قال البغوي: [وليس هذا الحديث عند العامة على توهين أمر العقيقة ولكنه ﷺ كره تسميتها بهذا الاسم على مذهبه في تغيير الاسم القبيح إلى ما هو أحسن منه فأحب أن يسميها بأحسن منها من نسيكة أو ذبيحة أو نحوها] (١).
وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث: (لا تعقي)، فما قاله الحافظ العراقي في شرح الترمذي يحمل على أنه ﷺ كان عق عنه ثم استأذنته فاطمة أن تعق هي عنه أيضاً فمنعها.
وقال الحافظ ابن حجر: [ويحتمل أن يكون منعها لضيق ما عندهم حينئذ فأرشدها إلى نوع من الصدقة أخف، ثم تيسر له عن قرب ما عق به عنه] (٢).
وقال ابن القيم: [ولو صح قوله (لا تعقي) عنه لم يدل ذلك على كراهية العقيقة لأنه ﵊ أحب أن يتحمل عنها العقيقة فقال لها: (لا تعقي) وعق هو ﵊ عنهما وكفاهما المؤنة] (٣).
وقال الشوكاني: [قوله: (لا تعقي) قيل يحمل هذا على أنه قد كان ﷺ عق عنه، وهذا متعين] (٤).
هذا هو الظاهر لأن الأحاديث قد ثبتت ثبوتاً لا مجال للشك فيه أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين فحصل أصل السنة بعق الرسول ﷺ عنهما ولا داع لأن تعق فاطمة عنهما مرة ثانية. والله أعلم.
стр. 72
ولا بد أن أذكر أن بعض علماء الحنفية لم يتعصب لمذهبه بل خالف المذهب اعتماداً على ما صح من الأحاديث والآثار في إثبات مشروعية العقيقة ومن هؤلاء المنصفين العلامة أبو الحسنات اللكنوي حيث قال معلقاً على قول محمد بن الحسن بنسخ العقيقة (وإن أريد أنها كانت في الجاهلية مستحبة أو مشروعة، فلما جاء الإسلام رفض استحبابها وشرعيتها فهو غير مسلم، فهذه كتب الحديث مملوءة من أحاديث شرعية العقيقة واستحبابها ... ) (١).
وأما ما احتج به أصحاب القول الرابع فلا حجة فيه لأنه جمود على ظاهر النصوص التي جعلت العقيقة في اليوم السابع فقط.
وأما ما احتج به أصحاب القول الخامس على عدم مشروعية العقيقة عن الأنثى فترده الأحاديث الثابتة في ذلك كحديث أم كرز وعائشة وأسماء، ولعل هذه الأحاديث لم تبلغهم. والله أعلم.
стр. 73
المبحث السابع
شروط العقيقة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية ؟
يرى جمهور أهل العلم أنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، من حيث كونها من الأنعام ومن حيث السن ومن حيث السلامة من العيوب، قال الإمام مالك: [إنما هي بمنزلة النسك والضحايا لا يجوز فيها عوراء ولا عجفاء ولا مكسورة ولا مريضة] (١).
وقال الإمام الترمذي: [وقالوا لا يجزئ في العقيقة من الشاء إلا ما يجزئ في الأضحية] (٢).
وقال ابن قدامة: [وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها] (٣).
وقال ابن رشد: [وأما سن هذا النسك وصفته فسن الضحايا وصفتها الجائزة] (٤).
وقال النووي: [المجزئ في العقيقة هو المجزئ في الأضحية فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والإبل والبقر هذا هو الصحيح المشهور وبه
стр. 74
قطع الجمهور وفيه وجه حكاه الماوردي وغيره أنه يجزئ دون جذعة الضأن وثنية المعز والمذهب الأول] (١).
والوجه الذي حكاه الماوردي نصره الشوكاني وقال إنه الحق، فقال: [هل يشترط فيها ما يشترط في الأضحية؟ وفيه وجهان للشافعية. وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق، لكن لا لهذا الإطلاق، بل لعدم ورود ما يدلّ ههنا على تلك الشروط والعيوب المذكورة في الأضحية، وهي أحكام شرعية لا تثبت بدون دليل. وقال المهدي في البحر: مسألة الإمام يحيى: ويجزئ عنها ما يجزئ أضحية بدنة أو بقرة أو شاة، وسنها وصفتها، والجامع التقرّب بإراقة الدم انتهى. ولا يخفى أنه يلزم على مقتضى هذا القياس أن تثبت أحكام الأضحية في كل دم متقرب به، ودماء الولائم كلها مندوبة عند المستدل بذلك القياس، والمندوب متقرب به، فيلزم أن يعتبر فيها أحكام الأضحية. بل روي عن الشافعي في أحد قوليه أن وليمة العرس واجبة. وذهب أهل الظاهر إلى وجوب كثير من الولائم، ولا أعرف قائلاً يقول بأنه يشترط في ذبائح شيء من هذه الولائم ما يشترط في الأضحية، فقد استلزم هذا القياس ما لم يقل به أحد، وما استلزم الباطل باطل] (٢)، وإلى هذا ذهب ابن حزم فلم يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية فقال: [ويجزئ المعيب سواء كان مما يجوز في الأضاحي أو كان مما لا يجوز فيها، والسالم أفضل] (٣). والقول بأنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية هو الراجح والأقوى.
стр. 75
المطلب الثاني شروط العقيقة:
وبناءً على ما سبق قال جمهور العلماء يشترط في العقيقة ما يلي:
الشرط الأول: أن تكون العقيقة من الأنعام وهي الضأن والمعز والإبل والبقر ولا تصح العقيقة بغير هذه الأنواع كالأرنب والدجاجة والعصفور وهذا قول جماهير أهل العلم من الفقهاء والمحدثين وغيرهم (١).
قال الحافظ ابن عبد البر: [وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذ ممن لا يعد خلافاً] (٢).
وخالف ابن حزم الظاهري فخص العقيقة بالغنم فقط - الضأن والماعز - ومنع جوازها بالبقر والإبل فقال: [ولا يجزئ في العقيقة إلا ما يقع عليه اسم الشاة إما من الضأن وإما من الماعز فقط ولا يجزئ في ذلك من غير ما ذكرنا لا من الإبل ولا من البقر الإنسية ولا من غير ذلك] (٣)، ونقل هذا القول عن حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر وهو رواية عن الإمام مالك وهو قول أبي إسحاق بن شعبان من المالكية والبندنيجي من الشافعية حيث نقل عنه ابن السبكي ذلك: [قال أبو نصر البندنيجي في المعتمد: ليس للشافعي نص في غير الغنم في العقيقة وعندي لا يجزئ غيرها] (٤).
стр. 76
واحتج هؤلاء بظاهر الأحاديث التي ذكر فيها لفظ الشاة والكبش كحديث ابن عباس ﵄: (عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً)، وكحديث أم كرز ﵂: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) قالوا لفظ الشاة يطلق على الواحدة من الضأن والمعز.
قال ابن حزم: [واسم الشاة يقع على الضائنة والماعز بلا خلاف] (١).
واحتج ابن حزم أيضاً بما رواه بسنده عن يوسف بن ماهك أنه دخل على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وقد ولدت للمنذر بن الزبير فقلت لها: [هلا عققت جزوراً عن ابنك قالت: معاذ الله كانت عمتي عائشة تقول على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة] (٢).
وروى مالك بسنده عن إبراهيم التيمي أنه قال: [تستحب العقيقة ولو بعصفور] (٣).
قال الحافظ ابن عبد البر: [وليس في هذا الخبر أكثر من استحباب العقيقة ... وأما قوله ولو بعصفور فإنه كلام خرج على التقليل والمبالغة كما قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁ في الفرس: (ولو أعطاكه بدرهم) وكما قال في الأمة إذا زنت: (بعها ولو بضفير) (٤).
стр. 77
وقال الباجي: [قوله (يستحب العقيقة ولو بعصفور) قال ابن حبيب: ليس يريد أن يجزي العصفور وإنما أراد بذلك تحقيق استحباب العقيقة وأن لا تترك وإن لم تعظم فيها النفقة.
وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك: لا يعق بشيء من الطير ولا الوحش. ووجه أن العقيقة نسك يتقرب به فلم يجز من غير بهيمة الأنعام كالأضحية والهدي] (١).
وأما الجمهور فيمكن الاحتجاج لهم بقول النبي ﷺ : (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً) ولم يذكر دماً فما ذبح عن المولود على ظاهر هذا الخبر يجزئ.
ويمكن أن يستدل للجمهور بإجزاء الإبل والبقر بقول النبي ﷺ : (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل) فالنبي ﷺ سماه نسكاً وهو يعم الإبل والبقر والغنم (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: [والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضاً وفيه حديث عند الطبراني وأبي الشيخ عن أنس رفعه (يعق عنه من الإبل والبقر والغنم)] (٣)، ولم يتكلم الحافظ على الحديث السابق بشيء.
ويستدل للجمهور بما روي في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ولد له غلام، فليعق عنه من الإبل والبقر والغنم). رواه الطبراني في المعجم الصغير بسند ضعيف ورواه ابن حبان في الأضاحي بسند حسن كما قال العراقي، وقال
стр. 78
الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير وفيه كذاب (١). وأشار التهانوي إلى أن الحديث ضعيف.
ولعل الأصح في الاحتجاج لقول الجمهور هو قياس العقيقة على الأضحية والهدي كما ذهب إليه كثير من العلماء، قال الإمام مالك: [وإنما هي - العقيقة - بمنزلة النسك والضحايا] (٢)، وأشار إليه النووي وابن قدامة وغيرهما (٣).
وكذلك نقل عن جماعة من السلف جواز العقيقة من الإبل والبقر فعن قتادة: (أن أنس بن مالك كان يعق عن بنيه الجزور) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي (٤).
وعن أبي بكرة أنه نحر عن ابنه عبد الرحمن جزوراً فأطعم أهل البصرة (٥).
وأما ادعاء ابن حزم بأن ذكر الشاة في الأحاديث يعني عدم جواز أن تكون العقيقة من الإبل والبقر فمردود، لأن الأحاديث لا تحصر العقيقة في الشياه وإنما ذلك على سبيل التمثيل ولأنه المتيسر للناس أكثر من الإبل والبقر واعتاد الناس على ذبح الشياه أكثر من الإبل والبقر (٦).
стр. 79
قال الشوكاني: [ولا يخفى أن مجرد ذكرها - الشاة - لا ينفي إجزاء غيرها] (١)، هذا من جهة ومن جهة أخرى لا نسلم أن لفظ الشاة خاص بالضأن والمعز، صحيح أنه المشهور في ذلك ولكن ورد في اللغة إطلاق الشاة على البقر وغيرها، قال ابن منظور: [والشاة الواحد من الغنم تكون للذكر والأنثى وقيل الشاة تكون من الضأن والمعز والظبا والبقر والنعام وحمر الوحش] (٢).
وخلاصة القول أنه يجوز أن تكون العقيقة من الضأن والمعز والإبل والبقر كما قال الجمهور. ولا تصح العقيقة بغيرها كالعصفور والدجاجة.
الشرط الثاني: أن تكون العقيقة سليمة من العيوب وهذا مذهب جمهور أهل العلم (٣).
قال الحافظ ابن عبد البر: (على هذا جمهور الفقهاء أنه يجتنب في العقيقة من العيوب ما يجتنب في الأضحية) (٤).
والمقصود بالعيوب هي ذاتها التي تمنع الإجزاء في الأضحية كما نص عليه كثير من أهل العلم.
قال الإمام مالك: [وإنما هي - العقيقة - بمنزلة النسك والضحايا لا يجوز فيها عوراء ولا عجفاء ولا مكسورة القرن ولا مريضة ... ] (٥).
стр. 80
ونقل الإمام الترمذي عن أهل العلم قولهم [لا يجزئ في العقيقة من الشاة إلا ما يجزئ في الأضحية] (١).
وقال الخرقي: [ويجتنب فيها من العيب ما يجتنب في الأضحية]. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً كلام الخرقي: [وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها وأنه يمنع فيها من العيب ما يمنع فيها، ويستحب فيها من الصفة ما يستحب فيها، وكانت عائشة تقول: [ائتوني به أعين أقرن]، وقال عطاء: [الذكر أحب إليَّ من الأنثى والضأن أحب من المعز] فلا يجزئ فيها أقل من الجذع من الضأن والثني من المعز ولا يجوز فيها العوراء البين عورها والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها. والعجفاء التي لا تنقي والعضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها أو قرنها وتكره فيها الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة ويستحب استشراف العين والأذن كما ذكرنا في الأضحية سواء لأنها تشبهها فتقاس عليها] (٢).
وقال أبو إسحاق الشيرازي: [ولا يجزئ إلا السليم من العيوب لأنه إراقة دم بالشرع فاعتبر فيه ما ذكرناه كالأضحية] (٣).
وبناءً على ذلك لا يجزئ في العقيقة العرجاء البين عرجها، ولا العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العجفاء الهزيلة، ولا العمياء، ولا الكسيرة، ولا الكسيحة، وهذه العيوب ذكرت في حديث البراء بن عازب ﵁ الوارد في الأضحية وفيه قال رسول الله ﷺ : (أربع لا تجوز في الأضاحي:
стр. 81
العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسير التي لا تنقي). قال: - أي الراوي عن البراء وهو عبيد بن فيروز -: قلت: فإني أكره النقص في السن. قال: - أي البراء -: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد] رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. وصححه الشيخ الألباني (١). والكسير التي لا تنقي هي التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال.
ولا يجزئ في العقيقة - كما في الأضحية - ما كان من العيوب أشد مما ذكر في حديث البراء، قال الحافظ ابن عبد البر: [أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها لا أعلم خلافاً بين العلماء فيها ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز فالعمياء أحرى ألا تجوز، وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرِجل أو التي لا رِجل لها المقعدة أحرى أن لا تجوز، وهذا كله واضح لا خلاف فيه] (٢).
والعقيقة قربة يتقرب بها العبد إلى الله فينبغي أن تكون سليمة من العيوب سمينة طيبة فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
стр. 82
وخالف ابن حزم فأجاز المعيبة ولم يشترط سلامة العقيقة من العيوب وإن كان الأفضل عنده هو السلامة من العيوب فقال: [ويجزئ المعيب سواء كان مما يجوز في الأضحية أو كان مما لا يجوز فيها والسالم أفضل] (١).
ووافق الشوكانيُّ ابنَ حزمٍ في عدم اشتراط شروط الأضحية في العقيقة فقال: [هل يشترط فيها ما يشترط في الأضحية؟ وفيه وجهان للشافعية، وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق، لكن لا لهذا الإطلاق، بل لعدم ورود ما يدل ههنا على تلك الشروط والعيوب المذكورة في الأضحية، وهي أحكام شرعية لا تثبت بدون دليل] (٢).
وقول الجمهور أقوى وأولى وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: (ائتوني به أعين أقرن).
الشرط الثالث: أن تتوافر الأسنان المطلوبة في العقيقة كما هو الحال في الأضحية فلا تجوز العقيقة بالغنم إلا إذا أتمت الشاة سنة من عمرها، ويجب أن تتم البقرة سنتين من عمرها والإبل أن تتم خمساً من عمرها، وهذا القول بناء على إلحاق العقيقة بالأضحية وعليه جمهور أهل العلم (٣).
نقل الخلال في الجامع أن الإمام أحمد قال: [وفي قول النبي ﷺ : (من ولد له فأحب أن ينسك عنه فليفعل) فالدليل على أنه إنما يجزئ فيها ما يجزئ في النسك سواء من الضحايا والهدايا ولأنه ذبح مسنون إما واجباً وإما استحباباً
стр. 83
يجري مجرى الهدي والأضحية في الصدقة والهدية والأكل والتقرب إلى الله فاعتبر فيها السن الذي يجزئ فيهما ولأنه شرع بوصف التمام والكمال ولهذا شرع في حق الغلام شاتان وشرع أن تكونا متكافئتين لا ينقص أحدهما عن الأخرى فاعتبر أن يكون سنهما سن الذبائح المأمور بها ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها] (١).
وقال الماوردي: [وهي من النعم كالضحايا وفي أسنانها من الجذع من الضأن والثني من المعز، فإن عدل عن الغنم إلى البدن من الإبل والبقر كان أزيد من المسنون وأفضل، وإن عق دون الجذع من الضأن ودون الثني من المعز ففي إقامته لسنة العقيقة به وجهان: أحدهما: لا تقوم به سنة العقيقة اعتباراً بالأضحية وتكون ذبيحة لحم ليست بعقيقة لأنهما مسنونتان، وقد قيد الشرع سن إحداهما فتقرر به السن فيهما، فعلى هذا لو عين العقيقة في شاة وأوجبها وجبت كالأضحية ولم يكن له أن يبدلها بغيرها ويجب أن يتصدق منها على الفقراء لحماً نيئاً ولا يخص بها الأغنياء. والوجه الثاني: أنه يقوم بما دون من الأضحية سنة العقيقة، لأن الأضحية أوكد منها لتعلقها بسبب راتب واحد عام، فجاز أن تكون في السن أغلظ منها] (٢).
قال ابن قدامة المقدسي: [وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها] (٣).
стр. 84
وقال ابن رشد القرطبي: [وأما سن هذا النسك وصفته فسن الضحايا وصفتها الجائزة] (١).
وقال الإمام النووي: [المجزئ في العقيقة هو المجزئ في الأضحية فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والإبل والبقر هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور، وفيه وجه حكاه الماوردي وغيره أنه يجزئ دون جذعة الضأن وثنية المعز والمذهب الأول] (٢).
وقد رجح الحافظ ابن حجر ما صححه النووي فقال: [واستدل بإطلاق الشاة والشاتين على أنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية وفيه وجهان للشافعية وأصحهما يشترط وهو بالقياس لا بالخبر] (٣).
وقال ابن الحاج المالكي: [وحكمها حكم الأضحية في السن والسلامة من العيوب] (٤).
وقال ابن حبيب من المالكية: [سنها واجتناب عيوبها ومنع بيع شيء منها مثل الأضحية الحكم واحد] (٥).
стр. 85
المبحث الثامن
ما هو الأفضل في العقيقة ؟
العقيقة قربة يتقرب بها العبد إلى ربه فينبغي أن تكون أطيب ما تكون من حيث السلامة من العيوب وبلوغ السن المطلوب شرعاً كما سبق وكذلك ينبغي استسمانها واستعظامها واستحسانها وأن تكون خالية من كل ما تنفر منه الطباع السليمة.
وقد ورد في الحديث عن أم كرز الكعبية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة).
قال أبو داود: [سمعت أحمد قال: مكافئتان مستويتان أو متقاربتان] (١)، ووقع في رواية أخرى لحديث أم كرز (مثلان) رواه أبو داود أيضاً.
ولا بأس أن تكون العقيقة من الذكور أو الإناث لما في حديث أم كرز: (لا يضركم أذكراناً كن أم إناثاً).
والذكر أفضل إذا كان أسمن وأطيب ولأن الرسول ﷺ عق عن الحسن والحسين بالكباش، قال الحافظ العراقي: (اختار النبي ﷺ في عقيقة ولديه الأكمل وهو الضأن والذكورة) (٢).
والأفضل في لونها البياض قياساً على الأضحية. وقالت عائشة: (ائتوني به أعين أقرن) (٣)، وأعين أي واسع العينين ضخمهما (٤).
стр. 86
ونقل البيهقي عن عطاء أن الضأن أحب إليه من المعز والذكور أحب إليه من الإناث (١).
وورد عن الإمام أحمد أنه سئل عن العقيقة: [تجزئ بنعجة أو حمل كبير؟ قال: فحلٌ خير] (٢).
واختلف العلماء في الأفضل من هذه الأنواع:
- فقال الشافعية في الأصح عندهم وبعض المالكية إن البدنة أفضل ثم البقرة ثم جذعة الضأن ثم ثنية المعز، قالوا لأنها نسك فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل قياساً على الهدايا (٣).
- وقال الإمام مالك: [الضأن أفضلها ثم المعز أحب إليه من الإبل والبقر لأن الرسول ﷺ (عق عن الحسن والحسين بشاة شاة)]. وهذا وجه آخر للشافعية وهو الأرجح لأنه الثابت بقول النبي ﷺ وفعله (٤).
ونقل هذا القول عن بعض السلف فقد روى الحاكم بإسناده عن عطاء عن أم كرز وأبي كرز قالا: نذرت امرأة من آل عبد الرحمن بن أبي بكر إن ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا جزوراً فقالت عائشة ﵂: لا بل السنة أفضل، عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة، تقطع جدولاً ولا يكسر لها عظم، فيأكل ويطعم ويتصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشر، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين) قال الحاكم: صحيح الإسناد (٥).
стр. 87
وروى ابن حزم بسنده عن يوسف بن ماهك أنه دخل على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وقد ولدت للمنذر بن الزبير فقلت لها: [هلا عققت جزوراً عن ابنك قالت: معاذ الله كانت عمتي عائشة تقول على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة] (١).
стр. 88
المبحث التاسع
في حق من تشرع العقيقة؟
وهل العقيقة أفضل من التصدق بثمنها أم لا؟
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في حق من تشرع العقيقة؟
العقيقة من السنن الثابتة عن النبي ﷺ كما سبق وإن إحياء السنن أمر مطلوب من المسلم فينبغي المحافظة على هذه السنة في حق كل من كان مستطيعاً لها، فالأفضل لمن أراد العقيقة أن يكون مستطيعاً فإذا كانت الواجبات الشرعية كالحج قد اشترط فيها الاستطاعة فمن باب أولى السنن (١).
وقال بعض أهل العلم إنها مشروعة في حق الفقير الذي لا يملك ثمنها، بل إن الإمام أحمد يرى أنه يستحب للمسلم إن كان معسراً أن يستقرض ويشتري عقيقة ويذبحها إحياءً للسنة، وقد ورد عنه عدة نصوص في هذه المسألة منها:
١. نقل الخلال في رواية أبي الحارث وقد سئل عن العقيقة إن استقرض، قال أحمد: [رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة].
٢. وقال له صالح ابنه: [الرجل يولد له وليس عنده ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذاك حتى يوسر؟ قال: أشد ما سمعنا في العقيقة
стр. 89
حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : (كل غلام مرتهن بعقيقته) وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ واتبع ما جاء عنه (١).
وعقب ابن المنذر على هذه الروايات بقوله: [صدق أحمد إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها ولأنها ذبيحة أمر النبي ﷺ بها فكانت أولى كالوليمة والأضحية] (٢).
وقال ابن القيم معقباً على كلام الإمام أحمد ما نصه: [وهذا لأنه سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته كما كان ذكر اسم الله عليه عند وضعه في الرحم حرزاً له من ضرر الشيطان ... ] (٣).
وقال الإمام النووي: [فعل العقيقة أفضل من التصدق بثمنها عندنا، وبه قال أحمد وابن المنذر] (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن عدم ما يضحي به ويعق اقترض وضحى وعق مع القدرة على الوفاء] (٥).
وقال ابن الحاج المالكي: [وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن كان له ثوب للجمعة ولا فضل عنده غيره: فإنه يبيعه حتى يضحي، فكذلك يبيعه حتى
стр. 90
يعق عن ولده، وكذلك قالوا: أنه يتداين للأضحية فكذلك يتداين للعقيقة سواء ... بسواء] (١).
وينبغي أن يعلم أن كثيراً من الناس ينفقون نفقات باهظة عند الولادة في شراء الملابس والحلويات وغيره ويقيمون حفلات عيد الميلاد المحرمة شرعاً ويبخلون عن العقيقة فلا يعقون عن أولادهم، ويظهر أن تباخل الناس بالعقيقة قديم فقد قال ابن الحاج المالكي: [ثم العجب ممن يدعي الفقر منهم ويعتل به على ترك سنة العقيقة، ويتكلف لبعض العوائد التي أحدثوها ما يزيد على ثمن العقيقة الشرعية. فمن ذلك ما يفعله بعضهم في اليوم السابع من عمل الزلابية أو شرائها وشراء ما تؤكل به ما ثمنه أضعاف ما يفعل به العقيقة الشرعية. هذا ما يفعله بعضهم في اليوم السابع مع وجود النفقة الكثيرة فيه لغير معنى شرعي، بل للبدعة والظهور والقيل والقال. وبعضهم يفعل ذلك أيضاً في اليوم الثاني من الولادة. وبعضهم يفعل ذلك في اليوم السابع، وفي اليوم الثاني والثالث من الولادة. وبعضهم يقتصر على أحدهما ويعتلون في ذلك بكونهم لا يقدرون على العقيقة والعقيقة الشرعية ثمنها أيسر وأخف من ذلك، بل لو اقتصر على ترك ما أحدثوه في العصيدة من البدعة لكان فيه ثمن العقيقة الشرعية وزيادة، لأن العصيدة لا يحتاج إليها إلا النفساء وحدها فزبدية واحدة أو دونها تكفيها وهم يعملون العصيدة ويشترون ما تؤكل به ويفرقون ذلك على الأهل والجيران والمعارف، وهذا شيء لم يتعين عليهم ولم يندبهم الشرع إليه وإن كان إطعام الطعام مندوباً إليه في الشرع الشريف، لكن ما لم يعارض ذلك ترك سنة وهم لو
стр. 91
اشتروا بثمن العصيدة وما تؤكل به ما يعق به على الوجه الشرعي، لكان فيه الكفاية وزيادة. ثم يزيدون مع ذلك ما يتخذونه من النُّقل ليلة السابع ويفرقونه في يومه كما تقدم بيانه. وهذا في حق الفقير منهم. ومنهم من يعوض عن النُّقل المذكور حلاوة على صفة معلومة تشبه النُّقل، يسمونها بالمغزدرات وبعضهم يسمونها بالنثور، وذلك من باب السرف والبدعة ومحبة الظهور والخيلاء وترك السنن والاهتبال بأمرها واغتنام بركتها. ثم مع ذلك زادوا عادة ذميمة وهو أنهم لا بد أن يجددوا كسوة لأهل البيت، كذلك كل ما يحتاج إليه البيت حتى الحصير لا بد من تجديدها إلى غير ذلك مما اعتادوه. فانظر رحمنا الله تعالى وإياك، إلى صرف هذه النفقات وكثرتها وتشعبها ثم إنهم مع ذلك يعتلون لترك العقيقة الشرعية بعدم القدرة عليها. وبعضهم يتداين لتلك العوائد ولبعضها ويعتلون بأن العقيقة لا تجب عليهم، فلا يشغلون ذمتهم بالدين لأجلها ويشغلون ذمتهم بالدين لأجل تلك العوائد، عكس ما يندبون إليه ويطلب منهم في الشرع الشريف. ثم إن التداين لأجل العقيقة الشرعية يخلف على المنفق عليها وييسر عليه وفاء دينها كالأضحية لبركة امتثال السنة فيها، وكذلك في جميع أمور الامتثال ولا شك أن الشيطان اللعين ألقى إليهم ذلك حتى يحرمهم بركة امتثال السنة، لأجل أن فعلها بركة وخير وغنيمة وهي بالنسبة إلى ما يكلفهم من العوائد يسيرة النفقة، وفيها الثواب الجزيل وفي العوائد ضد ذلك، ولو لم يكن من فعل البدعة من الذم، إلا أن النفقة فيها لا تخلف ولا يثاب عليها مع تعبه لأجلها، ففيها التعب دنيا وأخرى] (١).
стр. 92
المطلب الثاني: العقيقة أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد:
وقد نص الفقهاء على أن العقيقة أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد الثمن عن قيمة العقيقة وإنني خلال بحثي لموضوع العقيقة لم أجد أحداً من أهل العلم قال بإخراج القيمة في مسألة العقيقة وكلهم فيما أعلم على أن الأصل هو اتباع السنة النبوية في هذا المقام، قال الخلال: [باب ما يستحب من العقيقة وفضلها على الصدقة أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن العقيقة أحب إليك أو يدفع ثمنها للمساكين؟ قال: العقيقة] (١).
وقال النووي: [العقيقة أفضل من التصدق بثمنها عندنا وبه قال أحمد وابن المنذر] (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك] (٣).
وقال ابن القيم: [فكان الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ولو زاد من الهدايا والأضاحي فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ سورة الكوثر الآية ٢. وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٦٢. ففي كل ملة
стр. 93
صلاة ونسيكة لا يقوم غيرهما مقامهما ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقِران بأضعاف القيمة لم يقم مقامه] (١).
стр. 94
المبحث العاشر
هل يصح الاشتراك في العقيقة ؟
وتوضيح المسألة: أن يشترك سبعة أشخاص في جزور أو بقرة عن سبعة أولاد، ... أو يشترك سبعة بعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد العقيقة في جزور أو بقرة، فهل يجزئ هذا الاشتراك في العقيقة؟
اختلف العلماء في المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز ذلك وهو قول الشافعية، قال النووي: [ولو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز سواء أرادوا كلهم العقيقة أو أراد بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم كما سبق في الأضحية] (١).
وقال الحافظ ابن حجر: [وذكر الرافعي بحثاً أنها تتأدى بالسُبُع كما في الأضحية] (٢).
القول الثاني: لا يجوز الاشتراك في العقيقة فإذا أراد شخص أن يعق ببقرة أو جزور فيجوز ذلك عن مولود واحد فقط وهو قول الحنابلة ونص عليه الإمام أحمد (٣). قال الخلال في جامعه: [باب حكم الجزور عن سبعة: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أنه قال لأبي عبد الله - الإمام أحمد - يعق بجزور
стр. 95
وقال الليث قد عق بجزور. قلت: يعق بجزور عن سبعة؟ أنا لم أسمع في ذلك بشيء ورأيته لا ينشط لجزور عن سبعة في العقوق] (١).
فالحنابلة يرون أن الرأس من البقر أو الإبل يجزئ عن مولود واحد فقط ولا يصح أن تكون البقرة عن سبعة ولا الناقة عن سبعة، قال المرداوي: [ولو عق ببدنة أو بقرة لم يجزه إلا كاملة] (٢)، وهو قول المالكية فيما يظهر لي (٣).
وحجة الشافعية القياس على الأضحية والهدي حيث يجوز الاشتراك في الأضحية والهدي والبدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص فقد ورد في الحديث عن جابر قال: نحرنا مع النبي ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح حسن والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم (٤).
وحجة الحنابلة في عدم الجواز عدم ورود دليل على ذلك (٥).
قال العلامة ابن عثيمين معلقاً على قول موسى الحجاوي المقدسي: [وحكمها كالأضحية إلا أنه لا يجزئ فيها شِرْك في دم - أي العقيقة لا يجزئ فيها شِرْك دم -، فلا تُجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، ولا تجزئ عن ثلاثة ولا عن أربعة من باب أولى. ووجه ذلك: أولاً: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف. ثانياً: أنها فداء، والفداء لا يتبعض؛
стр. 96
فهي فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس فلا بد أن تكون نفساً، والتعليل الأول لا شك أنه الأصوب؛ لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على عدم ورود ذلك] (١).
وعلل ابن القيم عدم جواز الاشتراك في العقيقة بكلام لطيف حيث قال: [لما كانت هذه الذبيحة جارية مجرى فداء المولود كان المشروع فيها دماً كاملاً لتكون نفسٌ فداء نفسٍ، وأيضاً فلو صح فيها الاشتراك لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد، فإن إراقة الدم تقع عن واحد ويحصل لباقي الأولاد إخراج اللحم فقط والمقصود نفس الإراقة عن الولد، وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه من منع الاشتراك في الهدي والأضحية ولكن سنة رسول الله ﷺ أحق وأولى أن تتبع وهو الذي شرع الاشتراك في الهدايا وشرع في العقيقة عن الغلام دمين مستقلين لا يقوم مقامهما جزور ولا بقرة والله أعلم] (٢)، كذا قال وينبغي أن يقال سبع جزور ولا سبع بقرة.
ومع أن الحنابلة ممن يرون أن حكم العقيقة هو حكم الأضحية إلا أنهم استثنوا هذه المسألة من ذلك كما ذكر المرداوي: [ويستثنى من ذلك أنه لا يجزئ فيها شرك في بدنة ولا بقرة] (٣).
وقال ابن القيم: [ولا يجزئ الرأس إلا عن رأس هذا بتمامه تخالف فيه العقيقة الأضحية والهدي] (٤).
стр. 97
العقيقة عن التوائم:
ويلحق بالمسألة السابقة ما لو ولدت امرأة توأمين فبم يعق عنهما؟
اتفق العلماء على أنه إذا ولد اثنان في بطن واحد فلا تجزئ عقيقة واحدة عنهما ولا بد من عقيقتين (١).
قال الحافظ ابن عبد البر: [وقال الليث بن سعد في المرأة تلد ولدين في بطن واحد، أنه يعق عن كل واحد منهما، وقال أبو عمر: ما أعلم عن أحد من فقهاء الأمصار خلافاً في ذلك والله أعلم] (٢).
قال الباجي: [وإذا ولدت المرأة توأمين فقد روى ابن حبيب عن مالك كل واحد منهما بشاة] (٣).
وقال الإمام النووي: [ولو ولد له ولدان فذبح عنهما شاة لم تحصل العقيقة] (٤).
وقال الحافظ ابن حجر: [فلو ولد اثنان في بطن استحب عن كل واحد عقيقة] (٥).
стр. 98
المبحث الحادي عشر
في تفاضل الذكر والأنثى في العقيقة
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عن الغلام شاتان وعن الأنثى شاة واحدة، وبه قال الشافعية والحنابلة وبعض المالكية والظاهرية، وهو قول ابن عباس وعائشة وإسحاق وأبو ثور وغيرهم (١).
إلا أنه ينبغي أن يعلم أن الظاهرية يرون أن الشاتين عن الغلام على سبيل الوجوب، فلو عق عن الغلام شاة واحدة لا يجزئ (٢)، وهو قول الشوكاني (٣)، بخلاف بقية العلماء المذكورين أعلاه، فيرون أن الأكمل والأفضل شاتان عن الغلام فإن لم يتيسر فتجزئ شاة عن الغلام.
قال الإمام النووي: [السنة أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، فإن عق عن الغلام شاة حصل أصل السنة] (٤)، وقال المرداوي: [إن خالف وعق عن الذكر بكبش أجزأ] (٥).
стр. 99
وقال بعض المالكية: [والعقيقة ذبح شاة عن المولود يوم سابعه والأفضل عن الذكر شاتان] (١).
القول الثاني: يذبح عن الغلام شاة واحدة وكذلك يذبح عن الأنثى شاة واحدة وبه قال الإمام مالك والهادوية، ونقل عن ابن عمر وأسماء بنت أبي بكر وعروة بن الزبير وأبي جعفر محمد بن علي (٢).
قال الإمام مالك: [الأمر عندنا في العقيقة، أن من عق فإنما يعق عن ولده بشاة شاة، الذكور والإناث] (٣).
أدلة الفريق الأول: احتجوا بما يلي:
١. حديث أم كرز ﵂ وفيه سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)، وفي رواية أخرى: (عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة لا يضركم ذكراناً كنَّ أم إناثاً).
٢. حديث حفصة أن عائشة ﵂ أخبرتها أن رسول الله ﷺ قال: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) قال ابن رشد: [من عمل به فما أخطأ ولقد أصاب] (٤).
٣. وفي رواية أخرى أن عائشة: (أخبرتهم أن الرسول أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة).
стр. 100
٤. حديث أسماء بنت يزيد ﵂ أن النبي ﷺ قال: (العقيقة عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) وقد أخذ الظاهرية بظاهر هذه الأحاديث وتمسكوا بألفاظها فأوجبوا عن الغلام شاتين وعن الأنثى شاة.
٥. حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: (من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) (١).
وهذه الأحاديث ظاهرة في التفاضل بين الذكر والأنثى في العقيقة.
وقد علل العلامة ابن القيم هذا التفاضل بين الذكر والأنثى بقوله: [وهذه قاعدة الشريعة فإن الله فاضل بين الذكر والأنثى وجعل الأنثى على النصف من الذكر في المواريث والديات والشهادات والعتق والعقيقة كما رواه الترمذي وصححه من حديث أمامة عن النبي ﷺ قال: (أيما امرئ مسلم أعتق مسلماً كان فكاكه من النار يجزئ كل عضو منه عضواً منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضو منهما عضواً منه). وفي مسند الإمام أحمد من حديث مرة بن كعب السلمي عن النبي ﷺ : (أيما رجل أعتق رجلاً مسلماً كان فكاكه من النار يجزئ بكل عضو من أعضائه عضواً من أعضائه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزئ بكل عضو من أعضائها عضواً من أعضائها). رواه أبو داود في السنن فجرت المفاضلة في العقيقة هذا المجرى لو لم يكن فيها سنة كيف والسنن الثابتة صريحة بالتفضيل (٢).
стр. 101
وقال ابن القيم أيضاً: [إن الله فضل الذكر على الأنثى كما قال: ﴿و َلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ سورة آل عمران الآية ٣٦، ومقتضى هذا التفاضل ترجيحه عليها في الأحكام وقد جاءت الشريعة بهذا التفضيل في جعل الذكر كالأنثيين في الشهادة والميراث والدية فكذلك ألحقت العقيقة بهذه الأحكام] (١).
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر طائفة من الأحاديث السابقة: [وهذه الأحاديث حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك هما سواء فيعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج له بما جاء أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، أخرجه أبو داود ولا حجة فيه، فقد أخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ (كبشين كبشين) وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية للغلام بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار وهو كذلك فإن العدد ليس شرطاً بل مستحب. وذكر الحليمي أن الحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أن المقصود استبقاء النفس فأشبهت الدية وقواه ابن القيم بالحديث الوارد في أن من أعتق ذكراً أعتق كل عضو منه ومن أعتق جاريتين كذلك إلى غير ذلك مما ورد فيحتمل أن يكون في ذلك الوقت ... ما تيسر العدد] (٢).
стр. 102
أدلة الفريق الثاني: احتجوا بما يلي:
١. عن ابن عباس ﵁: (أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً).
٢. عن أنس بن مالك ﵁ قال: (عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين بكبشين).
٣.روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي - بريدة ﵁ يقول: (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران).
٤. عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنه لم يكن يسأله أحد من ولده عقيقة إلا أعطاه إياها وكان يعق عن أولاده شاة شاة عن الذكر والأنثى) رواه مالك والبيهقي، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط إسناده صحيح (١).
٥. وكان علي ﵁ يعق عن ولده بشاة شاة للذكور والإناث (٢).
٦. عن هشام بن عروة أن أباه عروة بن الزبير كان يعق عن بنيه الذكور والإناث شاة شاة). رواه مالك، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: وإسناده صحيح، ورواه البيهقي أيضاً (٣).
٧. عن أسماء بنت أبي بكر: (أنها كانت تعق عن بنيها وبني بنيها شاة شاة الذكر والأنثى) (٤).
стр. 103
٨. قالوا إن هذا ذبح متقرب به فاستوى فيها الذكر والأنثى كالأضحية والهدي وهذا ما تدل عليه الأحاديث السابقة من استواء الذكر والأنثى في العقيقة (١).
مناقشة وترجيح:
الذي يظهر للناظر والمتمعن في أدلة العلماء في هذه المسألة أن قول الجمهور هو أرجحها فالسنة أن يعق عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة واحدة لما يلي:
١. إن حديث ابن عباس ورد برواية أخرى وفيها أن الرسول ﷺ : (عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين) قال الشيخ الألباني عن الرواية الأولى لحديث ابن عباس: [صحيح لكن في رواية النسائي كبشين كبشين وهو الأصح] (٢).
إن الروايات التي ذكرت شاتين عن الغلام تضمنت زيادة على الأخرى وزيادة الثقة مقبولة لا سيما إذا جاءت من طرق مختلفة المخارج كما هو الشأن هنا (٣).
وقال الألباني: [يلاحظ القارئ الكريم أن الروايات اختلفت فيما عق به ﷺ عن الحسن والحسين ﵄، ففي بعضها أنه كبش واحد عن كل منهما، وفي أخرى أنه كبشان. وأرى أن هذا الثاني هو الذي ينبغي الأخذ به والاعتماد عليه، لأمرين: الأول: أنها تضمنت زيادة على ما قبلها، وزيادة الثقة مقبولة، لا سيما إذا جاءت من طرق مختلفة المخارج كما هو الشأن هنا.
стр. 104
والآخر: إنها توافق الأحاديث الأخرى القولية في الباب، والتي توجب العق عن الذكر بشاتين] (١).
٣. إن الأحاديث التي ذكرت شاتين عن الغلام من قول النبي ﷺ والتي ذكرت شاة عن الغلام من فعله وإذا تعارض القول والفعل فالقول مقدم على الفعل لأن القول عام وفعله يحتمل الاختصاص به ﷺ (٢).
٤. إن قصة الذبح عن الحسن والحسين كانت عام أحد والعام الذي بعده والذي ثبت عن أم كرز أنها سألت الرسول ﷺ عام الحديبية أي سنة ست للهجرة، فقد روى ابن حزم بسنده عن أم كرز قالت: (أتيت رسول الله ﷺ بالحديبية أسأله عن لحوم الهدي فسمعته يقول: على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة، لا يضركم ذكراناً كانت أم إناثاً)، فيؤخذ من هذا أن حديث أم كرز متأخر عن قصة العقيقة عن الحسن والحسين فيكون الحكم للقول المتأخر لا للفعل المتقدم (٣).
٥. روى ابن حزم بسنده عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده: (أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ عقت عن الحسن والحسين حين ولدتهما شاة شاة)، ثم قال ابن حزم: [لا شك في أن الذي عقت به فاطمة ﵂ هو غير الذي عق به رسول الله فاجتمع من هذين الخبرين أنه
стр. 105
- ﷺ عق عن كل واحد منهما بكبش وعقت فاطمة عن كل واحد منهما بشاة فحصل عن كل واحد منهما كبش وشاة كبش وشاة] (١).
ويمكنني القول بأنه يمكن الجمع بين أدلة الجمهور وأدلة الفريق الثاني فنعمل بموجب تلك الأدلة مجتمعة فيكون الأكمل والأفضل في هذه السنة النبوية ذبح شاتين عن الغلام وإن لم يتيسر ذلك أو اقتصر على شاة واحدة عن الغلام أجزأ وحصل المقصود بهذه السنة.
قال الإمام النووي: [السنة أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة فإن عق عن الغلام شاة حصل أصل السنة] (٢).
وقال الصنعاني: [يجوز أنه ﷺ ذبح عن الذكر كبشاً لبيان أنه يجزئ وذبح الإثنين مستحب] (٣).
وذكر المرداوي أن العقيقة عن الذكر بكبش مجزئة (٤).
стр. 106
المبحث الثاني عشر
التصرف بالعقيقة
وفيه مطالب:
المطلب الأول: الانتفاع بها:
حكم العقيقة بعد ذبحها حكم الأضحية من حيث التصرف فيها عند أهل العلم
وهذه أقوال بعض العلماء في كيفية التصرف بالعقيقة بعد ذبحها:
- قال الحسن البصري: يصنع بالعقيقة ما يصنع بالأضحية (١).
- وقال عطاء: يأكل أهل العقيقة ويهدونها أمر ﷺ بذلك - زعموا - وإن شاء تصدق (٢).
- وعنه أيضاً: في العقيقة تطبخ بماء وملح آراباً وتهدى في الجيران والصديق ولا يتصدق منها بشيء (٣).
- وقال ابن جريج: [تطبخ أعضاءً ويؤكل منها ويهدى ولا يتصدق بشيء منها] (٤).
- وقال ابن حزم: [ويؤكل منها ويهدى ويتصدق هذا كله مباح لا فرض] (٥).
- وقال الحافظ ابن عبد البر: ويسلك بها مسلك الضحايا: يؤكل منها ويتصدق ويهدي إلى الجيران وروي مثل ذلك عن عائشة وعليه جمهور
стр. 107
العلماء (١).
فتوزع أثلاثاً، ثلث لأهل البيت وثلث للصدقة وثلث للهدية.
وقال الخرقي: [وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها] أي سبيل الأضحية (٢).
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً كلام الخرقي السابق: [وبهذا قال الشافعي وقال ابن سيرين: اصنع بلحمها كيف شئت، وقال ابن جريج: تطبخ بماء وملح وتهدى الجيران والصديق ولا يتصدق منها بشيء، وسئل أحمد عنها فحكى قول ابن سيرين وهذا يدل على أنه ذهب إليه وسئل هل يأكلها كلها؟ قال: لم أقل يأكلها كلها ولا يتصدق منها بشيء والأشبه قياسها على الأضحية لأنها نسيكة مشروعة غير واجبة فأشبهت الأضحية ولأنها أشبهتها في صفاتها وسنها وقدرها وشروطها فأشبهتها في مصرفها وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوها فحسن] (٣).
وقال الحافظ ابن عبد البر: [ويطعم منها الجيران ولا يدعى الرجال كما يفعل بالوليمة] (٤).
وجاء في مختصر خليل: [وكُرِه عملها وليمة] وقال المواق: سمع ابن القاسم: تطبخ العقيقة ويأكل منها أهل البيت ويطعم الجيران، وأما الدعاء إليها فإني
стр. 108
أكره الفخور، وزاد في سماع القرينين: إن أرادوا صنيعاً صنعوا من غيرها ودعوا إليه الناس، وكان ابن عمر يدعو إلى الولادة وإلى ختان الذكور] (١).
قال النووي: [ويستحب أن يأكل منها ويتصدق ويهدي كما قلنا في الأضحية] (٢)، وقال النووي أيضاً: [قال أصحابنا حكم العقيقة في التصدق منها والأكل والهدية والادخار وقدر المأكول وامتناع البيع وتعين الشاة إذا عينت للعقيقة كما ذكرنا في الأضحية سواء لا فرق بينهما وحكى الرافعي وجهاً أنه إذا جوزنا العقيقة بما دون الجذعة لم يجب التصدق وجاز تخصيص الأغنياء بها. والله أعلم] (٣).
واستحب كثير من أهل العلم أن لا يتصدق بلحمها نيئاً بل يطبخ ويتصدق به على الفقراء بإرساله لهم وفضلوا ذلك على دعوة الفقراء إلى بيت صاحبها.
قال النووي: [قال جمهور أصحابنا يستحب أن لا يتصدق بلحمها نيئاً بل يطبخه وذكر الماوردي أنا إذا قلنا بالمذهب أنه لا تجزئ دون الجذعة والثنية وجب التصدق بلحمها نيئاً وكذا قال إمام الحرمين إن أوجبنا التصدق بمقدار من الأضحية والعقيقة وجب تمليكه نيئاً والمذهب الأول وهو أنه يستحب طبخه وفيما يطبخ به وجهان: أحدهما: بحموضة ونقله البغوى عن نص الشافعي لحديث جابر أن النبي ﷺ قال: (نعم الأدام الخل) رواه مسلم. وأصحهما وأشهرهما وبه قطع المصنف والجمهور يطبخ بحلو تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه وقد ثبت في الصحيح (أن النبي ﷺ كان يحب الحلوى والعسل) وعلى هذا لو طبخ
стр. 109
بحامض ففي كراهته وجهان حكاهما الرافعي والصحيح أنه لا يكره لأنه ليس فيه نهي. قال أصحابنا والتصدق بلحمها ومرقها على المساكين بالبعث إليهم أفضل من الدعاء إليها ولو دعا إليها قوماً جاز ولو فرَّق بعضها ودعا ناساً إلى بعضها جاز] (١).
وقال البغوي: [ويستحب ألا يتصدق بلحمها نيئاً بل يطبخه ويبعث إلى المساكين بالصحاف ولو دعا إليه قوماً جاز] (٢).
[قال الشافعي: ويطبخها بحموضة، لعله ذهب إلى قول النبي ﷺ : (نعم الإدام الخل)، وقيل لا يطبخها بحموضة تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه] (٣).
[وقال في المستوعب: يستحب أن يطبخ منها طبيخ حلو تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه] (٤).
وقال العلامة ابن عثيمين: [والغريب أن بعض الناس قال: وينبغي أن تطبخ بالحلو أي يوضع فيها سكر تفاؤلاً بحلاوة أخلاق الطفل، وهذا قول ضعيف؛ لأنه ليس فيه دليل، ومسألة التفاؤل لا ينبغي أن نتوسع فيها هذا ... التوسع] (٥).
ولو دعا إليها قوماً فلا بأس في ذلك فيجوز لصاحبها أن يأكل منها وأن يطبخها ويرسل منها إلى الفقراء ويجوز أن يدعو أصدقائه وأقاربه وجيرانه والفقراء إلى أكلها في بيته فله أن يتصرف فيها كيفما يشاء. قال محمد بن سيرين من
стр. 110
التابعين: [اصنع بلحمها كيف شئت] (١) وفضل الإمام أحمد طبخها: [فقد قيل له: تطبخ العقيقة؟ قال: نعم. قيل له: يشتد عليهم طبخها. قال: يتحملون ذلك].
قال ابن القيم: [وهذا لأنه إذا طبخها فقد كفى المساكين والجيران مؤنة الطبخ وهو زيادة في الإحسان وفي شكر هذه النعمة، ويتمتع الجيران والأولاد والمساكين بها هنيئةً مكفية المؤنة فإن من أهدي إليه لحم مطبوخ مهيأ للأكل مطيب كان فرحه وسروره به أتم من فرحه بلحم نيء يحتاج إلى كلفة وتعب] (٢).
وقد ورد عن الإمام مالك أنه عق عن ولد له فوصف لنا كيف صنع بالعقيقة، قال مالك في المبسوط: [عققت عن ولدي وذبحت ما أريد أن أدعو إليه إخواني وغيرهم، وهيأت طعامهم، ثم ذبحت شاة العقيقة فأهديت منها للجيران، وأكل منها أهل البيت، وكسروا ما بقي من عظامها فطبخت، فدعونا إليها الجيران فأكلوا وأكلنا، قال مالك: فمن وجد سعة فأحب له أن يفعل هذا ومن لم يجد فليذبح عقيقة ثم ليأكل وليطعم منها] (٣).
المطلب الثاني: إعطاءُ القابلةِ رِجْلَ العقيقةِ:
استحب بعض أهل العلم أن تعطى القابلة رِجْل العقيقة (٤).
واحتجوا بما ورد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين ﵄: (أن ابعثوا إلى بيت القابلة