← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37342

كيف نغير ما بأنفسنا

مجدي الهلالي

Полный текст (87 стр.). Показаны 71–87 · переход к 76.

стр. 71

فقه الأولويات والموازنات من أهم الأمور التي ينبغي أن يُعلمها المُربي لمن معه .. فكثيرا ما سيجد الفرد نفسه أما مصلحتين متعارضتين إن قام بواحدة فاتت الأخرى، فماذا يُقدم وماذا يؤخر؟! .. هنا يأتي دور المربي الذي يُحسن توجيه من معه للتعامل الصحيح في مثل هذه المواقف، فعلى سبيل المثال: عند التعارض بين السعي في خدمة الناس مع عبادة مثل الاعتكاف .. أيهما نُقدم؟ يقول ﷺ : " ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا ". فما يتعدى نفعه للناس يُقدم على ما كان نفعه مقصورا على الفرد. عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، بشعب فيه عيينة من ماء عذبة، فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فَواقَ ناقة وجبت له الجنة ". ثالثا: حُسن توجيه الطاقات المتولدة لدى الأفراد نتيجة تعاملهم مع القرآن ومنابع الإيمان ، وذلك بفتح مجالات العمل أمامهم، وتنظيم حركتهم بين الناس: ولقد كان المربي العظيم ﷺ يفعل ذلك مع أصحابه، فيدلهم على أبواب الخير ويستحثهم على ولوجها، ومن ذلك قوله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكوم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (١). فالمربي الناجح هو الذي يستوعب طاقات من معه، ويفتح لهم المجالات التي تناسب إمكاناتهم.

стр. 72

رابعًا: شحذ همم الأفراد: لشحذ الهمم دور كبير في المسارعة لفعل الخيرات، لذلك كان على المربي أن يُذّكر من معه دوما بالوظيفة التي خُلقنا لها، وبالهدف الذي نسعى لتحقيقه، وبالجزاء الذي ينتظرنا، فكل ذلك من شأنه أن يستثير الهمم ويُقوي العزائم، ويدفع الجميع للتسابق لفعل الخير، كما كان يفعل ﷺ ، فعن أسامة بن زيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في حلة عالية بهية " قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: قولوا: " إن شاء الله " قال القوم: إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد في سبيل الله. خامسًا: المحافظة على الأفراد: وإبعادهم عما لا يستطيعون مواجهته أو تحمله، كما كان يفعل ﷺ مع أصحابه، فهذا أبو ذر يطلب منه الإمارة فقال: " يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أُحب لم ما أُحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تولَّين مال يتيم" (١). فالمربي لا يُعرض من معه لفتنة لا يستطيعون تحملها .. سادسًا: التذكير الدائم بحقيقة الدنيا: ومن وظائف المربي التأكيد على الحقائق التي يؤكدها القرآن، ومن ذلك حقيقة الدنيا ومدى هوانها على الله، وأن قيمتها الحقيقة في كونها مزرعة للآخرة، ومن ثَمّ فلا مجال للتنافس على زينتها ..

стр. 73

ولا يكتفي المربي بالتذكير بحقيقة الدنيا، بل ويعمل على ربط حديثه بالواقع ليستقر المعنى في الذهن واليقين .. وهذا ما كان يفعله ﷺ مع صحابته فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ بالسوق والناس كنفتيه - أي عن جانبيه - فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: " أيكم يُحب أن يكون له هذا بدرهم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا أنه أسك. فكيف وهو ميت! فقال: " فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " (١). التربية الميدانية: مما لا شك فيه أن طبيعة دور المربي تستدعي منه تواجدا مستمرا مع الأفراد ليتسنى له متابعتهم، وحسن توجيههم كما قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف/٢٨]. فمباشرة مهام التوجيه، وضبط الفهم، وفتح مجالات العمل، والحفاظ على الأفراد و ... كل ذلك يستدعي من المربي تطبيق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف/٢٨]. ولقد كان ﷺ يتعاهد أصحابه ويتفقدهم، ويسأل عن غائبهم، ويسعى في قضاء حوائجهم، وحل مشكلاتهم. عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس ﵁ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر .. كان يرفع صوته فوق صوت النبي فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : " اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة ".

стр. 74

وعندما أُتي لرسول الله ﷺ بمثل بيضة من الدجاج من ذهب من بعض المغازي، فقال ﷺ : " ما فعل الفارس المكاتب؟ " قال: فدعيت له، فقال: " خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان ". مفهوم المتابعة: إن كان من مهام المربي حسن توجيه الأفراد، وتعهدهم، ومتابعتهم فيما يتعلق بأحوالهم وجوانب حياتهم المختلفة، فإن هذا ليس معناه المتابعة الدقيقة واللصيقة لكل منهم، والتأكد من تنفيذ توجيهاته بدقة، فهذه الطريقة في المتابعة لها العديد من السلبيات، فإنها وإن كانت ستضمن تنفيذ التوجيهات إلا أنها قد تتسبب في تحويل وجهة الأفراد ليصبح رضا المربي هو الغاية مع رضا الله . ومن سلبياتها كذلك أنها ستجعل الأفراد يتعودون على من يتابعهم بهذه الطريقة فإذا ما فتر المربي عن متابعتهم فتروا عن العمل. الإيمان هو الضامن: فإن قلت: إن كانت المتابعة الدقيقة للأفراد لها هذه السلبيات، فما الضامن إذن الذي يضمن للمربي حسن تنفيذ الأفراد للتوجيهات المختلفة؟ إنه الإيمان القوي الذي سيتولد بمشيئة الله من عملية التغيير القرآني، فالإيمان هو أكبر ضامن يضمن تنفيذ الخطط والتوجيهات مع عدم إغفال دور المتابعة العامة التي تتعرف على الواقع فتبني عليه توجيهات المستقبل. والناظر إلى سيرة رسول الله ﷺ وطريقة تربيته لأصحابه يجد أنه كان يوجههم لأعمال الخير ثم يتركهم لإيمانهم، فيدفعهم هذا الإيمان للقيام بهذه الأعمال والاستمرار عليها، فعندما بلغ عبد الله بن عمر قوله ﷺ في شأنه: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل " قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك اليوم لا ينام من الليل إلا قليلا.

стр. 75

وعندما قال ﷺ لعلي وفاطمة ﵄: " ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم، إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين " قال علي: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ، فقيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين. ففي هذه المواقف رأينا التوجيه النبوي للأفراد، ورأينا تصميمهم على تنفيذه طيلة حياتهم دون أن تكون هناك متابعة لصيقة ومستمرة على ذلك. بل إنه قد قيل له ﷺ بأن فلانا يقوم الليل فإذا أصبح سرق، فقال ﵊: " ستنهاه صلاته ". من هان يتضح لنا أن أفضل ضامن يضمن تنفيذ التكاليف والتوجيهات هو الإيمان الذي ينبغي أن يملأ قلب الفرد، وهذا هو دور القرآن الذي يُعد بمثابة نبع متجدد للإيمان كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران/١٩٣]. قال محمد بن كعب القرظي: إن المنادي هو القرآن فليس كلهم رأى النبي ﷺ . المتابعة بين الإفراط والتفريط: ليس معنى القول بأن الإيمان هو الضامن لتنفيذ التوجيهات والتكاليف أن يترك المربي تعاهد من معه، فلا يتعرف على المستوى الذي وصلوا إليه، أو المشاكل والعقبات التي تواجههم فيختزل دوره في حيز التوجيه العام فقط .. ليس هذا هو المقصد مما قيل في الأسطر السابقة عن مفهوم المتابعة، بل المقصد أن تكون المتابعة وسيلة للوصول إلى أحسن النتائج مع ترك مساحة للأفراد يتحركون من خلالها في الإطار العام الذي يحدده لهم المربي.

стр. 76

نعم، سيظهر من بعضهم تشدد، أو فتور، أو يقعون في أخطاء .. وهنا تبرز قيمة المتابعة في ضبط هذه الأمور، وتصحيح المسار، فينتج عن ذلك الوصول إلى الأهداف المرجوة من خلال الأفراد أنفسهم، لا من خلال سير المربي معهم خطوة بخطوة، ومثال ذلك: لو أن إدارة مدرسة من المدارس طلبت من المدرسين أن يوجهوا تلاميذهم لعمل بحث في موضوع ما .. فذهب أحد المدرسين إلى فصله وأخبر تلاميذه بالبحث المطلوب وبدأ في كتابة البحث مع كل واحد منهم .. يراجع معهم كل كلمة، ويضع لهم العناصر، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيه، وظل على ذلك حتى انتهوا جميعا من أبحاثهم في الموعد المحدد. ومدرس آخر ذهب إلى فصله وأخبر تلاميذه بالبحث المطلوب، بين لهم عناصر البحث، ودلهم على مراجعه، ثم تركهم، ليطالبهم عند نهاية المدة المحددة بالأبحاث التي كتبوها. ومدرس ثالث بعد أن أخبر تلاميذه بالبحث المطلوب، بين لهم عناصر البحث، والخطط المقترحة لتنفيذه، والمراجع التي تخدمه، ولم يكتفِ بذلك، بل كان كل فترة من الزمن يقرأ ما كتبوه بأنفسهم، فيرفع واقعهم، ويتعرف على من يسير في الطريق الصحيح، ومن توسع في بعض النقاط أكثر من اللازم، ومن انحرف بالكتابة في غير موضوع البحث، ومن تسرع في الكتابة دون سبر أغوار العناصر، و ... . فيقوم من خلال هذا الواقع بحسن توجيه كل فرد على حدة بما يتناسب مع واقعه ليصل الجميع إلى الهدف المنشود. أي النماذج أصح ؟ مما لا شك فيه أن تلاميذ المدرس الأول سينجحون في تقديم أبحاثهم في الوقت المحدد، وستكون أبحاثا قيمة، لكنهم كأفراد لم يكتسبوا مهارة جديدة، بل سيصبحون بحاجة إلى من يسير معهم خطوة بخطوة كلما هموا للقيام بعمل ما. وبالنسبة لتلاميذ المدرس الثاني فنتائجهم غير مضمونة واحتمالية وقوعهم في أخطاء كبيرة، فلقد تركهم مدرسهم يجتهدون بمفردهم دون أن يعمل على تقويم مسارهم.

стр. 77

أما تلاميذ المدرس الثالث فقد نجحوا في تقديم أبحاث قسمة مع اكتسابهم خبرة كيفية البحث بمفردهم والوصول إلى معلومة ووضعها في مكانها الصحيح .. كل ذلك حدث لأن مدرسهم تركهم يقومون بأداء العمل بمفردهم مع متابعتهم كل فترة وتقييمه لأعمالهم، وتوجيههم لكيفية تصويبها وتقويمها. وهذا هو المطلوب من المربي .. عليه أن يُحسن التوجيه وعرض المطلوب في البداية ثم يترك من معه ليقوموا بتنفيذ ما طُلب منهم، مع رفع واقعهم كل فترة وتقييمه وإرشادهم لكيفية تصويبه، وهكذا حتى يصلوا على أهدافهم، ويكونوا قد تعودوا الاعتماد على أنفسهم. فإن كان هدف المربي تعريف من معه بربهم، وربطهم به سبحانه من خلال القرآن، ومن خلال الكون المحيط، فعليه أولا أن يشرح لهم كيفية استخراج جوانب المعرفة من القرآن، بصفة عامة، ثم يأخذ جانبا من الجوانب كالتعرف على الله المنعم، فيبسط فيه القول، ويُعدد لهم بعضا من نعم الله، ويدلل على ذلك بالآيات المناسبة، ثم يطلب منهم استخراج النعم من سور من سور القرآن، ويتأكد من حُسن تطبيقهم للمعنى المطلوب، ثم يتركهم - عدة أيام - بعد أن يطلب منهم استخراج الآيات الدالة على النعم من وردهم القرآني، وكذلك النعم التي اجتباهم الله بها بصورة شخصية، وعندما يلتقي معهم بعد ذلك ينظر ما استخرجوه من القرآن، ومن تفكُرهم في الكون والنفس، فيصوب ما يحتاج إلى تصويب، وينبه على ما لم يُنتبه إليه، ويؤكد على المعنى مرة أخرى، مع شحذ هممهم وتفقد أحوالهم.

стр. 78

ويكرر ذلك معهم مرة ومرة حتى يتأكد من حُسن تعاملهم مع القرآن ونجاحهم في استخراج جوانب المعرفة منه، وكذلك حُسن تعاملهم مع أحداث الحياة .. فإذا انتقل بعد ذلك إلى جانب آخر من جوانب المعرفة كان تطبيقه أيسر من السابق، وعندما يترك هذا الموضوع وينتقل إلى موضوع آخر، يتركه وقد تأكد من إجادتهم للتعامل معه من خلال القرآن، ومن خلال الكون المحيط، واستطاعتهم استخراج جوانب المعرفة من الآيات وربطها بأحداث الحياة. ومع ذلك فعليه كل فترة من الزمن أن يتأكد من استمرار نهلهم من منبع القرآن وظهور آثار ذلك على أعمالهم. والملاحظ في سيرة رسول الله ﷺ أنه كان يوجه أصحابه إلى منابع الإيمان، ثم يتفقدهم ويتابعهم ويطمئن على مدى تعاملهم معها .. ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوما: " من أصبح منكم اليوم صائما؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: " فمن تبع منكم جنازة؟ "، قال أبو بكر: أنا، قال: " فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ "، قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن عاد منكم مريضا؟ "، قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : " ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ". انتبه!! ومع هذا الدور المهم للمربي إلا أنه يأتي مصاحبا لعملية التغيير الحقيقية التي يقوم بها القرآن، فلا بديل لدخول الأفراد إلى المصنع القرآني ليباشر المربي بعد ذلك عمله في تجويد وتحسين الثمار الناتجة عن عملية التغيير. من هنا يتضح لنا أن المربي الناجح هو الذي يدل الناس على الله ويدعوهم إلى الدخول لمأدبة القرآن، ويأخذ بأيديهم إليها، ويتركهم أمامها ليذوقوا حلاوتها بأنفسهم.

стр. 79

فالمربي إذن دلال يدل من حوله على منابع الإيمان وعلى ما تذوَّقه من القرآن، ففيوضات القرآن لا حدود لها، وتسع جميع الخلق. بل إن من علامة صدق المربي: انطلاق الأفراد في التعامل مع القرآن وتعرفهم على أشياء لم يعرفها ولم يسبق له هو معرفتها. أما المربي الذي يقف في منتصف الطريق بين من معه من ناحية، وبين القرآن ومنابع الإيمان من ناحية أخرى - بمعنى أنه يسقيهم بيده بعضا مما استفاده هو من القرآن - فهذا المربي قد جانبه الصواب في أدائه لوظيفته، ولن يكون له تأثر كبير وجوهري ومستمر على من معه، لأنه قد ربطهم به، ولم يعلمهم كيف يستطيعون الانتفاع بالقرآن بمفردهم. أما إذا أفسح لهم الطريق وأخذ بأيديهم حتى يجدوا أنفسهم وجها لوجه مع القرآن ينهلون من نبعه، ويتمتعون بحلاوته، ويدخلون إلى دائرة تأثيره .. كل ذلك يحدث لهم، وهو بينهم يوجه الطاقات، ويضبط الفهم ويشحذ الهمم .. فإنه عن فعل ذلك فقد قام بمهمته خير قيام، وأنتج للأمة نواة الجيل القرآني الذي انتظرته طويلا، فتجتمع حوله، وتسير وراءه تحرر الأوطان، وتعيد الخلافة وتسود العالم، وما ذلك على الله بعزيز: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء/١٠٥، ١٠٦].

стр. 80

الأيمان أولا: إذن فالمربي الناجح هو الذي يبذل جهدا كبيرا في بداية عمله مع من معه في توجيههم لمنابع الإيمان - والتي يقف على رأسها القرآن - ويتأكد من ورودهم لها ونهلهم منها، وظهور آثار زيادة الإيمان عليهم .. فإن تم ذلك أصبحت مهمته سهلة، ويسيرة في التوجيه، وضبط الفهم، وتنظيم الحركة، فعندما توقد شعلة الإيمان في القلب وتستمر في النمو والزيادة فإن هذا من شأنه أن يجعل الفرد في حالة دائمة من الانتباه، والتذكر بما ينبغي عليه أن يفعله، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الإيمان الحي في القلب يولد طاقة وقوة دافعة داخل الفرد تدفعه للقيام بأعمال البر، وما يريده الله، بكل سهولة ويسر. فإن كان على الفرد أن يتجه قلبه لله، وأن يتخلق بأخلاق المؤمنين، وأن يكتسب مهارة تعينه على القيام بدوره في الحياة، فالطريقة السهلة لذلك هو حُسن عودته للقرآن، ووروده منابع الإيمان المختلفة لتصبح هذه الأمور بمثابة ثمار طبيعية لحياة القلب وتمكن الإيمان منه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم/٢٤: ٢٥]﴾. فالإيمان هو الشجرة الطيبة التي تؤتي ثمارها في كل وقت، وكل اتجاه .. فعلى سبيل المثال: التخلق بصفات المؤمنين من صدق، ووفاء، وثبات، وتضحية في سبيل الله، وورع، وكف للأذى، وإحسان، وترك للآثام ... . كل هذه الأخلاق وغيرها ثمار طبيعية للإيمان الحي في القلب، وعلى قدر قوته يكون اكتمالها، كما قال ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا ".

стр. 81

إذن فمن يُرد التخلق بصفات المؤمنين فعليه بمنابع الإيمان أولا، وعلى رأسها القرآن، أما أن يتم تجزئة هذه الأخلاق وتقسيمها ومحاولة التخلق بخلق منها كل فترة، فهذا طريق طويل من الناحية النظرية ومن الصعب تحقيقه من الناحية العملية، فالأخلاق كثيرة، وكل خُلق له الكثير والكثير من المظاهر التي المطلوب تحقيقها، معنى ذلك أننا سنستمر سنوات طويلة نحاول اكتساب بعض الأخلاق وقد ننجح وقد لا ننجح. هذا بالنسبة للأخلاق، أما بالنسبة لعبادات القلوب، من توكل على الله، وأنس به، وحب له، ورجاء فيه، وإخلاص، وإنابة، وتعظيم وخشية، وزهد في الدنيا، و ... فهذه ثمار لا يمكن القفز إليها أو اكتسابها بطريقة مباشرة، بل هي نتيجة طبيعية لمعرفة الله .. فالتوكل على الله - على سبيل المثال - ثمرة لمعرفة الله الحي، القيوم، العليم، القادر، وعلى قدر تمكن هذه المعارف من القلب تكون عبودية التوكل بتلقائية ودون تكلف. وكما مر علينا فإن أفضل طريقة للتعرف على الله هي القرآن، مع ربط هذه المعرفة بأحداث الحياة قدر الإمكان .. هذه المعرفة يمكن الوصول إلى الحد الأدنى منها في فترة وجيزة بإذن الله. أما اكتساب المهارات التي يحتاج إليها الفرد، كتعلم مهارة فن الإلقاء، أو إتقان مهارة إدارية، أو تعلم لغة من اللغات فإنها بالفعل تتطلب تدريبا وتربية عليها حتى يتم اكتسابها مع الأخذ في الاعتبار أن الإيمان يدفع صاحبه لبذل المزيد من الجهد الذي يختصر فترة التدريب، وكذلك يصحح النية لذلك ويجعلها خالصة لله .

стр. 82

المحاضن التربوية تبين لنا من خلال الصفحات السابقة أهمية وجود المربي حتى تكون نتيجة التغيير الذي يُحدثه القرآن في الاتجاه الصحيح ... . فإن قلت: وأين أجد المربي الذي يقوم بهذا الدور؟! نعم، قد لا تجد مثل هؤلاء المربين الدالين على الله وعلى كتابه، ولكن مع وجود المنهج، ألا وهو القرآن، ومع فهم طبيعة دور المربي - كما سبق بيانه -، يمكننا أن نستعيض عن دوره - ولو بصفة مؤقتة - من خلال تعاهد بعضنا البعض بالنصح والإرشاد، وتبادل الخبرات وتبني الأدوار التي يقوم بها المربي، وحبذا لو كان بيننا من سبقنا إلى الدخول لمأدبة القرآن ليوفر علينا الوقت والجهد. هذا التصور والذي يمكننا أن نطلق عليه " المحاضن التربوية " قد يصلح لأن يكون بديلا للمربي الذي قد يعِز وجوده بيننا، فما لا يُدرك كله لا يُترك كله، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك المحاضن وسيلة يجتمع فيها من يريد أن يغير ما بنفسه ولديه الرغبة في ذلك، على أن يكون القرآن هو محورها وما يلحق به من منابع الإيمان التي سبق الإشارة إليها، ولسنا نعني بذلك أن يتم فيه الحديث فقط عن تفسير الآيات، فالتفاسير كثيرة ومتواجدة في كل البيوت بل المقصد هو إرشاد الأفراد إلى كيفية الانتفاع بالقرآن وتذوق حلاوته، كما سبق بيانه في كيفية التعرف على الله من خلال القرآن، مع العلم أنه بالمداومة على استخدام وسائل العودة إلى القرآن، والتي ذُكرت في الصفحات السابقة سيبدأ الأفراد تذوق حلاوة الإيمان، لتكون هذه المحاضن وسيلة لتبادل هذه الأذواق وشحذ الهمم، وفتح آفاق أوسع للتعامل مع الآيات. وظيفة المحاضن: إذن فالمحاضن التربوية يمكن أن تقوم بدور المربي، مع الأخذ في الاعتبار أنه مع وجود القرآن كمحور أساسي لها، فإن المطلوب منها كذلك أن تقوم بضبط الفهم وحُسن توجيه طاقات الأفراد المتولدة من معايشة القرآن للقيام بأعمال البر المختلفة في شتى المجالات مع مراعاة ظروف الفرد وإمكاناته.

стр. 83

وفي المحاضن التربوية يتم تدارس بعض كتب العلم النافع التي تعين الفرد على تعميق فهمه للقرآن، وتضبط له عملية التغيير على أن يتم ربط هذه الكتب بالقرآن قدر المستطاع، وألا تطغى عليه ... فالقرآن أولا، أما تلك الكتب فما هي إلا مراجع بجواره نستخدمها من أجل أن تخدمه وتخدم عملية التغيير، فالسيرة النبوية على سبيل المثال تُدرس كنموذج تطبيقي للآيات .. والسنة تُدرس كشارحة للقرآن مبينة لما أُجمل فيه ... وهكذا. هذا الشكل المقترح للمحاضن التربوية والتي يمكن أن تتم في البيت بين الأب وأبنائه، أو بين الأصدقاء بعضهم مع بعض، لها امتداد عبر تاريخ الأمة، فقد بدأها رسول الله ﷺ في مكة، في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان القرآن هو المنهج الذي يتدارسونه ويعيشون معه، أما توجيهاته ﷺ فكانت بمثابة الشرح والبيان لآيات القرآن، مع ضبط الفهم، وتنظيم حركة الأفراد، وكيف يتعاملون مع مستجدات الحياة.

стр. 84

الدعوة إلى القرآن: ومع أهمية وجود المحاضن التربوية، للإشراف على عملية التغيير القرآني للأفراد، إلا أنه ينبغي أن يكون لها دور آخر في توجيههم لدعوة الناس. فالله يريد من الأمة - بصفة عامة - أن تتغير من داخلها، وتترك كل ما يبغضه، لكي يُغير سبحانه ما حاق بها ونزل بساحتها ... من هنا كان من الضروري تبليغ الناس بذلك، ودعوتهم إلى العودة الصحيحة للقرآن، والأخذ بأيديهم إلى مأدبته، فينصلح حالهم، ويعودون إلى ربهم، ويمارسون الوظيفة التي خُلقوا من أجلها، فيتحقق بذلك الوعد الذي وعدنا الله به: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور/٥٥]. هيا إلى العمل إن كان القرآن هو مشروع الأمة الإسلامية القومي للنهضة، وهو السبيل لعودة مجدها وعزها، فلبد أن ينتفض كل غيور ويبدأ بنفسه ويعود إلى القرآن، ويُقبل عليه بكيانه كله، حتى إذا ذاق حلاوته، وازداد تحرك قلبه مع آياته، وشعر بنوره يسري في كيانه، وأصبح لا يستطيع الاستغناء عنه، فهو بذلك قد وضع قدمه في بداية الطريق فعليه حينئذ أن يتحرك بهذه الدعوة - دعوة العودة إلى القرآن - في كل مكان، ومع كل من يعرفه ... مع أبيه وأمه، وزوجته وأولاده، وأقاربه وجيرانه، ومعارفه وزملائه.

стр. 85

عودة الروح: لابد أن نعمل على تبليغ هذه الدعوة في كل مكان، وأن نرشد الناس إلى كيفية العودة إلى القرآن والانتفاع الحقيقي به، وأن نُلح عليهم بذلك، وشيئا فشيئا ستسري هذه الدعوة في أعماق الأمة، وستجد لها - بمشيئة الله - آذانا صاغية، ولم لا وهي دعوة تؤيدها الفطرة، ولا تجد معارضة من أحد، وفوق هذا كله فهي تستوعب الجميع، ولا تتسبب في انزعاجهم أو نفورهم منها، أو خوفهم من تبعتها ... . سيستجيب لها - بإذن الله - الكثيرون، وستسري روح القرآن في الأمة بالتدريج، وسيكون - لا محالة - من بين المستجيبين لها من يريد التضحية من أجل دينه، ومن أجل التمكين لشرع الله في الأرض .. فليكن أمثال هؤلاء هم اللبنات التي تُشكل مع غيرهم - من السابقين - الصف المسلم الذي يقود الأمة بالقرآن، ويبذل الغالي والرخيص من أجل إيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، وإرشاد الحائرين، ومداواة المعتلين بالدواء الرباني الذي أنزله الله ليكون للأمة جمعاء هدى وشفاء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/٥٧]. الفرج قريب: فلنبدأ من الآن، ولنعد إلى القرآن، فكفى ما مضى من أعمارنا ونحن بعيدون عن هذا الكنز العظيم، ولنستبشر جميعا، فما هي إلا سنوات قليلة حتى نجد نور القرآن يسري في النفوس، ليبدأ التغيير في جنبات الأمة، ويصطلح الناس مع ربهم، ويعودوا إليه ... لتبدأ تبعا لذلك تباشير الفجر في البزوغ، وتُشرق شمس العزة من جديد: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة/١١١].

стр. 86

إنها ليست أحلاما، بل حقائق سندركها بمشيئة الله إن أحسنَّا العودة إلى القرآن، وأخلصنا في الدعوة إليه، أما كيفية حدوث ذلك فلا تَسَل عنها، بل دعها: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة/١٠٦، ١٠٧]. لا تَسََل عن الطريقة التي سيمكن بها الله جيل القرآن، فالكون كونه، والملك ملكه، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، له جنود السماوات والأرض: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل/٤٠]. وليكن همنا هو تنفيذ ما طلبه الله منا، ولنترك له أمر النصر والتمكين، أليس هو سبحانه الذي مكن بني إسرائيل في الأرض بعد أن كانوا مستضعفين: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف/١٣٧]. فلننشغل بتغيير ما بأنفسنا، والاعتصام بحبل الله، ودعوة الناس إليه، ولننتظر الفرج القريب: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود/١٢١ - ١٢٣].

стр. 87

وفي النهاية أخي المسلم .. أختي المسلمة في كل مكان: هذا هو الطريق ... وهذا هو الحبل الذي أنزله الله لينتشلنا من الغرق ... فماذا نحن فاعلون؟ هيا بنا نُقبل على القرآن ونتمسك به، ونترك أنفسنا له، وندخل إلى مصنعه ودائرة تأثيره قبل فوات الأوان. هيا الآن نتناول مصاحفنا، ونبدأ رحلة التغيير، فنصر الله قريب، أقرب مما نتخيل، لكننا لن نراه إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا. أخي: لقد طال ليلنا، ومللنا من رؤية مشاهد الذل والهوان .. أخي: إن كنت تحب نفسك وأهلك وأمتك، وقبل ذلك ربك ورسولك، فابدأ من الآن، وعد إلى القرآن واستمسك به، واجعله أمامك وإمامك. أخي: لنكف عن البكاء والأسف على أحوال الأمة، ولنبدأ العمل. وأُبشرك بأنه لن يمض علينا وقت طويل حتى نجد أنفسنا وقد هيمن علينا القرآن، واختلط بلحمنا ودمنا، وذقنا حلاوة الإيمان من خلاله، ساعتها لا تنسني من دعوة صادقة يُصلح الله بها شأني، ويغفر ذنبي، ويثبتني على الحق، ويُحسن خاتمتي، وأن يجمعني وإياك إخوانا على سرر متقابلين. والحمد لله رب العالمين