← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37342

كيف نغير ما بأنفسنا

مجدي الهلالي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كيف نغير ما بأنفسنا؟ دكتور مجدي الهلالي

стр. 2

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الدعاة وسيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فما من عام يمر على أمتنا الإسلامية في وقتنا الحاضر إلا ويحمل معه جُرحا جديدا في جسدها يُضاف إلى جراحاتها السابقة .. فعام لأفغانستان، وعام للشيشان، وآخر للعراق، أما فلسطين فجرحها يتجدد باستمرار ويزداد عمقا بمرور الأيام. هذه الجراحات كانت تحدث بالأمس في جسد الأمة ولا يكاد يشعر بها أحد، أما اليوم فالوضع يختلف، فمع انتشار الفضائيات ووسائل الاتصال أصبح من السهل على كل مسلم أن يشاهد ما يحدث لإخوانه المسلمين المضطهدين في شتى بقاع الأرض من تقتيل وتشريد وإذلال وانتهاك للحرمات، مما يحرك الدمع في المقل، ويعلق الأبصار بالسماء، ويطلق الألسنة بالدعاء .. نسأل المولى أن يكشف الغمة، ويفرج الكرب، ويُنزل نصره الذي طال انتظاره .. لسان حالها يقول: هل من نهاية لما نحن فيه؟ هل لهذا الليل من آخر؟ متى نصرك يا الله؟ ورغم الدعاء والتضرع والاستغاثة بالله فإن الوضع مستمر، على ما هو عليه، بل ويزداد سوءا في بعض الأماكن، مما حدا بالبعض لأن يتساءل: لماذا يتركنا الله هكذا أضيع من الأيتام على مائدة اللئام؟ لماذا لا يستجيب الله دعاءنا ويرفع عنا هذا الذل والهوان؟ أين أثر دعوات الثكالى والمظلومين من المسلمين في كل مكان؟ إن لم يكن الآن فمتى - إذن - يكف الله بأس هؤلاء الذين كفروا؟ هذه الأسئلة وغيرها تتردد في أذهان الكثير من أبناء الأمة، منطلقة من يقينها بأن الله قادر على تغيير ما نزل بساحتنا وحاق بنا في لمح البصر .. أليس هو القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس/٨٢]؟.

стр. 3

أليس هو - سبحانه - الذي أغرق فرعون وجنده، وأهلك عادا وثمود؟، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر/٦ - ١٤]. أليس هو الذي استنصره نوح ﵇ فاستجاب له ونصره نصرا مؤزرا: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر/١١ - ١٤]؟ فلماذا إذن لا ينصرنا الله وقد بُحَّت أصواتنا بدعائه؟ لماذا تأخر المدد الإلهي ونحن في مسيس الحاجة إليه اليوم قبل الغد؟ فإن قيل: إن هذا المدد لا يتنزل إلا على من يستحقه .. كان السؤال: فما المطلوب منا أن نفعله لنكون أهلا له؟ أين نضع نقطة البداية لطريق النصر والتغيير؟ وكيف نبدأ؟ حول الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها كانت هذه الصفحات التي نسأل الله أن يوفقنا فيها، ويلهمنا الرشد والسداد للحديث حول هذا الموضوع المهم الذي يشغل بال كل مسلم غيور على دينه، ويتمنى الخلاص من الوضع الأليم الذي آل إليه حال أمته. والله الموفق، والهاجي إلى سواء السبيل. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة/٣٢].

стр. 4

القادر المقتدر أخبرنا الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ بأنه: " حي قيوم "، ومن مظاهر وآثار قيوميته أنه قائم على جميع شئون خلقه: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم/٢٥]. فلا يستطيع أحد في السماوات أن يُقيم نفسه بنفسه، أو يتولى تصريف أموره ولو طرفة عين .. فالسماوات مرفوعة بغير عمد، يمسكها ، ولو تركها لسقطت على الأرض: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج/٦٥]. ولو لم يحرك الله الهواء ما تحرك، ولظلت السحب في مكانها، فما نزل مطر، أو نبت زرع، ولا كانت حياة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف/٥٧]. لا حول ولا قوة إلا بالله: فنحن جميعا بدون الله لا قيمة لنا ولا وجود، ولم لا وهو سبحانه يمدنا بأسباب الحياة لحظة بلحظة ولو تركنا لهلكنا، فالقلب مثلا يحتاج إلى إمداد منه - سبحانه - بالقدرة على ضخ الدم للجسم سبعين مرة في الدقيقة الواحدة، ولو توقف المدد لتوقف القلب وانتهت الحياة، والعضلات تحتاج إلى مدد من الله متواصل لتستمر في الانقباض والانبساط لتنشأ عن ذلك الحركة والمشي والقيام والقعود: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس/٢٢].

стр. 5

وهكذا كل أجهزة الجسم لا تستطيع أداء وظائفها إلا به سبحانه. معنى ذلك أنه لا يمكننا أن نتحرك حركة أو نتنفس نفسا، ولا ننطق بكلمة إلا من الله : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم/٤٣]، ولو تخلى عن عباده طرفة عين لهلكوا جميعا، يستوي في ذلك المؤمن والكافر .. فلا يوجد لأحد في هذا الكون " قوة ذاتية " يستطيع من خلالها أن يعتمد على نفسه في تصريف أموره والاستغناء عن الله. العليم الرقيب: ومن البديهي أن قيوميته سبحانه على عباده تستدعي اقترانها بعلمه، وإحاطته التامة بهم: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس/٦١]. ومع علمه التام بعباده وإحاطته بهم جميعا، فهو رقيب عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء/١]. فالسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد/١٠]. ما شاء الله كان: لإذن فكل ما يحدث لنا من ذل وهوان وهزائم ونكسات فبعلم الله وإذنه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/١١٢]. فما فعله فرعون ببني إسرائيل ما كان ليحدث لو لم يأذن به الله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة/٤٩].

стр. 6

وعندما كلف الله موسى وأخاه هارون ﵉ بالرسالة خافا من بطش فرعون بهما وطغيانه عليهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه/٤٥]، فماذا قال الله لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه/٤٦]. أخرج الإمام أحمد في الزهد عن ابن عباس ﵄ قال: لما بعث الله موسى وهارون ﵉ إلى فرعون قال: لا يغركما لباسه الذي ألبسته، فإن ناصيته بيدي، ولا ينطق ولا يطرف إلا بإذني (١). من هنا يتأكد لدينا أن كل طلقة خرجت من بندقية عدو من أعدائنا لتصيب طفلا أو امرأة أو شيخا، ما كانت لتصيب هدفها إلا بإذن الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران/١٦٦]. القدرة الإلهية: ومع قيومية الله وإحاطته بجميع خلقه، فهو سبحانه قادر مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يفعل ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر/٥٠]. وهو سبحانه لا يخاف من شيء - حاشاه - ولا يخشى عقبى شيء من أمره، كيف وهو صاحب هذا الكون والقائم عليه. له جنود السماوات والأرض، لا يمكن أن يفر منه أحد من خلقه، أو يختفي عنه، أو يتحدى إرادته: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر/٤٤]. فإن كان أحدنا في شك من هذه الحقيقة فليسأل نفسه: من الذي أهلك فرعون الطاغية وأغرقه هو ومن معه بعد أن كان يُنكل ببني إسرائيل ويسومهم سوء العذاب؟! ومن الذي قطع دابر قوم لوط؟ وأهلك ثمود؟: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس/١٤، ١٥].

стр. 7

ومن الذي أرسل الطير الأبابيل على أصحاب الفيل الذين أرادوا هدم الكعبة؟ هل نفعت عادا قوتها المزعومة حينما جاءها العذاب من الله؟: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت/١٦]. إن أمر الله ومشيئته نافذة أراد البشر ذلك أم لم يريدوا: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود/٧٦]. البداية من العبد: ومع هذه القدرة المطلقة والمشيئة النافذة التي لا تستطيع أي قوى الأرض مهما كان حجمها أن تقف أمامها، فإنها لا تتنزل غلا على من يستحقها .. لا تتنزل على الكافرين بالهلاك إلا بعد أن يستنفذوا فترة إمهال الله لهم، ويستقبلوا النعمة بالكفر، ويظلموا الناس، ويستدعوا بأفعالهم غضب الله عليهم: ﴿فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾ [الزخرف/٥٥، ٥٦]. والقدرة الإلهية كذلك لا تتنزل بالمدد والنصر على الفئة المؤمنة إلا إذا استوفت الشروط المؤهلة لذلك، والتي يأتي على رأسها: أن يتغير حالها إلى الحال الذي يرضي الله ، وتترك ما يبغضه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد/١١].

стр. 8

تأملات في آية التغيير: والجدير بالذكر أن آية التغيير السابقة والتي جاءت في سورة الرعد قد سبقتها آيات وتلتها آيات تتحدث عن مظاهر القدرة الإلهية المطلقة والتي نرى الكثير منها بأعيننا، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد/٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد/٣]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد/٨]، ويمضي السياق في السورة ليعدد مظاهر القدرة الإلهية: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد/١٠]. وفي خضم هذه الآيات تأتي آية التغيير: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد/١١]. ويستمر السياق بعدها ليؤكد على نفس المعنى الذي بدأت به السورة: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد/١١ - ١٣]. فما مناسبة وجود آية التغيير بين هذه الآيات؟ وما الرابط بينها؟

стр. 9

هناك بلا شك دلالات كثيرة من وجود هذه الآية وسط الآيات التي تتحدث عن القدرة الإلهية المطلقة، ولعل من هذه الدلالات أنها تحمل لنا جميعا رسالة تقول: إن الله ذو قدرة مطلقة، وعلم لا حدود له، وقوة لا يمكن تخيلها، ومشيئة نافذة، والدليل على ذلك ما نراه بأعيننا من سماء مترامية الأطراف مرفوعة بلا عمد، ومن الأرض الممدودة، ومن البرق والصواعق المخيفة. هذا الإله العظيم الذي ترون آثار قدرته بأعينكم يستطيع - بلا شك - أن يغير ما بكم من ذل وهوان وسوء حال، وكل ذلك في لمح البصر .. ومع سهولة ذلك ويسره عليه فإنه لم يفعل ذلك إلا إذا بدأتم أنتم بتغيير ما بأنفسكم وأصبحتم على الحال الذي يرضيه. فليُعل بنا إذا ما يُفعل، وليزداد بنا الذل والهوان، ولتشتد الصرخات والآهات، ولتكثر الجراح في جسد الأمة، وليضعنا أعداؤنا تحت أقدامهم، فلن يغير الله ذلك كله، ولن ينزل نصره علينا، ويعيد لنا مجدنا الضائع إلا إذا بدأنا نحن بتغيير ما بأنفسنا. الأمل في الله وحده: من ينظر ويتفحص ما عند أعدائنا من إمكانات مادية، وتكنولوجيا متطورة، وأسلحة دمار شامل، ثم يقارن ذلك كله بما نملكه فقد يصيبه الإحباط، أو يتسرب إلى نفسه اليأس، فلا وجه للمقارنة بيننا وبينهم. ومن ناحية أخرى فواقع الأمر يخبرنا بأنه لأمل حقيقيا للحاق بهم لأنهم لن يسمحوا لنا بامتلاك أسباب القوة ولا كل ما هو جديد، فالمساحة التي أتاحوا لنا التحرك فيها محدودة، ومهما اجتهدنا فيها فسنكون دوما في ركب التخلف، وأذيال الأمم. هذا الواقع نعلمه جميعا، مما يجعل البعض منا يعتبر الحديث عن عودة الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم مرة أخرى ضربا من ضروب الخيال وأحلام اليقظة. نعم هذا حقيقي إذا ما كانت الحسابات " المادية فقط " هي الحاكمة لهذا الأمر أما في حالة وجود القوة الإلهية الجبارة فستنقلب المعادلات، وستتغير الموازين، وتتلاشى القوى المزعومة.

стр. 10

فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي أثر هذه القوة حين انحازت لرسول من رسل الله والفئة القليلة التي آمنت معه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر/٩ - ١٤]. تلك القوة الإلهية هي التي أدارت معركة بدر لتنصر فئة قليلة عددا وعدة، ولكنها كبيرة بإيمانها وصدق توجهها إلى ربها: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال/١٢]. القوة الإلهية هي التي هزمت الأحزاب دون ستار من الأسباب البشرية: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب/٢٥]. إذن فلا أمل حقيقي لنا إلا باستدعاء تلك القوة التي لا تُقهر، والتي لا تقف أمامها أي أسباب مهما عظُمت. هل نترك الأسباب ؟ ليس معنى القول بأن أملنا في الله وحده أن نترك الأسباب المادية بدعوى عدم جدواها، بل المطلوب هو العكس علينا أن نملأ كل فراغ يتاح أمامنا، ونتغلغل في كل القطاعات، ونجتهد غاية الاجتهاد في امتلاك أسباب القوة كما طالبنا الله بذلك: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال/٦٠].

стр. 11

وعلى قدر اجتهادنا في الأخذ بما يتاح أمامنا من أسباب نكون قد حققنا شرطا مهما من شروط النصر والتغيير، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسباب بعينها لن تحقق لنا النصر ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران/١٢٦]، واجتهادنا في تحصيلها يأتي امتثالا لأمر الله، وتنفيذا لمقتضى سننه التي ربطت الأسباب بمسبباتها .. فمن يريد السفر من مكان إلى مكان آخر فعليه اتخاذ سبب ووسيلة يسافر من خلالها مهما كان صلاحه وتقواه .. هذه الوسيلة في حقيقتها لا تملك القدرة على السير بهذا الشخص وتوصيله إلى المكان الذي يريد، فما هي إلا ستار وشكل تتنزل من خلاله القدرة الإلهية، والقرآن مليء بالآيات التي تقرر هذه الحقيقة، كقوله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس/٤١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء/٧٠]. وعندما عرض القرآن قصة نوح ﵇ والسفينة التي ظل فترة طويلة يصنعها بوحي من الله ليستخدمها عند حدوث الطوفان لينجو بها هو ومن معه .. هذه السفينة يخبرنا الله بحقيقتها وأنها لا تملك قدرة ذاتية تمكنها من السير في البحر فما هي إلا ألواح من الخشب، ومسامير من الحديد، أما الذي يسيرها ويمدها بالقدرة على الحركة فهو الله وحده لا شريك له .. ويقرر القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر/١٣، ١٤]. فلابد إذن من وجود السبب لتتنزل من خلاله القدرة الإلهية، وفي نفس الوقت فإن السبب لا قيمة له بدون المدد الإلهي: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال/١٧].

стр. 12

تأمل معي ما حدث للصحابة وقد نفد ماؤهم وأرادوا الوضوء والشرب، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه بذلك، فماذا فعل ﵊؟ طلب منهم إحضار ما تبقي عندهم من ماء، ثم وضع فيه أصابعه الشريفة فنبع من بينها الماء ليشرب الجميع ويتوضأ (١). فهنا كان الماء القليل ستارا وشكلا تنزل من خلاله الفيض الإلهي. إذن فعلاقتنا بالأسباب علاقة استجداد للمدد الإلهي الذي يتنزل من خلال وجودها، فالنوم سبب يتنزل من خلاله المدد الإلهي بالشعور بالراحة وتجديد النشاط، وشرب الماء سبب يتنزل من خلاله المدد الإلهي بالإرواء ... وهكذا. نأخذ بالأسباب ولا نتعلق بها: فإن كان وجود الأسباب ضروريا لظهور القدرة الإلهية، فإن هذا ليس معناه التعلق بها، وتضخيمها، بل علينا أن نضعها في حجمها المناسب والمحدود، وإلا صارت حجابا يحجب التأييد والنصر الإلهي، وذلك عندما يتعلق به الشخص ويظن أنه يُنصر بها، فتصير شكلا من أشكال الشرك بالله ينافي كمال التوحيد ومقتضاه. وفي المقابل، فإن من يترك الأسباب وهو قادر على تحصيلها ظنا منه أنه إذا توجه إلى الله بطلب ما يريد فإنه سبحانه سيلبي له طلبه دون الحاجة على الأسباب .. هذا الشخص بهذا التصرف قد أساء الأدب مع الله ، لأنه يريد منه سبحانه أن يخرق له السنن التي أقام عليها الأرض.

стр. 13

نعم قد يتعرض الواحد منا لمواقف تقل فيها الأسباب أو تنعدم دون إرادة منه، كمن لم يستطع النوم ويريد إنجاز الكثير من المهام التي تحتاج إلى تركيز وصفاء ذهن .. هنا انعدمت أسباب الراحة أو قلت دون إرادة منه، فماذا يفعل؟ هل يقول: لأني لم أنم فلن أستطيع القيام بهذه الأعمال، أم يتجاوز الأسباب التي لم تتح له ويتوجه مباشرة إلى الله ، طالبا منه العون والمدد بالقدرة على التركيز وحسن إنهاء هذه الأعمال؟ لو تبنى الإجابة الأولى يكون تعلقه بالأسباب أكثر من تعلقه بالله . ولو تبنى الإجابة الثانية تكون الأسباب بالنسبة إليه وسيلة تتنزل من خلالها القدرة الإلهية .. والدليل على ذلك أنه لم ينزعج عند انعدامها أو قلتها، بل توجه إلى الله مباشرة طالبا عونه ومدده. والأفضل من ذلك أن يكون حاله في وجود الأسباب كحاله عند عدم وجودها من تضرع وإلحاح على الله وطلب العون والمدد منه سبحانه. علاقة الأسباب المادية بالنصر: إذن فالواجب يحتك علينا أن نجتهد في تحصيل أسباب القوة، ليتنزل نصر الله ومدده من خلالها دون تعلق بتلك الأسباب، أو اعتبار أن النصر يستلزم وجودها بقدر كبير، وهذا ما كان يفهمه المسلمون الأوائل .. فقد كانوا ينتصرون على أعدائهم وهم أقل منهم عددا وعدة كما حدث في بدر واليرموك وغيرهما من المعارك الإسلامية الخالدة التي أظهرت القدرة والتأييد الإلهي للفئة المؤمنة مع قلة وجود الأسباب المادية معها .. تأمل معي قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران/١٣].

стр. 14

ومن فقه التعامل مع الأسباب: أننا قد نُعذر إذا ما قصرنا في اتخاذ جميع الأسباب المادية لأمور خارجة عن إرادتنا، ولكننا لا نُعذر في عدم تعلقنا بالله وتغيير ما بأنفسنا لأننا جميعا نقدر على ذلك. ومن ذلك أيضا أنه إن كان قانون السببية من أهم القوانين الحاكمة للأرض، فإن السبب الأساسي الذي يستجلب النصر والتغيير هو تغيير ما بالنفس ونصرة الله عليها، وصدق التوجه إليه، وعدم التعلق بشيء سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد/٧]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران/١٢٠]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر/٣٦]. وعندما تُترك هذه القوانين يتعلق العبد بالأسباب المادية ولا يتعلق بالله ، فإنه يُخذل ولا يوفق، كما حدث للمسلين في غزوة حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة/٢٥]. من هنا يتضح لنا أن السبب المحوري للنصر والتغيير هو التعلق التام بالله ، وصدق التوجه إليه، وارتداء رداء العبودية له، وهذا لن يتم إلا من خلال تغيير ما بالنفس. الخلاصة: وخلاصة القول: أن الوضع المزري الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية ما هو إلا نتاج طبيعي لابتعادها عن الله وشرعه، وأنه يستطيع أن يغير ما حاق بنا في لمح البصر، وأنه لن يفعل ذلك مهما حدث لنا من ذل وهوان إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا. إذن فنقطة البداية التي ينبغي أن نبدأها للخروج من النفق المظلم الذي نسير فيه تبدأ مني ومنك .. فماذا نحن فاعلون؟؟ هل سنستمر في البكاء والأسف على أحوال أمتنا دون فعل شيء؟؟ هل سنظل في دائرة الإحباط التي ندور فيها؟ أم سنبدأ من الآن في تغيير ما بأنفسنا؟؟

стр. 15

قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء/٨٤]. ما المقصود بالتغيير ؟ خلقنا الله وكرمنا على سائر خلقه، وأسجد الملائكة لأبينا آدم، وأعد لنا الجنة لتكون لنا دارا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء/٧٠]. ولقد خلقنا الله وكرمنا هذا التكريم، وأسكننا الأرض وسخرها لنا، لنقوم بأداء مهمة جليلة ألا وهي عبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات/٥٦]. فنحن إذن لم نخرج إلى الأرض لنأكل أو لنشرب أو لنتزوج، بل خرجنا لأداء وظيفة محددة .. وظيفة العبودية لله . معنى العبودية: والعبودية المطلوبة من العبد لربه تشمل خضوعه واستسلامه وانقياده التام والمطلق له. وأن يكون الله هو غايته ومطلبه ومقصده في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته. وتشمل كذلك حبه حتى يصير أحب إلينا من كل شيء، وأن يكون العمل على رضاه هو شغلنا الشاغل، فنحرص على القيام بكل ما يرضيه، والابتعاد عن كل ما يبغضه. ومن مظاهر العبودية: أن تصبح تصوراتنا واهتماماتنا، وأفراحنا وأحزاننا متعلقة بالله ، فنحب ما يحبه ونبغض ما يبغضه، ونفرح لما يرضيه ونغضب لما يُغضبه. ومنها: خشيته في السر والعلن، والتوكل الدائم عليه، والرجاء فيه، ودوام الإنابة إليه، والثقة فيما عنده. ومنها: دعوة الخلق إليه وتحبيبهم فيه، وجهادهم من أجل نشر دينه، وإعلاء رايته.

стр. 16

امتحان العبودية: إذن فالوظيفة الأساسية لكل فرد يخرج إلى الأرض هي ممارسة العبودية لله في فترة وجوده في الدنيا بداية من بلوغه الحلم وحتى موته .. هذه الوظيفة ليست سهلة على الناس أن يقوموا بها، فالمولى جعل المكان الذي يؤدي فيه الفرد امتحان العبودية هو الأرض، وزينها بأشياء كثيرة تميل إليها النفس، ليكون الصراع بين ما يحبه الله ويريده من العبد، وبين ما تحبه النفس وتريد تحقيقه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾ [آل عمران/١٤]. فوجودنا على الأرض وما تحتويه من زينة يتطلب منا جهادا لأنفسنا ونصرة لله عليها إن أردنا أن نرتدي رداء العبودية وننجح في الامتحان. ولقد ربط سبحانه بين ولايته ومدده ونصرته لعباده، وبين نصرتهم له على أنفسهم وتغيير ما بها، كما قال في كتابه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد/٧]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد/١١]. والتحقق بمعاني العبودية، وتغيير ما بالنفس، يشمل المفاهيم والتصورات، والمشاعر والوجدانات، والسر والعلانية، والأقوال والأفعال.

стр. 17

وفي المقابل، فكما خلع العبد رداء عبوديته لربه، وسار وراء هواه وازداد تعلقه بالدنيا، وحبه لها، ابتعد عن ولاية ربه واستدعى بأفعاله تلك غضبه ، واستحق عقابه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال/٥٣، ٥٤]. شروط الولاية: الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بابتعادهم عن ممارسة الوظيفة المطلوبة منهم. تخيل أن شخصين قد أُرسلا من قِبل رؤسائهما في بعثة إلى بلد من البلدان لأداء مهمة معينة وفي وقت محدد. أما الأول فقد انبهر بما رآه في هذا البلد وانشغل بملذاته ناسيا المهمة التي جاء من أجلها، والآخر انشغل بوظيفته والمهام التي كُلف بأدائها ... كل ذلك يحدث والتقارير تصل بانتظام لرؤسائهما. تُرى!! هل تكون مشاعر الرؤساء تجاههما واحدة؟! وماذا لو احتاجا مساعدة .. فلأيهما ستكون؟! فمن البديهي أن الذي يقوم بمهمته هو الذي سيحظى برعاية رؤسائه وإجابة مطالبه، ومساعدته وقت الحاجة .. أما الآخر فلن يتبناه أحد، ولن يُلتفت إلى طلباته، بل العكس سيحدث، فالعقوبات والجزاءات تنتظره.

стр. 18

ولله المثل الأعلى، فلقد كلفنا الله بأداء مهمة محددة على الأرض، فمن اجتهد في القيام بها، فقد عرض نفسه لرضا مولاه، ومن ثمَّ عونه ومدده، أما من ترك مهمته وانشغل بشهواته، فقد عرض نفسه لغضب مولاه، ومن ثمَّ حرمانه من المدد والتوفيق: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل/٥ - ١٠]. إذن فنحن الذين نحدد لأنفسنا الطريقة التي يعاملنا الله بها، فعلى قدر استقامتنا على أمر الله، وقيامنا بمهام العبودية تكون ولايته ونصرته لنا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف/٩٦]. الكرامة والاستقامة: من هنا يتضح لنا أن كرامة العبد عند الله مرتبطة بمدى عبوديته له، ولا علاقة لذلك بالنسب أو الماضي أو ... ، ألم يقل لحبيبه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر/٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة/١٢٠]. فالولاية والكرامة على قدر الاستقامة، واستمرارها مرتبط ببقاء حالة تلك الاستقامة، فعلى سبيل المثال: إن الله فضل بني إسرائيل على العالمين في فترة من الفترات بسبب صبرهم وتحملهم الأذى في سبيله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف/١٣٧].

стр. 19

وعندما أساءوا استقبال نعم ربهم عليهم، وقابلوها بالجحود والطغيان واحدة تلو أخرى، كان العقاب الأليم من الله ، والذي وصل مداه بأن جعل منهم قردة وخنازير: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة/١٣]. ومن أوفى بعهده من الله: يقص علينا القرآن قصصا لناس كانوا يعيشون في رغد من العيش، فلم يستقبلوا تلك النعم بالعبودية المطلوبة، والإذعان لله ، فسلبها الله منهم وأذاقهم العذاب: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل/١١٢]. وفي المقابل، كم من أناس كانوا في جاهلية وتفرق وتشرذم، فغيروا ما بأنفسهم وأصبحوا عبيدا لله ، فكان الوفاء الكريم والسريع منه لهم فغير ما بهم من بؤس وضياع، وأعطاهم مفاتيح الأرض ليكونوا سادتها، وذلك في سنوات معدودة ... وما نموذج جيل الصحابة منا ببعيد. نظرة على الواقع: فإذا ما أسقطنا هذه القاعدة على الواقع الذي تحياه أمتنا الآن نجد أن ما يحدث لنا من ذل وهوان وبؤس وعذاب لم يأت من فراغ، بل بسبب ما اقترفته أيدينا، فبأفعالنا استدعينا غضب الله علينا .. أم نعطل شريعته ونتحاكم إلى غيره؟ ألم نُنح كتابه ودستوره الخالد ونستبدله بقوانين وضعية تحلل الحرام وتحرم الحلال؟ ماذا نقول في البنوك التي تتعامل بالربا؟ وماذا نقول في الخمور التي تباع جهارا نهارا في كثير من بلدان المسلمين؟ وماذا نقول في سفور النساء واختلاطهن بالرجال؟ وماذا ... وماذا؟

стр. 20

وليت الأمر وصل إلى هذه الدرجة، بل قد انتشر الفساد في كل الاتجاهات، ولم يعُد مقصورا على طبقة دون أخرى، فالمنكرات تملأ بلدان المسلمين .. تفشى الظلم والفساد والغش والكذب بين الناس. دخلت الفضائيات بيوت المسلمين لتعرض لهم الفحش والفجور ليلا ونهارا، فاستثيرت الشهوات، وانتهكت الحرمات. أصبحنا في زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر. ارتفعت رايات الباطل ونُكست رايات الحق. أُفسح المجال لدعاة العلمانية والتغريب، وغُيِّب صوت الدعاة إلى الله. أصبح التمسك بالدين يعني التطرف والإرهاب، وأما التفسخ والانحلال فهو الاعتدال والوسطية .. صار بأسنا بيننا شديد، واستعان بعضنا بالكفار وأعداء الدين على إخوانه المسلمين. تفرقنا على رايات قومية، وتركنا الجهاد في سبيل الله، وتقاعسنا عن نصرة إخواننا المضطهدين في كل مكان. حب الدنيا: لقد ملأ حب الدنيا قلوبنا، فأصبحت تصوراتنا وأحلامنا منبثقة منها .. اتجهت أعيننا إلى الأرض وتصارعنا على ما فيها، فوقعنا فيما حذرنا منه رسول الله ﷺ بقوله: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " (١). الم نرض بالزرع .. ألم نحلم بامتلاك الأراضي، وبناء العقارات .. ألم يشغل تفكيرنا التخطيط لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا في الدنيا؟ ألم ننشغل بتنمية أموالنا وزيادة أرصدتنا؟ فماذا نريد بعد ذلك .. وماذا نتوقع أن يحدث لنا؟ إن اقتراف شيء واحد مما سبق ذكره لكفيل باستدعاء غضب الله علينا، فكيف بهذا كله وغيره، مما تمتلئ به بلاد المسلمين؟!!

стр. 21

تأمل معي خطاب الترهيب الإلهي للمؤمنين من الوقوع في فعل شيئ واحد مما نفعله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة/٢٧٨، ٢٧٩]. والله إن لم تكن العاقبة إلا وقوفنا ندا محاربين لله ورسوله ﷺ لكفى. هذا فيما يخص الربا، فماذا في موالاة الكافرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء/١٤٤]. تأمل قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء/١٤٤]. ولقد حدث هذا بالفعل، وأصبحنا كأمة إسلامية في دائرة الغضب والعقوبة الإلهية وإن اختلف شكلها من مكان لآخر، ولعل من أهم المظاهر التي تؤكد لنا هواننا على الله هو تسلط الأعداء علينا من هندوس وشيوعيين وبوذيين وصليبيين ويهود، هؤلاء الكفار ما كانوا ليفعلوا بنا ما يفعلون لو لم يأذن به الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/١١٢]. اليهود الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة أصبحوا هم الذين يقومون بإذلالنا وإهانتنا وإهدار كرامتنا، وفرض سياستهم علينا. ألهذا الحد أغضبنا الله ؟ أأصبح أبناء القردة والخنازير الأداة التي نؤدب بها؟: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء/١٢٣]. الجسد الواحد: فإن قلت: ولكن أنا لا أفعل هذه الموبقات، وأعمل جاهدا على إصلاح نفسي، والاستقامة على أمر الله، فلماذا أُعاقب بما يعاقب به العاصون؟

стр. 22

يجيب عن هذا التساؤل أبو بكر الصديق ﵁ بقوله: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة/١٠٥]، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " (١). إن الأمة الإسلامية أمة واحدة، يشكل مجموع المسلمين جسدها، فإذا حدث لعضو في هذا الجسد مكروه، فعلى الجميع أن يعملوا على عودته لصحته مرة أخرى. إذن فكون البعض منا صالحا في نفسه، مبتعدا عما يغضب ربه، فهذا لا يعفيه من مسئوليته عن الأمة وما يحدث لها ... عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبذل غاية جهده في إصلاح الفساد، وإقامة المشروع الإسلامي، فإن لم يفعل ذلك دخل في عموم المعاقبين عقابا جماعيا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال/٢٥]. يقول ابن عباس ﵄ في تفسيره لهذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب، وقال الضحاك عن الفتنة المذكورة في الآية: إنها تصيب الظالم والصالح عامة (٢).

стр. 23

وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم. قال: يارب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟! قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم (١). وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم: إن مخالفة أوامر الله وعصيانه لَشيء عظيم عنده سبحانه .. نعم هو الحليم الصبور، يصبر على عباده مرة ومرة، ولكن إذا ما استمروا في عصيانهم عاقبهم لعلهم يفيقون من غفلتهم ويرجعون إليه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم/٤١]. لقد خرج الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله ﷺ لملاقاة المشركين عند جبل أحد، وبدأت المعركة وانتصر المسلمون في البداية، ولما خالف عدد قليل منهم أمر رسول الله ﷺ كان العقاب الأليم من الله وكانت الهزيمة العنيفة التي حدثت لهم، فرسول الله ﷺ كاد أن يُقتل، واستشهد منهم سبعون رجلا و ... ، كل ذلك بسبب عصيان بعضهم لأمر رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [آل عمران/١٥٢]. أين أثر الدعاء: إذن فكل ما يحدث لنا من صور العذاب ما هي إلا عقوبات يعاقبنا الله بها نتيجة لبعض أفعالنا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى/٣٠].

стр. 24

ولا ينبغي لمن وقع في المخالفة وارتكب الذنب أن يستغرب العقوبة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران/١٨٢]. عن إبراهيم النخعي قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء، أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل يكونون لله على طاعة فيتحولون منها إلى معصية إلا تحول الله لهم مما يحبون إلى ما يكرهون. وليس أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل يكونون لله على معصية، فيتحولون إلى طاعة الله ، إلا تحول الله لهم مما يكرهون إلى ما يحبون (١). من هنا تتضح لنا الإجابة عن سؤال البعض: أين أثر دعائنا لله الذي ندعوه ليل نهار بكشف الغمة عنا؟ إن الغمة لن تنكشف عنا بالدعاء فقط، بل لابد أن يسبق هذا الدعاء ويصاحبه تحول حقيقي عن كل ما يغضب الله، وانتقال إلى ما يرضيه، لابد من روح جديدة تسري في كيان الأمة فتوقظها من سُباتها، وتعمل على تغييرها تغييرا جذريا يشمل المفاهيم والتصورات، والسر والعلانية، والأقوال والأفعال. لابد أن تعود الأمة إلى الله وتتجه إليه وتعمل على استرضائه. أستاذية العالم: لقد مرت على امتنا في الماضي أوقات عصيبة، وحدث لها من الأحداث المشابهة لما يحدث لنا اليوم ... هذه الأحداث كانت سببا في استنهاض همم بعض الغيورين على الدين من أمثال صلاح الدين الأيوبي ﵀ فعمد إلى نشر السنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستثارة همة الناس للجهاد في سبيل الله، ورغبهم فيه، فاستجاب له الكثيرون وخرجوا معه لتحرير القدس والمسجد الأقصى فنصره الله نصرا مؤزرا، ولكن بعد موته ﵀ وتولي أبناءه وأفراد أسرته الحكم من بعده بدأوا يتصارعون عليه فدب الوهن مرة أخرى في جسد الأمة وحدث لها ما حدث من أحداث جسام.

стр. 25

إذن فنحن لا نريد انتصارا وقتيا في معركة من المعارك ثم يعود الحال إلى ما كان عليه، كما حدث في أفغانستان. لا نريد فقط قائدا يقودنا إلى الانتصار فإن مات وتركنا عادت الهزائم والنكبات، بل نريد أمة جديدة وأجيالا متلاحقة لا تعرف إلا الله وما يرضيه. نريد رايات الإسلام ترفرف من جديد على ربوع العالم الإسلامي .. على القدس ويافا وحيفا .. على الأندلس والفلبين .. على الهند والصين .. على روما. نريد الخلافة المفقودة وأستاذية العالم. نريد أن نستكمل ما بدأته الأجيال الأولى، فيصبح الدين كله لله. هذه الآمال العظيمة - أحلام اليوم - ستكون بلا شك حقائق الغد كما وعدنا رسول الله ﷺ بقوله: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر " (١). يقينا سيحدث هذا، وستفتح روما، وسيعود الأقصى، وتأتي خلافة أخرى كأختها الراشدة الأولى، ولكن بمن؟: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة/٥٤]. ولكي نكون نحن وأبناؤنا من هؤلاء القوم، ولكي يعود مجد الإسلام من جديد، لابد من التغيير.

стр. 26

عوائق التغيير قد يقول قائل: إن كل ما قيل في الصفحات السابقة قد سمعناه مرات ومرات، ولا يوجد من يختلف حوله، ولكن النقطة التي نقف عندها ولا نستطيع تجاوزها هي كيفية التغيير. كيف نحول الكلام النظري إلى واقع عملي؟ كيف يصبح الله أحب إلينا وأعز علينا من كل شيء؟ كيف تتغير اهتمامتنا من تفكير في المستقبل والأولاد و .. ، إلى تفكير فيما يُرضي الله ؟ كيف نخرج حب الدنيا من قلوبنا ونتخلص من جواذب الأرض والطين؟ كيف نسارع في القيام بأعمال البر، ونهجر كل ما يغضب الله ؟ نظرة إلى واقعنا: قبل طرح التصور المقترح عن كيفية تغيير ما بأنفسنا لابد أن نشخص معا الحالة التي وصلنا إليها، والأسباب التي أفرزت هذا الواقع الذي نشاهده. لنسأل أنفسنا؟!. لماذا نتكلم كثيرا عن المبادئ والقيم ولا نستطيع أن نُلزم أنفسنا القيام بمقتضيات هذا الكلام؟ ما الذي يحول بيننا وبين تنفيذ التوجيهات التي تُلقى على مسامعنا؟! ما الذي يجعل سلوكنا لا ينطبق مع قولنا؟! هل الجهل هو السبب؟! وكيف يكون ذلك وما قيل ويقال للأمة الإسلامية عبر الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة يكفي لإصلاح الأجيال حتى قيام الساعة؟! ومع هذا كله فإننا لا نجد في واقعنا أثرا أو تغييرا حقيقيا يكافئ هذا الكم من الكلام. إذن فهناك انفصال بين القول والفعل .. بين الواجب والواقع .. فما السبب في ذلك؟! الإجابة عن هذا السؤال تستلزم معرفة الدوافع التي تدفع الإنسان للسلوك بصفة عامة والمراحل التي يمر بها قبل أن يظهر للواقع. كيف يتم السلوك ؟ لكي يظهر سلوك اختياري ما إلى الوجود، فإن هناك ثلاث مراحل لابد أن تتم داخل الإنسان: أولا: القناعة العقلية بالفعل المراد القيام به. ثانيا: إصغاء قلبي لصوت العقل ورضاه بما يشير إليه. ثالثا: صدور أمر من القلب إلى الجوارح بالتنفيذ.

стр. 27

هذه المراحل الثلاث جمعها قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام/١١٣]. فإذا أردنا أن نشخص أسباب السلوك غير السوي والذي نشكو من وجوده، ونريد تغييره إلى ما يحبه الله ويرضاه، فلابد أن يتناول البحث محاور ثلاثة: المحور الأول: يتعلق بعقل الإنسان وفكره وقناعاته والتي تشكل المنطلق الأول للسلوك. المحور الثاني: يتعلق بقلب الإنسان وما يحول بينه وبين تنفيذ ما يمليه عليه العقل. المحور الثالث: يتعلق بالنفس التي تشكل العائق الأساسي الذي يقف أمام إخلاص هذا الفعل لله . المحور الأول: العقل إن كان سلوك الإنسان ينطلق من المشاعر، والتي تشكل في مجموعها قلب الإنسان فإن ما يحرك هذه المشاعر هو الفكر .. فالفكر هو المنطلق الأول للسلوك، وعلى قدر قناعة العقل بالشيء تكون قدرته على التأثير في المشاعر. فإن قلت: ولكن هناك الكثير من الأفعال التي يقوم بها الإنسان بتلقائية ودون تفكير. نعم، يحدث ذلك فيما لا يقل عن ستين بالمائة من تصرفات الإنسان اليومية كما أثبت العلماء، مع ذلك فإن هذه الأفعال التلقائية تنطلق أيضا من الأفكار الراسخة داخل العقل، والتي تُسمى بمنطقة اللاشعور. الشعور واللاشعور: ينقسم عقل الإنسان إلى قسمين: مدرك، وغير مدرك. فبالعقل المدرك يستقبل الإنسان المعلومة ويفهمها ويدرك ما تدل عليه، فإذا وافق عليها واقتنع بها كان الطريق ممهدا لتنفيذ مقتضاها من خلال القلب، وإذا لم يقتنع بها فإنها لن تجاوز عقله. أما العقل غير المدرك أو ما يسمى باللاشعور أو اليقين. ففيه تُختزن المعلومات الراسخة لدى الإنسان (عن نفسه وعائلته ومفاهيمه وتصوراته وعقائده ... ).

стр. 28

هذه المنطقة تشكل المنطلق الأساسي للأفعال التلقائية التي تتم بدون تفكير، ولا يوجد إنسان على ظهر الأرض إلا ولديه منطقة يقين خاصة به .. هذا اليقين قد يكون صحيحا، وقد يكون خاطئا، ولكنه يبقى يقينا ليس فيه شك. فعلى سبيل المثال: هل يشك أحد في اسمه أو أسماء أبنائه وزوجته؟! وهل يشك أحد في كون الماء سببا للإرواء والطعام للإشباع، وأن الظلام يحل في المساء والشمس تشرق في الصباح؟! كيف يتكون اليقين ؟ يقين الإنسان يتكون من خلال الأفكار التي ترد عليه من العقل المدرك. فما من فكرة يقبلها العقل المدرك إلا وتدخل إلى منطقة اللاشعور، فإذا تكرر مرور هذه الفكرة مرات ومرات من الشعور إلى اللاشعور اكتسبت هذه الفكرة صفة الرسوخ، وأصبحت ضمن يقين الإنسان وثوابته ومعتقداته، وأصبحت تشكل مصدرا لأفعاله التلقائية. فعلى سبيل المثال: فهم قواعد اللغة العربية يتم من خلال العقل المدرك، فإذا تدرب العقل مرات كثيرة على أن الفاعل دائما مرفوع، والمفعول دائما منصوب، فإن هذه المعلومات ترسخ فى اللاشعور لينطلق اللسان بعد ذلك رافعا للفاعل وناصبا للمفعول بتلقائية. وكذلك تعلم أحكام التجويد يتم أولا بالعقل المدرك ثم تنطلق هذه الأحكام إلى اللاشعور وترسخ فيها بالتكرار ثم التكرار، لتطلق الألسنة بعد ذلك وتطبق هذه الأحكام عند التلاوة ودونما تفكير، با أن الشخص قد ينسى منطوق الحكم التجويدي بمرور السنين لكنه لا يخطئ في تطبيقه. علاقة اليقين بالتغيير من الأمور الملاحظة بيننا: أننا كثيرا ما نتكلم عن قيم ومبادئ وتصورات، ونبدي قناعة تامة بما نسمع ونتحدث ثم نفاجأ بأن الكثير منا يخالف بفعله ما قاله بلسانه. فعلى سبيل المثال: عند طرح موضوع الذكور والإناث أيهما تريد أن تلده زوجتك؟! تجدنا نتبارى في إظهار استسلامنا لله ، وأننا سنرضى بما يقسمه لنا من هذا الرزق.

стр. 29

هذا في ميدان القول، أم في الواقع فالأمر قد يختلف، فالبعض لن يستقبل مولودته الأنثى بهذا الرضا الذي أظهره أثناء المناقشة، فإذا ما أنجبت زوجته أنثى للمرة الثانية ازداد ضيقه .. هذا الضيق قد يتصاعد في المرة الثالثة لينطلق متهما زوجته بأنها السبب في ذلك، وقد يتوعدها إن تكرر الأمر مرة أخرى!! وفي موقف أخر تجد الحديث الدائر بين الناس عن أهمية الإحسان إلى الزوجة واستشارتها في أمور الحياة وأما في الواقع فتجد بعض المشاركين في هذا الحديث والمتحمسين له، يسيء لزوجته ويتعامل معها بأسلوب الأوامر وفرض الرأي .. نتحدث عن الدنيا وقيمتها الحقيرة، وضرورة عدم التعلق بها لأنها فانية و ... فإذا انتقلنا إلى واقعنا نجد الكثير منا يشغل باله وتفكيره بمستقبله ومستقبل أولاده الصغار وكيف يؤمنه لهم، فيبني لهم الدور، ويسعى سعيا حثيثا للادخار والاستثمار .. يفرح كلما ازداد رصيده من المال ويحزن عند نقصانه هذه وغيرها من الأمثلة تبين لنا التناقض بين الأقوال والأفعال، والتي تنشأ بصورة رئيسية بسبب التناقض بين ما نقتنع به بعقولنا المدركة، وبين ما يوجد في يقيننا من أفكار وتصرفات. فالولد الذي تربى في بيته على حب المال، عندما يكبر ويسمع عن ضرورة وأهمية الإنفاق في سبيل الله فإنه قد يبذل بعضا من ماله تأثرا بما سمعه، لكن سرعان ما يزول أثر هذا الكلام من ذاكرته ويعود لسابق عهده من الحرص والشح بالمال، وما دفعه إلى ذلك إلا يقينه الخاطئ الذي تكون لديه منذ الصغر ومارس مقتضياته مرات ومرات. كذلك فالذي يرى أباه يتعامل بجفاء مع أمه ولا ينكر ذلك، فإن هذه الصورة من التعامل سترسخ في يقينه ليطبقها بعد ذلك في التعامل مع زوجته.

стр. 30

وسائل تكوين اليقين: وسائل تكوين اليقين هي المصادر التي يستقي منها الفرد معارفه، وتقف على رأسها البيئة التي ينشأ فيها .. مع الأخذ في الاعتبار أنه كلما صغر السن كان تكوين اليقين أسرع لأن صاحبه يستقبل المعلومات بعقله المدرك دون أن يفكر فيها كثيرا ويمررها إلى منطقة اللاشعور لترسخ فيها من خلال تكرار مروره عليها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الأبوين هما القدوة والمثل الأعلى لأبنائهما .. ومن هنا كانت تربية الأبوين للابن من أهم عوامل تكوين اليقين عنده، فما يشاهده في بيته منذ الصغر، وطريقة تعامل أبوية مع مفردات الحياة، والاهتمامات التي يهتمون بها وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض، أو مع الآخرين .. كل هذه الأشياء تشكل أكبر صانع لليقين داخل الإنسان وعلى أساسها تتكون شخصيته واهتماماته وتصوراته عن الحياة فعلى سبيل المثال: كثرة مشاهدة الأب وهو يذكر الله، ويحافظ على أداء الصلاة ويعطف على المساكين .. كل ذلك له دور كبير في ترسيخ أهمية هذه الأشياء في يقين الابن. أما الذي يلمس حرص أبويه على المال والادخار وبناء العقارات، ويرى حزنهما الشديد إذا ما ضاع منهما شيء من المال فستترجم هذه الاهتمامات في يقينه وتترسخ فيه خطورة التلفاز ومن وسائل تكوين اليقين داخل الإنسان كذلك:

стр. 31

وسائل الإعلام بصورها المختلفة وأهمها جهاز التلفاز والذي يعد من أخطر عوامل بناء اليقين داخل الإنسان سواء كان صحيحا أم خاطئا، فما يعرض في هذا الجهاز الخطير وبصورة متكررة وبشكل شبه يومي من أفلام ومسلسلات وإعلانات له دور كبير في تكوين اليقين الخاطئ داخل الإنسان وبخاصة عند الصغر، فتكرار عرض صور النساء العارية والمناظر الخليعة واختلاط النساء بالرجال والصداقة بين الجنسين وما تنشئه من علاقات محرمة مع عرض كل هذا بأسلوب محبب - وفكاهي أحيانا - له دور كبير في قبول العقل لهذه الأفكار، ومن ثم مرورها إلي اليقين ورسوخها فيه بدوام تكرار عرضها، مع الأخذ في الاعتبار أن للصورة المرئية تأثيرا مباشرا على اللاشعور، فالعقل المدرك غالبا ما يتركها تمر دون تفكير (١). وفي المقابل عند استخدام هذا الجهاز بصورة موجهة ولبث الأفكار الصحيحة من خلاله فإن ذلك له دور كبير في بناء اليقين الصحيح داخل الفرد. دور المدرسة: أم العامل الثالث في تكوين يقين الإنسان: المدرسة، ففيها تُبث كذلك الأفكار والمبادئ والاهتمامات والتصورات ومع المدرسة تأتي البيئة المحيطة بالفرد كالأصدقاء والجيران والأقارب. ولا نُغفِل كذلك وسائل المعرفة الأخرى من كتب وصحف وكمبيوتر وألعاب.

стр. 32

كل هذه العوامل تشترك في تكوين اليقين بشقيه الصحيح والخاطئ والذي يختلف من شخص لآخر بناء على طبيعة العوامل التي تعرض لها. ولكي يتم التغيير الصحيح في الاهتمامات والتصورات، ومن ثم السلوك لابد أولا من إعادة بناء منطقة اللاشعور واستبدال اليقين الخاطئ بيقين صحيح تنطلق منه الخواطر والاهتمامات والأفعال التلقائية في حياة الإنسان. المحور الثاني: القلب ومع أهمية الفكر كمنطلق أساسي للسلوك إلا أن هذا الفكر لابد أن يجد من القلب رضا وتجاوبا وإلا ظلت الأفكار حبيسة العقل، ليعيش الشخص في تناقض بين فكره وسلوكه. ولقد مرت علينا في حياتنا جميعا أوقات شعرنا فيها بهذا التناقض .. أحيانا نريد أن نقلع عن مشاهدة التلفاز فلا نستطيع .. نريد أن نستيقظ مع أذان الفجر أو قبله فلا نقدر .. نريد أن نترك عادة سيئة فلا نستطيع. فإن قلت: فما السبب الذي يجعلنا لا نستطيع تنفيذ أشياء قد اقتنعنا بها، بل قد رسخت أهميتها في يقيننا؟! وكذلك لا نستطيع ترك أشياء نحن على ثقة تامة بمدى خطورتها علينا؟! السبب في ذلك هو ضعف الإرادة القلبية والهزيمة أمام النفس. فإن كان العقل هو الدافع الأول للسلوك إلا أن الذي يأمر الجوارح بالتنفيذ هو القلب، فقلب الإنسان هو الملك على جميع الأعضاء، وما من فعل اختياري يقوم به العبد إلا ويعكس موافقة من القلب على تنفيذه. قال ﷺ : " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " (١). معنى ذلك أن العقل قد يقتنع بفكرة ما ويشير على القلب بتنفيذها إلا أن القلب حين لا يرضى بذلك لا يتم الفعل. ولكن ما الذي يحول بين القلب وبين تنفيذ ما يشير به العقل؟!

стр. 33

الذي يحول بينه وبين ذلك تمكن الهوى منه وسيطرته عليه. فالقلب هو مجمع المشاعر والعواطف داخل الإنسان .. هذه العواطف يتجاذبها طرفان .. الطرف الأول: الإيمان بما في العقل من عقائد وأفكار، والثاني: الهوى وما تميل إليه النفس. فالعقل يريد من القلب تنفيذ مقتضيات أفكاره وقناعاته، والنفس تريد من القلب تنفيذ ما تهواه وتميل إليه من شهوات وحظوظ. فالصراع بين الإيمان والهوى يتم قبل كل فعل يقوم به العبد، وأيهما أقوى سينتصر ويستولي على إرادة القلب، ومن ثم يكون الفعل من نصيبه هو: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص/٥٠]. فلحظة المعصية تعكس انتصار الهوى على الإيمان، ولحظة الطاعة تعكس انتصار الإيمان على الهوى في القلب كما قال ﷺ :" لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن " (١). وعلى قدر تمكن الإيمان بالله من مشاعر الإنسان وقلبه يكون انعكاس ذلك على السلوك بأعمال صالحة، وعلى قدر تمكن الهوى من تلك المشاعر تكون المعاصي والغفلات.

стр. 34

التشخيص: من هنا يتضح لنا أن السبب الرئيسي لعدم قيام القلب بتنفيذ قناعات العقل هو قوة الهوى وسيطرتها على أكبر قدر من مشاعره، مما يتيح لها التمكن من إرادته. بل إن وجود أي مساحة للهوى في القلب وإن صغرت لها مخاطرها في كونها ستعمل على التعبير عن هذا الوجود في وقت ما .. هذا الشخص سيظل يقوم بأعمال صالحة كثيرة وفي كل الاتجاهات تعكس قوة إيمانه، ولكن عند تعارض موعد مباراة فريقه المحبوب مع عمل من أعمال الإيمان كصلاة الجماعة مثلا تراه يجلس في بيته مشجعا لفريقه، فإن جاهد نفسه وذهب للصلاة تجد أنه يصلي بجوارحه أما قلبه فمعلق بالمباراة .. ما الذي حدث هنا؟! .. الذي حدث أن الهوى قد عبر عن نفسه في اللحظة المناسبة بسلوك خاطئ .. إذن علينا إذا ما أردنا تغييرا حقيقيا في سلوكنا أن نُمكِّن للإيمان في القلب ونطرد الهوى بأكمله منه، كما وصف الله الصحابة - رضوان الله عليهم - بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة/٢٢]. فعندما تمكن الإيمان الكامل في قلوبهم استطاعوا بتأييد من الله أن يقاوموا أهوائهم والتي تريد موالاة الآباء والأبناء والإخوان. المحور الثالث: النفس خلق الله في كل إنسان نفسا محبة للشهوات، مؤثرة للراحة، طالبة للعلو والتميز عن الآخرين .. تحب أن تأخذ نصيبها من كل فعل يقوم به العبد. ولأن هواها في الراحة فإنها تلح على صاحبها بعدم القيام بالطاعة لما فيها من مشقة.

стр. 35

فإن قاومها العبد وألزمها فعل الطاعة فإنها لا تستسلم له بل تحاول أن تأخذ حظها من هذا الفعل، وذلك من خلال الإلحاح عليه لكشف عمله أمام الناس لتعلو منزلته عندهم فيعظموه ويمدحوه، فتُسقى من خلال ذلك شراب النشوة والسعادة. فإن لم يفعل ذلك فإنها لا تيأس من نيل حظها فتعمل على تضخيم العمل الذي قام به في عينه، وتشعره بتميزه به على الآخرين، فيُعجب بها ويرضى عنها، وينسى أن الله هو الذي أعانه على القيام بهذا العمل. الصنم الداخلي: إذن فليس معنى أن الشخص يؤدي ما عليه من واجبات، ويحرص على الانضباط في سلوكه وتعاملاته ... ليس معنى هذا أنه قد ارتدى رداء العبودية، وأصبح في مظان الرضا والتوفيق الإلهي. فقد يكون هذا الشخص راضيا عن نفسه، فرحا بها، ينظر إليها بعين الإعجاب ويعتقد أنه مميز عن غيره بما يفعله من أعمال، وتراه دوما يقارن نفسه بغيره، ويرى انه أفضل من جميع من حوله، ولما لا وهو يصلي بالليل وهم نائمون، ويعمل للإسلام وهم قاعدون ... منضبط في سلوكه وهم مفرطون .. يعتقد أن عنده أشياء وملكات ذاتية ليست عند غيره، يمكنه ان ستدعيها ويستعين بها وقتما شاء، فتتضخم بذلك نفسه، وتكبر داخله وتصبح كالصنم يستعين به في تصريف أموره، فيشرك بذلك بالله ، ويتعرض للهلاك كما قال ﷺ : " ... فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " (١).

стр. 36

فإذا تعرض العبد لمقت الله تباعد عنه التوفيق الإلهي، ومن ثَمَّ النصر والتأييد، قال ﷺ : " النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت " (١). من هنا تبرز قيمة جهاد النفس في قضية التغيير، فمع الأهمية القصوى لإيقاد شعلة الإيمان في القلب والعمل الدائم على زيادته، لابد كذلك من المحافظة على أعمالنا التي نقوم بأدائها من كل ما يفسدها، ويبعدها عن مظنة الإخلاص لله . الخلاصة: أنه إذا كان المطلوب أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا فإن هذا التغيير لابد أن يشمل: ١ - الاهتمامات والتصورات والأفكار، وهذا يستدعي تغيير اليقين الخاطئ في العقل الباطن. ٢ - زيادة الإيمان وتمكنه التام من القلب، وطرد الهوى منه. ٣ - جهاد النفس وترويضها وإلزامها الصدق والإخلاص لله . من أين نبدأ ؟ تأكد لنا مما سبق بيانه أن ما يحدث للأمة الآن بمشيئة الله وإذنه، وهو نتيجة طبيعية لما أحدثناه من انحراف وبعد عن منهج الله وخلصنا كذلك إلى أن المولى قادر على تغيير ما بنا، ولكنه أخبرنا في كتابه بان هذا التغيير لن يتم إلا إذا بدأنا نحن بتغيير ما بأنفسنا. وتغيير ما بالنفس يستلزم تغيير الأفكار والتصورات الخاطئة، وتمكين الإيمان من القلب، وترويض النفس وجهادها على لزوم الصدق والإخلاص لله . كل هذا لابد أن يتم ليكون النتاج عبدا مخلصا لله ، يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام/١٦٢].

стр. 37

صعوبة التغيير: فإن قلت: ولكن كيف لنا أن نغير هذا كله؟! نعم إنه أمر شاق وصعب أن يتم التغيير في هذه المحاور الثلاثة مجتمعة، وفي المقابل، فإن ترك محور منها يؤدي إلى خلل في النتائج مما يؤخر الثمرة المرجوة من ذلك بل قد يمنع ظهورها. إذن لابد أن يشمل التغيير هذه المناطق الثلاث: العقل - القلب - النفس. ولكن كيف يتم ذلك؟ كيف يتم التغيير في العقل الباطن، وفي يقين الإنسان وثوابته، والتي تختلف من إنسان لآخر لاختلاف البيئات ومصادر التلقي؟ كيف يتم طرد الهوى وحب الدنيا من القلب وهي تحيط بنا ليل نهار؟ كيف لنا أن نجاهد أنفسنا، ونحطم أصنامنا، ويكون كل منا عند نفسه صغيرا؟! كيف يتم هذا كله ونحن نسير في الحياة، ونسعى في طلب الرزق، وعلينا الكثير من الواجبات؟! لكل داء دواء: ومع هذه الصعوبة الشديدة التي تبدو أمامنا في كيفية التغيير، إلا أننا نوقن بأن هناك حلا لذلك ... ألم يقل ﷺ : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له الدواء " (١). فمما لاشك فيه أن هناك دواء أنزله الله نداوي به ما نعاني منه، وأن رحمته التي يغمرنا بها تستلزم وجود هذا الدواء الذي يعيدنا إلى حظيرة العبودية له ... فما هو يا تُرى هذا الدواء؟ إذا طرحنا هذا السؤال فيما بيننا فسنجد إجابات مختلفة، وسيسوق كل فريق الأدلة التي تؤيد وجهة نظره وترجح فاعلية دوائه، ولن نتفق على شيء. أما إذا بحثنا عن آثار ونتائج ناجحة لدواء تم استخدامه سابقا لمهمة التغيير فسيكون البحث أيسر، ويصبح من الممكن الاتفاق على هذا الدواء.

стр. 38

وباستقراء تاريخ الأمة الإسلامية نجد فيها صفحات مشرقة لجيل من الأجيال كانوا قبل إسلامهم غاية في الغرابة والجاهلية، ثم تبدل حالهم وتغير تغييرا جذريا ليصبحوا عبيدا لله ويعملون من أجله، ويضحون في سبيل مرضاته بالغالي والنفيس .. ذلكم هو جيل الصحابة رضوان الله عليهم. من يصدق أن أمة تعيش في الصحراء بلا مقومات تذكر .. تغرق في الجاهلية .. لا شأن لها بين الأمم .. لم يفكر أحد في احتلالها أو وضعها في حساباته أصلا. هذه الأمة كانت أشتاتا متفرقة، تثور بينها الحروب لأتفه الأسباب أصبحت في سنوات معدودة تقود البشر وتحطم الإمبراطوريات .. تغيرت اهتمامات أبنائها، فأصبح الله هو غايتهم ومقصدهم. صدقوا معه ، ونصروه على أنفسهم، فغير الله ما بهم، وأعطاهم مفاتيح الأرض وملَّكهم ممالكها. والأمر اللافت للانتباه أن هذا التغيير لم يكن مقصورا على أفراد بعينهم، بل امتد ليشمل الجيل بأكمله، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا. نماذج عملية: تأمل معي التغيير الذي حدث لصهيب الرومي والذي حدا به لأن يضحي بماله كله من أجل مرضاة الله .. يقول ﵁: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيت إن دفعت لكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت لهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ربح صهيب ربح صهيب مرتين. وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة/٢٠٧] (١).

стр. 39

وانظر إلى الخنساء التي ملأت الأفاق بكاء وعويلا عند وفاة أخيها "صخر" وذلك قبل إسلامها، هذه المرأة هي نفسها التي دفعت بأولادها الأربعة - فلذات كبدها - إلى الموت طلبا للشهادة في سبيل الله، وذلك بعد إسلامها وتَغيُّرها وعودتها إلى حظيرة العبودية لله . وعندما بلغها نبأ استشهاد الأربعة قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. كيف حدثت المعجزة ؟ والنماذج كثيرة ومتنوعة، وكلها تؤكد على أن تغييرا جذريا وعميقا قد حدث في نفوس هؤلاء الأخيار أخرج الدنيا من قلوبهم، وعلق أبصارهم بالسماء، وجعلهم لا يفكرون إلا فيما يُرضي الله .. لقد حدثت معجزة عظيمة لهؤلاء نقلتهم هذه النقلة البعيدة، وأعادت صياغتهم وتشكيلهم من جديد ... فما هو سر هذه المعجزة؟! ما هو الدواء الذي استطاع - بعون الله - أن يُحدث هذا كله؟! قد يقول قائل: إنه الإيمان العميق الذي تمكن من قلوبهم واستولى عليها، وكأنهم هم الذين دخلوا إلى الإيمان كما عبر القرآن: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر/٩]. ولكن يبقى السؤال عن الوسيلة التي تولد من خلالها هذا الإيمان، وأخرج هؤلاء الصفوة من الظلمات إلى النور. يُجيب القرآن عن هذا السؤال بقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة/١٥، ١٦].

стр. 40

فالقرآن إذن هو الدواء الذي تناوله هؤلاء فتغيروا هذا التغيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/٥٧]. إنه السر الأعظم والمعجزة الكبرى التي اختص الله بها هذه الأمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد/٣١]. وجواب الشرط هنا محذوف تقديره " لكان هذا القرآن ". المربي: ومع القرآن وقدرته الفذة والعجيبة في التأثير والتغيير كان المربي العظيم ﷺ هو الذي يشرف على عملية التغيير ويتابعها ويوجهها: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم/١]. إذن فالحل الذي نريده ينطلق من محورين: المنهج وهو القرآن، والمربي وهو الذي يتعهد عملية التغيير. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى/٥٢]. وحول هذين المحورين يدور الحديث في الصفحات القادمة. هذا القرآن قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر/٢١]. لو تأملنا هذه الآية بدون اسم الإشارة (هذا) لوجدناها تؤدي نفس المعنى، ولكن وجود هذه الكلمة أعطى للرسالة التي تحملها هذه الآية آفاقا ودلالات جديدة منها:
следующие страницы →