← Адаб

Адаб · id 37327

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني

ابن الإفليلي

Полный текст (370 стр.). Показаны 351–370 · переход к 356.

стр. 351

وقائعه، وما انفصل من أوصال أعاديه في ملاحمه. ثم وصف سير عضد الدولة في وجهته، فقال: أنه سار منفرد المهر عما يتبعه من رعال الخيل، ومتوحدا من جيوشه التي هي كقطع الليل، وذلك التوحد من عظم همته، وجلالته وهيبته، ولا لملال أدركه، ولا لسآمة لحقته، ولكنه يضن بالمواكبة، وتحميه منزلته عن المقاربة، فيتقدم جيشه ترفعا وعزة، وليس يتقدم تبذلا وقلة. ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد الخيل التي تتلو في سيرها عضد الدولة: فما يتحركن إلا انسلالا ومسارقة، ولا يتناجى فرسانها إلا سرارا ومخافته، فهي تضرب لهيبته على الصهيل، وتحمل عند مقاربته على الهدوء والتدليل. كُلُّ عَلِيلٍ فَوقَهَا مُختَالِ ... يُمسِكُ فَاهُ خَشيَةَ السُّعَالِ مِنْ مَطلَعِ الشَّمسِ إلى الزَّوَالِ ... فَلَم يَئِلْ ما طَارَ غَيرَ آلِ وَمَا عَدَا فَانغَلَّ في الأدغَالِ ... وما احتَمَى بِالمَاءِ والدِّحَالِ مِنَ الحَرَامِ اللَّحْمِ والحَلاَلِ ... إنَّ النُّفوسَ عَدَدُ الآجالِ المختال: المعجب بنفسه، المتكبر في مشيه، ويئل: يرجع إلى موئل، والآلي: المقصر، والانغلال: الاستتار، والأدغال: الآجام، واحدها: دغل، والدحال: أنفاق كالأسراب في جوانب الآبار، واحدها: دحل. فيقول: كل عليل على ظهور الخيل المقاربة لعضد الدولة، كبير في نفسه، مختال في حاله، لا يجهر بالسعال إن اعترضه، فاه من المهابة إن حدث له، يتكلف ذلك أكثر النهار، من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، إعظاما لعضد الدولة، وإجلالا لقدره، وتوقيرا له، وإكبارا لأمره. ثم وصف حال الجيش المذكور فيما قصد لصيده، فقال: فلم يرجع إلى موئله ما اعترض من الطير، وإن كان الطيران غير مقصر، ولا نجا ما عدا من الوحش، وانغل في الأدغال فعل المتستر.

стр. 352

ثم قال: فصيد ما حرم لحمه وما حل، واحتيز ما كثر من ذلك وما قل، وللنفوس آجال تبلغها، ومدد في الحياة تستوفيها وتستكملها. سَقيَاً لِدَشْتِ الأرزَنِ الطِّوَالِ ... بَينَ المُرُوجِ الفِيحِ والأغيَالِ مُجاوِرَ الخِنزِيرِ والرِّئبَالِ ... دَانِي الخَنانِيصِ مِنَ الأشبَالِ مُشتَرِفَ الدُّبِّ على الغَزَال ... مُجتَمِعَ الأضدادِ والأشكَالِ كَأَنَّ فَنَّاخُسْرُ ذا الأفضَالِ ... خَافَ عَليهَا عَوزَ الكَمَالِ فَجَاءَها بِالفِيلِ والفَيَّالِ الدشت: موضع معروف في بلاد طبرستان، واسمه فارسي، والأرزن: شجر يطول ويعظم، والفيح: المواضع السهلة الواسعة، واحدها أفيح، والأغيال: جمع غيل، والغيل: أجمة الأسد، والخنانيص: جراء الخنازير، واحدها خنوص، والأشبال: جراء الأسد، واحدها شبل، والاشتراف: الإطلال، والعوز: العدم، والفيال: خادم الفيل. فيقول: سقى الله دشت الأرزن الطوال، ونسب الموضع إلى الأرزن؛ لكثرة هذا الضرب من الشجر فيه، وكان مضطرب عضد الدولة في المتصيد الذي ذكره بهذا الموضع. ثم ذكر أنه بين المروج الفيح السهلة، والأغيال الممتنعة الصعبة، وأن السباع تتقارب فيه وتتجاور، وتتوالد وتتناسل، وأن الخنانيص دانية من الأشبال، والدب لا يبعد من الغزال، يشير إلى خلاء هذا الموضع وعزلته، وبعده عن الإنس بجملته، فالأضداد والأشكال فيه متدانية، والسباع والظباء في أكنافه متسالمة. ثم قال: كأن فناخسرو ممدوحه ذا الإحسان والفضل، والمتقدم في جلالة القدر، خاف على أصناف هذه السباع والوحوش، مع ما هي عليه من الكثرة، واتفاق الأضداد والأشكال فيها بالجملة، خلل النقصان، وأراد أن يحلها من التمام بأرفع

стр. 353

مكان، فجاءها بالفيال وفيله، وأردفهما بمقانب خيوله. فَقِيدَتِ الأُيَّلُ في الحِبالِ ... طَوعَ وُهُوقِ الخَيلِ والرِّجالِ تَسِيرُ سَيْرَ النَّعَمِ الأَرسَالِ ... مُعتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجذَالِ وِلُدْنَ تَحتَ أَثقَلِ الأَحمَالِ ... قَدْ مَنَعَتهُنَّ مِنَ التَّفالِي لا تَشرَكُ الأَجسَامَ في الهُزَالِ إذا ... تَلَفَّتْنَ إلى الأَظلاَلِ أَرَينَهُنَّ أَشنَعَ الأَمثَالِ ... كَأَنَّما خُلِقْنَ لِلإخْلاَلِ زِيادَةً في سُبَّةِ الجُهَّالِ ... والعُضْوُ لَيسَ نَافِعَاً في الحَالِ لِسَائِرِ الجِسْمِ مِنَ الخَيَالِ الأيل: جمع إيل، والوهق: حبل يثنى على صناعة تؤخذ به الدابة والإنسان، إذا رام من يقع فيه التخلص منه أشد عليه، والنعم: الإبل والشاء، والأرسال: المتتابعة، والأجذال: أصول الشجر يشبه بها قرون تلك الأيل، ومعتمة: مفتعلة من التعميم، والتفال: التفاعل من الافتلاء، وخبال الجسم: انحلاله وذوبه. فيقول: فقيدت المسنة من الأيل في الحبال مغلوبة، وفي وهوق الفرسان والرجالة مملوكة، تسير سير النعم متتابعة، وتنقاد لما تحمل عليه متخاضعة، معتمة من قرونها فيما يشبه أصول الشجر العادية، وتتشعب تشعب الأغصان المثنية، فهي مولودة منها تحت أحمال مثقلة، ومتصرفة تحت آلات متعبة، وأن لم تكن كذلك في حين النشأة، فما لها إلى هذه الحال في حقيقة الخلقة. ثم قال: قد منعتها تلك القرون من التفالي بعظمها، ولم تشرك أجسامها في هزالها وسمنها، فإذا التفتت إلى أظلالها رأت من أنفسها أبشع الأمثلة، ونظرت إلى الشخوص مفزعة، فكأنما ألزمت تلك القرون على سبيل الإذلال لها، وحملتها ليسب جميع الجهال بها. ثم قال: والعضو إذا تفاحش أمره، وخرج عن المعهود قدره، فليس يمنع سائر

стр. 354

الجسم من خبال يطرقه، ولا يعصمه من اختلال يلحقه. وَأَوفَتِ الفُدرُ مِنَ الأَوعَالِ ... مُرتَدِياتٍ بِقِسِيِّ الضَّالِ نَواخِسَ الأَطرَافِ لِلأكفَالِ ... يَكَدْنَ يَنفُذْنَ مِنَ الآطالِ لَهَا لِحىً سُودٌ بِلا سِبَالِ ... يَصلُحْنَ لِلأضْحَاكِ لا الإجلاَلِ كُلُّ أَثِيثٍ نَبتُها مِتفَالِ ... لم تُغْذَ بالمِسْكِ ولا الغَوالِي تَرضَى مِنَ الأدهَانِ بالأبوالِ ... وَمِنْ ذَكِيِّ المِسكِ بالدَّمَالِ لَو سُرِّحَتْ في عَارِضَيْ مُحتَالِ ... لَعَدَّهَا مِنْ شَبكاتِ المَالِ بَينَ قُضَاةِ السُّوءِ والأطفَالِ الفدر من الوعل: التي قد أسنت وضخمت، والواحد فادر، والضال: شجر السدر البري، والآطال: الخصور، والواحد: أطل، والسلبتان: ما عن يمين الشفة العليا وشمالها من الشعر الممتد، والواحد: سبلة، والجمع: السبال، والأثيث من الشعر: الملتف الكثير، والمتفال: المنتن، والغوالي من الطيب: معروفة، والواحدة: غالية، والدمال: زبل الدواب. يقول: وأوفت على عضد الدولة فيما صيد له، المسنة من الأوعال، وقرونها في طولها وكبرها، وتمامها وعظمها، كقسي الضال؛ منحنية على ظهورها، قد صارت الأوعال كالمرتدية لها، وأقبلت كالمشتملة بها، قد انعطفت منها على الأكفال، وكادت تنفذ من الخصور والآطال. ثم زاد في صفة الوعول فقال: لها لحى سود وافرة دون سبال، تبعث على الضحك ولا تبعث على الإجلال، أثيثة منتنة، ريحها كريه، غاليتها وبانها الأبوال، ومسكها وطيبها الدمال، فلو سرح مثلها في عارضي شاهد محتال، لجعلها في طلب المال أوكد وسيلة، وفي التسبب إليه أمكن ذريعة، وللبس بها على قضاة السوء فيمن يلونه من الأطفال، ولبلغ من ذلك أبعد الآمال.

стр. 355

شَبِيهَةُ الإدبارِ بالإقبَالِ ... لا تُؤثِرُ الوَجهَ على القَذالِ فاختَلَفَتْ في عَارِضِي نِبَالِ ... مِنْ أسفَلِ الطَّودِ وَمِنْ مَعَالِ قَدْ أودَعَتْهَا عَتَلُ الرُّجَّالِ ... في كُلِّ كَبْدٍ كَبِدَيْ نِصَالِ فَهُنَّ يَهْوِيْنَ مِنَ القِلالِ ... مَقْلُوبَةَ الأظلافِ والإرقَالِ يُرِقِلْنَ في الجَوِّ على المَحَالِ ... في طُرُقٍ سَريعَةِ الإيصَالِ يَنَمْنَ فيها نِيمَةَ الكِسَالِ ... على القُفِيِّ أَعجَلَ العَجالِ لا يَتَشَكَّينَ مِنَ الكَلالِ ... ولا يُحاذِرنَ مِنَ الضَّلاَلِ القذال: مؤخر الرأس، والعارض: ما علا من السحاب، والعارضان من النبال: كالسحابتين منها، والطود: الجبل، والمعالي منه: ما علا وأرتفع، والعتل: القسي الفارسية، والرجال: الرجالة، الواحد: راجل، كما يقال كاتب وكتاب، والكبد: معروفة، والنصال: جمع نصل، وهو الحديدة المركبة في السهم، وكبدها وسطها، وكبداها: عن يمين العين الناشر في وسط تلك الحديدة وشماله، ويهوين: يقلبن، والقلال: رؤوس الجبال، الواحد: قلة، والأظلاف من الوعول: كالحوافر من الدواب، والإرقال: ضرب سريع من مشي الإبل، فاستعار لانصباب الوعول من الجبال، والجو: ما إرتفع من الهواء، والمحال: فقار الظهر، والوحدة: محالة، والنيمة: هيئة النوم، والكسال: العاجزون عن الحركة، الواحد: كاسل، والقفي: جمع قفا، والعجال: جمع عاجل، والكلال: الإعياء، والضلال: العمى عن القصد. فيقول، وهو يصف الوعول المصيدة: أنها يشبه إقبالها إدبارها في الوحشة، ولا يتباين ذلك في مكروه الخلقة، فوجوهها كأقفائها في الكره، وأواخرها كأوائلها في القبح. ثم وصف إحاطة الهلع بها، واعتماد الرماة في خلال ذلك فقال: فاختلفت بين عارضين من النبل، وبين طائفتين مطالبتين لها بالقتل من أعالي الجبال وأسافلها،

стр. 356

ومن أواخرها وأوائلها، قد أودعت أكبادها قسي رجالة الرماة، أكباد يصال أيأستها من الحياة، فهن يهوين من رؤوس الجبال مستعجلة، مقلوبة أظلافها محولة، ترقل على محال ظهورها إرقال مكرهة، وتنصب في الجبل على ظهورها غير متخيرة، في طرق تسرع بها على القفي في إعجال العجل، ولا تتشكى مع ذلك ألم الكلال، ولا تحذر في انصبابها مكروه الضلال. فكانَ عَنْهَا سَبَبَ التَّرْحَالِ ... تَشويقُ إكثَارٍ عَلى إقلالِ فَوَحْشُ نَجدٍ مِنهُ في بَلبَالِ ... يَخَفْنَ في سَلمَى وفي قِيالِ نَوافِرَ الضِّبَابِ والأورَالِ ... والخاضِبَاتِ الرُّبدِ والرِّئالِ والظَّبْيِ والخَنسَاءِ والذَّيَّالِ ... يَسمَعْنَ مِنْ أَخبَارِهِ الأزوالِ ما يَبعَثُ الخُرْسَ على السُّؤَالِ الترحال: تفعال من الرحلة، والبلبال: وسواس الهموم، وسلمى وقيال: جبلان معروفان من جبال الحجاز، والضباب: صنف من الهوام تكون في بلاد العرب، واحدها ضب، والأورال: نحوها، والواحد ورل، والخاضبات: النعام التي أكلت الربيع فاحمرت سوقها، واحدها خاضبة، والربد: القفر (المربد) الألوان، والريال: صغار النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي الطويل الذنب، والأزوال: الحسان، واحدها زول. فيقول: فكان سبب الرحلة عن صيد الأيل والوعول التي قدم ذكرها، إقلالها بكثرتها، وتشويقها إلى القلة منها بترادف جملتها. ثم قال: فوحش نجد من الممدوح عضد الدولة في إشفاق ووجل على بعد الشقة فيما بينها وبينه، تخافه في سلمى وقيال، على تناء هذين الجبلين منه، وانتزاحهما بطول المسافة عنه، فضبابها وأورالها نافرة، ونعامها وريالها خائفة، وظباؤها وبقر وحشها فازعة، يسمعن من أخبار عضد الدولة العجيبة المستحسنة، وسطواته

стр. 357

المخوفة المتوقعة، ما يبعث الخرس على أن تبحث وتسأل، ويوجب لها أن تتروع وتحذر. فُحُولُها والعُوذُ والمَتَالِي يَوَدُّ ... لو يُتحِفُها بِوَالِي يَركَبُها بالخُطمِ والرِّحالِ ... يُؤمِنُها مِنْ هذهِ الأهوالِ ويَخمُسُ العُشْبَ ولا يُبَالي ... وماَء كُلِّ مُسبِلٍ هَطَّالِ الفحول: التي لم تحمل، والعوذ: التي تعوذ بها أولادها، والمتالي: نحو ذلك، والإتحاف: إهداء ما يستحسن، والخطم للإبل: كاللجم للخيل، وأستعارها للوحش، والرحال للإبل: كالسروج للخيل والإبل والبغال، واستعارها في هذا الموضع. فيقول: فحول الوحوش وعوائذها ومتبوعاتها، تود لو يتحفها بوال يملكها، وحائط يصرفها، فيركبها بالرحال والخطم، ويثقفها بالأزمة واللجم، ويؤمنها من هذه الأهوال الحادثة، ويسكنها من روعات هذه الأخبار السائرة، ويخمس العشب؛ بأخذه الخمس مما ترعاه من العشب النابت، وما ترد عليه من ماء السحاب الهاطل، ولا تبالي ذلك ولا تكرهه، ولا تخافه ولا تحذره. يا أَقدَرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ ... لو شِئْتَ صِدتَ الأُسدَ بالثّعَالِ أو شِئتَ غَرَّقْتَ بِالعِدَى بالآلِ ... ولو جَعَلْتَ مَوضِعَ الإلاَّلِ لآلِئاً قَتَلْتَ بالآلي ... لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ ... على ظُهُورِ الإبِلِ الأُبَّالِ فَقَدْ بَلَغَتْ غَايَةَ الآمالِ ... فَلَمْ تَدَعْ مِنهَا سِوى المُحالِ في لا مكانٍ عِندَ لا مَنَالِ السفار: المسافرون، وليس هذا الجمع واحد من لفظه، والقفال: الراجعون من سفرهم، الواحد: قافل، والثعال: الثعالب على الترخيم في غير النداء، والآل: السراب، وهو ما يتخيل في بطون الفلوات عند شدة الحر، مما يشبه الماء،

стр. 358

والإلال: الحراب، الواحد ألأة، واللآلي: الدر، واحدها: لؤلؤة، والسعالي: جمع سعلاة، وهي الغول التي تتمثل من الجن في الفلوات، والإبل الأبال: التي طال مكثها في المرعى، وهي لا تركب ولا يحمل عليها، وقد صارت كالمتوحشة، الواحدة آبل. فيقول مخاطبا للممدوح عضد الدولة، ومشيرا إلى الوجهة التي وصفها في صيده، وإلى إنصرافه عنها: يا أكرم من سافر وقفل، وأفضل من حل ونزل، لو شئت بما حكم الله لك به من السعادة، وقصره عليك من الجلالة والسيادة، لصدت الأسد بالثعالب، انقيادا من جميع الحيوان لك، ولما امتنع عليك ذلك، لما وصله الله من التمكين بك، ولو شئت؛ لقدرتك على الأعداء، ونفاذ إرادتك في جميع الأشياء، لغرقت أعداءك بالآل، تيقنا منهم لقدرتك، ولغلبت أهل الجبر على شجاعتهم، خضوعا لهيبتك. وأن لم تكن هذه العبارة في نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده. ولو استعملت فيمن يقاتلك مكان الرماح النافذة، حسان اللآلئ الرائقة، لقتلت بها مع بعدها من القتل، ولبلغت بها غاية ما تقصده من الفعل. ثم قال على نحو ما قدمه من مخاطبة عضد الدولة، والإشارة إلى الوجهة التي انصرف عنها من صيده: لم يبق لك بعد ما ذللت من ملوك البلاد، وبلغت فيهم من غاية المراد، وأظهرت من الاقتدار على الوحوش النافرة، والتملك لها في قلل الجبال الشامخة، غير طرد سعالي الجن التي تتمثل في الفلوات في حناديس الظلم، التي لها فيها أشد السطوات على ظهور الإبل المؤبلة التي لا تركب، فلو فعلت لحكم لك السعد في ذلك بأفضل ما ترغب. ثم قال: فقد بلغك الله في مقاصدك غاية ما أملته، وقرب لك من ذلك أغبط ما حاولته، فلم تدع شيئا من الأشياء إلا ما يستحيل البلوغ إليه، ولا فاتك إلا ما لا

стр. 359

يشتمل الإمكان عليه. يا عَضُدَ الدَّولَةِ والمَعَالِي ... النَّسَبُ الحَلْيُ وَأَنتَ الحَالِي بِالأبِ لا الشَّنْفِ ولا الخَلخَالِ ... حَلياً تَحَلَّى مِنكَ بالجَمَالِ وَرُبَّ قُبحٍ وَحُلىً ثِقَالِ ... أَحسَنُ مِنهَا الحُسْنُ في المِعطَالِ فَخْرُ الفَتَى والأفعَالِ ... مِنْ قَبلِهِ بالعَمِّ والأخوَالِ العضد: ما بين المنكب والمرفق، وهو عماد اليد التي بها يكون البسط والقبض، ولقب فناخسرو بعضد الدولة من هذا الاشتقاق؛ لنفاسة العضد في الأعضاء، والحلي: ما يتزين النساء به من الجوهر والذهب وما أشبه ذلك، ويستعار أسمه على المشابهة، والحلي: جمع حلية، وهي ما يتزين به من الحلي وغيره، والمعطال: المرأة العارية من الحلي. فيقول مخاطبا فناخسرو: يا عضد الدولة! ويا عضد المعالي المنفرد في ذلك بالمجد، والحائز فيه لضروب الحمد، نسبك حلي لك بجلالته ورفعته، وأنت الحالي منه بفخامته وعلو منزلته، وأنت المتزين منه بالآباء السادة، لا بالشنف والخلخال والقلادة، وذلك الحلي يتحلى منك بما تنميه من مناقبك، وتزيد في جماله بمكارمك وفضائلك، ورب شرف لا يشيده وارثه، ولا يزينه بخصاله صاحبه، ورب قبح يحاول ستره بالحلي الفاخرة فتفضحه الحسناء المعطال مع البذاذة الظاهرة، وفخر الفتى بنفسه وأفعاله أوكد من فخره بأعمامه وأخواله، وتمام الشرف أن ينصر آخره أوله، ويزين حديثه متقدمه.

стр. 360

وقال عند وداعه لعضد الدولة: فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ نَدَاكا ... فَلا مَلِكٌ إذاً إلاَّ فَدَاكَا وَلَو قُلْنَا فَدىً لَكَ مَنْ يُسَاوِي ... دَعَوْنَا بِالبَقَاءِ لِمَنْ قَلاكَا وآمَنَّا فِدَاكَ كُلَّ نَفسٍ ... وإنْ كَانَتْ لِمَملَكَةٍ مِلاكا فديت الرجل فداء: إذا كنت وقاية له، وبدلا منه فيما يكرهه، وقليت الرجل أقليه قلى: إذا أبغضته، والمملكة: سلطان الملك، وملاك الشيء: عماده. فيقول مخاطبا لعضد الدولة، وداعيا له: جعل الله فداءك من الملوك من يقصر عن نداك وفضلك، ولا يساويك في كرمك وجودك، فأن الملوك، إذا سمع الله هذا الدعاء فيك، ويفدونك بجملتهم، ويقونك المكاره بجماعتهم؛ لتحقيرهم عنك في مجدهم، وتواضعهم دون منزلتك وقدرك. ثم قال: ولو دعونا بأن يفديك من يساويك ويماثلك ويوازيك، لكنا قد أحلنا في فدائك على معدوم لا يوجد، وأشرنا إلى مفقود لا يعهد، ولدعونا بالبقاء لمن يقليك ويكرهك، ويتجنبك ويحسدك. ثم قال: وآمنا فداءك أنفس الخلق أجمعين، وملوكهم المترفعين، وإن كان في تلك النفوس ما هو ملاك مملكة، ومن ينفرد بعلو منزلة، فهم عند إضافتهم إليك، كالعوام الذين لا يحفل بهم، والسوق الذين لا حظ في السلطان لهم. وَمَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُودَاً ... وَيَنصِبُ تَحتَ ما نَثَرَ الشَّبَاكَا وَمَنْ بَلَغَ الحَضيضَ بِهِ كَرَاهُ ... وإنْ بَلَغَتْ بِهِ الحَالُ السُّكاكا فَلَو كَانَتْ قُلُوبُهُمُ صَديقَاً ... لَقَدْ كَانتْ خلائِقُهُمْ عِدَاكَا لأَنَّكَ مُبغِضٌ حَسَبَاً نَحِيفاً إذا ... أَبصَرْتَ دُنياهُ ضِنَاكا يظن: يفتعل من الظن، أبدلت التاء من الظاء، لتقارب مخرجيهما، ثم أدغمت الظاء الأولى في الثانية كما قال زهير: هُوَ الجَوَادُ الَّذي يُعطِيكَ نائِلَهُ ... عَفواً وَيُظلَمُ أحيانَاً فَيَظَّلِمُ

стр. 361

والحضيض: قرار الأرض، والسكاك: ما ارتفع من الهواء، وأفرد صديقا وهو خبر عن جميع؛ لأن العرب تفعل ذلك فيه، وفي أشياء مما يكون على وزن فعيل، نحو نعل خصيف، وريح خريق، ورجل صديق، يستوي في ذلك المذكر والمؤنث والجمع والواحد، والحسب: الشرف، والنحيف: الهزيل، والمرأة الضناك: الضخمة المتداخلة الخلق، فاستعار ذلك في الدنيا. فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة، مؤكدا لما قدمه: ولامنا فداءك من الملوك من يظن قليل العطاء جوادا بالغا، ويرصد لمن يبذل له ذلك حتفا قاصدا، تكرها للجود وفعله، ومنافرة للكرم وأهله. وضرب لقلة العطاء مثلا بنثر الحب، وبنصب الشباك لما يبغي بها ناثرها من الكيد. ثم قال على نحو ما قدمه، مخاطبا لعضد الدولة: ولآمنا فداءك ملوكا قد بلغ الحضيض بهم قصر أفهامهم، وتأخر إدراكهم، وأن كانت أحوالهم قد بلغت بهم السكاك في العلو والرفعة، والتمكن والحظوة. ثم قال يخاطبه: فلو كانت قلوبهم تعتقد مودتك، وضمائرهم تخلص طاعتك، لعادوك بلؤم خلائقهم، ولأمحضوك مذموم مذاهبهم. ثم قال مؤكدا لما قدمه: لأنك مبغض من الولاة من دنياه ضناك قوية، وأوليته نحيفة دنية، فهو يتشبه بأهل الشرف، ويقعد به في ذلك لؤم السلف. أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتَ على فُؤادِي ... بِحُبِّكَ أَنْ يَحُلَّ بِهِ سِواكا وَقَدْ حَمَّلْتَنِي شُكْرَاً طَويلاً ... ثَقِيلاً لا أُطِيقُ بِهِ حَرَاكا أُحَاذِرُ أَنْ يَشُقَّ على المَطَايَا ... فلا تَمشِي بِنَا إلاَّ سِوَاكَا الرواح: السير بعد ذهاب صدر النهار، والختم: الطبع على الشيء، والحراك: لغة في الحركة، يقال: حرك الشيء يحرك حراكا وحركة، والسواك: ضعيف من مشي الإبل.

стр. 362

فيقول لعضد الدولة: أروح عنك وقد ختمت على قلبي بحبك، واستخلصته بما ترداف علي من برك، فلم يدع حبك فيه لغيرك مكانا ينزله، ولا أفضلت لسواك نصيبا يتناوله. ثم قال: وقد حملتني من شكرك ما هو طويل لا يتناهى ذكره، وثقيل لا يستخف حمله، لا أطيق به حراكا لكثرته، ولا يمكنني استقلال بجملته. ثم قال مؤكدا لما قدمه: فأنا أحاذر أن يشق على المطايا نقله، وأن ينهرها وفوده وثقله، فلا ينهضها إلا متساولة، ولا ترحل بها إلا مغلوبة متهالكة. لَعَلَّ اللَّهَ يَجعَلُهُ رَحِيلاً ... يُعِينُ على الإقَامَةِ في ذَرَاكَا فَلَوْ أَنِّي استَطَعْتُ خَفَضتُ طَرفِي ... فَلَمْ أبصِرْ بِهِ حَتَّى أرَاكَا وَكَيفَ الصَّبْرُ عَنكَ وَقَدْ كَفَانِي ... نَدَاكَ المُستَفِيضُ وما كَفَاكَا الذرا: الكنف. فيقول: لعل الله يجعل رحيلي عنك رحيلا يعين على الاستكثار من قربك، والاستزادة من أنعامك وفضلك، ويؤدي إلى الدقوم بالأهل والجماعة عليك، والإقامة معهم فيما لديك. ثم قال على نحو ما قدمه: فلو أنني استطعت لما اعتقده من عاجل، الأوبة، وأرغبه من سرعة الرجعة، خفضت طرفي فلم أبصر به، حتى أرد على حضرتك، وأكحل جفونه بالنظر إلى غرتك. ثم أكد ما قدمه فقال: وكيف لي بالصبر عنك، والتجلد على الانفصال منك، وقد كفاني ما غمرني من برك، وأحاط بي من أنعامك وفضلك، وما أجزاك ذلك ولا كفاك، ولا أقنعك ولا أرضاك؟. أَتَتْرُكُنِي وَعَينُ الشَّمسِ نَعْلِي ... فَتَقْطَعُ مِشْيَتِي فِيها الشَّرَاكَا؟! أَرَى أَسَفِي وما سِرْنَا شَدْيداً ... فَكَيفَ إذا غدا السَّيرُ إبتِراكا؟!

стр. 363

وَهذا الشَّوقُ قَبْلَ البَينِ سَيفٌ ... وهاأنا ما ضُرِبْتُ وَقَدْ أحاكَا! عين الشمس: قرصها، وعين كل شيء: شخصه، والشراك: سير النعل، والابتراك: السقوط على الركب، وحاك السيف وأحاك: لغتان في قطعه. فيقول لعضد الدولة: أتتركني وقد أنعلتني الشمس بما أوليتني من برك، وقربت به محلي من نفسك، فأتأخر عنك وأبتذل الكرامة التي شرفتني بها، والرتبة الرفيعة التي رأيتني أهلا لها؛ بصحبة غيرك من الملوك الذين لا يحلون محل خدمتك، فأكون عند ذلك كمن أنعل الشمس فأبتذلها في مشيه، وقطع الشراك فيها بحسب ما اعتاد من ذلك في نعله. ثم قال يخاطبه: أرى أسفي قبل السير شديدا على مفارقتك، وإشفاقي قبل الرحلة يؤلمني لضعفي عن مباعدتك، فكيف تظن بي إذا كان السير ابتراكا لعثار الإبل، وعجزت عن الإسراع لتطاول السفر. ثم قال على نحو ما قدمه: وهذا الشوق الذي أمتثله قبل الرحلة، وإقامتي بسببه أشد اللوعة؛ سيف صارم لم أضرب به وقد قطع، ولا باشرته وقد آلم وأوجع. إذا التَّودِيعُ أَعرَضَ قَالَ قَلبِيْ ... عَلَيكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا وَلَولا أَنَّ أكثَرَ ما تَمَنَّى ... مُعاوَدَةٌ لَقُلْتُ: ولا مُنَاكَا قَدِ استَشفَيتَ مِنْ دَاءٍ بِداءٍ ... وأَقتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا أعرض الشيء: إذا بدا وظهر، والصمت: السكوت، والمنى: جمع منة، واحدة ما يتمناه الإنسان، والاستشفاء: التعالج من الداء، والشفاء: البرء من السقم. فيقول: إذا قرب توديعي لعضد الدولة، وعزني ما أخاطبه به عند حلوله، دافعني قلبي عن التفوه لذكر ذلك، وقال لي: الزم الصمت، لا صحبت فاك إن أفصح بالرحلة، ولا استمتعت به أن صرح بذكر الفرقة. ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومخبرا عن قلبه في ملامته له: ولولا علمي بأن أكثر ما

стр. 364

يتمناه لقاء عضد الدولة، ولي نعمتك، ومعلي منزلتك لقلت: ولا صاحبت مناك، مدفوعا عن جملتها، ممنوعا من الاغتباط بمسرتها. ثم أخبر أن قلبه قال له: قد استشفيت من البعد عن أهلك بمفارقتك لأرفع الناس في نفسك، فصار أشد ما تشكوه من عللك ما قدرت أن فيه الشفاء من ألمك. فَأسْتُرُ مِنْكَ نَجوَانَا وأُخفِي ... هُمُومَاً قَدْ أَطَلْتُ لَهَا العِرَاكَا إذا عَاصَيتُها كَانَتْ شِدَادَاً ... وَإنْ طَاوعْتُها كَانَتْ رِكَاكَا وَكَمْ دُونَ الثَّوِيَّةِ مِنْ حَزينٍ ... يَقُولُ لَهُ قُدُومِي ذَا بِذاكا وَمَنْ عَذْبِ الرُّضابِ إذا أَنَخْنَا ... يُقَبِّلُ رَحْلَ تُروَكَ والورَاكَا النجوى: (ما) يستتر به من الكلام، والعراك: المحاكة والمزاحمة، والركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف المنحل، والثوية: موضع فيما يقرب من الكوفة، والكوفة وطن أبي الطيب، والرضاب: ريق الفم، وتروك: أسم الناقة، والوراك: جلد يكون على مقدم الرحل يثني الراكب عليه رجله. فيقول مخاطبا لعضد الدولة، ومشيرا إلى منازعة قلبه: وأستر منك أيها الملك ما يقصد بي قلبي إلبه، وما أنطوي من الأسف عليه، وأخفي من ذلك هموما، أعاركها مدافعا لها، وأتحملها وأنا مستحكم الألم. ثم قال مشيرا إلى الهموم التي قدم ذكرها: إذا عاصيتها بإجرائها على الحقيقة، والنظر إليها بالعين البصيرة، كانت شدادا مؤلمة، وإذا طاوعتها باطراح الفكر فيملا يبعثها، كانت ركاكا هينة. ثم قال: وكم دون الثوية التي أقصدها، والكوفة التي أريدها وأعتمدها، من حزين من أهل قد أخل به اغترابي عنه، وبلغ الأسف لذلك كل غاية منه، يقول له قدومي سرورك مني بهذه الأوبة بما كان يحزنك مني من طول الغربة. ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر أهله: وكم في تلك الحلة من عذب الرضاب،

стр. 365

بارع الحسن، فائق الجمال، مستحسن القرب، يقبل عند قدومي عليه رحل ناقتي ووراكها إعجابا بها، ويفديها بنفسه إكراما لها. يُحَرِّمُ أَنْ يَمَسَّ الطَّيبَ بَعدِي ... وَقَدْ عَبَقَ العَبِيرُ بِهِ وَصَاكَا وَيَمنَعُ ثَغْرَهُ مِنْ كُلِّ صَبٍّ ... وَيَمنَحُهُ البَشَامَةَ والأرَاكَا عبق الطيب: إذا فاح، وصاك العبير: إذا لصق، والبشام والأراك: ضربان من الشجر يستاك بفروعهما. فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحرم أن يمس الطيب بعد مفارقتي له، وأن يتصنع من الزين، لما يتيقنه من شغفي به، فيلقاني، وقد برت أليته، وكملت بقدومي أمنيته، وفاح الطيب من أردانه وعبق، وصاك العبير في أثوابه ولصق. ثم قال: ويمنع ثغره من كل من يصبو به، صيانة وعفة، ويمنحه البشامة والأراك، نظافة وترفها. يُحَدِّثُ مُقلَتَيهِ النَّومُ عَنِّي ... فَلَيتَ النَّومَ حَدَّثَ عَنْ نَدَاكَا وَأَنَّ البُخْتَ لا يُعرِقْنَ إلاَّ ... وَقَدْ أَنضَى العُذَافِرَةَ اللِّكَاكَا وَمَا أرضَى لِمُقلَتِهِ بِحُلمٍ ... إذا انتَبَهَتْ تَوَهَّمَهُ ابتِشاكَا ولا إلاَّ بِأنْ يُصغِي وأحكِي ... فَلَيتَكَ لا يُتَيِّمُهُ هَوَاكَا البخت: الجمال الخراسانية، واحدتها بختي، والإعراق: إتيان العراق، وبلد الكوفة الذي كان مستقرة؛ أحد العراقين، والعذافرة: الناقة الصلبة، واللكاك: المكثرة اللحم، والابتشاك: الإسراع. فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحدث مقلتيه النوم عني، يردي: أنه يتمثل له في نومه، ويتخيله في رقاده؛ لشدة حرصه على قربه، فليت ذلك النوم مثل له ما أحاط بي من فضلك، وما ظهر علي من تشريفك وبرك، فكان له في ذلك أبلغ السلوة، وفي السكون إليه أتم الأنسة.

стр. 366

ثم قال: وليت النوم حدثه أن البخت لا ترد بي العراق مع ما هي عليه من القوة، وما شهرت به من وثاقة الخلقة، إلا وقد أنضى الإعراق منها العذافرة الصلبة الخلق، اللكاك المكثرة اللحم، وحذف الإعراق لدلالة يعرقن عليه، كما قال : (فاطر السموات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجا، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير)، فرد الضمير إلى الجعل، ولم يذكره لدلالة جعل عليه. ثم قال مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: وما أرضى لمقلته بحلم تنتبه فلا تتحققه، لعدم رؤيته، ولا تتمتع به لقصر مدته. ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر محبوبه: ولا أرضى له إلا بأن أرد عليه فيصغي إلى ما أورده عنك من ميل الذكر، واحكي ما أسديته إلي من جليل الفضل، فليته عند ذلك لا يتيمه هواك إعجابا بك، وبما جمعه الله من الفضائل لك، وحذف أرضى من لفظه استغناء بما قدم من ذكره. وَكَمْ طَرِبِ المَسَامِعِ لَيسَ يَدرِي ... أَيَعجَبُ مِنْ ثَنَائِي أَمْ عُلاَكا وَذَاكَ النَّشْرُ عِرضُكَ كانَ مِسكَاً ... وَذَاكَ الشِّعْرُ فِهري والمَدَاكَا فَلاَ تَحمَدْهُمَا وأحمَدْ هُمَامَاً ... إذا لَمْ يُسْمِ حامِدُهُ عَنَاكَا الطرب: خفة تغلب عند شدة الفرح والحزن، والعلا: غايات الشرف والرفعة، والواحدة عليا، والنشر: الفوح، والفهر: الحجر الذي يسحق به الطيب، والمداك: صلاية الطيب التي يداك عليها، والدوك: الدق والسحق، والهمام: الملك العظيم. فيقول: وكم من فرح المسامع بما أبثه من فضلك، وأنظمه في شعري من مدحك، فليس يدري عند سماعه لذلك أيعجب من علاك، وما تبلغه من الجلالة والرفعة، أم من ثنائي وما يشتمل عليه من الاحتفال والكثرة؟. ثم قال: وذلك الفوح (الذي) يتضوع عندما أصفه من مجدك، وأذكره من ترادف

стр. 367

فضلك، نشر عرضك الذي هو المسك في كرم جوهره، وفي عبق طيبه ومخبره، وفهر ذلك المسك ومداكه اللذان يستخرجان حقيقة فضله، ويخبران عن جلالة قدره، شعري الذي يسير فيه في البدو والحضر، ويتغنى بذكره عند الحلول والسفر. ثم قال مخاطبا لنفسه: فلا تحمد النشر وطيبه، ولا تستكثر الشعر وحسنه، وأحمد الهمام الباعث لهما، والمنفرد بما أكمل له الفضل منهما، الذي إذا أضمر شاعره وأضافه إلى نفسه، وكنى عنه ولم يصرح عن أسمه، علم أنه يقصدك ويعنيك، ولم يشك عند ذلك من يسمعه (أنه) فيك. أَغَرُّ لَهُ شَمَائِلُ مِنْ أبِيهِ ... غَدَاً يَلقَى بَنُوكَ بِهَا أَبَاكا وفي الأحبابِ مُختَصٌّ بِوَجدٍ ... وَآخَرُ يَدَّعي مَعَهُ اشتِراكا إذا اشتَبَهَتْ دُمُوعٌ في خُدودٍ ... تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى الأغر: البهي الأبيض، والشمائل: الطبائع، والواحد: شمال، والتباكي: استعمال للبكاء. فيقول، وهو يريد عضد الدولة: أغر، ذو بهاء وجلالة، وجمال ووسامة، له شمائل في الفضل سامية، ومذاهب في الكرم بارعة، هي شمائل أبيه المعروفة، ومذاهبه الجليلة المعلومة. ثم أقبل بالمخاطبة على عضد الدولة، وترك الأخبار عنه، وجواز ذلك وما يشبهه مشهور في الكلام، قال الله : (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فأجرى المخاطبة والإخبار مجرى واحدا، فيقول لعضد الدولة: وغدا يلقى بنوك أباك بتلك الشمائل، ويحكونه في تلك الفضائل، ويحتذون في ذلك حذوك، ويقفون أثرك وهديك. ثم قال مشيرا إلى أسفه على مفارقته، وما بنفسه من الألم لمباعدته: وفي من

стр. 368

يدعي وينتحل الإخلاص والمودة، من يخصه ذلك ويلزمه، ويصدق فيما يضمره، وفيهم من يدعي المشاركة في ذلك بلا حقيقة، ويتحمل فيه على طريقة غير قديمة. ثم قال مشيراً إلى من يخلفه من أهله، وما هم عليه من البكاء والأسف من بعده: إذا اشتبهت دموع في خدود قوم يتشكون ألم الحزن، ويخبرون عن أنفسهم بشدة الوجد، تبين من بكي مجداً في حزنه، ومن تباكى مظاهراً بفعله، يريد: أن فيمن يخلفه من أهله من يصدقه في وده، ولا يغالطه فيما يبديه من التوجع لبعده. ثم قال مشيراً إلى من كنى عنه من أحبته: أَذَمَّتْ مَكْرُماتُ أَبي شُجَاعٍ ... لِعَيَنْي مَنْ نَوَايَ على أُولاكا فَزُلْ يا بُعدُ عَنْ أيدِي رِكابٍ ... لَهَا وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا وَأَيَّا شِئْتِ يا طُرُقِي فَكُونِي ... أَذَاةً أَوْ نَجَاةً أَوْ هَلاَكا الذمة: العهد، وأذم الرجل لغيره إذا عاهده على أمر يلتزمه له، والنوى: البعد، وأولاك: لغة في أولئك، والركاب: الإبل المتحملة بالقوم، والأذاة: فعلة من الأذى، والنجاة: كذلك من النجا. فيقول مشيرا إلى من يقصده من أهله وأحبته: أذمت مكرمات أبي شجاع عضد الدولة لعيني على ملاحظة من أقصده في أقرب مدة، والوصول إليه على أتم غبطة، وذمامة مقرون بالوفاء، وعدته لا تتصل بالإبطاء. ثم قال مخاطبا للبعد الذي حاول قطعه، والسفر الذي عانى أمره: فزل أيها البعد عن أيدي ركاب؛ سعد عضد الدولة يكتنفها، وإقباله ينهض بها، وهي لما تشاهد من غلبتها واقتدارها عليك وقوتها تفعل فعل الأسنة في نفسك، وتستقل ما تستعظمه من جملة أمرك. ثم قال: وأيا شئت أيها الطرق، فكوني؛ أن شئت متباعدة صعبة، وأن شئت متدانية

стр. 369

سهلة، أذاك وإهلاكك كوقايتك وإنجائك، يعصمني من مضرتك فضل الله ، وسعد الملك الذي فارقته، وإقبال عضد الدولة الذي اعتلقته وأملته. فَلَو سِرْنَا وفي تَشرِينَ خَمسٌ ... رَأوني قَبْلَ أَنْ يَرَوا السِّمَاكَا يُشَرِّدُ يُمنُ فَنَّاخُسرُو عَنِّي ... قَنَا الأعدَاءِ والطَّعْنَ الدِّراكَا وَألبَسُ مِنْ نَدَاهُ في طَرِيقِي ... سِلاحَاً يَذعَرُ الأبطَالَ شَاكَا تشرين الأول بالسريانية: هو شهر أكتوبر بالرومية، والسماك الأعزل: كوكب معروف من كواكب الأنواء، وهو يطلع بالغداة لخمس يخلون من تشرين المذكور، والطعن الدراك: المتتابع، والسلاح الشاك: الحديد. فيقول على ما قدمه، من ثقته بما أحاط به من سعادة عضد الدولة: فلو سرنا وقد انصرم لتشرين خمس من لياليه، لرآني من أقصده من أهل، وأحن إليه من الجماعة المتصلة بنفسي، قبل أن يروا السماك الذي هو في هذا الوقت أول طوالع الغداة البداية، وأظهرها إلى العيون الناظرة؛ إشارة إلى سرعة سيره، وما يثق به من تأييد الله تعالى له في جملة أمره. ثم قال على نحو ما قدمه من إسناده إلى الاعتزاز بعضد الدولة، والتصرف في سعادته: يشرد يمن فناخسرو عني جميع ما أحذره من آفات السفر، وما أتوقع في ذلك من حوادث الضرر، واستظهر به على الأعداء، واستدفع ببركته مكروه اللأواء. ثم قال: وألبس في طريقي من نداه المترادف، وإفضاله الجزيل المتتابع، سلاحا شاكا، أدعر به حماة الأبطال، وأغنى بهيبته عن التعرض للقتال. وَمَنْ اعتَاضُ مِنكَ إذا افتَرَقْنَا ... وَكُلُّ النَّاسِ زُورٌ ما خَلاَكا وَمَا أَنَا غَيرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍ ... يَعُودُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ امتِسَاكا حَيِّيٌ مِنْ إلهي أَنْ يَرَانِي ... وَقَدْ فَارقَتُ دَارَكَ واصطَفَاكَا

стр. 370

الزور: الكذب والباطل، والاصطفاء: الاختيار. فيقول مخاطبا لعضد الدولة: ومن الذي اعتاضه منك إذا فارقتك، وأتخذه بدلا بعدك إذا باعدتك، والناس ما خلاك زور لا يحفل بهم، وملوكهم بالإضافة إليك سوق لا حظ في الإمارة لهم. ثم قال مخاطبا له، ومخبرا عما يعتقده في استعمال الانصراف إليه: وما أنا إلا سم أرسلته مستعليا في الهواء فنفذ وأسرع، ثم لما بلغ غايته لم يستمسك فيها هنالك ورجع. ثم قال: وإني لأستحيي من الله أن يراني مفارقا لأرضك، مع ما خصك به من الفضل، ومترحلا عنها مع ما بسط بك على أهلها من العدل. تم السفر بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على مولانا محمد وآله وكان الفراغ من نسخه يوم الاثنين التاسع عشر من المحرم أوائل عام ثمانين وتسعمائة عرفنا الله خيره ووقانا شره ومكروهه آمين يا رب العالمين.