← Акыда

Акыда · id 37343

الكلمات الحسان في بيان علو الرحمن

عبد الهادي بن حسن وهبي

Полный текст (378 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الكلماتُ الحسانُ في بيانِ عُلُوِّ الرَّحْمَنِ تأليف: عبد الهادي بن حسن وهبي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المُقَدِِّّمَةُ إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وب منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أمَّا بعدُ .. فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّدٍ ﷺ ، وشرَّ الأُمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النَّار. أمَّا بعدُ: فإنَّ أولى ما يتنافسُ به المتنافسونَ، وأَحْرَى ما يتسابقُ في حَلْبةِ سباقهِ المتسابقونَ، ما كانَ بسعادةِ العبدِ في معاشهِ ومعادهِ كفيلًا، وعلى طريقِ هذهِ السعادةِ دليلًا، وذلكَ العلمُ النَّافعُ، والعملُ الصَّالحُ اللَّذَانِ لا سعادةَ للعبدِ إلَّا بهما، ولا نجاةَ له إلَّا بالتَّعَلُّقِ بسببهما، فمنْ رُزِقَهُمَا فقدْ فازَ وغَنِمَ، ومنْ حُرِمَهُما فالخيرَ كلَّه حُرِمَ. ولمَّا كانَ العلْمُ للعملِ قرينًا وشافعًا، وشرفهُ لشرفِ معلومهِ تابعًا، كانَ أَجَلَّ العلومِ وأفْضلَها وأشرفَها وأَسْماها على الإطلاقِ: العِلْمُ بالله وأسْمائِه وصفاتِه وأفْعالِه.

стр. 3

ولقدْ شهدَ الله وشهادتهُ أَجَلُّ شهادةٍ وأعْظمُهَا وأعْدَلُهَا وأصْدَقُهَا - لنفسِه بأنَّهُ استوى على العرشِ، وبأنَّهُ القاهرُ فوقَ عبادهِ، وبأنَّ ملائكتَهُ يخافونهُ منْ فوقهم، وأنَّ الملائكةَ تَعْرُجُ إليه بالأمْرِ، وتَنْزِلُ مِنْ عندهِ، وأنَّ العملَ الصالحَ يصْعَدُ إليهِ. وشَهِدَتْ له الجَهْمِيَّةُ بضدِّ ذلكَ، وقالوا: إنَّ الله منزَّهٌ عن العلوِّ والفوقيَّةِ. يظنُّونَ أنَّ الحقَّ معهم؛ ولكنَّ الحقَّ وراءَهم. فسمُّوا علوَّ الله على خلقهِ، واستواءَهُ على عرشه: جهةً ومكانًا وقالوا: «منزهٌ عن الجهة والمكان» ومقصودهم بذلك: أنّهُ ليسَ فوق السموات ربٌّ؛ ولا على العرشِ إلهٌ يُصلَّى له ويُسجَدُ، وأنَّ محمَّدًا ﵌ لم يُعرَج بهِ إليه. يفترون على الله الكذب: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل: ١١٦]. ﴿وقد خاب من افترى﴾ [طه: ٦١]. فشهادةُ الرَّبِّ تعالى (١): تكذِّبُ هؤلاءِ أشدَّ التَّكْذيبِ، وتتضمَّنُ أنَّ الذي شهدَ بهِ قدْ بَيَّنهُ وأوْضحهُ وأظهرهُ، حتَّى جعلهُ في أعلى مراتبِ الظُّهورِ والبيانِ، وأنَّه لو كانَ الحقُّ فيما يقولهُ المعطِّلةُ والجهميَّةُ - الذينَ يقولونَ: ليسَ فوقَ السَّمواتِ رَبٌّ يُعبدُ، ولا على العرشِ إلهٌ يُصَلَّى له ويُسْجَدُ - لمْ يَكُنِ العبادُ قد انتفعوا بما شهدَ بهِ ؛ فإنَّ الحقَّ في نفسِ الأمْرِ - عندهم - لمْ يَشْهَدْ بهِ لنفسهِ، والذي شهدَ بهِ لنفسهِ، وأظْهرهُ وأوضحهُ: فليسَ بحقٍّ، ولا يجوزُ أنْ يُسْتفادَ منهُ الحقُّ واليقينُ.

стр. 4

ولقد وفَّقني اللهُ تعالى للكتابةِ في صفةٍ عظيمةٍ منْ صفاتِ ربِّ العالمينَ ﵎، ألاَ وهيَ «العُلُوُّ والفَوْقِيَّةُ» ليزدادَ الذينَ آمنوا إيمانًا، وليعلمَ الذينَ عَقَدُوا ألويةَ البدعِ وأطلقوا عقالَ الفتنةِ أَنَّهم ليسوا على شيءٍ في هذا البابِ. «فَهُمْ مختلفونَ في الكتابِ (١)، مُخالِفونَ للكتابِ (٢)، مُجمِعونَ على مفارقةِ الكتابِ، يقولونُ على اللهِ، وفي اللهِ، وفي كتابِ اللهِ بغيرِ علمٍ، يَتكلَّمونَ بالمُتَشَابَهِ مِنَ الكلامِ، ويَخْدَعونَ جُهَّالَ النَّاسِ بما يُشَبِّهونَ عليهم. فنعوذُ باللهِ مِنْ فتنِ الضَّالِّينَ» (٣). أسألُ اللهَ تعالى «أنْ يوفِّقَنا لما يُرضيهِ مِنَ القولِ والعملِ والنِّيةِ، وأَنْ يُحْيِيَنَا على الطريقةِ التي يرضاها، ويَتَوفَّانا عليها، وأنْ يُلْحِقَنا بنبيِّهِ وخيرتهِ مِنْ خلقهِ محمَّدٍ المصطفى وآلهِ وصحْبهِ، ويجْمعَنا معهم في دارِ كرامتهِ، إنَّهُ سميعٌ قريبٌ مجيبٌ» (٤). الراجي عفو ربِّه عبد الهادي بن حسن وهبي (٥) * * *

стр. 5

أَدِلَّةُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى العَرْشِ اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لما يُرضيهِ منَ القولِ والنِّيةِ والعملِ، وأعاذنا وإيَّاكَ منَ الزَّيغِ والزَّللِ - أنَّ صالحَ السَّلفِ، وخيارَ الخلفِ، وسادةَ الأئمَّةِ، وعلماءَ الأمَّةِ، اتفقَتْ أقوالُهمْ، وتَطابقَتْ آراؤهُمْ عَلَى أنَّ اللهَ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ، ونعوتِ الجلالِ، التي جاءَ بِهَا الكتابُ والسنَّةُ؛ يُثبتونَ للهِ مَا أثبتهُ لنفسهِ المقدَّسةِ، وما وصفهُ بِهِ رسولُهُ ﷺ ، مِنْ غيرِ تَمثيلٍ، وَلاَ تَعطيلٍ، ومِنْ غيرِ تَكييفٍ، وَلاَ تَشبيهٍ؛ ولا يَبتدِعونَ للهِ وصفًا لم يَرِدْ بِهِ كتابٌ وَلاَ سُنَّةٌ. فإنَّ اللهَ تَعَالَى: أعظمُ، وأَجَلُّ، وأكبرُ، وأعلى، وأكملُ فِي صدورِ أوليائهِ المؤمنينَ، منْ أنْ يَتجاسَرُوا عَلَى وصفهِ، ونعتهِ، بمجرَّدِ عقولهمْ وآرائهمْ، وخيالاتِ أوهامهم. فَهُمْ كما يقولُ ابنُ القيِّم ﵀: وَكَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ وَعَبْدِه ... فِي قَلْبهِ أعْلى وَأَكْبَرُ شَانِ مِنْ أنْ يُحَرَّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَنْ ... يُقْضَى لَهُ بِالعَزْلِ عَنْ إيقَانِ (١) فآمَنُوا بما قالَ اللهُ سبحانهُ في كتابهِ، وصحَّ عنْ نبيِّهِ، وأمَرُّوهُ كما وَرَدَ منْ غيرِ تعرُّضٍ لكيفيَّةٍ، أو اعتقادِ شبهةٍ أو مِثْلِيَّةٍ، أو تأويلٍ يؤدِّي إلى تعطيلٍ (٢)، ووَسِعَتْهُمُ السنَّةُ المحمَّديةُ، والطريقةُ المرضيَّةُ، ولم يَتعدَّوها إلى البدعةِ المُرْدِيَةِ الرَّدِيَّة، فحازُوا بذلكَ الرُّتبةَ السَّنِيَّةَ، والمنزلةَ العَلِيَّةَ (٣).

стр. 6

ومِنَ الصِّفاتِ العظيمةِ الثابتةِ فِي الكتابِ والسنَّةِ: «صفةُ العلوِّ والفوقيَّة»، والأدلَّةُ على إثباتها كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ، هذا أوانُ سَرْدِهَا فَألْقِ سَمْعَكَ، وَأحْضِرْ قلبَكَ، وتأمَّلْهَا تأمُّلَ طالبٍ للحقِّ لا نافرٍ عنهُ، وكنُْ مِنَ الذينَ يستمعونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسنَهُ، وإيَّاكَ وسوءَ الظنِّ بكلامِ اللهِ وكلامِ رسولهِ فذلكَ الهَلَكَةُ، وما ضلَّ مَنْ ضلَّ، وهلكَ منْ هلكَ، إلَّا لسوءِ ظنِّهِ بالكتابِ والسنَّةِ. واللهُ المستعانُ وعليهِ التُّكلانُ، ولاَ حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ (١). أحدُها: التَّصريحُ بالفوقيَّةِ مقرونًا بأداة «مِنْ» المعيِّنةِ للفوقيَّةِ بالذَّاتِ . قال اللهُ : ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. قالَ ابنُ خزيمةَ ﵀: فأعْلمَنا الجليلُ جلَّ وعلا في هذهِ الآيةِ أنَّ ربَّنا فوقَ ملائكتهِ، وفوقَ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ مِنْ دَابَّةٍ، وأَعْلَمَنا أنَّ ملائكتَهُ يخافونَ ربَّهم الذي فوقهم (٢). الثاني: ذِكْرُها مُجَرَّدَةً عَنِ الأداةِ . قال اللهُ : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]. وعن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: لمَّا حكمَ سعدُ بنُ معاذٍ في بني قُرَيْظَةَ أنْ يُقتلَ منْ جَرَتْ عليهِ المُوسُ، وأنْ تُقْسَمَ أموالُهم وذَراريهِم، فقالَ رسولُ الله ﷺ : «لقدْ حَكَمَ فيهمُ اليومَ بحُكْمِ اللهِ الذي حَكمَ بهِ مِنْ فوقِ سبعِ سماواتٍ» (٣).

стр. 7

الثالثُ: التَّصريحُ بالعروجِ إليهِ . قالَ الله : ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقالَ : ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٣ - ٤]. قالَ مجاهدٌ ﵀: يقالُ: ذي المعارجِ: الملائكةُ تعرجُ إلى الله (١). وقالَ الطبريُّ ﵀: يقولُ تعالى ذكرهُ: تصعدُ الملائكةُ والرُّوحُ - وهوَ جبريلُ ﵇ إليهِ يعني: إلى الله جلَّ وعزَّ، والهاءُ في قولهِ «إليهِ» عائدةٌ على اسمِ اللهِ (٢). وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ وَصَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِم - فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (٣). قالَ ابنُ خزيمةَ ﵀: وفي الخبرِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ اللهَ في السَّماءِ، وأنَّ الملائكةَ تصعدُ إليهِ مِنَ الدُّنيا، لاَ كمَا زعمتِ الجَهْمِيَّةُ (٤) المُعَطِّلَةُ (٥).

стр. 8

الرابعُ: التَّصْرِيحُ بالصُّعودِ إليهِ . قالَ اللهُ : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. قالَ الطبريُّ ﵀: «يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: إلى اللهِ يَصْعَدُ ذِكْرُ العبدِ إيَّاهُ وثناؤهُ عليهِ» (١). وقالَ صدِّيق حسن خان ﵀ في الآيةِ -: وفيهِ دليلٌ على علوِّهِ تعالى فوقَ الخلقِ وكونِه بائنًا عنهُ بذاتهِ الكريمةِ، كما تدلُّ لهُ الآياتُ الأخرى الصَّريحةُ والأحاديثُ المستفيضةُ الصَّحيحةُ (٢). وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀: وإلَيْهِ يَصْعَدُ كُلُّ قَولٍ طَيِّبٍ ... وإلَيهِ يُرْفَعُ سَعْيُ ذِي الشُّكْرَانِ (٣) وتَأَمَّلِ الأحاديثَ التاليةَ: ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (٤). فلِلَّهِ ما أَحْلَى هذا اللَّفْظَ وأوجزَهُ وأَدَلَّهُ على علوِّ اللهِ . ٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ» (٥).

стр. 9

٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ، مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (١). ٤ - عَنْ رِفَاعَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ فَقَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ثمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَقَالَ رِفاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «كيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَقَد ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلاَثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا» (٢).

стр. 10

٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: « ... واتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١). ٦ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ (٢)، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (٣). قالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كُشِفَ الحِجَا ... بُ لأحْرَقَ السُّبُحَاتُ للأكْوَانِ (٤) فإذا كانتْ سُبُحَاتُ وجْههِ الأعْلى لا يقومُ لها شيءٌ منْ خلقهِ، ولو كشفَ حجابُ النُّورِ تلكَ السُّبحات، لاحْترقَ العالمُ العلويُّ والسفْليُّ، فمَا الظنُّ بجلالِ ذلكَ الوجهِ الكريمِ وعظمتهِ وكبريائهِ وكمالهِ وجلالهِ؟! (٥).

стр. 11

٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ للهِ ﵎ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يملؤوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لاَ، أَيْ رَبِّ! قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (١). هذا حديثٌ صحيحٌ جليلُ القدْرِ وكثيرُ الفائدةِ، وهوَ حسنُ الألفاظِ لطيفُ المعاني، و «فيهِ إثباتُ جهةِ العلوِّ والفوقِ، للهِ تعالى» (٢).

стр. 12

٨ - عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا مكثَ المنيُّ في الرَّحِمِ أربعينَ ليلةً، أتاهُ مَلَكُ النُّفوسِ، فعَرَجَ بهِ إلى الرَّبِّ في رَاحتهِ، فيقولُ: أَيْ ربِّ! عبدُكَ هذا ذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي اللهُ إليه ما هو قاضٍ، ثمَّ يقول: أَيْ ربِّ! أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيكتبُ بين عينَيْهِ ما هُوَ لاقٍ» وتلا أبو ذرٍّ منْ فاتحةِ التغابنِ خمسَ آياتٍ (١). الخامسُ: التَّصْرِيحُ برفعهِ بعضَ المخلوقاتِ إليهِ . قالَ اللهُ : ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقالَ : ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. السادسُ: التَّصْرِيحُ بالعلوِّ المطلقِ الدَّالِّ على جميعِ مراتبِ العلوِّ، ذاتًا وقَدْرًا وقَهْرًا . قالَ : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *﴾ [الرعد: ٩]. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١]. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: تعالى: الذي هوَ دالٌّ على كمالِ العلوِّ ونهايتِهِ (٢). وفسَّرَ الطبريُّ (العليَّ): بالعلوِّ والارتفاعِ (٣). وقالَ ابنُ خُزيمةَ ﵀: الأعلى: مفهومٌ في اللُّغةِ أنَّهُ أعلى كلِّ شيءٍ، وفوقَ كلِّ شيءٍ. والله قدْ وصفَ نفسهُ في غيرِ موضعٍ منْ تنزيلهِ، وأَعْلَمَنا أنَّهُ العليُّ العظيمُ. أفليسَ العليُّ - يا ذوي الحِجَى - ما يكونُ عاليًا؟! (٤).

стр. 13

قال ابنُ القيِّم ﵀: ولهُ العلوُّ من الوجوهِ جميعِها ... ذاتًا وقهرًا مع عُلوِّ الشَّانِ لكنْ نُفَاةُ عُلُوِّهِ سَلَبُوهُ إكـ ... ـمالَ العلوِّ فصارَ ذا نُقْصَانِ حَاشَاهُ من إفكِ النُّفَاةِ وسَلْبِهِم ... فلَهُ الكمالُ المطلقُ الرَّبَّاني (١) فعلوُّ الذَّاتِ: هو أنَّه مستوٍ على عرشهِ، فوقَ جميعِ خلقهِ، مباينٌ لهم، وهوَ معَ هذا مطَّلِعٌ على أحوالِهم، مُشَاهِدٌ لهم، مُدَبِّرٌ لأمورهم الظَّاهرةِ والباطنةِ، مُتَكَلِّمٌ بأحكامهِ القدريَّةِ وتدبيراتهِ الكونيَّةِ وبأحكامهِ الشَّرْعيَّةِ. وأمَّا علوُّ القَدْرِ: فهو أنَّ صفاتَهُ كلَّها صفاتُ كمالٍ، ولهُ منْ كلِّ وصفٍ ونعتٍ أكملُهُ وغايتُهُ. وأمَّا علوُّ القَهْرِ: فهوَ قهرهُ تعالى لجميعِ المخلوقاتِ، فالعالمُ العلويُّ والسُّفليُّ كلُّهم خاضعونَ لعظمتهِ مفتقرونَ إليهِ في كلِّ شؤونهم (٢). السابعُ: التَّصريحُ بتنزيلِ الكتابِ منهُ . قالَ اللهُ : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *﴾ [الزمر: ١]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *﴾ [فصلت: ٢]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [السجدة: ٢]. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *﴾ [غافر: ٢]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الواقعة: ٨٠]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]. وأفادَ كونهُ تنزيلًا مِنْ ربِّ العالمينَ مطلوبَينِ عظيمينِ مِنْ أَجَلِّ مطالبِ الدِّينِ:

стр. 14

(أحدُهما): أنَّهُ المتكلِّمُ، وأنَّهُ منهُ نزلَ، ومنهُ بدأ وَهُوَ الَّذِي تكلَّم بِهِ. (والثاني): علوُّ اللهِ سبْحَانَهُ فَوْقَ خلقهِ، فإنَّ النزولَ والتنزيلَ الذِي تعقلهُ العقولُ، وتعرفهُ الفِطَرُ: هُوَ وصولُ الشيءِ مِنْ أعلى إِلَى أسفلَ. والرَّبُّ تَعَالَى إنَّما يخاطِبُ عبادَهُ بِمَا تعرِفُهُ فِطَرُهُم، وتَشْهَدُ بِهِ عقولُهم. قال ابنُ القيِّم ﵀: واللهُ أخبرَنَا بأنَّ كتابَهُ ... تنزيلُه بالحقِّ والبُرهَانِ أيكونُ تنزيلًا وليسَ كلامَ مَنْ ... فوقَ العبادِ أذاكَ ذو إمْكَانِ أيكونُ تنزيلًا من الرَّحمنِ والرَّ ... حمنُ لَيسَ مباينَ الأَكوَانِ (١) الثامنُ: التَّصْرِيحُ باختصاصِ بعضِ المخلوقاتِ بأنَّهَا عندهُ، وأنَّ بعضَها أقربُ إليهِ منْ بعضٍ . قال : ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ *﴾ [الأنبياء: ١٩]. ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ *﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *﴾ [الأعراف: ٢٠٦].

стр. 15

فدلَّتْ هذهِ الآيةُ على أنَّ الذينَ عندهُ همْ قريبونَ إليهِ و «لو كانَ موجبُ العنديةِ معنًى عامًا، كدخولهمْ تحتَ قدرتهِ ومشيئتهِ وأمثالِ ذلكَ: لكانَ كلُّ مخلوقٍ عندهُ؛ ولم يكنْ أحدٌ مستكبرًا عنْ عبادتهِ، بلْ مسبِّحًا لهُ ساجدًا، وقدْ قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وهوَ سبحانهُ وصفَ الملائكةَ بذلكَ ردًّا على الكفَّارِ المستكبرينَ عنْ عبادتهِ» (١). قال ابنُ القيِّم ﵀: لَوْ لَمْ يَكُنْ سُبْحَانَه فَوقَ الوَرَى ... كَانُوا جَمِيعًا عِنْدَ ذِي السُّلْطَانِ وَيَكُونُ عِنْدَ اللهِ إبْليسُ وَجِبـ ... ـرِيلُ هُمَا في العِنْد مُسْتَوِيَانِ (٢) وقالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *﴾ [آل عمران: ١٦٩]. قَالَ مَسْرُوقٌ ﵀: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *﴾ [آل عمران: ١٦٩]. قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ - يَعْنِي: النَبِيَّ ﷺ : «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُم اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟» (٣).

стр. 16

وقالَ ابنُ خُزيمةَ ﵀: فكلُّ منْ لهُ فهمٌ بلغةِ العربِ، يعلمُ أنَّ اطِّلاعَهُ إلى الشَّيءِ لا يكونُ إلَّا مِنْ أعلى إلى أسفلَ. ولو كانَ كما زعمَتِ الجهميَّةُ أنَّ اللهَ مَعَ الإنسانِ وأسفلُ منهُ، وفي الأرضِ السابعةِ السفلى كما هوَ في السَّماءِ السَّابعةِ، لمْ يكنْ لقولهِ: «فَيَطَّلِعُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلاعَةً» معنًى (١). وَتَدبَّرِ الأحاديثَ التاليةَ: ١ - عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأولَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» (٢). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (٣). ٣ - عن ابنِ مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «لا تزولُ قَدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ مِنْ عِنْدِ ربِّهِ حتَّى يُسألَ عنْ خمسٍ: عنْ عُمُرهِ فيمَ أفناهُ، وعنْ شبابهِ فِيمَ أبلاهُ، ومالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفِيمَ أَنْفَقَهُ، وماذا عَمِلَ فِيما عَلِمَ» (٤).

стр. 17

٤ - عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله، إنِّي رأيتُني الليلةَ وأنا نائمٌ، كأنِّي أصلِّي خلفَ شجرةٍ، فسجَدَتُ فسجدتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتُها وهي تقولُ: «اللَّهمَّ اكتُبْ لي بها عندكَ أجْرًا، وضَعْ عنِّي بها وِزْرًا، واجْعَلْها لي عندكَ ذُخْرًا، وتَقَبَّلْها منِّي كما تَقَبَّلْتَها منْ عبدِكَ داودَ» (١). ٥ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهُ ﷺ يقولُ: «كانَ رَجُلاَنِ في بني إسرائيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فكانَ أحدُهمَا يُذْنِبُ، والآخرُ مجتهد في العبادةِ، فكانَ لا يزالُ المجتهدُ يرى الآخَرَ على الذَّنْبِ فيقولُ: أَقْصِر. فوجَدَهُ يومًا على ذنبٍ فقالَ لهُ: أَقْصِرْ. فقالَ خَلِّني ورَبِّي أَبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا؟ فقالَ: واللهِ! لا يغفرُ اللهُ لكَ - أو لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجنَّةَ! - فقبضَ أرواحَهُما، فاجْتَمَعا عندَ رَبِّ العالمينَ، فقالَ لهذا المجتهدِ: أَكنتَ بي عالِمًا، أو كنتَ عَلَى ما فِي يَدَيَّ قادرًا؟ وقالَ للمُذنبِ: اذْهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ بِرحمتي، وقالَ للآخَرِ: اذْهَبُوا بهِ إلى النَّارِ». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلَّم بكلمة أَوْبَقَتْ دنياه وآخرتَه (٢).

стр. 18

٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ جَلاَلِ اللهِ مِمَّا تَذْكُرُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ لَيَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرنَّ بِصَاحِبِهَنَّ. أَفلاَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِندَ اللهِ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟!» (١). فانظرْ ما تضمَّنه هذا الكلامُ الوجيزُ البليغُ المشتملُ على هذا المعنى العظيمِ الجليلِ الذي لا يجدُ سامعُهُ مَغْمَزًا لهُ ولا مَطْعَنًا فيهِ ولا تَشْكِيكًا ولا سُؤالًا يوردهُ عليهِ، بلْ يأخذُ بقلبهِ وسمعهِ (٢). ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (٣). قالَ ابنُ خزيمة ﵀: فالخبرُ دالٌّ على أنَّ ربَّنا جلَّ وعلا فوقَ عرشهِ الذي كتابهُ - أنَّ رحمتهُ غلبتْ غضبهُ - عندهُ (٤). وقالَ صدِّيق حسن خان ﵀: وهذا يَدُلُّ على العِنْدِيَّةِ والعلوِّ والفَوْقِيَّةِ. ونحنُ نُؤْمنُ بهِ، بلا كيفٍ ولا تمثيلٍ، ولا نُنْكِرُه، ولا نُؤَوِّلُهُ كأهلِ الكلامِ. وهذا هوَ سبيلُ السَّلفِ في مسائلِ الصِّفاتِ.

стр. 19

والحديثُ: دليلٌ على سبقِ الرحمةِ وغلبتهَا على الغضبِ والسُّخطِ. وهذا هو اللائقُ بشأنِ أرحمِ الراحمينَ. ولولا ذلكَ لكنَّا جميعًا خاسرينَ هالكينَ. نعوذُ بالله منْ غضبِ الله ونتوبُ إليهِ منْ سخطهِ. ونرجو رحمتَه وكَرَمَه وفضلَهُ ولُطْفَهُ. وما أحقَّهُ بذلكَ (١). قالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَاذْكُرْ حَدِيثًا فِي الصَّحِيحِ تَضَمَّنَتْ ... كَلِمَاتُهُ تَكْذِيبَ ذِي البُهْتَانِ لَمَّا قَضَى الله الخَلِيقَةَ ربُّنَا ... كَتَبتْ يَدَاهُ كِتَابَ ذِي الإِحْسَانِ وَكِتَابُهُ هُوَ عِنْدَهُ وَضْعٌ عَلى الـ ... ـعَرْشِ المجِيدِ الثَّابِتِ الأرْكَانِ إنِّي أنَا الرَّحمنُ تَسْبِقُ رَحْمَتِي ... غَضَبِي وَذَاكَ لرأفتِي وَحَنَانِي (٢). قالَ الشيخُ الغنيمانُ حفظهُ الرحمنُ: والحقُّ أنَّ قولَهُ: «عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ» على ظاهرهِ، وأنَّ كلَّ تأويلٍ لهُ عنْ ظاهرهِ، تبديلٌ للمعنى الذي أرادهُ رسولُ الله ﷺ ، ونحنُ نؤمنُ إيمانًا يقينًا قاطعًا وكلُّ المؤمنينَ أنَّ الرسولَ أحرصُ على عقيدةِ المسلمينَ، وعلى تنزيهِ الله - تعالى - منْ هؤلاءِ المحرِّفينَ لكلامهِ. وهوَ كذلكَ أقدرُ على البيانِ والإيضاحِ منهم، وهوَ كذلكَ أعلمُ بالله، وما يجبُ لهُ وما يمتنعُ عليهِ منْ هؤلاءِ المُتَخَبِّطِينَ. فهذا كتابٌ خاصٌّ، وضعَهُ عندهُ فوقَ عرشهِ، مُثبتًا فيهِ ما ذكرَ، لزيادةِ الاهتمامِ به، ولا ينافي ذلكَ أنْ يكونَ مكتوبًا أيضًا فى اللَّوحِ المحفوظِ. وهوَ كتابٌ حقيقةً، كتبهُ - تعالى - كما ذكرَ لنَا رسولُنا حقيقةً، وهو عندَ الله حقيقةً، فوقَ عرشِهِ حقيقةً (٣).

стр. 20

التَّاسِعُ: التَّصريحُ بأنَّهُ تعالى في السَّماءِ . قالَ اللهُ : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]. والمرادُ بقولهِ : ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]: اللهُ (١)، لقولهِ : ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]، ولقولهِ : ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ *﴾ [النحل: ٤٥]. قالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَلَقَدْ أتَى فِي سُورَةِ المُلْكِ التِي ... تُنْجِي لِقَارِئِهَا مِنَ النِّيرَانِ نَصَّانِ أنَّ الله فَوْقَ سَمَائِهِ ... عِنْدَ المُحرِّفِ مَا هُمَا نَصَّانِ (٢) وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: وقولهُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *﴾ [الملك: ١٦]، منْ تَوَهَّم أنَّ مقتضى هذهِ الآيةِ أنْ يكونَ اللهُ في داخلِ السَّمواتِ فهو جاهلٌ بالاتِّفاقِ، وإنْ كنَّا إذا قلنَا: إنَّ الشَّمسَ والقمرَ في السَّماءِ يقتضي ذلكَ، فإنَّ حرفَ «في» متعلِّقٌ بما قبلهُ وما بعدهُ فهو بحسبِ المضافِ والمضافِ إليهِ. فلو قالَ قائلٌ: العرشُ في السَّماءِ أمْ في الأرضِ؟ لقيلَ: في السَّماءِ. ولو قيلَ: الجنَّةُ في السَّماءِ أمْ في الأرضِ؟ لقيلِ: الجنَّةُ في السَّماءِ، ولا يلزمُ منْ ذلكَ أنْ يكونَ العرشُ داخلَ السَّمواتِ بلْ ولا الجنَّةِ.

стр. 21

فهذهِ الجنَّةُ سَقْفُها الذي هوَ العرشُ فوقَ الأفلاكِ مع أنَّ الجنَّةَ في السَّماءِ، والسَّماءُ يُرادُ بهِ العُلُوُّ. ولمَّا كانَ قَدِ استقرَّ في نفوسِ المُخاطَبينَ أنَّ اللهَ هوَ العليُّ الأعلى وأنَّهُ فوقَ كلِّ شيءٍ كانَ المفهومُ منْ قولهِ: «مَنْ فِي السَّماءِ»، أنَّهُ في العُلُوِّ وأنَّهُ فوقَ كُلِّ شيءٍ. وإذا قيلَ: «العلوُّ» فإنَّهُ يتناولُ ما فوقَ المخلوقاتِ كلِّهَا، فمَا فوقهَا كلِّهَا هو في السَّماءِ، ولا يقتضي هذا أنْ يكونَ هناكَ ظرفٌ وجوديٌّ يحيطُ بهِ، إذْ ليسَ فوقَ العالَمِ شيءٌ موجودٌ إلَّا اللهُ، كمَا لو قيلَ: إنَّ العرشَ في السَّماء فإنَّهُ لا يقتضي أنْ يكونَ العرشُ في شيءٍ آخرَ موجودٍ مخلوقٍ. وإذا قُدِّرَ أنَّ السَّماءَ المرادُ بها الأفلاكُ، كانَ المرادُ أنَّهُ عليهَا كما قالَ: ﴿وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]. ويقالُ: فلانٌ في الجبلِ وفي السَّطحِ، وإنْ كانَ على أعلى شيءٍ فيهِ (١). قال الحافظُ الذهبيُّ ﵀: وكونهُ في السماءِ متواترٌ عنْ رسولِ الله ﷺ تواترًا لفظيًا، فَمِنْ ذلكَ (٢):

стр. 22

١ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ. فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلاَ أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا». فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ» (١). قالَ الشيخُ الهرَّاسُ ﵀: هذا حديثٌ يَتَأَلَّقُ نَصَاعَةً ووضوحًا وهو صاعقةٌ على رؤوسِ أهلِ التَّعطيلِ. فهذا رجلٌ أخطأ في حقِّ جاريتهِ بضربها فأرادَ أنْ يكفِّرَ عنْ خطيئتهِ بعتقهَا، فاستمهلهُ الرسولُ ﷺ حتَّى يمتحنَ إيمانَها، فكانَ السؤالُ الذي اختارهُ لهذا الامتحانِ هوَ (أينَ الله؟) ولمَّا أجابتْ بأنَّهُ في السَّماءِ، رضيَ جوابَها وشهدَ لها بالإيمانِ، ولوْ أنَّكَ قلتَ لمعطِّلٍ: أينَ الله؟ لحكمَ عليكَ بالكفرانِ (٢). ويُستفادُ منْ حديثِ الجاريةِ ما يلي: أولًا: شَرعيَّةُ قولِ المسلمِ: أينَ الله؟ (٣). ومَنْ أجهلُ جهلًا، وأَسْخَفُ عقلًا، وأَضَلُّ سبيلًا، ممَّن يقولُ: إنَّهُ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: أينَ الله!! بعدَ تصريحِ صاحبِ الشَّريعةِ بقولهِ: «أينَ اللهُ؟!» (٤).

стр. 23

ثانيًا: شَرعيَّةُ قولِ المسؤولِ: في السَّماءِ. فأقَرَّ النبيُّ ﷺ الجاريةَ على ذلكَ، فلو كانَ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الله في السَّمَاء، لبيَّنَ لها النبيُّ ﷺ ، لأنَّهُ لا يجوزُ لهُ الإقرارُ على الخطأ، لا سيَّما وكانَ ذلكَ بحضورِ جماعةٍ مِنَ النَّاسِ (١). قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: والنبيُّ ﷺ مُنَزَّهٌ أنْ يَسألَ سؤالًا فاسدًا، وسمعَ الجوابَ عنْ ذلكَ، وهوَ مُنَزَّهٌ أنْ يُقِرَّ على جوابٍ فاسدٍ (٢). ثالثًا: وفيهِ دليلٌ على أنَّ مَنْ لمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ في السَّماءِ فليسَ بمؤمنٍ. ألا ترى أنَّ رسولَ الله ﷺ حكمَ بإيمانِ الجاريةِ لمَّا أقرَّتْ بأنَّ ربَّهَا في السَّمَاء، وَعَرفَتْ ربَّهَا بصفةِ العلوِّ والفوقيَّةِ (٣). رابعًا: وفيهِ دليلٌ على أنَّ اللهَ على عرشهِ فوقَ السَّماءِ (٤).

стр. 24

وقالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ في معنى حديثِ الجاريةِ -: وأمَّا قولهُ في هذا الحديثِ للجاريةِ: «أينَ الله؟»، فعلى ذلكَ جماعةُ أهلِ السنَّةِ، وهمْ أهلُ الحديثِ، ورواتهُ المتفقِّهونَ فيهِ، وسائرُ نقلتهِ، كلُّهم يقولُ مَا قَالَ الله تعالى فِي كتابهِ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، وأنَّ الله فِي السَّمَاء وعلمهُ في كلِّ مكانٍ، وهوَ ظاهرُ القرآنِ في قولهِ : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وبقولهِ : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقولهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ .. وليسَ في الحديثِ معنًى يُشْكِلُ غيرُ ما وصفنَا. ولمْ يَزَلِ المسلمونَ إذا دَهَمَهُم أمرٌ يُقلقهم فَزَعوا إلى ربِّهم، فرفَعُوا أيديَهم وأَوْجُهَهُم نحوَ السَّمَاءِ يدعونَهُ، ومخالفونَا ينسبونَا في ذلكَ إلى التَّشبيهِ، واللهُ المستعانُ. ومَنْ قالَ بما نطقَ بهِ القرآنُ، فلا عيبَ عليهِ عندَ ذوي الألبابِ (١). وقالَ شيخُ الاسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: والجاريةُ التي قالَ لها النبيُّ ﷺ : «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّماءِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». وإنَّما أخبرتْ عَنِ الفطرةِ التي فطرهَا الله تعالى عليهَا، وأقرَّها النبيُّ ﷺ على ذلكَ، وشهدَ لها بالإيمانِ. فليتأمَّلِ العاقلُ ذلكَ يَجِدهُ هاديًا لهُ على معرفةِ ربِّهِ، والإقرارِ بهِ كما ينبغي، لا ما أَحْدَثَهُ المتعمِّقونَ والمتشدِّقونَ ممَّنْ سوَّلَ لهمُ الشيطانُ وأمْلَى لهم (٢).

стр. 25

وقالَ ﵀: والجاريةُ لمَّا قالَ لهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قالتْ: «فِي السَّمَاءِ»، إنَّما أرادت العُلُوَّ مع عدمِ تَخْصِيصِهِ بالأجسامِ المخلوقةِ وحُلُولِهِ فيهَا (١). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ! مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا، حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» (٢). قالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَاذْكُرْ حَدِيثًا فِي الصَّحِيحِ وفيه تَحْـ ... ـذِيرٌ لِذَاتِ البَعْلِ مِنْ هِجْرَانِ مِنْ سُخْطِ رَبٍّ في السَّمَاءِ عَلَى التِي ... هَجَرَتْ بِلاَ ذَنْبٍ وَلاَ عُدْوَانِ (٣) وقالَ العلامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: وفي هذا الحديثِ دليلٌ صريحٌ لما ذهبَ إليهِ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ وسلفُ الأمَّةِ منْ أنَّ الله في السماءِ هو نفسهُ جلَّ وعلا، فوقَ عرشهِ، فوقَ سبعِ سمواتٍ، وليسَ المرادُ بقولهِ: «في السماءِ» أي ملكهُ في السَّماءِ، بلْ هذا تحريفٌ للكَلِمِ عنْ مواضعهِ. وتحريفُ الكَلِمِ عنْ مواضعهِ منْ صفاتِ اليهودِ والعياذُ بالله، الذينَ حرَّفوا التوراةَ عنْ مواضعهَا وعمَّا أرادَ الله بهَا، فإنَّ مُلْكَ الله في السماءِ وفي الأرضِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩] (٤). ٣ - عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ! يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟!» (٥).

стр. 26

فتأمَّل هذا البرهانَ الباهرَ بهذا اللَّفظِ الوجيزِ البيِّنِ (١) الدَّالِّ على عُلُوِّ اللهِ . ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلاَئِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا، قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ. اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان. فَلاَ يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلاَنٌ. فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ. ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ. فَلاَ يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ » (٢). قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀ تعليقًا على هذا الحديثِ: قولُهُ: «فِيهَا اللهُ»، بمنزلةِ قولهِ تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *﴾ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]. وبمنزلةِ ما ثبتَ في الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لجاريةِ معاويةَ بنِ الحكمِ: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ.

стр. 27

وليسَ المرادُ بذلكَ: أنَّ السَّمَاءَ تَحْصُرُ الرَّبَّ وتحويهِ، كما تحوي الشَّمسَ والقمرَ وغيرَهُما، فإنَّ هذا لا يقولهُ مسلمٌ، ولا يعتقدهُ عاقلٌ - فقدْ قالَ : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والسَّماواتُ في الكرسيِّ كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ في أرضِ فَلاةٍ، والكرسيُّ في العرشِ كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ في أرضِ فَلاةٍ، والرَّبُّ سبحانهُ فوقَ سمواتهِ، على عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ، ليسَ في مخلوقاتهِ شيءٌ منْ ذاتهِ، ولا في ذاتهِ شيءٌ منْ مخلوقاتهِ - بلْ معنى ذلكَ: أنَّه فوقَ السَّماواتِ، وعليهَا، بائنٌ مِنَ المخلوقاتِ، كمَا أخبرَ في كتابهِ عنْ نفسهِ أنَّهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وقالَ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وقالَ تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وقالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]. وأمثالُ ذلكَ في الكتابِ والسنَّةِ (١). ٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (٢). فإنَّ المرادَ بقولهِ: «يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، هو اللهُ وهوَ أرحمُ الرَّاحمينَ لقولهِ ﷺ : «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرحمهُ اللهُ » (٣).

стр. 28

فإنْ قالَ قائلٌ: فقدْ جاءَ الحديثُ بلفظِ: «ارحَمُوا أهلَ الأرضِ يرحَمْكُم أهلُ السَّماءِ» (١). والجوابُ أنْ يقالَ: الروايةُ الأولى أولى بالصَّوابِ كمَا قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في «الإمتاعِ» (ص٦٦). وقالَ في معنى الحديثِ: إنَّ مَنْ يرحَمْ مَنْ في الأرضِ قد ... آنَ أنْ يرحمَهُ مَنْ في السَّمَا فارحَمِ الخَلْقَ جميعًا إنَّما ... يَرْحَمُ الرَّحْمَنُ فينا الرُّحَمَا العاشرُ: شهادَتُهُ ﷺ التي هيَ أصدقُ شهادةٍ عند اللهِ وملائكتِهِ وجميعِ المؤمنينَ لمنْ قالَ: «إنَّ ربَّهُ في السَّماءِ» بالإيمانِ ، وشهدَ عليهِ أفراخُ جهمٍ بالكفرِ. وصرَّحَ الشَّافعيُّ بأنَّ هذا الذي وصفتهُ منْ أنَّ ربَّهَا في السَّماءِ إيمانٌ، فقالَ في كتابهِ (٢) في «بابِ عتقِ الرقبةِ المؤمنةِ»، وذكرَ حديثَ الأمةِ السَّوداءِ التي سوَّدتْ وجوهَ الجهميَّةِ، وبيَّضتْ وجوهَ المحمَّديَّةِ، فلمَّا وصفتِ الإيمانَ قالَ: «أَعْتِقْهَا فإنَّهَا مُؤمِنَةٌ»، وهي إنَّمَا وصفتْ كونَ ربِّهَا في السَّماءِ، وأنَّ محمَّدًا عبدهُ ورسولهُ، فَقَرَنَتْ بينهما في الذِّكرِ، فجعلَ الصَّادقُ المصدوقُ مجموعَهُما هو الإيمانُ (٣). قالَ شيخُ الاسلامِ الصَّابونيُّ ﵀: وإنَّما احتجَّ الشَّافعيُّ - رحمةُ الله عليهِ - على المخالفينَ ... بهذا الخبرِ لاعتقادهِ أنَّ اللهَ سبحانهُ فوقَ خلقهِ وفوقَ سبعِ سمواتهِ على عرشهِ كمَا هوَ معتقدُ المسلمينَ أَهلِ السنَّةِ والجماعةِ سلفِهِم وخَلَفِهِم، إذْ كانَ ﵀ لا يروي خبرًا صحيحًا لا يقولُ بهِ (٤).

стр. 29

وقال الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمدٍ التيميُّ ﵀: فحكمَ النبيُّ ﷺ بإيمانها حينَ قالتْ: إنَّ اللهَ في السماءِ، وتحكمُ الجهميَّةُ بكفرِ منْ يقولُ ذلكَ (١). وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَاذْكُرْ شَهَادَتَهُ لِمَنْ قَدْ قَالَ رَبـ ... ـي فِي السّمَا بحَقِيقَةِ الإيمَانِ وَشَهَادَةَ العَدْلِ المعَطِّل للذِي ... قَدْ قَالَ ذَا بِحَقِيقَةِ الكُفْرَانِ وَاحْكُمْ بأيِّهِمَا تَشَاءُ وإنَّنِي ... لأَراكَ تَقْبَلُ شَاهِدَ البُطْلاَنِ إنْ كُنْتَ مِنْ أتْبَاعِ جَهْمٍ صَاحِب التَّـ ... ـعْطِيلِ والبُهْتَانِ وَالعُدْوَانِ (٢)

стр. 30

الحادي عَشَرَ: التَّصريحُ بالاستواءِ مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرشِ - الذي هو أعلى المخلوقاتِ وأنْزَهِهَا وأطْهَرِهَا وأنْوَرِهَا وأشْرَفِهَا ذاتًا وقَدْرًا وأوسَعِهَا - مصاحبًا في الأكثرِ لأداةِ «ثمَّ» الدَّالَّةِ على الترتيبِ والمهلةِ. قالَ ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حديثًا؟ -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] (١). وقالَ في وصفِ كتابهِ العزيزِ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماواتِ العُلَى * الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٤ - ٥].

стр. 31

وقدْ فسَّرَ الطبريُّ ﵀ الاستواءَ: بالعلوِّ والارتفاعِ (١). وقالَ مجاهدٌ ﵀: «استوى: عَلاَ على العرشِ» (٢). وقالَ سفيانُ الثوريُّ: كنتُ عندَ ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن فسألهُ رجلٌ فقالَ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، كيفَ استوى؟ فقالَ: «الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، الكيفُ غيرُ معقولٍ، ومِنَ الله الرسالةُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التَّصديقُ» (٣). وقالَ رجلٌ للإمامِ مالكٍ: يا أبا عبدِ الله: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، كيفَ استوى؟ قالَ: «الكيفُ غيرُ معقولٍ، الاستواءُ منهُ غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ، وإنِّي أخافُ أنْ تكونَ ضَالًّا، وأمرَ بهِ فأُخرج» (٤). قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: «هذا ثابتٌ عنْ مالكٍ، وهوَ قولُ أهلِ السنَّةِ قاطبةً: أنَّ كيفيَّةَ الاستواءِ لا نَعْقِلُهَا، بلْ نَجْهَلُهَا، وأنَّ استواءَهُ معلومٌ كمَا أخبرَ في كتابهِ، وأنَّهُ كمَا يليقُ بهِ، لا نتعمَّقُ ولا نَتَحَذْلَقُ، ولا نخوضُ في لوازمِ ذلكَ نفيًا ولا إثباتًا، بلْ نسكتُ ونقفُ كما وقفَ السَّلفُ، ونعلمُ أنَّهُ لو كانَ لهُ تأويلٌ لبادرَ إلى بيانهِ الصَّحابةُ، والتَّابعونُ، ولما وسعهم إقرارهُ وإمرارهُ والسُّكوتُ عنهُ، ونعلمُ يقينًا مَعَ ذلكَ أنَّ اللهَ ﷻ لا مِثْلَ لهُ في صفاتهِ، ولا في استوائهِ، ولا في نزولهِ، سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ علوًّا كبيرًا» (٥).

стр. 32

وقالَ بِشْر بنُ عمر ﵀ (٢٠٧هـ): «سمعتُ غيرَ واحدٍ منَ المفسِّرينَ يقولونَ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، على العرشِ ارتفع» (١). وقالَ يزيدُ بنُ هارون ﵀ (٢٠٦هـ) وقيلَ لهُ: مَنِ الجهميَّةُ؟ قالَ: «منْ زعمَ أنَّ ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] على خلافِ ما يَقِرُ في قلوبِ العامَّةِ فهوَ جهميٌّ» (٢). قالَ الإمامُ الذهبيُّ ﵀ معقِّبًا: «(يَقِرُ): مخففٌ، و (العامَّةُ): مرادهُ بهم جمهورُ الأمَّةِ وأهلُ العلمِ، والذي وقرَ في قلوبهم مِنَ الآيةِ هوَ ما دلَّ عليهِ الخطابُ معَ يقينهم بأنَّ المستوي ليسَ كمثلهِ شيءٌ. هذا الذي وقرَ في فِطَرِهِم السَّليمةِ، وأذهانهم الصَّحيحةِ، ولوْ كانَ له معنًى وراءَ ذلكَ، لَتَفَوَّهُوا بهِ ولما أهملوهُ، ولو تأوَّلَ أحدٌ منهم الاستواءَ، لتوفَّرتِ الهِمَمُ على نقلهِ، ولو نُقِلَ لاشتهرَ. فإنْ كانَ في بعضِ جَهَلَةِ الأغبياءِ منْ يفهمُ مِنَ الاستواءِ ما يوجبُ نقصًا أو قياسًا للشاهدِ على الغائبِ؛ وللمخلوقِ على الخالقِ، فهذا نادرٌ، فمنْ نطقَ بذلكَ زُجِرَ وعُلِّم، وما أظنُّ أنَّ أحدًا مِنَ العامَّةِ يَقِرُ في نفسهِ ذلكَ، واللهُ أعلمُ» (٣).

стр. 33

وقالَ إمامُ الأئمَّةِ ابن خزيمة ﵀ (٣١١هـ): «فنحنُ نؤمنُ بخبرِ الله جلَّ وعلا أنَّ خالقَنا مستوٍ على عرشهِ، لا نبدِّلُ كلامَ الله ولا نقولُ قولًا غيرَ الذي قيلَ لنا، كمَا قالتِ المعطِّلةُ والجهميَّةُ: إنَّهُ استولى على عرشهِ لا استوى، فبدَّلوا قولًا غيرَ الذي قيلَ لهم كفعلِ اليهودِ لمَّا أمِرُوا أنْ يقولوا: حِطَّةٌ، فقالوا: حِنْطَةٌ، مخالفينَ لأمرِ الله جلَّ وعلا، كذلكَ الجهميَّة» (١). وقالَ العلَّامةُ الشنقيطيُّ ﵀: «وقدْ أشارَ تعالى في سورةِ الفرقانِ أنَّ وصفَ الله بالاستواءِ صادرٌ عنْ خبيرٍ بالله وبصفاتهِ، عالمٌ بما يليقُ بهِ، وبما لا يليقُ وذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا *﴾ [الفرقان: ٥٩]. فتأمَّلْ قولَهُ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، بعدَ قولهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، تعلم أنَّ منْ وصفَ الرحمنَ بالاستواءِ على العرشِ خبيرٌ بالرحمنِ وبصفاتهِ لا يخفى عليهِ اللائقُ مِنَ الصِّفاتِ وغيرِ اللائقِ. فالذي نبَّأنا بأنَّهُ استوى على عرشهِ هو العليمُ الخبيرُ الذي هو الرحمنُ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. وبذلكَ تعلم أنَّ منْ يدَّعي أنَّ الاستواءَ يستلزمُ التَّشبيهَ، وأنَّهُ غيرُ لائقٍ غيرُ خبيرٍ، نعمْ واللهِ هوَ غيرُ خبيرٍ» (٢).

стр. 34

الثاني عَشَرَ: الإشارةُ إليه حسًّا إلى العلوِّ . وهي واقعةٌ على أعلى جزءٍ مِنَ الكون، وتقعُ على عظمةِ الإلهِ، على ما يليقُ بهِ. فلقدْ أشارَ النبيُّ ﷺ الذي هوَ أعلمُ باللهِ وبما يجبُ لهُ، ويمتنعُ عليهِ منْ جميعِ البشرِ - إلى الله لمَّا كانَ بالمجمعِ الأعظمِ الذي لم يجتمعْ لأحدٍ مثلهُ، في اليومِ الأعظمِ، في المكانِ الأعظمِ، قالَ لهم: «وأَنْتُم تُسْأَلُونَ عنِّي، فمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ؟» قالوا: نشهدُ أنَّكَ قَدْ بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ (١). فرفعَ أصبعهُ الكريمةَ إلى السَّماءِ، رافعًا لها إلى منْ هوَ فوقهَا وفوقَ كلِّ شيءٍ، قائلًا: «اللَّهمَّ اشْهَدْ» (٢). فكأنَّا نشاهدُ تلكَ الأصبعَ الكريمةَ وهي مرفوعةٌ إلى الله، وذلكَ اللِّسانَ الكريمَ وهو يقولُ لمنْ رفع أصبعهُ إليهِ: «اللَّهمَّ اشْهَدْ»، تحقيقًا لإثْباتِ صفةِ العلوِّ، وأنَّ الرَّبَّ الذي اسْتشهدهُ فوقَ العالمِ مستوٍ على عرشهِ، ونشهدُ أنَّهُ بلَّغَ البلاغَ المبينَ، وأدَّى رسالةَ ربِّهِ كما أمرَ، ونصحَ أمَّتهُ غايةَ النَّصيحةِ، فلا يُحْتَاجُ مَعَ بيانهِ وتبليغهِ وكشفهِ وإيضاحهِ إلى تَنَطُّعِ المُتَنَطِّعِينَ، وحَذْلَقَةِ المُتَحَذْلِقِينَ! والحمدُ لله ربِّ العالمينَ (٣). قالَ ابنُ القيِّم ﵀: واللهُ أكبرُ من أشارَ رسولُه ... حقًا إليه بأصبعٍ وبنانِ

стр. 35

في مجمعِ الحقِ العظيمِ بموقفٍ ... دون المعرَّفِ موقفَ الغفرانِ منْ قالَ منكمْ منْ أشارَ بأصْبُعٍ ... قُطِعَتْ فعندَ اللهِ يجتمعانِ (١). وقال ﵀: وَلَقَدْ أشَارَ رَسُولُهُ فِي مَجْمَعِ الـ ... ـحَجِّ العَظِيمِ بِمَوْقِفِ الغُفْرَانِ نَحْوَ السَّمَاءِ بأصْبُعٍ قَدْ كُرِّمَتْ ... مُسْتَشْهِدًا للوَاحِدِ الرَّحمنِ يا رَبُّ فاشْهَدْ أنَّنِي بَلَّغْتُهُم ... وَيُشِيرُ نَحْوَهُمُ لِقَصْدِ بَيَانِ فَغَدَا البَنَانُ مُرَفَّعًا وَمُصَوَّبًا ... صَلَّى عَلَيْكَ الله ذُو الغُفْرانِ أدَّيْتَ ثُمَّ نَصَحْتَ إذْ بَلَّغْتَنَا ... حقَّ البَلاَغِ الوَاجِبِ الشُّكْرَانِ (٢). الثالثُ عَشَرَ: التَّصرِيحُ برَفْعِ الأيدي والأبصارِ إليه . ١ - عنْ سلمانَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ، يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ الرَّجُلُ إليهِ يَدَيْهِ أن يَرُدَّهُما صُفْرًا خَائِبَتَيْنِ» (٣). ٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ... اسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ» (٤). ٣ - عَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ فِي حديثهِ الطَّويلِ - قَالَ: «فَرَفَعَ [النَّبِيُّ ﷺ ] رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ... فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي واسْقِ مَنْ سقَانِي» (٥).

стр. 36

٤ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» (١). ٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللهَ لَنَا! فَرَفَعَ يَدَيْهِ (٢). ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ صاحِبَ الصُّورِ مُنْذُ وُكِّلَ بهِ مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ العَرْشِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُؤمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ» (٣).

стр. 37

قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ (٤٦٣هـ): «ومِنَ الحجَّةِ: في أنَّهُ على العرشِ، فوقَ السَّماواتِ السَّبعِ، أنَّ الموحِّدينَ أجمعينَ، مِنَ العربَ والعجمِ، إذا كَربهم أمرٌ، أو نَزلتْ بهم شدَّةٌ، رَفَعُوا وجوهَهُم إلى السَّماءِ، يَستغيثونَ ربَّهم ﵎؛ وهذا أشهرُ وأعرفُ، عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، منْ أنْ يحتاجَ فيهِ إِلَى أكثرِ منْ حكايتهِ؛ لأنَّهُ اضطرارٌ لمْ يُؤَنِّبْهم عليهِ أحدٌ، ولا أنكرهُ عليهمْ مسلمٌ» (١). وقالَ ابنُ أبي شيبةَ ﵀ (٢٩٧هـ): «وأجمعَ الخلقُ جميعًا أنَّهم إذا دعوا الله جميعًا، رفعوا أيديهمْ إلى السَّماءِ، فلوْ كانَ اللهُ في الأرضِ السُّفلى، ما كانوا يرفعونَ أيديهمْ إلى السَّماءِ وهو معهم في الأرضِ» (٢). وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ (٣٢٤هـ): «ورأينا المسلمينَ جميعًا يرفعونَ أيديهم إذا دَعَوْا نحوَ السماءِ، لأنَّ اللهَ مستوٍ على العرشِ الذي هو فوقَ السَّموات. فلولا أنَّ الله على العرشِ، لم يرفعُوا أيديَهم نحو العرشِ، كما لا يحطُّونها إذا دَعَوْا إلى الأرضِ» (٣).

стр. 38

وقالَ ابنُ قدامةَ ﵀ (٦٢٠هـ): «إنَّ الله تعالى وصفَ نفسهُ بالعلوِّ في السَّماءِ، ووصفهُ بذلكَ محمَّدٌ خاتمُ الأنبياءِ، وأجمعَ على ذلكَ جميعُ العلماءِ مِنَ الصَّحابةِ الأتقياءِ والأئمَّةِ مِنَ الفقهاءِ، وتواترتِ الأخبارُ بذلكَ على وجهٍ حصلَ بهِ اليقينُ، وجمعَ الله تعالى عليهِ قلوبَ المسلمينَ، وجعلهُ مغروزًا في طباعِ الخلقِ أجمعينَ، فتراهم عندَ نزولِ الكربِ بهم يَلْحَظُونَ السَّماءَ بأعينهم، ويرفعونَ نحوها للدعاءِ أيديهم، وينتظرونَ مجيءَ الفرجِ منْ ربِّهم، وينطقونَ بذلكَ بألسنتهمْ، لا ينكرُ ذلكَ إلَّا مبتدعٌ غالٍ في بدعتهِ، أو مفتونٌ بتقليدهِ واتِّباعهِ على ضلالتهِ» (١). الرابعُ عَشَرَ: النُّصوصُ الدَّالةُ على رؤيةِ أهلِ الجنَّةِ لهُ تعالى مِنَ الكتابِ والسنَّةِ ، وإخبارُ النبيِّ ﷺ أنَّهم يرونهُ كرؤيةِ الشمسِ والقمرِ (٢) ليلةَ البدرِ ليسَ دونهُ سحابٌ، ولا يرونهُ إلَّا منْ فوقهم (٣).

стр. 39

وهذهِ المسألةُ منْ أشرفِ مسائلِ أصولِ الدينِ، «وأجلِّها قدْرًا، وأعْلاها خطرًا، وأقرِّها لعيونِ أهْلِ السنَّةِ والجماعةِ، وأشدِّها على أهْلِ البدْعةِ والفرقةِ، وهي الغايةُ التي شمَّرَ إليهَا المشمِّرونَ، وتنافسَ فيهَا المتنافسونَ، وتسابقَ إليهَا المتسابقونَ، ولِمِثْلِهَا فليعْملِ العاملونَ، اتَّفقَ عليهَا الأنبياءُ والمرسلونَ، وجميعُ الصَّحابةِ والتَّابعونَ، وأئمَّةُ الإسلامِ على تتابعِ القرونِ، وأنْكرهَا أهْلُ البدعِ المارقونَ، والجهميَّةُ المُتَهَوِّكونَ، والفرعونيَّةُ المعطِّلونَ، والباطنيةُ الذينَ همْ منْ جميعِ الأدْيانِ مُنْسَلِخُونَ، وبحبائلِ الشيطانِ مُتَمَسِّكونَ، ومنْ حبْلِ الله منقطعونَ، وعلى مَسَبَّةِ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ عاكفونَ، وللسنَّةِ وأهْلهَا محاربونَ، ولكلِّ عدوٍّ للهِ ورسولهِ ودينهِ مُسَالِمُونَ، وكلُّ هؤلاءِ عنْ ربِّهمْ مَحْجُوبُونَ، وعنْ بابهِ مَطْرُودُونَ» (١). قالَ : ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (٢).

стр. 40

قالَ الحافظُ الذهبيُّ ﵀: «أحاديثُ رؤيةِ اللهِ في الآخرةِ متواترةٌ، والقرآنُ مصدِّقٌ لها» (١). وفيما يلي أوردُ بعضَ الأحاديثِ الدَّالَّة على رؤيةِ الله في الجنَّةِ. ١ - عنْ عمّارِ بْنِ ياسرٍ ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : « ... وأسألكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهكَ والشوقَ إلى لقائكَ» (٢). قال الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمَّدٍ التيميُّ ﵀: والنبيُّ ﷺ لا يسألُ سؤالًا يستحيلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يبعثُ نبيًَّا إلَّا وهوَ عالمٌ بما يجري عليهِ (٣). وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: أوَ مَا سَمِعْتَ سُؤالَ أَعْرَفِ خَلْقِهِ ... بِجلاَلِهِ المَبْعُوثِ بِالقُرْآنِ شَوْقًا إلَيْهِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ الذِي ... بِجَلاَلِ وَجْهِ الرَّبِّ ذِي السُّلْطَانِ الشَّوْقُ لَذَّةُ رُوحِهِ فِي هَذِهِ الدُّ ... نْيا وَيَوْمَ قِيَامَةِ الأبْدَانِ تَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ الَّذي فَازَتْ بِهِ ... دُونَ الجَوَارِحِ هَذِهِ العَيْنَانِ واللهِ مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ألَذُّ ... مِنَ اشْتِيَاقِ العَبْدِ لِلرَّحْمَنِ وَكَذَاكَ رُؤيَةُ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ ... هِيَ أكْمَلُ اللَّذَّاتِ للإِنْسَانِ لَكِنَّمَا الجَهْمِيَّ يُنْكِرُ ذَا وَذَا ... وَالوَجْهَ أيْضًا خَشْيَةَ الحِدْثَانِ تَبًّا لَهُ المَخْدُوع أنْكَرَ وَجْهَهُ ... وَلِقَاءَهُ وَمَحَبَّةَ الدَّيَّانِ وَكَلاَمَهُ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوَّهُ ... وَالعَرْشَ عَطَّلَهُ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَرَاهُ فِي وَادٍ وَرُسْلُ الله فِي ... وَادٍ وَذَا مِنْ أعْظَمِ الكُفْرَانِ (٤)
следующие страницы →