← Фикх шафии

Фикх шафии · id 37344

عمدة السالك وعدة الناسك

ابن النقيب

Полный текст (243 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الزكاةَ من مانعيها بقربهم، أو يقاتلونَ عنا عدواً يُحتاجُ في دَفعهِ إلى مؤنةٍ ثقيلةٍ. الخامسُ: الرقاب: وهمُ المكاتبونَ، فيعطَونَ ما يؤدونَ إن لم يكن معهم ما يؤدون. السادس: الغارمون: فإنْ غرِمَ لإصلاحٍ بأن استدانَ ديْناً لتسكينِ فتنةِ دمٍ أوْ مالٍ دُفعَ إليهِ معَ الغِنى، وإن استدانَ لنفقتهِ ونفقةِ عيالهِ دُفعَ إليهِ معَ الفقرِ دونَ الغِنَى، وإن استدانَ وصرفهُ في معصيةٍ وتابَ دُفعَ إليهِ في الأصحِّ. السابع: في سبيلِ الله تعالى: وهُمُ الغزاةُ الذينَ لا حقَّ لهمْ في الديوانِ، فيعطَونَ معَ الغِنَى ما يكفيهم لغزوهم من سلاحٍ وفرسٍ وكسوةٍ ونفقةٍ. الثامنُ: ابنُ السبيلِ: وهوَ المسافرُ المجتازُ بنا، أو المنشئ للسفرِ في غيرِ معصيةٍ، فيُعطى نفقةً ومركوباً معَ الحاجةِ وإنْ كانَ لهُ في بلدهِ مالٌ. ومنْ فيهِ سببانِ لمْ يعطَ إلا بأحدهما، فمتى وجِدَتْ هذه الأصنافُ في بلدِ المالِ فَنَقْلُ الزكاةِ إلى غيرها حرامٌ ولمْ يَجُزِ، إلا أنْ يفرِّقَ الإمامُ فلهُ النقلُ، وإنْ كانَ مالهُ بباديةٍ أوْ فُقدتْ الأصنافُ كلُّها ببلدهِ نقلَ إلى أقربِ بلدٍ إليه. [كيفيةُ تقسيمِ الزكاةِ]: وتجبُ التسويةُ بينَ الأصنافِ لكلِّ صنفٍ الثُمُنُ إلا العاملُ فقدْرُ أجرتهِ، فإنْ فُقدَ صنفٌ في بلدهِ فرَّقَ نصيبهُ على الباقينَ فيعطي لكلِّ صنفٍ السُّبُعُ، أوْ صنفانِ فلكلِّ صنفٍ السُّدُسُ وهكذا، فإنْ قسَّمَ المالكُ وآحادُ الصنفِ

стр. 107

محصورونَ، أو قسَّمَ الإمامُ مطلقاً وأمكنَ الاستيعابُ لكثرةِ المالِ وجبَ، وإنْ قسَّمَ المالكُ وهم غيرُ محصورينَ فأقلُّ ما يجوزُ أنْ يدفعَ إلى ثلاثةٍ منْ كلِّ صنفٍ، إلا العاملَ فيجوزُ واحدٌ. ويندبُ الصرفُ لأقاربهِ الذينَ لا يلزمهُ نفقَتهم، وأنْ يفرقَ على قدرِ الحاجةِ، فيعطي منْ يحتاجُ إلى مئةٍ مثلاً قدرَ نصفِ منْ يحتاجُ مئتينِ. ولا يجوزُ أنْ يدفعَ لكافرٍ، ولا لبني هاشمٍ وبني المطلبِ، ولا لمن تلزمُهُ نفقتُهُ كزوجةٍ وقريبٍ، ولوْ دفعَ لفقيرٍ وشرط أنْ يردهُ عليهِ منْ دينٍ لهُ عليهِ، أوْ قالَ: جعلتُ مالي في ذمتكَ زكاةً فخذهُ لمْ يُجزِ، وإنْ دفعَ إليهِ بنيةِ أنهُ يقضيهِ منهُ، أوْ قالَ: اقضِ مالي لأعطيكهُ زكاةً، أوْ قالَ المديونُ: أعطني لأقضيكَهُ جازَ، ولا يلزمُ الوفاءُ بهِ. وزكاةُ الفطرِ في جميعِ ما ذكرناهُ كزكاةِ المالِ منْ غيرِ فرْقٍ، فلوْ جمعَ جماعةٌ فطرتَهُمْ وخلطوا وفرقوها، أو فرَّقها أحدهُم بإذنِ الباقينَ جازَ. [صدقةُ التطوعِ]: تندبُ صدقةُ التطوعِ كلَّ وقتٍ، وفي رمضانَ وأمامَ الحاجاتِ وكلِّ وقتٍ ومكانٍ شريفٍ آكدٍ، وللصلحاءِ وأقاربهِ وعدوِّهِ منهمْ، وبأطيبِ مالهِ أفضلُ، ويحرُمُ التصدقُ

стр. 108

بما ينفقهُ على عيالهِ أوْ يقضي بهِ ديْنهُ الحالَّ، ويندبُ بكلِّ ما فضلَ إنْ صبرَ على الإضاقةِ. ويكرهُ أنْ يسألَ بوجهِ اللهِ غيرَ الجنةِ، وإذا سألَ سائل بوجهِ اللهِ شيئاً كُرهَ ردُّهُ. والمنُّ بالصدقةِ حرامٌ ويُبطلُ ثوابها.

стр. 109

كتابُ الصيامِ [منْ يجبُ عليه الصوم]: يجبُ صومُ رمضانَ على كلِّ: مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ على الصومِ، معَ الخلوِّ عن حيضٍ ونفاسٍ. فلا يخاطبُ بهِ كافرٌ وصبيٌّ ومجنونٌ، ومنْ أجهدهُ الصومُ لكبرٍ أوْ مرضِ لا يرجى برؤه، بأداءِ ولا بقضاءٍ، لكنْ يلزمُ منْ أجهدهُ الصومُ لكلِّ يومٍ مدُّ طعامٍ، ويخاطبُ المريضُ والمسافرُ والمرتدُّ والحائضُ والنفساءُ بالقضاءِ دونَ الأداءِ، فإنْ تكلفَ المريضُ والمسافرُ فصاما صحَّ، دونَ المرتدِّ والحائضِ والنفساءِ. فإن أسلمَ أوْ أفاق أو بلغَ مفطراً في أثناءِ النهارِ نُدبَ الإمساكُ والقضاءُ ولا يجبانِ، وإنْ بلغَ صائماً لزمهُ الإمساكُ ونُدب القضاءُ، ولوْ طهُرَتِ الحائضُ أمسكتْ نَدباً وقضتْ حتماً، أوْ قدمَ المسافرُ أوْ برئَ المريضُ وهما مفطرانِ، أمسكا ندباً وقضيا حتماً، أو صائمانِ أمسكا حتماً. ولوْ قامتِ البينةُ برؤيةِ يومِ الشكِّ وجبَ إمساكُ بقيتهِ وقضاؤهُ. ويؤمرُ الصبيُّ بهِ لسبعٍ ويُضربُ لعشرٍ. [مبيحاتُ الفطرِ]: ويبيحُ الفطرَ: ١ - غلبةُ الجوعِ والعطشِ بحيثُ يخشى الهلاكَ أو المرضَ، ولوْ طرأ في أثناءِ اليومِ، إذا شقَّ الصومُ. ٢ - وسفرُ القصرِ إنْ فارقَ العمرانَ قبلَ الفجرِ، وإنْ نواهُ منَ الليلِ،

стр. 110

فإنْ سافرَ بعدهُ فلا، والفطرُ للمسافرِ أفضلُ إنْ ضرَّهُ الصومُ، وإلا فالصومُ أفضلُ. ٣ - [المرضعُ والحاملُ]: ولوْ خافتْ مرضعٌ أوْ حاملٌ على أنفسهما أوْ ولديهما أفطرتا وقضتا، لكن تفديانِ عندَ الخوفِ على الولدِ لكلِّ يومٍ مداً. [وقتُ وجوبِ الصومِ]: ولا يجبُ صومُ رمضانَ إلا برؤيةِ الهلالِ، فإنْ غمَّ وجبَ استكمالُ شعبانَ ثلاثينَ ثمَّ يصومونَ، فإنْ رؤيَ نهاراً فهوَ لليلةِ المستقبَلةِ، وإنْ رؤيَ في بلدٍ دونَ بلدٍ فإنْ تقاربا عمَّ الحكمُ، وإلا فلا، والبعدُ باختلافِ المطالعِ كالحجازِ والعراقِ ومصرَ، وقيلَ بمسافةِ القصرِ، ويقبلُ في رمضانَ بالنسبةِ إلى الصومِ عدلٌ واحدٌ، ذكرٌ حرٌّ مكلفٌ، ولا يقبلُ في سائرِ الشهورِ إلا عدلانِ، ولوْ عرَفَ رجلٌ بالحسابِ والنجومِ أنَّ غداً منْ رمضانَ لمْ يجب الصومُ، لكنْ يجوزُ للحاسبِ والمنَجِّمِ فقطْ، وإنِ اشتبهتِ الشهورُ على أسيرٍ ونحوهِ اجتهدَ وجوباً وصامَ، فإنِ استمرَّ الإشكالُ أوْ وافقَ رمضانَ أوْ ما بعدهُ صحَّ، وإنْ وافقَ ما قبلهُ لمْ يصحَّ. [شروطُ الصومِ]: وشرطُ الصومِ النيةُ، والإمساكُ عنِ المفطراتِ. [النيةُ]: فينوي لكلِّ يومٍ، فإنْ كانَ فرضاً وجبَ تعيينُهُ وتبييتهُ منَ الليلِ، وأكملُهُ: أنْ ينوي صومَ غدٍ عنْ أداءِ فرضِ رمضانَ هذهِ السنةِ للهِ تعالى. ولوْ أخبرهُ بالرؤيةِ ليلةَ الشكِّ منْ يثقُ

стр. 111

بهِ ممنْ لا يقبلهُ الحاكمُ منْ نسوةٍ وعبيدٍ وصبيانٍ، فنوى بناءً على ذلكَ، فكانَ منهُ صحَّ، وإنْ نواهُ منْ غيرِ إخبارِ أحدٍ فكانَ منهُ لمْ يصحَّ، سواءٌ جزمَ النيةَ أوْ تردَّدَ فقالَ: إنْ كانَ غداً منْ رمضانَ فأنا صائمٌ وإلا فمفطرٌ، ولوْ قالَ ليلةَ الثلاثينَ منْ رمضانَ: إنْ كانَ غداً منْ رمضان فأنا صائمٌ وإلا فمفطرٌ، فكانَ منْ رمضانَ صحَّ. ويصحُّ النفلُ بنيةٍ مطلقةٍ قبلَ الزوالِ. [الإمساكُ عنِ المفطراتِ]: وإنْ أكلَ الصائمُ أوْ شربَ، أو اسْتَعَطَ أو احْتَقَنَ، أوْ صبَّ في أذنهِ فوصلَ دماغهُ، أوْ أدخلَ أصبعاً أو غيرهُ في دبرهِ أوْ قُبُلِها وراءَ ما يبدو عندَ القَعْدَةِ، أوْ وصلَ إلى جوفهِ شيءٌ منْ طعنةٍ أو دواءٍ، أوْ تقيأَ، أو جامعَ، أوْ باشرَ فيما دونَ الفرجِ فأنزلَ، أوِ استمنى فأنزلَ، أوْ بالغَ في المضمضةِ أو الاستنشاقِ فنزلَ جوفهُ، أوْ أخرجَ ريقهُ منْ فمهِ، كما إذا جرَّ الخيطَ في فمهِ عندَ فتلهِ فانفصلَ عليهِ ريقٌ ثمّ ردّهُ وبلعَ ريقهُ، أوْ بلعَ ريقهُ متغيراً، كما إذا فتلَ خيطاً فتغيرَ بصبغهِ، أوْ كانَ نجِساً، كما إذا دميَ فمُهُ فبصقَ حتى صفا ريقهُ ولمْ يغسلهُ، أوْ إذا ابتلعَ نخامةً منْ أقصى الفمِ، إنْ قدرَ على قطعها ومجِّها فتركها حتى نزلتْ، أوْ طلعَ الفجرُ وهوَ مجامعٌ فاستدامَ ولوْ لحظةً، وهوَ في جميعِ ذلكَ ذاكرٌ للصومِ، عالمٌ بالتحريمِ،

стр. 112

بطُلَ صومهُ، وعليهِ قضاءٌ وإمساكُ بقيةِ النهارِ. وضابطُ المفطّرِ: ١ - وصولُ عينٍ وإنْ قلَّتْ منْ منفدٍ مفتوحٍ إلى جوفٍ. ٢ - والجماعُ. ٣ - والإنزالُ عنْ مباشرةٍ أو استمناءٍ عالماً بالتحريمِ ذاكراً للصومِ. [كفارةُ إفسادِ الصومِ]: يلزمُ من فسدَ صومهُ في رمضانَ بالجماعِ مع القضاءِ الكفارةُ، وهيَ: عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، سليمةٍ منَ العيوبِ المضرةِ، فإنْ لمْ يجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، فإنْ لمْ يستطعْ فإطعامُ ستينَ مسكيناً، فإنْ عجَزَ ثبتَِ في ذمتهِ، ولا يجبُ على الموطوءةِ كفارةٌ. [حكم الناسي والمكره والجاهل]: فإنْ فعلَ جميعَ ذلكَ ناسياً، أوْ جاهلاً، أوْ مكرهاً، أوْ غلبهُ القيءُ، أوْ أنزلَ باحتلامٍ أوْ عنْ فكرٍ أوْ نظرٍ، أوْ نزلَ جوفهُ بمضمضةٍ أو استنشاقٍ بلا مبالغةٍ، أوْ جرى الريقُ بما بقيَ منَ الطعامِ في خلالِ أسنانهِ بعدَ تخليلهِ وعجَزَ عنْ مجِّهِ، أوْ جمع ريقهُ في فمهِ وابتلعهُ صِرْفاً، أوْ أخرجهُ على لسانهِ ثمَّ ردَّهُ وبلعهُ، أو اقتلعَ نخامةً منْ باطنهِ ولفظها، أوْ طلعَ الفجرُ وفي فمه طعامٌ فلفظهُ، أوْ كانَ مجامعاً فنزعَ في الحالِ، أوْ نامَ جميعَ النهارِ، أوْ أُغميَ عليهِ فيه وأفاقَ لحظةً منهُ، لمْ يضرُّهُ في جميعِ ذلكَ ويصحُّ صومُهُ. وإذا أكلَ معتقداً أنهُ ليلٌ فبانَ أنهُ نهارٌ، أو أكل ظاناً للغروبِ واستمرَّ الإشكالُ وجبَ القضاءُ، وإنْ ظنَّ أن الفجرَ لمْ يطلعْ فأكلَ واستمرَّ الإشكالُ فلا قضاءَ. وإنْ طرأَ في أثناءِ اليومِ جنونٌ ولوْ في

стр. 113

لحظة منهُ، أو استغرقَ نهارهُ بالإغماءِ، أوْ طرأَ حيضٌ أوْ نفاسٌ بطلَ الصومُ. [سننُ الصومِ]: ويندبُ السُّحورُ وإنْ قلَّ، ولوْ بماءٍ، والأفضلُ تأخيرُهُ ما لمْ يخف الصبحَ. والأفضلُ تعجيلُ الفطرِ إذا تحققَ الغروبُ، ويُفطرُ على تمراتٍ وِتراً، فإنْ لمْ يجدْ فالماءُ أفضلُ، ويقولُ: اللهمَّ لكَ صمْتُ وعلى رزقكَ أفطرْتُ. ويندبُ كثرةُ الجودِ، وصلةُ الرحمِ، وكثرةُ تلاوةِ القرآنِ، والاعتكافُ سيما العشر الأواخرُ، وأنْ يُفَطِّرَ الصوَّامَ ولوْ بماءٍ، وتقديمُ غُسْلِ الجنابةِ على الفجرِ، وتركُ الغيبةِ والكذبِ والفحشِ والشهواتِ، والفصدِ والحجامةِ، فإنْ شوتمَ فليقلْ: إني صائمٌ. وتحرُمُ القُبْلةُ لمنْ حركت شهوتهُ، والوصالُ بأنْ لا يتناولَ في الليلِ شيئاً، فلوْ شربَ ماءً ولوْ جرعةً عندَ السحورِ فلا تحريمَ. ويكرهُ ذوقُ الطعامِ وعِلْكٌ، وسواكٌ بعدَ الزوالِ، لا كُحْلٌ واستحمامٌ، ويكرهُ لكلِّ أحدٍ صمتُ يومٍ إلى الليلِ. [قضاءُ الصومِ]: ومنْ لزمهُ قضاءُ شيءٍ منْ رمضانَ يندبُ لهُ أنْ يقضيَهُ متتابعاً على الفورِ، ولا يجوزُ أنْ يؤخرَ القضاءَ إلى رمضانَ آخرَ بغيرِ عذرٍ، فإنْ أخَّرَ لزمهُ معَ القضاءِ عنْ كلِّ

стр. 114

يومٍ مدُّ طعامٍ، فإنْ أخرَ رمضانينِ فمدانِ، وهكذا يتكررُ بتكررِ السنينَ، ومنْ ماتَ وعليهِ صومٌ تمكَّنَ منْ فعلهِ، أطعمَ عنهُ عنْ كلِّ يومٍ مدَّ طعامٍ. فصلٌ: [الأيامُ التي يندبُ صومها]: يندبُ صومُ ستةٍ من شوالٍ، وتندبُ متتابعةً تلي العيدَ، فإنْ فرَّقها جازَ، وتاسوعاءَ وعاشوراءَ، وأيامِ البيضِ في كلِّ شهرٍ: الثالثَ عشَرَ وتالييهِ، والإثنينِ والخميسِ. وعشْرِ ذي الحجةِ، والأشهُرِ الحُرُمِ، وهيَ أربعةٌ: ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرَّم ورجب. وأفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ المحرَّم ثمَّ رجبٌ ثمَّ شعبانَ، وصومُ يومِ عرفةَ إلا للحاجِّ بعرفةَ ففطرُهُ أفضلُ، فإنْ صامَ لمْ يكرهْ لكنَّهُ تركَ الأولى، ويكرهُ صومُ الدهرِ إنْ ضرَّهُ أوْ فوَّتَ حقاً، وإلا لمْ يكرهْ. [الأيامُ التي يحرمُ صومها]: ويحرُمُ ولا يصحُّ أصلاً صومُ العيدينِ، وأيامِ التشريقِ وهيَ ثلاثةٌ بعد الأضحى، ويومِ الشكِّ وهوَ أنْ يتحدَّثَ بالرؤيةِ يومَ الثلاثينَ منْ شعبانَ منْ لا يثبُتُ بقولهِ منْ عبيدٍ وفسقةٍ ونسوةٍ، وإلا فليسَ بيومِ شكٍّ، فلا يصحُّ صومهُ عنْ رمضانَ، بلْ عنْ نذرٍ وقضاءٍ، وأما التطوعُ بهِ فإنْ وافقَ عادةً لهُ أوْ وصلهُ بما قبلَ نصفِ شعبان صحَّ، وإلا حرمَ ولمْ

стр. 115

يصحَّ. ويحرُمُ صومُ ما بعدَ نصفِ شعبانَ إنْ لمْ يوافقْ عادةً ولمْ يصلهُ بما قبلهُ، ومنْ دخلَ في صومٍ وصلاةٍ فرضاً -أداءً كانَ أوْ قضاءً أوْ نذراً- حرمَ قطعُهُما، فإنْ كانَ نفلاً جازَ قطعُهُما. [الاعتكاف] فصلٌ: الاعتكافُ سُنَّةٌ في كلِّ وقتٍ، ورمضانُ آكدُ، والعشرةِ الأخيرةِ آكدُ لطلبِ ليلةِ القدرِ، ويمكنُ أنْ تكونَ في جميعِ رمضانَ، وفي العشرةِ الأخيرةِ أرْجى، وفي أوتارهِ أرْجى، وفي الحادي والثالثِ والعشرينَ أرجى، ويُكثِرُ في ليلةِ القدْرِ: "اللهمَّ إنكَ عفوٌّ تحبُ العفوَ فاعفُ عني". وأقلُّ الاعتكافِ لُبْثٌ وإنْ قلَّ، بشرطِ النيةِ وزيادتهِ على أقلِّ الطمأنينةِ، وكونُهُ مسلماً، عاقلاً، صاحياً، خالياً منَ الحدثِ الأكبرِ، وفي المسجدِ ولوْ متردِّداً في جوانبهِ، ولا يكفي مجردُ المرورِ. والأفضلُ كونُهُ بصوم، وفي الجامعِ، وأنْ لا ينقُصَ عنْ يومٍ. ولوْ نذرَ الاعتكافَ في المسجدِ الحرامِ أو الأقصى أوْ مسجدِ المدينةِ تَعيَّنَ، لكنْ يجزئُ المسجدُ الحرامُ عنهما، بخلافِ العكسِ، ويجزئُ مسجدُ المدينةِ عن الأقصى، بخلافِ العكسِ، ولوْ عيَّنَ مسجداً غيرَ ذلكَ لمْ يتعيَّنْ. ويفسُدُ الاعتكافُ بالجماعِ، وبالإنزالِ عنْ مباشرةٍ بشهوةٍ، وإنْ

стр. 116

نذرَ مدةً متتابعةً لزمهُ، فإنْ خرجَ لما لا بدَّ منهُ كأكلٍ وإنْ أمكنَ في المسجدِ، وشربٍ إنْ لمْ يمكنْ فيهِ، وقضاءِ حاجةِ الإنسانِ، والمرضِ والحيضِ ونحوِ ذلكَ لمْ يبطلْ، وإنْ خرجَ منَ المسجدِ لزيارةِ مريضٍ، أوْ صلاةِ جنازةٍ أوْ صلاةِ جمعةٍ، بطَلَ اعتكافُهُ، وإنْ خرجَ لمنارةِ المسجدِ وهي خارجةٌ عنهُ ليؤذِّنَ جازَ إنْ كانَ هوَ المؤذنُ الراتبُ، وإلا فلا، وإنْ خرجَ لما لا بدَّ منهُ فسألَ عنِ المريضِ وهوَ مارٌّ ولمْ يعرِّجْ جازَ، وإنْ عرَّجَ لأجلِهِ بطلَ. وتحرُمُ المباشرةُ بشهوةٍ. ويحرُمُ على العبدِ والزوجةِ دونَ إذنِ سيدٍ وزوجٍ.

стр. 117

كتاب الحج [شروطُ الحجِ والعمرةِ]: الحجُّ والعمرةُ فرضانِ، ولا يجبانِ في العُمُرُ إلا مرةً واحدةً إلا أنْ يُنذَرا. وإنما يلزمانِ كلَّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ حرٍّ مستطيعٍ. فيصحُّ حجُّ العبدِ وغيرِ المستطيعِ، ولا يصحُّ منَ الكافرِ وغيرِ المميزِ استقلالاً، فإنْ أحرمَ الصبيُّ المميزُ بإذنِ الوليِّ، أوْ أحرمَ الوليُّ عن المجنونِ أو الطفلِ الذي لا يميزُ جازَ، ويكلفُهُ الوليُّ ما يقدرُ عليهِ، فيغسلُهُ ويجرِّدهُ عنِ المخيطِ ويلبسُهُ ثيابَ الإحرامِ، ويجنبهُ المحظورَ كالطيبِ ونحوهِ، ويحضرُهُ المشاهدَ ويفعلُ عنهُ ما لا يمكنُ منهُ كالإحرامِ وركعتي الطواف والرميِ. [الاستطاعة]: والمستطيعُ اثنانِ: مستطيعٌ بنفسهِ، ومستطيعٌ بغيرهِ. أما الأولُ [مستطيعٌ بنفسهِ]: فهوَ أنْ يكونَ صحيحاً واجداً للزَّادِ والماءِ بثمنِ مثلهِ في المواضعِ التي جرتِ العادةُ بكونهِ فيها، وراحلةٍ تصلحُ لمثلهِ إنْ كانَ منْ مكةَ على مسافةِ القصْرِ وإنْ أطاقَ المشيَ، وكذا دونها إنْ لمْ يطقْهُ، ومحْمِلاً إنْ شقَّ عليهِ ركوبُ القَتَبِ، وشريكاً يعادلُهُ، يشترطُ ذلك كلهُ ذاهباً وراجعاً، وأنْ يكونَ ذلكَ فاضلاً عنْ نفقةِ عيالهِ وكسوتهمْ

стр. 118

ذهاباً وإياباً، وعن مسكنٍ يناسبُهُ وخادمٍ يليقُ بهِ لمنصبٍ أو عجزٍ، وعنْ دينٍ ولوْ مؤجلاً، وأنْ يجدَ طريقاً آمناً يأمنُ فيها على نفسهِ ومالهِ منْ سبُعٍ وعدوٍّ ولوْ كانَ كافراً أوْ رصدِيّاً يريدُ مالاً وإنْ قلَّ، وإنْ لمْ يجدْ طريقاً إلا في البحرِ لزمهُ إنْ غلبتِ السلامةُ وإلا فلا. والمرأةُ في كلِّ ذلكَ كالرجلِ، وتزيدُ بأنْ يكونَ معها منْ تأمنُ معهُ على نفسها منْ زوجٍ أوْ محرمٍ أوْ نسوةٍ ثقاتٍ وإنْ لمْ يكنْ معَ أحدٍ منهنَّ محرمٌ. فمتى وُجدتْ هذه الشروطُ ولمْ يدركْ زمناً يمكنُهُ فيهِ الحجُّ على العادةِ لمْ يلزمهُ، وإنْ أدركَ ذلكَ لزمهُ. ويُندبُ المبادرةُ بهِ، ولهُ التأخيرُ، لكنْ لوْ ماتَ بعدَ التمكنِ قبلَ فعلهِ ماتَ عاصياً، ووجبَ قضاؤهُ منْ تركتهِ. وأما [الثاني] المستطيعُ بغيرهِ: فهوَ منْ لا يقدرُ على الثبوتِ على الراحلةِ لزمانَةٍ أوْ كِبَرٍ ولهُ مالٌ أوْ منْ يطيعهُ ولوْ أجنبياً، فيلزمُهُ أنْ يستأجرَ بمالهِ أوْ يأذنَ للمطيعِ في الحجِّ عنهُ، ويجوزُ أنْ يحجَّ عنهُ تطوعاً أيضاً. ولا يجوزُ لمنْ عليهِ فرضُ الإسلامِ أنْ يحجَّ عن غيرهِ ولا أنْ يتنفلَ ولا أنْ يحجَّ نذراً ولا قضاءً، فيحجُّ أولاً الفرضَ وبعدهُ القضاءَ إنْ كانَ عليهِ، وبعدهُ النذرَ إنْ كانَ، وبعدهُ النفلَ أو النيابةَ،

стр. 119

فإنْ غيَّرَ هذا الترتيبَ فنوى التطوعَ أوِ النذرَ مثلاً وعليهِ فرضُ الإسلامِ لغَتْ نيتهُ ووقعَ عنْ حجَّةِ الإسلامِ، وقسْ عليهِ. [كيفيةُ الدخولِ في النسك]: ويجوزُ الإحرامُ بالحجِّ: إفراداً وتمتُّعاً وقراناً وإطلاقاً، وأفضلُ ذلكَ الإفرادُ ثمَّ التمتعُ ثمَّ القِرانُ ثمَّ الإطلاقُ. أفالإفرادُ: أنْ يحجَّ أولاً منْ ميقاتِ بلدهِ ثمَّ يخرج إلى الحلِّ فيُحرمَ بالعمرةِ. ب والتمتعُ: أنْ يعتمرَ أولاً منْ ميقاتِ بلدهِ في أشهرِ الحجِّ، ثمَّ يحُجَّ منْ عامهِ منْ مكةَ. ويندبُ أنْ يُحرمَ المتمتعُ -إنْ كانَ واجداً للهديِ- بالحجِّ ثامنَ ذي الحجةِ، وإلا فسادسَهُ في مكةَ منْ بابِ دارِهِ، فيأتي المسجدَ مُحرِماً كالمكيِّ. ج والقِرانُ: أنْ يُحرمَ بهما معاً منْ ميقاتِ بلدهِ ويقتصرَ على أفعالِ الحجِّ فقطْ، أوْ يُحرمَ بالعمرةِ أولاً ثمَّ قبلَ أنْ يشرعَ في طوافها يُدخلُ عليها الحجَّ في أشهرهِ. ويلزمُ المتمتعَ والقارنَ دمٌ. ولا يجبُ على القارنِ إلا: أنْ لا يكونَ منْ حاضري المسجدِ الحرامِ، وهمْ أهلُ الحرمِ ومنْ كانَ منهُ على دونِ مسافةِ القصْرِ. ولا يجبُ على المتمتعِ إلا: أنْ لا يعودَ لإحرامِ الحجِّ منَ الميقاتِ، وأنْ لا يكونَ منْ حاضري المسجدِ الحرامِ. فإنْ فقدَ الدَّمَ هناكَ أوْ ثمنهُ أوْ

стр. 120

وجدهُ يُباعُ بأكثرَ منْ ثمنِ مثلهِ صامَ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، ويُندبُ كونُها قبلَ يومِ عرفةَ، وسبعةٍ إذا رجعَ إلى أهلهِ، وتفوتُ الثلاثةُ بتأخيرها عنْ يومِ عرفةَ، ويجبُ قضاؤُها قبلَ السبعةِ ويفرِّقُ بينها وبين السبعةِ بما كانَ يفرِّقُ في الأداءِ وهوَ مُدَّةُ السيرِ وزيادةُ أربعِ أيامٍ. د- والإطلاقُ: أنْ ينويَ الدخولَ في النسُكِ من غيرِ أنْ يعينَ حالةَ الإحرامِ أنَّهُ حجٌّ أوْ عمرةٌ أوْ قرانٌ، ثمَّ له بعدَ ذلكَ صرفُهُ كما شاء. [ميقاتُ الحجِّ والعمرةِ]: ولا يجوزُ الإحرامُ بالحجِّ إلا في أشهرهِ وهيَ: شوالٌ وذو القَعْدَةِ وعشْرُ ليالٍ منْ ذي الحجَّةِ، فإنْ أحرَمَ بهِ في غيرها انعقدَ عمرةً، وينعقدُ الإحرامُ بالعمرةِ كلَّ وقتٍ إلا للحاجِّ المقيمِ للرميِ بمنى. فصل: ميقاتُ الحجِّ والعمرةِ: ١ - ذو الحليفةِ لأهلِ المدينةِ. ٢ - والجُحْفةُ للشامِ ومصرَ والمغربِ. ٣ - ويَلَمْلَمُ لتهامةِ اليمنِ. ٤ - وقَرْنٌ لنجدِ اليمنِ ونجدِ الحجازِ. ٥ - وذاتُ عِرْقٍ للعراقِ وخراسانَ، والأفضلُ العقيقُ. ومنْ في مكةَ ولوْ ماراً، ميقاتُ حجِّهِ مكةَ وميقاتُ عمرتِهِ أدنى الحلِّ، والأفضلُ منهُ الجِعْرانةُ ثمَّ التنعيمُ ثمَّ الحُدَيْبيةُ. ومنْ مسكنهُ أقربُ منَ الميقاتِ إلى مكةَ فميقاتُهُ موضعُهُ. ومنْ سلكَ طريقاً لا ميقاتَ فيهِ أحرمَ إذا حاذى أقربَ المواقيتِ

стр. 121

إليهِ. ومنْ دارُهُ أبعدُ منَ الميقاتِ إلى مكةَ، فالأفضلُ أنْ لا يُحرمَ إلا منَ الميقاتِ وقيلَ منْ دارهِ. ومنْ جاوزَ الميقاتَ وهوَ يريدُ النسُكَ وأحرمَ دونهُ لزمهُ دمٌ، فإنْ عادَ إليهِ مُحرماً قبلَ التلبُّسِ بنسكٍ سقطَ الدَّمُ. فصل [سننُ ما قبل الإحرامِ]: إذا أرادَ أنْ يُحرمَ اغتسلَ -ولوْ حائضاً- بنيةِ غُسْلِ الإحرامِ، فإنْ قلَّ ماؤهُ توضأَ فقطْ، وإنْ فقدهُ بالكليةِ تيمَّمَ، ويتنظفُ بحلقِ العانةِ ونتف الإبطِ وقصِّ الشاربِ وإزالةِ الوسخِ بأنْ يغسلَ رأسهُ بسدرٍ ونحوهِ، ثمَّ يتجرَّدُ عن المخيطِ ويلبَسُ إزاراً ورداءً أبيضينِ نظيفينِ، ونعلينِ غيرَ محيطينِ، ويطيِّبُ بدنهُ ولا يطيب ثيابهُ، والمرأةُ في ذلكَ كالرجلِ إلا في نزعِ المخيطِ فإنها لا تنزعُهُ، وتخضِبُ كفيها كليهِما بالحناءِ وتلطخُ بها وجهها، هذا كلُّهُ قبلَ الإحرامِ، ثمَّ يصلي ركعتينِ في غيرِ وقتِ الكراهةِ ينوي بهما سنةَ الإحرامِ، ثمَّ ينهضُ ليشرعَ في السيرِ فإذا شرعَ فيهِ أحرمَ حينئذٍ. [أركانُ الحجِّ]: [١ - الركن الأول: النيةُ والإحرامُ]: والإحرامُ هوَ نيةُ الدخولِ في النسُكِ فينوي بقلبهِ الدخولَ في الحجِّ لله تعالى إنْ كان يريدُ حجّاً، أو العمرةِ إنْ كانَ يريدها، أو الحجِّ والعمرةِ إنْ كانَ يريدُ القرانَ. ويُندبُ أنْ يتلفظَ بذلكَ أيضاً بلسانهِ ثمَّ يلبي رافعاً

стр. 122

صوتهُ والمرأةُ تخفضُهُ، فيقول: (لبيكَ اللهمَّ لبيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبيكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لكَ). ثمَّ يصلي ويسلمُ على النبيِّ ﷺ بصوتٍ أخفضَ منْ ذلكَ، ويسألُ الله تعالى الجنةَ ويستعيذُ بهِ منَ النارِ، ويكثرُ التلبيةَ في دوامِ إحرامهِ قائماً وقاعداً، وراكباً وماشياً ومضطجعاً، وجُنُباً وحائضاً، ويتأكدُ استحبابُها عندَ تغيرِ الأحوالِ والأزمانِ والأماكنِ، كصُعودٍ وهبوطٍ، وركوبٍ ونزولٍ، واجتماعِ الرفاقٍ، وعندَ السَّحرِ وإقبالِ الليلِ والنهارِ، وأدبارِ الصلاةِ وفي سائرِ المساجدِ، ولا يلبي في طوافهِ وسعيهِ، ولا يقطعُ التلبيةَ بكلامٍ، فإنْ سلمَ عليهِ إنسانٌ ردَّ عليه، وإذا رأى شيئاً فأعجبهُ قالَ: لبيكَ إنَّ العيشَ عيشُ الآخرةِ. [محرماتُ الإحرامِ]: وإذا أحرمَ حَرُمَ عليهِ خمسةُ أشياءٍ: أحدها: لبسُ المخيطِ: القميصِ والسراويلِ والخفِّ والقباءِ وكلِّ مخيطٍ، وما استدارتُهُ كاستدارةِ المخيطِ بنسجٍ وتلبيدٍ ونحوِ ذلكَ. ويحرمُ عليهِ أيضاً سترُ رأسهِ بمخيطٍ وغيرهِ مما يعدُّ في العادةِ ساتراً، فلا يضرُّهُ الاستظلالُ بالمحمِلِ، وحملُ عِدْلٍ وزنبيلٍ ونحوِ ذلكَ، وليسَ لهُ أنْ يزرَّ رداءهُ ولا أنْ يعقدَهُ ولا أنْ يخلَّهُ بخلالٍ، ولا أنْ يربطَ خيطاً في طرفهِ ثمَّ يربطهُ بالطرفِ الآخرِ، ولهُ عقدُ الإزارِ وشدُّ خيطٍ عليهِ. الثاني: يحرمُ بعدَ الإحرامِ الطيبُ في الثوبِ والبدنِ

стр. 123

والفراشِ كالمسكِ والكافورِ والزعفرانِ، وشمُّ الوردِ والبنفسجِ والنيلوفرِ وكلِّ مشمومِ طيبٍ، ويحرمُ رشُّ ماءِ الوردِ وماءِ الزهرِ، وكذلكَ الدُّهنُ المطيبُ يحرمُ شمُّهُ ودهْنُ جميعِ بدنهِ بهِ كدهنِ الوردِ والبنفسجِ وما أشبهَ ذلكَ، وإنْ كانَ غيرَ مطيبٍ كزيتٍ وشَيْرَجٍ ونحوهِ، حرمَ أنْ يدهنَ بهِ لحيتهُ ورأسهُ إلا أنْ يكونَ أصلعَ، ولا يحرمُ شمُّهُ ودهْنُ جميع بدنهِ. ويحرُمُ عليهِ أكلُ طعامٍ فيهِ طيبٌ ظاهرٌ طعمُهُ أو لونهُ أوْ ريحُهُ، كرائحةِ ماءِ الوردِ ولونِ الزعفرانِ وطعمهِ، وطعمُ العنبرِ في الجوارشِ ونحوهِ. ويحرمُ دواءُ العَرَقِ والكُحْلِ المطيبينِ. الثالث: يحرمُ [بعدَ الإحرامِ] حلْقُ شعرهِ ونتفه، ولوْ بعضَ شعرةٍ تقصيراً منْ رأسهِ أوْ إبطهِ أوْ عانتهِ أوْ شاربهِ وسائرِ جسدهِ، وتقليمُ أظافرهِ ولوْ بعضَ ظفرٍ. فإذا تطيبَ أوْ لبسَ أوْ حلقَ ثلاثَ شعراتٍ، أوْ قلَّمَ ثلاثةَ أظفارٍ، أوْ باشرَ فيما دونَ الفرجِ بشهوةٍ، أوْ دَهَنَ، لزمهُ شاةٌ، وهو مخيرٌ: بينَ ذبحها، وبينَ أنْ يُطعمَ ثلاثةَ آصعٍ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وبينَ صومِ ثلاثةِ أيامٍ، فإنْ علمَ أنهُ إنْ سرَّحَ لحيتهُ أوْ خللها انتتف شعرٌ

стр. 124

حرُمَ ذلكَ، فلوْ خلَّلَ أوْ غسلَ وجههُ فرأى في كفهِ شَعْراً وعلمَ أنهُ هوَ الذي نتفهُ حين غسلَ وجههُ أوْ خلَّلَ لزمهُ الفديةُ، وإنْ علمَ أنهُ كانَ قدِ انتتفَ بنفسهِ أوْ لمْ يعلمْ هذا ولا ذاكَ فلا شيءَ عليهِ، وإنِ احتاجَ إلى حلْقِ الشعرِ لمرضٍ أوْ حرٍّ أوْ كثرةِ قملٍ، أو احتاجَ إلى لبسِ المخيطِ للحرِّ أو البردِ، أوْ إلى تغطيةِ الرأسِ فلهُ ذلكَ ويفدي. الرابعُ: [يحرمُ بعد الإحرامِ] الجِماعُ في الفرجِ والمباشرةُ فيما دونَ الفرجِ بشهوةٍ كالقُبلةِ والمعانقةِ واللمسِ بشهوةٍ. فإنْ جامعَ عمداً في العمرةِ قبلَ فراغها، أوْ في الحجِّ قبلَ التحللِ الأولِ، فسدَ نسكُهُ، ويجبُ عليهِ: ١ - إتمامهُ كما كانَ يتمُّهُ لوْ لمْ يفسدْهُ. ٢ - والقضاءُ على الفورِ وإنْ كانَ الفاسدُ تطوعاً. ٣ - والكفارةُ وهيَ بدنةٌ، فإنْ لمْ يجدْ فبقرةٌ، فإنْ لمْ يجدْ فسبعُ شياهٍ، فإنْ لم يجدْ قوَّمَ البدنةَ دراهمَ والدراهمُ طعاماً ويتصدَّقُ بهِ، فإنْ لمْ يجدْ صامَ عنْ كلِّ مدِّ يوماً. ٤ - ويجبُ أنْ يُحرمَ بالقضاءِ منْ حيثُ أحرمَ بالأداءِ، فإنْ كانَ أحرمَ بهِ منْ دونِ الميقاتِ أحرمَ بالقضاءِ منَ الميقاتِ. ويُندبُ أنْ يفارقَ الموطوءةَ في المكانِ الذي وطئَها فيهِ إنْ قضى وهيَ معهُ. وإنْ جامعَ بعدَ التحللِ الأولِ لمْ يفسدْ وعليهِ شاةٌ. وإنْ جامعَ ناسياً فلا شيءَ عليهِ. ويحرُمُ عليهِ أنْ

стр. 125

يتزوجَ أوْ يزوِّجَ فإنْ فعلَ فالعقْدُ باطلٌ، ويكرهُ لهُ أنْ يخطبَ امرأةً وأنْ يشهدَ على نكاحٍ. الخامس [من محرماتِ الإحرامِ]: يحرُمُ أنْ يصطادَ كلَّ صيدٍ بريٍّ مأكولٍ، أوْ ما تولدُ منْ مأكولٍ وغيرِ مأكولٍ، فإنْ ماتَ في يدهِ أوْ أتلفهُ أوْ أتلفَ جزءاً لزمهُ الجزاءُ، فإنْ كانَ لهُ مثلٌ منَ النَّعمِ وجبَ مثلُهُ من النعمِ، يخيرُ بينهُ وبينَ طعامٍ بقيمتهِ وبينَ صومٍ لكلِّ مدٍّ يومٌ، وإنْ لمْ يكنْ لهُ مثلٌ وجبت القيمةُ، إلا في الحَمَامِ وما عبَّ وهَدَرَ فشاةٌ، ثمَّ إنْ شاءَ يُخرجُ بالقيمةِ طعاماً أوْ يصومُ لكلِّ مدٍّ يوماً. ويحرمُ ذلكَ كلُّهُ على الرجلِ والمرأةِ، إلا فعلَ التجردِ منَ المخيطِ وكشفِ الرأسِ فيختصُّ وجوبُهُ بالرجلِ، لكن يلزمُ المرأة كشف وجهها، فإنْ أرادتِ السترَ عن الناس، سدلتْ عليهِ شيئاً بشرط أنْ لا يمسَ وجهها، فإنْ مسَّهُ منْ غيرِ اختيارها لمْ يضرّ، وللمحرمِ حكُّ رأسهِ وجسدهِ بأظفارهِ بحيثُ لا يقطعُ شعراً، ولهُ قتلُ القمْلِ، لكنْ يكرهُ أنْ يفلِّيَ المحرمُ رأسهُ، فإنْ قتلَ منها قملةً ندبَ أنْ يتصدَّقَ ولوْ بلقمةٍ. فصل [سننُ دخولِ مكة]: إذا أرادَ دخولَ مكةَ اغتسلَ خارجَ مكةَ بنيةِ دخولِ مكةَ، ويدخلُ بالنهارِ منْ بابِ المعلّى من ثنيةِ كَدَاءَ، ماشياً حافياً إنْ لمْ يخفْ نجاسةً. ولا يؤذي أحداً

стр. 126

بمزاحمةٍ، وليمضِ نحوَ المسجدِ الحرامِ، فإذا وقعَ بصرُهُ على البيتِ رفعَ يديهِ حينئذٍ وهوَ يراهُ منْ خارجِ المسجدِ منْ موضعٍ يقالُ لهُ: رأسُ الرَّدْمِ، فهناكَ يقفُ ويرفعُ يديهِ ويقولُ: "اللهمَّ زدْ هذا البيتَ تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابةً، وزدْ منْ شرّفهُ وعظَّمهُ ممَّنْ حجّهُ واعتمرهُ تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبرّاً، اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ فحيِّنا ربنا بالسلامِ". ويدعو بما أحبَّ منْ أمرِ الدينِ والدنيا، ثمَّ يدخلُ المسجدَ منْ بابِ شَيْبةَ قبلَ أنْ يشتغلَ بحطِّ رحلهِ وكراءِ منزلٍ وغير ذلكَ، بلْ يقفُ بعضُ الرفقةِ عندَ المتاعِ وبعضُهمْ يأتي المسجدَ بالنَّوبة، ويقصدُ الحجرَ الأسودَ ويدنو منهُ بشرط أنْ لا يؤذي أحداً بمزاحمةٍ فيستقبلُهُ، ثمَّ يقبلُهُ بلا صوتٍ ويسجدُ عليهِ، ويكررُ التقبيلَ والسجودَ عليهِ ثلاثاً، ومنْ هنا يقطعُ التلبيةَ، ولا يلبي في طوافٍ ولا سعيٍ حتى يفرُغَ منهما. [كيفيةُ الطوافِ]: ثمَّ يضطبعُ فيجعلُ وسطَ ردائهِ تحتَ عاتقِهِ الأيمنِ ويطرحُ طرفيهِ على عاتقِهِ الأيسرِ ويتركُ منكبَهُ الأيمَنَ مكشوفاً، ثمَّ يَشْرَعُ في الطوافِ فيقفُ مستقبلَ البيتِ، ويكونُ الحجرُ الأسودُ منْ جهةِ يمينهِ والركنُ اليمانيُّ منْ جهةِ شمالهِ، ويتأخرُ عنِ الحجرِ قليلاً إلى جهةِ الركنِ اليمانيِّ فينوي الطّوافَ للهِ تعالى، ثمَّ يستلمُ الحَجَرَ بيدهِ ثمَّ يُقَبّلهُ ويسجدُ

стр. 127

عليهِ ثلاثاً كما تقدمَ، ويكبِّرُ ثلاثاً ويقولُ: اللهمَّ إيماناً بكَ وتصديقاً بكتابكَ ووفاءً بعهدكَ واتباعاً لسنةِ نبيكَ محمدٍ ﷺ . ثمَّ يمشي إلى جهةِ يمينهِ، ماراً على جميعِ الحَجَرِ الأسودِ بجميعِ بدنهِ وهوَ مستقبلُهُ، فإذا جاوزهُ انفتلَ وجعلَ البيتَ عنْ يسارهِ، ويطوفُ ويقولُ عندَ البابِ: اللهمَّ إنَّ هذا البيتَ بيتكَ والحرم حرمكَ والأمن أمنكَ وهذا مقامُ العائذِ بكَ منَ النارِ. فإذا وصلَ إلى الركنِ الذي عندَ فتحةِ الحِجْرِ قالَ: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الشكِّ والشركِ والشقاقِ والنفاقِ وسوءِ الأخلاقِ وسوءِ المنقلبِ في المالِ والأهلِ والولدِ. ويقولُ قُبالةَ الميزابِ: اللهمَّ أظلَّني في ظلِّكَ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّكَ، واسقني بكأسِ نبيكَ محمدٍ ﷺ مَشْرَباً هنيئاً لا أظمأُ بعدَهُ أبداً. ويقولُ بينَ الركنِ الثالثِ واليمانيِّ: اللهمَّ اجعلهُ حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وعمَلاً مقبولاً وتجارةً لنْ تبورَ يا عزيزُ يا غفورُ. فإذا بلغ الركنَ اليمانيَّ لمْ يُقبّلْهُ بلْ يستلمُهُ ويُقّبِّلُ يدَهُ بعدَ ذلكَ، ولا يُقبّلُ شيئاً من البيتِ إلا الحجرَ الأسودَ، ولا يستلمُ شيئاً إلا اليمانيَّ، وهوَ الذي قبْلَ الحجرِ الأسودِ، ثمَّ إذا وصلَ إلى الحجرِ الأسودِ فقدْ كمُلتْ لهُ طوفةٌ، يفعلُ ذلكَ سبعاً. ويُسنُّ في الثلاثةِ الأوَلِ منها الإسراعُ، ويُسمى: الرَّمَلَ، وإنما يُشْرعُ هوَ والاضطباعُ في

стр. 128

طوافٍ يعقبُهُ سعيٌ، فإنْ رامَ السعيَ عقبَ طوافِ القدومِ فعلهما، وإنْ رامهُ عقبَ طوافِ الإفاضةِ أخَّرهُما إليهِ. ويقولُ في رمَلهِ: اللهمَّ اجعلهُ حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً. وأنْ يمشيَ على مهلهِ في الأربعةِ الأخيرةِ ويقولُ فيها: ربِّ اغفرْ وارحمْ واعفُ عما تعلمُ إنكَ أنتَ الأعزُّ الأكرمُ، (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةَ) الآية، وهوَ في الأوتارِ آكدُ، ويقبِّلُ الحجرَ الأسودَ في كلِّ طوفةٍ، وكذا يستلمُ اليمانيَّ، وفي الأوتارِ آكدُ، فإنْ عجزَ عنْ تقبيلهِ لزحمةٍ أوْ خافَ أنْ يؤذيَ الناسَ استلمهُ بيدهِ وقبلها، فإنْ عجزَ استلمهُ بعصا وقبّلها، فإنْ عجزَ أشارَ إليهِ بيدهِ. وهنا دقيقةٌ وهوَ أنَّ بجدارِ البيتِ شاذروانَ كالصُّفَّةِ والزَّلاقةِ وهوَ منَ البيتِ، فعندَ تقبيلِ الحجرِ يكونُ الرأسُ في هواءِ الشاذروانِ فيجبُ أنْ يثبتَ قدميهِ إلى فراغهِ منَ التقبيلِ ويعتدلَ قائماً، ثمَّ بعدَ ذلكَ يمرُّ، فإنْ انتقلتْ قدماهُ إلى جهةِ البابِ وهوَ مطامنٌ في التقبيلِ، ولوْ قدرَ أُصبعٍ، ومضى كما هوَ لمْ تصحَّ تلكَ الطوفةُ، فالاحتياطُ إذا اعتدلَ منَ التقبيلِ أنْ يرجعَ إلى جهةِ يسارهِ -وهيَ جهةُ الركنِ اليمانيِّ- قدراً يتحققُ بهِ أنهُ كما كانَ قبلَ التقبيلِ. واجباتُ الطوافِ: ١ - سترُ العورةِ، فمتى ظهرَ شيءٌ منها

стр. 129

ولوْ شعرةً منْ شعرِ رأسِ المرأةِ لمْ تصحّ. ٢ - وطهارةُ الحدثِ والنجسِ في البدنِ والثوبِ وموضعِ الطوافِ. ٣ - وأنْ يطوفَ داخلَ المسجدِ الحرامِ. ٤ - وأنْ يستكملَ سبْعَ طوفاتٍ. ٥ - وأنْ يبتدئ طوافهُ منَ الحجرِ الأسودِ كما تقدّمَ، وأنْ يمرَّ عليهِ بكلِّ بدنهِ، فإنْ بدأَ منْ غيرهِ لمْ يعتدَّ بذلكَ إلى أنْ يصلَ إليهِ، فمنهُ ابتداءُ طوافهِ. ٦ - وأنْ يجعلَ البيتَ على يسارهِ ويمرَّ إلى جهةِ البابِ. ٧ - وأنْ يطوفَ خارجَ الحِجْرِ، ولا يدخلَ منْ إحدى فتحتيهِ ويخرُجُ منَ الأخرى. ٨ - وأنْ يكونَ كلُّهُ خارجاً عنْ كلِّ البيتِ، فإذا طافَ لا يجعلُ يدهُ في هواءِ الشاذَرْوانِ، فيكونُ ما خرجَ بكلِّهِ عنْ كلِّ البيتِ. وما سوى ذلكَ سننٌ، كالرَّمَلِ والدعاءِ وغيرهما مما تقدَّمَ. ثمَ إذا فرغَ من الطوافِ صلى ركعتينِ سنةَ الطوافِ خلفَ المَقامِ، ويزيلُ هيئةَ الاضطباعِ فيهما، ويقرأُ في الأولى، بعدَ الفاتحةِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثانيةِ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، ثمَّ يدعو خلفَ المَقامِ، ثمَّ يرجعُ فيستلمُ الحجرَ الأسودَ، ثمَّ يخرجُ منْ بابِ الصفا إنْ أرادَ أنْ يسعى الآنَ، ولهُ تأخيرُهُ إلى بعدِ طوافِ الإفاضةِ. [٢ - الركنُ الثاني من أركانِ الحجِّ: السعي]: يبدأُ منْ أرادَ السعيَ بالصَّفا فيرقى عليها الرجُلُ قدرَ قامةٍ حتى يرى البيتَ منْ بابِ المسجدِ، فيستقبلُ القِبلةَ ويهللُ ويكبرُ ويقول: لا إله إلا

стр. 130

اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ يحيي ويميتُ بيدهِ الخيرُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، أنجزَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إياهُ مخلصينَ لهُ الدينَ ولوْ كرهَ الكافرونَ، ثمَّ يدعو بما أحبَّ، ثمَّ يعيدُ هذا الذكرَ كلَّهُ والدعاءَ ثانياً وثالثاً. ثمَّ ينزلُ من الصفا فيمشي على هِينَتهِ حتى يبقى بينَهُ وبينَ الميلِ الأخضرِ -المعلَّقِ بركنِ المسجدِ على يسارهِ- قدرَ ستةِ أذرعٍ، فحينئذٍ يسعى سعياً شديداً حتى يتوسطَ بينَ الميلينِ الأخضرينِ اللذينِ أحدهما في ركنِ المسجدِ والآخرُ متصلٌ بدارِ العباسِ، فحينئذٍ يتركُ السعيَ الشديدَ ويمشي على هِينَتهِ حتى يأتيَ المروةَ فيصعدَ عليها، ويأتي بالذكرِ الذي قيلَ على الصفا والدعاءِ، فهذهِ مرةٌ. ثمَّ ينزلُ فيمشي في موضعِ مشيهِ ويسعى في موضعِ سعيهِ إلى الصفا فهذه مرتانِ، فيعيدُ الذكرَ والدعاءَ، ثمَّ يذهبُ إلى المروةِ، فهذهِ ثلاثةٌ، يفعلُ ذلكَ حتى تكمُلَ سبعاً يختمُ بالمروةِ. وواجباتُ السعيِ أربعةٌ: أحدها: أنْ يبدأَ السعيَ بالصفا، فلو بدأ بالمروةِ إلى الصفا لمْ تُحتسبْ هذهِ المرةُ، وحينئذٍ ابتدأ السعيَ. ثانيها: قطعُ جميعِ المسافةِ، فلوْ تركَ شبراً أوْ أقلَّ

стр. 131

منهُ لمْ يصحَّ، فيجبُ أنْ يلصقَ عقبَهُ بحائطِ الصفا، فإذا انتهى إلى المروةِ ألصقَ رؤوسَ الأصابعِ بحائطِ المروةِ، ثمَّ إذا ابتدأَ الثانيةَ ألصقَ عقبهُ بحائطِ المروةِ ورؤوسَ أصابعهِ بحائطِ الصفا، وهكذا أبداً يُلصقُ عقبَهُ بما يذهبُ منهُ ورؤوسَ أصابعهِ بما يذهبُ إليهِ. ثالثها: استكمالُ سبعِ مراتٍ، يحسبُ ذهابهُ منَ الصفا إلى المروةِ مرةً، ومنَ المروةِ إلى الصفا مرةً، وهكذا كما تقدمَ، فلوْ شكَّ فيهِ أوْ في أعدادِ الطوفاتِ أخذَ بالأقلِّ وكمَّلَ. رابعها: أنْ يسعى بعدَ طوافِ الإفاضةِ أو القدومِ بشرطِ أنْ لا يفصلَ بينهما الوقوفُ بعرفة. [سننُ السعي]: وسننُهُ ما تقدَّمَ، وأنْ يكونَ على طهارةٍ وسِتارةٍ، وأنْ يقولَ بينهما: ربِّ اغفرْ وارحمْ وتجاوزْ عما تعلمْ إنكَ أنتَ الأعزُّ الأكرمُ. اللهمَّ ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذابَ النّار. ولوْ قرأ القرآنَ فهوَ أفضلُ، ولا يُندبُ تكرارُ السعي. [الخروجُ إلى مِنى]: فإذا كانَ سابعُ ذي الحجّةِ نُدبَ للإمامِ أنْ يخطبَ خُطبةً واحدةً بعدَ صلاةِ الظهرِ بمكةَ يعلمهُم فيها ما بين أيديهمْ منَ المناسكِ ويأمرُهم بالخروجِ إلى منى منَ الغدِ. يخرجُ الإمامُ يومَ الثامنِ بعد صلاةِ الصبحِ إلى منى، فيصلي الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ بمنى ويبيتُ بها ويصلي

стр. 132

الصبحَ، فإذا طلعت الشمسُ على جبلٍ بمنى يسمى ثبيراً سارَ إلى الموقفِ، وهذا المبيتُ بمنى والإقامةُ بها إلى هذا الوقتِ سنةٌ قدْ تركها كثيرٌ منَ الناسِ، فإنهم يأتون الموقفَ سَحَراً بالشَّمعِ الموقدِ، وهذا الإيقادُ بدعةٌ قبيحةٌ، ويقولُ في مسيرهِ: اللهمَّ إليكَ توجّهتُ، ولوجهكَ الكريمِ أردتُ، فاجعلْ ذنبي مغفوراً، وحجِّي مبروراً، وارحمني ولا تخيبني. ويُكثرُ التلبيةَ والذكرَ والدعاءَ والصلاةَ على النبي محمدٍ ﷺ . فإذا وصلوا إلى موضعٍ يسمى نَمِرَةً قبلَ دخولِ عرفةَ نزلوا هناكَ، ولا يدخلونَ حينئذٍ عرفةَ فإذا زالتِ الشمسُ فالسنةُ أنْ يخطبَ الإمامُ خطبتينِ قبلَ الصلاةِ ثمَّ يصلي الظهرَ والعصرَ جَمْعاً وهي سنةٌ قلَّ منْ يفعلُها أيضاً. [٣ - الثالث من الأركان: الوقوفُ بعرفة]: ثمَّ يدخلونَ عرفةَ بعدَ أن يغتسلوا للوقوفِ ملبينَ خاضعينَ، ويُندبُ أنْ يَقِفَ بارزاً للشمسِ مستقبلَ القِبْلةِ حاضرَ القلبِ فارغاً منَ الدنيا، ويُكثرُ التلبيةَ والصلاةَ على النبي ﷺ والاستغفارَ والدعاءَ والبكاءَ، فثمَّ تُسكبُ العبراتُ وتقالُ العثراتُ وليكنْ أكثرَ قولهِ: لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وليدعُ لأهلهِ وأصحابهِ ولسائرِ المسلمينَ.

стр. 133

ويندبُ أنْ يقفَ عندَ الصَخَراتِ الكبارِ المفروشةِ أسفلَ جبلِ الرحمةِ، وأما الصعودُ إلى جبلِ الرحمةِ الذي في وسطِ عرفةَ فليسَ في طلوعهِ فضيلةٌ زائدةٌ، فالوقوفُ صحيحٌ في جميعِ تلكَ الأرضِ المتسعةِ وذلكَ الجبلُ جزءٌ منها هو وغيرُهُ سواءٌ، والوقوف عند الصخرات أفضل، والأفضلُ للمرأةِ الجلوسُ في حاشيةِ الناس. وواجباتُ الوقوفِ: حضورُ جزءٍ منْ عرفاتٍ عاقلاً، ووقتُهُ: من الزوالِ إلى طلوعِ الفجرِ الثاني منْ يومِ النحرِ. فمنْ حضَرَ بعرفةَ في شيءٍ منْ هذا الوقت وهوَ عاقلٌ ولوْ ماراً في لحظةٍ فقدْ أدركَ الحجَّ، ومنْ فاتهُ ذلكَ أوْ وقفَ مغمىً عليهِ فقدْ فاتهُ الحجُّ، فيتحللُ بفعلِ عمرةٍ: فيطوفُ ويسعى ويحلِقُ وقدْ حلَّ منْ إحرامهِ، ويجبُ عليهِ القضاءُ ودمٌ للفواتِ مثلُ دمِ التمتعِ. [الإفاضةُ إلى المزدلفةِ]: فإذا غربت الشمسُ أفاضوا إلى مزدلفةَ ذاكرينَ ملبينَ بسكينةٍ ووقارٍ، بغيرِ مزاحمةٍ وإيذاءٍ وضربِ دوابٍ، فمنْ وجدَ فُرجةً أسرعَ، ويؤخِّرونَ المغربَ، وليجمعوها بمزدلفةَ معَ العِشاءِ فإذا وصلوها نزلوا وصلُّوا وباتوا بها، وصلّوا الصبحَ أولَ الوقتِ، ويأخذونَ منها حصى الجمارِ سبعَ حَصَياتٍ لقطاً لا تكسيراً، والأفضلُ بقدْرِ الباقلا، ويقفونَ بعدَ الصلاةِ على

стр. 134

المشعرِ الحرامِ، وهوَ جبلٌ صغيرٌ في آخرِ المزدلفةِ، ويندبُ صعودهُ إنْ أمكنَ، وهنالكَ بناءٌ محدثٌ يقولُ العوامُّ إنهُ المشعرُ الحرامُ وليس كذلكَ، ويكثرونَ التلبيةَ والدعاء والذكرَ مستقبلينَ القِبلةَ، ويقولونَ: اللهمَّ كما أوقفتنا فيهِ وأريتنا إياهُ فوفقْنا لذكركَ كما هديتنا، واغفرْ لنا وارحمْنا كما وعدتنا بقولِكَ -وقولكَ الحقُّ-: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُم مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْضَالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). [المسيرُ إلى مِنى]: فإذا أسفرَ جدّاً ساروا إلى منى بوَقارٍ وسكينةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ، فإذا وصلوا إلى وادي مُحَسِّرٍ -وهو بقربِ منى- أسرعوا قدْرَ رميةِ حجرٍ، ثمَّ يسلكونَ الطريقَ الوسطى التي ترميهمْ على جمرةِ العقبةِ فكما يأتونها وهمْ ركبانٌ يرمونَ جمرةَ العقبةِ بتلكَ الحَصَياتِ السبْعِ الملتقطةِ منَ المزدلفةِ. ومنْ أيِّ مكانٍ التقطَ الحصى جازَ، منَ المزدلفة وغيرها، لكنْ يكرهُ أخذها منَ المرمى والحُشِّ والمسجدِ، وكلما يشرعُ في الرميِ يقطعُ التلبيةَ، ولا يلبي بعدَ ذلكَ. [الرمي]: وصورةُ الرمي: أنْ يقفَ ببطنِ الوادي بعدَ ارتفاعِ الشمسِ بحيثُ تكونُ عرفةُ عنْ يمينهِ ومكةُ عنْ يسارهِ، ويستقبلُ الجمرةَ، ويرمي حصاةً حصاةً بيمينهِ، ويكبرُ مع كلِّ حصاةٍ

стр. 135

ويرفعُ يديهِ حتى يُرى بياضُ إبطيهِ، ويرمي رمياً، ولا ينقُدُ نقداً. [٤ - الركن الرابع: الحلقُ]: فإذا فرغَ منَ الرمي ذبحَ هدْياً إنْ كانَ معهُ هديٌ، أوْ ضحَّى، ثمَّ يحلقُ الرجلُ جميعَ رأسهِ، هذا هوَ الأفضلُ، ولهُ أنْ يقتصرَ على ثلاثِ شعراتٍ منهُ أوْ تقصيرها، والأفضلُ في التقصيرِ قدْرُ أنملةٍ منْ جميعِ شعرهِ، وأما المرأةُ فالأفضلُ لها التقصيرُ على هذا الوجه. ويكونُ حالَ الحلقِ مستقبلَ القِبلةِ، ويبدأُُ الحالقُ بشقهِ الأيمنِ ويدفنُ شعرهُ. والحلقُ ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا بهِ، ويبقى محرماً إلى أن يأتي بهِ، ومنْ لا شعرَ لهُ أمرَّ الموسى على رأسهِ. [٥ - طوافُ الإفاضةِ: وهو الركنُ الخامس من أركان الحج]: ثمَّ يأتي مكةَ في يومهِ فيطوفُ طوافَ الإفاضةِ، وهوَ ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا بهِ، ويبقى محرماً إلى أنْ يأتي بهِ، وصفتُهُ كما تقدَّمَ، ثمَّ يصلي ركعتينِ، ثمَّ إنْ كانَ سعى مع طوافِ القدومِ لمْ يُعِدْهُ، وإلا سعى، ولأنَّ السعيَ أيضاً ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا بهِ ويبقى محرماً إلى أنْ يأتيَ بهِ. واعلمْ أنَّ الرميَ والحلقَ وطوافُ الإفاضةِ الأفضلُ تقديمُ الرميِ ثمَّ الحلقِ ثمَّ الطوافِ، فلوْ أتى بها على غيرِ هذا الترتيبِ فقدَّم وأخَّرَ جازَ، ويدخلُ وقتُ الثلاثةِ بنصفِ الليلِ منْ ليلةِ النحرِ، ويخرجُ وقتُ رمي جمرةِ العقبةِ بخروجِ يومِ النحرِ، ويبقى وقتُ الحلقِ والطوافِ

стр. 136

متراخياً ولوْ إلى سنينَ. [التحلل]: وللحجِّ تحللانِ أولٌ وثانٍ: فالأولُ: يحصلُ باثنينِ منْ هذهِ الثلاثةِ أيها كانَ: إما حلقٌ ورميٌ، أوْ حلقٌ وطوافٌ، أوْ رميٌ وطوافٌ، فمتى فعلَ اثنينِ منها حصلَ التحللُ الأولُ، ويحلُّ بهِ جميعُ ما حرمَ عليهِ ما عدا النساءَ منْ وطءٍ وعقدِ نكاحٍ ومباشرةٍ. [والثاني]: فإذا فعلَ الثالثَ حلَّ لهُ كلُّ ما حرَّمهُ الإحرامُ. فصل [المبيتُ في مِنى]: فإذا فرغَ منْ طوافِ الإفاضةِ والسَّعي رجعَ إلى مِنى وباتَ بها، ويلتقطُ في أولِ أيامِ التشريقِ -وهوَ ثاني العيدِ- إحدى وعشرينَ حصاةً منْ منى ويتجنبُ المواضعَ الثلاثةَ المتقدِّمة، فإذا زالتِ الشمسُ رمى بها قبلَ الصلاةِ، فيرمي الجمرةَ الأولى وهيَ التي تلي مسجدَ الخَيفِ، فيصعدُ إليها ويجعلُها عنْ يسارهِ ويستقبلُ القِبلةَ ويرميها بسبعِ حصياتٍ، حصاة حصاة كما تقدم. ثمَّ ينحرفُ قليلاً بحيثُ لا ينالهُ الحصى الذي يرميهِ الناسُ وتبقى الجمرةُ خلفهُ ويستقبلُ القِبلةَ ويدعو ويذكرُ بخشوعٍ وتضرعٍ بقدْرِ سورةِ البقرةِ. ثمَّ يأتي الجمرةَ الثانيةَ فيفعلُ كما فعلَ في الأولى، فإذا فرغَ منها وقفَ ودعا قدرَ سورةِ البقرةِ. ثمَّ يأتي الجمرةَ الثالثةَ وهيَ جمرةُ العقبةِ التي رماها يومَ النحرِ فيرميها بسبعٍ كما فعلَ يومَ النحرِ سواءً، فيستقبلُها

стр. 137

والقِبلةُ عنْ يسارهِ، فإذا فرغَ لا يقفُ عندها ويبيتُ بمنى. ثمَّ يلتقطُ منَ الغدِ وهوَ ثاني أيامِ التشريقِ إحدى وعشرينَ حصاةً فيرمي بها الجمراتِ الثلاث كلَ جمرةٍ بسبْعٍ بعدَ الزوالِ كما تقدّمَ، ولا يجوزُ رميُ الجمارِ في أيامِ التشريقِ إلا بعدَ الزوالِ. ويجبُ الترتيبُ فيرمي ما يلي مسجدَ الخَيْفِ أولاً، والوسطى ثانياً، والعقبةَ ثالثاً. ويندبُ الغُسلُ كلَّ يومٍ للرمي، فإذا رمى في ثاني التشريقِ نُدبَ للإمامِ أنْ يخطبَ خطبةً يعلمهُمْ فيها جوازَ النَفْرِ ويودعُهم، ثمَّ يتخيرُ: بينَ أنْ يتعجلَ في يومينِ، وبينَ أنْ يتأخَّرَ. فإذا أرادَ التعجيلَ فلينفرْ بشرطِ أنْ يرتحلَ منْ منى قبلَ الغروبِ، فإنْ غربتْ وهو بمنى امتنعَ التعجيلُ ولزمهُ المبيتُ ورميُ الغدِ، وإنْ لمْ يرِدِ التعجيلَ باتَ بمنى والتقطَ إحدى وعشرينَ حصاةً يرميها منَ الغدِ بعدَ الزوالِ كما تقدمَ، ثمَّ ينفرُ. ويُندبُ أنْ ينزلَ المحصَّبُ -وهو عندَ الجبلِ الذي عندَ مقابرِ مكةَ- وقدْ فرغَ منْ حجِّهِ، وإذا أرادَ الاعتمارَ اعتمرَ منَ الحلِّ كما سيأتي في صفةِ العمرةِ. [طوافُ الوداعِ]: فإذا أرادَ الرجوعَ إلى بلدهِ أتى مكةَ وطافَ للوداعِ، ثمَّ ركعَ ركعتيهِ ووقفَ في الملتزمِ بينَ الحجرِ الأسودِ والبابِ وقالَ: اللهمَّ إنَّ البيتَ

стр. 138

بيتُكَ والعبد عبدكَ وابنُ عبديكَ، حمَلْتني على ما سخَّرْتَ لي منْ خلقكَ حتى صيّرْتني في بلادكَ وبلَّغتني بنعمتكَ حتى أعنْتَني على قضاءِ مناسككَ، فإنْ كنتَ رضيتَ عني فازددْ عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآنَ قبلَ أنْ تنأى عنْ بيتكَ داري ويبعُدَ عنهُ مزاري، هذا أوانُ انصرافي إنْ أذِنتَ لي غيرَ مستبدلٍ بكَ ولا ببيتكَ ولا راغبٍ عنكَ ولا عنْ بيتكَ، اللهمَّ فأصحبني العافيةَ في بدني والعصمةَ في ديني، وأحسنْ منقلبي وارزقني العملَ بطاعتكَ ما أبقيتني، واجمعْ لي خيريِ الدنيا والآخرةِ، إنكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ثمَّ يصلي على النبيِّ ﷺ ثمَّ يمضي على عادتهِ ولا يرجعُ القَهْقَرى. ثمَّ يعجِّلُ الرحيلَ، فإنْ وقفَ بعد ذلكَ أوْ تشاغلَ بشيءٍ لا تعلُّقَ لهُ بالرحيلِ لمْ يُعتدَّ بطوافهِ عنِ الوداعِ وتلزمُهُ إعادتُهُ، فإنْ تعلقَ بالرحيلِ كشدِّ رحلٍ وشراءِ زادٍ ونحوهِ لمْ يضرَّ. وللحائضِ أنْ تنفرَ بلا وداعٍ ولا دمَ عليها. ويندبُ أنْ يدخلَ البيتَ حافياً إنْ لمْ يؤذِ أحداً بمزاحمةٍ ونحوها، فإذا دخلَ مشى تلقاءَ وجههِ حتى يبقى بينهُ وبينَ الجدارِ المقابلِ للبابِ ثلاثةُ أذرعٍ فهناكَ يصلي، فهوَ مصلى النبيِّ ﷺ . ويكثرُ منَ الاعتمارِ

стр. 139

والنظرِ إلى البيتِ والطوافِ وشربِ ماءِ زمزمَ لما أحبَّ منْ أمرِ الدينِ والدنيا، وأنْ يتضلَّعَ منهُ، ويزورَ المواضعَ الشريفةَ بمكةَ. ويحرمُ أخذُ شيءٍ من طينِ الكعبةِ وترابِ الحرمِ وأحجارهِ، ولا يستصحبُ شيئاً منَ الأكْوِزَةِ والأباريقِ المعمولةِ منْ حرمِ المدينةِ أيضاً. فصلٌ [في العُمْرَةِ]: صفةُ العمرةِ أنْ يُحرمَ بها كما يُحرمُ بالحجِّ، فإنْ كانَ مكياً فمنْ أدنى الحلِّ، وإنْ كان آفاقياً فمنَ الميقاتِ كما تقدمَ، ويحرُمُ بإحرامها جميع ما يحرمُ بإحرامِ الحجِّ. ثمَّ يدخلُ مكةَ فيطوف طوافَ العمرةِ، ولا يُشْرعُ لها طوافُ قدومٍ، ثمَّ يسعى ثمَّ يحلقُ رأسهُ أوْ يُقصِّرُ وقدْ حلَّ منها. فأركانها: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ، وحلقٌ. وأركانُ الحجِّ: هذهِ الأربعةُ، والوقوفُ. [واجباتُ الحجِّ]: وواجباته: كونُ الإحرامِ منَ الميقاتِ، ورميُ الجمارِ، والمبيتُ بمزدلفةَ ولياليَ مِنى، وطوافُ الوداعِ. وما عدا ذلك سننٌ. فإنْ تركَ ركناً لمْ يحلَّ منْ إحرامهِ حتى يأتيَ بهِ، ومنْ تركَ واجباً لزمَهُ دمٌ، ومنْ تركَ سنةً لمْ يلزمهُ شيءٌ. [الإحصار]: ومنْ أحصرهُ عدوٌّ عنْ مكةَ ولمْ يكنْ لهُ طريقٌ آخرُ تحللَ، بأنْ ينويَ التحللَ ويحلقَ رأسهُ ويريقُ دماً مكانهُ إنْ وجدهُ، وإلا أخرجَ طعاماً بقيمتهِ، وإنْ عجزَ صامَ لكِّل مدٍّ يوماً ولا قضاءَ.

стр. 140

[زيارةُ قبرِ النبيِّ ﷺ ومسجدهُ]: ويُندبُ إذا فرغَ منْ حجهِ زيارةُ قبرِ النبيِّ ﷺ ، فيصلي تحيةَ مسجدهِ، ثمَّ يأتي القبرَ الشريفَ المكرَّمَ فيستدبرُ القِبْلةَ ويجعلُ قنديلَ القِبلةِ الذي عندَ رأسِ القبرِ على رأسهِ، ويطرقُ رأسهُ ويستحضرُ الهيبةَ والخشوعَ، ثمَّ يسلمُ ويصلي على النبيِّ ﷺ بصوتٍ متوسطٍ، ويدعو بما أحبَّ، ثمَّ يتأخرُ إلى جهةِ يمينهِ قدْرَ ذراعٍ فيسلمُ على أبي بكرٍ، ثمَّ يتأخرُ قدرَ ذراعٍ فيسلمُ على عمرَ ﵄، ثمَّ يرجعُ إلى موقفهِ الأولِ ويكثرُ الدعاءَ والتوسلَ والصلاةَ عليهِ، ثمَّ يدعو عندَ المنبرِ، وفي الروضةِ. ولا يجوزُ الطوافُ بالقبرِ، ويُكرهُ إلصاقُ الظهرِ والبطنِ بهِ، ولا يُقَبِّلُهُ ولا يستلمُهُ. ومنْ أقبحِ البدعِ أكلُ التمرِ في الروضةِ. ويزورُ البقيعَ، فإذا أرادَ الرحيلَ ودَّعَ المسجدَ بركعتينِ، والقبرَ الكريمَ بالزيارةِ والدعاءِ. واللهُ تعالى أعلمُ. بابُ الأضحية هيَ سنةٌ مؤكدةٌ، يندبُ لمنْ أرادها أنْ لا يحلقَ شعرَهُ ولا يُقلِّمَ ظفرَهُ في عَشْرِ ذي الحجةِ حتى يضحِّي، ويدخُلُ وقتُها إذا طلعتِ الشمسُ ومضى قدْرُ صلاةِ العيدِ والخُطبتينِ، ويخرجُ بخروجِ أيامِ التشريقِ، وهي ثلاثةٌ

стр. 141

بعد العيدِ. ولا تجوزُ إلا بإبلٍِ أوْ بقرٍ أوْ غنمٍ، وأقلُّ سِنِّهِ في الإبلِ خمسُ سنينَ ودخلَ في السادسةِ، وفي البقرِ والمعزِ سنتانِ ودخلتْ في الثالثةِ، وفي الضأنِ سنةٌ ودخلَ في الثانيةِ، وتجزئ البَدَنةُ عنْ سبعةٍ والبقرةُ عنْ سبعةٍ، ولا تجزئ شاةٌ إلا عنْ واحدٍ، وشاةٌ أفضلُ منْ شركةٍ في بَدَنةٍ، وأفضلها البَدَنةُ، ثمَّ البقرةُ، ثمَّ الضأنُ، ثمَّ المعزُ، وأفضلُها البيضاءُ، ثمَّ الصفراءُ، ثمَّ البلقاءُ، ثمَّ السوداءُ. وتشترطُ سلامةُ الأضحية عن العيوبِ التي تنقص اللحمَ، فلا تجزئ العرجاءُ والعوراءُ والمريضةُ، فإنْ قلَّتْ هذهِ الأشياءُ جازَ، ولا تجزئ العجفاءُ والمجنونةُ والجرباءُ والتي قُطعَ بعضُ أذنيها وأُبينَ وإنْ قلَّ، أوْ قطعةٌ منْ فخذها ونحوهِ إنْ كانتْ كبيرةً، وتجزئ مشروطةُ الأذنِ ومكسورةُ كلِّ القَرْنِ أوْ بعضِهِ. والأفضلُ أنْ يذبحَ بنفسهِ فإنْ لمْ يحسنْ فليحضُرْ، ويجبُ أنْ ينوي عندَ الذبحِ، ويندبُ أنْ يأكلَ الثلثَ، ويهديَ الثلثَ، ويتصدقَ بالثلثِ. ويجبُ التصدُّقُ بشيءٍ وإنْ قلَّ، والجلدُ يتصدَّقُ بهِ، أوْ ينتفعُ بهِ في البيتِ، ولا يجوزُ بيعهُ ولا بيعُ شيءٍ منَ اللحمِ، ولا يجوزُ لهُ الأكلُ منَ الأضحيةِ المنذورةِ. فصل [في العقيقة]: يندبُ لمنْ وُلِدَ لهُ ولدٌ أنْ يحلقَ رأسهُ يومَ

стр. 142

السابعِ ويتصدَّقَ بوزنِ شعرهِ ذهباً أوْ فضةً، وأنْ يؤذنَ في أذنهِ اليمنى ويقيمَ في أذنهِ اليسرى، ثمَّ إنْ كانَ غلاماً ذُبحَ عنهُ شاتانِ تُجزيانِ في الأضحيةِ، وإنْ كانتْ جاريةً فشاةٌ، وتُطبخُ بحلوٍ، ولا يكسرُ العظمُ، ويفرِّقُ على الفقراءِ، ويسميهِ باسمٍ حسنٍ كمحمدٍ وعبدِ الرحمن. بابُ الأطعمةِ يؤكلُ بقرُ الوحشِ وحمارُ الوحشِ والضَّبْعُ والثعلبُ والأرنبُ والقنفذُ والوبرُ والظبيُ والضبُّ والنعامةُ والخيلُ. ولا يؤكلُ السِّنَّوْرُ، ولا الحشراتُ المستخبثةُ كالنملِ والذبابِ ونحوهما، ولا ما يتقوى بنابهِ كالأسدِ والفهدِ والنمرِ والذئبِ والدبِّ والقردِ ونحوها، وما يصطادُ بالمخلبِ كالصقرِ والشاهينِ والحِدَأةِ والغرابِ، إلا غرابَ الزرعِ فيؤكلُ. وما تولَّدَ من مأكولٍ وغيرِ مأكولٍ لا يؤكلُ كالبغلِ واليعفورِ. ويؤكلُ كلُّ صيدِ البحرِ إلا الضفدعَ والتمساحَ. وكلُّ ما ضرَّ أكلُهُ كالسمِّ والزجاجِ والترابِ، أوْ كانَ نجساً، أوْ طاهراً مستقذراً كالبصاقِ والمنيِّ، لا يحلُّ أكلُهُ، فإن اضطرَّ إلى أكلِ الميتةِ أكلَ منها ما يسدُّ رمقهُ، فإنْ وجدَ ميتةً وطعامَ الغيرِ، أوْ ميتةً وصيداً وهوَ مُحرِمٌ، أكلَ الميتةَ.

стр. 143

بابُ الصيدِ والذبائحِ لا يحلُّ الحيوانُ إلا بالذكاةِ، إلا السمكَ والجرادَ فيحلُّ ميتتُهما، ويحرمُ ما ذبحهُ مجوسيٌّ ومرتدٌّ وعابدُ وثنٍ ونصرانيُّ العربِ، ويجوزُ الذبحُ بكلِّ ما لهُ حدٌّ يقطعُ إلا السنَّ والعظمَ والظفرَ منَ الآدميِّ وغيرهِ، متصلاً أوْ منفصلاً. وما قدر على ذبحهِ اشترطَ قطعُ حلقومهِ ومريئهِ، ويندبُ أنْ يوجَّهَ إلى القِبلةِ، وأنْ يُحِدَّ الشفرةَ ويسرعَ إمرارها، ويسمي اللهَ تعالى، ويصلي على النبيِّ ﷺ ، ويقطعَ الأوداجَ كلَّها، وأنْ ينحرَ الإبلَ قائمةً معقَّلةً، ويذبحَ ما عداها مضطجعةً على جنبها الأيسرِ، ولا يكسرَ عنقها ولا يسلخها حتى تموتَ. ويشترطُ أنْ لا يرفعَ يدَهُ في أثناءِ الذبحِ، فإنْ رفعها قبلَ تمامِ قطعِ الحلقومِ والمرئِ ثمَّ قطعهما لمْ تحلَّ. وأما الصيدُ: فحيثُ أصابهُ السهمُ أوِ الجارحةُ المعلَّمةُ فماتَ قبلَ القدرةِ على ذبحهِ حلَّ إذا أرسلهُ بصيرٌ تحلُّ ذكاتهُ، ولمْ يمت الصيدُ بثقلِ السهمِ بلْ بحدهِ، ولا أكلتِ الجارحةُ منهُ شيئاً، فإنْ ماتَ بثقلِ الجارحةِ حلَّ، وإنْ أصابهُ السهمُ فوقعَ في ماءٍ أوْ على جبلٍ ثمَّ تردى منهُ فماتَ، أوْ غابَ عنهُ بعدَ أنْ جرحَ ثمَّ وجدهُ ميتاً لمْ يحلَّ، وإذا ندَّ بعيرٌ ونحوهُ وتعذرَ ردُّهُ، أوْ تردى في

стр. 144

بئرٍ وتعذرَ إخراجُهُ فرماهُ بحديدةٍ في أيِّ موضعٍ كانَ منْ بدنهِ فماتَ حلَّ. واللهُ أعلمُ. بابُ النذرِ لا يصحُّ النذرُ إلا منْ مسلمٍ مكلفٍ في قربةٍ، باللفظِ وهوَ: للهِ عليَّ كذا، أوْ عليَّ كذا، فيلزمهُ الإتيانُ بهِ. ومنْ علَّقَ النذرَ على شيءٍ فقالَ: إنْ شفى اللهُ مريضي فعليَّ كذا، لزمهُ الوفاءُ بما التزمهُ عندَ الشفاءِ. ومنْ نذرَ على وجهِ اللَّجاجِِ والغضبِ فقالَ: إنْ كلمتُ زيداً فعليَّ كذا، فهوَ بالخيارِ إذا كلمهُ بيَن الوفاءِ وبينَ كفارةِ اليمينِ. فإنْ نذر الحجَّ راكباً فحجَّ ماشياً أوْ نذرَ الحجَّ ماشياً فحجَّ راكباً أجزأهُ وعليهِ دمٌ، وإنْ نذرَ المُضيَّ إلى الكعبةِ أوْ مسجدِ المدينةِ أو الأقصى لزمهُ ذلكَ، ويجبُ أنْ يقصدَ الكعبةَ بحجٍّ أوْ عمرةٍ، وأنْ يصليَ في مسجدِ المدينةِ أوِ الأقصى أوْ يعتكفَ، وإنْ نذرَ المضيَّ إلى غيرها منَ المساجدِ لمْ يلزمهُ. ومنْ نذرَ صومَ سنةٍ بعينها لمْ يقضِ أيامَ العيدِ والتشريقِ ورمضانَ وأيامَ الحيضِ والنفاسِ. ومنْ نذرَ صلاةًَ لزمهُ ركعتانِ، أوْ عتقاً أجزأهُ ما يقعُ عليهِ الاسمُ.

стр. 145

قسمُ المعاملات كتابُ البيعِ [أركانُ البيعِ]: [١ - الصيغة]: لا يصحُّ البيعُ إلا بالإيجابِ والقَبولِ، فالإيجابُ: هوَ قولُ البائعِ أوْ وكيلهِ: بعتُكَ، أوْ ملَّكتُكَ، والقَبولُ: هوِ قولُ المشتري أوْ وكيلهِ: اشتريتُ، أوْ تملَّكتُ، أوْ قبلتُ. ويجوزُ أنْ يتقدَّمَ لفظُ المشتري مثل أنْ يقولَ: اشتريتُ بكذا، فيقولُ: بعتكَ، ويجوزُ أنْ يقولَ: بِعني بكذا، فيقولُ: بعتُكَ، فهذهِ صرائحُ. وينعقدُ أيضاً بالكنايةِ معَ النيةِ، مثل: خذهُ بكذا، أوْ جعلتُهُ لك بكذا، وينوي بذلكَ البيعَ، فيقبلُ، فإنْ لمْ ينوِ بهِ البيعَ فليسَ بشيءٍ. ويجبُ ألا يطولَ الفصل بينَ الإيجابِ والقَبولِ عُرْفاً، وإشارةُ الأخرسِ كلفظِ الناطقِ. [٢ - المتبايعان]: وشروطُ المتبايعَيْنِ: البلوغُ، والعقلُ، وعدمُ الرقِّ، وعدمُ الحَجْرِ، ويشترطُ أيضاً عدمُ الإكراهِ بغيرِ حقٍّ، والإسلامُ فيمَنْ يُشترى لهُ مُصحفٌ، أوْ مسلمٌ لا يَعتِقُ عليهِ، وعدمُ الحِرابةِ في شراءِ السلاحِ. فإنْ أذنَ السيدُ لعبدهِ البالغِ في التجارةِ تصرَّفَ بحسبِ الإذنِ، ولا يجوزُ لأحدٍ معاملةُ عبدٍ إلا أنْ يعلمَ أنَّ سيدهُ أَذِنَ لهُ، ببينةٍ، أوْ بقولِ السيدِ، ولا يُقبلُ فيهِ قولُ العبدِ، والعبدُ لا يملكُ شيئاً وإنْ ملَّكهُ سيدُهُ. [حكمُ المبيعِ في مدةِ الخيار]: وإذا انعقدَ
следующие страницы →