وقال الإمام أبو الفتح محمد بن علي الفقيه: دخلنا عَلَى الإمام أبي المعالي ابن الجويني نعوده فِي مرضِ موتهِ فأقعدَ، فقال لنا: «اشهدوا عليَّ أنِّي قَدْ رجعتُ عنْ كلِّ مقالةٍ قلتها أخالفُ فِيهَا مَا قَالَ السَّلفُ الصَّالحُ، وأنِّي أموتُ عَلَى مَا تموتُ عَلَيهِ عجائزُ نيسابور» (١).
قال شيخُ الإسلام: فإنَّ تلكَ العقيدةَ الفطريةَ التي للعجائزِ خيرٌ منْ هذهِ الأباطيلِ التي هي من شُعَبِ الكفرِ والنِّفاقِ، وهمْ يجعلونَها منْ بابِ التَّحقيقِ والتَّدقيقِ (٢).
وقَالَ الذهبيُّ ﵀: «هَذَا معنى قول بعض الأئمَّةِ: عليكم بدينِ العجائزِ. يعني أنهنَّ مؤمناتٌ بالله عَلَى فطرةِ الإسلامِ، لَمْ يدرينَ مَا علمُ الكلامِ» (٣).
٩١ - شيخُ الإسلام الهرويُّ (٤٨١ه ـ)
قَالَ الذهبيُّ ﵀: «غالبُ مَا رواهُ فِي كتابِ «الفاروق» صحاحٌ وحسانٌ، وفيهِ بابُ إثباتِ استواءِ اللهِ عَلَى عرشهِ فَوْقَ السَّمَاءِ السابعةِ بائنًا منْ خلقهِ مِنَ الكتابِ والسنَّةِ، فساقَ دلائلَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأحاديثِ إِلَى أَنْ قَالَ: وفي أخبارٍ شتَّى أنَّ الله فِي السَّمَاءِ السَّابعةِ على العَرْشِ، وعِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ واسْتِمَاعُهُ ونَظَرُهُ ورَحْمَتُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ» (٤).
وقال ﵀:
إلَهُنا مَرْئِيٌّ على العَرْشِ مُسْتَوٍ ... كَلاَمُهُ أَزَلِيٌّ رَسُولُهُ عَرَبِيٌّ
كُلُّ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا أَشْعَرِيٌّ ... مَذْهَبُنَا مَذْهَبٌ حَنْبَلِيٌّ (٥)
стр. 142
٩٢ - القيرواني ُّ (٤٨٩هـ)
قَالَ الإمامُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحسنِ الحضرميُّ القيروانيُّ المتكلِّم صاحب رسالة «الإيماء إِلَى مسألة الاسْتِوَاء» فساقَ فِيهَا قولَ أبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ، وأبي محمد بن أبي زيد، والقاضي عبد الوهَّاب، وجماعةٍ مِنْ شيوخِ الفقهِ والحديثِ أنَّ اللهَ سُبْحَانهُ مُسْتَوٍ عَلَى العَرْشِ بِذَاتِهِ:
قَالَ: «وأطلقوا فِي بعضِ الأماكنِ أنَّهُ فَوْقَ عرشهِ. ثمَّ قَالَ: وهذا هُوَ الصَّحيحُ الَّذِي أقولُ بِهِ مِنْ غيرِ تحديدٍ، وَلاَ تمكُّنٍ فِي مكانٍ، وَلاَ كون فيه وَلاَ مماسة».
قَالَ الذهبيُّ ﵀: «سلبُ هذه الأشياءِ وإثباتهُا مدارهُ عَلَى النَّقلِ، فلو وردَ شيءٌ بذلكَ نطقنَا بِهِ وإلَّا فالسُّكوتُ والكفُّ أشبهُ بشمائلِ السَّلفِ، إذِ التَّعَرُّضُ لذلكَ نوعٌ مِنَ الكيفِ وَهُوَ مجهولٌ، وكذلكَ نعوذُ بالله أنْ نثبتَ استواءَهُ بمماسةٍ أَوْ تمكُّنٍ بلا توقيفٍ وَلاَ أثرٍ، بَلْ نَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ كَمَا وَرَدَ النَّصُّ» (١).
وقالَ العلَّامَةُ ابنُ عثيمين ﵀: يخطيءُ بعضُ العلماءِ الذينَ قالوا: إنَّ الله استوى على العرشِ بدونِ مماسةٍ!!
نقولُ: ليسَ لكَ الحقُّ أنْ تقولَ: بدونِ مماسةٍ، ولا أنْ تقولَ: بمماسَّةٍ ..
دعْ هذا! يسعكَ ما وسِعَ الصَّحابةُ، الذين همْ أحْرصُ منكَ على العلمِ، وأشدُّ منكَ تعظيمًا لله . فكلمةُ بمماسةٍ أو غيرِ مماسةٍ يجبُ أنْ تلغى وتحْذف» اهـ. من «شرحه للسفارينية».
٩٣ - الفقيهُ نَصْر المقدسيُّ (٤٩٠ه ـ)
قَالَ ﵀ فِي كتابِ «الحجَّة» له - وَهُوَ مجلَّدٌ فِي السُّنَّةِ: - «وأنَّ الله تعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ» (٢).
стр. 143
٩٤ - ابن الحدَّاد (٥١٧ه ـ)
قَالَ ﵀: «وأَنَّهُ سُبْحَانهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وفَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وعلى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى الله عليهم وسَلَّمَ منْ غيرِ تَشْبِيهٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَلاَ تَحْرِيفٍ وَلاَ تَأْوِيلٍ» (١).
٩٥ - أبو الحسن بنُ الزاغونيِّ (٥٢٧ه ـ)
قالَ ﵀ في قصيدةٍ له: منها:
عَالٍ على العَرْشِ الرَّفِيع بِذَاتِهِ ... سُبْحَانَهُ عن قَوْلِ غَاوٍ مُلْحِدِ (٢).
٩٦ - الحسنُ الكرجيُّ (٥٣٢ه ـ)
قَالَ ﵀ فِي عقيدتهِ المشهورةِ، أوَّلها:
عَقِيدَةُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ فَقَدْ سَمَتْ ... بِأَرْبَابَ دينِ اللهِ أَسْنَى المَرَاتِبِ
عَقَائِدُهُم أنَّ الإِلَهَ بِذَاتِهِ ... عَلَى عَرْشِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالغَوَائِبِ
أنَّ استواءَ الرَّبِّ يُعْقَلُ كَوْنُهُ ... ويُجْهَلُ فِيْهِ الكَيْفُ جَهْلَ الشَّهَارِبِ (٣)
٩٧ - إسماعيلُ بنُ محمد التيميُّ الأصبهاني ُّ (٥٣٥هـ)
قال ﵀ في «كتاب الحجّة في بيان المحجَّة»: «بابٌ في بيانِ استواءِ الله على العرشِ. قال الله : ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، وقالَ في آيةٍ أخرى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١] ...
قالَ أهلُ السنَّةِ: اللهُ فوقَ السَّماواتِ لا يَعْلُوهُ خَلْقٌ منْ خَلْقِهِ، ومِنَ الدَّليلِ على ذلكَ: أنَّ الخلقَ يُشِيرونَ إلى السَّماءِ بأصابِعِهِم، ويَدْعُونَهُ ويَرفَعُونَ إليه أبصارَهُم.
стр. 144
وقال : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. والدليلُ على ذلكَ الآياتُ التي فيها ذكرُ إنزالِ الوحيِ.
ثمَّ عقدَ فصلًا في بيانِ أنَّ العرشَ فوقَ السَّماواتِ، وأنَّ الله فَوْقَ العَرْشِ، ثمَّ ذكرَ آياتٍ وأحاديثَ دالَّةً على عُلُوِّ اللهِ ثمَّ قالَ:
قالَ علماءُ أهلِ السنَّةِ: إنَّ الله على عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خلقهِ، وقالتِ المعتزلةُ: هوَ بذاتهِ في كلِّ مكانٍ، وقالتِ الأشعريةُ: الاستواءُ عائدٌ على العرشِ.
ولو كانَ كما قالوا، لكانتِ القراءةُ برفعِ العرشِ، فلمَّا كانتْ بخفضِ العرشِ دلَّ على أنَّهُ عائدٌ إلى الله تعالى.
وقالَ بعضُهم: استوى بمعنى استولى، قالَ الشاعرُ:
استوى بِشْرٌ على العراقِ ... منْ غيرِ سيفٍ ودمٍ مهراق (١)
والاستيلاءُ لا يُوصَفُ بهِ إلَّا منْ قدرَ على الشَّيءِ بعدَ العجزِ عنهُ. واللهُ تعالى لم يَزَلْ قادرًا على الأشياءِ ومستوليًا عليها. ألا ترى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِشْرٌ بالاستيلاءِ على العراقِ إلَّا وهوَ عاجزٌ عنهُ قبلَ ذلكَ (٢).
وزعمَ هؤلاءِ: أنَّ معنى قولهِ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، أي مَلَكَهُ، وأنَّه لا اختصاصَ لهُ بالعرشِ، أكثر ممَّا لهُ بالأماكنِ، وهذا إلغاءٌ لتخصيصِ العرشِ وتشريفهِ.
стр. 145
قالَ أهلُ السنَّةِ: خلقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ مخلوقًا قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، ثمَّ استوى على العرشِ، بعدَ خلقِ السَّماوات والأرضِ، على ما وردَ بهِ النَّصُّ، وليسَ معناهُ: المماسَّة، بل هوَ مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ بلا كَيْفٍ، كمَا أخبرَ عنْ نفسهِ.
وزعمَ هؤلاءِ: أنَّهُ لا يجوزُ الإشارةُ إلى الله سبحانهُ بالرؤوسِ والأصابعِ إلى فوق، فإنَّ ذلكَ يوجبُ التَّحديدَ.
وقدْ أجمعَ المسلمونَ أنَّ الله هوَ العليُّ الأعلى، ونطقَ بذلكَ القرآنُ في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١].
وزعموا أنَّ ذلكَ بمعنى: علوِّ الغلبةِ، لا علوِّ الذَّاتِ. وعندَ المسلمينَ: أنَّ لله عُلُوَّ الغَلَبَةِ، والعُلُوَّ منْ سائرِ وجوهِ العُلُوِّ، لأنَّ العلوَّ صفةُ مدحٍ، فثبتَ أنَّ لله تعالى علوَّ الذَّاتِ، وعُلُوَّ الصِّفاتِ، وعُلُوَّ القَهْرِ والغَلَبَةِ.
وفي منعهم الإشارةَ إلى الله سبحانهُ مِنْ جهةِ فوق، خلافٌ منهم لسائرِ المللِ؛ لأنَّ جماهيرَ المسلمينَ وسائرَ المللِ، قدْ وقعَ منهمُ الإجماعُ عَلَى الإشارةِ إِلَى اللهِ جَلَّ ثناؤهُ، منْ جهةِ الفوقِ فِي الدُّعاءِ والسؤالِ. فاتِّفاقهمُ بأجمعهمْ على ذلكَ حُجَّةٌ، ولمْ يَسْتَجِزْ أحدٌ الإشارةَ إليهِ منْ جهةِ الأسفلِ، ولا منْ سائرِ الجهاتِ، سوى جهةِ الفَوْقِ.
وقالَ الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]» (١).
стр. 146
٩٨ - عديُّ بنُ مسافر الأمويُّ الهكاريُّ (٥٥٥ه ـ)
قال ﵀ في «اعتقاد أهل السنة والجماعة» له: «وأنَّ اللهَ على عَرْشِهِ بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ في كِتَابِهِ وعلى لِسَانِ نَبِيِّهِ بلا كَيْفٍ، أحاطَ بكُلِّ شيءٍ علمًا وهو بِكُلِّ شيءٍ عليمٌ» (١).
٩٩ - العلامةُ يحيى بنُ أبي الخير العمرانُّي (٥٥٨ه ـ)
قال في كتابهِ: الانتصارُ في الردِّ على المعتزلةِ القدريةِ الأشرارِ:
«قدْ ذكرنَا في أوَّلِ الكتابِ أنَّ عندَ أصحابِ الحديثِ والسُّنةِ أنَّ الله سبحانهُ بذاتهِ، بائنٌ عَنْ خَلْقِهِ، على العرشِ استوى فوقَ السَّمواتِ، غيرَ مماسٍ لهُ، وعِلْمُهُ محيطٌ بالأشياءِ كلِّها.
وقالتِ الكرَّاميةُ: إنَّهُ مماسٌّ للعرشِ.
وقالتِ المعتزلةُ: إنَّ ذاتَ الله بكلِّ مكانٍ حتى بالحشوشِ وأجوافِ الحيوانِ.
قيلَ لبشرٍ المريسيِّ: فهوَ في جوفِ حماركَ هذا؟ قالَ: نعمَ، وهذا قولُ الحلوليَّةِ وهوَ كفرٌ صريحٌ لا إشكالَ فيهِ.
وقالتِ الأشعريةُ: لا يجوزُ وصفهُ بأنَّهُ على العَرْشِ ولا في السَّماءِ.
ثمَّ ذكرَ آياتٍ وأحاديثَ دالَّةً على عُلُوِّ اللهِ إلى أنْ قالَ:
ولأنَّ المسلمينَ مُجْمِعُونَ عندَ الدُّعاءِ على رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ وأَكُفِّهِمْ إلى نَحْوِ السَّماءِ؛ فَدَلَّ على صَحَّةِ ما قلناهُ.
ويقالُ لهم: إذا لم يَكُنِ اللهُ فوقَ العَرْشِ بمعنًى يختصُّ بالعرشِ كمَا قالَ أصحابُ الحديثِ، وكانَ بكلِّ مكانٍ، فقولوا: إنَّهُ تحتَ الأرضِ والسَّماءُ فوقهَا فهوَ تحتَ التَّحْتِ وأنَّهُ فَوْقَ الفَوْقِ والأشياءُ تحتَهُ وهذا متناقضٌ.
فإنِ احتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
стр. 147
فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] أي منْ حديثٍ بَيْنَ ثلاثةٍ إلا هوَ رابعُهم بالإِحَاطَةِ والعِلْمِ لا في العَدَدِ لأنَّهُ واحدٌ لا منْ عَدَدٍ، ولا واحدٌ في معناه (١)، وكذلك المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. إلى قوله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، يريدُ بالإحاطةِ والعِلْمِ لا بالذَّاتِ والحُلُولِ.
يَدُلُّ على صحةِ هذا التأويلِ قولهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] الآية .. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فبدأَ الآيةَ بالعِلْمِ وختمهَا بالعِلْمِ، فَدَلَّ على أنَّ المرادَ بذلك كُلِّهِ الإخبارُ عنْ عِلْمِهِ وإِحَاطَتِهِ بهم في جميعِ هذهِ الحالاتِ.
فإن احْتَجُّوا بقولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فأخبرَ أنَّه إلهٌ بكلِّ واحدٍ منهما.
فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالآيةِ أنهُ عندَ أهلِ السَّماءِ إلهٌ وعندَ أهلِ الأرضِ إلهٌ كمَا يقالُ: فلانٌ نبيلٌ مطاعٌ في العراقِ ونبيلٌ مطاعٌ في الحجازِ، يَعْنُونَ أنَّهُ نبيلٌ مطاعٌ فيهما وليس يَعْنُونَ أنَّ ذاتَهُ في العراقِ وفي الحجازِ.
فإن احْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا﴾ [النحل: ١٢٨] وبقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
стр. 148
فالجوابُ: أنَّ المرادَ على أنَّهُ أرادَ بالحفظِ والرعايةِ والنَّصرِ والتأييدِ مَعَ الذين اتقوا ومَعَ المحسنينَ ومَعَ موسى وهارون ﵉، فلا يُقَاسُ على هذا أنَّه معَ الفسَّاقِ والكفَّارِ، ولا مَعَ الكلابِ والخنازيرِ تعالى الله عنْ ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا.
وَتَأَوَّلَتِ المعتزلةُ ومَنْ تَابَعَهُم قولَ الله سبحانه: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] على أنَّ الاستواءَ هو الاستيلاءُ والقهرُ واحتَجُّوا بقولِ الشَّاعرِ:
قَدِ استوى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ ولا دَمٍ مِهْرَاقِ
والجوابُ: أنَّهُ لا يُقَالُ هذا إلَّا لمنْ كان عاجزًا عن قهرِ شيءٍ ثمَّ قهرهُ واستولى عليهِ، واللهُ سبحانه قاهرٌ ومُسْتَولٍ على كلِّ شيءٍ.
ثمَّ نقلَ كلامَ ابنِ الأعرابيِّ في إبطالِ تفسيرِ الاستواءِ بالاستيلاءِ ثمَّ قالَ:
ولو كانَ ما ذكروهُ صحيحًا لجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ الله مُسْتَوٍ على الحشوشِ والأمكنةِ التي يرغبُ عنْ ذكرِهَا لأنَّهُ مُسْتَولٍ عليهَا، ولو كانَ كذلكَ لم يَكُنْ لذكرهِ للعرشِ معنًى.
وأمَّا الأشعريةُ فقالوا: إذا قلتم إنَّه على العرشِ أفضى إلى أنَّهُ يكونُ محدودًا أو أنَّهُ يفتقرُ إلى مكانٍ وجهةٍ تحيطُ بهِ، وتعالى الله عنْ ذلكَ.
стр. 149
والجوابُ: أنَّا وإنْ قلنا إنَّهُ على العرشِ كمَا أخبرَ بكتابهِ وأخبرَ بهِ نبيُّه ﷺ فلا نقولُ إنَّهُ محدودٌ، ولا إنَّهُ يفتقرُ إلى مكانٍ، ولا تحيطُ بهِ جهةٌ ولا مكانٌ، بل كانَ ولا مكانَ ولا زمانَ ثمَّ خلقَ المكانَ والزمانَ، واستوى على العرشِ بلا كيفيَّةٍ، ولم يخلقِ العرشَ لحاجتهِ إليهِ، بلْ كما حُكِيَ عنْ ذي النونِ المصريِّ لمَّا قيل لهُ: ما أرادَ اللهُ بخلقِ العرشِ؟ فقالَ: أرادَ اللهُ أنْ لا تتيهَ قلوبُ العارفينَ ولم يَخْلُقْهُ لحاجتهِ إليهِ، فإذا قيلَ للعبدِ المؤمنِ أينَ اللهُ؟ قال: عَلَى العَرْشِ» (١).
١٠٠ - الشيخُ عبدُ القادر (٥٦٢ه ـ)
قَالَ شيخُ الإسلامِ سيِّدُ الوعَّاظِ عبد القادر الجيلي الحنبلي شيخ العراق فِي كتاب «الغنية»:
«وَهُوَ بِجِهَةِ العُلُوِّ، مُسْتَو عَلَى العَرْشِ، محتوٍ عَلَى الملكِ محيطٌ عِلْمُهُ بالأشياءِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ *﴾ [السجدة: ٥].
واللهُ تَعَالَى عَلَى العَرْشِ وَلاَ يَخْلُو منْ عِلْمِهِ مكانٌ، وَلاَ يجوزُ وصفهُ بأنَّهُ فِي كلِّ مكانٍ، بلْ يقالُ: إنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى العَرْشِ، كَمَا قَالَ جلَّ ثناؤهُ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقالَ فِي ذكرِ مقالةِ السالميَّة: «ومنْ قولهم إنَّ الله تَعَالَى فِي كلِّ مكانٍ، وَلاَ فرقَ بينَ العرشِ وغيرهِ مِنَ الأمكنةِ. قَالَ: وفي القرآنِ تكذيبهم، قَالَ الله : ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] وَلاَ يُقَالُ عَلَى الأرضِ استوى، وَلاَ عَلَى بطونِ الجبالِ وغيرِ ذَلِكَ مِنَ الأمكنةِ» (١).
تنبيه: قال ابنُ حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (١/ ١٤٥): وإياك أن تغتر أيضاً بما وقع في [الغُنْية] لإمام العارفين وقطب الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني، فإنه دسَّه عليه فيها مَنْ سينتقم اللَّهُ منه وإلا فهو برىء من ذلك.
وهذا الكلامُ أوهى من خيوط العنكبوت وعارٍ من الصحةِ وقائمٍ على جرفٍ هارٍ.
وكلامُ الجيلاني في إثبات الجهةِ والعلو لله تعالى ذكرهُ ابنُ تيمية في أكثر من موضع من كتبهِ (٢)، والذهبي في «العلو»، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية»، وابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة». فهل تواطأ هؤلاء الأمة الكبار على الكذب على هذا الإمام؟! سبحانك هذا بهتانٌ مبين.
стр. 152
١٠١ - ابنُ رشد المالكيُّ (٥٩٥ه ـ)
قالَ ابنُ رشدٍ ﵀: «القولُ بالجهةِ: وأمَّا هذهِ الصِّفَةُ فلمْ يزل أهلُ الشَّريعةِ منْ أولِ الأمرِ يثبتونها لله ، حتَّى نَفَتْها المعتزلةُ ثمَّ تبعهم على نفيِّها متأخرو الأشعريةِ، ... وظواهرُ الشَّرعِ كلُّها تقتضي إثباتَ الجهةِ مثلُ قولهِ تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ *﴾ [السجدة: ٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ومثلُ قولهِ تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *﴾ [الملك: ١٦]، إلى غيرِ ذلكَ من الآياتِ، التي إنْ سُلِّطَ عليها التأويلُ عادَ الشَّرعُ كلُّهُ مُؤَوَّلًا، وإنْ قيلَ فيهَا إنَّها من المتشابهاتِ عادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُتَشَابِهًا؛ لأنَّ الشرائعَ كلَّها مَبْنِيَّةٌ على أنَّ اللهَ في السَّماءِ، وأنَّ منهُ تنزلُ الملائكةُ بالوحي إلى النبيينَ، وأنَّ مِنَ السماءِ نزلتِ الكتبُ، وإليهَا كانَ الإسراءُ بالنبيِّ، حتَّى قربَ من سدرةِ المنتهى. وجميعُ الحكماءِ قَدِ اتَّفقوا أنَّ اللهَ والملائكةَ في السَّماءِ، كما اتَّفَقَتْ جميعُ الشرائعِ على ذلكَ» (١).
١٠٢ - المقدسيُّ (٦٠٠ه ـ)
قال الإمامُ الحافظُ عبدُ الغنيِّ بنُ عبد الواحد المقدسيُّ في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد»:
«مِنْ صفاتِ الله تعالى التي وصفَ بها نفسَهُ، ونطقَ بهَا كتابهُ، وأخبرَ بها نبيُّه: أنَّهُ مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ كما أخبرَ عنْ نفسهِ، ثمَّ ذكرَ آياتِ الاسْتِوَاءِ السبعِ إِلَى أنْ قَالَ:
فهذهِ سبعةُ مواضعَ أخبرَ الله فيهَا سبحانهُ أنَّهُ على العرشِ.
ثمَّ ساقَ جملةً مِنَ الأحاديثِ في ذلكَ إلى أنْ قالَ:
стр. 153
وفي هذهِ المسألةِ أدلَّةٌ مِنَ الكتابِ والسنَّةِ يطولُ بذكرهَا الكتاب.
ومُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ اللهُ في جِهَةِ العُلُوِّ بعدَ هذهِ الآياتِ والأحاديثِ مُخَالِفٌ لكتابِ اللهِ، مُنْكِرٌ لِسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ » (١).
١٠٣ - القرطبيُّ (٦٧٧ه ـ)
قالَ الإمامُ القرطبيُّ ﵀ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: «هذهِ مسألةُ الاستواءِ، وللعلماءِ فيها كلامٌ وإجراءٌ .. والأكثرُ مِنَ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ أنَّه إذا وجبَ تنزيهُ الباري سبحانهُ عَنِ الجهةِ و [التحيزِ] فمنْ ضرورةِ ذلكَ ولواحقهِ اللازمةِ عليهِ عندَ عامةِ العلماءِ المتقدمينَ وقادتهم مِنَ المتأخرينَ تنزيههُ ﵎ عَنِ الجهةِ، فليسَ بجهةِ فوق عندهم، لأنَّه يلزمُ منْ ذلكَ عندهم متَّى اختصَّ بجهةٍ أنْ يكونَ في مكانٍ أو حَيِّزٍ، ويلزمُ على المكانِ والحَيِّزِ الحركةُ والسكونُ للمُتَحَيِّزِ، والتغيرُ والحدوثُ. هذا قول المُتَكَلِّمِينَ. وقدْ كانَ السَّلفُ الأولُ ﵃ لا يقولونَ بنفيِّ الجهةِ ولا ينطقونَ بذلكَ، بلْ نطقوا هم والكآفَّةُ بإثباتها لله تعالى كمَا نطقَ كتابهُ وأخبرتْ رسلهُ. ولم ينكرْ أحدٌ مِنَ السَّلفِ الصَّالحِ أنَّه استوى على عرشهِ حقيقةً وخصَّ العرشَ بذلكَ لأنَّه أعظمُ مخلوقاتهِ، وإنَّما جهلوا كيفيةَ الاستواءِ فإنَّه لا تُعلم حقيقتهُ» (٢).
وقالَ فِي «الأسنى» - بعد أن حكى أربعةَ عَشَرَ قولًا فِي معنى الاسْتِوَاءِ -:
стр. 154
«وأظهرُ هذهِ الأقوالِ - وإنْ كنتُ لاَ أقولُ بِهِ وَلاَ أختارهُ (١) - مَا تظاهرت عَلَيهِ الآيُ والأخبارُ أنَّ الله سُبْحَانهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أخبرَ فِي كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّهِ بلا كَيْفٍ، بائنٌ منْ جميعِ خَلْقِهِ. هَذَا جُمْلَةُ مذهبِ السَّلفِ الصَّالحِ فيما نَقَلَ عنهمُ الثِّقَاتُ» (٢).
وفي قولهِ ﵀: «وإنْ كنتُ لا أقولُ بهِ»، غايةُ العجبِ؛ لأنَّهُ اعترفَ بتظافرِ الآياتِ القرآنيةِ عليهِ ودلالةِ الأخبارِ النبويةِ إليهِ وتعويلِ السَّلف الصالحِ الأخيارِ عليهِ، فكيفَ يليقُ مِنْ مثلهِ أنْ يقولَ: وإنْ كنتُ لا أقولُ بهِ ولا أختارهُ، مَعَ الدلالاتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويةِ وكونهِ معتقدَ الرَّعيلِ الأوَّلِ؟!
١٠٤ - الشيخ الفقيهُ الصالحُ تقيُّ الدين المقدسي ُّ (٦٠٨ - ؟)
قال الذهبي ﵀: «رأيت له مُصَنَّفًا في الصِّفاتِ، ولمْ يصحَّ عنهُ ما كانَ يلطخ بهِ مِنَ التَّجسيمِ، فإنَّ الرجلَ كانَ أتقى لله وأخوفَ منْ أنْ يقولَ على الله ذلكَ، ولا ينبغي أنْ يُسْمَعَ فيهِ قولُ الخصومِ.
وكانَ الواقعُ بينهُ وبينَ شيخنا العلامة شمس الدين ابن أبي عمر وأصحابه، وهو فكانَ حنبليًّا خشنًا متحزقًا على الأشعريةِ. وبلغني أنَّ بعضَ المتكلِّمينَ قالَ لهُ: أنتَ تقولُ إنَّ الله استوى على العرشِ؟ فقالَ: لا والله ما قلتهُ، لكنَّ الله قالهُ، والرسولُ ﷺ بلَّغَ، وأنا صَدَّقتُ، وأنتَ كَذَّبْتَ. فأَفْحَمَ الرَّجلَ» (٣).
стр. 155
١٠٥ - العلاّمةُ الشَّوكانِيُّ (١٢٥٥ه ـ)
قال ﵀: «الاستواءُ على العرش، والكونُ في تلكَ الجهةِ، قد صرَّح به القرآنُ الكريمُ في مواطنَ يكثرُ حصرهَا، ويطولُ نشرها. وكذلكَ صرَّح بهِ رسولُ الله ﷺ في غيرِ حديثٍ، بل هذا ممَّا يجده كلُّ فردٍ منْ أفرادِ النَّاسِ في نفسهِ، وتحِسه في فطرته وتجذبه إليه طبيعتهُ كما نراه في كلِّ مَنِ استغاثَ بالله ، والتجأَ إليهِ، ووجَّهَ أدعيتهُ إلى جانبهِ الرفيعِ وعزِّهِ المنيعِ، فإنَّهُ يشيرُ عندَ ذلكَ بكفهِ أو يرمي إلى السَّماءِ بطرفهِ، ويستوي في ذلكَ عندَ عروضِ أسبابِ الدعاءِ وحدوثِ بواعثِ الاستغاثةِ ووجودِ مقتضياتِ الإزعاجِ، وظهورِ دواعي الالتجاءِ، عالمُ الناس وجاهلهم. والماشي على طريقِ السَّلفِ والمقتدي بأهلِ التأويلِ القائلينَ بأنَّ الاستواءَ هو الاستيلاءُ، فالسلامةُ والنجاةُ في إمرارِ ذلكَ على الظاهرِ والإذعان بأنَّ الاستواءَ والكون على ما نطقَ بهِ الكتابُ والسنةُ منْ دونِ تكييفٍ ولا تكلُّفٍ، ولا قيل ولا قال، ولا قصورٍ في شيءٍ منَ المقالِ.
فمنْ جاوزَ هذا المقدارَ بإفراطٍ أو تفريطٍ فهو غيرُ مقتدٍ بالسَّلفِ، ولا واقفٍ في طريقِ النَّجاةِ، ولا معتصمٍ عَنِ الخطأ ولا سالكٍ في طريقِ السلامة والاستقامة» (١).
فقدْ تبينَ بهذا الكلامِ أنَّ مثلَ هذهِ المسألةِ «العظيمةِ التي هي منْ أعظمِ مسائلِ الدينِ لم يكن السَّلفُ جاهلينَ بها ولا معرضينَ عنها، بلْ منْ لمْ يعرف ما قالوه فهو الجاهلُ بالحقِّ فيها، وبأقوالِ السلفِ، وبمَا دَلَّ عليه الكتابُ والسنةُ، والصَّوابُ في جميع مسائلِ النزاعِ ما كانَ عليهِ السلفُ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وقولهم هو الذي يدلُّ عليهِ الكتابُ والسنةُ والعقلُ الصريحُ» (٢).
стр. 156
ومنْ تدبَّرَ كلامَ أئمَّةِ السنَّةِ المشاهيرِ في هذا البابِ علمَ أنَّهم كانوا أدقَّ النَّاسِ نظرًا، وأعلمَ النَّاسِ في هذا البابِ بصحيحِ المنقولِ وصريحِ المعقولِ، وأنَّ أقوالهم هي الموافقةُ للمنصوصِ والمعقولِ، ولهذا تأتلفُ ولا تختلفُ، وتتوافقُ ولا تتناقضُ.
والذينَ خالفوهم لم يفهموا حقيقةَ أقوال السَّلفِ والأئمةِ، فلمْ يعرفوا حقيقةَ المنصوصِ والمعقولِ، فتشعَّبتْ بهم الطرقُ، وصاروا مختلفينَ في الكتابِ، مخالفينَ للكتابِ وقدْ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] (١).
وقدْ طوَّلنا في هذا المكان، ولو ذكرنا كلَّ منْ لهُ كلامٌ في إثباتِ علوِّ الله على العرشِ مِنَ الأئمةِ لاتسعَ الخرقُ، وإذا كان المخالفُ لا يهتدي بمن ذكرنا فلا هداه الله. ولا خيرَ - والله - فيمن ردَّ على الأئمةِ المذكورين الذين هم لُبُّ اللُّبَابِ ونقاوةُ الأمَّةِ في كلِّ عصرٍ، وهو مُتَّبِعٌ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ (٢).
стр. 157
الدَّلِيلُ مِنَ الفِطْرَةِ
إنَّ عُلُوَّه « على العالمِ وأنَّهُ فوقَ السَّماواتِ كلِّها وأنَّهُ فوقَ عَرْشِهِ أمرٌ مُسْتَقِرٌ في فِطَرِ العبادِ معلومٌ لهم بالضَّرورةِ كمَا اتَّفقَ عليهِ جميعُ الأممِ إقرارًا بذلكَ وتصديقًا منْ غيرِ تَوَاطئٍ منهم على ذلكَ ولا تشاعرٍ، وهم يخبرونَ عنْ أنفسهم أنَّهم مضطَّرون إلى توجيهِ قلوبهم إلى العلوِّ كما أنَّهم مضطَّرونَ إلى دعائهِ وقصدهِ وسؤالهِ كما أنَّهم يضطَّرونَ إلى الإقرارِ بهِ وأنَّهُ ربُّهم وخالقهم ومليكهم ولا يجدون فرقًا بينَ هذا الاضطِّرارِ وهذا، فكما لا تتوجَّهُ قلوبهم إلى ربٍّ غيرهِ ولا إلى إلهٍ سواهُ فكذلكَ لا يجدونَ في قلوبهم توجُّهًا إلى جهةٍ أخرى غيرِ العلوِّ، بلْ يجدونَ قلوبهم مضطرةً إلى قصدِ جهةِ العلوِّ دونَ سائرِ الجهاتِ وهذا يتضمَّنُ اضطرارهم إلى قصدهِ سبحانهُ في العلوِّ، وإقرارهم وإيمانهم بذلكَ» (١) إلَّا مَنِ اجتالتهُ الشياطينُ فأخرجتهُ عنْ فطرتهِ التي فُطِرَ عليها (٢).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وإليْهِ أيدِي السَّائِلينَ تَوجَّهَتْ ... نَحْوَ العُلُوِّ بِفِطْرَةِ الرَّحْمَنِ
وإليْه آمالُ العِبَادِ توجَّهَتْ ... نَحْوَ العُلُوِّ بِلاَ تَواصٍ ثَانِ
بَلْ فِطْرةُ اللهِ التيِ لَمْ يُفْطرُوا ... إلَّا عَلَيْهَا الخلْقُ والثَّقَلاَنِ
ونَظِيرُ هَذَا أنَّهُمْ فُطِرُوا عَلَى ... إقرَارِهِمْ لاَ شَكَّ بالدَّيَّانِ
لَكِنْ أولُو التعْطِيلِ مِنْهُمْ أصْبَحُوا ... مَرْضَى بدَاءِ الجَهْلِ والخُذْلاَنِ (٣)
стр. 158
وجميعُ الطوائفِ تنكرُ قولَ المُعَطِّلةِ إلَّا منْ تلقَّاهُ منهم، وأمَّا العامَّةُ منْ جميعِ الأممِ ففِطَرُهُمْ جميعهم مُقِرَّةٌ بأنَّ الله فَوْقَ العَالَمِ، وإذا قيلَ لهم لا داخلَ العالمِ ولا خارجَهُ ولا فوقَهُ ولا تحتَهُ، ولا تُرفعُ إليهِ الأيدي ولا تتوجَّهُ إليهِ القلوبُ نحوَ العلوِّ أنكرتْ فطرهُمْ ذلكَ غايةَ الإنكارِ ودفعتهُ غايةَ الدفعِ (١). ومنهمْ منْ لا يصدِّقُ أنَّ عاقلًا يقولُ ذلكَ، لظهورِ هذه القضيةِ عندهم، واستقرارِهَا في أنفسهم، فينسبونَ منْ خالفها إلى الجنونِ (٢).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَعُلُوُّهُ فَوْقَ الخَلِيقَةِ كُلِّهَا ... فُطِرَتْ عَلَيْهِ الخَلقُ والثَّقلانِ
لاَ يَسْتَطيعُ مُعَطِّلٌ تَبْدِيلَهَا ... أبَدًا وَذَلِكَ سُنَّةُ الرَّحْمَنِ
كُلٌّ إذَا مَا نَابَهُ أمْرٌ يُرَى ... مُتَوجِّهًا بِضَرُورَةِ الإِنْسَانِ
نَحْوَ العُلُوِّ فَلَيْسَ يَطْلُبُ خَلْفَهُ ... وَأمَامَهُ أوْ جَانِبَ الإِنْسَانِ (٣)
يقولُ شيخُ الإسلامِ ﵀ في تقريرِ ذلكَ: « ... وأنَّ الخلقَ كلَّهم إذا حزبهمْ شدَّةٌ أو حاجةٌ في أمرٍ، وجَّهوا قلوبهمْ إلى الله يدْعونهُ ويسألونهُ؛ وأنَّ هذا أمرٌ متَّفقٌ عليهِ بينَ الأمم التي لمْ تغيَّر فطرتها، لم يحْصل بينهم بتواطىءٍ واتفاقٍ. ولهذا يوجدُ هذا في فطرةِ الأعْرابِ والعجائزِ والصِّبيانِ مِنَ المسْلمينَ واليهودِ والنَّصارى والمشْركينَ، ومنْ لمْ يقرأ كتابًا، ولمْ يتلقَّ مثلَ هذا عنْ معلِّمٍ ولا أسْتاذٍ ... » (٤).
ونذكرُ في هذا المقامِ: ما جرى بينَ شيخِ الإسلامِ وبينَ أحدِ المشايخِ النَّافينَ للعلوِّ، يقولُ شيخُ الإسلامِ مخبرًا عنْ ذلكَ: «ولقدْ كانَ عندي منْ هؤلاءِ النَّافينَ لهذا - يعني صفةَ العلوِّ - منْ هوَ منْ مشايخهم، وهوَ يطلبُ منِّي حاجةً، وأنا أُخاطبهُ في هذا المذهبِ كأنِّي غيرُ منكرٍ لهُ، وأخَّرتُ قضاءَ حاجتِهِ حتَّى ضاقَ صدرهُ، فرفعَ طرفهُ ورأسهُ إلى السَّماءِ، وقالَ: يا الله. فقلتُ لهُ: أنتَ محققٌ لمنْ ترفعُ طرفكَ ورأسكَ؟! وهل فوقَ عندكَ أحدٌ؟ فقالَ: أستغفرُ الله، ورجعَ عنْ ذلكَ لمَّا تبيَّنَ لهُ أنَّ اعتقادَهُ يخالفُ فطرَتهُ، ثمَّ بيَّنتُ لهُ فسادَ هذا القولِ، فتابَ منْ ذلكَ، ورجعَ إلى قولِ المسلمينَ المستقرِّ في فِطْرَتِهم» (١).
وقدْ اعترضَ على الدَّليلِ الفطريِّ: أنَّ ذلكَ إنَّما لكونِ السَّماءِ قبلةَ الدعاءِ، كمَا أنَّ الكعبةَ قبلةٌ للصَّلاةِ، ثمَّ هوَ منْقوضٌ بوضعِ الجبْهةِ على الأرضِ معَ أنَّهُ ليسَ في جهةِ الأرضِ. وهذا الكلامُ باطلٌ معلومٌ بالاضطرارِ بطلانُهُ، مخالفٌ لصريحِ المعقولِ، وصحيحِ المنقولِ عنْ الرسولِ ﷺ . وذلكَ يظهرُ بوجوهٍ:
أحدُها:
أنَّ قولَكُم: إنَّ السَّماءَ قبْلَةُ الدُّعاءِ لمْ يقلْهُ أحدٌ منْ سلفِ الأمَّةِ، ولا أنْزلَ اللهُ بهِ منْ سُلطانٍ، وهوَ قولٌ مُحْدَثٌ، ومخالفٌ لإجماعِ المسلمينَ، ولما عُلِمَ بالاضطرارِ منْ دينِ الإسلامِ، فيكونُ منْ أبطلِ الباطلِ.
الوجهُ الثاني:
أنَّ توجُّهَ الخلائقِ بقلوبهم وأيديهم وأبصارهم إلى السَّمَاءِ حالَ الدُّعاءِ أمرٌ فطريٌّ ضروريٌّ لا يختصُّ بهِ أهلُ المللِ والشرائعِ؛ والمسْتقبلُ للكعبةِ يعْلمُ أنَّ الله تعالى ليسَ هناكَ، بخلافِ الدَّاعي، فإنَّه يتوجَّهُ إلى ربِّهِ وخالقهِ، ويرجو الرَّحمةَ أنْ تَنْزِلَ منْ عندهِ.
стр. 161
الوجهُ الثالثُ:
أنَّ قبلةَ الدُّعاءِ هي قبْلةُ الصَّلاةِ، فإنَّهُ يسْتحبُّ للدَّاعي أنْ يسْتقْبلَ القِبْلَةَ، وكانَ النبيُّ ﷺ يسْتقبلُ القبْلةَ في دعائهِ في مواطنَ كثيرةٍ، فمنْ قالَ: إنَّ للدُّعاءِ قبْلةً غيْرُ قبْلةِ الصَّلاةِ، أو إنَّ لهُ قبْلتينِ: إحْداهما الكعْبةُ، والأخْرى السَّماءُ، فقدِ ابْتدعَ في الدِّينِ، وخالفَ جماعةَ المسْلمينَ.
الوجهُ الرابعُ:
أنَّ القبلةَ تقبلُ النَّسخَ، كما نُسِخَتْ منْ بيتِ المقْدِسِ إلى المسجدِ الحرامِ، أمَّا التَّوجُّهُ إلى السَّماءِ حالَ الدُّعاءِ فهوَ أمْرٌ مركوزٌ في الفطرِ، لا يتوجَّهونَ إلى غيرِ جهةِ العلوِّ، يفعلهُ العالمُ والجاهلُ.
وإذا كانتِ القبلةُ أمرًا يقبلُ النَّسخَ والتبديلَ فيجبُ على هذا التقديرِ إذا كانتِ السَّماء قدْ جعلتْ قبلةً للدعاءِ أنْ يجوز تغييرُ ذلكَ وتبديلُه؛ حتىَّ يجوز أنْ يُدْعا الله إلى نحو الأرضِ، ويجوزُ أنْ يدعوهُ الإنسانُ مِنَ الجهاتِ السِتِّ، ويمدُّ يدَهُ وعينيهِ إلى سائرِ جهاتهِ، وأنْ يكونَ ذلكَ قبلةً لبعضِ الدَّاعينَ دونَ بعضٍ (١).
الوجهُ الخامسُ:
أنَّ القبلةَ: مَا يستقبلهُ العابدُ بوجههِ، كما تُسْتَقْبَلُ الكعبةُ في الصَّلاةِ والدُّعاءِ والذِّكرِ والذَّبْحِ، ولذلك سمِّيتْ وُجْهَةً، والاسْتقْبالُ خلافُ الاسْتدْبارِ، فالاسْتقْبالُ بالوجْهِ، والاستدْبارُ بالدُّبرِ، فأمَّا مَا حاذاهُ الإنْسانُ برأسهِ أو يديهِ أو جنْبهِ، فهذا لا يسمَّى قبْلةً، لا حقيقةً ولا مجازًا، فلو كانتِ السَّماءُ قبلةَ الدُّعاءِ، لكانَ المشروعُ أنْ يوجِّهَ الدَّاعي وجههُ إليها، وهذا لمْ يشْرعْ.
الوجهُ السادسُ:
أنَّ القبلةَ لا يجدُ النَّاسُ فِي أنفسهم معنًى يطلب تعيينها، وَلاَ فرقَ بين قبلةٍ وقبلةٍ، بخلافِ التَّوجُّهِ في الدُّعاءِ نحوَ السَّماءِ، فالنَّاسُ يجدونَ في أنْفسهم طلبًا ضروريًّا لما فوق.
стр. 162
الوجهُ السابعُ:
عندما كانَ رسولُ الله ﷺ يُقَلِّبُ وجههُ (في السَّماء) يسألُ الله وهوَ أعلمُ بهِ - عن القبلةِ، استجابَ لهُ ربُّه وحدَّد لهُ المسجدَ الحرامَ، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] والنصُّ هنا يشيرُ بوضوحٍ إلى أنَّ الله أبدلَ نبيَّهُ ﷺ قبلةً جديدةً يرضاها هي المسجدُ الحرامُ بدلًا منْ بيتِ المقدسِ، ولم يسمِّ تَقَلُّبَ وجهِ النبيِّ ﷺ في السَّماءِ توجُّهًا نحو القبلةِ، بلْ إنَّ النَّصَّ يشيرُ إلى أنَّ تَقَلُّبَ وجههِ في السَّماءِ إنَّما كانَ ينتظرُ الأمرَ مِنَ الله في السَّماء، الذي استجابَ لهُ وعيَّن لهُ قبلةً في الأرضِ لا في السَّماء (١).
الوجهُ الثامنُ:
رفعُ الأيدي بالدعاءِ «يتضمنُ ثلاثةَ أشياء: الرفعُ الذي فيهِ الإشارة الحسية الظاهرة، والقصدُ والإرادة التي يقصدُ بها الصمدُ الأعلى، والاعتقاد الذي هو أصلُ القصدِ الذي هو أصلُ العمل. [والجهمية يزعمون] أن الثلاثة فاسدة. فيقال: لو كانَ الأمرُ كذلك لكانَ النهيُ عن ذلك من أعظمِ الواجباتِ في الدينِ، إذ ذاكَ من أعظمِ المنكراتِ لتضمنهِ اعتقادًا فاسدًا في حقِّ اللهِ تعالى، ودعًا فاسدًا متعلقًا بهِ، وعبادةً غير صالحة لهُ.
стр. 163
ومِنَ المعلومِ أنَّ اللهَ قد بعثَ الأولينَ والآخرينَ مِنَ النبيِّين مبشرين ومنذرين، ولم ينه أحدٌ من الأنبياء والمرسلين لبني آدمَ عن شيء من ذلك، لا عن هذا الرفعِ ولا عن هذا القصدِ ولا عن هذا الاعتقاد، بل كانَ الأنبياءُ موافقين لهم على هذا العمل، وذلك يوجب العلم الضروري من دين النبيين: أن ذلك عندهم ليس من المنكر بل من المعروف، وذلك يبطلُ كونهُ مبنيًّا على اعتقادٍ فاسدٍ في حقِّ الله تعالى مستلزمًا له ودالًّا عليهِ، فإن كلَّ ما كانَ متفرعًا عن الاعتقاد الفاسد أو كانَ مستلزمًا له مثل أن يكونَ دليلًا عليه فإنهُ يجبُ النهي عنهُ، فإن العقائدَ الفاسدةَ، والمقاصدَ الفاسدةَ، في حقِّ الله تعالى تجبُ إزالتها وإزالةُ فروعها وأصولها التي توجبها.
وإذا كان كذلك فالجهمية تنهى عن هذا الاعتقادِ وهذه الإرادةِ، فهم ناهونَ عن معرفةِ اللهِ تعالى وعبادتهِ» (١).
فتبيَّنَ منْ هذا الكلامِ: أنَّ القولَ بأنَّ السَّماءَ قبلةُ الدُّعاءِ منْ أعْظمِ الفريةِ على الله، وأنَّهُ منْ جملةِ افْتراءاتِ الجهميَّةِ ونحوهم على اللهِ وعلى رسلهِ ودينهِ.
وأمَّا النَّقْضُ بوضْعِ الجبهة، فما أفْسَدَهُ منْ نقْضٍ، وهذا يتبيَّنُ منْ وجوهٍ:
أحدُها:
أن يُقالَ: وضعُ الجبهةِ على الأرضِ لم يتضمَّنْ قصدَهُمْ لأحدٍ في السُّفلِ، بل السُّجودُ بها يُعقلُ أنَّهُ تواضعٌ وخضوعٌ للمسجودِ لهُ، لا طلبٌ وقصدٌ ممَّنْ هو في السُّفلِ، بخلافِ رفعِ الأيدي إلى العلوِّ عندَ الدعاءِ، فإنَّهم يقصدونَ بهِ الطلبَ ممنْ هوَ في العلوِّ.
стр. 164
والاستدلالُ هوَ بقصدهم القائمِ بقلوبهم، وما يتبعهُ منْ حركاتِ أبدانهم، والداعي يجدُ منْ قلبهِ معنًى يطلبُ العلوَّ، والساجدُ لا يجدُ منْ قلبهِ معنًى يطلبُ السُّفلَ، بلِ السَّاجدُ أيضًا يقصدُ في دعائهِ العلوَّ، فقصدُ العلوِّ عندَ الدعاءِ يتناولُ القائمَ والقاعدَ والراكعَ والسَّاجدَ (١).
الوجهُ الثاني:
أنَّ وضعَ الجبهةِ على الأرضِ يفعلهُ النَّاسُ لكلِّ منْ تواضعوا لهُ منْ أهلِ الأرضِ والسَّماء، ولهذا يسجدُ المشركونَ للأصنامِ والشَّمْسِ والقمرِ سجودَ عبادةٍ، وقدْ سجدَ ليوسفَ أبواهُ وإخوتهُ سجودَ تحيةٍ لا عبادةٍ، لكونِ ذلكَ كانَ جائزًا في شرعهم، وأمرَ الله الملائكةَ بالسُّجودِ لآدمَ، والسُّجودُ لا يختصُّ بمنْ هو في الأرضِ، بلْ لاَ يكادُ يُفْعَلُ لمنْ هو في بطنها، بلْ لمنْ هو على ظهرهَا عالٍ عليها، وأمَّا توجيهُ القلوبِ والأبصارِ والأيدي عندَ الدعاءِ إلى السَّماء فيفعلونهُ إذا كان المَدْعُوُّ في العُلُوِّ، فإذا دَعَوُا اللهَ فَعَلُوا ذلكَ، وإنْ قُدِّرَ منهم منْ يدعو الكواكبَ ويسألها، أو يدعو الملائكةَ، فإنَّهُ يفعلُ ذلكَ.
стр. 165
فعُلمَ أنَّ قصدَهم بذلكَ التوجُّهِ إلى جهةِ المدعوِّ المسؤولِ الذي يسألونهُ ويدعونهُ، حتى لو قُدِّرَ أنَّ أحدهم يدعو صنمًا أو غيرهُ ممَّا يكونُ على الأرضِ لكانَ توجُّهُ قلبهِ ووجههِ وبدنهِ إلى جهةِ معبودهِ الذي يسألهُ ويدعوهُ، كما يفعلهُ النَّصارى في كنائسهم فإنَّهم يوجِّهونَ قلوبهم وأبصارهم وأيديهم إلى الصُّوَرِ المصوَّرةِ في الحيطانِ وإنْ كانَ قصدهم صاحبَ الصُّورةِ، وكذلكَ مَنْ قصدَ الموتى في قبورهم، فإنَّه يوجِّهُ قصدَهُ وعينَهُ إلى منْ في القبرِ، فإذا قَدَّرَ أنَّ القبرَ أسفلُ منهُ توجَّهَ إلى أسفلَ، وكذلكَ عابدُ الصَّنمِ إذا كان فوقَ المكانِ الذي فيهِ الصنمُ، فإنَّهُ يُوَجِّهُ قَلْبَهُ وطَرْفَهُ إلى أسفلَ، لكونِ معبودهِ هناكَ.
فعُلمَ بذلكَ أنَّ الخلقَ متَّفقونَ على أنَّ توجيهَ القلبِ والعينِ واليدِ عندَ الدُّعاءِ إلى جهةِ المدعوِّ، فلما كانوا يُوَجِّهون ذلكَ إلى جهةِ السَّماءِ عندَ الله، عُلم إطباقُهم على أنَّ اللهَ في جِهَةِ السَّمَاءِ.
الوجهُ الثالث:
أنَّ الواحدَ منهم إذا اجتهدَ في الدُّعاءِ حالَ سجودِهِ يجدُ قلبَهُ يَقْصِدُ العُلُوَّ، مع أنَّ وجههُ يلي الأرضَ، بل كلَّما ازدادَ وجههُ ذُلًّا وتواضعًا، ازدادَ قلبهُ قصدًا للعلوِّ، كمَا قالَ تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
وقالَ النبيُّ ﷺ : «أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ من رَبِّهِ وهو سَاجِدٌ» (١).
стр. 166
فعلمَ أنَّهم يفرِّقونَ بين توجُّهِ وجوههم في حالِ السُّجودِ إلى الأرضِ، وتوجيهِ القلوبِ في حالِ الدُّعاء إلى منْ في السَّماءِ. والقلوبُ حالَ الدُّعاءِ لا تقصدُ إلَّا العُلُوَّ، وأمَّا الوجوهُ والأيدي فيتنوعُ حالها: تارةً تكونُ في حالِ السُّجودِ إلى جهةِ الأرضِ، لكونِ ذلكَ غايةُ الخضوعِ، وتارةً تكونُ حالَ القيامِ مطرقةً، لكونِ ذلكَ أقربُ إلى الخشوعِ، وتارةً تتوجَّهُ إلى السَّماءِ لتوجُّهِ القلبِ.
وقد صحَّ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عَنْ رفعِ البصرِ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ، وقال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ من رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ إلى السَّمَاءِ في الصَّلاَةِ أو لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أَبْصَارُهُم» (١).
وإنما نُهِيَ عنْ رفعِ البصرِ في الصَّلاة لأنَّهُ يُنافي الخشوعَ المأمورَ به في الصَّلاةِ.
قال ﵎: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٦ - ٧].
وقال : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣ - ٤٤].
وقال جلَّ وعَلا: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].
ولهذا يوجدُ منْ يخاطبُ المعظَّمَ عنده لا يرفع بصرهُ إليهِ. ومعلومٌ أنَّهُ لو كانت الجهاتُ بالنسبةِ إلى الله سواء لم نؤمرْ بهذا.
الوجهُ الرابعُ:
أنَّ السجودَ من بابِ العبادةِ والخضوعِ للمسجودِ لهُ، كالرُّكوعِ والطَّوافِ بالبيتِ. وأمَّا السؤالُ والدُّعاءُ ففيهِ قصدُ المسؤولِ المدعوِّ، وتوجيهُ القلبِ نحوهُ، لا سيَّما عندَ الضَّرورةِ! فإنَّ السائلَ الداعي يقصدُ بقلبهِ جهةَ المدعوِّ المسؤولِ بحسب ضرورتِهِ واحتياجِهِ إليهِ.
стр. 167
وإذا كانَ كذلكَ، كانَ رفعُ رأسِهِ وطَرْفِهِ ويديهِ إلى جهةٍ، متضمِّنًا لقصدهِ إيَّاهُ في تلكَ الجهةِ، بخلافِ السَّاجدِ فإنَّهُ عابدٌ ذليلٌ خاشعٌ، وذلكَ يقتضي الذُّلَّ والخُضُوعَ، ليسَ فيهِ ما يقتضي توجيهَ الوَجْهِ واليَدِ نَحْوَهُ، لكن إنْ كان داعيًا وَجَّهَ قَلْبَهُ إليهِ.
الوجهُ الخامسُ:
أنْ يُقالَ: قصدُ القلوبِ للمَدْعُوِّ في العلوِّ أمرٌ فِطْرِيٌّ عَقْلِيٌّ اتفقت عليهِ الأممُ منْ غيرِ مُوَاطَأَةٍ، وأمَّا السُّجودُ فأمرٌ شرعيٌّ يُفعلُ طاعةً للآمرِ، كما تُستقبلُ الكعبةُ حالَ العبادةِ طاعةً للآمرِ (١).
وهكذا الحقُّ ينتصرُ على الباطلِ، فيتركهُ صريعًا زهوقًا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا *﴾ [الإسراء: ٨١].
فاحْمَدْ إِلَهَكَ أيُّهَا السُّنِّيُّ إِذْ ... عَافَاكَ مِنْ تَحْريفِ ذِي بُهْتَانِ (٢)
* * *
هل نَجْزِمُ بِإِثْبَاتِ العُلُوِّ على العَرْشِ، أو نُفَوِّضُ ؟
اعلم رحمكَ الله بأنَّ أهلَ الحديثِ يجزمونَ بإثباتِ علوِّ الرحمنِ عَلَى العرشِ وذلكَ يتبيَّنُ منْ وجوهٍ:
أحدُها:
أنْ يقالَ: إنَّ القرآنَ والسُّننَ المستفيضةَ المتواترةَ وغيرَ المتواترةِ وكلامَ السَّابقينَ والتَّابعينَ، وسائرَ القرونِ الثلاثةِ: مملوءٌ بما فيهِ إثباتُ العلوِّ للهِ تعالى عَلَى عَرْشِهِ بأنواعٍ مِنَ الدلالاتِ، ووجوهٍ مِنَ الصِّفاتِ، وأصنافٍ مِنَ العباراتِ. بما تعجزُ عنهُ الأقلامُ وتضعفُ عنْ حصرهِ الأوهامُ.
فلا يخلو إمَّا أنْ يكونَ مَا اشتركتْ فيهِ هذهِ النُّصوصُ منْ إثباتِ علوِّ اللهِ نفسَهُ عَلَى خلقهِ هو الحقُّ، أو الحقُّ نقيضهُ؛ إذ الحقُّ لا يخرجُ عن النقيضينِ؛ وإمَّا أنْ يكونَ نفسهُ فوقَ الخلقِ؛ أوْ لاَ يكونُ فوقَ الخلقِ كَمَا تقولُ الجهميَّةُ. فإمَّا أنْ يكونَ الحقُّ إثباتَ ذلكَ؛ أو نفيهُ.
стр. 168
فإنْ كانَ نفيُ ذلكَ هو الحقَّ، فمعلومٌ أنَّ القرآنَ لم يبيِّن هَذَا قطُّ - لا نصًّا وَلاَ ظاهرًا - وَلاَ الرَّسُولُ ﷺ ، وَلاَ أحدٌ مِنَ الصَّحابةِ - الذينَ كانوا أعمقَ النَّاس علمًا، وأنصحَهم للأمَّةِ، وأبينَهم للسنَّةِ - والتابعينَ وأئمةِ المسلمينَ؛ لا أئمَّةُ المذاهبِ الأربعةِ، وَلاَ غيرهم، وَلاَ يمكنُ أحدٌ أن ينقلَ عنْ واحدٍ من هؤلاءِ أنَّه نفى ذلكَ أو أخبرَ بهِ. وأمَّا مَا نُقِلَ من الإثباتِ عنْ هؤلاءِ: فأكثرُ منْ أنْ يحصى أو يحصرَ.
فإنْ كان الحقُّ هو النفيَ دونَ الإثباتِ، لزمَ منْ ذلكَ لوازمُ باطلة:
(الأولى): أنْ لا يُسْتفادَ منْ خبرِ الرسولِ ﷺ عَنِ الله في هذا البابِ علمٌ ولا هدًى ولا بيانٌ للحقِّ في نفسهِ. فعندَ النُّفاةِ كلامُ النبيِّ ﷺ في هذا البابِ لا يشفي عليلًا، ولا يروي غليلًا، ولا يبيِّنُ الحقَّ مِنَ الباطلِ ولا الهدى مِنَ الضَّلالِ.
(الثانيةُ): القَدْحُ في علمهِ ومعْرفتهِ، أو في فصاحتهِ وبيانهِ، أو في نصْحهِ وإرادتهِ.
(الثالثةُ): أنْ يكونَ المعطِّلةُ النُّفاةُ أعْلمَ باللهِ منهُ، أو أفْصحَ أو أنْصحَ.
стр. 169
(الرابعةُ): أن يكونَ أشْرفُ الكتبِ (١) وأشْرفُ الرسلِ قدْ قصَّرَ في هذا البابِ غايةَ التَّقْصيرِ، بلْ أفْرطَ في التَّجسيمِ والتَّشبيهِ غايةَ الإفْراطِ، وتنوَّعَ فيهِ غايةَ التنوعِ بأنْواعٍ متنوعةٍ مِنَ الخطابِ، تارةً بأنَّهُ استوى على عرْشهِ، وتارةً بأنَّه فوقَ عبادهِ، وتارةً بأنَّهُ العليُّ الأعْلى، وتارةً بأنَّ الملائكةَ تعْرجُ إليهِ، وتارةً بأنَّ الأعْمالَ الصَّالحةَ ترْفعُ إليهِ، وتارةً بأنَّ الملائكةَ في نزولها مِنَ العلوِّ إلى أسفلَ تنْزلُ منْ عندهِ، وتارةً بأنَّهُ رفيعُ الدرجاتِ، وتارةً بأنَّهُ في السَّماءِ، وتارةً بأنَّ الكتابَ نزلَ منْ عنْدهِ، وأضْعافُ ذلكَ ممَّا إذا سمعهُ المعطِّلةُ سَبَّحوا اللهَ ونزَّهوهُ جحودًا وإنْكارًا لا إيمانًا وتصديقًا، فما ضحكَ منهُ رسولُ الله ﷺ تعجُّبًا وتصْديقًا لقائلهِ يعبسُ منهُ هؤلاءِ إنْكارًا وتكْذيبًا، وما شهدَ لقائلهِ بالإيمانِ شهدَ هؤلاءِ لهُ بالكفرِ والضَّلالِ، وما أطْلقهُ على ربِّهِ يطْلقُ عليهِ هؤلاءِ ضِدَّهُ ونقيضَهُ، وما نزَّهَ ربَّهُ عنهُ مِنَ العيوبِ والنَّقائصِ يمسكونَ عنْ تنزيههِ عنهُ - وإن اعْتقدوا أنَّه منزَّهٌ عنهُ - ويبالغونَ في تنزيههِ عنْ ما وصفَ به نفسَهُ، فتراهم يبالغونَ أعْظمَ المبالغةِ في تنْزيههِ عنْ علوِّهِ على خلقهِ، واسْتوائهِ على عرشهِ، وتكلُّمهِ بالقرآنِ حقيقةً، ما لا يبالغونَ مثلهُ ولا قريبًا منهُ في تنْزيههِ عَنِ الظُّلمِ والعيبِ.
стр. 170
فهذا وأضْعافهُ وأضْعافُ أضْعافِهِ منْ لوازمِ قولِ المعطِّلةِ (١).
(الخامسةُ): أنْ يكونَ قدْ نزَّلَ بيانَ الحقِّ والصَّوابِ لهم ولمْ يفصحْ بهِ، بل رمزَ إليهِ رمزًا وألغزهُ إلغازًا لا يفهمُ منهُ ذلكَ إلَّا بعدَ الجهدِ الجهيدِ. وهذا ينافي ما وصفَ الله بهِ كتابهُ مِنَ التيسيرِ والبيانِ.
(السادسةُ): أنْ يكونَ قدْ كلَّفَ عبادهُ أنْ لا يفهموا منْ تلكَ الألفاظِ حقائقهَا وظواهرهَا، وكلَّفهم أنْ يفهموا منها مَا لا تدلُّ عَلَيهِ ولمْ يجعلْ معها قرينةً تفهمُ ذلكَ. فأيُّ تيسيرٍ يكونُ هناكَ وأيُّ تعقيدٍ وتعسيرٍ لم يحصلْ بذلكَ. وهذا تدْليسٌ وتلبيسٌ، ونقيضُ البيانِ وضدُّ الهدى، وهو بالألْغازِ أشْبهُ منه بالهدى والبيانِ. وكانَ بمنزلةِ مَنْ أرادَ أنْ يصفَ لعليلٍ دواءً قاتلًا، وأخبرهُ أنَّ فيهِ الشفاءَ والعافيةَ، وأرادَ منهُ أنْ يأخذَ من ألفاظِ ذلكَ الدواءِ ما لا يدلُّ عليهِ، بلْ على خلافهِ، فهلْ يكونُ (٢) مثلُ هذا المداوي إلَّا في غايةِ الجهلِ والضَّلالِ، أو في غايةِ الإفكِ والبهتانِ والإضلالِ والتَّلبيسِ والتَّدليسِ؟! فلا بدَّ لكمْ منْ هذهِ اللوازمِ المذْكورةِ.
(السابعةُ): أنْ يكونَ خيرُ الأمَّةِ، وأفضلُها، وأعلمُها، وأسبقُها إلى كلِّ فضلٍ، وهدًى، ومعرفةٍ، وخيرُ القرونِ، قدْ أمسكوا منْ أوَّلهم إِلَى آخرهم عنْ قولِ الحقِّ فِي «الأمورِ الإلهيَّةِ، والحقائقِ الربَّانيَّةِ، التي هيَ أجلُّ المطالبِ العالية، وأعظمُ المقاصدِ السامية» (٣)، وذلكَ إمَّا جهلٌ ينافي العلمَ، وإمَّا كتمانٌ ينافي البيانَ. ولقدْ أساء الظنَّ بخيارِ الأمَّةِ مَنْ نسبهمْ إِلَى ذلكَ، ومعلومٌ أنَّه إِذَا ازدوجَ التكلُّمُ بالباطلِ والسكوتُ عن بيانِ الحقِّ، تولَّدَ منْ بينهما جهلُ الحقِّ وإضلالُ الخلقِ.
وَكَذَاكَ أَفْرَاخُ القَرَامِطَةِ الأَلى ... قدْ جَاهَرْوا بِعَداوَةِ الرَّحْمن (١)
قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: «فلئنْ كانَ الحقُّ ما يقولهُ هؤلاءِ السالبونَ النَّافونَ للصِّفاتِ الثابتةِ في الكتابِ والسنَّةِ؛ فكيفَ يجوزُ على الله تعالى، ثمَّ على رسولهِ ﷺ ، ثمَّ على خيرِ الأمَّةِ: أنَّهم يتكلَّمونَ دائمًا بما هو إمَّا نصٌّ وإمَّا ظاهرٌ في خلافِ الحقِّ؟! ثمَّ الحقُّ الذي يجبُ اعتقادهُ لا يبوحونَ بهِ قطُّ، ولا يدلُّونَ عليهِ لا نصًّا ولا ظاهرًا؛ حتَّى يجيء أنباطُ الفرسِ والرومِ، وفروخُ اليهودِ والنَّصارى والفلاسفةِ يبيِّنونَ للأمَّةِ العقيدةَ الصحيحةَ، التي يجبُ على كَلِّ مكلَّفٍ أو كلِّ فاضلٍ أنْ يعتقدَهَا!!
ولازمُ هذهِ المقالةِ: أنْ لا يكون الكتابُ هدًى للنَّاس ولا بيانًا، ولا شفاءً لما في الصُّدورِ، ولا نورًا، ولا مردًّا عند التنازع، لأنَّا نعلمُ بالاضطرارِ أنَّ ما يقولهُ هؤلاء المتكَلِّفونَ: أنَّهُ الحقُّ الذي يجبُ اعتقادَهُ: لم يدلَّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ؛ لا نصًَّا ولا ظاهرًا.
ولازمُ هذهِ المقالةِ: أنْ يكونَ تركُ النَّاسِ بلا رسالةٍ: خيرًا لهم في أصلِ دينهم، لأنَّ مردَّهم قبل الرسالةِ وبعدهَا واحدٌ؛ وإنَّما الرسالةُ زادتهم عمى وضلالةً» (٢).
الوجهُ الثاني:
فِي تبيينِ وجوبِ الإقرارِ بالإثباتِ، وعلوِّ الله عَلَى السَّماواتِ أنْ يقالَ:
стр. 173
مِنَ المعلومِ أنَّ الله تعالى أَكْمَلَ الدِّينَ، وأتمَّ النِّعمةَ؛ وأنزلَ الكتابَ تبيانًا لكلِّ شيءٍ؛ وأنَّ معرفةَ مَا يستحقُّهُ الله وما ينزَّهُ عنهُ هوَ منْ أجلِّ أمورِ الدِّينِ، وأعظمِ أصولهِ؛ وأفْضلِ وأوجبِ ما اكْتسبتهُ النُّفوسُ، وأجلُّ ما حصَّلتْهُ القلوبُ، وأدْركتْهُ العقولُ، وأنَّ بيانَ هَذَا وتفصيلَهُ أولى منْ كلِّ شيءٍ. فكيفَ يجوزُ أنْ يكونَ هَذَا البابُ لم يبيِّنهُ الرَّسُول ﷺ ولمْ يفصِّلهُ ولم يعلِّمْ أمَّتهُ مَا يقولونَ فِي هَذَا البابِ؟! وكيفَ يكونُ الدِّينُ قد كَمُلَ وقدْ تركوا عَلَى الطريقةِ البيضاءِ، وهمْ لا يدرونَ بماذا يعرفونَ ربَّهم: أبما تقولهُ النُّفاةُ، أو بأقوالِ أهلِ الإثباتِ؟!
مِنَ المحال أنْ يكونَ النَّبيُّ ﷺ قد علمَ أمَّتهُ كلَّ شيءٍ حتَّى الخِراءَةَ، وقالَ: «لَقَدْ تَرَكْتُكُم على مِثْلِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يزيغُ عنها إلا هَالِكٌ» (١).
وقالَ فيمَا صحَّ عنهُ أيضًا: «ما بَعَثَ اللهُ من نَبِيٍّ إلَّا كانَ حَقًّا عليهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ على خَيْرِ ما يَعْلَمُه لَهُمْ وَيَنْهَاهُم عن شَرِّ ما يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (٢).
وقال أبو ذر ﵁: «تَرَكَنَا رسول الله ﷺ وما طَائِرٌ يقلِّبُ جَنَاحَيْهِ في الهواء إلاّ وهو يذكرنَا منه عِلْمًا» (٣).
стр. 174
ومحالٌ مَعَ تعليمهم كلَّ شيءٍ لهمْ فيهِ منفعةٌ في الدِّينِ - وإنْ دقَّت - أنْ يتركَ تعليمهم ما يقولونهُ بألسنتهم، ويعتقدونهُ في قلوبهم، في ربِّهم ومعبودهم ربِّ العالمينَ - الذي معْرفتهُ غايةُ المعارفِ، وعبادتهُ أشْرفُ المقاصدِ، والوصولُ إليهِ غايةُ المطالبِ ـ؛ بل هذا خلاصةُ الدعوةِ النبويَّةِ، وزبدةُ الرسالةِ الإلهيَّةِ.
فكيفَ يتوهَّمُ منْ في قلبهِ أدنى مسكةٍ منْ إيمانٍ وحكمةٍ أنْ لا يكون هذا البابُ قد وقعَ مِنَ الرسول ﷺ على غايةِ التمامِ؟! (١).
فكيفَ يصحُّ مَعَ كمالِ الدِّينِ وتمامهِ، ومَعَ كونِ الرسولِ ﷺ قَدْ بلَّغَ البلاغَ المبينَ، أنْ يكونَ نفيُ العلوِّ مِنَ الدِّينِ والإيمانِ ثمَّ لا يذكرهُ الله ولا رسولُه ﷺ قطُّ.
وكيفَ يجوزُ أنْ يُدْعى النَّاسُ ويؤمرونَ باعتقادٍ في أصولِ الدِّينِ ليسَ لهُ أصلٌ عمَّنْ جاءَ بالدِّينِ؟! هلْ هذا إلَّا صريحُ تبديلِ الدِّينِ (٢).
الوجهُ الثالث:
стр. 175
أنْ يقالَ: كلُّ منْ فيهِ أدنى محبَّةٍ للعلمِ أو أدنى محبَّةٍ للعبادةِ: لا بدَّ أنْ يكونَ البحثُ عنْ هذا البابِ والسؤالُ عنهُ، ومعْرفةُ الحقِّ فيهِ، أكبرَ مقاصدهِ، وأعْظمَ مطالبهِ، وأجلَّ غاياته أعني بيانُ ما ينْبغي اعْتقادهُ في الرَّبِّ ، - الذي معرفتهُ أجلُّ المقاصدِ، وأرفعُ المواهبِ، وأعظمُ المطالبِ ـ، فلا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ الصَّحابةُ - الذين هممهمْ أشْرفُ الهممِ، ومطالبهمْ أجلُّ المطالبِ، ونفوسهمْ أزكى النُّفوسِ - والتَّابعونَ كلُّهم كانوا معرضينَ عنْ هَذَا لا يسألونَ عنهُ، وَلاَ يشتاقونَ إلى معرفتهِ، وَلاَ تطلبُ قلوبهم الحقَّ، وهمْ ليلًا ونهارًا يتوجَّهونَ بقلوبهمْ إليهِ، ويدْعونهُ تضرُّعًا وخيفةً، ورغبًا ورهبًا، والقلوبُ مجبولةٌ مفطورةٌ عَلَى طلبِ العلمِ بهذا، ومعرفةِ الحقِّ فيه، وهي مشتاقةٌ إليهِ أكثرَ منْ شوقهَا إلى كثيرٍ مِنَ الأمورِ، ومَعَ الإرادةِ الجازمةِ والقدرةِ يجبُ حصولُ المرادِ، وهم قادرونَ عَلَى سؤالِ الرَّسُولِ ﷺ ، وسؤالِ بعضهم بعضًا. وقد سألوهُ عمَّا هوَ دونَ هَذَا: سألوهُ هل نرى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ فأجابهم. وسألهُ أبو رزين: أيضحكُ ربُّنا؟ فقالَ: «نعمْ». فقال: «لَنْ نُعْدَمَ من ربٍّ يضحكُ خيرًا» (١). «فجعلَ الأعْرابيُّ العاقل - بصحةِ فطْرتهِ - ضَحِكَهُ دليلًا على إحْسانهِ وإنْعَامهِ؛ فدلَّ على أنَّ هذا الوصفَ مقرونٌ بالإحسانِ المحمودِ، وأنَّهُ منْ صفاتِ الكمالِ» (٢). ولو لمْ يفهمْ منْ ضحكه معنًى لمْ يقلْ ما قال.
стр. 176
والمقصودُ هنا: أنَّهم لا بدَّ أنْ يسألوهُ عنْ ربِّهم الَّذي يعبدونهُ، وإذا سألوهُ فلا بدَّ أنْ يجيبهم. ومِنَ المعلومِ بالاضطرارِ أنَّ مَا تقولهُ الجهميَّةُ النُّفاةُ لمْ يُنْقَلْ عنْ أحدٍ منْ أهلِ التَّبليغِ عنهُ، وإنَّما نقلوا عنهُ مَا يوافقُ قولَ أهلِ الإثباتِ.
الوجهُ الرابعُ:
أنْ يقالَ: إمَّا أنْ يكونَ الله يحبُّ منَّا أنْ نعتقدَ قولَ النُّفاةِ، أو نعتقدَ قولَ أهلِ الإثباتِ، أو لا نعتقدُ واحدًا منهما.
فإنْ كان مطلوبهُ منَّا اعتقادَ قولِ النُّفاةِ: وهو أنَّهُ لا داخلَ العالمِ وَلاَ خارجهُ؛ وأنَّهُ ليسَ فوقَ السَّماواتِ ربٌّ، وَلاَ عَلَى العرشِ إلهٌ، فالصَّحابةُ والتَّابعونَ أفضلُ منَّا، فقدْ كانوا يعتقدونَ هَذَا النَّفيَ، والرسولُ ﷺ كانَ يعتقدهُ، وإذا كانَ اللهُ ورسولهُ يرضاهُ لنا وهوَ إمَّا واجبٌ علينا أو مستحبٌّ لنا؛ فلا بدَّ أنْ يأمرنا الرَّسُول ﷺ بما هو واجبٌ علينا، ويندبنَا إلى مَا هوَ مستحبٌّ لنَا، وَلاَ بدَّ أن يظهر عنهُ وعنِ المؤمنينَ مَا فيهِ إثباتٌ لمحبوبِ الله ومرضيهِ وما يقرِّبُ إليهِ؛ لا سيَّما مَعَ قولهِ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وإذا كانَ كذلكَ: كانَ مِنَ المعلومِ أنَّهُ لا بدَّ أن يبيِّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ ؛ وقدْ عُلمَ بالاضطرارِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ وأصحابَهُ لم يتكلَّموا بمذهبِ النُّفاةِ. فعُلمَ أنَّهُ ليسَ بواجبٍ وَلاَ مستحبٍّ؛ بلْ علمَ أنَّهُ ليسَ مِنَ «التوحيدِ» الّذي شرعهُ الله تعالى لعبادهِ.
стр. 177
وإنْ كانَ يحبُّ منَّا مذهبَ الإثباتِ؛ وهو الَّذي أمرنَا بهِ؛ فلا بدَّ أيضًا أنْ يبيِّنَ ذلكَ لنا. ومعلومٌ أنَّ فِي الكتابِ والسنَّةِ منْ إثباتِ «العلوِّ والصِّفاتِ» أعظم ممَّا فيهما منْ إثباتِ الوضوءِ والتَّيمُّمِ، والصِّيامِ، وتحريمِ ذواتِ المحارمِ؛ وخبيثِ المطاعمِ؛ ونحو ذلكَ مِنَ «الشَّرائعِ». فعلى قولِ أهلِ الإثباتِ يكونُ الدِّينُ كاملًا، والرسولُ ﷺ مبلِّغًا مبيِّنًا؛ والتوحيدُ عَنِ السَّلفِ مشهورًا معروفًا، والكتابُ والسنَّةُ يُصَدِّقُ بعضُهُ بعضًا؛ والسّلفُ خيرُ هذهِ الأمَّةِ وطريقهم أفضلُ الطُّرقِ، والقرآنُ كلُّهُ حقٌّ ليسَ فيه إضلالٌ، وَلاَ دلَّ عَلَى كفرٍ ومحالٍ؛ بل هو الشِّفاءُ والهدى والنُّورُ. وهذه كلُّها لوازمٌ ملتزمةٌ ونتائجٌ مقبولةٌ؛ فقولهم مؤتلفٌ غيرُ مختلفٍ، ومقبولٌ غيرُ مردودٍ.
وإنْ كانَ الَّذي يحبُّهُ الله منَّا أنْ لا نثبتَ وَلاَ ننفي؛ بل نَبْقَى فِي الجهلِ البسيطِ، وفي ظلماتٍ بعضُهَا فوقَ بعضٍ، لا نعرفُ الحقَّ مِنَ الباطلِ وَلاَ الهدى مِنَ الضَّلالِ، وَلاَ الصِّدقَ من الكذبِ؛ بل نقفُ بينَ المثبتةِ والنُّفاةِ موقفَ الشَّاكينَ الحَيَارى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ﴾ [النساء: ١٤٣]؛ لا مصدِّقينَ وَلاَ مكذِّبينَ: لزمَ مِنْ ذلكَ أنْ يكونَ الله يحبُّ منَّا عدمَ العلمِ بما جاءَ بهِ الرَّسُولُ ﷺ ، وعدمَ العلمِ بما يستحقُّهُ الله مِنَ الصِّفاتِ التَّاماتِ، وعدمَ العلمِ بالحقِّ مِنَ الباطلِ، ويحبُّ منَّا الحَيْرةَ والشَّكَّ.
ومِنَ المعلومِ أنَّ الله لا يحبُّ الجهلَ، وَلاَ الشكَّ، وَلاَ الحيرةَ، وَلاَ الضَّلالَ؛ وإنَّما يحبُّ الدِّينَ والعلمَ واليقينَ.