Полный текст (370 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثم قال: ويفخر بما أحدثته بيض صوارمه، ومشهور وقائعه في جماجم أعدائه المخالفين له، وأضداده لمتمرسين به من الضرب الذي أتلف نفوسهم، والجلاد الذي هشم رؤوسهم.
وَبِمِسْكٍ يُكْنَى بِهِ لَيْسَ كَالْمِسْ ... كِ وَلكِنَّهُ أَرِيْجُ الثَّناءِ
لا بِمَا تَبْتَنِي الحَوَاضِرُ فِي الرَّيفِ وما يَطَّبِي قُلُوبَ النَّسَاءِ
الأريج: الفوح، والريف: البلد الواسع المخضب، والإطباء: الاستمالة.
فيقول على نحو ما قدمه: ويفخر أبو المسك بمسك ينسب إليه، من فوح مكارمه، وتضوع آثار محاسنه، ليس كالمسك في حقيقته، ولكنه بناء يفضله بفوحه، ويزري عليه بعبق ريحه.
ثم قال: وليس يفخر أبو المسك بما يبتنيه أهل الحضر من القصور المشيدة، والمنازل المحسنة، وما يطبي قلوب النساء من تلك البساتين وبهجتها، وتلك المباني ورفعتها، حسبه ما يرفع بع عماد الكرم، وما يجدده من سوابغ النعم.
نَزَلْتَ إِذ نَزَلَتْها الدَّارُ في أَحْ ... سَنِ مِتْها مِنَ السَّنا والسَّنَاءِ
حَلَّ في مَنْبِتِ الرَّياحِيْنِ منْهَا ... مَنْبِتُ المَكْرُمَاتِ والآلاءِ
السَّنَا مقصور: الضياء، والسناء ممدود: الاعتلاء في المجد، والرياحين: ما طابت رائحته من النبات، واحدها: ريحان، والآلاء: النعم.
فيقول: نزلت هذه الدار التي ابتنيتها من الضياء والبهجة، والعلو والرفعة، في احسن مما نزلت فيه من مبانيها المتقنة، ومصانعها المحسنة، وأفدتها من التشريف لها، أكثر مما أفادتك من السرور بها.
ثم قال: حل منك في منبت ريحانها، وساحات بنيانها، الملك الذي ينبت المكرمات بفضله، ويجدد الآلاء والمنن بمشكور فعله.
تَفْضَحُ الشَّمْسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَّم ... سُ بِشَمْسٍ مُنِيْرَةٍ سَوْداءِ
стр. 72
إِنَّ في ثَوْبِكَ الذي المَجْدُ فِيهِ ... لَضِياءً يُزْرِي بِكُلَّ ضِيَاءِ
إِنَّما الجِلْدُ مَلْبَسٌ، وابْيِضَاضُ النَّ ... فْسِ خَيْرٌ مِنِ ابْيِضَاضِ القَبَاءِ
يقال ذرت الشمس: إذا طلعت، والقباء: ثوب معروف.
فيقول لكافور: أن استنارة مكارمك، وما ألبسك الله من ضياء فضائلك، تفضح الشمس وتبهرها، وتزيد عليها وتغلبها، فأنت شمس تنير أفعالها مع سواد لونها، ويشرق إحسانها لمن اعتمد فضلها.
ثم قال: إن في ثوبك الذي يشتمل منك على ولي الحمد، والمقيم لأود المجد، لضياء يصر كل ضياء عن بهجته، ويتواضع عند جلالته ورفعته.
ثم قال على نحو ما قدمه: إنما جلد الإنسان ملبس، لا يحرز الفضل بياض لونه، ولا يوجبه تكامل حسنه، وإنما يوجب ذلك بياض النفس، وكرم جوهرها، وعلوها وشرف عنصرها. يشير إلى أن سواد كافور تضيء منه بياض نفسه، وتشرق عليه شواهد فضله.
كَرَمٌ في شَجَاعَةٍ، وذَكاءٌ ... في بَهاءٍ، وَقُدْرَةٌ في وَفَاءِ
مَنْ لِبِيْضِ المُلُوكِ أَنْ تُبْدِلَ اللَّوْ ... نَ يِلَوْنِ الأُسْتَاذِ والسَّحْنَاءِ
وتراها بَنُو الحُرُوبِ بِأَعْيَا ... نٍ تَرَاهُ بها غَداةَ اللَّقَاءِ
الذكاء: الفطنة، والبهاء: حسن المنظر وفخامته، والسحناء: الهيئة، والأعيان: جمع عين.
فيقول: إن كرم كافور مقرون بشجاعته، وذكاءه مصحوب بفخامته، وقدرته متلوة بوفاء عنده، محمولة على صحة عقده. وهذا من باب البديع يعرف بالتقسيم.
ثم قال: من لبيض الملوك أن تبادل الأستاذ بلونه وسحنائه، وتشركه في كرمه واعتلائه.
ثم أكد فقال: من لها بأن تراها بنو الحرب عند اللقاء بما تراه به من الهيئة،
стр. 73
وتعتقد لها ما من الجلالة والرفعة، فلا تواجهها هناك كما أنها لا تواجهه، ولا تعارضها كما أنها لا تعارضه.
يا رَجاَء العُيُونِ في كُلَّ أَرْضٍ ... لَم يَكُنْ غَيْرَ أَنْ أَراكَ رَجَائِي
وَلَقَد أَفْنَتِ المَفَاوِزُ خَيْلِي ... قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي، وَزَادِي وَمَالي
المفاوز: القفار البعيدة الغايات.
فيقول لكافور: يا رجاء العيون في كل أرض نازحة، ويا غاية أمنيتها في كل بلدة نائية، لم يكن رجائي غير أن أسعد برؤيتك، وأظفر بما بلغته من مشاهدة حضرتك، وأنت رئيس المحسنين، وقبلة آمال الراغبين.
ثم قال، مشيرا إلى ما تمونه في قصده: ولقد قطعت إليك أبعد شقة، ويممتك بأصدق نية، فأفنى خيلي ما اخترقته من المفاوز، وأذهب زادي ومالي ما اقتحمته من المهالك، ولم يقعدني عنك شديد ما تكلفته، ولا منعني منك مخوف ما تمونته.
فَارْمِ بي ما أَرَدْتَ مِنَّي فَإِنَّي ... أسدُ القَلْبِ آدَمِيُّ الرُّواءِ
وَفُؤَادِي مِنَ المُلُوكِ وَإِنْ كَا ... نَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ
الرواء: المنظر، والقلب والفؤاد: واحد.
فيقول لكافور: فارم بي نحو ما تريده كمي، تجدني مسارعا إلى دعوتك، مجتهدا في مقارضة نعمتك، أنفذ ولا أتكل، وأقدم ولا أعجز، فإني أسد القلب في الاجتراء والشدة، وإن كنت آدمي الشخص في الرواء والخلقة.
ثم قال: وفؤادي من الملوك بشرفه ونزاهته، وان كان لساني من الشعراء بنطقه وصناعته، فوفني جزاء همتي، وتوسمني بحسب حقيقتي، وحملني من فضلك بمقدار ما انشره من شكرك.
стр. 74
وقال أيضا يمدحه.
أنشدها إياه في انسلاخ شهر رمضان، سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
مَنِ الجَآذِرُ في زِيَّ الأَعَارِيْبِ ... حُمْرُ الحُلَي والمَطَايا والجَلاَبِيْبِ
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ شَكَّاً في مَعَارِفِها ... فَمَنْ بَلاكَ بِتْسَهِيْدٍ وتَعْذِيبِ؟!
الجآذر: صغار البقر الوحشية، والأعاريب: جمع الأعراب، وهم سكان البادية من العرب، والحلي: جمع حلية، وأكثر ما تستعمل في حلى السيوف، وربما استعمل في حلى النساء، لتقارب الأمرين، والمطايا: الجمال المتخذة للركوب، والجلابيب: ثياب دون الأردية، تتخذ لتغطية الرؤوس والصدر، واحدها: جلباب، والتسهيد: عدم النوم.
فيقول كالمستفخم عن النساء اللواتي يشب بهن: من النساء اللواتي هن الجآذر في حسنهن، وكحل أعينهن، المشتملات بزي الأعراب؟ فهن حمر الحلي بتحليهن بالذهب، حمر المطايا لتقدم ما ركبنه في الكرم. وحمر المطايا: كرائمها؛ ولذلك يقول القائل من العرب فيما يرفع به: ما وددت أن لي بكذا وكذا حمر النعم. وحمر الجلابيب: حمر ما يتحلين به، وحمر الجلابيب من أحسن الملابس، وآتق المناظر، وقد دل على ذلك بشار بقوله:
وخذي مربِسَ زِينةٍ ... ومُصَبَّغاتٍ فَهْيَ أَشْهَرْ
وإذا خَرَجْتِ تَقَنَّعِي ... بِالحُسْنِ إِنْ الحُسْنَ أَحْمَرْ
فأشار أبو الطيب بما ذَكره إلى موضع من وصفه من الرفعة، وتمكنهم في الجدة والنعمة.
ثم قال يخاطب نفسه: إن كنت تسأل؛ اعترضك الشك في معرفة هؤلاء النسوة، وأشكلت عليك أمورهن عند الرحلة، فمن بلاك بالبحث عما يفيدك التسهيد والأرق، ويقصر عليك التعذيب والقلق؟!
لا تَجْزِني بِضَنًى بِي بَعْدَها بَقَرٌ ... تَحْزِي دُموعَي مَسْكوباً يِمَسكوبِ
стр. 75
سَوَائِرٌ رُبَّما سَارَتْ هَوادِجُها ... مَنِيْعَةً بَيءنَ مَطْعونٍ ومَضْرُوبِ
وَرُبَّما وَخَدَتْ أَيْدي المَطِيَّ بِهَا ... عَلى نَجِيْعِ من الفُرْسَانِ مَصْبُوبِ
الضنى: المرض المخامر، والبقر: كناية عن النساء، والعرب تكني عنهن بالظباء والبقر، والمسكوب: المصبوب، والهوادج: مراكب النساء، والوخد: ضرب من المشي، والنجيع: الدم.
فيقول: لا جعل الله الأحبة اللواتي أضناني بعدهن، وأسقم جسمي نأيهن، أن يجزينني ضنى؛ بضناي بهن، كما جزينني بكاء ببكائي عليهن. يؤكد أنهن أسعدنه في البكاء عند الرحلة، وأسفن كأسفه عند الفرقة، فدعا لهن ألا يضنين بضناه، كما أبكاهن ما أبكاه.
ثم ذكر موضع عشيرته من القوة، وحالهم في الاستظهار والكثرة، فقال: أنهم ربما عارضهم معارض في رحيلهم، وناصبهم مناصب دون مقصدهم، فأوقعوا بمن عارضهم، واستولوا على من خالفهم، وملكوا بهوادجهم على مواضع وقائعهم، فصارت بين قتيل قد أثبته الضرب، وبين صريع قد أنفذه الطعن.
ثم قال على نحو ما قدمه: وربما وخدت تلك الهوادج أيدي مطيها على دماء من الفرسان سائلة، وبقايا من آثار الحرب ظاهرة.
كَمْ زَوْرَةٍ لَكَ في الأعرَابِ خَافِيَةٍ ... أَدْهَى، وقد رَقَدوا، منْ زَوْرَةِ الذَّيْبِ
أَزُورُهُمْ وسوادُ اللَّيْلِ يَسْفَعُ لِي ... وأَنْثَنِي وبَيَاضُ الصُّبْح يُغْرِي بِي
الدهاء: النفاذ والمعرفة، والانثناء: الانصراف.
فيقول وهو يخاطب نفسه: كم زورة لك إلى أحبتك من الأعراب، وقد سكن سامرهم، واستثقل في النوم راقدهم، وسواد الليل يشفع لي بستره، ويسعدني بما يلقي علي من جنحه، وأنثني والصبح يكشف مذهبي، ويغري بي من يحاول ترقبي.
стр. 76
قَدْ وَفَقُوا الوَحْشَ في سُكْنَى مَراتِعِها ... وخالَفُوها بِتَقْويضٍ وتَطنِيْبِ
جِيْرانُها وَهُمُ شَرُّ الجِوارِ لَهَا ... وصَحْبُها وَهُمْ شَرُّ الأَصَاحِيءبِ
فُؤَادُ كُلَّ مُحِبًّ في بُيُوتِهِم ... ومَالُ كُلَّ أَخِيذِ المالِ مَحْروبِ
الوحش: ما لا يستأنس مما سكن القفر، والمراتع: المراعي، واحدها مرتع، والتقويض: حط الأبنية ونقلها، والتطنيب: إقامتها ومد طنبها، والطنب: حبال الخباء، والأخيذ: المأخوذ، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح، والمحروب: المسلوب.
فيقول واصفا لمن قدم ذكره من الأعراب: قد وافقوا الوحش بالسكنى في مراتعها، والانتقال في مواضع مسارحها، وخالفوها بأنهم ذووا بيوت يقوضونها عند رحيلهم، ويطنبونها عند نزولهم.
ثم قال: فهم جيران الوحوش، إلا أنهم لها شر الجيران؛ لملازمتهم لصيدها وصحبها، وهم شر الأصحاب لإلحاحهم على عقرها. يشير إلى أن من الوحوش أقواتهم، ومن لحومها تقوم حياتهم.
وأشار إلى حسن نسائهم، وكثرة غاراتهم، فقال: فؤاد كل محب في بيوتهم؛ لاستباء نسائهم بالحسن له، ومال كل من ذهب ماله فيها، لرجوعهم من الغارات به. فدل على أن الفلوات منازلهم، والوحوش فيها تجاورهم، والغارات مكاسبهم، والقلوب بحسن نسائهم تتابعهم.
ما أَوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحْسنَاتُ بِهِ كأَوْجُهِ ... البَدَويَّاتِ الرَّعابِيبِ
حُسْنُ الحَضَارَةِ مَجْلُوبٌ بِتَطْرِيَةٍ ... وفي البَدَاوَةِ حُسْنٌ غَيْرُ مَجْلُوبِ
أَيْنَ المَعِيْزُ مِنَ الآرامِ ناظِرَةً في الحُسْنِ والطَّيْبِ
الحضر: خلاف البدو، وأخبر عنه وهو يريد أهله، على سبيل التجوز، والرعابيب من النساء: الطوال القدود، الناعمات الأحسام، الواحدة رعبوبة، والحضارة: سكنى
стр. 77
الحاضرة، والبداوة: سكنى البادية، والتطرية: التجديد والصناعة، والمعيز: ذوات الشعر من الغنم، وهي المعز والمعزى، والمعيز: الواحدة معزاة، والناظرة: المقبلة على الشيء بنظرها، والآرام: الظباء.
فيقول: ما أوجه نساء الحضر المستحسنات فيه، مع بهجتها وحسنها ونضرتها، كأوجه البدويات من الأعراب، ذوات الأجسام الكاملة، والمحاسن الرائعة.
ثم بين ما ذكره فقال: إن حسن الحضارة تزيده الصناعة، وتحفظه الكفالة، ويجتلب بالتزيين والتهيئة، ويكمل بالتحسين والتطرية، وحسن البداوة إنما يروع النظار بحقيقته، ويروقهم ببنيته، قد استغنى فيه عن التصنيع، واكتفى ببراعته عن التزين، فكم بين التكلف والخلقة، وبين التمويه والحقيقة؟!
ثم أكد ما قدمه فقال: أين معيز الحضر من نظائرها من آرام البدو، في حسن المقل، وفتور النظر، وطيب الروائح وغير ذلك من المحاسن، فبمقدار تفاضلها، وعلى حسب تباينها، يفضل نساء البادية نساء الحاضرة في براعة الدل، وإحراز غايات الحسن.
أَفْدِي ظِباَء فَلاةٍ عَرَفْنَ بها ... مَضْغَ الكَلامِ ولا صبْغَ الحَواجِيْبِ
ولا بَرَزْنَ مِنَ الحَمَّامِ مائِلَةً ... أَوْرَاكُهُنَّ صَقِيْلاتِ العَراقِيْبِ
ومِنْ هَوَى كُلَّ مَنْ لَيْسَتْ مُمَوَّهَةً ... تَرَكْتُ لَوْنَ مَشِيْبِي غَيرَ مَخْضُوبِ
الظباء: معروفة من شاء البر، ومضغ الكلام: ترديده دون إبانة، والصقل: الجلاء والتصنيع، والعرقوب: العضلة التي تصل بين الساق وآخر القدم، والجمع عراقيب، والتمويه: المخادعة في الشيء بظاهر لا حقيقة له.
فيقول على نحو ما قدمه من تفضيل نساء الأعراب: أفدي بنفسي ظباء فلاة، معشوقات الدل، متكاملات الحسن، لا يمضغن الكلام لفصاحتهن فيه، ولا يتكلفن صبغ الحواجيب، لاستغنائهن عنه.
стр. 78
ثم قال: لا يعرفن الحمام ولا يردنه، ولا يحتجن إليه ولا يدخلنه، ولا يبرزن منه ببطون ضخمة وأوراك رخوة، قد حل الحمام أجسامهن، وصقل عراقيبهن، على ما يفعله نساء الحضر، ولكنهن مجدلات الأجسام، معتدلات القوام، قد أغناهن الحسن عن الصنعة، وسقطت به عنهن مؤن الكلفة.
ثم قال: ومن هوى كل من لا تموه حسنها، ولا تحتاج إلى أن تصنع نفسها، رفضت الخضاب محتملا على اجتناب المغالطة، وكرهته لما فيه من المكاذبة، فتركت الشيب ولم أخضبه، وأنست به ولم أغيره.
وَمِنْ هَوَى الصَّدْقِ في قَوْلِي وعادَته ... رَغِبْتُ عَنْ شَعَرٍ في الوَجْهِ مَكْذُوبُ
لَيْتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أَخَذَتْ ... مِنَّي بِحِلْمي الذي أَعْطَتْ وَتَجْريبي
فما الحَدَاثَةُ مَنْ حِلْمٍ لِمانِعَةٍ ... قَدْ يُوجَدُ الحِلْمُ في الشُّبَّانِ والشَّيْبِ
يقول: ومن هوى الصدق وإيثاري له، وحرصي عليه وإعجابي به، رغبت عن الخضاب الذي يغر مبصره، ويخدع متأمله، فرفضت ذلك مؤثرا للصدق، وأبقت منه متحملا على الحق.
ثم قال: ليت حوادث الأيام السالفة، وتصاريف المدد الخالية، باعتني ما أعدمتنيه من القوة، وسلبتنيه من الإقبال والشبيبة، بما استفدته بها من المعرفة، وأشرفت عليه بكثرة التجربة.
ثم قال: فما تمنع الحداثة من الحلم، ولا تبعد عن التقدم في العلم، فقد توجد الحلوم الراجحة، والعلوم البالغة، في الكهول والفتيان، والشيوخ والشبان.
تَرَعْرَعَ المَلِكُ الأُسْتَاذُ مُكْتَهِلاً ... قَبْلَ اكْتِهَالٍ، أَدِيْباً قَبْلَ تَأْدِيبِ
مُجَرَّباً فَهِمَاً مِنْ تَجْرِبَةٍ ... مُهَذَّباً كَرَماً، مِنْ غَيْرِ تَهْذِيبِ
حَتَّى أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا نِهَايَتَها ... وَهَمُّهُ في ابتداءاتٍ وتَشْبِيبِ
ترعرع الصبي: إذا تحرك للمشي، والاكتهال: بلوغ سن المشيب، والأديب:
стр. 79
المدرك للأدب، والتأديب: تعليم الأدب، والمهذب: الخالص من العيوب، والتهذيب: التفعيل من ذلك، والنهاية: الغاية، والهم: الهمة، وتشبيب الشيء: رفعه والزيادة فيه.
فيقول، وهو يريد كافورا: ترعرع الملك الأستاذ، وله من المعرفة في صغره مثل الذي للكهل مع تجربته وكبره، قد استفاد بكرم طبعه، كالذي استفاده الكهل في مدة عمره، وتأدب بجبلته دون تأديب، وعلم دون تعليم، فأدرك في صغره حال التكهل، وتأدب بطبعه قبل معاناة التأدب.
ثم قال على نحو ما قدمه: عالما لما لم يجربه؛ لما هو عليه من صحة فهمه، مهذب دون أن يهذبه أحد؛ بطبيعته وكرمه.
ثم قال: فأدرك من الدنيا أرفع منازلها، وحل منها من أجل مراتبها، حديث السن، مقتبل العمر، وهمته في تشبيب وزيادة، وابتداء من طلب الغاية.
يُدَبَّرُ المُلْكَ مِنْ مِصْرٍ إلى عَدَنٍ ... إِلى العِرَاقِ فَاَرْضِ الرُّومِ فالنُّوَبِ
إِذا أضتَتْها الرَّياحُ النُّكْبُ مِنْ بَلَدٍ ... فَما تَهُبُّ بها إِلاَّ بِتَرْتِيْبِ
ولا تُجاوِزُها شَمْسٌ إذا شَرَقَتْ ... إِلاَّ ومِنْهُ لَهَا أُذُنٌ بتَغْرِيْبِ
مصر: بلد معروف من بلاد المغرب، وعدن: قاعدة بلاد اليمن، وهي في الجنوب، والعراق: بلاد معروفة في المشرق، وأرض الروم: معروفة في المغرب، والنوب: ضرب من السودان، أخبر عنهم وهو يريد بلادهم على سبيل التجوز، والعرب تفعل ذلك، والنكب: جمع نكباء، وهي ريح بين ريحين، وترتيب الشيء تصريفه على رتب معروفة، وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت.
فيقول: إن كافورا ملك جليل المنزلة، بعيد أقطار المملكة، يملك من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، ومن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ويدبر ذلك
стр. 80
تدبير من يعمه بهيبته، ويضبطه بحسن سياسته، وليس بعد أقطار ملكه، يمنعه من أن يشتمل جميعها بحزمه.
ثم قال: فإذا هبت الرياح النكب في هذه البلاد، مع اضطراب هبوبها، وشدة اختلاف سيرها، سبق إلى النفوس أن ضبطه يحصرها، وما يحيط به من الاستقامة يسددها، فتحله من الضبط والحزامة ما لا يمكن. يشير بذلك إلى إنه قد بلغ فيهما غاية ما يمكن، ومثل هذا التجوز متعاهد في لسان العرب؛ فهم إذا أرادوا أن يدلوا على المرأة قد بلغت غاية الحسن، سموها بالشمس، وإذا أرادوا أن الرجل قد بلغ غاية الجود، سموه بالبحر، فيجعلون الكذب شاهدا على الصدق، والمحال إشارة إلى الحق.
ثم قال على نحو ما قدمه: ويسبق إلى النفوس أن كافورا مع ما هو عليه من قوة الملك، وشدة الحزم، لا يخرج في أعماله شيء عن حكمه، ولا يتصرف إلا على حسب أمره، وأن الشمس إذا سامتت تلك الأعمال أدركها ذلك الحكم، وأحاط بها ذلك الحزم، فتجري في الشروق والغروب على ذلك. وهذا وإن كان محالا في نفسه، كذبا في حقيقته، فإنما يتجوز بعلم أهل اللسان المراد فيه، وأن المفهوم منه: أن الممدوح كافورا يبلغ في الضبط أبعد غايته، ويستوفي فيه أقصى نهايته، هذا مفهوم ما قصده، وحقيقة مراده فيما نظمه.
يُصَرَّفُ الأَمْرَ فيها طِيْنُ خاتَمِهِ ... وَلَوْ تَطَلَّسَ مِنهُ كُلُّ مَكْتُوبِ
يَحُطُّ كُلَّ طويلِ الرُّمحِ حامِلُهُ ... عَنْ سَرْجِ كُلَّ طويل البَاعِ يَعْبُوبِ
كَأَنَّ كُلَّ سُؤالٍ في مَسَامِعِهِ ... قَمِيْصُ يُوسُفَ في أَجْفَانِ يَعْقُوبِ
التطليس: إفساد الخط، ويحط: ينزل، واليعبوب: الفرس الطويل السريع، وأجفان العيون: ما يحيط بالمقل.
فيقول: إن كافورا يصرف الأمر في البلد التي تقدم ذكره لها، تصريف مالك لا
стр. 81
يخالف، وقادر لا يعارض، تنفذ فيها كتبه ولو طلس طين خواتمها، ولا تتعرض وإن تغير نقش طوابعها؛ لأن هيبته تمنع من مراجعته، وجلالته تحول دون مخالفته.
ثم أكد ذلك فقال: يحط حامل تلك الطينة، والمسند إلى تلك القوة، كماة الفرسان عن خيولهم، ويستنزلهم من سروجهم، حتى ينتصف منهم، ويدرك ما يطلبه عندهم، وإن كانوا في غاية الجرأة، وعلى أتم أحوال الرفعة. ودل بطول رماح المذكورين على شجاعتهم، وبفراهة خيلهم على رئاستهم.
ثم قال، مشيرا إلى موضعه من الفضل، وحرصه على العطاء والبذل: كأن السؤال في مسامعه؛ لسروره به، وما يعتقده من الارتياح له، قميص يوسف، الذي أعاد إلى يعقوب بصره، حرصه عليه، وأذهب عنه العمى استبشاره بالنظر عليه.
إذا غَزَتْهُ أَعَادِيْهِ بِمَسأَلَةٍ ... فَقَدْ غَرَتْهُ بِجَيْشٍ غَيْرِ مَغْلُوبِ
أَو حَارَبَتْهُ فَما تَنْجُو بِتَقْدِمَةٍ ... مِمَّا أَرَادَ ولا تَنْجو بِتَجْبِيْبِ
أَضْرَتْ شَجَاعَتُهُ أَقْصَى كَتَائِبِهِ ... على الحِمَامِ فَمَا مَوْتٌ بِمَرْهُوبِ
التقدمة: تفعلة من التقدم، والتجبيب: الهروب، يقال: جبب الرجل: إذا هرب، وأضرت: بمعنى عودت، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الجماعات من الخيل، والحمام: الموت.
فيقول: إذا غزت كافورا أعاديه بجيش؛ من خضوعهم وضراعتهم، ورغبتهم ومسألتهم، فقد غزوه بجيش لا يغلبه، وعارضوه بأمر لا يدفعه، يريد: إنه من الفضل في حال يجيب معها من سأله، ولا يضيع من رجاه وأمله.
ثم قال: وإن عدلوا إلى محاربته، وأقدموا على مخالفته، فما يغني عنهم التقدم، لعجزهم عن القيام به، ولا يعصمهم الهرب، لتقصيرهم عن الفوت له، بل هم في كلا الحالين في قبضة ملكه، وعلى الوجهين مسلمون لأمره.
стр. 82
ثم قال: إن من سكن أقصى ثغوره، وبعد عنه من كتائبه وجيوشه، يتصرفون بأوامره، ويشجعون بشجاعته، ويحتملون على مذاهبه، ويخذون بحظ من صرامته، فما يخاف الموت فيهم ولا يرهب، ولا يهاب ولا يتوقع، وإذا كانت هذه حال من بعد عنه، فكيف الظن بمن شهده وقرب منه.
قَالُوا هَجَرْتَ إليه الغَيْثَ! قُلْتُ لَهَمْ: ... إلى غُيُوثِ يَدَيْهِ والشآبِيْبِ
إِلى الَّذي تَهَبُ الدَّوْلاَتِ رَاحُتُهُ ... ولا يَمُنُّ على آثار مَوْهُوبِ
الشآبيب: الدفع الغزيرة من المطر، واحدها شؤبوب، والدولات: مدد السلطان في الملك، الواحدة: دولة.
فيقول: إن بعض من عذله على اعتماده لكافور في مصر بقصده، ونسبه في ذلك إلى قلة الاختيار لنفسه، فقال له: أتهجر الشام وتدعها، وتتناسى كثرة الغيوث بها، وما تظهره من ترويض أرضها، وتجدده من بهجة حسنها، وتقصد مصر الذي تعرض السحاب عن سقيها، ولا تمطر شيئا من أرضها، فقال: إنه هجاها إلى غيوث يدي كافور، الذي عمت الأرض بمواهبه، وروتها بشآبيب مكارمه، وأنست السحاب بكثرتها، وزادت عليها بوفور جملتها، فهجرت تلك البلاد، وسيف الدولة مالكها، إلى كافور ملك الملوك، وسيد السادات، الذي يرفع من أحوال قصاده، وأقدار خدامه، حتى يجعلهم ذوي دولات تؤمل، وممالك تهاب وتتوقع، ولا يمن مع ذلك بعظيم ما تفعله، ولا يستكثر جليل ما يبذله. فدل على تقصير سيف الدولة عن كافور أبين دلالة، وأشار إلى ذلك أوضح إشارة، وهذه العبارة التي عبرنا بها عنه، وإن زادت على لفظه، فهي مفهومة من أغراض شعره.
ولا يَرُوعُ بِمَغْدُورٍ بِهِ أَحَداً ... ولا يُفَزَّعُ مَوْفُوراً بِمَكُوبِ
بَلى يَرُوعُ بِذِي جَيْشٍ يُجَدَّلُهُ ... ذا مِثْلِهِ في أَحَمَّ النَّقْعِ غِرْبِيْبِ
الترويع: التفزيع، والموفور: الكثير المال، والمنكوب: المعرض لسقوط الحال،
стр. 83
والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الشديد السواد.
فيقول: إن كافورا وفي لا يخترم، وكريم لا يغدر، يصل إلى ما يطلبه وصول مستقدر، وينفذ مستظهر، ولا يغدر بأحد ليروع الناس بغدره، ولا يغلب ذا مال فينكبه، ليفزع ذوي الوفر بظلمه. وبرأ كافورا من هذه الأحوال معرضا بسيف الدولة فيما كان يواقعه منها.
ثم قال: بلى إن كافورا يروع برئيس جيش يقتله، وزعيم قوم يجدله، يقصده في الحرب ويصرعه في أحم غربيب من النقع، فيجدله هناك غير مساتر، ويعتمده غير مخادع، ويخوف ذا جيش مثل جيشه، ورئيس جمع مثل جمعه، فيغنيه اقتداره عن الغدر، ويدفع عنه كرمه قبيح الذكر.
وَجَدْتُ أَنْفَعَ ماٍ كُنْتُ أَذْخِرُهُ ... ما في السَّوابِقِ مِنْ جَرْيٍ وتَقْريبِ
لَمَّا رَأَيْنَ صُروفَ الدَّهْرِ تَغْدُرُ بي ... وَفَيْنَ لي وَوَفَتْ صُمُّ الأَنابِيبِ
فُتْنَ المَهَالِكَ حَتَّى قَالَ قَائِلُها: ... ماذا لَقِيْنَا مِنَ الجُرْدِ السَّراحِيْبِ
ذخرت الشيء: إذا صنته مساعدا به، والسوابق: الخيل السريعة، والجري: معروف، والتقريب: ضرب من العدو لا يبلغ الجري، والأنابيب: ما بين كعوب القنا، واحدتها: أنبوب، والصم: الصلاب، والجرد من الخيل: القصار شعر الجلود، والسراحيب: الطوال العناق، الواحد: سرحوب.
فيقول: وجدت أنفع مال ادخرته، وأقرب معين استغنيته، ما أيدتني الخيل به، عند قصدي لكافور، من تقريبها وجريها، وشدة نهوضها في سيرها، وأشار إلى ما لحقه من طلب خيل سيف الدولة، وحرصها على الظفر به.
ثم قال: لما رأت سوابق خيلي أن الدهر قد غدرت بي صروفه، واعتمدتني خطوبه، وفت لي بما أمدتني من قوة جريها، وشدة عدوها، ووفت لي عند ذلك صم أنابيب الرماح التي امتنعت بموضعها، وتهيبت لمعرفتي بالتصريف لها.
стр. 84
ثم قال: فاتت بي تلك السوابق المهالك التي طلبتني مجتهدة، وصممت نحوي معتزمة، حتى قالت وقد فتها ونادت وقد أعجزتها: ماذا لقينا من الجرد السراحيب، التي حمت من كنا نطلبه، ومنعت مما كنا نرجوه ونرتقبه؟!
تَهْوي بِمُنْجَردٍ لَيْسَتْ مَذَاهِبهِ ... لِلُبْسِ ثَوْبٍ ومَأْكُولٍ ومَشْرُةبِ
يَرْمي النُّجومَ بِعَيْنَيْ مَنْ يُحاوِلُها ... كأَنَّها سَلَبٌ في عَيْنِ مسْلُوبِ
تهوي: تنصب في العدو، والمنجرد: المجد في الذهاب.
فيقول: والسوابق التي ذكر أنها تهوي منه، بمجد معتزم، ومستبصر مجتهد، ليس مذهبه في أن يستجد الملابس، ويتخير المطاعم والمشارب، وإنما مذهبه في ابتناء المكارم، واحتياز المفاخر، والوصول إلى أجل المراتب.
ثم قال على نحو ما قدمه: يرمي النجوم بعيني من يحاول مواضعها، ويروم تناولها، حنى كأنه لاستبصاره في ذلك ينظر منها إلى سلب سلبه، ومنع منه، وملك كان بيده فدفع عنه.
حَتَّى وَصَلْتُ إلى نَفْسٍ مُحَجَّبَةٍ ... تَلْقَى النُّفوسَ بِفَضْلٍ غَيرِ مَحْجُوبِ
في جِسْم أَرْوَعَ صَافِي العَقْلِ تُضْحِكُهُ ... خَلائِقُ النَّاسِ إِضْحَاكَ الأَعَاجِيْبِ
فالحَمْدُ قَبْلُ لَهُ، والحَمْدُ بَعْدُ لها ... ولِلْقَنَا ولإدْلاَجِي وتَأْويْبي
الإدلاج: سير الليل، والتأويب: سير النهار، والأروع: ذو الجسم والهيئة.
فيقول: حتى وصلت إلى كافور، فشهدت منه نفسا محجبة؛ بعلو المرتبة، مستترة بعظم المملكة، وفضلها ظاهر لا يحجب، وجودها قريب لا يمتنع.
ثم قال: وتلك النفس الكريمة العنصر، الرفيعة الموضع، في جسم ملك أروع، صافي الإدراك والعقل، محسن في القول والفعل، تضحكه خلائق الناس؛ بتقصيرها عن التمام، وعدولها إلى النقصان، إضحاك الأعاجيب التي ينكرها مشاهدها، والغرائب التي يستبعدها معايبها.
стр. 85
ثم قال: فالحمد قبل كل، لكافور بما أولاني من تفضله، وكريم تقبله، والحمد بعد ذلك لسوابق الخيل التي أدنتني إليه، ووفدت بي عليه، وللرماح التي أدللت بها، ووثنت بامتناعي بحسن التصريف لها، وبجلدي على الإدلاج والتأويب، وشدة الإسراع في المسير.
وَكَيْف أَكْفُرُ يا كَافُورُ نِعْمَتَها ... وَقَدْ بَلَغْنَكَ بي يا كُلَّ مَطْلُوبي
يأَيُّها المَلِكُ الغَانِي بِتَسْمِيَةٍ ... في الشَّرْقِ والغَرْبِ عن وَصْفٍ وتَلْقِيبِ
أَنْتَ الحَبِيْبُ وَلكِنَّي أَعُوذُ بِهِ ... مِنْ أَنْ أَكُونَ مُحِبَّاً غَيْرَ مَحْبُوبِ
الغاني: الظاهر الغنى، وهو فاعل من غني: يغنى، واللقب: يقرن باسم الرجل مما تؤكد به معرفته.
فيقول: وكيف أكفر يا كافور نعمة السوابق التي أدنتني إليك، وأنجتني من القوم الذين حاولوا تعويقي عنك، وبلغن بي إليك، وأنت الأمل الذي أوضعت نحوه، والملك الذي أصلت فضله، والذي هو كل مطلوب يقصد، وكل رجاء يعتمد. وجانس بين أكفر وكافور، والتجنيس من بديع الكلام.
ثم قال، وهو يخاطب كافورا: يا أيها الملك الجليل قدره، والرئيس المعظم أمره، الذي يحوز له اسمه من كرم الذكر، ويحدد له من الاعتلاء والفخر، ما يغنيه عن الشرف بتلقيب الخلفاء، والاحتمال في ذلك على أحوال سائر الرؤساء.
ثم قال له: أنت الحبيب الذي أصفيته غاية مودتي، وآثرته بأملي وخالصتي، وبه أعوذ وبكرمه، وبما حملني من جليل نعمه، من أن أكون محبا لا يقارض بحبه، ومخلصا لا يجازى بحقيقة وده.
стр. 86
وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة.
أَوَدُّ من الأيَّامِ ما لا تَوَدُّهُ ... وأَشْكُو إليها بَيْنَنَا وهيَ جُنْدُهُ
يُباعِدْنَ حِبًّا يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُ ... فكيفَ بِحِبّ يَجْتَمِعْنَ وصَدُّهُ
البين: الفرقة، والصد: المجانبة.
فيقول: إنه يود من الأيام ما لا تود الأيام مثله، ويكالبها بما لا تعتقد فعله، ويشكو إليها من بين أحبته، وفراق أعزته، ما هي جنده الذي يوجبه، وسببه الذي يدنيه ويقربه.
ثم قال: إن الأيام بطبعها، وما هي عليه من معهود أمرها، تبعد من الأحباب من تجامعه، وهو على أتم الوصل، وأكرم المذاهب في القول والفعل، فكيف بها في حبيب تجامعه، وهو على بصيرة في الصد، ونية في ترك الإقامة على العهد؟!
أَبى خُلُقُ الدُّنيا حَبِيْباً تُدِيْمُهُ ... فما طَلَبي مِنْها حَبِيْباً تَرُدُّهُ
وأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراً ... تَكَلُّفُ شَيءٍ في طِباعِكَ ضِدُّهُ
الخلق: الطبيعة: والطباع: نحو ذلك، والضد: الخلاف في كل شيء.
فيقول: أبت بطبيعتها، وما هي عليه عند تأمل حقيقتها، أن تمتع بالأحبة، وتديم وصلهم، وتعتزم بالفرقة على قربهم، فكيف أطلب منها أن ترد من فقد، وتقرب من بعد؟!
ثم قال: وأسرع شيء فعلته إلى التغير، وأقرب ذلك إلى الاستحالة والتبدل، شيء تتكلفه وأنت مطبوع على ضده، وتظاهر به وأنت مجبول على غيره؛ يريد: أن الدنيا خلقت على تشتيت الفرقة، وقطع وصائل الألفة، وإن أظهرت غير ذلك، أسرعت في إحالته، وعدلت بطبيعتها إلى إزالته.
رَعَى اللَّهُ عِيْسَاً فَارَقَتْنَا وَفَوْقَها ... مَهاً كُلُّها يُوْلَى بِجَفْنَيْهِ خَدُّهُ
بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كَأَنَّهُ ... وَقَدْ رَحَلوا جِيْدٌ تَنَاثَرَ عِقْدُهُ
إِذا سارتِ الأَحْداجُ فَوْقَ نَبَاتِهِ ... تَفاوَحَ مِسْكُ الغَانِيات وَرَنْدُهُ
стр. 87
العيس: البيض من الجمال، الواحد أعيس، والمها: بقر الوحش، والولي: المطر الذي يتلو أول أمطار السنة، وذلك المطر يسمى الوسمي، ويولي: يتابع فيه الولي، فاستعار الأسم له معه، وأشار به إلى تتابعه، والجيد: العنق، والعقد: معروف، والأحداج: ضرب من الهوادج، إلا أنها لا تقبب، واحدها: حدج، والتفاوح: التساجل في الفوح، والغانيات: الشواب من النساء، الواحدة غانية، والرند: شجر طيب الريح، ويقال إنه الآس.
فيقول: تولى الله بأكرم ولايته عيسا فارقتنا بمن نحبه، ورحلت عنا بمن نوده، وفوق تلك العيس من أحبتها مها تفوت المها بحسنها، وتزيد عليها بفتور لحظها، وكلها للتأسف على مفارقتنا، والتألم لمباعدتنا، يولي خده بدمعه، ويبعثه على مواصلة البكاء، تمكن وجده.
ثم قال، مشيرا إلى الموضع الذي رحل عنه أحبته: بواد ناله ألم تلك الفرقة، واستيحاش تلك الرحلة، كالذي نال قلوبنا، وأوجع نفوسنا، فكأنه وقد رحل عنه، واستقلت ظغائنهم منه، جيد تناثرت جواهر عقده، وتقطعت جوامع حليه، فتعوض بالعطل من ذلك الحلي، وبالوحشة من ذلك الحسن. ثم قال: إذا سارت الأحداج بين أشجار غياضه، وارتحلت بين زهرات رياضه، تفاوح مسك الغانيات وريح الرند وأشباهه من ذلك النبات.
وحَالٍ كإحْدَاهُنَّ رُمْتُ بُلُوغَهَا ... ومِنْ دُونِها غَوْلُ الطَّريق وبُعْدُهُ
وأَتْعَبُ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ زَادَ هَمُّهُ ... وقَصَّرَ عَمَّا تشْتَهي النَّفْسُ وُجْدُهُ
الغول والاغتيال: إذهاب الشيء في غير مهملة، والهم والهمة: بمعنى واحد، والوجد: السعة في المال.
فيقول: ورب حال تشبه من وصفه من أحبته في بعد تناولها، وتعذرها على محاولها، أعمل في بلوغها نفسه، واستنفذ في إدراكها جهده، ومن دون ما طلب
стр. 88
منها غول الطريق، وكثرة مخاوفه، وبعده وشدة مكارهه.
ثم قال مقيما لعذره فيما تمونه في السفر، وتكلفه من شدة الغرر: وأتعب خلق الله كلهم، من زادت همته ومعرفته، وقصرت جدته ومقدرته، فهو لا يزال يشتهي ما لا يبلغه، ويمتحن بما يأباه ويكرهه.
فلا يَنْحَلِلْ في المَجْدِ مالُكَ كُلُّهُ ... فَيَنْحَلَّ مَجْدٌ كانَ بالمالِ عَقْدُهُ
ودَبَّرْهُ تَدْبِيْرَ الذي المَجْدُ كَفُّهُ ... إِذا حَارَبَ الأَعْدَاَء والمالُ زَنْدُهُ
فلا مَجْدَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُهُ ... ولا مَالَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُهُ
المجد: كرم الفعل، والزند: إحدى قصبتي الذراع، والزندان: القصبتان، وباجتماعهما يكون الساعد، ورأساهما يتصلان بكف الإنسان.
فيقول على نحو ما قدمه من تفصيل المال، وبسط العذر في طلبه، وما يجب من تشييد المجد به: فلا ينحلل في المجد مالك بجملته، ولا تعدم نفسك ما تسند إليه من قوة، فينحل من مجدك ما عقده الغنى والسعة، ويذهب منه ما أوجبه الإكثار والجدة.
ثم قال: ودبر الأمرين في الجمع بهما، والحراسة لحالهما، تدبير من يجعلهما كالكف والزند في احتياج كل واحد منهما إلى صاحبه، وتأيده على التصرف بجانبه.
ثم قال على نحو ما قدمه: فلن تجد مجدا بائنا لمن أغفل ماله وأتلفه، ولن تجد مالا زاكيا لمن ضيع مجده وأهمله.
وفي النَّاسِ مَنْ يَرْضَى بِمَسْورِ عَيْشِهِ ... ومَرْكُوبُهُ رِجْلاَهُ والثَّوْبُ جِلْدُهُ
وَلكِنَّ قَلْباً بَيْنَ جَنْبَيَّ ما لَهُ ... مَدَّى يَنْتَهي بي في مُرَادٍ أَحْدُّهُ
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفَاً تَرُبُّهُ ... فَيَخْتَارُ أَنْ يُكْسَى دُرُوعاً تَهُدُّهُ
المدى: الغاية، والشفوف: ثياب رقاق، واحدها شف، وتربه: تنميه وتنعمه، وتهده:
стр. 89
تحطه وتهدمه.
فيقول: وفي الناس من لا تسمو به همته، ولا تنهض به منته، فيقنعه ما تيسر من عيشه، ويرضيه ما اتفق له من دهره، فيعرى ولا يألم، ويركب رجليه ولا يحزن.
ثم قال: ولكن قلبا بين جنبي بعيدا مرامه، جليلا مراده، ليس لما يبغيه مدى أقف عنده، ولا لما يحاوله طرف أحصر بالوصف حده.
ثم قال: يرى ذلك القلب جسمه في دعة من العيش، وصلاح من الأمر، تربه الشفوف الناعمة، وتتصل له الأحوال الوادعة، فيختار دروعا تهده حملها، ومخاوف لا يأمن عليه مثلها.
يُكَلَفُني التَّهْجِيرَ في كُلَّ مَهْمَهٍ ... عَلِيْقِي مَرَاعِيْهِ وزاديَ رُبْدُهُ
وأَمْضَى سِلاحٍ قَلَّدَ المرءُ نَفْسَهُ ... رَجاءُ أَبي المِسْكِ الكَريمِ وقَصدُهُ
هُما ناصِرا مَنْ خانَهُ كُلُّ ناصِرٍ ... وأُسْرَةُ مَنْ لَمْ يُكْثِرِ النَّسْلَ جَدُّهُ
التهجير: المسير في الهاجرة، والمهمة: القفر، والعليق: قضيم الدابة، والربد: النعام، وأسرة الرجل: رهطه وأقاربه.
فيقول مشيرا إلى ما قدمه من ذكر قلبه: يكلفني ذلك القلب يبعد مطالبه، وارتفاع [همته]، وجودة مقاصده، الأسفار البعيدة، والمئون الشديدة، والتهجير في كل مهمه، لا يجد فيه علفا مراعيه، ولا زادا غير ما أصيده من النعام الربد فيه.
ثم قال: وأمضى ما تقلده المرء من السلاح والشكة، وما يستعين به من النفاذ والقوة، رجاء أبي المسك والقصد إليه، وتأميله والتعويل عليه.
ثم قال، يريد الرجاء والقصد اللذين قدم ذكرهما: [هما] ناصرا كل من بعدت عليه النصرة، ومكثرا كل من تعذرت عليه الكثرة، وأسرة من قل نسل جده، وعدم عشيرة تؤيده على أمره.
أَنا اليَوْمَ مِنْ غِلْمانِهِ في عَشِيرَةٍ ... لَنَا والدٌ مِنْهُ يُفَدَّيهِ وُلْدُهُ
стр. 90
فَمِنْ مالِهِ مالُ الكَبِيْرِ ونَفْسُهُ ... وَمِنْ مَالِهِ دَرُّ الصَّغِيْرِ ومَهْدُهُ
العشيرة: القبيلة، وولده: جمع ولد، يقال: ولد وولد، كما يقال أسد وأسد، والدر: اللبن.
فيقول: أنا اليوم من غلمان كافور وحشمه، والمنتسبين إلى نعمه، في عشيرة حافلة، وجماعة وافرة، لنا منه والد بما شملنا من خيره ورأفته، وله منا بنون نفديه، ونستهلك في طاعته.
ثم قال: فمن ماله مال كبيرنا ونفسه، ومنه در صغيرنا ومهده، يعمنا بتعهده وإحسانه، ويغذونا بتطوله وإنعامه، فالكبير لا يعد نفسه وماله إلا من عنده، والصغير لا ينشأ ولا يتقلب إلا في فضله.
نَجُرُّ القَنَا الخَطَّيَّ حَوْلَ قِبابِهِ ... وتَرْدِي بنا قُبُّ الرَّباطِ وَجُرْدُهُ
ونَمْتَحِنُ النُّشَّابَ في كُلَّ وابِلٍ ... دَوِيُّ القِسِيَّ الفَارِسِيَّةِ رَعْدُهُ
القنا: الرماح، والخطية منها المجتلبة من الخط، وهو موضع، والرديان: ضرب سريع من العدو، والرباط: الخيل المرتبطة لجهاد العدو. والقب: الضامرة، والجرد: التي قصر شعر جلودها، وذلك من دلائل كرمها، وقد تقدم ذكر ذلك، والوابل: المطر الغزير.
فيقول: نجر القنا الخطي حول قباب كافور مرتقبين لأمره، ونتكاثر في أفنيته متظاهرين على نصره، تردي بنا عتاق الخيل وجردها، وتحملها كرائمها وقبها.
ثم قال: ونمتحن النشاب في أظهر شكة، ونرمي به في أحفل عدة، فكأنه لكثرته، وما يتفق من وفور جملته، وابل؛ دوي قسيه رعده، وعارض؛ قطر سحابه نبله.
فَأِنْ لا تَكُنْ مِصْرُ الشَّرَى أَو عَرِيْنَهُ ... فإِنَّ الذي فيها من النَّاسِ أُسْدُهُ
سَبَائِكُ كافورٍ وعِقْيانُهُ الذي ... بِصُمَّ القَنا لا بالأَصَابع نَقْدُهُ
بَلاَهَا حَوَالَيْهِ العَدُوُّ وغَيْرُهُ ... وجَرَّبَها هَزْلُ الطَّرادِ وجِدُّهُ
стр. 91
الشرى: موضع كثير الأسد، والعرين: مأوى الأسد، والسبائك: قطع تخلص بالإذابة من الذهب والفضة، والعقيان: ذهب يوجد بنفسه دون أن يخلص من تراب المعادن، والقنا: الرماح، وصمها: صلابها، والنقد: تمييز الدراهم والدنانير، وبلاها: بمعنى خبرها، والطراد تجاول الفرسان.
فيقول: فإن لم تكن مصر الشرى، الموضع المعروف بالأسد، وعرينه الذي يأوي أسده إليه، فإن الذين من جند كافور أسد الشرى في بأسهم وشدتهم، ونظيرها في إقدامهم وجرأتهم.
ثم قال: وهم مال كافور الذي ادخره، ووفره من الذهب والعقيان الذي جمعه، ينتقدهم بصم القنا في طرادهم، ويختبرهم بالتصريف لهم في قتالهم، لا بالأصابع التي بها تنتقد الأموال، وتميز الفضة والعقيان.
ثم قال: جربت تلك الأسد حواليه الأعداء في حربه، والأولياء في موادعته وسلمه، وأبان عنها هزل الطراد وجده، وجهد الاختيار وعفوه، فغلبوا من غالبهم، وظهروا على من خالفهم، وخلصت لكافور طاعتهم، وشهرت في أعدائه نكايتهم.
أَبو المِسْكِ لا يَفْنَى بِذَنْبِكَ عَفْوُهُ ... ولكِنَّهُ يَفْنَى بِعُذْرِكَ حِقْدُهُ
فيأَيُّها المَنْصُورُ بالجَدَّ سَعْيُهُ ... ويأَيُّها المَنْصُورُ بالسَّعْيِ جَدُّهُ
تَوَلَّى الصبَّا عَنَّي فَأَخْلَفْتَ طِيْبَهُ ... وما ضَرَّنِي لَمَّا رأَيْتُكَ فَقْدُهُ
لَقَدْ شَبَّ في هذا الزَّمانِ كُهُولُهُ ... لَدَيْكَ وشابَتْ عِنْدَ غَيْركَ مُرْدُهُ
الحقد: إضمار العداوة، والجد: البخت، والكهل من الرجال: الذي خالطه الشيب.
فيقول مخبرا عن كافور: أبو المسك لا يفني ذنوبك بكثرتها عفوه، ولا يضيق بتتابعها فضله، ولكن حلمه يفني حقده عليك بأيسر عذر، ويتغمد إساءتك بأهون سعي.
ثم قال مخاطبا له: فيا أيها الملك الذي قرن الله سعيه بإقبال جده فأنجحه، وقرن
стр. 92
جده بمشكور سعيه فمكنه، فلم يخل حزمه من جد يصحبه، ولم يخل جده من حزم يمضيه ويؤيده.
ثم قال مخاطبا له: تولى الصبا عني، بكثرة السن، وفناء أكثر العمر، فعوضتني منه بالمسرات التي تابعتها لي، وجددت عندي ما سلف من طيبه بالكرامات التي وصلتها لي، وما ضرني فقد الشباب لما صرت في جنبتك، ولا عدمت طيبه مع ما تتابع علي من نعمتك.
ثم قال مخاطبا له: لقد شب لديك كهول الرجال بما احيينه من همههم، وأسبغته من نعمهم، وبما يسره الله على يديك من السعادة لهم، وشاب المرد عند غيرك من الملوك، بعجزهم عن ضبط أعمالهم، واضطراب أحوال رعاياهم وأحوالهم.
أَلا لَيْتَ يَوْمَ السَّيْرِ يُخْبِرُ حَرُّهُ ... فَتَسْأَلَهُ واللَّيْلَ يُخْبِرُ بَرْدُهُ
ولَيْتَكَ تَرْعَانِي وحَيْرانُ مُعْرضٌ ... فَتَعْلَمَ أَنَّي مِنْ حُسَامِكَ حَدُّهُ
وأَنَّي إذا بَاشَرتُ أَمْراً أُرِيْدُهُ ... تَدَانَتْ أَقاصِيهِ وَهَانَ أَشُدُّهُ
المراعي للشيء: الناظر إليه، وحيران معرض: ماء على طريق سلمية، هو منها على أقل من يوم، واعترض دونه أبو الطيب، فغال المعترضين له، واستظهر عليهم، والمعرض: الظاهر، والحسام: السيف القاطع، وحده: معروف.
فيقول لكافور مخبرا عن شدة سيره، وما تجشمه من المخاوف في قصده: ألا ليت نهار سيري نحوك يخبرك بما قاسيت من حره، وليت ليله يعرفك بما لاقيت من برده، فتتبين قدر بداري نحوك، وما تمونته عند قصدي أرضك.
ثم قال: وليت تشهدني وحيران؛ هذا الماء، مغب ظاهر، ومعرض بين، والأعداء يدفعونني عنه، ويمنعونني مجتهدين منه، فتشهد حينئذ بلائي في مقاتلتهم، ونفاذي في منازلتهم، وتعلم أن مثلي إذا صار في جندك والممتثلين لأمرك، كان من سيفك في موضع حده، ونائب في قوة فعاله.
стр. 93
ثم قال: وكنت تعلم أني من الصرامة والجزالة، على حال من إذا باشر أمرا يريده، وحاول بعيدا يرومه، تدانى له منه ما بعد؛ لشدة بطشه، وسهل له منه ما صعب؛ لشجاعة نفسه.
وما زالَ أَهْلُ الدَّهْرِ يَشْتَبِهونَ لي ... إِليكَ فَلمَّا لُحْتَ لي لاَحَ فَرْدُهُ
يُقالُ إِذا أَبْصَرْتُ جَيْشاً وَرَبَّهُ ... أَمَامَكَ ربُّ؛ ربُّ ذا الجَيْش عَبْدُهُ
وَاألْقَى الفَمَ الضَّحَّاكَ أَعْلَمُ أَنَّهُ ... قَرِيْبٌ بِذِي الكَفّ المُفَدَّاة عَهْدُهُ
رب الجيش: الذي يملكه ويدبره.
فيقول مخاطبا لكافور: وما زال أهل الدهر الذين شهدتهم، وملوكه الذين قصدتهم، تتقارب عندي أمورهم، وتتماثل في نفسي أحوالهم، حتى بدوت لي، فعلمت أنك واحد الدهر، والمخصوص بين أهله بأعظم الفضل.
ثم قال: إنه كلما لقي في قصده نحو كافور جيشا كثير أهله، وأميرا رفيعا قدره، قيل له: أمامك من كافور مقصودك أمير، أمير هذا الجيش واحد من حشمه، وتابع من عبيده وخولة.
ثم قال: وألقى الفم الضحاك الذي أضحكه الجذل، وغلب صاحبه الفرح، فأعلم أن ذلك الفم قريب عهده بيد كافور، المفداة لكثرة ما يبذله، المعظمة لجلالة ما يفعله.
فَزَارَكَ مِنّي مَنْ إِلَيْكَ اشْتِياقُهُ ... وفي النَّاسِ إِلاَّ فِيكَ وحدكَ زُهْدُهُ
يُخَلَّفُ مَنْ لم يَأْتِ دَارَكَ غايةً ... ويَأْتي فيُدْرَى أَنَّ ذلكَ جَهْدُهُ
فإِنْ نِلْتُ ما أَمَّلْتُ مِنْكَ فَرُبَّما ... شَرِبْتُ بِماءٍ يُعْجِزُ الطَّيْرَ وِرْدُهُ
الزهد في الشيء: قلة الرغبة فيه، والورد: حلول المشرب.
فيقول لكافور: فزارك مني من لا يشتاق إلا إليك، ولا يحرص إلا عليك، ومن هو زاهد في الناس إلا فيك وحدك، ومعرض عنهم عندما تخيره من قصدك.
ثم قال مخاطبا لكافور: يخلف المتأخر عن إتيان دارك، واعتماد أرضك، غاية
стр. 94
مؤملة، وأمنية منتظرة، ويأتيك فيعلم أنه قد تمكن في السعد، وبلغ في نفسه غاية الجهد.
ثم قال: وإن نلت منك ما أملت، وأدركت ما حاولت، فكثيرا ما شربت بالمياه التي يعجز الطير ورودها، ولا تدركها بغاية جهدها. يريد أنه إذ ظفر من كافور ببغيته، فليس بستغرب ذلك مع نفاذه وقوته.
وَوَعْدُكَ فِعْلٌ قَبْلَ وَعْدٍ لأَنَّهُ ... نَظِيرُ فَعَالِ الصَّادِقِ القَوْلِ وَعْدُهُ
فَكُنْ في اصْطِنَاعِي مُحْسِناً كَمُجَرَّبٍ ... يَبينْ لَكَ تَقْرِيبُ الجَوَادِ وَشَدُّهُ
إِذا كُنْتَ في شَكًّ مِن السَّيْفِ فابْلُهُ ... فَإِمَّا تُنَفَّيِه وإِمَّا تُعِدُّهُ
وما الصَّارِمُ الهِنْدِيَّ إِلاَّ كَغَيْرِهِ ... إِذا لَمْ يَفَارقْهُ النَّجادُ وغِمْدُهُ
التقريب: ضرب من الجري لا يستفرغ الجهد، وشد الفرس: استيفاء غاية الجري، وبلوت الشيء: إذا اختبرته، وتنفيته: إذا طرحته، والصارم: السيف القاطع، والنجاد: محملة.
فيقول لكافور: ووعدك أيها الرئيس يسابقه فعلك، ويتقدمه نجازك، وكذلك وعد من صدق قوله، وتيقن فضله، يقترن فعله به، ولا يتأخر إنجازه له.
ثم قال يخاطبه: فكن في اصطناعك لي، وما تصنعه من الجميل في، محسنا كمجرب، ومفضلا كمختبر، يتبين لك عفو شكري وجهده، وتقريب امتداحي وشده. وكنى بالجواد عن نفسه، وضرب بحاليه مثلا من جريه.
ثم قال: إذا كنت في شك من السيف وفعله، وصرامته في قطعه، فاختبره بتجربتك، واحمله على محنتك، فإما تنفيه وتطرحه؛ لنبو حده، وإما تعده وتعجب به، لما تشتهده من فعله.
ثم قال: وما السيف الهندي الصارم، والحسام النافذ القاطع، إلا كغيره من متأخر السيوف، إذا لم يفارق السيف غمده، ويشهد بصرامته فعله، لأن صور السيوف
стр. 95
متقاربة، وظواهرها متشابهة، وكذلك الرجال تكشف فضائلهم الخبرة، وتبين غناءهم التجربة.
وَإِنَّكَ لَلْمَشْكُورُ في كُلَّ حَالةٍ ... ولو لَمْ يَكُنْ إِلاَّ البَشَاشَةَ رِفْدُهُ
وكلُّ نَوَالٍ كانَ أَو هُو كائِنٌ ... فَلَحْظَةُ طَرْفٍ مِنْكَ عِنْديّ ندُّهُ
وإِني لَفي بَحْرٍ مِنَ الخَيْرِ أَصْلُهُ ... عَطَايَاكَ أَرجو مَدَّها وهي مَدُّهُ
البشاشة: الترحيب، والرفد: العون بالعطاء، ومد البحر: زيادته وتكاثره.
فيقول لكافور: وإنك للجدير بالشكر، والمستحق لأكرم الذكر، ولو لم يكن عطاؤك إلا برك، ونوالك إلا ترحيبك وبشرك.
ثم قال: وكل نوال سبق قبلك، أو ما يمكن أن يكون بعدك، فلحظة طرف منك تفي بذلك وتعدله، وتزيد عليه وتفضله؛ لأن مشاهدتك أمان من الفقر، والنظر إليك استظهار على الدهر.
ثم قال: وإني لفي بحر من مواهبك، وغمرة من فواضلك، وعطاياك مرجوة لمد ذلك البحر، ومتابعة ذلك الفضل، وهي عند أتم ما يبلغه الرجاء من مواصلة ذلك المد، وارتهان أوفر الشكر والحمد. وكنى بالبحر ومده عن متابعة كافور عليه بفضله.
وما رَغْبَتي في عَسْجَدٍ أَسْتَفِيْدُهُ ... ولكِنَّها في مَفْخَرٍ أَسْتجِدُّهُ
يَجُودُ بِهِ مَنْ يَفْضَحُ الجُودَ جُودُهُ ... ويَحْمَدُهُ مَنْ يَفْضَحُ الحَمْدَ حَمْدُهُ
فإِنَّكَ ما مَرَّ النُّحوسُ بِكَوْكَبٍ ... وقابَلْتَهُ إِلاَّ ووجْهُكَ سَعْدُهُ
العسجد: الذهب.
فيقول: وما رغبتي في وفر أدخره، ومال أكتسبه، ولكنها في كرامة أستجد فخرها، ورتبة من الشرف أخلد ذكرها.
ثم قال، وهو يشير إلى كافور: يجود لي بتلك الرتبة، ويخصني بتلك الرفعة، من
стр. 96
يفصح كل جود بعظم جوده، ويزيد على كل فضل بجلالة فضله، ويحمد ذلك مني من يفصح حمده حمد الحامدين، ويدني على من تقدم من الشاكرين.
ثم قال، وهو يخاطب كافورا: فإنك ما مرت النحوس بكوكب، ولا أحاطت به في موضع، وقابلته لوجهك، وأقبلت عليه بنفسك، إلا والإقبال ينهضه، والسعادة تكشفه؛ لأن النحوس قد رفعها الله بتمكن سعدك، وأنقذ منها ببركتك وإقبال جدك.
стр. 97
وشكى إليه إبراهيم بن عباس طول قيامه في مجلس كافور، فقال له ارتجالا:
يَقلُّ لَهُ القِيامُ على الرُّؤوسِ ... وبذْلُ المُكْرَمَاتِ مِنَ النُّفُوسِ
إِذا خَانَتْكَ في يَوْمٍ ضَحوكٍ ... فَكَيْفَ تَكُونُ في يَوْمٍ عَبُوسِ؟
النفوس المكرمات: المعتمدات بالكرامة، والواحدة مكرمة، يقال: أكرمت النفس، فهي مكرمة، واليوم العبوس: الذي يكثر فيه لشدة أهواله.
فيقول لمخاطبه [يقل] أن يقام له على الرؤوس إعظاما لقدره، وأن توضع مواضع الأقدام اعترافا لشكره، وأن يبذل في طاعته من النفوس ما أكرم، ويمتهن له منها ما شرف وعظم.
ثم قال للذي خاطبه: إذا خانتك نفسك في قضاء حقه، ومعارضة فضله، فلم تسعدك على القيام له في يوم سرور وغبطة، وضحك وبهجة، فكيف تظنها في يوم حرب عبوس، يستكره مثله، شديدا لا يؤمن بأسه؟!
стр. 98
ودخل إليه بعد انتقاله من البركة إلى الدار الثانية، فقال، وأنشدها إياه في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.
أَحَقُّ دَارٍ بأَنْ تُدْعَى مُبارَكَة ... دَارٌ مباركَةُ المَلْكِ الذي فِيها
وأَجْدَرُ الدُّورِ أَنْ تُسْقَى بِسَاكِنِها ... دَارٌ غدا النَّاسُ يَسْتَقُونَ أَهْليها
الملك: الملك، خففت الكسرة فيه من اللام، والعرب تفعل ذلك في مثل هذا الموضع، فتقول في إبل إبل، وفي عضد عضد؛ لأنهم يستثقلون الكسر والضم فيصيرون فيها إلى التخفيف.
فيقول: أحق دار بأن يقضى لها بركة، ويقطع عليها بالسعادة، دار قد قصر الله البركة على الملك الساكن لها، وقضى بالسعادة على الرئيس المستقر بها.
ثم قال: وأجدر الدور بأن تسقيها السحاب بإقبال ساكنها، وتخضب ساحتها بيمن عامرها، دار غدا الناس يستسقون فضل من سكنها، ويعم جميعهم نعم من عمرها.
هذي مَنازِلُكَ الأُخْرَى يُهَنَّئُها ... فَمَنْ يَمُرُّ على الأُولى يُعَزَّيَها
إذا حَلَلْتَ مَكاناً بَعْدَ صاحِبِهِ ... جَعَلْتَ فيهِ على ما قَبْلَهُ تِيْها
يقول: هذه الأخرى من منازلك، يشير إلى الدار التي انتقل عنها، يهنئها بتشرفها بك، وبما اخترته من الرفعة في اشتمالها عليك، فمن يمر على الدار التي أخليتها من نفسك، وأوحشتها إلى أنسك، يسليها عما عدمته، ويصبرها على ما فارقته وحرمته.
ثم قال: إذا حللت في مكان بعد آخر، ترحل عنه، وتطير إلى ذلك المكان، تنتقل منه، أظهرت فيه على المنازل التي فارقتها، وزهوا على الأماكن التي رحلت عنها وتركتها.
لا تٌنْكِرِ الحِسَّ مِنْ دَارٍ تَكُونُ بها ... فإِنَّ رِيْحَكَ رَوْحٌ في مَغَانِيْهَا
أَتَمَّ سَعْدَكَ مَنْ لَقَّاكَ أَوَّلَهُ ... ولا اسْتَرَدَّ حَياةً مِنْكَ مُعْطيها
الحس: الإدراك والمعرفة، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى.
стр. 99
فيقول لكافور: لا تنكرن ما ذكرته من حس الديار لحلولك وارتحالك، وقطونك وانتقالك، فعبق ريحك في تلك المواضع، وطيب نسميك في تلك المنازل، روح في مغانيها يكسبها الحس، وحياة لها تفيدها العلم، فهي تزهى وتسر بقربك، وتكتئب وتستوحش لبعدك.
ثم قال داعيا له: أتم الله لك السعد كما لقاك أوله، وتابعه لديك ووصل لك أكمله، ولا استرد حياتك كما أعطاها، ممتعا بمدتك، وأطال بقاءك متفضلا ببركتك.
стр. 100
وقاد إليه فرسا، فقال يمدحه، أنشده يوم الأحد، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة.
فِراقٌ وَمَنْ فارَقْتُ غَيْرُ مُذَمَّمِ ... وأَمٌّ وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّمِ
وما مَنْزلُ اللَّذَّاتِ عِنْدي بِمَنْزِلٍ ... إذا لَمْ أَبَجَّلْ عِنْدَهُ وأكَرَّمِ
سَجِيَّةُ نَفْسٍ ما تَزالُ مُلِيْحَةً ... مِنَ الضَّيْمِ مَرْمِيًّا بها كُلُّ مَخْرَمِ
أممت الشيء ويممته: بمعنى قصدته، والتبخيل: التعظيم، والسجية: الخليقة، والمليح: المشفق الحذر، والضيم: الذل، والمخرم: منقطع أنف الجبل.
فيقول وهو يشير إلى مفارقته سيف الدولة، وقصده لكافور: فراق تكلفته، ومن فارقت من سيف الدولة محمود لا يذم، ومشكور لا ينكر فضله، وأم لكافور اخترته، وقصد إليه آثرته، ومن يممت أكرم ميمم، ومن أملت أفضل مرجو ومؤمل.
ثم قال: وما منزل اللذات والسعة، ومحل الرفاهية والدعة، عندي بمنزل يؤثر، ومحل يؤلف، إذا لم يتصل لي بذلك التبخيل والتكريم، والتوقير والتعظيم. يشير إلى أن سيف الدولة وإن كان خصه يسابغ فضله، فإنه لم يوفه حقيقة بره.
ثم قال: وتلك مني سجية نفس كريمة، أبية شريفة، لا تزال تأنف الضيم وتنكره، وترغب العز وتطلبه، متجشمة في ذلك البعيدة، مقتحمة على المخارم المنيعة.
رَحَلْتُ فَكَمْ بَاكٍ بِأَجْفَانِ شَادنٍ ... عليَّ وكمْ باكٍ بأَجفَانِ ضَيْغَمِ
وما رَبَّةُ القُرْطِ المَلِيْحِ مَكَانُهُ ... بِأَجْزَعَ مِنْ رَيَّ الحُسَامِ المُصَمَّمِ
فَلَوْ كَانَ ما بي مِنْ حَبِيْبٍ مُقَنَّعٍ ... عَذَرْتُ ولكِنْ مِنْ حَبِيبٍ مُعَمَّمِ
الشادن: ولد الظبية، والضيغم: الأسد، والحسام المصمم: القاضي فيما يضرب به، والقرط من الحلي: معروف.
فيقول: رحلت عن سيف الدولة، فكم فارقت من حبيب أشجيته، فبكى علي بأجفان شادن، يشير إلى من تخلفه بحلب من أهله، وكم خلفت من خليل أحزنته، فبكى
стр. 101
علي بأجفان أسد، يشير إلى سيف الدولة، وأنه أوجعه بفراقه، وأحزنه برحيله.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما ربة القرط من أهل الظاهرة الملح، البارعة الحسن، بأجزع علي مفارقتها لي من سيف الدولة؛ رب الحسام المصمم في قطعه، النافذ في كرامته وفعله.
ثم قال مشيرا إليه: فلو كان ما أشكوه من الأسف، وأظهره من الشوق والشغف، من حبيب مقنع، يحسن العشق بمثله، ولا يستنكر الشغف بشكله، عذرت نفسي في [ما] أظهره، وسقط اللوم عني فيما أذكره، ولكنه من حبيب معمم، خالص مودتي له كالشغف، وأسفي على مفارقتي له أشد الأسف. وأشار بما ذكره إلى سيف الدولة، وما هو عليه من الشكر له، وشدة الإعجاب به.
رَمَى واتَّقَى رَمْيِي ومِنْ ما اتَّقى ... هَوًى كاسِرٌ كَفَّي وقَوْسِي وأَسْهُمِي
إذا سَاَء فِعْلُ المَرْءِ سَاَءتْ ظُنُونُهُ ... وصَدَّقَ ما يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وعادَى مُحِبَّبيهِ بِقَوْلِ عُداتِهِ ... وأَصْبَحَ في لَيْلٍ مِنَ الشَّك مُظْلِمِ
يقول، وهو يشير إلى سيف الدولة: رماني بما أظهره من العقوق لي، واستجازه من التقصير بي، واتقى أن أرميه بالذم لفعله، وأجزيه على ذلك بمثله، ومن دون ما حذره واتقاه وتوقعه، هوى مني له صادق، وشكر متمكن خالص، يكسر القوس التي بها يكون الرمي، والكف التي يكون بها الفعل، والسهم الذي يطيش ويرسل، ويسير وينفذ. وكنى بالقوس والكف والسهم عن النية والقول والفعل.
ثم قال: إذا ساء فعل المرء فيما يقدمه، وسبق منه المكروه فيما يتقلده، ساءت ظنونه في مقارضته على فعله، ومجازاته على الظلم بمثله، وصدق في ذلك ما يعن له من الأوهام الخاطرة، والظنون السيئة العارضة. وهذا مثل سائر، والمثل من أرفع أبواب البديع.
[ثم قال]: من تقدم بقبيح الفعل، وأكسبه ذلك سوء الظن، عادى من يحبه بقول من
стр. 102
يبغضه، وتنكر لمن يوده بنمائم من يكرهه، وأصبح من الشك في ليل مظلم، ومن التوقع في أمر مؤلم.
أصادِقُ نَفْسَ المَرْءِ منْ قَبْلِ جِسْمِهِ ... وأَعْرِفُها في فِعْلِهِ والتَّكَلُّمِ
وأَحْلُمُ عَنْ خِلَّي وأَعْلَمُ أَنهُ ... مَتَى أَجْزِهِ حِلْماً على الجَهْلِ يَنْدَمِ
فَإِنْ بَذَلَ الإنسانُ لِي جُودَ عابِسٍ ... جَزَيْتُ بِجِودِ التّاركِ المُتَبَسَّمِ
يقول: أصادق نفس المرء بمشاكلتي له من قبل جسمه، وأصافيه بمناسبتي إياه من قبل أن يفاتحني بلفظه، وأعرف حال نفسه في فعله وتكلمه، وإشارته وتصرفه.
ثم قال: وهو يشير إلى إعراضه عن مقارضة تقصير سيف الدولة به: وأحلم عن خلي تمسكا بمحبته، وضنانة بما أحرزته من مودته، وأعلم أني إذا جازيته بالحلم على جهله، والصبر على ما قدمه من سوء فعله، أصاره ذلك إلى الندم والإنابة، والإنصاف والاستقامة.
ثم قال، وهو يشير إليه: وإن بذل الإنسان لي من نفسه جود عابس مستكره لجوده، مستثقل لما يسمح من بذله، جزيته بجود تارك عفيف عما وهبه، معرض زاهد فيما بذله، مستبشرا من ذلك بما افعله، متبسما غير مستثقل لما أؤثره.
وأَهْوَى مَنَ الفِتْيَانِ كُلَّ سُمَيْدَعٍ ... نَجِيْبٍ كَصَدْرِ السَّمْهَرِيَّ المُقَوَّمِ
خَطَتْ تَحْتَهُ العِيْسُ الفَلاَةَ وخَالَطَتْ ... بِهِ الخَيْلُ كُبَّاتِ الخَمِيسِ العَرَمْرمِ
ولا عِفَّةَ في سَيفِهِ وَسِنَانِهِ ... ولكِنّهَا في الكَفَّ والفَرْجِ والفَمِ
السميدع: السيد الكريم، والنجيب: الظاهر السيادة، والسمهري: الرمح الصلب، وصدره: أعلاه، وخطت: قطعت بخطوها، والعيس: البيض من الجمال، والبياض فيها من شواهد الكرم، والكبات: القطع العظيمة من الإبل، الواحدة كبة، والخميس: الجيش، والعرموم: الكبير، والعفة: اجتناب المحارم.
فيقول: وآلف من الفتيان كل كريم سيد، نجيب أوحد، جريء نافذ، شجاع صارم،
стр. 103
كصدر الرمح في قوته وإقدامه وشدته.
ثم أكد وصفه بالجلد، فقال: جرب الأسفار وعرفها، وباشر الفلوات وقطعها، ونفذ في الحزومة بقوته، وخالطت به الخيل كبات الجيوش بجرأته.
ثم وصفه بجرأة النفس، وشدة البطش، فقال: إنه لا عفة في سيفه ورمحه؛ لمبادرته إلى الحرب، وتسرعه إلى الطعن والضرب، ولكن العفة في كفه؛ بإمساكه عن مكروه المكاسب، وفي فرجه بتنزهه عن إتيان المحارم، وفي فمه بترفعه عن القول بالمآثم.
وما كُلُّ هاوٍ لِلْجميلِ بِفَاعلٍ ... ولا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمَّمِ
فِدىً لأَبي المِسْكِ الكِرامُ فَإِنَّها ... سَوابِقُ خَيْلٍ يَهْتَدينَ بأَدْهَمِ
أَغَرَّ بِمَجْدٍ قَدْ شَخَصْنَ وَرَاَءهُ ... إِلى خُلُقٍ رَحْبٍ وخَلْقٍ مُطَهَّمِ
الرحب: الواسع، والمطهم: التام.
فيقول: وما كل من يهوى الجميل يفعله، ولا كل من يبتديه يتممه، فرب من يحب الشيء ولا ييسر لفعله، وبتديه ولا يتممه على وجهه.
ثم قال: فدى الله أبا المسك بجميع الكرام، وأولي الفضل والإنعام، فإنهم وإياه كخيل تتسابق في الجري، وتتبارى في العدو، وقد بذها وسَبقها، وبرز عليها وتقدمها، أدهم تهتدي بفعله، وتسعى جاهدة على أثره. وأشار بقوله أدهم إلى سواد كافور، وأنه لا يخل به مع فضله وكرمه، كما لا تخل الدهمة بالفرس العتيق مع سبقه وتقدمه.
ثم قال مؤكدا لما ذكره: وذلك الأدهم أغر، قد وسمه مجده، ورفعه من المتسابقين في الكرم فضله، فشخصت أبصارهم منه إلى خلق رحب معظم، وخلق مستحسن مطهم. وكنى بالخيل وسابقها عن الكرام وفاضلها.
إِذا مَنَعَتْ مِنْكَ السَّيَاسَةُ نَفْسَها ... فَقِفْ وَقْفَةً قُدَّامَهُ تَتَعَلَّمِ
стр. 104
يَضِيقُ عَلَى مَنْ راَءهُ العُذْرُ أَنْ يُرَى ... ضَعِيْفِ المَسَاعِي أَو قَلِيْلَ التَّكَرُّمِ
لمساعي: المطالب، وراءه: مقلوب من رآه، تقول العرب: رأى وراء.
فيقول: إذا منعت السياسة من محاولها نفسها، وصعب عليه أن يدرك علمها، فليقف قدام كافور وقفة، وليشهد أوامره ساعة، يتعلم من ذلك ما يكتفي بعلمه، وينكشف له منه ما يستغني بمثله.
ثم قال: يضيق العذر على من رآه وشهده، ووصل إليه وأبصره، في أن يضعف عن سعي يحاوله، أو يقصر في كرم يتناوله؛ لأن سعادته تقرب المطالب، ومشاهدته تعلم المكارم.
ومَنْ مِثْلُ كافُورٍ إذا الخَيْلُ أَحْجَمَتْ ... وكانَ قَليلاَ مَنْ يقولُ لها أَقْدُمي
شَدِيدُ ثَباتِ الطَّرْفِ والنَّقْعُ وَاصِلٌ ... إِلى لَهَواتِ الفَارسِ المُتَلَثَّمِ
الإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والنقع: الغبار، واللهوات: أقصى الفم، الواحدة: لهاة، والتلثم: التقنع بالعمامة ونحوها.
فيقول: ومن مثل كافور في الرؤساء، والمذكورين من الأمراء، إذا أنفذت الحرب وأحجمت الفرسان عن تقحمها، واضطرمت فجبنت الكماة عن تورطها، وكان قليلا منهم من يقول للخيل أقدمي غير متهيبة، واقتحمي غير متثبطة. يشير إلى نفاذ كافور في الشدائد، واعتياده للتقدم في الملاحم.
ثم قال: إنه شديد ثبات الطرف في تلك المواقف، متمكن النظر في تلك المضائق، لا يعتريه دهش المخافة، ولا يضطرب بصره من المهابة، والرهج ثائر بتطاول الفرسان، والعجاج ساطع بتنازل الأقران، فليس تعتصم منه لهوات الفارس المتلثم لكثرته، ولا تمتنع عليه لتكاثف جملته.
أَبَا المِسْكِ أَرْجُو مِنْكَ نَصْراً على العِدَا ... وآملُ عِزًّا يَخْضِبُ البِيْضَ بالدَّمِ
وَيَوْماً يَغِيظُ الحاسِدِيْنَ وحَالَةً ... أُقيمُ الشَّقا فيها مَقَامَ التَّنَعُّمِ
стр. 105
ولَمْ أَرْجُ إِلاَّ أَهْلَ ذاكَ ومَنْ يُرِدْ ... مَواطِرَ مِنْ غَيْرِ السَّحائِبِ يَظْلِمِ
يقول لكافور: أبا المسك أرجو منك نصرا على من أعاديه، واستظهارا على ما أحاوله وأرتجيه، وأؤمل بك عزا أصل به إلى ما أطلبه، وأظفر ما أحاوله وأرغبه، وأخضب السيوف بدماء المخالفين لي، وأعملها في قتل المعترضين علي.
ثم قال: وأرجو أن أدرك بك يوما أظهر فيه وأغلب، وأتمكن وأقدر، وأغيظ الحاسدين لي على فضلك، والمنافسين في تقلبك وبرك، وأقيم الشقاء بما أتقلده في ذلك اليوم من الحرب، واحمل نفسي عليه من الكره مقام التنعم واللذة، وأجعله بدل الرفاهية والراحة.
ثم قال: ولم أرج منك إلا أهل ما آمله، والجدير بتحقيق ما أرغبه، ومن يرد المطر من غير السحاب فقد أخطأ رأيه، واستبان لجميع الناس عجزه، وكذلك من يصرف أمله إلى غيرك في استحداث نعمة، واستجلاب سلطان ورفعة، فقد ضل عن رشده، وعمي عن سبيل قصده.
فَلَو لَمْ تَكْنْ في مِصْرَ سِرْتُ نَحْوها ... بقَلْبِ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ المُتَيمِ
ولا نَبَحَتْ خَيْلي كِلابُ قَبَائِلٍ ... كَأَنَّ بِها في اللَّيْلِ حَمْلات دَيْلَمِ
ولا اتَّبَعَتْ آثارَنا عَيْنُ قَائِفٍ ... فَلَمْ تَرَ إِلاَّ حَافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ
المشرق: الشديد الشوق، والمستفهام: الذي غلب الحب على عقله، والمتيم: الذي تعبده الحب، والديلم: طائفة معروفة من عجم المشرق، شديد بأسهم، والقائف: الذي يتبع الأثر، والمنسم: مقدم ثفنة البعير، وهي منه بمنزلة الظفر من الإنسان.
فيقول لكافور: فلو لم تكن في مصر ما قصدتها كلفا بقصدها. مشغوفا بالوصول إلى أرضها، أحن نحوها حنين المستهام إلى إلفه، المشوق المتيم إلى حبه.
ثم قال: ولولا ما آثرته من قصدك، وشغفت به من اعتماد أرضك، ما تجشمت
стр. 106
قطع المهامه النائية، والقفار التي لا تنزلها القبائل إلا منفردة، ولا تحل بها إلا مستوحشة، فلكلابها لشدة إنكارها للأنيس على من قاربها منهم، حملات كحملات الديلم في شدتها، وما هي عليه من تمكن قوتها.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا اتبعت آثارنا عين قائف يقفو سبيلنا، ويتحسس خبرنا، فلا يرى إلا حافر فرس على آثار منسم بعير. يشير إلى أنه ومن كان معه جنبوا الخيل مرتجين لها، وركبوا الإبل سائرين بها.
وَسَمْنَا بها البَيْداَء حَتَّى تَغَمَّرَتْ ... مِنَ النيْلِ واسْتَذْرَتْ بِظِلَّ المُقَطَّمِ
وأَبلَجَ يَعْصِي باخْتِصِاصِي مُشِيْرَهُ ... عَصَيْتُ بِقَصْدَيْهِ مُشيريِ ولُوَّمِي
فَسَاقَ إِليَّ العُرْفَ غَيْرَ مُكَدَّرٍ ... وَسُقْتُ إِليهِ الشُّكْرِ غَيْرَ مُجَمْجَمِ
الوسم: العامة، وسمت الشيء: إذا أثبت فيه علامة يعرف بها، والبيد: جمع بيداء، وهي الأرض المقفرة، وغمرة الماء مجتمعه، والتغمر: الدخول في الغمرة، والنيل: نهر معروف، والاستذراء بالشيء: التستر به، والمقطم: جبل يقرب من مصر، والأبلج: الطلق الوجه بالمعروف، والمجمجم من الكلام: الملتبس الذي لا يتبين.
فيقول: وسمنا البيداء بآثار ما ركبناه من الإبل، وجنبناه من الخيل، حتى وردت بنا غمار النيل، نهر مصر، واستذرت بظل جبلها، وأشار إلى أنه اعتمد في سيره القفار المتروكة، والطرق المعهودة، فصار آثار إبله وخيله فيها كالسمات المستغربة، والعلامات المشتهرة.
ثم قال مشيرا إلى كافور: ورب أبلج من الملوك، يعصي المشير عليه بالاقتصار فيما خصني به من بره، ويعرض عنه فيما أسبغه علي من فضله، عصيت من أشار علي بالتأخر عن قصده، وأعرضت عن اللائم لي في الرحلة إلى أرضه.
ثم قال: فساق إلي عرفه كثيرا غير مقلل، وهنيئا غير مكدر، وسقت إليه شكري صريحا لا أجمجم في ذكره، ووافرا لا أقصر في نشره، فقارضته عما أسدى إلي
стр. 107
من الفضل، بما خلدت فيه من بدائع الشعر.
قد اخْتَرْتُكَ الأمْلاَكَ فاخْتَرْ لَهُمْ بِنا ... حَدْيْثاً وقَدْ حَكَّمْتُ رَأيَكَ فاحْكُمِ
فَأَحْسَنُ وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍ ... وأَيْمَنُ كَف فِيْهِمُ كَفُّ مُنْعِمِ
وأَشْرَفُهُمْ مَنْ أَشْرَفَ هِمَّةً ... وأَكْثَرَ إِقْداماً على كُلَّ مُعْظَمِ
اليمن: البركة، ومعظم الشيء: أعظمه وأكثره.
فيقول لكافور: قد اخترتك من بين الملوك بقصدي لك، واختر لهم بي وبك حديثا كريما فيما تخصني به من إكرامك، وتظهره علي من تفضلك وإنعامك، وقد حكمت رأيك فيما أملته بك، ووثقت بكرمك فيما ضمنته لنفسي عنك، فاحكم غير متهم في حكمك، ولا مقصر فيما ترضاه لي من برك. ثم قال: فأحسن الوجوه وجه محسن، يرتهن جزيل الشكر بفضله، وأيمن الأكف كف منعم، يخلد كريم الذكر ببذله.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأحق الناس بالشرف والرفعة، وأجدرهم بعلو الرتبة، من كان أشرفهم نفسا وهمة، وأثبتهم نفاذا وقوة، وأكثرهم إقداما على كل ما عظم من الأمور فتهيب، وكبر منها فحذر وتوقع.
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنيا إِذا تُرِدْ بها ... سُرورَ مُحِب أو مَساءة مُجْرِمِ
وَقَدْ وَصَلَ المُهْرُ الذي فَوْقَ فَخْذِهِ ... مِنْ اسْمِكَ ما في كُلَّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ
لكَ الحيوانُ الرَّاكِبُ الخَيْلَ كُلُّهُ ... وإِنْ كان بالنَّيرانِ غَيْرُ مَوَسمِ
الوسم: العلامة.
فيقول لكافور: لمن تطلب الدنيا جاهدا في طلبها، وتنافس فيها مظهرا للصبابة بها، إذا كنت لا تقصد بها سرور محب تعليه وتظهره، ومساءة عدو تضعه وتخمله؟! وألم بهذا البيت بقول بعض العرب، وقد سئل، فقيل له: ما السرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
стр. 108
ثم قال مشيرا إلى المهر الذي قاد إليه: وقد ورد المهر الذي فوق فخذه من اسمك، ومن تعليمك ووسمك، كالذي في الأعناق والمعاصم من آثار نعمك، وشواهد عوارفك ومننك. يريد أنه يسم الناس بالإحسان، كما يسم الخيل بالنيران، واعتمد الأعناق والمعاصم؛ لأنها المواضع المعتمدة من المتملكين بالوسم، وقد تقدم الشاهد على ذلك.
ثم قال: وكل من يركب الخيل معترفون بملكك، مستعدون بما أحاط بهم من فضلك، على نحو ما ركبوه مما حملتهم عليه، وامتطوه مما انفردت عندهم بالإحسان فيه، وقد شهدت لك نعمك بملكهم، وأغنتك عن تكلف وسمهم.
ولو كُنْتَ أَدْري ما حَياتي قَسَمْتُها ... وصَيَّرْتُ ثُلْثَيْها انْتِظَاركَ فاعْلَمِ
ولكِنَّ ما يَمْضِي مِنَ العُمْرِ فائِتٌ ... فَجُدْ لي بحَظَّ البادر المُتَغَنَّمِ
البادر: الفاعل، من بدر إلى الشيء يبدر: إذا أسرع، والمتغنم: المتفعل من طلب الغنيمة.
فيقول: إن الموت لا يؤمن، وطوارق الدهر لا تغفل، وهذا يحفزني إلى استنجاز وعدك، ويسرع بي إلى اقتضاء فضلك، ولو كنت أعلم مدة حياتي، لجعلت أكثرها في انتظار ما ارقبه منك، وأضمنه لنفسي عنك.
ثم قال: ولكن ما يمضي من العمر فائت لا يلحق، وما ينصرم منه ذاهب لا يدرك، فجد لي منك بحظ عاجل، أفوز به فوز البادر إليه، وأسر بموضعه سرور المتغنم الحريص عليه.
رَضِيْتُ بما تَرْضى بِهِ لي مَحَبَّةَّ ... وَقُدْتُ إِليكَ النَّفْسَ قَوْدَ المُسَلَّمِ
ومِثْلُكَ مَنْ الوَسِيطُ فُؤادُهُ ... فَكَلَّمَهُ عَنَّي ولم أَتَكَلَّمِ
المسلم: الراضي بما يفعل فيه، والوسيط: المتوسط، وهو فعيل بمعنى فاعل، من وسط يسط، والفؤاد: القلب.
стр. 109
فيقول لكافور: رضيت لنفسي من فضلك بما ترضى به، وسلمت لجميع ما تراني أهلا له، وقدت نفسي إليك قود واثق بفضلك، مسلم لما يتيقنه من اعتلائك ومجدك. ثم قال مشيرا إلى استنجاز وعده، واقتضاء ما أمله من فضله: ومثلك من كان له من قلبه مذكر باعث، ومن كرمه محرك حافز، فقال عني ما أرغبه وإن صمت، وحرك في جهتي إلى ما آمله وإن سكت.
стр. 110
وجرت وحشة بين الأمير أبي القاسم وكافور مديدة ثم اصطلحا، فقال أبو الطيب في ذلك:
حَسَمَ الصُّلْحُ ما اشْتَهَتْهُ الأَعادِي ... وأَذَاعَتْهُ أَلْسُنُ الحُسَّادِ
وأَرَادَتْهُ أَنْفُسٌ حَالَ تَدْبي ... رُكَ ما بَيْنَها وبَيْنَ المُرَادِ
الحسم: القطع، والإذاعة: الإفشاء.
فيقول: حسم صلح كافور لأبي القاسم بن الإخشيد مولاه، ما كانت أعداء دولتهما تشتهيه وترتغبه، وترتجيه وتؤمله، وانقطع ما كانت ألسن الحساد تذيعه من الأسباب الداعية إلى الفرقة، والموجبة للاختلاف والوحشة.
ثم قال: وانحسم بهذا الصلح ما تطلعت إليه أنفس أعداء، حال تدبيرك، أيها الأستاذ، بينها وبين ما أرادته من إيهان الدولة، وما أجرت إليه من نفوذ دواعي الفتنة.
صَارَ مَا أَوْضَعَ المُخِبُّونَ فِيْهِ ... مِنْ عِتَابٍ زِيَادَةً في الوِدَادِ
وَكلامُ الوُشَاةِ لَيْسَ على الأَحْ ... بابِ سُلْطَانُهُ على الأَضَّدادِ
إِنَّما تَنْجَحُ المَقَالَةُ في المَرْ ... ءِ إِذا وَافَقَتْ هَوًى في الفُؤَادِ
الإيضاح في الشيء: الإسراع فيه، والمخب: المجتهد في الشيء، والعتاب: إظهار السخط، والوشاة: النمامون، والأضداد: المختلفون من جميع جهاتهم، والفؤاد: القلب.
فيقول مخاطبا لكافور: صار ما أوضح فيه المخبون، من تسبيب العتاب بينك وبين الأمير أبي القاسم بن الإخشيد، زيادة في وداده لك، وموجبا لاستحكام ثقته بك؛ لأنك أعرضت عما سببوه، ولم يخف عنك كذبهم فيما نقلوه، فاسترضيته بكريم معاملتك، وعذت فيما أنكره بحلمك ومجاملتك.
ثم قال: وكلام الوشاة وسعيهم، واحتيالهم وبغيهم، لا ينجحان في أهل المحبة، ولا سلطان لهما على المعتقدين للمودة، وإنما سلطان ذلك على لأضداد المتنافرين،
следующие страницы →