(الرابعُ): أنْ يقالَ: السَّلفُ كلُّهم أنكروا عَلَى الجهميَّةِ النُّفاةِ، وقالوا بالإثباتِ وأفصحوا بِهِ، وكلامهم فِي الإثباتِ والإنكارِ عَلَى الواقفةِ والنُّفاةِ أكثرُ منْ أنْ يمكنُ إثباتُهُ في هذا المكانِ ... كلُّهم مطبقونَ على الذمِّ والرَّدِّ على منْ نفى أنْ يكونَ اللهُ فوقَ العرشِ، كلُّهم متَّفقونَ على وصفهِ بذلكَ، وعلى ذمِّ الجهميَّةِ الذينْ ينكرونَ ذلكَ؛ وليسَ بينهم في ذلكَ خلافٌ، ولا يقدرُ أحدٌ أن ينقلَ عنْ أحدٍ منْ سلفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها في القرونِ الثلاثةِ حرفًا واحدًا يخالفُ ذلكَ؛ لم يقولوا شيئًا منْ عباراتِ النُّفاةِ، إنَّ الله ليسَ في السَّماءِ، والله ليسَ فوقَ العرشِ، ولا أنَّهُ لا داخلَ العالمِ ولا خارجَهُ، ولا أنَّ جميعَ الأمكنةِ بالنسبةِ إليه سواء، أو أنَّهُ لا تجوزُ الإشارةُ الحسيَّةُ إليهِ، ونحو ذلكَ مِنَ العباراتِ التي تطلقُهَا النُّفاةُ: لا نصًّا ولا ظاهرًا؛ بلْ همْ مطبقونَ متَّفِقُونَ على أنَّهُ نفسهُ فوقَ العرشِ، وعلى ذمِّ منْ ينكرُ ذلكَ.
فقدْ تبيَّنَ بهذا الكلامِ أنَّ «الحقَّ الحقيقَ بالقبولِ، هو إثباتُ علوِّ الله على العرشِ، الخالصُ منْ شوبِ التَّشبيهِ، المصفَّى منْ قذراتِ التعطيلِ.
والمسيرُ إلى توحيدِ الله تعالى، ومعرفةِ صفاته العليا وأسمائه الحسنى بالصُّعودِ على سلالمِ أهلِ الكلام نقيصةٌ واضحةٌ في الدِّينِ، وثلمةٌ بارزةٌ في حصنِ اليقينِ، بلْ ردٌّ للتَّوحيدِ الذي دعا إليهِ الرسولُ ﷺ ، وندبَ إليهِ كلَّ جيلٍ مِنَ النَّاس.
فمَنْ زَعَمَ أنَّ الحقَّ في كلامِ عُلَمَاءِ الكَلامِ، والتَّوحيدُ هو الذي جاءَ بهِ هؤلاءِ، والقرآنُ لا يكفي في ذَلِكَ، والحديثُ لا يغني عمَّا هُنَالِكَ، فقد خَرَجَ عن دائرةِ الإسلامِ، وعليه دائرةُ السَّوْءِ من اللهِ العزيزِ العَلَّامِ» (١).
* * *
стр. 181
شُبُهَاتٌ والرَّدُّ عَلَيْهَا
اعلمْ رحمكَ اللهُ بأنَّ النُّصوصَ الدَّالَّةَ على علوِّ الله على العرشِ: لا تخفى على ذي عيانٍ؛ بل أجلى منْ ضياءِ الشمسِ في البيانِ، لكنْ لمن له فهمٌ ثاقبٌ، وعقلٌ كاملٌ، وبصرٌ ناقدٌ.
وهذه النُّصوصُ الدَّالَّةُ على علوِّ الله على العرش «لمْ يعارضْهَا قطُّ صريحٌ معقولٌ، فضلًا عنْ أنْ يكونَ مقدَّمًا عليهَا، وإنَّما الذي يعارضُهَا «جهليَّاتٌ»، و «ضلالاتٌ»، و «خيالاتٌ»، و «شبهاتٌ مكذوباتٌ»، و «أوهامٌ فاسدةٌ»، وأنَّ تلك الأسماء ليستْ مطابقةً لمسمَّاها، بلْ هي منْ جنسِ تسميةِ الأوثانِ «آلهةً» و «أربابًا»، وتسميةِ «مسيلمةَ الكذَّاب» وأمثاله «أنبياء»: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى *﴾ [النجم: ٢٣]» (١)، مبناهَا عَلَى معانٍ متشابهةٍ وألفاظٍ مجملةٍ، فمتى وقعَ الاستفسارُ والبيانُ ظهرَ أنَّ ما عارضهَا شبهٌ سوفسطائيةٌ (٢)، لا براهين عقلية.
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
فَأَدِلَّةُ الإِثْبَاتِ حَقًّا لاَ يَقْو ... مُ لَهَا الجِبَالُ وَسَائِرُ الأكْوَانِ
تَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ وَوَحْيُهُ ... مَعْ فِطْرَةِ الرَّحمنِ وَالبُرْهَانِ
أنَّى يُعَارضُها كِنَاسَةُ هَذِهِ الـ ... أذْهَانِ بِالشُّبُهَاتِ وَالهَذَيَانِ
وَجَعَاجِعٌ وَفَرَاقِعٌ مَا تَحْتَهَا ... إلَّا السَّرابُ لوَارِدٍ ظَمْآنِ (٣)
стр. 182
وإنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ جعلوا أقْوالهم التي ابتدعوهَا، أصولَ دينهمْ - وإن سمُّوها «أصولَ العلم والدِّين» فهي «تَرْتِيبُ الأُصُولِ في مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ والمَعقُولِ» - ومعتقدهمْ في ربِّ العالمينَ هيَ المحكمةُ، وجعلوا قولَ الله ورسولهِ هو المتشابهُ الذي لا يستفادُ منهُ علمٌ ولا يقينٌ، ثمَّ ردُّوا تشابهَ الوحيِ إلى محكمِ كلامهم وقواعدهم.
وهذا كمَا أحدثوهُ مِنَ الأصولِ التي نفوا بها صفاتِ الرَّبِّ ﷻ ، ونعوتِ كمالهِ، ونفوا بها كلامهُ، وتكليمَهُ، وعلوَّهُ على عرشهِ، محكمًا، وجعلوا النُّصوصَ الدَّالَّةِ على خلافِ تلكِ القواعدِ والأصولِ متشابهةً يقضي بتلكَ القواعدِ عليها وتردُّ النُّصوصُ إليها.
وأمَّا أهلُ العلمِ والإيمانِ فطريقهم عكسُ هذهِ الطريقةِ منْ كلِّ وجهٍ، يجعلونَ كلامَ اللهِ ورسولهِ هو الأصلُ الذي يُعْتَمَدُ عليهِ، ويردُّ ما يتنازعُ النَّاسُ فيهِ إليهِ، فمَا وافقهُ كانَ حقًّا، وما خالفهُ كانَ باطلًا، وإذا وردَ عليهم لفظٌ مشتبهٌ ليسَ في القرآنِ ولا في السنَّةِ [كالحيِّزِ والجهةِ والمكانِ والجسمِ والحركةِ] لمْ يتلقَّوهُ بالقبولِ، ولمْ يردُّوهُ بالإنكارِ حتَّى يسْتفصلوا قائلهُ عنْ مرادهِ، فإنْ كانَ حقًّا موافقًا للعقلِ والنَّقلِ قبلوهُ، وإنْ كانَ باطلًا مخالفًا للعقلِ والنَّقلِ ردُّوهُ، ونصوصُ الوحيِ عندهم أعْظمُ وأكْبَرُ في صدورهم مِنْ أنْ يقدِّموا عليها ألْفاظًا مجملةً، لها معانٍ مشْتبهةٍ (١).
стр. 183
وهذا أصلٌ مهمٌّ، منْ تصوَّرهُ وتدبَّرهُ انتفعَ بهِ غايةَ النَّفعِ وتخلَّصَ بهِ منْ ضلالِ المتفلسفينَ، وحيرةِ المتكلِّمينَ، «وعرفَ حقيقةَ الأقوالِ الباطلةِ، وما يلزمها مِنَ اللَّوازمِ، وعرفَ الحقَّ الذي دلَّ عليهِ صحيحُ المنقولِ، وصريحُ المعقولِ لا سيَّما في هذهِ الأصولِ التي هي أصولُ كلِّ الأصولِ، والضَّالُّونَ فيها لما ضيَّعوا الأصولَ حُرِموا الوصول» (١). والأصولُ اتِّباعُ ما جاء به الرسول ﷺ (٢). كما قيل:
أيُّها المُغْتَدِي لِتَطْلُبَ عِلْمًا ... كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ
تَطْلُبُ الفِرْعَ كي تُصَحِّحَ حكمًا ... ثُمَّ أَغْفَلْتَ أَصْلَ أَصْلِ الأُصُولِ (٣)
قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: الرسولُ ﷺ بيَّنَ الأصولَ الموصلةَ إلى الحقِّ أحسنَ بيانٍ، وبيَّنَ الآياتِ الدَّالةَ على الخالقِ سبحانُه، وأسمائهِ الحسنى، وصفاتهِ العليا، ووحدانيتهِ، على أحسنِ وجهٍ.
وأمَّا أهلُ البدعِ منْ أهلِ الكلامِ والفلسفةِ ونحوهم فهمْ لم يثبتوا الحقَّ، بلْ أصَّلوا أصولًا تناقضُ الحقَّ، فلمْ يكفهم أنَّهم لم يهتدوا ولم يدلُّوا على الحقِّ، حتَّى أصَّلوا أصولًا تناقضُ الحقَّ، ورأوا أنَّها تناقضُ ما جاء بهِ الرسول ﷺ ، فقدَّموها على ما جاءَ بهِ الرسولُ (٤) ﷺ فيا بئسَ ما أصَّلوا وما فرَّعوا.
стр. 184
وإذا تأمَّلتَ تعمُّقهم في التَّأويلاتِ المخالفةِ لظاهرِ الكتابِ والسنَّةِ، وعدولَهم عنهما إلى زخرفِ القولِ والغرورِ لتقويةِ باطلهم، وتقريبهِ إلى القلوبِ الضعيفةِ لاحَ لكَ الحقُّ، وبانَ الصدقُ، فلا تلتفتْ إلى ما أسسوهُ، ولا تبالِ بما زخرفوهُ، والزمْ نصَّ الكتابِ، وظاهرَ الحديثِ الصحيحِ اللَّذينِ هما أصولُ الشرعياتِ، تقفُ على الهدى المستقيمِ (١).
وبعدَ هذا البيانِ نذكرُ شبهاتِ المتكلِّمينَ - التي عارضوا بها نصوصَ الوحي - ثمَّ نأتي عليهَا مِنَ القواعدِ بإذن الله .
الشُّبْهَةُ الأولى
يستلزمُ منْ إثباتِ الفوقيَّةِ لله تعالى أنْ يكونَ في مكانٍ وحيِّزٍ وجهةٍ (٢).
ينبغي أنْ يُعلمَ بأنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلام إذا قالوا: «إنَّ الله منزَّهٌ عَنِ الحيِّز والجهةِ والمكانِ» أوهموا النَّاسَ أنَّ مقصودهم بذلكَ أنَّهُ لا تحصرهُ المخلوقاتُ، ولا تحوزه المصنوعاتُ، وهذا المعنى صحيحٌ، ومقصودهم: أنَّهُ ليسَ مباينًا للخلقِ ولا منفصلًا عنهم، وأنَّهُ ليس فوق السَّمواتِ ربٌّ يعبدُ، ولا على العرشِ إلهٌ يصلَّى لهُ ويسجدُ، وأنَّ محمَّدًا لم يُعْرَجْ بهِ إليهِ، ولا ترفعُ إليهِ الأيدي في الدُّعاءِ، ونحو ذلك منْ كلامِ الجهميَّةِ الفرعونيَّة.
تَالله قَدْ ضَلَّتْ عُقُولُ القَوْمِ إذْ ... قَالُوا بِهَذَا القَوْلِ ذِي البُطْلاَنِ (٣)
стр. 185
والردُّ على الشُّبهةِ المذكورةِ أنْ يقالَ:
الأصلُ في هذا البابِ أنَّ كلَّ ما ثبتَ في كتابِ الله تعالى، أو سنَّةِ رسولهِ ﷺ وجبَ التَّصديقُ بهِ، مثلُ علوِّ الرَّبِّ، واستوائهِ على عرشهِ ونحو ذلكَ. وأمَّا الألفاظُ المبتدعةُ في النَّفيِ والإثباتِ، مثلُ قولِ القائلِ: هوَ في جهةٍ أو ليسَ في جهةٍ، وهو متحيِّزٌ أو ليسَ بمتحيِّزٍ، ونحو ذلكَ مِنَ الألفاظِ التي تنازعَ فيهَا النَّاسُ، وليسَ مع أحدهمْ نصٌّ لا عَنِ الرسولِ ﷺ ، ولا عَنِ الصَّحابةِ ﵃، والتابعينَ لهمْ بإحسانٍ، ولا أئمَّةِ المسلمين. هؤلاءِ لمْ يقلْ أحدٌ منهم: إنَّ الله تعالى في جهةٍ، ولا قالَ ليسَ هوَ في جهةٍ، ولا قالَ: هوَ متحيِّزٌ، ولا قالَ: ليسَ بمتحيِّزٍ، بلْ ولا قالَ: هو جسمٌ أو جوهرٌ، ولا قالَ: ليسَ بجسمٍ ولا جوهرٍ. فهذهِ الألفاظُ ليستْ منصوصةً في الكتابِ، ولا السنَّةِ، ولا الإجماعِ، والنَّاطقونَ بها قدْ يريدونَ معنًى صحيحًا وقدْ يريدونَ معنًى فاسدًا، فإنْ أرادوا معنًى صحيحًا يوافقُ الكتابَ والسنَّةَ، كانَ ذلكَ مقبولًا منهمْ. وإنْ أرادوا معنًى فاسدًا يخالفُ الكتابَ والسنَّةَ، كانَ ذلكَ المعنى مردودًا عليهم.
стр. 186
فإذا قالَ القائلُ: إنَّ الله تعالى في جهةٍ، قيلَ ما تريدُ بذلكَ؟ أتريدُ بذلكَ أنَّهُ سبحانهُ في جهةٍ موجودةٍ تحصرهُ وتحيطُ بهِ وتعلو عليهِ، أو يحتاجُ إليها بوجهٍ مِنَ الوجوهِ، مثلَ أنْ يكونَ في جوفِ السَّمواتِ، أمْ تريدُ بالجهةِ أمرًا عدميًّا وهوَ ما فوقَ العالمِ، فإنَّه ليسَ فوقَ العالمِ شيءٌ مِنَ المخلوقاتِ، فإنْ أردتَ الجهةَ الوجوديَّةَ، وجعلتَ الله تعالى محصورًا في المخلوقاتِ فهذا باطلٌ. فكلُّ موجودٍ سوى الله فهو مخلوقٌ، والله خالقُ كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما سواه فهو فقيرٌ إليه، وهو غنيٌّ عمَّا سواهُ. وإنْ أردتَ الجهةَ العدميَّةَ، وأردتَ الله تعالى وحدَهُ فوقَ المخلوقاتِ بائنٌ عنها، فهذا حقٌّ، وليسَ في ذلكَ أنَّ شيئًا مِنَ المخلوقاتِ حصرهُ ولا أحاطَ بهِ ولا علاَ عليهِ، بلْ هوَ العالي عليهَا المحيطُ بها، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية.
وقدْ ثبتَ في الصَّحيحِ عَنِ النبي ﷺ : «أنَّ اللهَ يَقْبِضُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ ويَطْوِي السَّمواتِ بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَهُزُّهُنَّ فيقولُ: أنا المَلِكُ أينَ ملوكُ الأَرْضِ» (١).
стр. 187
ومنْ قالَ: إنَّ الله تعالى ليسَ في جهةٍ. قيلَ لهُ ما تريدُ بذلكَ؟ فإنْ أرادَ بذلكَ أنَّه ليسَ فوقَ السَّمواتِ ربٌّ يعبدُ، ولا على العرشِ إلهٌ، ونبيُّنا محمَّدٌ ﷺ لمْ يعرجْ بهِ إلى الله تعالى، والأيدي لا ترفعُ إلى الله تعالى في الدُّعاءِ، ولا تتوجَّهُ القلوبُ إليهِ، ولا تصعدُ الملائكةُ إليهِ، ولا تنزلُ الكتبُ منهُ، ولا يقربُ منهُ شيءٌ، ولا يدنو إلى شيءٍ، فهذا فرعونيٌّ معطِّلٌ، جاحدٌ لربِّ العالمينَ. ومنْ نفى الجهةَ وأراد بالنَّفي كون المخلوقات محيطةً بهِ أو كونه مفتقرًا إليها فهذا حقٌّ.
وكذلكَ منْ قال: إنَّ الله تعالى متحيِّزٌ، أو قالَ ليس بمتحيِّزٍ، إنْ أرادَ بقولهِ متحيِّزٌ أنَّ المخلوقاتِ تحوزهُ وتحيطُ بهِ، وليسَ هو بقدرتهِ يحملُ العرشَ وحملتهُ، وليسَ هو العليٌّ الأعلى الكبيرُ العظيمُ الذي لا تدركهُ الأبصارُ وهوَ يدركُ الأبصارَ، فقدْ أخطأَ. وإنْ أرادَ بهِ أنه منحازٌ عَنِ المخلوقاتِ مباينٌ لها عالٍ عليهَا فوق سمواتهِ على عرشهِ بائنٌ منْ خلقهِ، فقدْ أصابَ. ومنْ قالَ: ليس بمتحيِّزٍ؛ إنْ أرادَ المخلوقاتُ لا تحوزهُ فقدْ أصابَ. وإنْ أرادَ ليسَ ببائنٍ عنهَا بلْ هوَ لا داخلٌ فيها ولا خارجٌ عنها فقدْ أخطأ.
ومنْ قالَ بنفي المكانِ عَنِ الله ، فقد يُراد بالمكانِ ما يحوي الشيءَ ويحيطُ به، وقد يرادُ بهِ ما يستقرُّ الشَّيءُ عليه بحيثُ يكونُ محتاجًا إليهِ، وقدْ يرادُ بهِ ما كانَ الشيءُ فوقَهُ وإن لم يكنْ محتاجًا إليهِ، وقدْ يرادُ بهِ ما فوق العالم وإن لم يكن شيئًا موجودًا.
فإنْ قيلَ: هو في مكانٍ بمعنى إحاطة غيرهِ بهِ وافتقارهُ إلى غيرهِ؛ فالله منزَّهٌ عَنِ الحاجةِ إلى الغيرِ وإحاطةِ الغيرِ بهِ ونحو ذلكَ.
وإنْ أريدَ بالمكانِ ما فوق العالمِ وما هو الرَّبُّ فوقهُ.
стр. 188
قيلَ: إذا لم يكنْ إلَّا خالقٌ أو مخلوقٌ، والخالقُ بائنٌ مِنَ المخلوقِ، كانَ هو الظاهرُ الذي ليسَ فوقهُ شيءٌ.
وإذا قالَ القائلُ: هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ فهذا المعنى حقٌّ سواء سمَّيتَ ذلكَ مكانًا أوْ لمْ تسمِّه.
وإذا عُرف المقصودُ فمذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ ما دلَّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ واتَّفقَ عليه سلفُ الأمَّةِ، وهو القول المطابقُ لصحيحِ المنقولِ وصريحِ المعقول (١).
قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: «وحقيقةُ الأمرِ في المعنى أنْ يُنظرَ إلى المقصودِ، فَمَنِ اعتقدَ أنَّ المكانَ لا يكونُ إلَّا ما يفتقرُ إليهِ المتمكنُ، سواءُ كانَ محيطًا به، أو كانَ تحتهُ، فمعلومٌ أنَّ الله سبحانه ليسَ في مكانٍ بهذا الاعتبارِ، ومَنِ اعتقدَ أنَّ العرشَ هو المكانُ، وأنَّ الله فوقهُ، مع غناه عنهُ، فلا ريبَ أنَّهُ في مكانٍ بهذا الاعتبارِ.
فممَّا يجبُ نفيهُ بلا ريبٍ افتقارُ الله تعالى إلى ما سواه، فإنَّهُ سبحانهُ غنيٌّ عنْ ما سواهُ، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليهِ، فلا يجوزُ أن يُوصفَ بصفةٍ تتضمَّنُ افتقارَهُ إلى ما سواه» (٢).
ثمَّ نقولُ: لا نسلِّمُ كونَ الباري على عرشهِ فوقَ السَّماواتِ يلزمُ منهُ أنَّهُ في حيِّزٍ وجهةٍ، لأنَّ العرشَ سقفُ جميعِ المخلوقاتِ، فما فوقهُ لا يسمَّى جهةً، وما دونَ العرشِ يقالُ فيهِ حيِّزٌ وجهاتٌ، وما فوقهُ فليسَ هوَ كذلكَ، والله فَوْقَ عَرْشِهِ كما أجمعَ عليهِ الصَّدرُ الأوَّلُ ونقلهُ عنهم الأئمَّةُ.
ولو سلَّمنا أنَّه يلزمُ منْ إثباتِ العلوِّ إثباتُ الجهةِ، فلازمُ الحقِّ حقٌّ، فما استلزمهُ صريحُ الآياتِ والأحاديثِ فهوَ حقٌّ بلا خلافٍ عندَ أهلِ السنَّةِ.
стр. 189
أمَّا القولُ المتولِّدُ أخيرًا مِنْ أنَّهُ تعالى ليسَ فوقَ العرشِ، فهذا شيءٌ لا يعقلُ ولا يفهمُ، مع ما فيهِ منْ مخالفةِ الآياتِ والأخبارِ. ففرَّ بدينكَ، وإيَّاكَ وآراءَ المتكلِّمينَ، وآمنْ باللهِ وما جاءَ عَنِ الله على مرادِ الله، وفوِّض أمركَ إلى الله، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله (١).
ومنْ تدبَّر هذا كلَّهُ وتأمَّلهُ، تبيَّنَ لهُ أنَّ ما جاءَ بهِ القرآنُ منْ [إثباتِ علوِّ الله على خلقهِ] هو الحقُّ المعلومُ بصريحِ المعقولِ، وأنَّ هؤلاءِ خالفوا القرآنَ في أصولِ الدينِ: في دلائلِ المسائلِ، وفي نفسِ المسائلِ، خلافًا خالفوا بهِ القرآنَ والإيمانَ، وخالفوا به صريحَ عقلِ الإنسانِ، وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلافِ ذلكَ أهلَ كذبٍ وبهتانٍ، وإنْ لمْ يكونوا متعمِّدينَ الكذبَ، بل التبسَ عليهم ما ابتدعوهُ مِنَ الهَذَيَانِ (٢).
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ
لو كانَ الخالقُ فوقَ العرشِ لكانَ حاملُ العرشِ حاملًا لمنْ فوقَ العرشِ فيلزمْ احتياجُ الخالقِ إلى المخلوقِ .
اعلمْ باركَ اللهُ فيكَ بأنَّ «غايةَ ما عندَ هؤلاءِ المتقعِّرينَ مِنَ العلمِ، عباراتٌ وشقاشقُ لا يعبأ الله بها، يحرِّفونَ بها الكلمَ عنْ مواضعهِ قديمًا وحديثًا، فنعوذُ باللهِ مِنَ الكلامِ وأهلهِ» (٣).
والكلامُ المذكورُ فيه من الافتراء على تعالى ووصفهِ بالنقَائصِ ما يعلم بطلانهُ بصريح المعقولِ وصحيح المنقول.
والردُّ على الشُّبهةِ المذكورةِ منْ وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ:
стр. 190
هؤلاءِ النُّفاةِ كثيرًا ما يتكلَّمونَ بالأوهامِ والخيالاتِ الفاسدةِ، ويصفونَ الله بالنَّقائصِ والآفاتِ، ويمثِّلونهُ بالمخلوقاتِ، بلْ بالنَّاقصاتِ، بلْ بالمعدوماتِ، بلْ بالممتنعاتِ، فكلُّ ما يضيفونهُ إلى أهلِ الإثباتِ الذينَ يصفونهُ بصفاتِ الكمالِ وينزِّهونهُ عَنِ النَّقائصِ والعيوبِ، وأنْ يكونَ لهُ في شيءٍ منْ صفاتهِ كُفوٌ أوْ سَمِيٌّ، فما يضيفونهُ إلى هؤلاءِ منْ زعمهم أنَّهم يحكِّمونَ بموجبِ الوهمِ والخيالِ الفاسدِ، أو أنَّهم يصفونَ الله بالنَّقائصِ والعيوبِ، أو أنَّهم يشبِّهونهُ بالمخلوقاتِ، هو بهم أَخْلَقُ، وهو بهم أعلقُ، وهمْ بهِ أحقُّ، فإنَّكَ لا تجدُ أحدًا سلبَ الله ما وصفَ بهِ نفسَهُ منْ صفاتِ الكمالِ، إلَّا وقولهُ يتضمَّنُ لوصفهِ بما يستلزمُ ذلكَ مِنَ النَّقائصِ والعيوبِ ولمثيلهِ بالمخلوقاتِ، وتجدهُ قد توهَّمَ وتخيَّلَ أوهامًا وخيالاتٍ فاسدةٍ غير مطابقةٍ بنى عليها قولَهُ منْ جنسِ هذا الوهمِ والخيالِ، وأنَّهم يتوهَّمون ويتخيَّلون أنَّهُ إذا كانَ فوقَ العرشِ كانَ محتاجًا إلى العرشِ، كما أنَّ الملكَ إذا كانَ فوقَ كرسيِّهِ كان محتاجًا إلى كرسيِّه (١)، وكمَا يحتاجُ الإنسانُ إلى السَّطحِ أو السريرِ. وهذا «تشبيهٌ لهُ بالمخلوقِ الضعيفِ العاجزِ الفقيرِ» (٢) وقياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّ «قياسَ الله الخالقُ لكلِّ شيءٍ الغنيُّ عنْ كلِّ شيءٍ، الصمدُ الذي يفتقرُ إليهِ كلُّ شيءٍ بالمخلوقاتِ الضعيفةِ المحتاجةِ عدلٌ لها بربِّ العالمينَ، ومنْ عدلها بربِّ العالمينَ فإنَّهُ في ضلالٍ مبينٍ» (٣).
стр. 191
وهؤلاءِ الجهميَّةِ دائمًا يشركونَ بالله، ويعدلونَ بهِ، ويضربونَ لهُ الأمثالَ (١). فإنَّ كلامهم هذا وأمثالَهُ عدلٌ بالله، وإشراكٌ بهِ، وجعلُ أندادٍ لهُ، وضربُ أمثالٍ لهُ: فكلامهم في علوِّ الله يوجبُ لهم أنَّهم جعلوا مثلَ هذا العلوِّ: يجمعُ مِنَ التمثيلِ لله والعدلِ بهِ ابتداءً، ومِنْ جحدِ علوِّهِ المستلزمِ لجحودِ ذاتهِ انتهاءً؛ ظانِّينَ أنَّ هذا تنزيهٌ لله وتقديسٌ (٢).
أوَلا يعلمونَ أنَّ الله يحبُّ أنْ نثبتَ لهُ صفاتِ الكمالِ وننفي عنهُ مماثلةَ المخلوقاتِ؟ وأنَّهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، لا في ذاتهِ ولا في صفاتهِ ولا أفعالهِ؟ فلا بدَّ منْ تنزيههِ عَنِ النَّقائصِ والآفاتِ ومماثلةِ شيءٍ مِنَ المخلوقاتِ، وذلكَ يستلزمُ إثباتَ صفاتِ الكمالِ والتمامِ، التي ليسَ فيهَا كفوٌ لذي الجلالِ والإكرامِ.
وبيانُ ذلكَ هنا: أنَّ الله مستغنٍ عنْ كلِّ ما سواهُ، وهوَ خالقُ كلِّ مخلوقٍ، ولم يصرْ عاليًا على الخلقِ بشيءٍ مِنَ المخلوقاتِ، بل هوَ سبحانهُ خلقَ المخلوقاتِ، وهو بنفسهِ عالٍ عليهَا، لا يفتقرُ في علوِّهِ عليهَا إلى شيءٍ منهَا كمَا يفتقرُ المخلوقُ إلى ما يعلو عليهِ مِنَ المخلوقات، وهو سبحانهُ حاملٌ بقدرتهِ للعرشِ ولحملةِ العرشِ. فإنَّما أطاقوا حملَ العرشِ بقوَّته تعالى، والله إذا جعلَ في مخلوقٍ قوَّةً أطاقَ المخلوقُ حملَ ما شاءَ أن يحملهُ منْ عظمتهِ وغيرهَا، فهو بقوَّته وقدرتهِ الحاملُ للحاملِ والمحمولِ، فكيفَ يكونُ مفتقرًا إلى شيءٍ؟ وأيضًا فالمحمولُ مِنَ العبادِ بشيءٍ عالٍ، لو سقطَ ذلكَ العالي سقطَ هوَ، واللهُ أغنى وأجلُّ وأعظمُ منْ أنْ يوصفَ بشيءٍ منْ ذلكَ (٣).
стр. 192
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «واستواؤهُ وعلوُّهُ على عرشهِ سلامٌ منْ أنْ يكونَ محتاجًا إلى ما يحملهُ أو يستوي عليهِ، بَلِ العرشُ محتاجٌ إليهِ، وحملتهُ محتاجونَ إليه. فهوَ الغنيُّ عَنِ العرشِ وعَنْ حملتهِ وعنْ كلِّ ما سواه. فهو استواءٌ وعلوٌّ لا يشوبهُ حصرٌ ولا حاجةٌ إلى عرشٍ ولا غيرهِ، ولا إحاطةٌ شيءٍ بهِ ، بلْ كانَ سبحانهُ ولا عرش، ولم يكنْ بهِ حاجةٌ إليهِ، وهو الغنيُّ الحميدُ، بل استواؤهُ على عرشهِ واستيلاؤهُ على خلقهِ منْ موجباتِ ملكهِ وقهرهِ منْ غيرِ حاجةٍ إلى عرشٍ ولا غيرهِ بوجهٍ ما» (١).
وهَوَ السَّلامُ على الحَقِيقَةِ سَالِمٌ ... مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وتَمْثِيْلِ (٢).
الوَجْهُ الثاني:
стр. 193
لا نسلِّمُ أنَّ مَنْ حملَ العرشَ يجبُ أنْ يحملَ مَا فوقهُ إلَّا أنْ يكونَ مَا فوقهُ معتمدًا عليهِ، وإلَّا فالهواءُ فوقَ الأرضِ وليسَ محتاجًا إليهَا، وكذلكَ السَّحابُ فوقهَا وليس محتاجًا إليهَا، وكذلكَ السَّماواتُ فوقَ الأرضِ وليستْ الأرضُ حاملةً السَّماواتِ، وكلُّ سماءٍ فوقها سماءٌ، وليسَ السفلى حاملةً للعليا، وكذلكَ السَّمواتُ فوقَ السَّحابِ والهواءِ والأرضِ، وليستْ محتاجةً إلى ذلكَ، وكذلكَ العرشُ فوقَ السَّمواتِ وليسَ محتاجًا إليهَا، فإذا كانَ كثيرٌ مِنَ الأمورِ العاليةِ فوقَ غيرهَا ليسَ محتاجًا إليها فكيفَ يجبُ أنْ يكونَ «العليُّ الأعلى» خالقُ الخلقِ الغنيُّ الصَّمدُ محتاجًا إلى ما هو عالٍ عليهِ وهو فوقهُ، مَعَ أنَّهُ هوَ خالقهُ وربُّهُ ومليكُهُ، وذلكَ المخلوقُ بعضُ مخلوقاتهِ، مفتقرٌ في كلِّ أمورهِ إليهِ. فإذا كان المخلوقُ إذا علا على كلِّ شيءٍ غنيٌّ عنهُ لمْ يجبْ أنْ يكونَ محتاجًا إليهِ فكيفَ يجبُ على الرَّبِّ إذا علا على كلِّ شيءٍ منْ مخلوقاتهِ وذلكَ الشيءُ مفتقرٌ إليه أنْ يكونَ الله محتاجًا إليهِ (١)؟!
وأصحابُ التلبيسِ واللَّبسِ لا يميِّزونَ هذا التمييزَ، ولا يفصِّلونَ هذا التفصيلَ، ولو ميَّزوا وفصَّلوا لهدوا إلى سواءِ السَّبيلِ، وعلموا مطابقةَ العقلِ الصَّريحِ للتنزيلِ ولسلكوا خلفَ الدليلِ، ولكنْ فارقوا الدليلَ وضلُّوا سواءَ السَّبيلِ (٢).
стр. 194
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ
لَوْ كانَ اللهُ فِي السَّمَاءِ لكانَ محصورًا .
هؤلاءِ النُّفاةِ يوهمونَ عامَّةَ المسلمينَ أنَّ مقصودَهم تنزيهُ الله عنْ أنْ يكونَ محصورًا في بعضِ المخلوقاتِ، [أو مفتقرًا إلى مخلوق]، ويفترونَ الكذبَ على أهلِ الإثباتِ أنَّهم يقولونَ ذلكَ، كقولِ بعضهم أنَّهم يقولونَ إنَّ الله في جوفِ السَّمواتِ، إلى أمثالِ هذهِ الأكاذيبِ التي يفترونها على أهلِ الإثباتِ، فيخدعونَ بذلكَ جهَّالَ النَّاسِ، فإذا وقعَ الاستفصالُ والاستفسارُ، انكشفتِ الأسرارُ، وتبيَّنَ الليلُ مِنَ النَّهارِ، وتميَّزَ أهلُ الإيمانِ واليقينِ منْ أهلِ النِّفاقِ المُدَلِّسِينَ، الذين لَبَّسُوا الحقَّ بالباطلِ، وكتموا الحقَّ وهمْ يعلمون (١).
والردُّ على الشبهةِ المذكورةِ أنْ يقالَ:
من توهَّمَ أنَّ كونَ اللهِ في السَّمَاءِ بمعنى أنَّ السَّمَاءَ تحيطُ بهِ وتحويهِ فهوَ كاذبٌ - إنْ نقلهُ عنْ غيرهِ - وضالٌّ - إن اعتقدهُ في ربِّهِ - ومَا سمعنا أحدًا يفهمُ هذا مِنَ اللَّفظِ، ولا رأينَا أحدًا نقلهُ عنْ واحدٍ، ولوْ سئلَ سائرُ المسلمينَ هل تفهمونَ مِنْ قولِ اللهِ ورسولهِ «إنَّ الله في السَّماء» أنَّ السَّماءَ تحويهِ لبادرَ كلُّ واحدٍ منهم إلى أنْ يقولَ: هذا شيءٌ لعلَّهُ لمْ يخطرْ ببالنَا.
وإذا كانَ الأمرُ هكذا: فَمِنَ التكلُّفِ أنْ يُجعلَ ظاهرُ اللَّفظِ شيئًا محالًا لا يفهمهُ النَّاسُ منهُ، ثمَّ يريدُ أنْ يتأوَّلهُ، بلْ عندَ النَّاسِ «إنَّ الله في السَّماء» «وهو على العرشِ» واحدٌ، إذِ السَّماءُ إنَّما يرادُ بهِ العلوُّ، وكلُّ مَا علا فهوَ سماء. يقال: سما، يسمو، سموًّا، أي: علا، يعلو، علوًّا.
فإذا قيلَ: نزلَ المطرُ مِنَ السَّماءِ، كانَ نزولهُ مِنَ السَّحابِ.
وإذا قيلَ: العرشُ والجنَّةُ في السَّماءِ، لا يلزمُ منْ ذلكَ أنْ يكونَ العرشُ داخلَ السَّمواتِ، بلْ ولا الجنَّةِ.
стр. 195
والسَّلفُ والأئمَّةُ وسائرُ علماءِ السُّنَّةِ إذا قالوا: «اللهُ في السَّمَاءِ»، فالمرادُ بالسَّماءِ ما فوقَ المخلوقاتِ كلِّها، والمعنى: أنَّ اللهَ في العلوِّ لا في السُّفلِ، وهوَ العليُّ الأعلى، فله أعْلى العلوِّ، وهوَ مَا فوقَ العرشِ، وليسَ هناكَ غيرهُ - العليُّ الأعلى «لا يقولونَ إنَّ هناك شيئًا يحويهِ أو يحصرهُ، أو يكونُ محلًا لهُ أو ظرفًا ووعاءً عنْ ذلكَ بلْ هوَ فوقَ كلِّ شيءٍ، وهو مستغنٍ عنْ كلِّ شيءٍ وكلُّ شيءٍ مفتقرٌ إليهِ، وهو عالٍ على كلِّ شيءٍ، وهو الحاملُ للعرشِ ولحملةِ العرشِ بقوَّتهِ وقدرتهِ، وكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إليه وهو غنيٌّ عَنِ العرشِ وعنْ كلِّ مخلوقٍ» (١). فأمَّا أنْ يكونَ في جوفِ السمواتِ فليسَ هذا قولُ أهلِ الإثباتِ، أهلِ العلمِ والسنَّةِ، ومنْ قالَ بذلكَ فهو جاهلٌ، كمنْ يقولُ: إنَّ اللهَ ينزلُ ويبقى العرشُ فوقَهُ، أو يقولُ: إنَّهُ يحصرهُ شيءٌ منْ مخلوقاتهِ، فهؤلاءِ ضُلَّالٌ: كما أنَّ أهلَ النَّفيِ ضُلَّالٌ (٢).
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة ﵀: وليس معنى قولهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّهُ مختلطٌ بالخلقِ؛ فإنَّ هذا لا توجبهُ اللُّغةُ، وهو خلافُ ما أجمعَ عليهِ سلفُ الأمَّةِ، وخلافُ ما فطرَ الله عليهِ الخلقَ، بلِ القمرُ آيةٌ منْ آياتِ الله منْ أصغرِ مخلوقاتهِ، وهوَ موضوعٌ في السَّماء، وهوَ مَعَ المسافرِ وغيرِ المسافرِ أينمَا كانَ.
وهوَ سبحانهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رقيبٌ على خلقهِ، مهيمنٌ عليهمْ، مطَّلعٌ عليهم ... إلى غيرِ ذلكَ منْ معاني ربوبِيَّتهِ.
стр. 196
وكلُّ هذا الكلام الذي ذكرهُ الله - من أنَّه فوق العرشِ وأنَّهُ معنا - حقٌّ على حقيقتهِ، لا يحتاجُ إلى تحريفٍ، ولكنْ يصانُ عَنِ الظُّنونِ الكاذبةِ، مثلَ أنْ يُظنَّ أنَّ ظاهرَ قولهِ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٤]، أنَّ السَّماءَ تظلُّهُ أو تقلُّهُ، وهذا باطلٌ بإجماعِ أهلِ العلمِ والإيمانِ؛ فإنَّ الله قدْ وسعَ كرسيُّهُ السَّماواتِ والأرضَ، وهوَ يمسكُ السَّماواتِ والأرضَ أنْ تزولا، ويمسكُ السَّماءَ أنْ تقعَ على الأرضِ، إلَّا بإذنهِ، ومنْ آياتهِ أنْ تقومَ السَّماءُ والأرضُ بأمرهِ (١).
فمنْ يمسكُ السَّمواتِ والأرضَ؟ وبأمرهِ تقومُ السَّماءُ والأرضُ، وهوَ الذي يمسكهما أنْ تزولا، أيكونُ محتاجًا إليهما مفتقرًا إليهما؟.
وإذا كان المسلمونَ يكفِّرونَ منْ يقولُ: إنَّ السَّمواتِ تقلُّهُ أو تظلُّهُ؛ لما في ذلكَ من احتياجهِ إلى مخلوقاتهِ، فمنْ قالَ: إنَّهُ في استوائهِ على العرشِ محتاجٌ إلى العرشِ كاحتياجِ المحمولِ إلى حاملهِ فإنَّهُ كافرٌ؟ لأنَّ الله غنيٌّ عَنِ العالمينَ حيٌّ قيُّومٌ، هو الغنيُّ المطلقُ وما سواهُ فقيرٌ إليهِ. فكيفَ بمنْ يقولُ إنَّهُ مفتقرٌ إلى السَّمواتِ والأرضِ؟ فأينَ حاجتهُ في الحملِ إلى العرشِ، منْ حاجةِ ذاتهِ إلى ما هو دونَ العرشِ (٢)؟!
стр. 197
فكيفَ يُتوهَّمُ بعدَ هذا أنَّ خلقًا يحصرهُ ويحويهِ؟! وقدْ قالَ سبحانهُ: ﴿وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي «على جذوعِ النَّخلِ» ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، بمعنى «على الأرضِ» ونحو ذلكَ، وهوَ كلامٌ عربيٌّ حقيقةً لا مجازًا وهذا يعلمهُ منْ عرفَ حقائقَ معاني الحروفِ، وأنَّها متواطئةٌ في الغالبِ لا مشتركةٌ (١).
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ
قال الرازيُّ: العالمُ كُرَةٌ ... فلو كانَ الله في جهةِ فوق لكانَ أسفلَ بالنِّسبةِ إلى سكَّانِ الوجهِ الآخر .
وهذا الكلامُ «إذا تدبَّرهُ العاقلُ تبيَّن لهُ أنَّ القومَ يقولونَ على الله ما لا يعلمونَ ويقولونَ على الله غيرَ الحقِّ» (٢).
وهذه الشُّبهةُ وأمثالها «مِنَ الخيالاتِ والأوهامِ الباطلةِ، التي تُعَارَضُ بها فطرةَ الله التي فطرَ النَّاسَ عليها، والعلومَ الضروريَّةَ، والقصودَ الضروريَّةَ، والعلومَ البرهانيةَ القياسيَّةَ، والكتبَ الإلهيَّةَ، والسننَ النبويَّةَ، وإجماعَ أهلِ العلمِ والإيمانِ منْ سائرِ البرية» (٣).
стр. 198
والجوابُ عَنِ الشُّبهة المذكورةِ منْ وجهين:
أحدُها:
أنْ يقالَ: القائلونَ بأنَّ العالمَ كرةٌ يقولونَ: إنَّ السَّماءَ عاليةٌ على الأرضِ منْ جميعِ الجهاتِ، والأرضُ تحتها منْ جميعِ الجهاتِ، والجهاتُ قسمان: حقيقيَّةٌ ولها جهتان: العلوُّ والسُّفلُ فقط، فالأفلاكُ وما فوقهَا هو العالي مطلقًا، وما في جوفهَا هوَ السَّافلُ مطلقًا، وإضافية: وهي الجهاتُ الست بالنِّسبةِ للحيوانِ، فما أمامهُ يقالُ لهُ أمامٌ، وما خلفهُ يقالُ له خلفٌ، وما عنْ يمينهِ يقالُ لهُ اليمينُ، وما عنْ يسارهِ يقالُ لهُ اليسارُ، وما فوقَ رأسهِ يقالُ لهُ فوقُ، وما تحتَ قدميهِ يقالُ لهُ تحتُ.
أرأيتَ لوْ أنَّ رجلًا علَّقَ رجليهِ إلى السَّماءِ ورأسهُ إلى الأرضِ أليستِ السماءُ فوقَهُ وإنْ قابلهَا برجليهِ؟! (١).
وإذا كانَ كذلكَ، فالملائكةُ الذينَ في السَّماءِ، هم باعتبارِ الحقيقةِ كلُّهم فوقَ الأرضِ، وليسَ بعضهمْ تحتَ شيءٍ مِنَ الأرضِ، وكذلكَ السَّحابُ وطيرُ الهواءِ، هوَ منْ جميعِ الجوانبِ فوقَ الأرضِ وتحتَ السَّماءِ، ليسَ شيءٌ منهُ تحتَ الأرضِ. وكذلكَ ما على ظهرِ الأرضِ مِنَ الجبالِ والنَّباتِ والحيوانِ والأناسيِّ وغيرهم، همْ منْ جميعِ جوانبِ الأرضِ فوقَها، وهمْ تحتَ السَّماءِ، وليسَ أهلُ هذهِ النَّاحيةِ تحتَ أهلِ هذهِ الناحيَّةِ، ولا أحدٌ منهم تحتَ الأرضِ ولا فوقَ السَّماءِ البتةَ.
وإذا كانتْ هذهِ المخلوقاتُ لا يلزمُ منْ علوِّها على ما تحتَها أنْ تكونَ تحتَ ما في الجانبِ الآخرِ مِنَ العالمِ، فالعليُّ الأعلى سبحانه أولى أنْ لا يلزم منْ علوِّه على العالمِ أنْ يكونَ تحتَ شيءٍ منهُ.
стр. 199
وكانَ مَنِ احتجَّ بمثلِ هذهِ الحجَّةِ إنَّما احتجَّ بالخيالِ الباطلِ الذي لا حقيقةَ لهُ، مَعَ دعواهُ أنَّهُ مِنَ البراهينِ العقليةِ، فإنْ كانَ يتصوَّرُ حقيقةَ الأمرِ فهوَ معاندٌ جاحدٌ محتجٌّ بما يعلمُ أنَّهُ باطلٌ، وإنْ كانَ لمْ يتصوَّر حقيقةَ الأمرِ، فهوَ منْ أجهلِ النَّاسِ بهذهِ الأمورِ العقليةِ، التي هيَ موافقةٌ لما أخبرتْ بهِ الرُّسلُ، وهو يزعمُ أنَّها تناقضُ الأدلَّةَ السمعيةَ، فهوَ كمَا قيلَ:
فَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالمُصِيْبَةُ أَعْظَمُ (١)
ومِنَ العجبَ أنَّ هؤلاءِ النُّفاةِ يعتمدونَ في إبطالِ كتابِ الله، وسنَّةِ أنبيائهِ ورسلهِ، وما اتَّفقَ عليهِ سلفُ الأمَّةِ وأئمَّتها، وما فطرَ الله عليهِ عبادَهُ، وجعلهم مضطرينَ إليهِ عندَ قصدهِ ودعائهِ، ونصب عليه البراهينَ العقليَّةَ الضروريَّةَ، على مثلِ هذه الحجَّةِ التي لا يعتمدونَ فيها إلَّا على مجرَّدِ خيالٍ ووهمٍ باطلٍ، مَعَ دعواهم أنهَّم هم الذينَ يقولونَ بموجبِ العقلِ، ويدفعونَ موجبَ الوهمِ والخيالِ (٢).
الوجهُ الثاني:
أنْ يقالَ: أنَّهُ محيطٌ بكلِّ شيء، وفوقَ كلِّ شيءٍ.
قالَ : ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ *﴾ [البروج: ٢٠] وقال : ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]. وقال : ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦].
стр. 200
وليس المرادُ مِنْ إحاطتهِ بخلقهِ أنَّ المخلوقاتِ داخلَ ذاتهِ المقدَّسةِ، تعالى اللهُ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا؛ فإنَّه العظيمُ الذي لا أعظمَ منهُ. ألا ترى أنَّ السماءَ لمَّا كانتْ «محيطةً بالأرضِ كانتْ عاليةً عليها، ولا يستلزمُ ذلكَ ممَّا هوَ محيطٌ بهِ، مماثلتهُ ومشابهتهُ لهُ، فإذا كانتِ السَّماءُ محيطةً بالأرضِ، وليستْ مماثلةً لهَا فالتَّفاوتُ الذي بين العالمِ وربُّ العالمِ أعظمُ مِنَ التفاوتِ الذي بينَ الأرضِ والسَّماءِ» (١).
ويجبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ العالمَ العلويَّ والسفليَّ بالنِّسبةِ إلى الخالقِ في غايةِ الصِّغَرِ.
قالَ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وقدْ ثبتَ في الصحيحين (٢) منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ هذهِ الآيةَ، لمَّا ذكرَ لهُ بعضُ اليهودِ أنَّ الله يحملُ السَّمواتِ على أصبعٍ، والأرضينَ على أصبعٍ، والجبالَ على أصبعٍ، والشَّجرَ والثرى على أصبعٍ، وسائرَ الخلقِ على أصبعٍ؛ فضحك رسولُ الله ﷺ تعجُّبًا وتصديقًا لقولِ الحبر (٣)، وقرأ هذهِ الآية.
وهذا يقتضي أنَّ عظمتهُ أعظمُ ممَّا وصفَ ذلكَ الحبرُ، فإنَّ الذي في الآيةِ أبلغُ (٤).
قال الشيخ علي بن إبراهيم بن مشيقح ﵀:
стр. 201
وَفِي الصَّحيحَيْنِ أَيْضًا إقْرَارُ نَبِيِّنَا ... مُصَدِّقًا لِقَوْل الْحَبْرِ وَالنَّبيُّ يَسْمَعُ
يَجْعَلُ اللهُ السَّمَوَاتِ على أَصْبُعٍ ... واْلأَرضِيْنَ على أصبُعٍ والمَاء يَحمله أصْبُعُ
والشَّجر على أصْبُعَ وَالثَّرىَ عَلَى أَصْبُعٍ ... وَسَائر الْخَلْقِ تَحْمِلْهَا أَصْبُعُ
ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ قَائِلًا ... أَنَا الْمَلِكُ يُكَرِّرُهَا فَبالْحَقِّ فَاقْنَعُوْا
قَالوُا ضِحْكُ النَّبِيِّ مِنْهُ تَعَجُّبًا ... وَلَيْسَ تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ قلنا لَهُمُ اسْمَعُوْا
هَلْ يُقِرُّه المُصْطَفَى عَلَى مَقَالٍ مُخَالِفٍ ... هذَا مُحالٌ حَيْثُ الإِقْرارُ مِنْهُ سُنَّةٌ تُتْبَعُ
بَلْ أَيَّد قَوْلَ الْحَبْرِ مُصَدِّقًا لِمَقَالِه ... بِتِلاوَةِ آيَةٍ تُطابِقُ قَوْلَ الحبْرِ تَصْدَعُ
فهذِه أَدِلَّةُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةٍ ... عَلَى مُرَادِ ظَاهِرِ لَفْظِهَا دَلاَلَةً تَقْطَعُ
بِلاَ تَشْبيهٍ لَهَا قَطْعًا وَلاَ نُكَيِّفُهَا ... بَلْنَنْتَهِي حَيْثُ انْتَهَى الْوَحْيَان بِنَا وَنَقْنَعُ (١)
فقد تبيَّنَ بهذا أنَّ السَّمواتِ والأرضَ وما بينهما بالنسبةِ إلى عظمةِ الله تعالى أصغرُ منْ أنْ تكونَ مع قبضهِ لها إلَّا كالشيءِ الصغيرِ في يدِ أحدنَا، حتَّى يدحوها كما تُدحى الكرة (٢).
والمقصودُ أنَّه إذا كانَ اللهُ أعظمَ وأكبرَ وأجلَّ منْ أن يُقدِّرَ العبادُ قدرهُ، أو تدركهُ أبصارهمْ، أو يحيطونَ به علمًا، وأمكنَ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ في قبضتهِ لم يجبْ - والحالُ هذهِ - أنْ يكونَ تحتَ العالمِ، أو تحتَ شيءٍ منهُ، فإنَّ الواحدَ مِنَ الآدميينَ إذا قبضَ قبضةً أو بندقةً أو حمصةً أو حبَّةَ خردلٍ، وأحاطَ بها، لم يجزْ أنْ يُقالَ: إنَّ أحدَ جانبيها فوقهُ.
стр. 202
وكذلكَ أمثالُ ذلكَ منْ إحاطةِ المخلوقِ ببعضِ المخلوقاتِ، كإحاطةِ الإنسانِ بما في جوفهِ، وإحاطةِ البيتِ بما فيهِ، وإحاطةِ السَّماءِ بما فيهَا مِنَ الشَّمسِ والقمرِ والكواكبِ، فإذا كانتْ هذهِ المحيطاتُ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها تحتَ المحاطِ، وأنَّ ذلك نقصٌ، مَعَ كونِ المحيطِ يحيطُ بهِ غيرُهُ، فالعليُّ الأعلى المحيطُ بكلِّ شيءٍ، الذي تكونُ الأرضُ جميعًا قبضتهُ يومَ القيامةِ والسَّماواتُ مطوياتٌ بيمينهِ، كيفَ يجبُ أنْ يكونَ تحتَ شيءٍ ممَّا هوَ عالٍ عليهِ أو محيطٌ بهِ، ويكونُ ذلكَ نقصًا ممتنعًا؟!
وقدْ ذكرَ أنَّ بعضَ المشايخِ سُئِلَ عنْ تقريبِ ذَلِكَ إِلَى العقلِ، فقالَ للسَّائلِ: إِذَا كَانَ باشقٌ كبيرٌ، وقدْ أمسكَ برجلهِ حمصةً أليسَ يكونُ ممسكًا لها فِي حالِ طيرانهِ، وَهُوَ فوقهَا ومحيطٌ بِهَا؟ فإذا كانَ مثلُ هذا ممكنًا في المخلوقِ، فكيفَ يتعذَّرُ في الخالقِ؟! (١).
فقدْ تبيَّنَ بهذا الكلامِ «أنَّ ما يدَّعونهُ مِنَ العقلياتِ المخالفةِ للنُّصوصِ لا حقيقةَ لهَا عندَ الاعتبارِ الصَّحيحِ، وإنَّما هي منْ بابِ القعقعةِ بالشنانِ لمن يفزعهُ ذلكَ مِنَ الصبيانِ ومنْ هوَ شبيهٌ بالصبيانِ وإذا أُعْطيَ النَّظرُ في المعقولاتِ حقَّهُ مِنَ التَّمامِ، وجدهَا براهينَ ناطقةً بصدقِ ما أخبرَ بهِ الرَّسولُ، وأنَّ لوازمَ ما أخبرَ بهِ لازمٌ صحيحٌ، وأنَّ منْ نفاهُ نفاهُ لجهلهِ بحقيقةِ الأمرِ» (٢).
стр. 203
الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ
لو كانَ مَوْصُوفًا بالعُلُوِّ لكانَ جسمًا، ولو كانَ جسمًا لكان مماثلًا لِسَائِرِ الأَجْسَامِ، واللهُ قد نَفَى عنه المِثْلَ (١).
أقول وبالله التوفيق: هنا ثلاثُ مقدِّماتٍ حصلَ فيها التَّلبيسُ:
أحدُها: كونُ كلِّ عالٍ جسمًا.
والثاني: كونُ الأجسامِ متماثلةٌ.
والثالثُ: كونُ هذا التماثلِ هو المرادُ بالمثلِ في لغةِ العربِ التي نزلَ بها القرآن (٢).
والجوابُ على الشُّبهةِ المذكورةِ منْ وجوهٍ:
الأولُ:
قَدِ ادَّعيتَ أيُّها الجهميُّ أنَّ ظاهرَ القرآنِ، الذي هوَ حجَّةُ الله على عبادهِ، والذي هو خيرُ الكلامِ، وأصْدقُهُ، وأحْسنُهُ، وأفْصحُهُ، وهوَ الذي هدى الله بهِ عبادَهُ، وجعلَهُ شفاءً لما في الصُّدورِ، وهدًى ورحمةً للمؤمنينَ، ولمْ ينزلْ كتابٌ مِنَ السَّماءِ أهدى منهُ، ولا أحْسنَ ولا أكْملَ، فانتهكْتَ حرمتَهُ، وادَّعيتَ أنَّ ظاهرَهُ يستلزمُ التَّشبيهَ والتَّجسيم (٣). وهذا الإلزامُ إنَّما هوَ لمنْ جاءَ بالنُّصوصِ الدَّالةِ على علوِّ الله على العرشِ، وتكلَّم بهَا، ودعَا الأمَّةَ إلى الإيمانِ بهَا ومعْرفتِهَا، ونهاهم عنْ تحْريفِهَا وتبديلِهَا.
يَا قَوْمُ واللهِ العَظِيمِ أَسَأْتُمُ ... بِأَئِمَّةِ الإسْلاَمِ ظَنَّ الشَّانِ
مَا ذَنْبُهُمْ وَنَبِيُّهُمْ قَدْ قَالَ مَا ... قَالوا كَذَلكَ مُنْزِلُ الفُرْقَانِ
مَا الذَّنبُ إلاّ للنصُوصِ لَديكمُ ... إِذْ جَسَّمَتْ بَلْ شَبَّهتْ صِنْفَانِ