فإذا تعرض العبد لمقت الله تباعد عنه التوفيق الإلهي، ومن ثَمَّ النصر والتأييد، قال ﷺ : " النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت " (١).
من هنا تبرز قيمة جهاد النفس في قضية التغيير، فمع الأهمية القصوى لإيقاد شعلة الإيمان في القلب والعمل الدائم على زيادته، لابد كذلك من المحافظة على أعمالنا التي نقوم بأدائها من كل ما يفسدها، ويبعدها عن مظنة الإخلاص لله .
الخلاصة:
أنه إذا كان المطلوب أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا فإن هذا التغيير لابد أن يشمل:
١ - الاهتمامات والتصورات والأفكار، وهذا يستدعي تغيير اليقين الخاطئ في العقل الباطن.
٢ - زيادة الإيمان وتمكنه التام من القلب، وطرد الهوى منه.
٣ - جهاد النفس وترويضها وإلزامها الصدق والإخلاص لله .
من أين نبدأ ؟
تأكد لنا مما سبق بيانه أن ما يحدث للأمة الآن بمشيئة الله وإذنه، وهو نتيجة طبيعية لما أحدثناه من انحراف وبعد عن منهج الله وخلصنا كذلك إلى أن المولى قادر على تغيير ما بنا، ولكنه أخبرنا في كتابه بان هذا التغيير لن يتم إلا إذا بدأنا نحن بتغيير ما بأنفسنا.
وتغيير ما بالنفس يستلزم تغيير الأفكار والتصورات الخاطئة، وتمكين الإيمان من القلب، وترويض النفس وجهادها على لزوم الصدق والإخلاص لله .
كل هذا لابد أن يتم ليكون النتاج عبدا مخلصا لله ، يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام/١٦٢].
стр. 37
صعوبة التغيير:
فإن قلت: ولكن كيف لنا أن نغير هذا كله؟!
نعم إنه أمر شاق وصعب أن يتم التغيير في هذه المحاور الثلاثة مجتمعة، وفي المقابل، فإن ترك محور منها يؤدي إلى خلل في النتائج مما يؤخر الثمرة المرجوة من ذلك بل قد يمنع ظهورها.
إذن لابد أن يشمل التغيير هذه المناطق الثلاث: العقل - القلب - النفس.
ولكن كيف يتم ذلك؟
كيف يتم التغيير في العقل الباطن، وفي يقين الإنسان وثوابته، والتي تختلف من إنسان لآخر لاختلاف البيئات ومصادر التلقي؟
كيف يتم طرد الهوى وحب الدنيا من القلب وهي تحيط بنا ليل نهار؟
كيف لنا أن نجاهد أنفسنا، ونحطم أصنامنا، ويكون كل منا عند نفسه صغيرا؟! كيف يتم هذا كله ونحن نسير في الحياة، ونسعى في طلب الرزق، وعلينا الكثير من الواجبات؟!
لكل داء دواء:
ومع هذه الصعوبة الشديدة التي تبدو أمامنا في كيفية التغيير، إلا أننا نوقن بأن هناك حلا لذلك ... ألم يقل ﷺ : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له الدواء " (١).
فمما لاشك فيه أن هناك دواء أنزله الله نداوي به ما نعاني منه، وأن رحمته التي يغمرنا بها تستلزم وجود هذا الدواء الذي يعيدنا إلى حظيرة العبودية له ... فما هو يا تُرى هذا الدواء؟
إذا طرحنا هذا السؤال فيما بيننا فسنجد إجابات مختلفة، وسيسوق كل فريق الأدلة التي تؤيد وجهة نظره وترجح فاعلية دوائه، ولن نتفق على شيء.
أما إذا بحثنا عن آثار ونتائج ناجحة لدواء تم استخدامه سابقا لمهمة التغيير فسيكون البحث أيسر، ويصبح من الممكن الاتفاق على هذا الدواء.
стр. 38
وباستقراء تاريخ الأمة الإسلامية نجد فيها صفحات مشرقة لجيل من الأجيال كانوا قبل إسلامهم غاية في الغرابة والجاهلية، ثم تبدل حالهم وتغير تغييرا جذريا ليصبحوا عبيدا لله ويعملون من أجله، ويضحون في سبيل مرضاته بالغالي والنفيس .. ذلكم هو جيل الصحابة رضوان الله عليهم.
من يصدق أن أمة تعيش في الصحراء بلا مقومات تذكر .. تغرق في الجاهلية .. لا شأن لها بين الأمم .. لم يفكر أحد في احتلالها أو وضعها في حساباته أصلا.
هذه الأمة كانت أشتاتا متفرقة، تثور بينها الحروب لأتفه الأسباب أصبحت في سنوات معدودة تقود البشر وتحطم الإمبراطوريات .. تغيرت اهتمامات أبنائها، فأصبح الله هو غايتهم ومقصدهم.
صدقوا معه ، ونصروه على أنفسهم، فغير الله ما بهم، وأعطاهم مفاتيح الأرض وملَّكهم ممالكها.
والأمر اللافت للانتباه أن هذا التغيير لم يكن مقصورا على أفراد بعينهم، بل امتد ليشمل الجيل بأكمله، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا.
نماذج عملية:
تأمل معي التغيير الذي حدث لصهيب الرومي والذي حدا به لأن يضحي بماله كله من أجل مرضاة الله .. يقول ﵁: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيت إن دفعت لكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت لهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ربح صهيب ربح صهيب مرتين. وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة/٢٠٧] (١).
стр. 39
وانظر إلى الخنساء التي ملأت الأفاق بكاء وعويلا عند وفاة أخيها "صخر" وذلك قبل إسلامها، هذه المرأة هي نفسها التي دفعت بأولادها الأربعة - فلذات كبدها - إلى الموت طلبا للشهادة في سبيل الله، وذلك بعد إسلامها وتَغيُّرها وعودتها إلى حظيرة العبودية لله .
وعندما بلغها نبأ استشهاد الأربعة قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
كيف حدثت المعجزة ؟
والنماذج كثيرة ومتنوعة، وكلها تؤكد على أن تغييرا جذريا وعميقا قد حدث في نفوس هؤلاء الأخيار أخرج الدنيا من قلوبهم، وعلق أبصارهم بالسماء، وجعلهم لا يفكرون إلا فيما يُرضي الله .. لقد حدثت معجزة عظيمة لهؤلاء نقلتهم هذه النقلة البعيدة، وأعادت صياغتهم وتشكيلهم من جديد ...
فما هو سر هذه المعجزة؟!
ما هو الدواء الذي استطاع - بعون الله - أن يُحدث هذا كله؟!
قد يقول قائل: إنه الإيمان العميق الذي تمكن من قلوبهم واستولى عليها، وكأنهم هم الذين دخلوا إلى الإيمان كما عبر القرآن: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر/٩].
ولكن يبقى السؤال عن الوسيلة التي تولد من خلالها هذا الإيمان، وأخرج هؤلاء الصفوة من الظلمات إلى النور.
يُجيب القرآن عن هذا السؤال بقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة/١٥، ١٦].
стр. 40
فالقرآن إذن هو الدواء الذي تناوله هؤلاء فتغيروا هذا التغيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/٥٧].
إنه السر الأعظم والمعجزة الكبرى التي اختص الله بها هذه الأمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد/٣١].
وجواب الشرط هنا محذوف تقديره " لكان هذا القرآن ".
المربي:
ومع القرآن وقدرته الفذة والعجيبة في التأثير والتغيير كان المربي العظيم ﷺ هو الذي يشرف على عملية التغيير ويتابعها ويوجهها: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم/١].
إذن فالحل الذي نريده ينطلق من محورين: المنهج وهو القرآن، والمربي وهو الذي يتعهد عملية التغيير.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى/٥٢].
وحول هذين المحورين يدور الحديث في الصفحات القادمة.
هذا القرآن
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر/٢١].
لو تأملنا هذه الآية بدون اسم الإشارة (هذا) لوجدناها تؤدي نفس المعنى، ولكن وجود هذه الكلمة أعطى للرسالة التي تحملها هذه الآية آفاقا ودلالات جديدة منها:
стр. 41
إن " هذا " القرآن الذي بين يديك الآن وتقرأ فيه هذه الآية - أيها القارئ - له قدرة فذة وعظيمة على تغييرك، فإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى جبل من الجبال القريبة منك وتأمل صلابتها وشموخها ثم تخيلها وقد انهارت وأصبحت حطاما وأنقاضا ...
كل هذا يمكن أن يحدث لو رُكِّب لهذا الجبل عقل كعقلك فيستقبل به القرآن، فكيف يمكنه أن يفعل بقلبك وهو ألين من هذا الجبل؟!
طريق الاستقامة:
إن القرآن هو القادر - بإذن الله - على تغييرنا وإعادة صياغتنا من جديد، ولم لا وهو يمكنه تغيير طبيعة الجبال الصلبة القاسية.
والقرآن كذلك هو الطريق للاستقامة الدائمة على أمر الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء/٩]، والملاحظ الآية تضمنت أيضا اسم الإشارة ... (هذا) فهذا القرآن الذي بين يديك يستطيع أن يقوِّم مسارك ويعدل سلوكك ليجعلك تستقيم على أمر الله وصراطه المستقيم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير/٢٧، ٢٨].
مصنع التغيير:
تخيل معي أن رجلا يأخذ ابنته الصغيرة البريئة .. يأخذها إلى الصحراء، ويحفر حفرة بين الرمال وهي تنظر إليه، فتعلق بعض حبات الرمال بلحيته فتقوم من مكانها لتنفضها مما علق بها .. وهو يستمر في الحفر، حتى إذا ما انتهى من حفرته أخذ تلك الصغيرة ليضعها في الحفرة، وهي تصرخ وتستغيث به وتسترحمه، ولكنه يُصر على ذلك ويهيل عليها الرمال، وتستمر في الصراخ والاسترحام وهو يستمر في إهالة الرمال، حتى يتوقف الصراخ تماما وتموت الصغيرة، وينتهي الرجل من مهمته .. وينصرف إلى داره ...
هل يمكن أن يفعل أب بابنته مثل هذا؟!
ما ذنبها، وما الجريمة التي ارتكبتها؟!
стр. 42
وتمضي الأيام، ويبزغ فجر الإسلام لينشرح صدر هذا الرجل للدين الجديد، فيدخل إلى مصنع التغيير القرآني، ويخرج منه رجلا آخر ... أتدرون من هو هذا الرجل؟! إنه عمر بن الخطاب ﵁.
فماذا تقول بعد ذلك عن قدرة القرآن على التغيير؟!
القرآن وجمع الكلمة:
لقد كان الصحابة قبل إسلامهم غاية في التفرق والعصبية القبلية ... تفاخر بالأنساب، وتعامل طبقي يُفرق بين السادة والعبيد، بل وبين قبيلة وقبيلة، فكيف توحدوا جميعا وأصبحوا أمة واحدة؟
الذي حدث أن هناك حبلا قد نزل من السماء فأمسكوا به جميعا فجذبهم من على الأرض وارتفع بهم إلى السماء فوق الشهوات والأهواء والطين .. هذا الحبل هو القرآن، الذي استطاع أن يجمع شمل الجميع كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران/١٠٣]، وكما قال ﷺ : " كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض " (١).
стр. 43
فبالقرآن توحد المسلمون الأوائل على هدف واحد، وبه ارتفعوا إلى السماء وتخلصوا من جواب الأرض، ولقد أكد على هذا المعنى رسول الله ﷺ بقوله: " أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا" (١).
ومن هنا يتأكد لنا أن القرآن هو الوحيد القادر على جمع الكلمة، والتخلص من الفرقة، ولم لا وهو الكلمة السواء التي لا يختلف عليها اثنان من أبناء الأمة.
حالنا مع القرآن:
عندما تمسك الجيل الأول بحبل الله المتين، واتبعوا نور كتابه المبين،، اجتمعت كلمتهم، وتوحدت وجهتهم، وأصبح الله هو غايتهم، فأوفى بعهده معهم، ومكنهم في الأرض ليرفعوا عليها رايته، ويقيموا عليها شريعته.
وعندما تركت الأمة بعد ذلك هذا الكتاب وأدارت ظهرها له حدثت لها النكبات والهزائم والنكسات.
تخيل معي أُناسا وقد تعلقوا بحبل الله، والأرض من تحتهم تملؤها القاذورات والصراعات والأحقاد، ثم ترك هؤلاء الحبل .. ماذا سيحدث لهم؟
стр. 44
بلا شك أنهم سيقعون على الأرض ويتمرغون في أدناسها، ويتصارعون على ما فيها من دنايا .. وهذا ما حدث معنا عندما تركنا القرآن - حبل الله المتين - فوقعنا على الأرض، وتمرغنا في شهواتها، وأصبحت الدنيا هي أكبر همنا، ومبلغ علمنا، فاشتد الصراع بيننا وتفتت وحدتنا، وصار بأسنا بيننا شديدا، فتكالب علينا أعدائنا كما تتكالب الأكلة قصعتها، وأصبحنا أذل أهل الأرض .. تحت أقدام الكفار لا اعتبار لنا، ولا قيمة لوجودنا، بل إن اليهود الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة باتوا يتفننون في إذلالنا، وهدم بيوتنا، وانتهاك حرماتنا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران/١٦٥].
ضرورة العودة إلى القرآن:
من هنا يتضح لنا أن نقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها ليتم التغيير الداخلي المنشود، هي العودة إلى القرآن.
ولسنا نعني بتلك العودة تخريج اكبر عدد ممكن من حفاظ حروفه.
ولسنا نعني بالعودة قراءته فقط، أو تعليق آياته على الجدران، أو افتتاح الحفلات به.
بل نعني بالعودة: الدخول إلى دائرة تأثره، والتعرض الحقيقي لمعجزاته، وتشغيل مصنعه وماكيناته، ليتم من خلاله التغيير المنشود، فنكون من بعده عبيدا لله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا. فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء/١٧٤، ١٧٥].
стр. 45
كيفية التغيير القرآني
قبل أن ينتقل الحديث عن الطريقة التي يمكننا من خلالها - بعون الله - الدخول إلى عالم القرآن ودائرة تأثيره ومصنعه، يبقى من الضروري الإجابة عن تساؤل قد يتبادر إلى بعض الأذهان عن الكيفية التي بها يقوم القرآن بالتغيير، وبخاصة وقد خلصنا في صفحات سابقة إلى أن التغيير المنشود لابد أن يشمل العقل والقلب والنفس.
ألا يكفي وصف الله لكتابه ؟!
نعم، نحن لسنا طالبين بمعرفة كيفية التغيير القرآني، فيكفي ما أخبرنا به الله عن هذا الكتاب، ووصفه له بأنه نور يُخرج الناس من الظلمات على النور، ودواء لما يعانون منه من أدواء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت/٤٤].
ومع ذلك، فسبب ما ورثناه من تعامل خاطئ مع القرآن وعدم اقتناع البعض بأن الحل في هذا الكتاب، وبسبب عدم وجود أثر ملحوظ للتغيير على الكثير ممن ينشغلون بالقرآن، ويحفظون حروفه، ويكثرون من تلاوته ... كل ذلك وغيره أفقدنا بعض الثقة في قدرة القرآن على التغيير، وانحصر دوره في حياتنا ليصبح مصدرا للأجر والثواب دون النظر للمقصد الأسمى من نزوله.
من هنا كان من الضروري الحديث عن كيفية التغيير القرآني والتي لا يستطيع أن يدرك كنهها أحد من البشر، فالمعجزة القرآنية وتأثرها على الفرد يفوق ما يمكن تخيله، والمحروم من حُرم التمتع بآثارها.
القرآن والعقل:
في الصفحات السابقة استعرضنا معا الأسباب التي تحول بيننا وبين أن نكون عبيدا مخلصين لله ، والتي تنطلق من محاور ثلاثة: العقل، والقلب، والنفس. ومن ثَمَّ فإن التغيير الحقيقي في ذات الإنسان ينبغي أن يشمل هذه المحاور الثلاثة.
стр. 46
فإذا ما نظرنا إلى العقل وجدنا أن بداية التغيير الحقيقي فيه تأتي من خلال فكر الإنسان وقناعاته واهتماماته وتصوراته ... وهذا يشمل العقل المدرك، والعقل الباطن غير المدرك، بل إن التغيير في العقل الباطن هو الأهم باعتباره مصدرا للأفعال التلقائية والتي قد تتناقض مع قول المرء وما يدعو إليه. من هنا كان من الضروري استبدال الأفكار الخاطئة الراسخة في اللاشعور بأخرى صحيحة .. وهنا يأتي دور القرآن.
فمن أهم سماته أنه كتاب يخاطب العقل، ويُعلي من شأنه ويستثير صاحبه إلى استخدامه والتفكر به.
يطرح عليه القضايا الكلية التي يقوم عليها التصور الإسلامي الصحيح لمفردات الحياة والكون المحيط، ويُقنعه بها.
يؤسس عنده عقيدة التوحيد بصفاء وسهولة، بل إنه يجعل قارئه يصل إلى قناعة تامة بكل ما يتعلق بتوحيد الله وحقوقه علينا، فيطرح عليه القضايا الاعتقادية من بدايتها .. هل للكون إله؟ من هو؟ وما اسمه؟ هل هناك معه شريك؟ هل له زوجة؟ هل له ولد؟
هذه الأسئلة الخطيرة يجيب عنها القرآن بكل سهولة ويسر، بل ويعرض وجهة النظر المخالفة في بعض الأحيان حتى يفندها ويبطلها تماما، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٤٢]، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون/٩١].
стр. 47
ومع التعريف بالله وبأسمائه وصفاته يعرف القرآن قارئه بعالم الغيب، ويثبت له بالأدلة العقلية قضية البعث والحساب والجزاء: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس/٧٨ - ٨٠].
والقرآن يجيب عن التساؤلات الحائرة في ذهن الإنسان، ويؤصل لديه التصورات الصحيحة لكل ما يتعامل معه من مفردات الحياة كنظرته للرزق، والمستقبل، والزوجة، والأولاد ... ، وكل ما يتعلق بأموره الدنيوية.
وبيَّن كذلك أصول الشريعة وقواعدها الكلية، وأنها ما شُرعت إلا رحمة للعباد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء/١٠٧].
تكوين العقلية المتوازنة:
ومع هذا كله فالقرآن كذلك يرسم في ذهن قارئه شجرة الإسلام بجذورها وأصولها وفروعها، ويُعطي كل شيء فيها حجمه الذي يتناسب مع أهميته ... فأعمال القلوب - على سبيل المثال - مقدمة في الأهمية على أعمال الجوارح، ويبين ذلك قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج/٣٧].
وعندما نجد القرآن يُفرد مساحة كبيرة للإنفاق في سبيل الله فإن هذا معناه إعطاء الأمر أهمية تتناسب مع مكانته في القرآن، وهكذا.
بناء اليقين الصحيح:
فإذا تم الاقتناع بكل القضايا التي يقوم عليها التصور الإسلامي للحياة والكون، وعالم الغيب والشهادة، تأتي السمة الأخرى للقرآن وهي قدرته الفريدة في ترسيخ هذه الأفكار والتصورات وبناء اليقين الصحيح عنها في العقل الباطن من خلال عرضها بأساليب مختلفة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف/٥٤].
стр. 48
تأمل معي عرض القرآن لموضوع الجهاد في سبيل الله، أو الرزق، أو قيمة الدنيا وابحث عن عدد المرات التي تم فيها عرض هذه الموضوعات.
وانظر كذلك في قصص السابقين وسل نفسك كم سورة تم فيها تناول قصة موسى ﵇ وبني إسرائيل كمثال يتكرر، ومن خلال تكراره تترسخ المعاني التي تتناولها هذه القصص في العقل الباطن.
وخلاصة القول: أن القرآن يقوم بإعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح فيه، فتتغير تبعا لذلك تصورات صاحبه واهتماماته، ومن ثم تلقائية أفعاله.
القرآن والقلب:
من الأسباب الرئيسية للسلوك الخاطئ: ضعف الإيمان في القلب، وغلبة الهوى عليه، فعلى قدر الإيمان تكون الأفعال الصالحة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج/٣٢].
وكان من دعائه ﷺ : " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك " (١)
وللقرآن طريقة فريدة في زيادة الإيمان في القلب وطرد الهوى منه، وذلك من خلال قدرته على التأثير في مشاعر الإنسان بمواعظه البليغة وقوة سلطان ألفاظه على النفس: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر/٢٣].
الإيمان والهوى:
الإيمان محله القلب، وكذلك الهوى ..
والقلب هو مجمع المشاعر داخل الإنسان ..
معنى ذلك أن تأثير المشاعر وانفعالها مع قضية ما، تؤدي على زيادة الإيمان أو الهوى في القلب حسب نوع القضية التي يتم التجاوب معها ..
فإذا ما انفعلت المشاعر مع أي عمل إيماني - كحال البعض عند الدعاء مثلا - فإن من شأنه أن يزيد الإيمان في القلب.
стр. 49
وإذا ما تأثرت المشاعر وتجاوبت مع أمر يخدم الهوى - كحال البعض عند ما يسمى بالأغاني العاطفية - فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الهوى في القلب.
من هنا يتبين لنا كيفية زيادة الإيمان عند قراءة القرآن، وذلك من خلال التأثير والانفعال بالآيات ..
فلحظات الانفعال والتجاوب القلبي مع القراءة تعني دخول نور هذه الآيات إلى القلب وتأثيره على المشاعر مما يؤدي إلى زيادة الإيمان.
وكلما زاد الإيمان في القلب انعكس ذلك على الجوارح بأعمال صالحة لم يكن من السهل قبل ذلك القيام بها.
وشيئا فشيئا تعود الحياة إلى القلب ويتم تنويره بنور القرآن، وينزوي الهوى، وتقل مساحته إلى أن تأتي لحظة من أهم لحظات العمر .. لحظة تحرر القلب بأكمله من سلطان الهوى، ليصبح قلبا حيا سليما يملؤه نور الإيمان، فينطلق بعد ذلك في رحلته المباركة سائرا إلى الله مستصحبا معه الدليل الأمين - القرآن العظيم - الذي يقوم بهذا الدور على أحسن ما يكون من خلال تعريفه بربه، لتثمر هذه المعرفة عبادات قلبية من خشية ورجاء وحب وإجلال وتوكل وإنابة وثقة واستعانة وطمأنينة ...
وكلما تعرف العبد على ربه أكثر تغيرت معاملته له، ومن ثم ازداد قربه منه. كل هذا يفعله القرآن بسهولة ويسر ودون تكلف.
القرآن والنفس:
تشكل النفس أكبر عائق في طريق إخلاص العمل لله ، فهي تحاول دوما أن يكون لها نصيب من كل فعل يقوم به الإنسان استيفاء لحظوظها، وإرواء لشهواتها التي لا تنطفئ .. هكذا خلقها الله .
ومن وسائلها في نَيل حظوظها سعيها لعلو منزلتها عند الناس كي يمدحوها ويعظموها، وذلك عن طريق تعريفهم بالأعمال الصالحة التي تقوم بها.
ومن وسائلها كذلك: تضخيم العمل في عين صاحبها بعد قيامه به، فتزين له العمل وأنه يستحق به الدرجات العلى عند ربه، وأنه قد أصبح مميزا عن أقرانه بهذا العمل!!
стр. 50
ومنها: أنها تُشعر صاحبها بأن إمكاناته ومواهبه ملك ذاتي له، متى استدعاها وجدها واستعان بها على ما يريد فعله، فتُصور له مثلا أن ذكاءه ذكاء ذاتي يستطيع أن يغلب به غيره وقتما شاء ... وتُصور له أنه سريع الحفظ، وأنه يمكنه متى شاء أن يحفظ أي كلام يريد حفظه في وقت قصير.
فيتولد عن ذلك إعجاب المرء بنفسه ومن ثمَّ غروره بها وتكبره على الآخرين.
والنفس محبوبة، وما تدعو إليه محبوب، من هنا تبرز صعوبة مجاهدتها وإلزامها التجلبب بجلباب العبودية لله .
ولقد تناول هذا الموضوع كثير من العلماء السابقين، وطرحوا في كتبهم تصورات كثيرة لجهاد النفس، ولم تخلُ بعض هذه الكتب من أمور فيها مخالفات وتشدد وابتعاد عن النبعين الصافيين: القرآن والسنة، مع ضعف الأثر المترتب على القيام بما يُرشدون إليه.
من هنا تبرز قيمة المعجزة القرآنية وقدرتها على التأثير في النفس وإلزامها طاعة الله بصدق وإخلاص، مع عدم الإخلال بمتطلباتها وحظوظها المباحة، والاحتياجات البشرية للفرد. فليس معنى جهاد النفس عدم النوم أو عدم الضحك أو عدم أكل اللحم أو ... ، فكل ذلك مباح ما دام لا يَخِِل بواجب، ولا يؤدي إلى فعل محرم، ولقد سُئل عبد الله بن عمر: هل كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال (١).
وتكمن طريقة القرآن الفريدة في التعامل مع النفس من خلال محورين رئيسين هما: معرفة الله، ومعرفة النفس مع ممارسة مقتضى تلك المعارف.
стр. 51
معرفة الله:
كلما ازدادت معرفة الواحد منا بشخص ما تغيرت معاملته له، فعلى قدر المعرفة تكون المعاملة، وهذا أمر نلمسه جميعا من خلال علاقاتنا مع الآخرين، واختلافها من شخص لآخر .. فإذا ما طبقنا هذه القاعدة على علاقتنا بالله ، نجد أن اختلاف تعامل الناس معه سبحانه ناتج من اختلاف معرفتهم به.
من هنا تبرز أهمية معرفة الله معرفة صحيحة وعميقة لتتغير معاملاتنا له وتتجه في الاتجاه الصحيح، فخشية الله - وهي صورة من صور المعاملة معه سبحانه - ثمرة من ثمرات العلم به: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر/٢٨].
إذن فلكي نخلص أعمالنا لله كصورة من صور تعاملنا معه، فإن هذا يستلزم منا معرفته وبخاصة في جوانب معينة .. منها:
التعرف على الله القوي، الجبار لتورث هذه المعرفة خوفا وخشية منه، تدفع لصدق التوجه إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان/٨، ٩]، ما الذي دفعهم لذلك: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان/١٠].
التعرف على الله القريب، السميع، الشهيد، البصير لتورث هذه المعرفة في القلب حياء منه سبحانه، مما يدفع صاحبه إلى الإخلاص أكثر وأكثر.
معرفة الله الغني الحميد وأنه لا يحتاج إلى أعمالنا، وأن حجم ما نقوم به من طاعات لا يساوي شيئا بجوار تسبيح الكون المتواصل لله .. فيؤدي ذلك إلى استصغار واستقلال أعمالنا، فنؤدي الطاعة ونستغفر الله بعدها كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ... ﴾ [البقرة/١٩٩].
стр. 52
معرفة الله المنعم ومعرفة صور إنعامه علينا، وأننا مطالبون بشكر هذه النعم مما يؤدي إلى عدم رؤية العمل، واستشعار ان دخول الجنة هو محض فضل من الله .
معرفة الله القيوم: وأنه هو الذي يقوم بإطعامنا وسقايتنا ونمنا ويقظتنا ورعاية كل ما في أجسادنا من أعضاء وأجهزة، وأنه سبحانه يعيننا على القيام بالطاعة، ويعصمنا من الوقوع في المعصية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء/٧٣]، هذه المعرفة تؤدي إلى استشعار عظيم فضل الله علينا، وأننا به لا بأنفسنا فيؤدي ذلك إلى صدق الاستعانة به، وعدم الاتكال على النفس.
معرفة الله الملك: وأنه لا ملك إلا ملكه، ولا يملك أحد سواه شيئا، فيؤدي ذلك إلى قطع الطمع فيما عند الناس والزهد فيهم، وعدم العمل من أجلهم فالكل فقير ومحتاج إلى من بيده ملكوت كل شيء.
التعرف على الله من خلال القرآن:
هذه المعارف وغيرها لها دور كبير في إخلاص العمل لله ، وعلى قدر تمكنها من القلب وتعمقها فيه يكون صدق معاملة العبد لربه، وأفضل وسيلة لتحقيق هذه المعارف: القرآن الكريم: فمن أهم سماته أنه كتاب تعريف بالله ، وبأسمائه وصفاته، وآثارها، ولا يكتفي القرآن بالتعريف النظري بالله بل ويعلم قارئه كيف يربط هذه المعرفة بأحداث الحياة: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت/٥٣].
فعلى سبيل المثال: القرآن يُعرفك بربك المنتقم ويُعدد لك صور عقابه للمسيء، فإذا ما أُسقطت هذه المعرفة على واقع حياتك فستجد أن هناك عقوبات تُجرى عليك نظير إساءتك كوحشة في الصدر أو تعسير في الأمور، فيؤدي ذلك إلى مسارعتك بالاستغفار والتوبة لتوقف تلك العقوبات: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ... ﴾ [الأنفال/٣٣].
стр. 53
معرفة النفس:
وكما أن القرآن يُعرف المرء بربه فيثمر ذلك معاملة صحيحة فإنه كذلك يُعرِّفه بنفسه فيتعامل معها بما ينبغي أن يكون.
ومن جوانب تلك المعرفة: التعرف على حقيقة الإنسان وأصله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات/٢٠]، وأنه ضعيف عاجز: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء/٢٨] .. لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف/١٨٨].
يحتاج إلى مولاه مع كل طرفة عين ملايين ملايين المرات ..
ومع تعريف القرآن للمرء بهذه الحقائق، فإنه يُعرفه كذلك طبيعة نفسه، وحبها للشهوات، وميلها للفجور، وأنها لو تُركت لما أمرت بخير: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف/٥٣] .. كل ذلك ليشتد حذر الإنسان منها، فلا يركن إليها ولا يرضى أو يفرح بها، بل يفرح بفضل ربه ويركن إليه وحده: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس/٥٨].
الخلاصة:
وخلاصة القول: أن السر الأعظم لمعجزة القرآن يكمن في قدرته على تغيير أي شخص يدخل إلى دائرة تأثيره لتعمل فيه ماكيناته وتعيد تشكيله من جديد وذلك من خلال النقاط التالية:
١ - تغيير أفكاره وتصوراته عن مفردات الحياة، وإرساء قواعد التصور الإسلامي في عقله الباطن لينبني بذلك اليقين الصحيح: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة/٥١].
٢ - بتغير الأفكار والتصورات تتغير الاهتمامات تبعا لذلك، ليصبح هم الفرد وأحلامه وتطلعاته فيما يُرضي الله .
٣ - نتيجة لتغيير الاهتمامات تتغير طريقة تعامل الشخص مع كل من حوله، فتصغر الدينا في عينه فلا تراه يتنافس مع المتنافسين في أمورها .. يُربي أولاده على حب الله والتعلق به .. يتعامل مع زوجته وأهله من منطلق إيماني يسعى فيه لرضا الله .
стр. 54
٤ - ومن صور التغيير القرآني أنه يُشعر صاحبه بقيمته في الكون، وأنه قائد له، فينطلق فيه فاتحا مستكشفا لأسراره، منتفعا بتسخير قوانين تسخيره له.
٥ - والقرآن أيضا يضبط الفهم، ويكوِّن الشخصية المعتدلة المتوازنة التي تُعطي كل ذي حق حقه، وتعرف كيف تُرتب الأولويات.
٦ - ومن صور التغيير القرآني أنه يوقد شعلة الإيمان بالقلب ويوطده فيه ويطرد منه الهوى .. وكلما ازداد الإيمان ازداد الدافع لفعل الصالحات.
٧ - ويستمر القرآن في زيادة الإيمان إلى أن يُحرر القلب من الهوى، لينطلق به إلى السماء قلبا ربانيا موصولا بالله ، ويسير إليه، ويقترب منه من خلال تقلبه في ألوان عبوديته له من حب ورجاء وتوكل وإنابة وإجلال وخشية و ... .
٨ - والقرآن يولد الطاقة ويقوي العزيمة في قلب صاحبه، مما يجعله يريد دائما تصريف هذه الطاقة بالقيام بأعمال البر المختلفة دون انتظار لتوجيه من أحد فكلما فُتح له بابا من أبواب الخير سارع بالولوج إليه، فتراه مجاهدا مع المجاهدين وداعية مع الدعاة .. خير زوج لزوجته، وخير أب لأبنائه، وجار لجيرانه.
٩ - ومن أعظم صور التغيير التي يقوم بها القرآن أنه يُعرِّف صاحبه بالله ، فيعظم قدره عند فيتولد عن ذلك معاملة أخرى لربه غير التي اعتادها في السابق، مما يزيده إخلاصا له، وصدقا في التوجه إليه، وربطا لأحداث الحياة به سبحانه.
١٠ - والقرآن كذلك يعرفنا بحجم أنفسنا، وقيمتها، وخطورتها، فتصغر في أعيننا وتتحطم أصنامنا ليجد العمل الصالح بعد ذلك طريقه إلى الله يزينه الصدق والإخلاص.
стр. 55
فهذه وغيرها صور التغيير الذي يُحدثه القرآن في الشخص الذي يدخل إلى ماكيناته ويُسلم له قياده ليخرج بعد ذلك من مصنعه شخصا آخر قد ارتدى رداء العبودية لله، وبدأ في ممارسة الوظيفة التي نزل على الأرض من اجل القيام بها، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير/٢٧، ٢٨].
كيف ننتفع بالقرآن ؟
رأينا فيما سبق قدرة القرآن على إحداث التغيير الجذري للفرد - أي فرد - ليصبح من خلاله عبدا مخلصا لله ، مستقيما على أمره مبتغيا دوما رضاه.
إذن فالقرآن الذي بين أيدينا هو الوسيلة التي من خلالها سنكون - بمشيئة الله - كما يحب ربنا ويرضى، فيتحقق تبعا لذلك وعده الذي وعد به عباده الصالحين بالنصر والتمكين: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء/١٠٥].
والأمر اللافت للانتباه أن الرسول ﷺ حين أخبر عما سيحدث من فتن، دلنا كذلك على الطريقة المثلى للخروج منها .. ألا وهي التمسك بالقرآن، فعندما سأله حذيفة بن اليمان ﵁: أبعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟! قال ﷺ : " يا حذيفة؛ عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه " حتى قال ذلك ثلاث مرات، قلت: نعم (١).
وعندما سمع علي بن أبي طالب ﵁ رسول الله ﷺ يقول: " ستكون فتن "، فقال: وما المخرج منها؟ قال ﷺ : " كتاب الله ... " الحديث (٢).
стр. 56
مشروع النهضة:
إذا كان القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لا يمكن أن يختلف عليه اثنان ..
وإذا كان القرآن هو المعجزة التي يمكنها أن تُغير من يُحسن التعامل معها، وتضعه في قالب العبودية لله .
وإن كان القرآن هو المخرج من الفتن التي تعصف بنا ..
فلابد - إذن - أن نعود جميعا إلى القرآن، فالعودة إليه تُمثل طوق النجاة، ومشروع النهضة للأمة جمعاء، ولم لا وقد جعله الله ميسرا للذكر فيسع بذلك جميع أفراد أمتنا الإسلامية برجالها ونسائها .. بشبابها وشيوخها .. بعربها وعجمها (١).
وسائل مقترحة:
نعم، الدخول إلى عالم القرآن ودائرة تأثيره يحتاج منا إلى جهد ومثابرة، وبخاصة في البداية حتى نستطيع تجاوز الطريقة التي اعتدنا عليها في تعاملنا مع هذا الكتاب والتي تهتم باللفظ أكثر من المعنى.
وأكبر عامل يساعدنا على تجاوز طريقتنا الشكلية مع القرآن، ويدخلنا إلى دائرة تأثيره، ويذيقنا حلاوة الإيمان الناتج عنه: الاستعانة الصادقة بالله ، والإلحاح عليه بالدعاء .. دعاء كدعاء المضطر المشرف على الغرق .. ندعوه أن ينفعنا بمعجزة القرآن، وينور قلوبنا بنور آياته، ويحييها بمعرفته ..
стр. 57
ولنعلم جميعا بأن الإمداد بحسب الاستعداد، وعلى قدر الإناء الفارغ الذي نقدمه يكون قدر الامتلاء، فلا نبخل على أنفسنا بالمدد الإلهي غير المحدود، والذي ينتظر سؤال السائلين: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة/١٨٦].
ومع الاستمرار في الدعاء والإلحاح على الله فإن هناك بعض الوسائل المعينة على العودة الهادئة والمتدرجة إلى القرآن، علينا أن نجتهد في الأخذ بها جميعا، وهي:
١ - الانشغال بالقرآن والتجرد له.
٢ - التهيئة الذهنية والقلبية.
٣ - القراءة الهادئة.
٤ - التركيز مع القراءة وعدم السرحان.
٥ - التجاوب مع القراءة.
٦ - أن نجعل المعنى هو المقصود.
٧ - ترديد الآية التي تؤثر في القلب.
٨ - دراسة الآيات والعمل بمقتضاها.
أولا: الانشغال بالقرآن والتجرد له .
إن كان القرآن هو الحبل الذي أنزله الله من السماء إلى الأرض لينتشلنا مما نحن فيه.
وإن كان القرآن هو الحل لتغيير الوضع الأليم الذي نحياه.
وإذا كان القرآن هو الذي سيعيد لنا فلسطين والعراق وكشمير وتركستان والفلبين .. وكل أراضي المسلمين المغتصبة.
فبأي حال سيكون تعاملنا معه؟
كم من الوقت سنعطيه، وكم من الاهتمام سنوليه؟
ألا توافقني - أخي القارئ - أنه بعد وضوح الرؤية لمدى فاعلية المعجزة القرآنية وإمكانياتها في التغيير .. ألا توافقني أن من الضروري أن يكون القرآن هو شغلنا الشاغل ومحور اهتماماتنا، وأن نعطيه أفضل أوقاتنا وأكثرها؟
نعم، سيكون هذا على حساب الوقت المخصص لقراءة الصحف والمجلات أو مشاهدة الفضائيات ..
ولكن ألا تستحق النتائج المترتبة على الانشغال بهذا التفرغ؟
ألا تستحق السعادة التي سنجني ثمارها في نفوسنا وبيوتنا وأمتنا هذا الانشغال؟
стр. 58
وصية أبي الدرداء:
عن أبي قلابة أن رجلا من أهل الكوفة لقي أبا الدرداء فقال: إن إخوانا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام، ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة.
والخزائم جمع خزامة، وهي حلقة من الشعر توضع في وتر أنف البعير يشد بها الزمام.
والمراد، أي: اجعلوا القرآن يقودكم واستسلموا له.
وقال رجل لأُبي بن كعب ﵁: أوصني. قال: إتخذ كتاب الله إماما، وارض به قاضيا وحكما، فإنه الذي استخلفه رسولكم، شفيع مطاع، وشاهد لا يُتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم.
وخلاصة القول: أن الانشغال بالقرآن هو نقطة البداية لحسن الدخول إلى مصنعه، لذلك فلا يصح أن يمر يوم دون لقاء ومعايشة مع هذا الكتاب.
فإن قلت: وكم من الوقت سأعطيه للقرآن؟
كلما أعطينا للقرآن وقتا أطول كان نضج الثمرة أقرب، والتغيير أسرع.
دفع شبهة:
ليس معنى الانشغال بالقرآن ترك القراءة والاطلاع في الكتب الأخرى من فروع الثقافة الإسلامية، ولكن القصد ألا تكون قبل القراءة، بل خادمة له، تدور في فلكه، وتُعد بمثابة المراجع لموضوعاته، تشرح علومه، وتفتح الآفاق لفهمه أكثر وأكثر، ويأتي على رأس تلك العلوم: السنة النبوية والتي تلي القرآن في الأهمية .. فهي شارحة له مبينة لكثير مما أُجمل منه.
بهذا المفهوم لن يكون هناك تعارض بين القرآن وبين كتابات العلماء، مع الوضع في الاعتبار أن جُلّ وقتنا ينبغي أن يكون للقرآن لنسمح له ونمكنه من إجراء التغيير المنشود داخلنا.
стр. 59
ولقد كان الصحابة شديدي الحرص على تبليغ هذه الوصية لمن بعدهم، فعندما جاء اثنان من التابعين لعبد الله بن مسعود ﵁ بصحيفة فيها كلام حسن ويريدان منه الإطلاع عليه، فما كان منه إلا أن نادى على الخادم ليُحضر الطست، ثم سكب عليها الماء وجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف/٣]، فقالوا له: أنظر فيها، فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها ويقول: عن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.
وهذا هو المطلوب: أن لا نشغل القلوب بشيء غير القرآن وبخاصة في البداية.
:
ومع الانشغال ا ثانيا: التهيئة الذهنية والقلبية ليومي بالقرآن ينبغي أن نهيئ الجو المناسب لاستقباله ولقائه، فلا يصح أن نلتقي به في مكان تملؤه الشواغل والضوضاء مما يشوش على الذهن ولا يجمع القلب مع القراءة ...
فإن قلت: ولكني أستطيع - بفضل الله - التركيز مع القراءة في أي مكان مثل وسائل المواصلات.
نعم يمكنك ذلك، ولكن ماذا تفعل إذا حدث لك تجاوب وتأثر بالقراءة، هل ستبكي أمام الناس .. هل سترفع يديك بالدعاء في حضورهم؟!!
إننا نريد من القرآن التغيير، وهذا يتطلب مكانا هادئا بعيدا عن الأعين والأصوات .. فلنخصص إذن مكانا مناسبا في بيوتنا لهذا الغرض، فإن لم نستطع ففي ركن بعيد من أركان المسجد، فإن لم نستطع فلن نُعدم مكانا هادئا إذا ما أردنا ذلك، قال ﷺ : " ومن يتحر الخير يُعطه ".
ومع المكان الهادئ علينا أن يكون لقاؤنا مع القرآن في أفضل أوقاتنا، حيث قوة التركيز والنشاط. ولا ننسى الوضوء والسواك فإنهما من وسائل التهيئة كذلك.
هذا من ناحية التهيئة الذهنية والنفسية، أما من ناحية التهيئة القلبية، فكلما كانت المشاعر في حالة من الاستثارة والخشية، كان تأثر القلب بالقرآن أقوى كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى/١٠].
стр. 60
وفي قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ ما يؤكد هذا المعنى، فعندما ضرب أخته فاطمة وسال الدم على وجهها، رق قلبه واستُثيرت مشاعره، فلما استمع إلى القرآن وهو بهذه الحالة الشعورية انجذب القلب له ودخل نوره إليه بإذن الله.
وهذا ما نريده، أن نستثمر أوقات التأثر التي نمر بها في يومنا، فنهرع حال وجودها إلى القرآن فنقرؤه، ونعيش معه بعقولنا ومشاعرنا، فيمتزج الفكر بالعاطفة، ويزداد القلب خشوعا وإيمانا.
في حالة عدم وجود مثل هذه الأوقات في اليوم، علينا أن نعمل على استثارة مشاعرنا قبل التلاوة، بالتفكير في الموت وسكراته وأحداث يوم القيامة، أو بالقراءة في كتاب من كتب الرقائق، أو الاستماع إلى موعظة ترقق القلب وتؤهله لاستقبال القرآن.
وهناك الكثير من الآيات التي تؤكد على أن الانتفاع الحقيقي بالقرآن يستلزم وجود قلب خائف يستقبله، قال تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه/١ - ٣].
نعم، هذه الوسيلة ستحتاج منا إلى مجهود، وبخاصة في البداية، ولكن بمرور الوقت وبدء عملية التغيير، ومع الزيادة المستمرة للإيمان في القلب والتي سيحدثها القرآن بمشية الله ستصبح المشاعر مؤهلة للاستثارة والتجاوب والانفعال بمجرد التلاوة وحدها دون الحاجة للتأهيل قبلها.
ثالثا: سلامة النطق والقراءة الهادئة:
فمع الانشغال بالقرآن والمداومة على القراءة اليومية له، وتهيئة الجو المناسب للقائه يأتي الحديث عن الكيفية التي سنقرؤه بها في هذا الوقت الذي خصصناه له.
هذه الكيفية يسهل علينا تصورها إذا وضح أمامنا الهدف الذي نسعى إليه من لقائنا بالقرآن.
стр. 61
فإذا كنا نريد التغيير فلابد من فهم القرآن بالعقل مع التأثر بالقلب، وهذا يستدعي منا سلامة النطق .. فتلاوة القرآن حق تلاوته - كما يقول أبو حامد الغزالي - هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار .. فاللسان يرتل والعقل يُترجم، والقلب يتعظ.
فعلينا تعلم النطق الصحيح لآيات القرآن، من خلال حلقات التعليم المنتشرة في المساجد وغيرها.
ومع سلامة النطق يأتي الترتيل والقراءة الهادئة كوسيلة مهمة من وسائل حُسن الفهم، فالقرآن كتاب موجز تحمل الآية الواحدة فيه معاني كثيرة، وكما يقول العلامة محمد عبد الله دراز ﵀ بأنك لو وضعت أصابع يدك على أي موضع في القرآن ثم نظرت إلى الكلمات التي وقعت عليها أصابعك، وحاولت أن تكتب بأسلوبك ما يعبر عن معانيها لكتبت الكثير والكثير.
من هنا كان من الضروري أن نقرأ الآيات قراءة هادئة بطيئة ليتم من خلالها فهم ما تدل عليه، ولقد كان هذا هو هدي رسولنا ﷺ في قراءته للقرآن .. تقول السيدة حفصة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.
ومما يلحق بهذا الجانب: عدم تحديد ورد من القرآن - كجزء مثلا - نُلزم به أنفسنا، فمثل هذا التحديد يدفع صاحبه لسرعة القراءة ومن ثَمََّ عدم الانتفاع بالقرآن.
وليكن التخصيص في الوقت لا في الكم، بمعنى أن يكون ورد القراءة لمدة ساعة يوميا على سبيل المثال.
ولقد سئل الإمام مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قراءتهما واحدة، وركوعهما وسجودهما وجلوسهما، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء/١٠٦].
стр. 62
رابعا: التركيز في القراءة وعدم السرحان:
عندما يقرأ الإنسان كلاما ما في كتاب أو جريدة أو قُصاصة من الورق فإنه يُعمل عقله فيما يقرأه ليفهم المراد من الكلام، وهذا أمر بديهي عند الجميع، فالكل يعلم أنه لا جدوى لقراءة شيء باللسان والعين مع شرود العقل.
ومما يدعو للأسف أننا نطبق هذه القاعدة على جميع ما نقرؤه إلا مع القرآن، فبسبب ما ورثناه من أشكال التعامل الخاطئ مع هذا الكتاب أصبح هَمّ الواحد منا قراءة أكبر قدر من الآيات بغض النظر عن فهم ما يقرؤه أو عدم فهمه، المهم هو الأجر المترتب على القراءة، وكلما قرأنا أكثر فرحنا بما حققناه، فيكون ذلك دافعا لمزيد من القراءة بالحناجر فقط.
والعجيب أننا جميعا إلا من رحم الله قد استُدرجنا لهذا التعامل الشاذ مع القرآن والذي حرمنا من الانتفاع الحقيقي بمعجزته، ولو تجردنا من أسر القيود والأغلال التي ورثناها من الأجيال السابقة، وسأل كل منا نفسه لماذا أنزل الله القرآن؟! .. هل انزله فقط ليكون بابا للأجر والثواب؟
لو كان الأمر كذلك لبحثنا عن أعمال أخرى تعود لنا بثواب أكبر من قراءة القرآن، وكتب فضائل الأعمال تدلنا على ذلك.
لماذا يُقرأ القرآن بدون فهم ؟
هل يُعقل أن يُقرأ كتاب كامل بدون فهم؟
كيف استدرجنا الشيطان حتى جعلنا نقبل هذا التعامل الغريب مع أهم كتاب يوجد على ظهر الأرض؟!
كيف وقعنا في هذا الفخ والقرآن الذي نقرؤه يقول لنا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص/٢٩].
ويقول لنا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [محمد/٢٤].
إذن فبداية الدخول إلى عالم القرآن ودائرة تأثيره تنطلق من ضرورة فهم ما نقرأ من آيات، وهذا بلا شك يستدعي منا التركيز عند القراءة وعدم السرحان: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف/٢٠٤].
стр. 63
ولأن الهدى والسعادة والتغيير وسائر الثمار المترتبة على الدخول لعالم القرآن تستلزم هذه النقطة فإن الشيطان سيعمل جاهدا على صرف الذهن إلى أمور أخرى ليُبعدنا عن فهم القرآن، فعلينا ألا يتسرب إلينا الشعور باليأس أو الإحباط لدينا كلما شرد الذهن في أمور الدنيا بل نثابر ونثابر ونستعين بالله، ونستعيذ به من الشيطان حتى نتعود على التركيز مع القراءة .. أما الآيات التي شرد الذهن فيها فعلينا إعادتها مرة أخرى كما نفعل عند القراءة في أي كتاب آخر.
خامسا: التجاوب مع القراءة:
مما يعين على التركيز مع القراءة: التعامل مع الآيات على حقيقتها في كونها خطابا مباشرا من الله للبشر: لي ولك ولغيرنا.
هذا الخطاب يتضمن أسئلة: علينا أن نُجيب عنها. كقوله تعالى: ﴿أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل/٦١]، فنقول: لا إله إلا الله.
ويتضمن مطالب مثل الاستغفار والتسبيح والسجود، فعلينا حينئذ تنفيذها. كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة/١٩٩]، فنستغفر.
وفيه أدعية: علينا أن نؤمِّن عليها. كما نفعل مع الدعاء الذي في نهاية سورة الفاتحة .. وفيه وفيه ..
قال حذيفة بن اليمان ﵁: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوَّذ، ثم ركع.
سادسا: أن نجعل المعنى الإجمالي هو المقصود:
ونحن نطبق الوسائل السابقة عند تلاوتنا للقرآن قد نجد أمامنا كلمات غريبة لا نعرف معناها .. فهل نتوقف عن القراءة ونبحث عن معناها في التفاسير؟!
стр. 64
مما لا شك فيه أن معرفة المعنى ستزيد الفهم، وتفتح آفاقا جديدة للعقل في تعامله مع الآيات، ولكن في نفس الوقت لو تم ذلك مع كل كلمة غريبة تقابلنا فسينقطع اتصالنا بالقرآن ومن ثَمّ يضعف تأثرنا به، ويتحول انتفاعنا إلى انتفاع عقلي فقط، وهذا جزء يسير من التغيير الذي نريده. فالتغيير الأهم هو ما يُحدثه القرآن في القلب من زيادة إيمان وتوليد الطاقة الدافعة للقيام بأعمال البر بسهولة ويسر، وهذا يستدعي منا الاسترسال مع القراءة، والسماح للآيات أن تنساب داخلنا، ويتصاعد تأثيرها على المشاعر شيئا فشيئا حتى تثيرها وتؤججها فيؤدي ذلك إلى زيادة الإيمان، ودخول النور إلى القلب.
فإن قلت: فماذا نفعل إذن لكي يتم فهم الآيات وما تتضمنه من كلمات لا نعرف معناها، وفي نفس الوقت الاسترسال معها؟!
الحل هو أن نقرأ الآيات ونفهم منها المعنى الإجمالي الذي تدل عليه، ولا نقف عند كل كلمة، فإننا لا نبحث عن معاني تلك الكلمات بل نأخذ المعنى الإجمالي من السياق. ولقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى هذه الطريقة بقوله: " إن القرآن لم ينزل يُكذِّب بعضه بعضا، بل يُصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالِمه ".
فلو قرأنا عشر آيات مثلا وفهمنا ما يدل عليه نصفها، فهذا يكفينا، وبمرور الوقت ستزداد مساحة ما نعرفه لأن القرآن كما نعلم يُفسر بعضه بعضا.
يقول ابن مسعود ﵁: عن للقرآن منار كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه عليكم - أو قال: شُبّه عليكم - فكلوه إلى عالمه.
стр. 65
متى نرجع للتفسير ؟
أما التفسير فله أهمية كبرى وسنكون دائما في حاجة للرجوع إليه، ولكن لنجعل له وقتا آخر غير الوقت الذي المخصص لتلاوة القرآن، وذلك لتصحيح فهم خاطئ أو معرفة حكم من الأحكام الشرعية، فبديهي أن تدبر القرآن ليس معناه استنباط أحكام منه فهذه وظيفة العلماء. وتاريخ الأمة يشهد بانحراف البعض ممن استنبطوا أحكاما شرعية من القرآن مباشرة دون أن يكونوا مؤهلين لذلك.
سابعا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب:
الوسائل السابقة من شأنها أن تُهيئ العقل لحسن التدبر وفهم المراد من الآيات، ولكن ليس هذا فقط هو المطلوب من القرآن، فنحن نريد التغيير المتكامل في العقل والقلب والنفس، وهذا يستدعي - بجوار الفهم - التأثر والانفعال بالآيات والتجاوب معها.
فإن قلت التأثر والانفعال ليس بيدي، فقد أستطيع أن أُلزم نفسي الوسائل السابقة من انشغال بالقرآن والجلوس في مكان هادئ لتلاوته، وعدم السرحان، والتجاوب مع القراءة وفهم المراد من الآيات، أما أن أجعل قلبي يتجاوب وينفعل مع القرآن فهذا أمر لا أقدر عليه.
نعم، كلنا كذلك، وبخاصة أن قلوبنا قد أحاطتها حُجُب الغفلات، ولكن بالمداومة على الوسائل السابقة والمثابرة عليها وبخاصة التهيئة القلبية، ستأتي بلا شك لحظة أو لحظات تجد فيها آية من الآيات التي نقرؤها منفذا وطريقا يدخل منه نورها إلى القلب، فيؤثر في مشاعره ليحدث التجاوب والانفعال ومن ثم زيادة الإيمان.
قد يتم هذا الأمر بعد مرور عدة أيام من بداية عودتنا إلى القرآن ومع آية واحدة فقط في كل ما نقرأ، فماذا نفعل عند حدوث ذلك؟
علينا أن نستثمر الفرصة التي جاءتنا أحسن استثمار، فهذه اللحظات من أهم لحظات حياتنا .. مواسمنا وأعيادنا، ولم لا وأوقات حياة القلب هي أوقت الحياة الحقيقية، وبها يُقاس عمر الإنسان الفعلي.
стр. 66
فإن كان الأمر كذلك فلنعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى القلب، من خلال ترديد تلك الآية مرات ومرات طالما وُجد التجاوب، ولقد كان هذا هو هدي رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
لو علم الناس!!
يقول ابن القيم: فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لانشغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة .. فقراءة آية بتفكر وتفهُّم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف: يُردد احدهم الآية حتى الصباح.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قام بآية يرددها حتى الصباح، وهو قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/١١٨].
فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب، ولهذا قال ابن مسعود: لا تهُذُّا القرآن هذَّ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
إذن فهذه الوسيلة - ترديد الآية التي تؤثر في القلب - لَمِن أهم وسائل التغيير القرآني فبالإضافة إلى فائدتها العظمى في زيادة الإيمان وطرد الهوى من القلب، فإن لها كذلك فائدة أخرى تتحقق من خلال تكرارها حيث إن هذا التكرار يؤدي إلى ترسيخ معناها في العقل الباطن مما يُساعد في بناء اليقين الصحيح.
فإذا ما واظبنا على ذلك فستزداد بمرور الوقت عدد الآيات التي تؤثر في القلب مع كل تلاوة أو سماع للقرآن، فيزداد بذلك الإيمان أكثر وأكثر، ويتنور لقلب حتى تدب الحياة في جميع جنباته ليصبح قلبا حيا سليما خاشعا لربه خاضعا له.
стр. 67
ومما يساعد على زيادة الخشوع في القلب واستسلامه لله: حُسن التعبير عن المعاني التي تتولد داخلنا عند تأثرنا بالآيات، وذلك من خلال البكاء والدعاء ومناجاة الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعً﴾ [الإسراء/١٠٧ - ١٠٩].
من هنا كان من المناسب أن نخصص قدرا من قراءتنا في صلاة الليل، فنعيش مع الآيات في القيام، ونعبر عن معانيها في السجود: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل/٦].
ثامنا: تعلم الآيات والعمل بها:
لكي يقوم القرآن بدوره الأساسي معنا في التذكرة والتوجيه، والاستقامة على الصراط المستقيم، والقرب الدائم من الله ، لابد لنا من أن نسلم له قيادنا، وأن نُحسن الاستماع إلى توجيهاته، والعمل به قدر المستطاع.
والوسائل السبع السابقة من شأنها أن تدخلنا إلى دائرة تأثير القرآن - بفضل الله - وتهيئنا لحُسن استقبال توجيهاته، والعمل بمقتضاها، ولكن القارئ لن يستطيع من خلالها أن يتوقف عند كل آية يقرؤها ليعرف من خلالها المطلوب عمله منها وإلا ما تجاوزت قراءته بضع آيات في اليوم الواحد.
نعم يكفيه التغيير الذي تُحدثه الآيات التي يتلوها في تصوراته، والإيمان الذي يزيد في قلبه، والطاقة التي تتولد داخله وتدفعه للقيام بأعمال البر المختلفة.
ومع هذا كله كانت الوسيلة الثامنة التي إن استخدمناها حَسُن انتفاعنا بالقرآن، ألا وهي تعلم الآيات وحفظها والعمل بها، وذلك بالتوازي مع الوسائل السابقة.
стр. 68
فكما أننا نُخصص وقتا يوميا لتلاوة القرآن، علينا كذلك أن نخصص وقتا آخر بين الحين والحين، ولو مرة كل أسبوع، نتعلم فيه بضع آيات من القرآن ثم نجتهد في حفظها، والعمل بما دلت عليه من خُلق وسلوك، أو ما اشتملت عليه من أوامر ونواه، ولا ننتقل إلى غيرها إلا بعد التأكد من ممارسة العمل بما في تلك الآيات .. وهذا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم.
يقول أبو عبد الرحمن السلمي: إنما أخذنا القرآن من قوم اخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيهن من العمل.
قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز هذا .. وأشار إلى حنكه.
وتكمن أهمية هذا الأثر في أن صاحبه وهو ليس من الجيل الأول بل هو من التابعين ينقل لنا الطريقة التي كانت سائدة بين الصحابة في حفظهم لآيات القرآن، وبعد أن اكتمل نزوله .. فهذا عمر بن الخطاب ظل يتعلم ويحفظ في سورة البقرة اثنتي عشرة سنة، فلما أتمها نحر جزورا، وهذا ابنه عبد الله يتعلمها في ثماني سنين.
المربي
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى/٥٢].
فمع الأهمية القصوى للقرآن كمشروع للنهضة، ومصنع للتغيير، يأتي دور المربي الذي يُشرف على عملية التغيير مكملا لدور القرآن العظيم.
стр. 69
نعم، القرآن هو المصدر الأساسي للتغيير، وبدونه لن يكون هناك نتاج حقيقي للجيل المنشود .. جيل الربانيين الذين يشترون رضا الله بكل ما سواه، ولكن نظرا لاختلاف الأشخاص الذين سيتعاملون مع القرآن من حيث البيئة والثقافة والسن والتجارب و ... فإنه من المتوقع أن يكون نتاج التغيير القرآني مختلفا بعض الشيء من شخص لآخر .. هذا الاختلاف قد يكون محدودا، وفي الإطار العام للشخصية الإسلامية المتوازنة، وقد يكون فيه بعض التجاوز لهذا الإطار مما قد يُحدث انحرافا - ولو محدودا - يُضعف من قيمة الثمرة المنتظرة .. وهنا يأتي دور المربي الذي يُشرف على عملية التغيير، ويتابع نتائجها ويضبطها ويُقوِّم ما يحتاج منها إلى تقويم.
هذه المهمة العظيمة هي مهمة الرسل وأتباعهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة/٢].
طبيعة دور المربي:
أهم دور يضطلع به المربي هو الإشراف على عملية التغيير، ومتابعته ليكون النتاج صالحا فلا يحدث تضخم في جانب وضمور في جانب آخر.
لذلك فمن طبيعة وظيفته:
стр. 70
أولا: تربية من معه على التوازن والاعتدال:
فقوة الإيمان المتولدة من القرآن قد تدفع صاحبها لطلب القيام بأعمال كثيرة تتنافى مع الطبيعة البشرية وما فيها من ضعف، وما لديها من احتياجات، ومن هنا تأتي وظيفة المربي الذي يصحح المفاهيم، ويوجه من معه للوسطية والاعتدال، مثلما فعل ﷺ مع الثلاثة الذين ذهبوا لبيوت أزواجه ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها (أي: عدوها قليلة)، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
فالمربي يعمل دائما على توجيه من معه على الوسطية والاعتدال وإعطاء كل ذي حق حقه.
تأمل معي توجيهه ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: " يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل .. فلا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، وتفهت نفسك، فصُم وافطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن بحسبك إن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله ".
ثانيا: ضبط الفهم الصحيح عند الأفراد لمراتب الأحكام وفقه الأولويات مع النظرة الشاملة للإسلام:
تأمل معي قوله ﷺ وهو يوصي معاذ بن جبل ﵁ لما أرسله داعيا على اليمن: " إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ".
стр. 71
فقه الأولويات والموازنات من أهم الأمور التي ينبغي أن يُعلمها المُربي لمن معه .. فكثيرا ما سيجد الفرد نفسه أما مصلحتين متعارضتين إن قام بواحدة فاتت الأخرى، فماذا يُقدم وماذا يؤخر؟! .. هنا يأتي دور المربي الذي يُحسن توجيه من معه للتعامل الصحيح في مثل هذه المواقف، فعلى سبيل المثال: عند التعارض بين السعي في خدمة الناس مع عبادة مثل الاعتكاف .. أيهما نُقدم؟
يقول ﷺ : " ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا ".
فما يتعدى نفعه للناس يُقدم على ما كان نفعه مقصورا على الفرد.
عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، بشعب فيه عيينة من ماء عذبة، فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فَواقَ ناقة وجبت له الجنة ".
ثالثا: حُسن توجيه الطاقات المتولدة لدى الأفراد نتيجة تعاملهم مع القرآن ومنابع الإيمان ، وذلك بفتح مجالات العمل أمامهم، وتنظيم حركتهم بين الناس:
ولقد كان المربي العظيم ﷺ يفعل ذلك مع أصحابه، فيدلهم على أبواب الخير ويستحثهم على ولوجها، ومن ذلك قوله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكوم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (١).
فالمربي الناجح هو الذي يستوعب طاقات من معه، ويفتح لهم المجالات التي تناسب إمكاناتهم.
стр. 72
رابعًا: شحذ همم الأفراد:
لشحذ الهمم دور كبير في المسارعة لفعل الخيرات، لذلك كان على المربي أن يُذّكر من معه دوما بالوظيفة التي خُلقنا لها، وبالهدف الذي نسعى لتحقيقه، وبالجزاء الذي ينتظرنا، فكل ذلك من شأنه أن يستثير الهمم ويُقوي العزائم، ويدفع الجميع للتسابق لفعل الخير، كما كان يفعل ﷺ ، فعن أسامة بن زيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في حلة عالية بهية " قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: قولوا: " إن شاء الله " قال القوم: إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد في سبيل الله.
خامسًا: المحافظة على الأفراد:
وإبعادهم عما لا يستطيعون مواجهته أو تحمله، كما كان يفعل ﷺ مع أصحابه، فهذا أبو ذر يطلب منه الإمارة فقال: " يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أُحب لم ما أُحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تولَّين مال يتيم" (١).
فالمربي لا يُعرض من معه لفتنة لا يستطيعون تحملها ..
سادسًا: التذكير الدائم بحقيقة الدنيا:
ومن وظائف المربي التأكيد على الحقائق التي يؤكدها القرآن، ومن ذلك حقيقة الدنيا ومدى هوانها على الله، وأن قيمتها الحقيقة في كونها مزرعة للآخرة، ومن ثَمّ فلا مجال للتنافس على زينتها ..
стр. 73
ولا يكتفي المربي بالتذكير بحقيقة الدنيا، بل ويعمل على ربط حديثه بالواقع ليستقر المعنى في الذهن واليقين .. وهذا ما كان يفعله ﷺ مع صحابته فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ بالسوق والناس كنفتيه - أي عن جانبيه - فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: " أيكم يُحب أن يكون له هذا بدرهم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا أنه أسك. فكيف وهو ميت! فقال: " فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " (١).
التربية الميدانية:
مما لا شك فيه أن طبيعة دور المربي تستدعي منه تواجدا مستمرا مع الأفراد ليتسنى له متابعتهم، وحسن توجيههم كما قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف/٢٨].
فمباشرة مهام التوجيه، وضبط الفهم، وفتح مجالات العمل، والحفاظ على الأفراد و ... كل ذلك يستدعي من المربي تطبيق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف/٢٨].
ولقد كان ﷺ يتعاهد أصحابه ويتفقدهم، ويسأل عن غائبهم، ويسعى في قضاء حوائجهم، وحل مشكلاتهم.
عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر .. كان يرفع صوته فوق صوت النبي فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : " اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة ".
стр. 74
وعندما أُتي لرسول الله ﷺ بمثل بيضة من الدجاج من ذهب من بعض المغازي، فقال ﷺ : " ما فعل الفارس المكاتب؟ " قال: فدعيت له، فقال: " خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان ".
مفهوم المتابعة:
إن كان من مهام المربي حسن توجيه الأفراد، وتعهدهم، ومتابعتهم فيما يتعلق بأحوالهم وجوانب حياتهم المختلفة، فإن هذا ليس معناه المتابعة الدقيقة واللصيقة لكل منهم، والتأكد من تنفيذ توجيهاته بدقة، فهذه الطريقة في المتابعة لها العديد من السلبيات، فإنها وإن كانت ستضمن تنفيذ التوجيهات إلا أنها قد تتسبب في تحويل وجهة الأفراد ليصبح رضا المربي هو الغاية مع رضا الله .
ومن سلبياتها كذلك أنها ستجعل الأفراد يتعودون على من يتابعهم بهذه الطريقة فإذا ما فتر المربي عن متابعتهم فتروا عن العمل.
الإيمان هو الضامن:
فإن قلت: إن كانت المتابعة الدقيقة للأفراد لها هذه السلبيات، فما الضامن إذن الذي يضمن للمربي حسن تنفيذ الأفراد للتوجيهات المختلفة؟
إنه الإيمان القوي الذي سيتولد بمشيئة الله من عملية التغيير القرآني، فالإيمان هو أكبر ضامن يضمن تنفيذ الخطط والتوجيهات مع عدم إغفال دور المتابعة العامة التي تتعرف على الواقع فتبني عليه توجيهات المستقبل.
والناظر إلى سيرة رسول الله ﷺ وطريقة تربيته لأصحابه يجد أنه كان يوجههم لأعمال الخير ثم يتركهم لإيمانهم، فيدفعهم هذا الإيمان للقيام بهذه الأعمال والاستمرار عليها، فعندما بلغ عبد الله بن عمر قوله ﷺ في شأنه: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل " قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك اليوم لا ينام من الليل إلا قليلا.
стр. 75
وعندما قال ﷺ لعلي وفاطمة ﵄: " ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم، إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين " قال علي: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ، فقيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين.
ففي هذه المواقف رأينا التوجيه النبوي للأفراد، ورأينا تصميمهم على تنفيذه طيلة حياتهم دون أن تكون هناك متابعة لصيقة ومستمرة على ذلك.
بل إنه قد قيل له ﷺ بأن فلانا يقوم الليل فإذا أصبح سرق، فقال ﵊: " ستنهاه صلاته ".
من هان يتضح لنا أن أفضل ضامن يضمن تنفيذ التكاليف والتوجيهات هو الإيمان الذي ينبغي أن يملأ قلب الفرد، وهذا هو دور القرآن الذي يُعد بمثابة نبع متجدد للإيمان كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران/١٩٣].
قال محمد بن كعب القرظي: إن المنادي هو القرآن فليس كلهم رأى النبي ﷺ .
المتابعة بين الإفراط والتفريط:
ليس معنى القول بأن الإيمان هو الضامن لتنفيذ التوجيهات والتكاليف أن يترك المربي تعاهد من معه، فلا يتعرف على المستوى الذي وصلوا إليه، أو المشاكل والعقبات التي تواجههم فيختزل دوره في حيز التوجيه العام فقط .. ليس هذا هو المقصد مما قيل في الأسطر السابقة عن مفهوم المتابعة، بل المقصد أن تكون المتابعة وسيلة للوصول إلى أحسن النتائج مع ترك مساحة للأفراد يتحركون من خلالها في الإطار العام الذي يحدده لهم المربي.