل، والضن والضنة والضنانة والمضنة: لغات في الشح، والاستبدال: التصرف في صغائر الأمور، والانسلال في الحركة: المحاولة للاستتار بها، والتصهال: تفعال من الصهيل. فيقول: أن الممدوح عضد الدولة لما استماح أعداءه بقوته، وقربت له آماله بما مكنه من سعادته، سار ليصيد الوحش المعتصمة بالجبال الشامخة، ويقصرها في أقاصي الفلوات النازحة، موطئا لخيله ورجاله ما سفكه من دماء الإنس في

стр. 351

وقائعه، وما انفصل من أوصال أعاديه في ملاحمه. ثم وصف سير عضد الدولة في وجهته، فقال: أنه سار منفرد المهر عما يتبعه من رعال الخيل، ومتوحدا من جيوشه التي هي كقطع الليل، وذلك التوحد من عظم همته، وجلالته وهيبته، ولا لملال أدركه، ولا لسآمة لحقته، ولكنه يضن بالمواكبة، وتحميه منزلته عن المقاربة، فيتقدم جيشه ترفعا وعزة، وليس يتقدم تبذلا وقلة. ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد الخيل التي تتلو في سيرها عضد الدولة: فما يتحركن إلا انسلالا ومسارقة، ولا يتناجى فرسانها إلا سرارا ومخافته، فهي تضرب لهيبته على الصهيل، وتحمل عند مقاربته على الهدوء والتدليل. كُلُّ عَلِيلٍ فَوقَهَا مُختَالِ ... يُمسِكُ فَاهُ خَشيَةَ السُّعَالِ مِنْ مَطلَعِ الشَّمسِ إلى الزَّوَالِ ... فَلَم يَئِلْ ما طَارَ غَيرَ آلِ وَمَا عَدَا فَانغَلَّ في الأدغَالِ ... وما احتَمَى بِالمَاءِ والدِّحَالِ مِنَ الحَرَامِ اللَّحْمِ والحَلاَلِ ... إنَّ النُّفوسَ عَدَدُ الآجالِ المختال: المعجب بنفسه، المتكبر في مشيه، ويئل: يرجع إلى موئل، والآلي: المقصر، والانغلال: الاستتار، والأدغال: الآجام، واحدها: دغل، والدحال: أنفاق كالأسراب في جوانب الآبار، واحدها: دحل. فيقول: كل عليل على ظهور الخيل المقاربة لعضد الدولة، كبير في نفسه، مختال في حاله، لا يجهر بالسعال إن اعترضه، فاه من المهابة إن حدث له، يتكلف ذلك أكثر النهار، من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، إعظاما لعضد الدولة، وإجلالا لقدره، وتوقيرا له، وإكبارا لأمره. ثم وصف حال الجيش المذكور فيما قصد لصيده، فقال: فلم يرجع إلى موئله ما اعترض من الطير، وإن كان الطيران غير مقصر، ولا نجا ما عدا من الوحش، وانغل في الأدغال فعل المتستر.

стр. 352

ثم قال: فصيد ما حرم لحمه وما حل، واحتيز ما كثر من ذلك وما قل، وللنفوس آجال تبلغها، ومدد في الحياة تستوفيها وتستكملها. سَقيَاً لِدَشْتِ الأرزَنِ الطِّوَالِ ... بَينَ المُرُوجِ الفِيحِ والأغيَالِ مُجاوِرَ الخِنزِيرِ والرِّئبَالِ ... دَانِي الخَنانِيصِ مِنَ الأشبَالِ مُشتَرِفَ الدُّبِّ على الغَزَال ... مُجتَمِعَ الأضدادِ والأشكَالِ كَأَنَّ فَنَّاخُسْرُ ذا الأفضَالِ ... خَافَ عَليهَا عَوزَ الكَمَالِ فَجَاءَها بِالفِيلِ والفَيَّالِ الدشت: موضع معروف في بلاد طبرستان، واسمه فارسي، والأرزن: شجر يطول ويعظم، والفيح: المواضع السهلة الواسعة، واحدها أفيح، والأغيال: جمع غيل، والغيل: أجمة الأسد، والخنانيص: جراء الخنازير، واحدها خنوص، والأشبال: جراء الأسد، واحدها شبل، والاشتراف: الإطلال، والعوز: العدم، والفيال: خادم الفيل. فيقول: سقى الله دشت الأرزن الطوال، ونسب الموضع إلى الأرزن؛ لكثرة هذا الضرب من الشجر فيه، وكان مضطرب عضد الدولة في المتصيد الذي ذكره بهذا الموضع. ثم ذكر أنه بين المروج الفيح السهلة، والأغيال الممتنعة الصعبة، وأن السباع تتقارب فيه وتتجاور، وتتوالد وتتناسل، وأن الخنانيص دانية من الأشبال، والدب لا يبعد من الغزال، يشير إلى خلاء هذا الموضع وعزلته، وبعده عن الإنس بجملته، فالأضداد والأشكال فيه متدانية، والسباع والظباء في أكنافه متسالمة. ثم قال: كأن فناخسرو ممدوحه ذا الإحسان والفضل، والمتقدم في جلالة القدر، خاف على أصناف هذه السباع والوحوش، مع ما هي عليه من الكثرة، واتفاق الأضداد والأشكال فيها بالجملة، خلل النقصان، وأراد أن يحلها من التمام بأرفع

стр. 353

مكان، فجاءها بالفيال وفيله، وأردفهما بمقانب خيوله. فَقِيدَتِ الأُيَّلُ في الحِبالِ ... طَوعَ وُهُوقِ الخَيلِ والرِّجالِ تَسِيرُ سَيْرَ النَّعَمِ الأَرسَالِ ... مُعتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجذَالِ وِلُدْنَ تَحتَ أَثقَلِ الأَحمَالِ ... قَدْ مَنَعَتهُنَّ مِنَ التَّفالِي لا تَشرَكُ الأَجسَامَ في الهُزَالِ إذا ... تَلَفَّتْنَ إلى الأَظلاَلِ أَرَينَهُنَّ أَشنَعَ الأَمثَالِ ... كَأَنَّما خُلِقْنَ لِلإخْلاَلِ زِيادَةً في سُبَّةِ الجُهَّالِ ... والعُضْوُ لَيسَ نَافِعَاً في الحَالِ لِسَائِرِ الجِسْمِ مِنَ الخَيَالِ الأيل: جمع إيل، والوهق: حبل يثنى على صناعة تؤخذ به الدابة والإنسان، إذا رام من يقع فيه التخلص منه أشد عليه، والنعم: الإبل والشاء، والأرسال: المتتابعة، والأجذال: أصول الشجر يشبه بها قرون تلك الأيل، ومعتمة: مفتعلة من التعميم، والتفال: التفاعل من الافتلاء، وخبال الجسم: انحلاله وذوبه. فيقول: فقيدت المسنة من الأيل في الحبال مغلوبة، وفي وهوق الفرسان والرجالة مملوكة، تسير سير النعم متتابعة، وتنقاد لما تحمل عليه متخاضعة، معتمة من قرونها فيما يشبه أصول الشجر العادية، وتتشعب تشعب الأغصان المثنية، فهي مولودة منها تحت أحمال مثقلة، ومتصرفة تحت آلات متعبة، وأن لم تكن كذلك في حين النشأة، فما لها إلى هذه الحال في حقيقة الخلقة. ثم قال: قد منعتها تلك القرون من التفالي بعظمها، ولم تشرك أجسامها في هزالها وسمنها، فإذا التفتت إلى أظلالها رأت من أنفسها أبشع الأمثلة، ونظرت إلى الشخوص مفزعة، فكأنما ألزمت تلك القرون على سبيل الإذلال لها، وحملتها ليسب جميع الجهال بها. ثم قال: والعضو إذا تفاحش أمره، وخرج عن المعهود قدره، فليس يمنع سائر

стр. 354

الجسم من خبال يطرقه، ولا يعصمه من اختلال يلحقه. وَأَوفَتِ الفُدرُ مِنَ الأَوعَالِ ... مُرتَدِياتٍ بِقِسِيِّ الضَّالِ نَواخِسَ الأَطرَافِ لِلأكفَالِ ... يَكَدْنَ يَنفُذْنَ مِنَ الآطالِ لَهَا لِحىً سُودٌ بِلا سِبَالِ ... يَصلُحْنَ لِلأضْحَاكِ لا الإجلاَلِ كُلُّ أَثِيثٍ نَبتُها مِتفَالِ ... لم تُغْذَ بالمِسْكِ ولا الغَوالِي تَرضَى مِنَ الأدهَانِ بالأبوالِ ... وَمِنْ ذَكِيِّ المِسكِ بالدَّمَالِ لَو سُرِّحَتْ في عَارِضَيْ مُحتَالِ ... لَعَدَّهَا مِنْ شَبكاتِ المَالِ بَينَ قُضَاةِ السُّوءِ والأطفَالِ الفدر من الوعل: التي قد أسنت وضخمت، والواحد فادر، والضال: شجر السدر البري، والآطال: الخصور، والواحد: أطل، والسلبتان: ما عن يمين الشفة العليا وشمالها من الشعر الممتد، والواحد: سبلة، والجمع: السبال، والأثيث من الشعر: الملتف الكثير، والمتفال: المنتن، والغوالي من الطيب: معروفة، والواحدة: غالية، والدمال: زبل الدواب. يقول: وأوفت على عضد الدولة فيما صيد له، المسنة من الأوعال، وقرونها في طولها وكبرها، وتمامها وعظمها، كقسي الضال؛ منحنية على ظهورها، قد صارت الأوعال كالمرتدية لها، وأقبلت كالمشتملة بها، قد انعطفت منها على الأكفال، وكادت تنفذ من الخصور والآطال. ثم زاد في صفة الوعول فقال: لها لحى سود وافرة دون سبال، تبعث على الضحك ولا تبعث على الإجلال، أثيثة منتنة، ريحها كريه، غاليتها وبانها الأبوال، ومسكها وطيبها الدمال، فلو سرح مثلها في عارضي شاهد محتال، لجعلها في طلب المال أوكد وسيلة، وفي التسبب إليه أمكن ذريعة، وللبس بها على قضاة السوء فيمن يلونه من الأطفال، ولبلغ من ذلك أبعد الآمال.

стр. 355

شَبِيهَةُ الإدبارِ بالإقبَالِ ... لا تُؤثِرُ الوَجهَ على القَذالِ فاختَلَفَتْ في عَارِضِي نِبَالِ ... مِنْ أسفَلِ الطَّودِ وَمِنْ مَعَالِ قَدْ أودَعَتْهَا عَتَلُ الرُّجَّالِ ... في كُلِّ كَبْدٍ كَبِدَيْ نِصَالِ فَهُنَّ يَهْوِيْنَ مِنَ القِلالِ ... مَقْلُوبَةَ الأظلافِ والإرقَالِ يُرِقِلْنَ في الجَوِّ على المَحَالِ ... في طُرُقٍ سَريعَةِ الإيصَالِ يَنَمْنَ فيها نِيمَةَ الكِسَالِ ... على القُفِيِّ أَعجَلَ العَجالِ لا يَتَشَكَّينَ مِنَ الكَلالِ ... ولا يُحاذِرنَ مِنَ الضَّلاَلِ القذال: مؤخر الرأس، والعارض: ما علا من السحاب، والعارضان من النبال: كالسحابتين منها، والطود: الجبل، والمعالي منه: ما علا وأرتفع، والعتل: القسي الفارسية، والرجال: الرجالة، الواحد: راجل، كما يقال كاتب وكتاب، والكبد: معروفة، والنصال: جمع نصل، وهو الحديدة المركبة في السهم، وكبدها وسطها، وكبداها: عن يمين العين الناشر في وسط تلك الحديدة وشماله، ويهوين: يقلبن، والقلال: رؤوس الجبال، الواحد: قلة، والأظلاف من الوعول: كالحوافر من الدواب، والإرقال: ضرب سريع من مشي الإبل، فاستعار لانصباب الوعول من الجبال، والجو: ما إرتفع من الهواء، والمحال: فقار الظهر، والوحدة: محالة، والنيمة: هيئة النوم، والكسال: العاجزون عن الحركة، الواحد: كاسل، والقفي: جمع قفا، والعجال: جمع عاجل، والكلال: الإعياء، والضلال: العمى عن القصد. فيقول، وهو يصف الوعول المصيدة: أنها يشبه إقبالها إدبارها في الوحشة، ولا يتباين ذلك في مكروه الخلقة، فوجوهها كأقفائها في الكره، وأواخرها كأوائلها في القبح. ثم وصف إحاطة الهلع بها، واعتماد الرماة في خلال ذلك فقال: فاختلفت بين عارضين من النبل، وبين طائفتين مطالبتين لها بالقتل من أعالي الجبال وأسافلها،
следующие страницы →