← Адаб

Адаб · id 37327

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني

ابن الإفليلي

Полный текст (370 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم قال وهو يشير إلى سيف الدولة: وكم صبحت أخاها في منازلته لأعاديه، ومداومته لمغازيه، وكم سألته من نفوس فيما سلف من ملاحمه، وتقدم من وقائعه، فلم يبخل عليك لكثرة من قتله، ولا خبت لديه لعظيم ما فعله. وهذا من التجوز الذي لا يخفى قصد قائله، ولا يجري على الحقيقة لفظ ناظمه، وإنما أراد المتوفاة كانت من بيان الفضل، وجلالة القدر، على حال لو أن الموت يحفظ لأحد ذمة لحفظ لها ذمتها، ولو راعى وكيد حرمة، لما أخل برعاية حرمتها. طَوَى الجَزِيرَةَ حَتَّى جَاَءني خَبَرٌ ... فَزِعْتُ فِيْهِ بآمالِي إِلى الكَذِبِ حَتَّى إِذا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلاً ... شَرِقْتُ بالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بِي تَعَثَّرتْ بِهِ في الأَفْوَاهِ أَلْسُنُها ... والُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ طي البلاد: قطعها، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشيء: الاعتصام به، والشرق: الغصص، وتعثر الألسن: توقفها عن الإبانة، مستعار من عثار أرجل، والبرد: رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها بريد. فيقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، حتى طرقني بغتة، وورد علي فجأة، ففزعت بآمالي فيه إلى تكذيب صدقه، ومخادعة نفسي بأمره. ثم قال: حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا أتعلل بانتظاره، ورجاء أخدع نفسي بارتقابه، أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع، فأذريت ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كألمي له، وأشرقه كشرقي به. ثم قال: تعثرت الألسن بذلك الخبر في الأفواه فلم تبنه لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، كذلك تعثرت به البرد في الطرق استثقالا لحمله، والأقلام في الكتب استراها لذكره.

стр. 37

كَأَنَّ فَعْلَةَ لم تَمْلأْ مَوَاكِبُها ... ديِارَ بَكْرٍ وَلَمْ تَخْلَعْ وَلَمْ تَهَبِ ولم تَرُدَّ حَيَاةً بَعْدَ تَوْلِيَةٍ ... وَلَمْ تُغِثْ دَاعِياً بالوَيْلِ وَالحَرَبِ فعلة: كناية عن اسم المتوفاة عَلَى سَبِيْلِ التَّعْظِيمِ لَهَا، وديار بكر: بلد كان فيه استقرارها، والويل والحرب: كلمتان يدعو بهما المفجوع. فيقول: كأن هذه المتوفاة لم تملا ديار بكر بالمواكب من حولها، والجموع من خدمها، ولم تخلع هنالك على من قصدها، ولم تهب الجزيل من العطاء لمن رجاها وأملها. ثم قال: وكأنها لم تلاقي من يئس عن الجياة بإحسانها وعفوها، ولم تغث من يدعو على نفسه بالويل والحرب بتداركها وفضلها. يشير إلى ما كانت عليه من جلالة القدر، وما عدم بموتها من الإحسان والفضل. أَرى العِراقَ طَويلَ اللَّيْلِ مُذْ نُعِيَتْ ... فكَيْفَ لَيْلُ فَتى الفِتْيانِ في حَلَبِ يَظُنُّ أَنَّ فُؤَادي غَيْرُ مُلْتَهِبٍ ... وَأَنَّ دَمْعَ جُفونِي غَيْرُ مًنْسَكِبِ العراقُ: بلاد معروفة، كان أبو الطيب فيها صناعته لهذا الشعر، وحلب: مدينة من مدائن الشام كان فيها استقرار سيف الدولة، والفؤاد: القلب، والالتهاب: التوقد، والمنسكب: السريع الجري. فيقول: أراني بالعراق طويل الليل؛ لكثرة السهر، شديد الحزن؛ بكثرة الأسف، مذ نعيت هذه المتوفاة، فكيف ليل سيف الدولة؛ فتى الفتيان، وولي الإحسان في حلب؛ دار ملكه، وموضع مستقره. ثم قال: أتراه يظن أني لا أشاركه في حزنه، وأساهمه في توجعه ورزئه، وأن فؤادي غير ملتهب لما دهمه، ودمع جفوني غير منسكب لما طرقه. بَلَى وَحُرْمَةِ مَنْ كَانَتْ مُراعِيَةً ... لِحُرْمَةِ المَجْدِ والقُصَّادِ والأَدَبِ وَمَنْ مَضَتْ غَيْرَ مَوْروثٍ خَلاَئِقُها ... وَإِنْ مَضَتْ يَدُها مَوْرُوثَةَ النَّشَبِ

стр. 38

وَهَمُّها في العُلاَ والمَجْدِ ناشِئَةً ... وَهَمُّ أَترابِها في اللَّهْوِ واللَّعِبِ الحرمة: ما لا يضيع من الذمام، والمراعاة: المحافظة، والنشب: المال الثابت. فيقول: بلى أني على أفضل ما يمكنني من مشاركة سيف الدولة، أقسم على ذلك بحرمة هذه المتوفاة، التي لم أزل مراعية لحرمة المجد، مثنية بالعطاء عن القصد، معظمة للأدب وأهله، عالمة بما يجب من حقه. ثم قال على نحو ما قدمه من القسم بالمتوفاة: ومضت وخلائقها معدومة غير موروثة، ومفقودة غير موجودة، وإن كانت يدها مضت، وما أفادته هباتها من النشب، موروث لا ينفد، ومشهود لا يفقد. ثم قال: وهمها من أول نشأتها في العلى والمجد وما تكسبه من الشكر والحمد، لا تدع ذلك ولا تغفله، ولا تتناساه ولا تهمله، وهم أترابها ممن حدث سنه، وتقاصر عمره، في اللهو والنعمة، واللعب والغفلة. يَعْلَنَ حِينَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمها ... وليسَ يَعْلَمُ إلاَّ اللهُ بالشَّنَبِ مَسَرَّةٌ في قُلُوبِ الطَّيْبِ مَفْرِقُها ... وحَسْرةٌ في قُلوبِ البَيْضِ واليَلَبِ إِذا رَأَى وَرَاَءها رَأْسَ لابِسِهِ ... رَأَى المَقَانِعَ أَعْلَى مِنْهُ في الرُّتَبِ الشنب: بريق الثغر مع ما يجول عليه من رضاب الفم، ومفرق الرأس: معروف، وبيض الحديد: معروفة أيضا، واحدتها بيضة، واليلب: الدرق، وقيل إنها بيض تتخذ من جلود الإبل، تصرف تصريف بيض الحديد، وصرف الضمير في قوله: لابسه إلى البيض واليلب، وأفرد لأنه أراد هذا الضرب من السلاح، وحمل الكلام على المعنى دون اللفظ، والعرب تفعل ذلك. [فيقول]، وهو يريد الأتراب اللواتي قدم ذكرهن: يعلمن حسن مبسم المتوفاة من الحجاب، وجلالة النصاب، [ولا] يخبر شنب ذلك المبسم إلا الله الذي أتقن صنعه، وأكمل حسنه، وأشار إلى أنها ارتفعت عن أن تساوى في شرفها فتتزوج، وتماثل

стр. 39

في زمانها فتملك. ثم قال: مسرة في قلوب الطيب وضروبه، استعمالها له، والتباس مفرقها به، واستعار للطيب قلبا على سبيل التجوز، وجمعه على معنى أن الطيب جنس اشتمل على ضروب كثيرة، وحسرة في قلوب البيض واليلب، ما تبغيه من أن يعلق ذلك المفرق، وتحمل ذلك الموضع. ثم قال: إذا رأى هذا الضرب من السلاح رأس من يلبسه، ورأى هذه السيدة الجليلة، والعقيلة الكريمة، رأى المقانع التي تستعملها مكانه، وتحلها محله، أعلى منه رتبة، وأظهر جلالة ورفعة. يشير إلى أنها مع التأنيث يتواضع عنها فحول الرجال، ولا يساويها مشاهير الأبطال. فَأِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنْثَى لَقَدْ خُلِقَتْ ... كَرِيمَةً غَيْرَ أُنْثى العَقْلِ والحَسَبِ وَإِنْ تَكُنْ تَغْلِبُ الغَلْبَاءُ عُنْصُرَها ... فَإِنَّ الخَمْرِ مَعْنى لَيْسَ في العِنَبِ الحسب: الشرف، وتغلب: القبيلة المعروفة، إليها ينسب بنو حمدان، والغلباء الضخمة القوية، والعنصر: الأصل. فيقول: فإن تكن هذه المتوفاة أنثى في خلقها، وامرأة في حقيقتها، وكان التأنيث من صفات النقصان، فقد خلقت هي كريمة سيدة، فاضلة مقدمة، غير أنثى في عقلها وحسبها، ولا منقصة في رفعتها وشرفها. ثم قال: وإن تكن تغلب؛ هذه القبيلة، مع جلالتها واشتهار فخامتها، أصل هذه المتوفاة، وكان لها من بين نسائها الشرف الذي لا يعادل، والفضل الذي يماثل، فذلك غير بديع، فالعنب أصل الخمر، وليس فيه ما يوجد في الخمر من توليد الفرح، وإثارة الطرب. يشير إلى أن الفرع قد يشرف أصله، والآخر قد يفضل أوله. فَلَيْتَ طالعَةَ الشَّمْسَيْنِ غَائِبَةٌ ... وَلَيْتَ غَائِبَةَ الشَّمْسَيْنِ لَمْ تَغِبِ

стр. 40

وَلَيْتَ عَيْنَ التي آبَ النَّهارُ بَهَا ... فِداءُ عَيْنِ زَالَتْ وَلَمْ تَوبِ فَمَا تَقَلَّدَ بالْيَاقُوتِ مُشْبِهُهَا ... وَلاَ تَقَلَّدَ بالهِنْدِيَّةِ القُضُبِ عين الشيء: شخصه، وآب: بمعنى رجع، والقضب: القواطع: الواحد قضيب. فيقول: فليت طالعة الشمسين غائبة، يريد: المتوفاة، وشمس النهار، والطالع منهما: الشمس المعهود، فتمناها أن تكون غائبة لا تطلع، ومعدومة لا ترجع، وليت هذه الشمس المفقودة طلعت موضعها فلم تعدم، وأقامت مكانها فلم تفقد، وكنى عن المتوفاة بالشمس، مشيرا إلى علو رتبتها، واستبانة شرفها ورفعتها. ثم قال على نحو ذلك: وليت عين الشمس المعهود التي رجع النهار بها طالعة، وأظهرها بعد الغروب مشرقة، فداء عين الشمس التي غابت، فلم تكن لغيبتها أوبة، وفقدت فلم تكن لفقدها رجعة. ثم قال مشيرا إلى موضع المتوفاة من الفضل، ومنزلتها من كرم الأصل: فما تقلد بالياقوت من النساء من أشبهها، ولا تقلد بالسيوف الصارمة من الرجال من يعدل بها، يريد: أنها فضلت النساء والرجال من أهل دهرها، وزادت عليهم بشرفها وقدرها. وَلا ذَكَرْتُ جَمِيلاً مِنْ صَنائِعِها ... إِلا بَكَيْتُ وَلاَ وُدٌّ بِلا سَبَبِ قَدْ كَانَ كُلُ حِجَابٍ دُونَ رُؤيَتِها ... فَمَا قَنِعتِ لَهَا يا أَرْضُ بالحُجُبِ وَلاَ رَأَيْتِ عُيونَ الإنسِ تُدْرِكُها ... فَهَلْ حَسَدْتِ عَلَيْها أَعْيُنَ الشُّهُبِ! الصنائع: الأيادي المشكورة، واحدتها صنيعة، والشهب: النجوم. فيقول: ولا ذكرت جميلا مما كانت توليه، وكثيرا مما كانت تفعله وتسديه، إلا بكيت حزنا ورقة، وأسفت توجعا وشفقة، ولا يكون الود دون سبب يبعث عليه، ولا يتمكن دون موجب يقود إليه، وإحسان هذه المتوفاة أوجب علي ودها، وألزمني أن أنشر فضلها.

стр. 41

ثم قال: قد كان دون رؤيتها كل حجاب يمنع مثله، وكل شيء من الستر يمكن فعله، فما قنعت لها أيها الأرض حتى حجبتها بسترك، وصيرتها مغيبة مغيبة في تربك. ثم قال: وقد كنت أيها الأرض آمنة عليها من عيون الإنس، أن تدركها من أبصارهم وأن تلحظها، أفتراك حسدت عليها أعين الكواكب فتضمنتها مغيبة لها؟! واشتملت عليها لبخلك بها؟! وأشار بهذا القول إلى موضع المتوفاة من الستر، وما كانت عليه من جلالة القدر. وهل سَمِعْتِ سَلاَمَاً لِي أَلمَّ بِهَا؟ ... فَقَدْ أطَلْتُ وما سَلَّمْتُ مِنْ كَثَبِ وَكَيْفَ يَبْلُغُ مَوْتَانَا الَّتي دُفِنَتْ ... وَقَدْ يُقَصّرُ عَنْ أَحْيَائِنَا الغَيَبِ الكثب: القرب. فيقول: وهل سمعت أيتها الأرض من سلامي الذي أردده، وذكري الذي أوصله؟ فقد أطلت في ذلك، وما تناولته من قرب، فأستمع من أخاطبه، وأدرك من هذا ما أحاوله. ثم قال: وكيف يبلغ ما اسلم به موتانا الذين سترهم الدفن وغيبهم الترب، وهو يقصر عن أحيائنا الذين غيبهم عنا انتزاح منازلهم، وتباعدهم منا في مواضعهم. يا أَحْسَنَ الصَّبْرِ زُرْ أَوْلَى القُلُوبِ بها ... وَقُلْ لِصَاحِبِه يا أَنْفَعَ السُّحُبِ وَأكرمَ النَّاسِ لا مُسْتَثْنِيا أَحَداً ... مِنَ الكِرَامِ سِوَى آبائِكَ النُّجُبِ يقول، وهو يريد سيف الدولة، أخا المتوفاة المرثية: يا أحسن الصبر وأوفره، زر أولى القلوب بهذه المتوفاة، يريد: قلب سيف الدولة الذي هو شفيق اخوتها، وأقعد الناس بقرابتها، وقل أيها الصبر لصاحب ذلك القلب، مخاطبا لسيف الدولة، ومرفعا به: يا أنفع السحب الساجمة، وأحمد الغيوث الوابلة. ثم قال، على نحو ما قدمه، مخاطبا لسيف الدولة: ويا اكرم الناس! لا استثني أحدا

стр. 42

منهم، ولا أخص مذكرا فيهم، سوى آبائك النجب السادة، والرؤساء القادة، فهم الذين بلغوا من الكرم غايته، وأحرزوا من الفضل نهايته، فليس يجوز لأحد أن يبلغ من الكرم ما لم يبلغوه، ويفعل من الجميل ما لم يفعلوه. قَدْ كانَ قاسَمَكَ الشَّخْصَيْنِ دَهْرَهما ... وَعَاشَ دُرُّهُمَا المَفْدِيُّ بالذَّهَبِ وَعَادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تَارِكُهُ ... إِنَّا لَنَغْفُلُ والأَيَّامُ في الطَّلَبِ ما كَانَ أَقْصَرَ وَقْتَاً كانَ بَيْنهُمَا ... كَأَنَّهُ الوَقْتُ بَيْنَ الورْدِ والقَرَبِ القرب: الدنو من الماء، والورد: الاحتلال به. فيقول لسيف الدولة، ذاكرا لتتابع وفاة أختيه، وتأخر الكبرى التي رثاها بهذا الشعر بعد الصغرى: قد كان قاسمك الدهر الشخصين اللذين كنت تأنس بهما، وتسكن إليهما، وآثرك بالأحب إليك، وكلاهما كريم في نفسه، رفيع في حاله، وكنت كمن كان له در وذهب؛ فرزي بالذهب ومتع بالدر، ونامت عنه فيه حوادث الدهر. ثم قال: وعاد الدهر عليك في طلب ما تركه، واسترجاع ما سلمه، يريد: ما حدث عليه بوفاة أخته الكبرى التي عزاه بها، إنا لنغفل والأيام طالبة، والحوادث في الإسراع نحونا جاهدة. ثم قال، يريد أختي سيف الدولة المتوفاتين: ما كان أسرع ما كان بينهما من المدة، وأقل ما لحق ذلك من المهملة، كأنه لخفة وقعته، وسرعة جملته، ما بين القرب والورد، اللذين يتصلان بلا تأخر، ويتواليان دون توقف.! جَزَاكَ رَبُّكَ بالأَحْزَانِ مَغْفِرَةً ... فَحُزْنُ كُلَّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الغَضَبِ وأَنْتُمُ نَفَرٌ تَسْخو نُفُوسُكُمُ ... بِمَا يَهَبْنَ ولا يَسْخُونَ بِالسَّلَبِ حَلَلْتُمْ مِنْ مُلُوكِ النَّاسِ كُلَّهِمُ ... مَحَلَّ القَنَا سُمْرِ القَنَا مِنْ سَائِرِ القَصَبِ يقول لسيف الدولة: جزاك ربك بالأحزان التي تحدث على رزاياك مغفرة تشملك، وتجاوزا يعجله لك، فحزن الحزين باب من الغضب؛ لأنه يتخبط حاله، ويتكره

стр. 43

شأنه، وهذه سبيل صاحبها فقير إلى تجاوز ربه، وتداركه لمغفرة ذنبه. ثم قال يخاطبه: وأنت وقومك نفر أعزة، وملوك أجلة، تسخو أنفسكم بجليل الهبات، وتسمح بجسيم الصلات، ولا تسمحون لقليل تستلبونه، ويسير تغتصبونه، ومن أصيب بحميم فالحزن مخوف عليه، وشدة الأسف سريعة إليه. ثم قال يخاطبه: حللت وقومك من بين سائر الملوك في علوكم عليهم، وتقدمكم فيهم، وإن كان الاسم يجمعكم بهم، محل قنا الرماح من سائر القصب التي تشاركه في الاسم، وتنفرد دونه بالغناء والفضل. فَلا تَنَلْكَ اللَّيْالي إِن أَيْدِيَها ... إِذا ضَرَبْنَ كَسَرنَ النَّبْعَ بالغربِ ولا يُعِنَّ عَدوّاً أَنْتَ قَاهِرُهُ ... فإنَّهُنَّ يَصَدْنَ الصَّقْرَ بالخَرَبِ وَإِنْ سَرَرْنَ بِمَحْبُوبٍ فَجَعْنَ بِهِ ... وَقَدْ أَتَيْنَكَ في الحالَيْنِ بِالعَجَبِ النبع: شجر صلب العود تعمل منه القسي، والغرب: شجر ليست له صلابة النبع ولا كرمه، والصقر: طائر من الجوارح كالبازي وما أشبهه، والخرب: ذكر الحبارى. فيقول داعيا لسيف الدولة: فلا جعل الله الليالي أن تنالك بمكروهها، وتتخطى إليك بمحذورها، فإن أيديها تكسر الأكثر بالأقل، وتحط الأرفع بالأوضع. وجعل النبع والغرب كالمثل في ذلك، وجعل لليالي أيديا على سبيل الاستعارة. ثم قال على نحو ما قدمه: ولا جعلها اله أن تعين عدوا أنت قاهره، وتظهر عليك مخالفا أنت غالبه، فإن شأنها أن تظهر الدني على السري، وتديل الضعيف على القوي. ثم قال على نحو ما قدمه، وهو يريد الليالي، وإن سررن بمحبوب فجعن بفقده، وإن أنسن به أعقبن ببعده، وقد أتينك، يخاطب سيف الدولة، من الحالين؛ في السرور بمن كنت تأنس به، والحزن بما أعقب ذلك من وفاته، والأسف له، بعجب

стр. 44

عجيب، وواعظ بليغ، والسكون إلى مساعدة الدهر غرور، والتمتع بمسرته يسير. وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الإنْسَانُ غَايَتَها ... وَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَبِ وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْها لُبَانَتَهُ ... وَلاَ انْتَهَى أَرَبٌ إِلاَّ إِلى أَرَبِ الاحتساب: التقدير، واللبانة: الحاجة، والأرب: المراد. فيقول: وربما احتسب الإنسان ما تصيبه الليالي من صروفها، وتعتمده به من خطوبها، غاية فعلها، ومبلغ جهدها، ثم تفجأه بعد ذلك بما لم يبلغه تقديره، ولا انتهت إليه ظنونه. ثم قال: وهي مع ذلك مرجوة فائدتها، ومنتظرة عائدتها، لا يقضي أحد منها غاية لبانته، ولا يبلغ فيها جملة إرادته؛ لأن أربه فيها موصول بمثله، وأمله مشفوع لشبهه. تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لا اتَّفَاقَ لَهُمْ ... إِلاَّ عَلَى شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَّجَبِ فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ المَرْءِ سَالِمَةً ... وقِيْلَ تَشْرَكَ جِسْمَ المَرْءِ في العَطَبِ وَمَنْ تَفَكَّرَ في الدُّنْيَا ومهْجَتِهِ ... أَقامَهُ الفِكْرُ بَيْنَ العَجْزِ والتَّعَبِ الشجب: الموت. فيقول: تخالف الناس مدة الدهر في مذاهبهم، وتداينوا في مقاصدهم، فليس بينهم اتفاق إلا على الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لمخلوق عنه، وهم في الموت مع تيقنهم له، على عادتهم في الاختلاف، وما عهد منهم من قلة الائتلاف. ثم وصف اختلافهم في الموت فقال: منهم من يذهب إلى أن النفوس بعد مفارقتها الأجسام إلى مواقيتها باقية، ومنهم من يذهب إلى أنها بفناء الأجسام فانية، وكلا القولين قد روي وذكر، وكثر الاختلاف فيه ونقل. ثم قال: ومن تفكر في الدنيا، وتصرفها في أمور نفسه وتقلبها، أقامه فكرة بين التعب فيما يتدبره، والعجز عما يعاينه ويطلبه. يشير إلى أن علم الإنسان يسير،

стр. 45

وهو على العجز والنقصان مفطور.

стр. 46

وأنفذ إليه كتابا إلى الكوفة يحصله بأمان، وسأله فيه المسير إليه، فأجابه عنه، وأنفذها إلى ميارفارقين في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة. فَهِمْتُ الكِتَابَ أَبَرَّ الكُتُبْ ... فَسَمْعَاً لأَمْرِ أَميرِ العَرَبْ وَطَوْعاً لَهُ وابْتِهَاجَاً بِهِ ... وإنْ قَصَّرَ الفِعْلُ عَمَّا وَجَبْ أبر الكتب: بمعنى أصدقها، وسمع: مصدر بمعنى الوقوف عند الأمر. فيقول لسيف الدولة: قرأت كتابك، أبر الكتب وأكرمها، وأعزها وأفضلها، فسمعا لأمرك يا أمير العرب وسيدهم، وزعيمهم وأوحدهم. ثم قال: وطوعا لكتابك وابتهاجا، ووقوفا عنده وامتثالا له، وإن قصر فعلي عما يجب من حقك، وعجز كثير شكري عما أحاط به من فضلك. وَمَا عَاقَنِي غَيْرُ خَوْفِ الوُشَاةِ ... وَإِنَّ الوِشَايَاتِ طُرْقُ الكَذِبْ وتَكْثِيرُ قَوْمٍ وَتَقْلِيْلُهُمْ ... وَتَقْرِيْبُهُمْ بَيْنَنَا والخَبَبْ وَقَدْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ سَمْعُهُ ... وَيَنْصُرُنِي قَلْبُهُ والحَسَبْ عاقني: بمعنى صرفني، والوشايات: النمائم، والوشاة: الناقلون لها، والتقريب والخبب: ضربان سريعان من المشي، والحسب: الشرف. فيقول لسيف الدولة: وما عاقني عن قصدك، ولا صرفني عن استيطان أرضك، غير تخوفي من الوشاة وكذبهم، وتوقعي لأهل الحسد وحيلهم، والوشايات طريق أهل الكذب، والنمائم سلاح أهل الحسد. ثم أكد ذلك فقال: وما توقعته مما عهدته من تكثير أولئك الوشاة في جهتي عند التقرب، وتقليلهم عند قلة الاهتبال بهم، وتقريبهم بيننا، وخببهم بما يختلقونه من إفكهم، واجتهادهم فيما ينقلونه من كذبهم. ثم قال مخبرا عن سيف الدولة: وقد كان ينصرهم باستماع ما ينقلونه وإظهار التقبل لما يقولونه، وينصرني قلبه بجميل معتقده، ويسعدني شرفه بكريم مذهبه، فكان يسمع منهم في جهتي ما لا يصدقه، ويظهر الإصغاء إليهم فيما لا يحققه.

стр. 47

وما قُلْتُ لِلْبَدْرِ أَنْتَ اللُّجيْنُ ... ولا قُلْتُ لِلشَّمْسِ أَنْتِ الذَّهَبْ فَيَقْلَقَ مِنْهُ البَعِيْدُ الأَنَاةِ ... ويَغْضَبُ مِنْهُ البَطِيءُ الغَضَبْ اللجين والذهب: معروفان، وبعد الأناة: شدة التثبيت. فيقول: وما بخست سيف الدولة يسيرا من حقه، ولا قصرت به في شيء من ذكره، ولا وصفته بأقل أوصافه، ولا نسبته إلى أخص أحواله، فأكون كمن مثل البدر بالجين، والشمس بالذهب، فلم يعط التمثيل حقه، ولا في التشبيه قسطه، مع قليل ما فرط فيه، ويسير ما دخل من السهو عليه، ولكنني وصفته غير مقصر في وصفه، ومدحته غير متأخر في مدحه. ثم قال: ولم يكن فيما ذكرته به ما يقلق منه مثله، من أهل الأناة البعيدة، والتؤدة الشديدة، وما يغضب منه من يبطئ الحلم بغضبه، ويحمله على التلبث شرف حسبه. وما لاقَنِي بَلَدٌ بَعْدَكُمْ ... ولا اعْتَضْتُ مِنْ ريَّ نُعْمايَ رَبْ ومَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الجَوَ ... دِ أَنْكَرَ أَظْلافَهُ والغَبَبْ لاق الشيء بالشيء: إذا ضمه ولصقبه، ورب الشيء: مالكه، والأظلاف من الشاة والثور: بمنزلة الحافر من الدابة، وغبب الثور: ما تحت عنقه من الجلدة الرخوة. فيقول لسيف الدولة: وما لاقني بلد بعدك أستقر فيه، ووطن أعتمد عليه، ولا اعتضت منك وأنت رب نعمتي، وحافظ جملتي، ربا أسند إلى فضله، ومالكا أتعبد نفسي لمثله. ثم قال: ومن صحبك على جلالتك، وشاهدك مع عظيم سيادتك، ثم فارقك وصحب غيرك ممن يتسمى بالإمرة، وينتسب إلى العلو والرفعة، وأحواله مع ذلك تعقده، وأخلاقه تقصر به وتؤخره، كان كمن ركب الثور مع هجنة خلقه، بعد ركوب الجواد المتقدم في عتقه. وهذه العبارة وإن لم تجر على رتبة لفظه فهي

стр. 48

معربة عن حقيقة قصده. وما قِسْتُ كُلَّ مُلُوكِ البلادِ ... فَدَعْ ذِكْرَ بَعْضٍ، بِمَنْ في حَلَبْ ولو كُنْتُ سَمَّيْتُهُم بِاسْمِهِ ... لَكانَ الحَدِيْدَ وكانُوا الخَشَبْ أَفي الرَّأْي يُشْبِهُ، أَمْ في السَّخا ... ءِ، أَمْ في الشَّجاعَةِ، أَمْ فِي الأَدَبْ؟ حلب: مدينة من ثغور الشام فيها كان مستقر سيف الدولة. فيقول: وما قست ملوك البلاد بجملتهم، غير مستثن لأحد من جماعتهم بمن في حلب منهم، يريد سيف الدولة، إلا كانوا لا يساوونه في أقل فضائله، ولا يحكون منه أخصر مكارمه. ثم قال: ولو كنت سميتهم باسمه، وألحقهم به في اللقب المعرب عن قدره؛ يشير إلى معنى سيف الدولة، هذا الاسم، لكان هو السيف حقيقة في مضائه وجدته، وصرامته وشدته، وكانوا هم من السيوف كالخشبة في نبوهم وكلالهم، وضعفهم ومهابتهم. ثم قال: وفي أي خصاله يشبهونه، أفي رأيه وصحته، أم في سخائه وكثرته، أم في شجاعته وصرامته، أم في أدبه ونباهته؟! وكل هذه الأحوال تقدمه عليهم، وتحكم له بالشرف فيهم. مُبارَكُ الاسْمِ، أَغرُّ اللَّقَبِ ... كَرِيْمُ الجرِشَّى، شَرِيفُ النَّسَبْ أَخُو الحَرْبِ، يُخْدِمُ ممَّا سَبَى ... قَنَاهُ، ويَخْلَعُ مما سَلَبْ إِذا حَازَ مالاً فَقَدْ حَازَهُ ... فَتًى لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ الأغر: الفاضل، ولقب الرجل: ما وسم به، والجرشى: النفس. فيقول في الممدوح، واسمه علي، ولقبه سيف الدولة: مبارك الاسم، فاضل اللقب، كريم النفس، شريف النسب، أخو حروب يداومها، وغزوات يواصلها، فهو يخدم قاصده من الإماء والعبيد، ما سبته رماحه وصوارمه، ويخلع عليه مما أفادته

стр. 49

ملاحمه ووقائعه. ثم قال: إذا حاز المال وجمعه، واستفاده وتملكه، فقد حازه فيه فتى لا يسر من المال إلا بما وهبه، ولا يغتبط منه إلا بما أعطاه ومنحه. وإِنّي لأُتْبِعُ تَذْكَارَهُ ... صَلاَةَ الإِلهِ وسَقْيَ السُّحُبْ وأُثْنِي عَلَيْهِ بآلائِهِ ... وأَقْرُبُ مِنْهُ نَأَى أَوْ قَرُبْ فَإِنْ فارَقَتْني أَمْطارُهُ ... فَأَكْثَرُ غُدْرَانِها ما نَضَبْ التذكار: التذكر، وصلاة الإله: رحمته، والآلاء: النعم، والغدران: مجامع المياة، والنضوب: الجفوف. فيقول: وإني لأتبع تذكري لسيف الدولة أفضل الدعاء وأبلغه، وأزكاه وأكرمه، وأسأل الله أن يخصه بزلفاه ورحمته، وأن يسقيه من السحاب بحسب رغبته، وأثني عليه بآلائه الشاملة، وأياديه الحديثة السالفة، وأقرب منه بامتثالي له، وما اعتقده من تعلق أملي به، أكان مني بعيدا نائيا، أو كان مني قريبا دانيا. ثم قال: وإن فارقتني نعمه السابغة، ولم تسقني أمطاره الساجمة، فآثار تلك النعم، وغدران تلك السحب، مشهورة عندي لا تبعد، وكثيرة لدي لا تنفد. أَيَا سَيْفَ رَيّكَ لا خَلْقِهِ ... ويا ذا المَكارِمِ لا ذا الشُّطَبْ وأَبْعَدَ ذِي هِمَّةٍ هِمَّةً ... وأَعْرَفَ ذِي رُتْبَةٍ بالرُّتَبْ وأَطْعَنَ مَنْ مَسَّ خَطَّيَّةً ... وأَضْرَبَ مَنْ بِحُسَامٍ ضَرَبْ الشطب: طرائق في متن السيف، واحدتها شطبة، والخطية: واحدة من قنا الرماح، تنسب إلى الخط، وهو بلد معروف. فيقول لسيف الدولة: أيا سيف الله، لا سيف أحد من خلقه، ويا رحمته التي يبسطها في أرضه، ويا ذا المكارم لا ذا الشطب، يريد: إنه وإن وافقه السيف في اسمه، فإنه يفارقه بمشهور فضله. ثم قال: ويا أبعد ذوي الهمم همة، وأظهرهم علوا ورفعة، ويا أعرف ذوي

стр. 50

المراتب بحقائق الرتب، واقعدهم بكرم الحسب. ثم قال: ويا أطعن من حمل رمحا بنفسه، وأضرب من قلب حساما بكفه؛ يشير إلى إنه أعلم الناس بالطعن والضرب، وأشدهم إقداما على مضائق الحرب. بِذا اللَّفظِ ناداكَ أَهْلُ الثُّغورِ ... فَلَبَّيْتَ والهَامُ تَحْتَ القُضُبْ وَقَد يَئِسوا مِنْ لَذيذِ الحَيَاةِ ... فَعَيْنُ تَغُورُ وقَلْبٌ يَجِبْ القضب: السيوف القواضب، واحدها قضيب، والقضب: القطع، ووجيب القلب: شدة خفقانه. فيقول لسيف الدولة، بعد ما ذكره من فضائله: بمثل ما أقول به في وصفك، وأعدده من فضائلك في مدحك، ناداك أهل الثغور مستصرخين لك، واستعانوا مستجيرين بك، عند نزول الروم عليهم، وتصميم جموعهم إليهم، فلبيتهم مسرعا نحوهم، وأغثتهم مؤمنا ذعرهم، وهامهم تحت السيوف تمتثل وقعها، وأنفسهم في قبض الحتوف وهي ترتقب فعلها. ثم قال: وقد يئسوا عن لذة الحياة لعظيم ما لحقهم، وتيقنوا مباشرة الهلاك؛ لكثرة من حل من الروم بهم، فعين ثغور لما نالهم من السهر والتعب، وقلب يجب لما اشرفوا عليه من مقاربه العطب. وَغرَّ الدُّمُسْتُقَ قَوْلُ الوُشَا ... ةِ: إِنَّ عَليَّاً ثَقِيْلٌ وَصِبْ وقد عَلِمَتْ خَيْلُهُ أَنَّهُ ... إذا هَمَّ وهو عَلِيلٌ رَكِبْ الدمستق: صاحب جيش الروم، والوشاة: الأعداء، والثقيل: الضعيف عن الحركة، والوصب: الشديد المرض. فيقول: وغر الدمستق عند تحركه إلى ثغور المسلمين قول من كان يواليه على سيف الدولة من أهل تلك البلاد، إنه ثقيل المرض، شديد الشكية والألم، فتحرك وقد أمن إغاثة سيف الدولة للثغر، وتحقق ما كان فيه من الألم والضر.

стр. 51

ثم قال: وقد علمت خيل سيف الدولة أن علته لا تثني همته، وشكاته لا تعوق عزيمته، وإنه إذا هم عليل ركب غير متوقف، وإذا أراد أمرا أمضاه غير متلوم، وأن تجلده لا تثنيه العلل، واعتزامه لا يصرفه الألم. أَتاهُمْ بأَوْسَعَ مِنْ أَرْضِهِمْ ... طِوال السَّبِيْب قِصارَ العُسُبْ تَغِيْبُ الشَّواهِقُ في جَيْشِهِ ... وتَبْدو صِغاراً إذا لم تَغِبْ ولا تَعْبُرُ الرَّيحُ في جَوَّهِ ... إذا لَمْ تَخَطَّ القَنَا أَو تَثِبْ السبيب: خصل الذنب، والعسب: جمع عسيب وهو العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب، وقصره من الفرس دليل على عتقه، وطول سبائبه من شواهد كرمه، والشواهق: الجبال العالية، واحدها: شاهق، والجو ما ارتفع من الهواء. فيقول، وهو يشير إلى سيف الدولة، وإلى أهل الثغر: أتاهم الدمستق بجيش ضاقت عنه أرضهم، وزادت سعته على سعة بلدهم، كثيرة جموعه، كريمة خيوله؛ سبائب تلك الخيول. . .، تغيب شواهق تلك الجبال في ذلك الجيش لعظمه، وتخفى فيه لكثرة عدده، وما بدا منها فهو صغير في عين مبصره، قليل فيما يسبق إلى متأمله. ثم قال: يمنع ذلك الجيش الريح من أن تعبره لتكاثف كتائبه، ويعوقها عن أن تسلكه لالتفاف رماح عواليه، فليس تنهض الريح في جوه إلا مستعلية متحيلة، ولا تتخلص منه إلا مرتفعة متوثبة. فَغَرَّقَ مُذْنَهُمُ بالجُيوشِ ... وأَخْفَتَ أَصْواتَهُمْ باللَّجَبْ فَأَخْبِثْ بِهِ طَالِباً قَتْلَهُمْ ... وأَخْيِبْ بِهِ تارِكاً ما طَلَبْ الأخفات: الإخفاء، واللجب: اختلاط أصوات أهل العسكر. فيقول: فغرق الدمستق مدن الثغر في جمعه، وغيبها فيما أحاط بها من حشده،

стр. 52

واخفت أصوات أهلها بلجبه، وغطى عليها بكثرة عدده، فما أخبثه في طلب قتلهم، ومحاولة الظفر بهم، عند معرفته بعلة سيف الدولة، ومسارعته إلى انتهاز تلك الفرصة، ومبادرة تلك الغرة، وما أخيبه في ترك مت طلبه، وإعراضه عما قصده، عند مقاربة سيف الدولة له، ودنوه منه، واعتصامه بالفرار بنفسه، ومعرفته بما له مع سيف الدولة في حربه. نَأَيْتَ فَقَاتَلَهُمْ باللَّقاءِ ... وجئتَ فَقَاتَلَهُمْ بالهَرَبْ وكانوا لَهُ الفَخْرَ لَما أَتَى ... وكُنْتَ لَهُ العُذْرَ أَمْا ذَهَبْ يقول لسيف الدولة: نأيت عن أهل الثغر، ووقفتك عنهم علتك، فقاتلهم الدمستق بغزو أرضهم، ولقاء خيلهم، وجئت نحوهم فقاتلهم بالهرب عنهم، والفرار منهم. ثم قال: وكانوا له الفخر بغزوه إليهم، وإقدامه عليهم، وكنت له العذر في انصرافه عما كان أنفذه من قصدهم، وفراره عما اقتحم فيه من أرضهم؛ لأن من عجز عن حربك فهو غير ملوم في عجزه، ومن فر عن لقاك فهو غير مضيق عليه في عذره. سَبَقْتَ إليْهِمْ مَنَاياهُمُ ... ومَنْفَعَةُ الغَوْثِ قَبْلَ العَطَبْ فَخَرُّوا لِخَالِقِهِمْ سُجَّداً ... وَلَوْ لَمْ تُغِثْ سَجَدوا لِلصُّلُبْ وَكَمْ ذُدْتَ عَنْهُمْ رَدًى بالرَّدَى ... وَكَشَّفتَ مِنْ كُرَبٍ بالكُرَبْ ذدت: بمعنى دفعت، والعطب: الهلاك. فيقول لسيف الدولة: سبقت إليهم مناياهم التي كانت قد قاربتهم ومهالكهم التي كانت شافهتهم، مسرعا نحوهم غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، ومنفعة الغوث أن تكون قبل وقوع العطب، وفائدته أن يسبق به قبل حلول التلف. ثم قال: فخر أهل الثغر لخالقهم ساجدين لقصدك نحوهم، ونادوك شاكرين على احتلالك أرضهم، ولو لم تغثهم لغلبت الروم عليهم وكانوا يفتنونهم عن دينهم،

стр. 53

ويلزمونهم السجود لصليبهم. ثم قال يخاطب سيف الدولة: وكم دفعت عن أهل الثغر من وقائع الروم بإيقاعك بهم، وكم صرفت عنهم من رداهم بردى أحدثته عليهم، وكم كشفت من كربهم؛ الكرب التي واليتها على الروم في قتلك لهم، وإيقاعك بهم، فأمنت أهل الثغور بإخافتهم، وأرحتهم بمواصلة نكايتهم. وَقَدْ زَعَموا إنه إِنْ يَعُدْ ... يَعُدْ مَعهُ المَلِكُ المُعْتَصِبْ ويَسْتَنْصِرانِ الذي يَعْبدانِ ... وعِنْدَهُما إنه قَدْ صُلِبْ ويَدْفَعُ ما نَالَهُ عَنْهُما ... فيا لَرَّجالِ لِهذا العَجَبْ المعتصب: ملك الروم الأعظم الذي يعتصب بالتاج، والاعتصاب بالتاج: حمله على الرأس، موضع العصابة. فيقول: وقد زعم الروم أن الدمستق إن عاد إلى الثغر عاد معه ملكهم الأعظم المعتصب بالتاج، فحشد مع نفسه جميعهم، وكثر بحضوره عديدهم. ثم قال: ويستنصران عيسى بن مريم الذي يعتقدون ربوبيته، ولا ينكرون إلهيته، ويزعمون مع ذلك أن اليهود صلبوه واستضعفوه وغلبوه. فيقول: إنه سيدفع عن الدمستق وعن ملك الروم من القتل ما لم يدفعه عن نفسه، ويملك من أمرهما ما لم يملكه من أمره، فيا للرجال لهذا العجب العجيب، والثناء الغريب. أَرى المُسْلِمينَ مَعَ المُشْرِكِيْنَ ... إِما لِعَجْزٍ وإِما رَهَبْ وأَنْتَ مَعَ اللَّهِ في جَانِبٍ ... قَلِيْلُ الرُّقَادِ كَثيرُ التَّعَبْ كأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُ ... وَدانَ البَريَّةُ بِابْنٍ وأَبْ الرهب: الخوف. فيقول: أرى المسلمين مع المشركين يألونهم ويهادنونهم ويتمسكون بهم

стр. 54

ويسالمونهم، إما لعجزهم وضعفهم، وإما لتوقعهم وخوفهم. ثم قال، يخاطب سيف الدولة: وأنت مع الله في جانب عنهم، وفي معزل منهم، تغاور الروم وقد ضيع المسلمون غزوهم، وبذلهم إذا استعظم من سواك أمرهم، لا تغفل عن ذلك ولا ترقد، ولا تسأم من التعب فيه ولا تسكن. ثم قال: كأنك وحدك عظمت الله ووحدته، ونصرت دينه وأيدته، وكان من سواك من المعظمين للروم، المسالمين لهم، دانوا للشرك والتزموه، وقالوا به وانتحلوه. فَلَيْتَ سُيُوفَكَ في حاسِدٍ ... إذا ما ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَئِبْ ولَيْتَ شَكاتَكَ في جِسْمِه ... ولَيْتَكَ تَجْزِي بِبُغْضٍ زحُبْ فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي بِهِ نِلْتُ مِنْ ... كَ أَضْعَفَ حَظًّ بِأَقْوى سَبَبْ يقول: فليت سيوفك معملة في حاسد ينكر مشهور فضلك، ولا يعرف لك بكريم سعيك، فإذا أظهرك الله على الروم أسف وحزن، وإذا أظفرك بهم ارتمض واكتأب. ثم قال: وليت شكاتك في جسم ذلك الحاسد، يكفيك ألمها، وعلتك مقصورة عليه، تنوب عنك في تحملها، وليتك تجزي من أحبك على مقدار حبه، ومن أبغضك بمقدار ما يعتقده لك من بغضه، فتقارض كلا بقسطه، وتجزيه على حقيقة قدره. ثم قال: فلو كان ذلك رأيك ومذهبك، واختيارك ومعتقدك، لنلت أضعف حظ من تقبلك، بأقوى سبب أمت به من الإخلاص لك. يشير إلى أن سيف الدولة يغمض لكثير ممن حوله، على ما تيقن منه من قلة الخالصة، والبعد من سلامة الناحية، وإنه اغفل أمر أبي الطيب مع ما هو عليه من ثابت البصيرة في مودته ونصحه، وخالص النية في الاعتراف بإحسانه وفضله. نجز ما قاله أبو الطيب في سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وفي جملة ذلك الأشعار الثلاثة التي كتب بها إليه من العراق، وهي آخرها، أثبتناه من أشعاره

стр. 55

فيه.

стр. 56

الكافوريات وفارق أبو الطيب سيف الدولة، وكان سبب مفارقته إياه إنه تغير عليه، وأصغى إلى قول الحساد فيه، فكثر الأذى عليه منه، فرحل من حلب، وركب البرية إلى دمشق. وكاتبه الأستاذ كافور المسير إليه، فسار إليه، فنزل بالرملة، فحمل إليه الأمير الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلعا، وحمله على فرس بموكب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وأراد منه أن يمدحه، إليه بالأبيات الرائية: تَرْك مَدْحِيْكَ كالهجاءِ لِنَفِسي قد تقدمت وألحقت بما قاله في ابن عبيد الله قديما. ثم فارقه وقدم مصر، فأخلى له كافور دارا وخلع عليه، وحمل إليه آلافا من الدراهم، فقال يمدحه، أنشدها إياه في جمادى الآخرة من سنة ست وأربعين وثلاث مائة. كَفَى بكَ دَاءً أَنْ تَرَى المَوْتَ شَافِيا ... وَحَسْبُ المَنَايَا أَنْ أَمَانِيَا تَمَنَّيْتَها لَمَّا تَمَنَّيْتَ أَنْ تَرَى ... صَدِيْقا فَأَعْيَا أَوْ عَدُوّاً مُدَاجِيا المداجاة: المساترة. فيقول: كفى بك من الداء وشدته، ومن المكروه وبلوغ غايته، أن ترى الموت شفاء تطلبه، وتعتد به دواء ترغبه، وحسب المنايا في الظفر ببغيتها، والتمكن من إرادتها، أن يكن أماني يؤمل ورودها، ورغبات يستبطأ حلولها. ثم قال يخاطب نفسه، ويبسط في تمنيه للمنايا عذره: تمنيت الموت واستبطأته، وكرهت العيش واستثقلته؛ لفساد الزمان وأهله، واستحالته في جملة أمره، وإني تمنيت أن أرى فيه صديقا فلم أجده، أو مداجيا بالعداوة فلم أبصره، إذ الناس كلهم أعداء غير ساترين، وأضداد غير مجاملين. وأشار إلى قلة إنصاف سيف الدولة، وإنه أكثر من الإضرار به، وأن ذلك حمله على مفارقته، ودعاه إلى مباعدته ومصارمته.

стр. 57

إذا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَعيْشَ بِذِلَّةٍ ... فلا تَسْتَعِدَّنَّ الحُسَامَ اليَمَانِيا ولا تَسْتَطِلَّنَّ الرَّماحَ لِغَارَةٍ ... ولا تَسْجِيْدَنَّ العِتَاقَ المَذّاكِيا فَما يَنْفَعُ الأسْدَ الحَياءُ مَنَ الطَّوَى ... ولا تُتَّقَى حتَّى تكونَ ضَوارِيا الحسام: السيف القاطع، واليماني: الذي طبع بأرض اليمن، والعتاق: الخيل الكريمة، والمذاكي: القرح منها، والطوى ضمور البطن من الجوع، والضواري من السباع: العادية، واحدتها: ضار. فيقول مخاطبا لنفسه، ومنبها في مفارقته لسيف الدولة علة عذره: إذا كنت ترضى أن تعيش ذليلا غير مكرم، ومستضعفا غير معظم، فما لك تستعد بالسيف وتحمله، وتستجيده وتتخيره؟! ثم قال على نحو ذلك: وما لك تستطيل الرماح للمطاعنة، وتستفره الخيل للمغاورة، إذا كنت لا تستعمل ذلك في المدافعة عن نفسك، وتصرفه فيما يدل على جلالة قدرك؟! ثم قال: وما ينفع الأسد بما توصف به من الحياء في جوع بطونها، ولا يوجب لها السكون تمكن أمورها، ولا تتقى حتى تكون ضارية، متسرعة عادية. وأشار إلى أن طول بقائه عند سيف الدولة أخل بقدره، وأن استعماله الحياء في مفارقته، منعه من إظهار غنائه وفضله. حَبَبْتُكَ قَلْبِي قَبْلَ حُبَّكَ مَنْ نَأَى ... وَقَدْ كَانَ غَدَّارا فَكُنْ لِيَ وَافِيا وَأَعْلَمُ أَنَّ البَيْنَ يُشْكِيْكَ بَعْدَهُ ... فَلَسْتَ فُؤادِي إِنْ رَأَيْتُكَ شَاكِيا فإِنَّ دُمُوعَ العَيْنِ غَدْرٌ بِرَبّها ... إِذا كُنَّ إِثْرَ الغادِرِيْنَ جَوَاريا النأي: البعد، والغدر والوفاء: معروفان، والبين: الفراق، والفؤاد: القلب، والشاكي: الألم. وأفرد غدرا وهو خبر عن الدموع؛ لأنه مصدر، والمصادر لا تثني ولا تجمع إذا نعت بها، أو أخبر، يقال: امرأة خصم ونساء خصم، ورجل غدر

стр. 58

ورجال غدر، والرب: المالك. فيقول مخاطبا لقلبه، ومهونا لفراق سيف الدولة على نفسه: حببتك أيها القلب قبل حبك لسيف الدولة الذي نأى عنك، وتباعد منك، وقد كان غدارا في فعله، وغير مقارض لك فيما كنت عليه من وده، فكن أيها القلب راضيا لي بالسلوة عن حبه، والإعراض عن التطلع إلى ذكره. ثم قال: واعلم أيها القلب أن الذي أنت عليه من الوفاء لمن صحبته، والتعلق بمودة من صافيته، يوجب عليك أن تشجى لبعده، وتستوحش لفقده، فلست فؤادي إن أشكاك ما آثرته في أمره، وما تخيرته من المفارقة لأرضه. ثم أكد ما قدمه فقال: فإن دموع العين غادرة بربها، ظالمة للباكي بها، إذا كانت جارية في إثر الغادرين به، مستعملة عند ذكر القاطعين له. إِذا الجُودُ لم يُرْزَقْ خَلاصاً مِنَ الأَذى ... فلا الحَمْدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا وَلِنَّفْسِ أحْوَالٌ تَدُلُّ على الفَتَى ... كانَ سَخَاءً ما أَتَى أَم تَساخِيا السخاء: معروف والتساخي: استعمال السخاء على غير نية. فيقول معرضا لسيف الدولة، وبحاله عنده: إذا الجود لم يرزق خلاصا من أذى المستعمل له، حتى يكون سالما غير مكدر، وهنيا غير منغص، فذلك الجود عناء من متكلفه، تعب من متمونه؛ لأنه لا يستفيد به حمدا يدخره، ولا يجر إليه شكرا يكتسبه، وماله مع ذلك ذاهب، وما يسديه من الإحسان ضائع. ثم قال: وللنفس أحوال ظاهرة، وآثار شاهدة، تدل على الإنسان، سخاؤه إرادة وتطبع، لأن الكريم يغتبط بأياديه؛ فيتابعها ويحتفظها، والمتكلف للكرم يتندم عليه؛ فيضيعها ويفسدها. أَقِلَّ اشْتِياقَاً أَيُّها القَلْبُ رُبَّما ... رَأَيْتُكَ تُصْفِي الوُدَّ مَنْ لَيْسَ جَازِيَا خُلِقْتُ أَلوفا لو رَحَلْتُ إلى الصَّبا ... لَفَارَقْتُ شَيْبِي مُوْجَعَ القَلْبِ باكِيا

стр. 59

يقول مخاطبا لقلبه: أقل اشتياقا أيها القلب إلى سيف الدولة، وهون عليك ما تكلفته من مفارقته، فقد كان لا يعطيك بحقك، ولا يجزيك بصفاء ودك، وكثيرا ما صفوت لمن لا يصفو لك، وبخلت بمن لا يبخل بك. ثم قال على نحو ذلك: خلقت ألوفا لمن أصاحبه، خالص الود لمن أداخله، معرضا عن زلته، صابرا على هفوته، حتى إني لما أرعاه من حق الصحبة، وأحفظه من وصائل الخلة، لو رحلت إلى الصبا، مع أثرته، وأسف النفوس على انصرام مدته، لفارقت الشيب موجع القلب لفرقته، باكيا عليه لما أرعاه من ذمة صحبته، مع أن الشيب يؤذن بذهاب القوة، ويشهد على انصرام المدة. وَلكِنَّ بالفُسْطَاطِ بَحْراً أَزَرْتُهُ ... حَياتِي ونُصْحِي والهَوَى والقَوافِيا وجُرْدَاً مَدَدْنا بَيْنَ آذانِها القَنَا ... فَبِتْنَ خِفَافاً يَتَّبِعْنَ العَوالِيا تَماشَى بأَيْدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفَا ... نَفَشْنَ به صَدْرَ البُزَاةِ حَوافِيا الفسطاط مدينة مصر، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك فيها من شواهد الكرم، والقنا: الرماح الخفاف المتسابقة إلى الجري، والصفا: حجارة ملس، واحدتها صفاة، والحوافي: التي لم يبلغن بالحديد. فيقول: لكن بالفسطاط من كافور ممالكها، بحرا يزخر جوده، ومنعما لا يمطل فضله، أزرته حياتي ونصحي، واعتمدته شعري ومودتي، وأشار بالهوى إلى وده، وبالقوافي إلى شعره. ثم قال: وازرته خيلا كراما امتطيتها ومن معي إليه، ومددنا القنا بين آذانها حرضا عليه، فباتت خفافا متسرعة، نشاطا متسابقة، تتبع الرماح المتقدمة بها، ولا تتوقف على الناهض بها. ثم قال، يشير إلى قوة تلك الخيل وكرمها، وإلى نفاذها وجلودها: تماشى بأيد، إذا قرعت الصفا مع قوته، ووافقته مع صلابته وشدته، مقشت به مثل صدور البزاة

стр. 60

وهي حافية منعلة، ومتعبة غير مرفهة، يشير إلى قوة وطئها، وصحة خلقها، وأفرد صدور البزاة وهو يريد الجمع؛ لأنه اسم شائع في نوعه، فواحده يعرف عن جميعه، والعرب تفعل مثل ذلك، أنشد سيبويه: كُلوا في بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعِفُّوا ... فإنَّ زَمانَكُمْ زَمانٌ خَمِيصُ فأقام البطن مقام البطون، كما أقام أبو الطيب الصدر مكان الصدور. وتَنْظُرُ مِنْ سُودٍ صَوادِقَ في الدُّجَى ... يَرَيْنَ بَعِيْداتِ الشُّخوصِ كما هِيا وَيَنْصِبْنَ لِلْجَرسِ الخَفِيَّ سَوَامعا ... يَخَلْنَ مُناجَاةَ الضَّمِيرِ تَناجِيا تُجاذِبُ فُرْسَانَ الصَّبَاحِ أَعِنَّةً ... كَأَنَّ عَلَى الأَعْنَاقِ مِنْها أَفَاعِيَا الدجى: الظلمة، واحدتها دجية، والجرس: الصوت، والمناجاة: السرار، والأفاعي: حيات معروفة. فيقول: وهو يصف الخيل المذكورة: وتنظر في ظلم الليل من أعين سود المقل، صادقة النظر، يرين الشخوص النائية في الليالي السود الداجية، على حسب حقيقتها، وما هي عليه من شهود هيئتها. وحدة السمع والبصر في الخيل من شواهد الكرم. ثم قال: وتنصب للجرس من الخفي سوامع صادقة، وآذانا منصبة، تخال لصدق حسها، ونفاذ سمعها، مناجاة الضمير تناجيا لا خفاء به، وإعلانا لا التباس فيه. وأشار إلى كرم الخيل بما ذكره من حدة سمعها، كما أشار إلى ذلك فيما ذكره من قوة نظرها. ثم قال: تنازع بقوتها على السير، وتبادرها إلى الجري، الفرسان الذين سروا عليها في الليل، وواجهوا عليها ضوء الصباح؛ الأعنة التي يمسكونها ويصرفونها فيها، حتى كأن على الأعناق منها أفاعي تلسعها، وحيات تكف بها. يشير إلى مرحها مع شدة تعبها، ونشاطها مع اتصال سيرها.

стр. 61

بِعَزْمٍ يَسِيْرُ الجسْمُ في السَّرْجِ رَاكباً ... بِهِ ويَسيرُ القَلْبُ في الجِسْمِ ماشِيا قَواصِدَ كَافُورٍ تَوارِكَ غَيْرْهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقِيا يقول: إنه امتطى ما ركبه من الخيل المذكورة، هو ومن استضاف إليه، بعزم ثابت، وجد بالغ، يسير القلب بهما ماشيا في الصدر، كما يسير الجسم بهما راكبا في السرج، وأشار بما ذكره من مشي القلب في الجسم إلى ما فسرناه من الصدر؛ لاشتمال الجسم عليه، وأعرب عن قوة نيته فيما قصده، واستفراغه غاية المجهود في إنفاذ ما اعتقده، وأخبر عن القلب بالمشي على طريق التجوز، وطابق بين الركوب والمشي، كما طابق بين الجسم والقلب، وجمع بين الإبداعين في نيته، واستوفاهما مع اختصار لفظه. ثم قال، مشيرا إلى خيله: قواصد كافور توارك غيره من الملوك الذين منزلة جميعهم بالإضافة إلى قدره، وموازنتهم بما أبانه الله من فضله، منزلة السواقي من البحر، والأجزاء اليسيرة من الكل. يشير إلى استعلائه عليهم، وانفراده بالرئاسة فيهم. فَجاَءتْ بِنا إِنْسانَ عَيْنِ زَمانَهِ ... وَخَلَّتْ بَيَاضاً خَلْفَها ومَآقِيا نَجُوزُ عَلَيْها المُحْسِنينَ إلى الذي ... نَرَى عِنْدَهُمْ إِحْسَانَهُ والأيَادِيَا الأماق: جمع موق، وهو طرف العين مما يلي الأنف. فيقول: فجاءت هذه الخيل بنا من كافور، هذا الملك، إنسان عين الدهر الذي ينظر به، وعماده الذي تسلم الملوك له، وأعرضت عن سائر الملوك الذين منزلتهم منه منزلة بياض العين من سوادها، وموقها من ناظرها. فأشار إلى تفصيل كافور بسواد لونه ألطف إشارة، ودل على تقدمه لبيضان الملوك أوضح دلالة. ثم قال: نجوز على تلك الخيل من مررنا عليه من الرؤساء الذين قد ظهر إحسانهم، وجلت أحوالهم، إلى كافور، هذا الملك، الذي إحسانهم من إحسانه إليهم،

стр. 62

وسلطانهم من أياديه عليهم. يريد: أن كافور رئيس الرؤساء، والمقدم على من رآه من الأمراء. فَتًى ما سَرَيْنا في ظُهورِ جُدودِنا ... إلى عصرهِ إِلاَّ نُرَجّي التَّلاقِيَا تَرَفَّعَ عَنْ عَونِ المَكارِم قَدْرُهُ ... فما يَفْعَلُ الفَعْلاتِ إِلاَّ عذَاريَا يُبِيْدُ عَدَاواتِ البُغَاة بِلُطْفِهِ ... فإِنْ لم تَبِدْ مِنْهُمْ لأَبَادَ الأَعَادِيَا السرى: وأصلة السير في الليل والنهار، والعون: جمع عوان، وهي المرأة ذات الزوج، والعذراء من النساء: البكر، ويجمع على عذارى وعذار، مثل صحارى وصحار، وقصد أبو الطيب لغة من نون، ورد الياء المحذوفة من عذار؛ لوقوع الاسم غي موضع النصب، وخفة الفتح في الكلام، ثم أشبع الفتحة للقافية وسقط التنوين لاجتلاب الياء التي كان عوضا منها. فيقول: إن كافورا الملك الذي أمله الناس بفطرتهم، ورجوه بما ركبه الله في جبلتهم، وكأنهم إنما انتقلوه في ظهور أجدادهم، يتسابقون إلى إدراك عصره، ويرجون أن يسعدهم الله بمشاهدة فضله. ثم قال: ترفع عما سبق إليه من المكارم، وما تمكن مشاركته فيه من فضائل، ففعل من الجميل ما لم يفعل مثله، وأظهر من الكرم ما لم يعهد قبله، فصارت أياديه كالعذارى، لم تكن قبل مدته، ولا عهدت متقدمة لدولته، وأخبر عن المكارم بالعون والعذارى على سبيل الاستعارة. ثم قال: يبيد عداوات البغاة، ويقطعها بإحسانه إليهم، وتألفه لجميعهم، فإن لم ينجع فيهم طبه، ولم يصرفهم إلى الانقياد لطاعته لطفه، حلوا محل الأعداء، فأبادتهم سطوته، وأصارتهم إلى التلف عقوبته. أَبا المِسْكِ ذَا الوَجْهِ الَّذِي كُنْتُ تائِقاً ... إِليهِ وَذَا الوقتُ الذي كُنْتُ راجِيا لاقِيْتُ المَرَوْى والشَّنَاحِيْبَ دُونَهُ ... وَجُبْتُ هَجِيْراً يَتْرُكُ الماَء صَادِيا

стр. 63

التائق إلى الشيء: الذي يرغب فيه، وينزع إليه، والمروري: القفر الذي لا شيء فيه، والشناخيب: أنوف الجبال، واحدها شنخوب، قاله أبو عبيدة، وجبت: بمعنى قطعت، والهجير: حر وسط النهار، والصادي: العطشان. فيقول مخاطبا لكافور: أبا المسك! وجهك الوجه الذي لم أزل تائقا إليه، للمشاهدة له، متلقنا للسعادة به، وهذا الوقت الذي أظفرني الوصول إليه، الوقت الذي كنت أرجوه وأؤمله، وأرقبه وأنتظره. ثم قال: لقيت دونه ما تمونته من ركوب القفار الموحشة، وما تجشمته من معاناة الجبال الممتنعة، وقطعت فيها من الجواهر ما يحمى به الماء فيعطش بحره، ويتقد عليه فيخرج معه عن طبعه. أَبَا كُلّ طِيْبٍ لا أَبَا المِسْكِ وَحْدَهُ ... وَكُلَّ سَحَابٍ لا أَخُصُّ الغَوَادِيَا يُدِلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كُلُّ فاخِرٍ ... وَقَدْ جَمَعَ الرَّحْمنُ فِيْكَ المَعَانِيَا الغوادي: السحاب التي تنشأ في الصباح. فيقول مخاطبا لكافور: أبا كل طيب، لا أخص المسك وحده عند ذكرك، ولا أفرده بالدلالة على ما أظهره الله من فضلك، وأبا كل سحاب من الكرم، وكل جليل من النعم، لا أخص غادي ذلك دون رائحه، ولا أقصد أوله دون آخره. ثم قال: يدل كل فاخر بمعنى من الفضل قد أحرزه، وموضع من السيادة قد بلغه، وقد جمع الله الفضائل، فقرنها بك، والمكارم فأخلصها لك، فكل ما افترق من المجد في غيرك فقد جمعته، وكل ما امتنع منه على سواك فقد بلغته. إذا اكْتَسَب النَّاسُ المَعَالِيَ بالنَّدى ... فإِنَّكَ تُعْطِي في نَدَاكَ المَعَالِيَا وَغَيْرُ كَبِيْرٍ أَنْ يَزُورَكَ راجِلٌ ... فَيَرْجِعَ مَلِكا لِلعِرَاقَيْنِ وَالِيا المعالي: جوامع الشرف، واحدتها: معلاة، والندى: الكرم، والملك: لغة في الملك، خفف الكسرة لتسكينها، والعرب تفعل ذلك في الضم والكسر، فيقولون في عضد

стр. 64

عضد، وفي ملك ملك، والعراقان: الكوفة والبصرة. فيقول لكافور: إذا اكتسب الناس الشرف بكرمهم، وأحرزوا المعالي بعطاياهم ومننهم، وكان نيل الشرف غاية قصدهم، وإدراكه مبلغ جهدهم، فأنت تهب الشرف لمن قصدك، والمعالي لمن أملك، وترفع سائلك فتجعله مرجو الفضل، وتبسط يده حتى يوجد كثير البذل. ثم قال: وغير بديع فيما شهر عنك، ولا غريب فيما عهد منك، أن يزورك راجل لا مطية له، وساع على قدميه لشدة الفاقة به، فتغنيه وتجبره، وتشرفه وتظهره، حتى يكون ملكا واليا على الأمصار العظيمة، متقلدا للأعمال الرفيعة، لا تبعد العراقان عن ولاية مثله، ولا تستنكر أن تدبر بأمره. فَقَدْ تَهَبُ الجَيْشَ الذي جَاَء غَازِياً ... لِسائِلِكَ الفَرْدِ الذي جَاَء عَافِيا وتَحْتَقرُ الدُّنيا احْتقَارَ مُجَرَّبٍ ... يَرَى كُلَّ ما فِيها وحَاشَاكَ فَانِيا العافي: السائل، وحاشا: حرف يجر به، وفيه معنى التعويذ والاستثناء، وقد يكون فعلا فينصب ما بعده. فيقول لكافور: فقد يردك العافي من قصدك، فترفعه وتشرفه، وتعليه وتمكنه حتى يكون أمير جيش، يصرفه قائدا له، ويتملكه غازيا به، فيردك فردا عافيا، ويصير بك أميرا عاليا. ثم قال مخاطبا له: وتحتقر الدنيا احتقار من خبرها بتجربته، وحصرها بمعرفته، فرأى كل ما فيها فانيا لا يدوم، وكل ما شاهد منها راحلا لا يقيم، فسخا بجليل ذلك غير مستعظم، وبذله غير مستكثر، وحاشاك أيها المأمول من معالجة الدنيا لك بالفناء، ونسأل الله لك طول البقاء. وما كُنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ المُلْكَ بالمُنَى ... وَلكِنْ بأَيَّامٍ أَشَبْنَ النَّواصِيَا عِداكَ تَرَاهَا في البِلادِ مَسَاعِيَاً ... وَأَنْتَ تَراها في السَّمَاءِ مَرَاقِيَا

стр. 65

لَبِسْتَ لَهَا كُدْرَ العَجَاجِ كأَنَّما ... تَرَى غيرَ صَافٍ أَنْ تَرَى الجَوَّ صَافِياً المنى: الأماني، واحدتها أُمْنِيَّةٌ، والنواصي: مقادم شعر الرؤوس، الواحدة ناصية، والمساعي: المطالب، واحدتها مسعاة، والمراقي: الدرجات، والكدر: الغبر، والعجاج: ما سطع من الغبار، واحدتها عجاجة، والجو: ما ارتفع من الهواء. فيقول لكافور: وما كنت ممن أدرك الملك بجد لم ينصره طلب، واتفاق لم يوجبه تعب، ولكنك أدركته بأيام معلومة، ووقائع على الأعداء مشهودة، شيبت النواصي لشدتها، وانقطعت الآمال عنها ببعد غايتها. ثم قال: عداك ترى تلك الأيام بعين من يحتسبها مساعي في البلاد يحاولها، ومطالب يتبعها ويتناولها، وأنت تراها مراقي ترفعك في السماء، وتحوز لك أعظم الاعتلاء، فأدركت من ذلك بمقدار همتك، وبلغت فيه إلى أفضل رغبتك. ثم قال: لبست لتلك الأيام ووقائعها، ولأهوالها وشدائدها، كدر عجاجات الكتائب، ومظلم ارهاج المواكب، تعتمد بجيوشك من نازعك، وتصول بسيوفك على من خالفك، وتألف ذلك وترغبه، وتؤثره وتفضله، حتى كان غير صاف عندك أن ترى الجو صافيا من الغبار، وتشاهده خلوا من إظلام القتام. وَقُدْتَ إليها كُلَّ أَجْرَدَ سَابِحٍ ... يُؤَدّيكَ غَضْبَانَاً وَيَثْنِيْكَ رَاضِيا ومُخْتَرَطٍ ماضٍ يُطِيْعُكَ آمراً ... ويَعْصِي إِن اسْتَثْنَيْتَ أَوْ كُنتَ نَاهِيَا وَأَسْمَرَ ذِي عِشْرِيْنَ تَرْضَاهُ وارِداً ... ويَرََْاكَ في إِيْرادِهِ الخَيْلَ سَاقِياً الأجرد من الخيل: القصير شعر الجلد، وهو من شواهد الكرم، والسابح: الذي يمد يديه في العدو، ويؤديك: بمعنى: يبلغك، ويثنيك: بمعنى: يصرفك، والمخترط: السيف المسلول. والخرط: السل، والماضي: القاطع، والأسمر: الرمح اليابس، وذو العشرين: الذي فيه عشرون من الكعوب، وهي العقد الناشزة بين أنابيبه، وأشار بهذا إلى طوله، والوارد: الذي قد شرع في الماء.

стр. 66

فيقول لكافور: وقدت إلى تلك الوقائع كل فرس كريم في خلقه، سريع في جريه، يبلغك غضبان عندما تستفتحه من حربك، ويصرفك راضيا لما يكتفل الله به من نصرك. ثم قال: وقدت إليها كل سيف ماض في فعله، حسام في قطعه، يطيعك آمرا بنفاذه حين تعمله، ويعصيك مستثنيا بنهيك إياه حين تمسكه، يريد: إنه لا مثنوية لضربته، ولا صارف لنفاذه وحدته، وأخبر عن السبب وهو يريد صاحبه، مقيما للمضاف إليه مقام المضاف. ثم قال: وقدت إلى تلك الوقائع كل رمح يابس طويل، ترضاه واردا على أعدائك عند المطاعنة به، ويرضاك مقتحما على الفرسان عند سقيك في الدماء له، وأخبر عن الرمح وهو يريد حامله على نحو ما قدمه، وجعل المخاطبة لكافور والإخبار عن كتائبه، والإشارة إليه، والقصد إلى عساكره، واختصر ثقة بفهم من أخبره، وحذف معولا على بيان ما ذكره. كَتَائِبُ ما انْفَكَّتْ تَجُوسُ عَمائِراً ... مِنَ الأرْضِ قَدْ جَاسَتْ إليها فَيَافِيا غَزَوْتَ بِها دُورَ المُلُوكِ فَبَاشَرَتْ ... سَنَابِكُهَا هَامَاتِهِمْ والمَغَانِيَا الكتائب: الجماعات من الخيل، واحدتها كتيبة، والجوس: التردد في الماكن، والعمائر: البلاد المعمورة، والواحدة عمارة، والفيافي: الفلوات المقفرة، والهام: الرؤوس، والسنابك: مقادم حوافر الخيل والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى. فيقول مؤكدا لبيان ما قدمه، من ذكر الجيوش التي قادها كافور إلى أعاديه: كتائب لا تزال تقطع البلاد سائرة، وتخترقها غازية، معتمدة لعمارات من الأرض تطؤها، ولوسائط من البلاد تجوسها وتملكها. ثم قال، غزوت بتلك الكتائب الملوك المخالفين، يريد: المعترضين لحربك، فباشرت سنابك خيلك هاماتهم بعد قتلك لهم، ووطئت مغاني آثارهم بعد إيقاعك

стр. 67

بهم. وَأَنْتَ الذي تَغْشَى الأَسِنَّةَ أَوَّلاً ... وتَأْنَفُ أَنْ تَغْشَى الأَسِنَّةَ ثَانِيا إذا الهِنْدُ سَوَّتْ بَيْنَ سَيْفي كَرِيْمَةٍ ... فَسَيْفُكَ في كَفَّ تُزِيلُ التَّساوِيا ومِنْ قَوْلِ سَامٍ لو رآكَ لِنَسْلِهِ ... : فَذَى ابْنَ أَخي نَسْلِي ونَفْسِي وماليَا الغشيان: المباشرة، وأسنة الرماح: معروفة، والأنفة: الغضب والحمية، والهند أمة محكمة لطبع السيوف، إليهم تنسب السيوف الهندية، والكريهة: شدة الحرب، وسام بن نوح، ومن نسله جميع البيضان، وحام أخوه، ومن نسله جميع السودان. فيقول مخاطبا لكافور: وأنت الذي تسمو إلى الحرب غير متهيب، وتبادر نحوها غير متوقع، فتغشى الأسنة أولا قبل جيشك، وتقدم عليها مدلا بنفسك، ولا تأتيها ثانيا مقتديا بغيرك، ولا تاليا مسبوقا في فعلك. ثم قال: إذا الهند سوت بين سيفين في إحكام صنعتهما، وكرامة جوهرهما، فالذي يصير منهما في كفك، فأنت ترفع التساوي عنه، وتوجب الفضل له بثبات ضربتك له، وشدة قوتك. ثم قال: ومن قول سام بن نوح لنسله، لو رأى تصاغرهم عن قدرك، وتقصيرهم عن بلوغ غايات فضلك: أفدى ابن أخي هذا بنفسي، ومن انسلته، ومالي وما ملكته. فأشار إلى أن فضيلة بني حام بكافور ظاهرة، وزيادتهم على بني سام بموضعه بينه. مَدَّى بَلَّغَ الأُسْتَاذَ أَقْصَاهُ رَبُّهُ ... وَنَفْسٌ لَهُ لَمْ تَرْضَ التَّنَاهِيا دَعَتْهُ فَلَبَّاها إلى الفَضْلِ والعُلاَ ... وَقَدْ خَالفَ النَّاسُ النُّفوسَ الدَّواعِيا فَأَصْبَحَ فَوْقَ العَالَمِيْنَ يَرَوْنَهُ ... وَإِنْ كَانَ يُدْنِيهِ التَّكَرُّمُ نَائِيَا المدى: الغاية، والأستاذ: كافور، والتناهي في الأمور: بلوغ آخرها، والتلبية: الإجابة بالطاعة، والنأي: البعد.

стр. 68

فيقول: إن الذي أجرى إليه الأستاذ كافور من الاستيلاء على الفضل، والتقدم في الانفراد باحتياز الشكر، مدى بلغته أقصاه نفس له كريمة، عالية شريفة، لا ترضى من المكارم إلا ببلوغ غايتها، ولا تقنع من الفضائل إلا باستيعاب نهايتها. ثم قال: دعته تلك النفس إلى اكتساب المجد، والانفراد بالشكر والحمد، فلباها بأنفذ بصيرة، وساعدها على ذلك بأثبت عزيمة، وقد خالف غيره من الملوك أنفسهم، بالقعود عن مثل ما بدر إليه، وزهدوا في ما أظهر هو الحرص عليه. ثم قال: فأصبح فوق العالمين يرونه، قد فاقهم بمرتبته، واستعلى عليهم بمنزلته، وإن كان تواضعه يدنيه إليهم، وكرمه يعطفه عليهم.

стр. 69

وهنأه الناس بالدار الجديدة التي على البركة، فقال: إِنَّما التَّهْنِئَاتُ لِلأَكْفاءِ ... وَلِمَنْ يَدَّنِي مِنَ البُعَداءِ وَأَنَا مِنْكَ لا يُهَنَّئُ عُضْوٌ ... بِالْمَسَرَّاتِ سَائِرَ الأَعْضَاءِ الأكفاء: الأشكال، ويدني: بمعنى يقترب، وهو مثال يفتعل من الدنو، والبعداء: الأباعد، واحدهم بعيد. فيقول لكافور: إنما التهنئات بين الأكفاء المشاكلين، والنظراء المتماثلين، أو لبعيد يستعمل التهنئة ليقرب، ويتكلفها ليتقبل، ويجعلها وسيلة تدني موضعه، وذريعة تسهل مطلبه. ثم قال: وأنا منك لاتصالي بخدمتك، واشتمالي بنعمتك، قد حللت منك محل البعض من الكل، والعضو من سائر الجسم، فكيف أهنئك وأنا عبدك، وأتوددك وأنا بعضك. وُسْتَقِلٌّ لَكَ الدَّيَارَ واو كَا ... نَ نُجوماً آجُرُّ هذا البِنَاءِ وَلَوْ أَنَّ الذي يَخِرُّ مِنَ الأَمْ ... واهِ فِيهِ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءِ الخرير: صوت الماء عند جريه، يقال: خر الماء يخر خريرا. فيقول لكافور: استقل الديار الجليلة لقدرك، واستصغر المنازل الرفيعة عند عظم حالك، ولو أن البناء الذي استحدثته، والقصر الذي احتللته، يشاكل آجره النجوم بحسنها، ويماثلها في جلالة أمرها، لكنت مستوجبا لأرفع منه بقدرك، وما أحرزه الله لك من عموم فضلك. ثم قال على نحو ما قدمه: ولو أن المياه التي تخر في هذا البناء ذوب جواهر ناصعة، وفضة بيضاء خالصة، لاستقللت ذلك فيما تستحقه بنفسك، وما رفعه الله في المكارم من ذكرك. أَنْتَ أَعْلَى مَحَلَّةً أَنْ تُهَنَّى ... بِمَكانٍ في الأَرْضِ أَوْ فِي السَّماءِ وَلَكَ النَّاسُ والبلادُ وما يَسْ ... رَحُ بَيْنَ الغَبْرَاءِ والخَضْرَاءِ

стр. 70

وَبَسَاتِيْنُكَ الجِيادُ وما تَحْ ... مِلُ مِنْ سَمْهَريَّةٍ سَمْراءِ السماء: كل مكان تنامى علوه، والغبراء: الأرض، والخضراء: السماء، والبساتين: الجنات، والجياد: الخيل الكريمة، والسمهرية: القناة الصلبة. فيقول لكافور: أنت أجل رتبة، وأظهر علوا ورفعة، من أن تهنأ بمكان في الأرض تحله، أو بموضع من العلو تناله؛ لأن جميع ذلك يقل عند سيادتك، ويصغر مع سلطانك ورئاستك. ثم قال: وكيف لا يكون ذلك والناس حولك، والبلاد ملكك، وما يسرح من الأرض والسماء لك، قد أحرزت ذلك بسعة سلطانك، وارتفاع مكانك. ثم قال: وأنت مع ذلك على حال من حزمك، ونفاذ من قوتك وعزمك، وبساتينك معها التي تونقك، ورياضك التي تروقك وتبهجك، الخيل والأبطال المصرفون لها، وسمر الرماح والفرسان المطاعنون بها. ودل بما ذكره على ما اجتلبناه مما أضمره. إِنَّما يَفْخَرُ الكَرِيمُ أَبُو المِسْ ... كِ بِمَا يَبْتَنِي مِنَ العَلْيَاءِ وَبِأَيَّامهِ الَّتي انْصَرَمَتْ عَنْ ... هُ وَمَا دارُهُ سِوَى الهَيْجَاءِ وَبِما أَثَّرتْ صَوارِمُهُ البِيْ ... ضُ لَهُ في جَمَاجمِ الأعْدَاءِ الانصرام: الانقطاع والانقضاء، والهيجاء: الحرب، والصوارم: السيوف القاطعة، والجماجم: الرؤوس. فيقول: إنما يفخر أبو المسك الكريم النفس، المشهور الفضل، بما يبتنيه من العلياء والمجد، وما يكتسبه من الثناء والحمد، لا ببناء يستحدثه، ولا بعرض من الدنيا يستخلصه. ثم قال: ويفخر بأيامه التي أسلفها، والحرب داره، ومواقعة الأعداء شأنه، حتى انقادوا لأمره، وسلموا لحكمه.

стр. 71

ثم قال: ويفخر بما أحدثته بيض صوارمه، ومشهور وقائعه في جماجم أعدائه المخالفين له، وأضداده لمتمرسين به من الضرب الذي أتلف نفوسهم، والجلاد الذي هشم رؤوسهم. وَبِمِسْكٍ يُكْنَى بِهِ لَيْسَ كَالْمِسْ ... كِ وَلكِنَّهُ أَرِيْجُ الثَّناءِ لا بِمَا تَبْتَنِي الحَوَاضِرُ فِي الرَّيفِ وما يَطَّبِي قُلُوبَ النَّسَاءِ الأريج: الفوح، والريف: البلد الواسع المخضب، والإطباء: الاستمالة. فيقول على نحو ما قدمه: ويفخر أبو المسك بمسك ينسب إليه، من فوح مكارمه، وتضوع آثار محاسنه، ليس كالمسك في حقيقته، ولكنه بناء يفضله بفوحه، ويزري عليه بعبق ريحه. ثم قال: وليس يفخر أبو المسك بما يبتنيه أهل الحضر من القصور المشيدة، والمنازل المحسنة، وما يطبي قلوب النساء من تلك البساتين وبهجتها، وتلك المباني ورفعتها، حسبه ما يرفع بع عماد الكرم، وما يجدده من سوابغ النعم. نَزَلْتَ إِذ نَزَلَتْها الدَّارُ في أَحْ ... سَنِ مِتْها مِنَ السَّنا والسَّنَاءِ حَلَّ في مَنْبِتِ الرَّياحِيْنِ منْهَا ... مَنْبِتُ المَكْرُمَاتِ والآلاءِ السَّنَا مقصور: الضياء، والسناء ممدود: الاعتلاء في المجد، والرياحين: ما طابت رائحته من النبات، واحدها: ريحان، والآلاء: النعم. فيقول: نزلت هذه الدار التي ابتنيتها من الضياء والبهجة، والعلو والرفعة، في احسن مما نزلت فيه من مبانيها المتقنة، ومصانعها المحسنة، وأفدتها من التشريف لها، أكثر مما أفادتك من السرور بها. ثم قال: حل منك في منبت ريحانها، وساحات بنيانها، الملك الذي ينبت المكرمات بفضله، ويجدد الآلاء والمنن بمشكور فعله. تَفْضَحُ الشَّمْسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَّم ... سُ بِشَمْسٍ مُنِيْرَةٍ سَوْداءِ

стр. 72

إِنَّ في ثَوْبِكَ الذي المَجْدُ فِيهِ ... لَضِياءً يُزْرِي بِكُلَّ ضِيَاءِ إِنَّما الجِلْدُ مَلْبَسٌ، وابْيِضَاضُ النَّ ... فْسِ خَيْرٌ مِنِ ابْيِضَاضِ القَبَاءِ يقال ذرت الشمس: إذا طلعت، والقباء: ثوب معروف. فيقول لكافور: أن استنارة مكارمك، وما ألبسك الله من ضياء فضائلك، تفضح الشمس وتبهرها، وتزيد عليها وتغلبها، فأنت شمس تنير أفعالها مع سواد لونها، ويشرق إحسانها لمن اعتمد فضلها. ثم قال: إن في ثوبك الذي يشتمل منك على ولي الحمد، والمقيم لأود المجد، لضياء يصر كل ضياء عن بهجته، ويتواضع عند جلالته ورفعته. ثم قال على نحو ما قدمه: إنما جلد الإنسان ملبس، لا يحرز الفضل بياض لونه، ولا يوجبه تكامل حسنه، وإنما يوجب ذلك بياض النفس، وكرم جوهرها، وعلوها وشرف عنصرها. يشير إلى أن سواد كافور تضيء منه بياض نفسه، وتشرق عليه شواهد فضله. كَرَمٌ في شَجَاعَةٍ، وذَكاءٌ ... في بَهاءٍ، وَقُدْرَةٌ في وَفَاءِ مَنْ لِبِيْضِ المُلُوكِ أَنْ تُبْدِلَ اللَّوْ ... نَ يِلَوْنِ الأُسْتَاذِ والسَّحْنَاءِ وتراها بَنُو الحُرُوبِ بِأَعْيَا ... نٍ تَرَاهُ بها غَداةَ اللَّقَاءِ الذكاء: الفطنة، والبهاء: حسن المنظر وفخامته، والسحناء: الهيئة، والأعيان: جمع عين. فيقول: إن كرم كافور مقرون بشجاعته، وذكاءه مصحوب بفخامته، وقدرته متلوة بوفاء عنده، محمولة على صحة عقده. وهذا من باب البديع يعرف بالتقسيم. ثم قال: من لبيض الملوك أن تبادل الأستاذ بلونه وسحنائه، وتشركه في كرمه واعتلائه. ثم أكد فقال: من لها بأن تراها بنو الحرب عند اللقاء بما تراه به من الهيئة،

стр. 73

وتعتقد لها ما من الجلالة والرفعة، فلا تواجهها هناك كما أنها لا تواجهه، ولا تعارضها كما أنها لا تعارضه. يا رَجاَء العُيُونِ في كُلَّ أَرْضٍ ... لَم يَكُنْ غَيْرَ أَنْ أَراكَ رَجَائِي وَلَقَد أَفْنَتِ المَفَاوِزُ خَيْلِي ... قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي، وَزَادِي وَمَالي المفاوز: القفار البعيدة الغايات. فيقول لكافور: يا رجاء العيون في كل أرض نازحة، ويا غاية أمنيتها في كل بلدة نائية، لم يكن رجائي غير أن أسعد برؤيتك، وأظفر بما بلغته من مشاهدة حضرتك، وأنت رئيس المحسنين، وقبلة آمال الراغبين. ثم قال، مشيرا إلى ما تمونه في قصده: ولقد قطعت إليك أبعد شقة، ويممتك بأصدق نية، فأفنى خيلي ما اخترقته من المفاوز، وأذهب زادي ومالي ما اقتحمته من المهالك، ولم يقعدني عنك شديد ما تكلفته، ولا منعني منك مخوف ما تمونته. فَارْمِ بي ما أَرَدْتَ مِنَّي فَإِنَّي ... أسدُ القَلْبِ آدَمِيُّ الرُّواءِ وَفُؤَادِي مِنَ المُلُوكِ وَإِنْ كَا ... نَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ الرواء: المنظر، والقلب والفؤاد: واحد. فيقول لكافور: فارم بي نحو ما تريده كمي، تجدني مسارعا إلى دعوتك، مجتهدا في مقارضة نعمتك، أنفذ ولا أتكل، وأقدم ولا أعجز، فإني أسد القلب في الاجتراء والشدة، وإن كنت آدمي الشخص في الرواء والخلقة. ثم قال: وفؤادي من الملوك بشرفه ونزاهته، وان كان لساني من الشعراء بنطقه وصناعته، فوفني جزاء همتي، وتوسمني بحسب حقيقتي، وحملني من فضلك بمقدار ما انشره من شكرك.

стр. 74

وقال أيضا يمدحه. أنشدها إياه في انسلاخ شهر رمضان، سنة ست وأربعين وثلاث مائة. مَنِ الجَآذِرُ في زِيَّ الأَعَارِيْبِ ... حُمْرُ الحُلَي والمَطَايا والجَلاَبِيْبِ إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ شَكَّاً في مَعَارِفِها ... فَمَنْ بَلاكَ بِتْسَهِيْدٍ وتَعْذِيبِ؟! الجآذر: صغار البقر الوحشية، والأعاريب: جمع الأعراب، وهم سكان البادية من العرب، والحلي: جمع حلية، وأكثر ما تستعمل في حلى السيوف، وربما استعمل في حلى النساء، لتقارب الأمرين، والمطايا: الجمال المتخذة للركوب، والجلابيب: ثياب دون الأردية، تتخذ لتغطية الرؤوس والصدر، واحدها: جلباب، والتسهيد: عدم النوم. فيقول كالمستفخم عن النساء اللواتي يشب بهن: من النساء اللواتي هن الجآذر في حسنهن، وكحل أعينهن، المشتملات بزي الأعراب؟ فهن حمر الحلي بتحليهن بالذهب، حمر المطايا لتقدم ما ركبنه في الكرم. وحمر المطايا: كرائمها؛ ولذلك يقول القائل من العرب فيما يرفع به: ما وددت أن لي بكذا وكذا حمر النعم. وحمر الجلابيب: حمر ما يتحلين به، وحمر الجلابيب من أحسن الملابس، وآتق المناظر، وقد دل على ذلك بشار بقوله: وخذي مربِسَ زِينةٍ ... ومُصَبَّغاتٍ فَهْيَ أَشْهَرْ وإذا خَرَجْتِ تَقَنَّعِي ... بِالحُسْنِ إِنْ الحُسْنَ أَحْمَرْ فأشار أبو الطيب بما ذَكره إلى موضع من وصفه من الرفعة، وتمكنهم في الجدة والنعمة. ثم قال يخاطب نفسه: إن كنت تسأل؛ اعترضك الشك في معرفة هؤلاء النسوة، وأشكلت عليك أمورهن عند الرحلة، فمن بلاك بالبحث عما يفيدك التسهيد والأرق، ويقصر عليك التعذيب والقلق؟! لا تَجْزِني بِضَنًى بِي بَعْدَها بَقَرٌ ... تَحْزِي دُموعَي مَسْكوباً يِمَسكوبِ

стр. 75

سَوَائِرٌ رُبَّما سَارَتْ هَوادِجُها ... مَنِيْعَةً بَيءنَ مَطْعونٍ ومَضْرُوبِ وَرُبَّما وَخَدَتْ أَيْدي المَطِيَّ بِهَا ... عَلى نَجِيْعِ من الفُرْسَانِ مَصْبُوبِ الضنى: المرض المخامر، والبقر: كناية عن النساء، والعرب تكني عنهن بالظباء والبقر، والمسكوب: المصبوب، والهوادج: مراكب النساء، والوخد: ضرب من المشي، والنجيع: الدم. فيقول: لا جعل الله الأحبة اللواتي أضناني بعدهن، وأسقم جسمي نأيهن، أن يجزينني ضنى؛ بضناي بهن، كما جزينني بكاء ببكائي عليهن. يؤكد أنهن أسعدنه في البكاء عند الرحلة، وأسفن كأسفه عند الفرقة، فدعا لهن ألا يضنين بضناه، كما أبكاهن ما أبكاه. ثم ذكر موضع عشيرته من القوة، وحالهم في الاستظهار والكثرة، فقال: أنهم ربما عارضهم معارض في رحيلهم، وناصبهم مناصب دون مقصدهم، فأوقعوا بمن عارضهم، واستولوا على من خالفهم، وملكوا بهوادجهم على مواضع وقائعهم، فصارت بين قتيل قد أثبته الضرب، وبين صريع قد أنفذه الطعن. ثم قال على نحو ما قدمه: وربما وخدت تلك الهوادج أيدي مطيها على دماء من الفرسان سائلة، وبقايا من آثار الحرب ظاهرة. كَمْ زَوْرَةٍ لَكَ في الأعرَابِ خَافِيَةٍ ... أَدْهَى، وقد رَقَدوا، منْ زَوْرَةِ الذَّيْبِ أَزُورُهُمْ وسوادُ اللَّيْلِ يَسْفَعُ لِي ... وأَنْثَنِي وبَيَاضُ الصُّبْح يُغْرِي بِي الدهاء: النفاذ والمعرفة، والانثناء: الانصراف. فيقول وهو يخاطب نفسه: كم زورة لك إلى أحبتك من الأعراب، وقد سكن سامرهم، واستثقل في النوم راقدهم، وسواد الليل يشفع لي بستره، ويسعدني بما يلقي علي من جنحه، وأنثني والصبح يكشف مذهبي، ويغري بي من يحاول ترقبي.
следующие страницы →