← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37345

رحلة الشتاء والصيف

محمد كبريت

Полный текст (247 стр.). Показаны 211–247 · переход к 216.

стр. 211

والوُرْقُ تنشد والنسيم مشبّب ... والنهرُ يسقي والحدائق تشربُ وضياعها ضاعَ النسيمُ بها فكم ... أضحى له من بيننا متطلّبُ ولكم طربتُ على السماعِ بعودها ... وغدا بربوتها اللسان يشبّبُ فمتى أزور معالماً أبوابها ... بسماحها كتبُ الغرام تبوّبُ وقد أبدع ابن الصائغ حيث قال: أدمشق لا بعدتْ ديارك عن فتى ... أبداً إليك بكلّه يتشوّقُ أشتاق منك منازلاً لم أنسها ... إنّي وقلبي في ربوعك موثقُ مهما اتجهتُ رأيت دَوْحاً ماؤه ... متسلسل يعلو عليه ويخفقُ فالريح تكتب والجداول أسطر ... خطاً له نسج الغمام محققُ والطير يقرأ والنسيم مردِّد ... والغُصن يرقص والغدير يصفّقُ ومعاطف الأغصان هزّتها الصبا ... طرباً فذا عارٍ وهذا مورقُ والوردُ في الألوانِ يجلو منظراً ... ونسيمه عطرٌ كمسك يعبقُ فبلابل منها تهيج بلابلي ... ولذاك أثواب الشقيق تشقّقُ وهزاره يصبو إلى شحروره ... ويجاوب القمري فيه مطوّقُ وكأنَّما في كلّ عود صادحٌ ... عود حلا مزموره والمطلقُ والوُرْق في الأوراق شبه شَجْوها ... شجوي وأين مني الخليّ الموثقُ يتلو على الأغصانِ أخبارَ الهوى ... فيكاد ساكن كلّ شيء ينطقُ يا سائراً والريح تعثرُ دونه ... والبرقُ يَبْسِمُ إذ به يتألّقُ إن جئت من وادي دمشق منزلاً ... لي نحوه حتى الممات تشوّقُ بالجبهة الغراء والنهر الذي ... يزهو به القطر المنيف الأبلقُ ورأيت ذاك الجامع الفرد الذي ... في الأرض مثل جماله لا يخلقُ أبلغ منازلها السنيّة أنني ... أبداً لحسن بهائها أتشوّقُ ما أنصح ما قال: عرّج ركابك عن دمشق فإنّها ... بلد تذلّ لها الأسود وتخضعُ

стр. 212

ما بين جبهتها وباب بريدها ... قمر يغيب وألف بدر يطلعُ ابن تميم: رعى الله وادي النَيْرَبين فإنني ... قطعتُ به يوماً لذيذاً من العمرِ درى أنني قد جئته متنزهاً ... فمد لتلقائي بساطاً من الزهرِ وأخدمني الماء القراح فأينما ... ذهبت وجدت الماء في خدمتي يجري وقال: دمشق فيها نُزَه ... وسفحها زاهٍ نضر في كلّ روض يلتقي ... ماَء الحياة والخُضر وقال: سقى دمشق وأياماً مضَت فيها ... من السحائبِ ساريها وغاديها ولا يزال حنين النبت ترضعه ... حواملُ المُزْن في أحشا أرضيها وقال: فوق وجه الثرى ترى الشام شامه ... ولكم للغريب فيها كرامه سكنٌ كلّما تناءيت عنه ... حرّك الوجدُ في الفؤاد غرامه وفؤادي لولا زيارة طه ... ما لواه اللوى ولا رام رامه جنّة وهي بالمكاره حُفّت ... من أمور تقوم منها القيامه الجامع الأموي قال ابن الوردي: دمشق أجل إقليم الشام مكاناً، وأحسنه بنياناً، وأعدله هواء وأعذبه ماء، وبها الغوطة التي لم يكن على وجه الأرض مثلها، بها أنهار جارية مخترقة، وعيون سارحة متدفقة، وأشجار باسقة، وقصور شاهقة، ولها ضياع كالمدن، وبها الجامع الأُموي الذي لم يكن على وجه الأرض مثله،

стр. 213

بناه الوليد بن عبد الملك، وأنفق عليه أربعمائة صندوق، في كلّ صندوق أربعة عشر ألف دينار، واِجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخّم. لله ترخيم بجامع جِلِّق ... متناسب التخميس والتقسيمِ قد زاد تحسيناً يكذّبُ قولَ من ... قد قال إنّ النقص في الترخيمِ - وقد بني بأنواع الفصوص المحكمة، والمرمر المصقول، والجزع المحكوك، يقال إن العمودين اللذين تحت قبة النسر اشتراهما الوليد بألف وخمسمائة دينار، وهما عمودان مجزعان بحمرة لم يُرَ مثلهما، ويقال إن رخام الجامع معجوناً، ولذلك إذا وضع على النار ذاب، وفي المحراب عمودان صغيران، يقال إنهما كانا في عرش بلقيس، وعند منارة الجامع الشرقية حجر، يقال إنه من الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قال القزويني: ومن عجائب دمشق الجامع الأموي، وقد وصفه بعضهم فقال: هو أحد العجائب وجامع الغرائب، بسط فرشه بالرخام، وألّف على أحسن ترتيب وانتظام، فصوصه ملتفة، وصنعته مؤتلفه، عمّره الوليد، وكان ذا هِمّة في أمر العمارات وبناء المساجد، أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين، قيل من عجائب الجامع إنه لو عاش أحد مائة سنة وكان يتأمّله في كلّ يوم، لرأى في كلّ يوم ما لم يكن رآه من حسن الصنعة، ومبالغة التنميق، وهذا المعنى في كلّ ذرة من العالم للمبصر وفي أنفسكم أفلا تبصرون وهو مسقف بالرصاص إلى الآن، وفيه نحو مائة ماء. ومن محاسنه الفوّار الذي على باب جيرون، فإنَّ ماؤه يرتفع على نحو قامة ونصف في غِلَظ الساق دائماً أبداً، واتَّفق وقوفه مرة، فقال في ذلك المعنى ابن نباته قوله:

стр. 214

لست أنسى الفوّار وهو ينادي ... غيضَ مائي وعطّل الدهرُ حالي فتمنّيت من لهيبي أنِّي ... أشتري غيضة بروحي ومالي وقيل إن دخل الجامع في كلّ يوم من أوقافه ألف ومائتا دينار، تُصرف المائتان في مصالحه، والباقي ينقل إلى خزانة السلطان، وبالجملة فإنه الجامع الذي هو لأشتات المحاسن جامع، والمسجد الذي من سجد في محرابه شاهد من محاسنه النور الساطع، ولا غَرْوَ إذ هو بيت مَلِك سَعِد من وقف بخدمته خاشعاً، وشقيٌّ من لم يسع إليه مخلصاً، ويأتيه طائعاً. وإذا حلّت الهداية قلباً ... نشطت للعبادةِ الأعضاءُ وقال: أرى الحسنَ مجموعاً بجامعِ جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروحُ فإن يتغالى في الجوامع معشر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوحُ وقال: الجامع الأموي أضحى حُسنه ... حسناً عليه في البرية مُجْمَعا حَلَّوْهُ إذ حَلَّوْه فانظر صحنه ... تلقاه أصبح للحلاوة مَجْمَعا ولقد تذكرت بذلك الجامع أوقاتي بتلك الروضة، وتشاغلت به فما أغنى التشاغل بمحاسن تلك الرياض وهاتيك الغيضه. بهجة العين روضةُ المختارِ ... تتجلَّى في مشارق الأنوارِ حرمٌ حلَّ فيه خير إمامٍ ... جامع الفضل قبلة الأبرارِ أوّل العالمين في الخلق لكن ... آخر العالمين في الإنذارِ باذخ الأصل ناسخ الجهل علماً ... راسخ الفضل شامخ في الفخارِ

стр. 215

مضريٌّ وأبطحي حبيب ... قرشيّ وهاشميّ نزاري صفوة الخلقِ أشرفُ الخلق خلقاً ... نخبة من سلالة الأخيارِ يا رسول الإله كن لي شفيعاً ... يا شفيع العصاة من حرِّ نارِ أنت في الأنبياء سلطان شرع ... جئت بالسيف منذر الكفارِ فعليك السلامُ من عبدِ ودّ ... ما سرى سرّ نسمة الأسحارِ وعلى الآل والصحاب جميعاً ... وعلى التابعين والأنصارِ ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، وطوله اثنا عشر ميلاً، في عرض ثلاثة أميال، وهو مغروس بأنواع الثمر والأزهار البديعة المنظر والمخبر. فائدة الشام خمس شامات: الأولى: طبرية وأعمالها، وهي مدينة جليلة على جبل مطل، وأسفلها بحيرة عذبة وبها مراكب سابحة، ولها سور حصين، وبها حمّامات حامية من غير نار. الثانية: دمشق وأعمالها. الثالثة: حمص، وحماة، وحلب. الرابعة: أنطاكية وأعمالها. الخامسة: غزة، والرملة، وبيت المقدس، وهو على جبل يصعد إليه من كلّ جانب، وطول مسجده مائتا باع في عرض مائة وثمانين. يقال إن جامع قرطبة سقفه أكبر من سقف الأقصى، وصحن الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة، حكاه ابن الوردي. والشام من الفرات إلى العريش طولاً، ومن جبلي طيّ إلى بحر الروم عرضاً. وفي الأخبار الشام صفوة الله من بلاده، وإليه يجتبي صفوته من عباده، قيل المراد المدينة لأنها بالنسبة إلى مكة شام. قال المقريزي: وسط الشام كدمشق وما والاها شمال مكة من غير ميل، فهم يستقبلون أوسط الجنوب، بحيث يكون القطب

стр. 216

الشمالي المسمَّى بالجدي وراء ظهورهم، وأنت إذا نظرت إلى قبلة الجامع والقطب وجدت السمت منحرفاً، ولا كلام. قال القزويني في الآثار: الغوطة الكورة التي قصبتها دمشق وهي كثيرة المياه، نضرة الأشجار، مونقة الأزهار، متجاوبة الأطيار، مخضرة الجنان. استدارتها ثمانية عشر ميلا، وكلها بساتين وقصور. تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها، ومياهها خارجة من تلك الجبال، وتمتدّ في الغوطة عدة أنهر، وينصبّ فاضلها في أجمة هناك، والغوطة كلها أنهار وأشجار متصلة، قلَّما يوجد بها مزارع، وهي أنْزه بلاد الله على الإطلاق، وأحسنها من حيث البهجة والإشراق. قال الخوارزمي: جِنان الدنيا أربعة: غوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوَّان، وجزيرة الأبُلَّة. وقد رأيتها كلها فأحسنها غوطة دمشق، أما صغد سمرقند فهو نهر تحف به قصور وبساتين وقرى مشتبكة العمائر، ومقداره اثنا عشر فرسخاً في مثلها، وأما شِعْب بوان فبقعة من نواحي سابور، مقدارها فرسخان، وقد أتحفتها الأشجار بظلالها، وجلست الأنهار خلالها، وفيها يقول المتنبي: مغاني الشِعْب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمانِ وأما نهر الأبلة فهو من أعمال البصرة، وهو أربعة فراسخ وعلى جانبيه بساتين كأنَّها بستان واحد، وأما الغوطة فهي من حيز دمشق، طولها ثلاثون ميلاً وعرضها خمسة عشر ميلا، وهي مشتبكة القرى، ولا تكاد الشمس تقع على أرضها لالتفاف شجرها واكتناف زهرها، واختلاف الأخبار لاختلاف الأنظار.

стр. 217

ومن محاسنها المرجة التي هي جنَّتها، وأنهارها التي هي بهجتها، فقلت: ذكرت أحبّتي بالمرج يوماً ... فهاجت أدمعي نيران وهجي فصرت أكابد الأشواق وحدي ... وكلّ الناس في هَرْجِ ومَرْجِ وقال: يا يومنا بالمرج هل من عودة ... ليت الليالي للوصال تعيدُ فهواك لا يبدي السلوّ لطيبة ... والله يبدي ما يشا ويعيدُ ولما أحلّنيها الدهر، وشاهدت محاسن تلك الرياض، وبها ذلك النهر، نزلت على مكارم عمادها، وبدر إسعادها، المولى الذي دخل به الكشاف تحت أستار الخجل، وقال البيضاوي لنا من تسويد الصحائف وجَلَ أيّ وجَلَ، هو مولانا الحبر العلامة، والبحر الفهَّامة، مفتي الديار الشامية وإمامها، وواحد ذوي المجد المؤثّل وهُمامها، المعطّر ذكره الشريف أرجاء البوادي، مولانا الشيخ عبد الرحمن العمادي، لا زالت أقلام الأنام بأداء الشهادة بكماله رافلة في حُلَلِ العدالة، وإذا نشأت فهي العيدان التي هي بأسمائه الشريفة للطرب نعم الآله. أساميا لم تزده معرفة ... وإنَّما لذة ذكرناها فلا انفكَّ مسك لياليه شامة في وجنات الأيام، وله من ذلك إن شاء الله تعالى حسن الختام. فنزلت من داره المعمورة بأشرف منزل، وصرت لما لقيته من الفرح والسرور عن الهم بِمَعْزِل: ولما بلوناه تلونا مديحه ... فيا طيب ما نبلو ويا حسن ما نتلو هو البدر إلا أنه البحر زاخراً ... سوى أنه الضرغام لكنه الوَبْلُ محاسن يبديها العيان كما ترى ... وأيسر ما فيه السماحة والبَذْلُ وقال: رأيت عماد الشامِ في الفضل وحده ... ولا عجب إذ كان في الفضل قد نشا إماماً هماماً عَزَّ قدراً ورتبة ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا

стр. 218

وقال: رأيتُ العماد وأبناَءه ... عماد المكارم فيمن رأيت ففيهم مقامي بهم قد سما ... ومنهم رَوِيتُ وعنهم رَوَيْت رأيت لديه وبين يديه في ذلك المقام، من أبنائه الكرام، ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم، وتنجلي الفصاحة بحسن لهجتهم، كما قال: كأنَّه وبنوه حول حضرتِه ... بدرَ الدجى ولديه الأنجم الزهرُ فيا لهم من فتية عليهم سيما الحِجى، وطلاوة نجوم الدجى، فكل منهم ملك القول وأميره، وواحد الفضل الذي لا يوجد نظيره: إن العماد بنوه والذي شرفت ... به الأباطح أعني صفوة الباري من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري فالتحفت برَهْطِهم، وانتظمت في سِمْطهم، وما زلت فيهم فارغ البال، خالي البلبال، نسيمي نسيم الصَبا، وأيامي أيام الصِبا: ولو لم يزد إحسانُّهم وجميلهم ... على البرِّ من أهلي حسبتهم أهلي ولم أزل من مكارم هذا العزيز، في حَوْزٍ حَريز، ومن أخلاقه الشريفه، وخلائقه اللطيفه، بين الروض ونسيمه، والأرج وشميمه: سأشكرُ لا أنّي أجازي لنعمةٍ ... بأخرى ولكن كي يقال له شكرُ وأذكر أيامي لديهِ وحسنها ... وأفضل ما يبقى من الذاهبِ الذكرُ ثم لم أزل في تلك الديار منذ حللت ربوعها، وارتبعت ربيعها، أفاني الأيام فيما يروي الأوَام، عِلماً بأن الدهر سروره كطيف المنام، وشروره أكثر من أوغاد الأنام، وأنَّ من أخر أيام الصفا، وقابل وفاء الدهر بالجفا، فقد وقع في

стр. 219

هوَّة الندم، وصار وجوده عند أولي النُهى كالعدم، ومن أهمل أوقات السرور، والتزم مكابدة الهموم فهو في الغرور: كناطحِ صخرةٍ يوماً ليوهنها ... فلم يضرّها وأوهى قرنه الوَعِلُ فها أنا أطلب قلبي في الهوى وأنْشُده، وأطارح صوت الصدى فينشِدَني وأنْشِده: لقد كادتِ الدنيا تقولُ لأهلها ... مشافهة لو أنها تتكلَّمُ خذوا من نصيب من نعيم ولذّةٍ ... فكلٌّ وإن طال المدى يتصرَّمُ أمطار وبَرَد غريبة الشكل (غريبة) في أواخر رمضان المكرَّم، وردت على أهل دمشق من أعمال الكرك مكاتيب، فيها أنه وقع بتلك القرى في غضون الأمطار، بَرَد على صور حيوانات مختلفة.! وفي كتاب السكردان لابن أبي حجلة: في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ورد كتاب من حماة يخبر أنه وقع في هذه الأيام بـ ماردين من أعمال حماة بَرَد على صور حيوانات مختلفة، فيها سباع وحيات وطيور ورجال ونساء وغير ذلك، وأنَّ ذلك ثبت بمحضر شرعي عند قاضي الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضي حماة، وحَكى الحافظ عبد الرحمن الربيع: في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة نزلت بردة من السماء، طولها مائة وستون ذراعاً، وعرضها عشرة أذرع، وسمكها باعان، فلما ذابت سقى ماؤها أربع قطع من الأرض هنالك، انتهى، من بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد!! فائدة دمشق اسم عبد الخليل ﵇، وكان حبشياً وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج ﵇ من النار، ولما بنى الشام سَمَّاها باسمه، وكان جعله على كلّ شيء له، كما ذكره ابن عساكر عن وهب بن منبه، كذا في الطراز المنقوش في محاسن الحبوش قيل ومن خواص الشام الطعن والطاعة والطاعون، أما الطعن فهو مشهور في جندها كما قيل: ورجال الشام في طعنهم ... قاسيون القلبُ منهم لا يلينُ

стр. 220

وأما الطاعة فهي معروفة في أهلها للسلطان، حتى قيل في وصفهم إنهم أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأما طاعونها فهو شر من أن يذكر حتى قيل: أما دمشق فإنها قد أوحشت ... من بعد ما شهد الخلائق أُنسها تاهت بعجب زائِد حتّى لقد ... ضربت بطاعون عظيم نفسها محاسن الشام وقاسيون بكسر السين المهملة وضم المثناة من تحت، جبل مطل على دمشق من جهتها الشمالية، فيه المنازل المليحة والمدارس الحسنة، والرُبُط والبساتين، ونهر يزيد ونهر تورا في ذيله، وفيه جامع كبير وفيه يقول ابن عنين: وفي كبدي من قاسيون حرارة ... تزولُ رواسيه وليس تزولُ قال القزويني: الربوة على فرسخ من دمشق، قال أهل التفسير: هو المراد من قوله تعالى (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين). غريبة قال صاحب تحفة الغريب في بادية الشام شجرة، إذا نظر الناظر إليها رأى أوراقها كالسُرُج المشعولة، وكلّما كان الليل أظلم كان الضوء أشد، فإذا هشَّ الورق لا يرى شيء من الضوء. ومن محاسن الشام نهر بردى المشبب به في القصائد الطنانة، ويقال له الخاطف لقوّته، ومن خواصه أنه لا يزال بارداً في الأوقات الحارَّة، وفيه يقول ابن الفارض: جلّق جَنَّة من تاه وباها ... ورُباهَا مُنيتي لولا وباها قال غال بردا كوثرها ... قلت غال بَرَداها برداها ومن محاسن الشام جامع يلبغا، سمعت فيه من العلامة العمادي للشيخ أبي الفتح المالكي: كم نزهة في يلبغا تبتغي ... ودارج لم يخل من دارجِ يموج في بركته ماؤها ... تحت منار ليس بالمائجِ مأذنة قامت على بابه ... تشهد للداخل والخارجِ ومن محاسن الشام جامع البحر بالقرب من المولى خانه، يشقَّه نهر لطيف عليه أنواع المسرات: لله يوماً به الدهر المُشِتُّ سخا ... مع جيرة قلدوا من جودهم نحري

стр. 221

قضيته وقضت لي فيه بهجتهُ ... بطيب عيش مضى في جامع البحرِ فائدة محاسن الشام كتاب مؤلف في المعنى، للشيخ تقي الدين البدري، ورأيت على ظهره للشيخ أحمد المقري: محاسن الشام جَلَّتْ ... عن أن تُحَدّ بحدِّ كأنَّها معجزات ... مقرونة بالتحدّي ومن محاسن الشام: إحياء ليالي رمضان المعظم، وإقامة التراويح بأحسن أداء يورث النشاط، فإن المكبرين يلونون في التكبير بالأصوات الحسنة، فيبتدئون بمقام العراق ويختمون بمقام العشاق، والإمام يصليها بسورة الرحمن، ويلوِّن فيها الصوت الحسن بالألحان الحسان، هذا وإن كان من البدع إلا أنه قد صقله التعارف، والعُرْف كما لا يخفى أمر عظيم. وفي أخريات الشهر يصلّون مع الإمام اثنتي عشرة ركعة، عقيب التراويح، يزعمون أنها صلاة الرغائب، وهي غير معروفة بالحرمين الشريفين. ومن محاسن الشام في هذه الليالي باب البريد، وما أدراك ما باب البريد! وما يشتمل عليه من المحاسن التي يعجز القلم عن وصفها، فياله من باب لا يدخله إلا أهل الدخول، ولا يصل إليه إلا من كان من أهل الوصول، كيف لا وهو الذي تذل لغزلانه الأسود وتخضع، وترى قمراً يغيب وألف بدر يطلع، ويقال: هاهنا تسكب البدرات، ولا عبرة بسكب العبرات. دمشق دار البذرقه ... فيها الوجوه المشرقه لو حلّ قارون بها ... حَلَّت عليه الصدقه فائدة في كتاب الدارس من المدارس للنعيمي قال: في الجامع الأموي

стр. 222

أربعة وعشرون سبعاً، وكلها تجري عليها الأوقاف، وكان في السبع الكبير ثلاثمائة وأربعة وخمسون نفراً، وكان بدمشق أربعة وعشرون جامعاً، كلها ذات أوقاف فائضة. ومن محاسن الشام شجر السرو وهو شجر حسن الهيئة قويم الساق، يضرب به المثل في استقامة قدّه، ومشق قامته، وخضرة ورقه، ولا يزال مخضرَّاً صيفاً وشتاءاً، ومن خواصه أن التدخين بأغصانه في البيت يطرد البقّ، ومن التشبيه فيه: والسرو مثل عرائسٍ ... لُفَّت عليهنّ المُلا شمّرن فضل الأزْر عن ... سوقٍ خَلاخِلهُنّ ما ومن غرائب ما حكاه صاحب الخريدة أن خشب الزيتون لا دخان له. ومن محاسن الشام حمَّام مصطفى باشا، فإنه لا نظير له في تلك الأقطار ولا مداني، وذلك لما اِشتمل عليه من حسن الصنعة ومحاسن المباني: زيَّن الشام وحقّ الصمد ... حسن حمّام كثير العددْ لا ترى في سائر الدنيا له ... ثانياً لا والإله الأحدْ حار عقلي لجحيم جنّة ... بل نعيم في عيش رغدْ لطيفة أبواب دمشق ثمانية، وفي ذلك إشارة إلى أنها جنة الدنيا، وبالجملة فإنها الروضة الغنَّاء والغيضة الحسناء: وما الشامُ في البلاد إلا كشامة ... وأقمار واديه الشميم تمامُ فحيَّى محياه الإلهُ وزَانَهُ ... ولا زال برق الحسن فيه يُشامُ وقال: قال ماذا يقول في الشام حَبْر ... شامَ من بارق العُلى ما شامَه

стр. 223

قلت ماذا أقول في وصف أرض ... هي في وَجْنة المحاسنِ شامَه هذا، وشاعرها الشهاب الرومي، لما تضايقت عليه السبل فيها، وتكدّر لديه من مواردها الهنيَّة صافيها، أنشأ يقول بلسان الاضطرار على ما قضت به الأقدار: ترحّل عن دمشق فليس فيها ... يقدّم غير من أضحى سفيها وطالعها مدى الأيام قبض ... على أغنى الورى من ساكنيها كأن فتىً بناها من قديم ... بنى رصد العكوس على بنيها أكابرها على الفقراء جارت ... وجاهلُها أذلَّ بها النبيها وقلَّ بأن ترى إخوان صِدق ... لنفسك في الكريهة ترتضيها وأنفَسُهُم تراه أشرَّ نفسٍ ... يميل إلى الخساسة يشتهيها فياللهِ من زمنٍ عجيب ... به قد تاهت الجهلاءُ تِيها تطوف بأرضها شرقاً وغرباً ... فلم ترَ في الرياض بها نزيها فإن رُمت التقرب من حِماها ... إلى أرضٍ لنفسك ترتضيها فعرِّج بالرِّكاب لحيِّ مصر ... وحَيّ غصون بانٍ مِسْنَ فيها تتيه على البلاد إذا تبدَّت ... بعصبتها وتَفْتِنُ واصفيها تَحِنُّ على الغريب حنوّ أصلٍ ... فتنسيه الديار وقاطنيها بلاد قد حَوَت بالكسر جَبْراً ... وروضة مشتهاها أشتهيها فيالله هل لي ما أراها ... فتلك ديارُ أنسٍ أختليها سيل في الكعبة المشرفة وفي غُرَّة شوال يوم عيد الفطر، كان الخطيب يوسف السقيفي وكانت خطبته على نمط الخطب الرومية، ولم تكن تعرف هذه الطريقة في الديار الشامية، على ما يقال، فهو أول من ابتدع ذلك هناك. وفي عاشر شوال داروا بالمحمل السلطاني تذكيراً للحج، وهو من الأيام المعدودة، وفي آخر النهار احترق قصر الملك الظاهر في غربي القلعة، فتشوشت له الخواطر، وفي صباح تلك الليلة وصل إلى الشام نجاب على يده مكاتيب إلى الروم، فأخبر بسقوط البيت الشريف، وكان من أمره أنه لما كان العشرون من شعبان انهدم من البيت جانباه الشرقي

стр. 224

والشامي، بسبب الأمطار التي لم يسبق لها مثال، والسيول التي لم يعهد مثلها في الإسلام، وفي ذلك يقول المهتار: هدم البيت أمر ربٍّ تغشا ... هُ بسيل لم يحوِ غرقاه ضبطي في نهار الخميس عشرين شعبان ... قبيل الغروب من عام لغط وأحسن منه للفاضل فضل الطبري: سُئلت عن سيل أتى ... والبيت منه قد سقط متى أتى؟ قلتُ لهم ... مجيئه كان غلط وكان من أمر هذا السيل أنه ذهب بالأموال والأرواح، وأعقب من الفناء في أهل مكة ما أشبه بالوباء المصري والطاعون الشامي، وكان إرتفاع الماء في المسجد الشريف إلى قفل باب المحترم، وبه أرّخ من قال: رقى إلى قفل بيت الله. لطيفة على ذكر السيل في الأغاني نقلاً عن الهيثم ابن عدي قال: حدثني عبد الله بن العباس الهذلي عن رجل من بنى عامر قال: مُطرنا مطراً شديداً ارتبعناه ودام المطر ثلاثاً، ثم أصبحنا على صحوٍ، فخرج الناس يمشون على الوادي، فرأيت رجلاً جالساً على حجر، فقصدته فإذا هو المجنون جالساً يبكي، فكلمته طويلاً وهو مطرق، ثم رفع رأسه وأنشد بصوت حزين لا أنسى حُرْقته: بكى السيل واستبكانيَ السيلُ إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غُروبُ وما ذاك إلا حيث أيقنت أنّه ... يكون بوادٍ أنت منه قريبُ يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقَّى طيبكم فيطيبُ

стр. 225

فيا ساكني أكناف نخلة كلّكم ... إلى القلبِ من أجل الحبيب حبيبُ وقال زاد مغلطاي: أظل غريب الدار في أرض عامر ... ألا كلّ مهجور هناك غريبُ وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى ... إليّ وإن لم آته لحبيبُ ولا خيرَ في الدنيا إذا لم تزر بها ... حبيباً ولم يطرب إليك حبيبُ ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وهجرانه مني إليه ذنوبُ هجرتك مشتاقاً وزرتك خائفاً ... وإني عليّ الدهر منكَ رقيبُ سأستلطف الأيام فيك لعلّها ... بيوم سرور في هواك تثيبُ فائدة سيل الحجاب هَدَّم بمكة دوراً كثيرة وأحاط بالكعبة، أيام عبد الملك سنة ثمانين، كذا في تاريخ الخلفاء، وفي سنة إحدى وسبعين وتسعمائة طاف بالبيت سيل عظيم، وهُدِّمت بسببه دورٌ كثيرة، وفي ذلك للشيخ صلاح الدين بن ظهيرة مؤرخاً بلفظ ذراع وإن تسامح: لما علا السيل على مكة ... وخرَّب الدور وأخلى البقاع لاذ بباب الله مستغفراً ... وطاف بالبيت طواف الوداع تاريخه إن رُمْتَ تعريفه ... علا على الركن اليماني ذراع فائدة بُني البيت الشريف عشر مرات، ولم يكن هُدم في واحدة بسبب السيل. وفي تاريخ الخلفاء لابن حجر المكي: احترق البيت الشريف في زمن عبد الله بن الزبير، أستاره وسقفه وقرنا الكبش الذي فُديَ به إسماعيل ﵇، وكانا في السقف، فبناه على قواعد إبراهيم ﵇، وفتح بابيها وجعلهما لاصقين بالأرض، وأدخل فيه ستة أذرع من الحِِجْر، فبقيَ بناؤه ولم يهدم الحجاج منه إلا حائط الميزاب، وأراد الرشيد نقض ما فعله الحجاج فأقسم

стр. 226

عليه مالك أن لا يفعل، لئلا يصير البيت ملعبة للملوك، فتزول هيبته من القلوب، فامتثل وصان الله بيته. وفي طراز أعلام الزمن للخزرجي أنَّ في أيام فتنة ابن الزبير، احترقت الكعبة حتى انهدم سقفها وسقطت جدرانها. بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم ... ورتبتهم حَسْب الذي أخبر الثِقه ملائكةُ الرحمن آدم وُلده ... كذاك خليل الله ثم العمالقَه وجُرْهم يتلوهم قصيّ قريشهم ... كذا ابن زبير ثم حجّاج لاحقَه ومن بعدهم من آل عثمان قد بنى ... مراد بخير أطلع الله شارقَه ضريح ابن عربي وفي اليوم الثالث عشر تشرفنا بزيارة تربة المقدس المبرور الشيخ محي الدين بن عربي، قَدَّسَ الله سره العزيز، فتملّيت بتلك الزيارة المحمولة إن شاء الله على أجنحة القبول، وشاهدنا بها تلك الصالحية التي يقضي بكمال محاسنها العقول: الصالحية جَنَّةٌ ... والصالحون بها أقاموا فعلى الدّيار وأهلها ... مِنِّي التحيةُ والسلامُ ورأيت على جدار التربة المباركة للدرويش القلشني: شيخنا الحاتمي في الكونِ فرد ... وهو غوثٌ وسيدٌ وهمامُ كم علوم أتى بها من غيوب ... من بحار التوحيد يا مستهامُ إن سألتم متى توفي شهيداً ... منذ أُرِّختْ: مات قطب إمامُ وللبيضاوي جواب سؤال رفع إليه في أمر الشيخ: الذي أعتقده في حال المسؤول عنه، وأدين الله تعالى أنه كان شيخ الطريقة حالاً وعلماً، وإمام التحقيق حقيقة ورسماً، ومحي رسوم المعارف فعلاً وإسماً: إذا تغلغل فكرُ المرءِ في طرف ... من مجده غرقت فيه خواطرُه عُبابٌ لا تكدّره الدلاء، وسحاب تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته

стр. 227

تخترق السبع الطباق، وتفترق بركاته الآفاق، وإني لأصفه وهو يقيناً فوق ما أصفه، وأنطق بما كتبته وغالب ظني أنِّي ما أنصفه: وما عليّ إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهولَ يظن الحقَّ بهتانا والله والله العظيم ومَنْ ... أقامه حجةً للحقِ برهانا إنّ الذي قلت بعضٌ من مناقبهِ ... ما زدت إلا لعلِّي زدت نقصانا أما كتبه ومصنَّفاته فالبحار الزواخر، وجواهرها لكثرتها لا يعرف لها أولٌّ من آخر، وما وضع الواضعون مثلها، وإنَّما يخص الله بمعرفة قدرها أهلها، ومن خواصها أنه ما واظب واحد على مطالعتها والنظر فيها، إلا وانشرح صدره، وتيسَّر أمره، وقوي على حل المشكلات، وَفَكِّ المعضلات. وإذا خَفيتُ عن الغبيِّ فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياءُ وقال غيره: نظرتُ إليه نظرة فتحيّرتْ ... دقائقُ فكري في بديع صفاتهِ فأوحى إليه القلب أني أُحبهُ ... فأثَّرَ ذاك الوهم في وَجَنَاتهِ وقال: إن الغريبَ إذا أقام ببلدةٍ ... لعبت أناملهُ على الحيطانِ فتراه يكتب والغرام يهزه ... والشوقُ يُقْلِقَهُ إلى الأوطانِ وإلى يومنا هذا وأنا محاجر البين، لم أجتمع على نفسي طرفة عين، ولا لاحت لي بارقة من وجودي، أعدّها من أيام سعودي، ومع ذلك لم ينقطع الرجاء والاستمداد، وإن قعد بي الاستعداد. أمرَّ بالكرم خلف حائطه ... تأخذني نشوة من الطربِ المحمل السلطاني وفي اليوم السابع عشر كان خروج المحمل السلطاني، وهو يوم مشهود تخرج له المخدّرات، وكان أمير الركب أميره وابن أميره، والفرد الذي يعزّ

стр. 228

على الدهر أن يأتي بنظيره، وكم طمح لهذه الإمارة طامح، وسرح لخدمتها سارح، فافتضِح بقصوره وتقصيره، وكيف لا وهو الجامع لأشتات الفضائل، والحريّ بقول القائل: أتته الإمارة منقادة ... إليه تُجَرْجرُ أذيالها ولو رامها أحدٌ غيره ... لزُلْزِلت الأرضُ زِلزالها فلم تَكُ تصلح إلا له ... ولم يَكُ يصلح إلا لها وهو مولانا المقر العالي الأمير محمد بن الأمير فرّوخ باشا، خلَّد الله تعالى رواق سيادته بدوام دولة أيامه، وأبَّد سرادق سعادته على مرور الدهور وتوالي أعوامه، ولا زالت كتائب النوائب بعوادي نقمه إلى أعدائه مبعوثة، وغرائب الرغائب بغوادي نعمه إلى أوليائه محثوثة. آمين آمين لا أرضى بواحدة ... بألف آمين في ألفين آمينا ولم أزل في تلك الديار العمادية، التي أقول فيها بلسان الحال: دار العماد فرط شوقي لها ... يَجِلُّ أن يذكر بين العبادِ ما راقَ طرفي بعدها منزلٌ ... لأنّها في الحسنِ ذاتُ العمادِ فلما كان اليوم الثاني والعشرون برزنا من تلك الديار، إلى حيث تسوقنا الأقدار: فمن لي بقلبي إذ رحلت فإنّني ... مخلّف قلبي عند من فضلُه عندي ولو فارقتْ روحي إليه حياتَها ... لقلتُ أصابتْ غير مذمومة العهدِ فآهاً على تلك الديار العمادية وأوقاتها، وحفظاً لتلك الوجوه التي لشمس المكارم ضوء على جبهاتها، وفي السلامة من أكدار الغربة، والعَوْدُ إلى تلك المنازل الطيَّبة التربة، ما يسلو به الفؤاد، ويروق مدى الآباد. فهل درى البيتُ أنِّي بعد فرقتهِ ... ما سرتُ من حرم إلا إلى حرمِ فمررنا بالكسوة، وهي على ثلاثة عشر ميلاً من دمشق، وفيها يمكث الحاج.

стр. 229

ثم أتينا على خان ذي النون وفيه شكل حصار، ويطبخ فيه شوربا بسلق لجميع الحجّاج. ثم أتينا على الصنمين، وهي من قرى حوران، فصعدنا منزلة رأس الماء، وما ألطف ما قال: سقى الله أرضاً طَوْقها مثل طَرْزِها ... وساترها بُرْد من الوشي أخضرُ تذكرت أحبابي بمثوى بريدها ... فعينيَ رأس الما وجسمي المغيّرُ وخواص هذا المنزل البرغش والبرغوث، قال أعرابي: تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الفضا ليل عليّ يطولُ ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث عليّ سبيلُ ولابن ميمون ملغزاً فيه: ومعشر تستحل الناس قتلهم ... كما إستحلوا دم الحجاج في الحَرَمِ إذا سفكت دماً منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دَمَي ثم أتينا على المزيريب وهو وادٍ به قلعة، وعندها بحرة ماء ينتهي ماؤها إلى جسر الجوامع فيما يقال، وأصله من عين تنبع من شمال القلعة على نحو نصف ميل، وما ألطف ما قال: لقد قابلتنا بالعجائب بحرة ... مكمّلة الأوصاف بالطول والعرضِ كأنّ الذي يرنو إليها بطرفه ... يرى نفسه فوق السما وهو في الأرضِ والمزيريب مجتمع الحجاج، وفيه الأسواق العامرة بما يحتاج إليه الركب، بل بما يتِّجر به، وفي هلال ليلة ذي القعدة يوقد ما في الوادي من الدكاكين، ألفاً ونحوه، وتعرف بالوقدة، وتوقد الشموع والمشاعل في الركب، وتكون ساعة عجيبة. ولما كان الصباح رحلنا وأتينا على وادي القديم، ويعرف بالمفرق، لأن الحجاج إذا رجعوا تفرقوا فيه، وهو مسيل كثير الزَلَق وحوله قرى وضياع.

стр. 230

ثم أتينا على الزرقاء وهو وادٍ من أعمال عَمَّان وبه قصر شبيب بن مالك، وفيه نهر عظيم ينبت القصب الفارسي، وفيه ملاقاة. ثم أتينا على البلقاء واد قفر، يقال في غَرْبيه ماء، وفيه اجتمعتُ بالأمير الذي فيه يقال: أمير له في حَلْبة الجود والوغى ... سوابق للإنسان قبل التِماحِه وعقل إذا ما جال أغنى برأيه ... عن الجيش يشكو الخوف شاكي سلاحه ولما قصدته لأمر اقتضى ذلك وجدته فوق ما أملّته، وأهديت إليه منظومة الصور الفلكية وكتبت معها: لما رأيتك في فضلٍ وفي أدبٍ ... علوتَ قدراً على العلياء والحُبُك ناسبت قدرك يا مَنْ عزَّ جانبه ... وقلت أهدي له منظومة الفلك فظفرت من إحسانه وحسناه، بما تحقق به أنَّه المعني بقول القائل: طلق يُفيض على العفاةِ سجالُه ... وعلى العداة بِسَطْوه سجيّلا وإذا حباك بغُرّة من ماله ... ثنّى وأعقب غرّة تحجيلا ثم أتينا على القطراني بعد معاقبة عقبات ومحاجر، وهو واد فيه قلعة وبركة ماء تفيض على مثلها. ثم أتينا على الحسا من أعمال الكرك، وفيه نهر لطيف وملاقاة. ثم أتينا على عنيزة وهناك البرد الشديد، وبه خان قديم. ثم أتينا على معان من أعمال الكرك، به ضيعة وقلعة، وآبار ماؤها ليس بالجيد. ثم أتينا على عقبة الصوان منحدر على نصف ميل، وبها أحجار القدح الجيدة، التي لا يكاد يوجد مثلها، ومنها تنقل للهدية، وإذا نزل عنها الركب أناخ أسفلها ليتكامل،

стр. 231

فيخرجون أنواع الحلوى المعدودة لذلك ويفرقونها على بعضهم، فلذلك يقال لها عقبة الحلوى، ورأيت العرب تأخذ القطن العتيق فتبله بالماء القراح، وتمسح به عرق الضأن من تحت إبطيه وفخذيه، فإذا جفّ كان بمنزلة الضرم، ثم مررنا بعبادان وليست هي التي قيل فيها ليس وراء عبادان قرية لأن تلك في ساحل البحر المحيط، وهي التي يأخذ منها أهل الفلك أطوال البلدان. وبالطلبيات، وبطن الغول، وادٍ كثير شجر الغضا والعبيثران الذكي. ثم أتينا على ذات حج، وادٍ فيه قلعة لطيفة، فيها شجرة توت وريفة، ونقر في حجر ينبع منه الماء، فيخرج من القلعة ويملأ البركة خارجها، وفيه نخيل ومياه غير جيدة، ثم نزلنا بالعرائد، وهي قاع البسيطة، وفيها اجتمعت بالفاضل المتفنِّن الشيخ محمد الحر، أحسن الله تعالى إليه، أنشدني إجازة لنفسه النفيسة: قلت لما ألجئت في هجو دهر ... بذل الجهد في احتفاظ الجهولِ كيف لا أشتكي صروف زمان ... ترك الحرّ في زوايا الخمولِ وأنشدني لغيره: لعمرك ما الغريب بذي التنائي ... ولكنّ المُقِلَّ هو الغريبُ إذا ما المرء أعْوَز ضاق ذَرْعاً ... بحاجته وأبعده القريبُ وللشيخ نجم الدين الشامي: علة شيبي قبل إِبّانه ... هجر حبيبي في المقالِ الصحيح ويدِّعي العلَّة في هجره ... شيبي ففي القولين دور صحيح - مسألة الدور جرتْ ... بيني وبين من أحب ولولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب قلت وأنت خبير بأن هذا المعنى فيه ما فيه، إذا الدور توقف وجود كلّ

стр. 232

من الشيئين على وجود الآخر، وإذا كان الجفاء بسبب وجود الشيب، فالشيب متقدم على الجفا، وإذا كان كذلك فكيف يجعل الشيب بسبب وجود الجفاء؟ فتأمله فإنه خفي ظاهر، اللهم إلا أن يقال إن الدور على مجرّد الدعوى، وفي هذا المقام لا يتعين تقدم شيء على شيء، وما ألطف ما قال: ما ازددت في حبِّ من شغفتُ به ... إلا غراماُ عليه أو وَلَها وعشقتي في هواه دائرة ... آخرها لا يزال أوّلها التنبؤ بخراب العالم وحكى السيوطي في تاريخه: لما كان سنة ٥٨٢ إجتمعت الكواكب الستة في برج الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم، وسدوا منافذها ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها وأقاموا ينتظرون تلك الليلة التي وعدوا فيها بالريح، وهي الليلة التاسعة من جُمادى الآخرة من هذه السنة، فلم يأت فيها شيء من الريح، بل ولا هبّ نسيم، بحيث أوقدت الشموع بين يدي السلطان صلاح الدين فلم يتحرك لها أصلاً، وعملت الشعراء في وصف هذه الحادثة: كلام المنجم في لفظه ... يحلّ لدينا محلَ الحدثْ يخبّر عن حادثات السما ... ويجهل في بيته ما حدثْ وقال آخر: أحُسَّاب النجومِ أحلتمونا ... على علم أدقّ من الهباءِ علوم الأرض لم تصلوا إليها ... فكيفَ بكم إلى علم السماءِ ويعجبني قول أبي الغنائم محمد بن المعلم الواسطي: قل لأبي الفضل قولَ معترفٍ ... مضى جُمادى وجاءنا رجب ولا جرت زَعْزَعاً كما حكموا ... ولا بدا كوكب له ذنب كلا ولا أظلمت ذُكاء ولا ... بدت إذا في قرانها الشهب يقضي عليها من ليس يعلم ما ... يقضي عليه هذا هو العجب

стр. 233

تبوك ثم لم نزل في أسر المسير حتى أتينا على تبوك، وهي على النصف من طريق الشام، وفيها عين ونخل وحائط، وهي آخر غزوات النبي ﷺ ، وفيها قلعة فيها بئر وشجرة توت، وحولها منازل للعرب ومزارع وأشجار على عيون وعريش. ثم أتينا على المعز وهو قفر لا أنيس به، وأنشدني فيه السيد الأجل زين العابدين لعمِّه العلامة السيد زين الدين: لا تحسبونا وإن شطّ المزار بنا ... وعاند الدهر في تفريقنا وقضى نحوّل عن منهج الودّ القديم بكم ... أو نبتغي بالتنائي عنكم عِوَضا وأنشدني للفاضل محمد أفندي الحنائي: يا بني الزهراء لا لُقِّيتم ... أبد الآباد سوءاً من أحد سِرّكم لاحَ بمعنى آدم ... فلذا كلّ إليه قد سجد وقال آخر: يا آل بيتِ رسول الله حبكم ... فرضٌ من اللهِ في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له وقال: من العشاقِ باح الدمع لمّا ... نوى ركبُ العراق إلى الحجازِ لزورة صاحب الزوراء من قد ... بنى سُبُل الحقيقة لا المجازِ ثم مررنا بالمضيق، وهو مَسْلَك حصر كثير الأوعار والمحاجر، حتى أتينا على الأخيضر وهو واد مثلث الجوانب في جنوبيه قلعة سليمانية، بتاريخ ثمان وثلاثين وتسعمائة، وفيها عين تملأ منها ثلاث برك، تلاصق القلعة المبنية لحفظ البئر من دفنها أيام عصيان بني لام وبني عقبة. ثم أتينا على المعظَّم وهو وادٍ فيه قلعة عثمانية عمرت سنة إحدى وثلاثين وألف، غير أنَّه لم يكن بها ماء، وقد أشرفت على الدمار، وفيه يقول بعضهم: يا ذا المعظم إنَّ فيك لقسوة ... فلأيّ معنى قد سُميت معظما إنّ المعظم من يُغيثُ وفوده ... وأراك أفنيت الأنامَ من الظما وعند القلعة بركة عظيمة متسعة جداً، يأتيها الماء من الأمطار، ولها خمس

стр. 234

وعشرون درجة، ولما وردناها وجدنا منها خمسة عشر درجة في الماء الفرات. ثم أتينا على الأقيرع ثم بشطب العجوز، وهو شِعْب فيه ماء غزير من المطر، ولا يكاد يخلو عنه فيما يقال. ثم أتينا على المبرك وهو بين صخرتين عظيمتين كالمأزَمَيْن يمرّ من بينهما الركب، ويكون له ضجيج بالاستغفار، وزعموا أن صالحاً ﵇ عقرت ناقته هناك. ثم أتينا على مداين صالح وهي بيوت منحوتة في الصخور، وعندها آبار. ثم أتينا على العُلى فاجتمعنا بأبناء البلاد من جيران سيد العباد، وسند العباد، فقرَّت بهم النواظر واستقرَّت: لله يومي بالعلى إذ شاهدتْ ... عينايَ آثار النبي الهادي ورأيت فيه جيرةً من يثرب ... سقيت منازلهم بصَوْبِ عهادِ وقال غيره: يا وارداً من حمى المختارِ يخبرني ... عن جيرة شنف الأسماع بالخبرِ ناشدتك اللهَ إن أوليتَ مكرُمة ... حدّث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري فأقمنا في العُلى مع إخوان الصفا وخلان الوفاء، ثلاثة أيام بلياليها، تحكي عقوداً تزينت بلآليها: لله ما لاقيتُ فيها من الهنا ... ولله حادي العامريّة إذ يحدو وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... شجوناً فزدني من حديثك يا سعدُ والعلى قرية لطيفة على ست مراحل من المدينة المنورة، وهي منقطع أحكام الشام، وكانت معافاة أيام الجراكسة، فغزاهم عرب أيام العثامنة، فرفعوا أمرهم إلى نائب الشام عيسى باشا، فأمر أن يُبنى حصن ويجعل فيه حرس ويحيي

стр. 235

القرية، ويضرب على كلّ نخلة عثماني للحرس، فانتهت الجباية إلى الترقي وبطل الحرس، فشكوا فلم تفدهم الشكوى وتضاعفت المظلمة، وكان الأمر كما قيل: ربَّ من ترجو به دفعَ الأذى ... سوفَ يأتيكَ الأذى من قبلهِ وهي كما يقال روضة غناء، وغيضة حسناء، بها النخيل الباسقه، والأشجار المتناسقه، وفيها عينان تجريان: مياه بوجهِ الأرض تجري كأنَّها ... صفائحُ تِبْرٍ قد سُبِكن جداولا كأنّ بها من شدّة الجري جنّة ... وقد ألبستهنّ الرياح سلاسلا وقال: كأنَّما النهرُ إذ مرّ النسيمُ بهِ ... والغيم يَهمي وضوءُ البرق حين بدا رشقُ السهامِ ولمعُ البيض يوم وَغىً ... خاف الغدير سطاها فاكتسى زَرَدا وقال: روض كمخضرّ العِذارِ وجدول ... نقشَت عليه يد النسيم مباردا لطيفة حُكيَ أن ملك الروم كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أيام خلافته: بلغني أنَّ ببلادك شجرة تُخرج ثمراً كآذان الحُمُر، ثم تنشق عن أحسن من اللؤلؤ المنضَّد، ثم تخضرّ فتكون كالزمرَّد الأخضر، ثم تحمرّ وتصفرّ فتكون كشذور الذهب وقطع الياقوت، ثم تنبع كأطيب الفالوذج ثم تيبس فتكون قوتاً، فإن كان كذلك فلا شك أنها من شجر الجنة. فكتب إليه: صدقت رُسُلك، وإنها الشجرة التي ولد تحتها المسيح ﵇!. وقال خالد بن صفوان يصفها: هي الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، المونِعات

стр. 236

كشهد النحل، تخرج أسفاطاً غلاظاً وأوساطاً، ثم تنشق عن قضبان لجين وعسجد، كالدر المنضد، ثم تصير ذهباً أحمر بعد أن كانت في لون الزبرجد كأنَّ النخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرِها حسناً قباب زبرجدِ وقد علّقتْ في فروعها زينة لها ... قناديل ياقوتٍ بأمراس عسجدِ يروى أن النخلة أول شجرة استقرت على وجه الأرض، وأنها خُلقت من فضلة طينة آدم ﵇، وفي الخبر: أكرموا عماتكم النخل. وقال البهلول: وعماتك النخل كن مثلها ... لرامي الحجارة ترمى الرُطَب ثم أخذنا في قطع المراحل، وسلوك فِجاج المسالك والمنازل، حتى مررنا بآبار الفقير، وهي أربعون بئراً فيما يقال، ثم أتينا على مَطران وهو واد قفر ممحل، وفيه يقول القائل: مَطَ ران مثل الشِعب قفرٌ ممحل ... ما فيه من عطفٍ على ولهانِ ومن العجائبِ أنه لم يولِنا ... مطراً ويُسْمى قفره مطران ثم أتينا على بئر الزمرّد وهي على الجادة بين جبال متضايقة، فارتوى منها الظمآن، واطمأنَّ بها الولهان، ورحلنا عن ذلك الواد، وقد طاب الفؤاد: ومرّ بي النسيمُ فرقَّ حتى ... كأنّي قد شَكوت إليه ما بي ولم نزل نجوب الأغوار، ونقطع الفيافي والقفار، حتى أتينا على شِعْب النعام وهو قفرٌ خالٍ من الأنعام، اتفق أنّا اشترينا فيه من العرب قربة ماء بنصف دينار، ثم رحلنا وعنزةٌ تختطف من الركب ما كتب لها: وإذا رأيت مصائباً في معشرٍ ... فحظوظ ضعفائهم أجلّ وأوفرُ

стр. 237

وقال: فسرنا ووهجُ الجوّ أَوقد حرّه ... وليس إلى شمّ النسيم سبيلُ كان نسيم الجوّ قد مات وانطوى ... فعهدي به في الشام وهو عليلُ ثم أتينا على هدية وهي شعب مسيل، فيه نخل وماء من بقايا السيل، وهو من أخبث المياه وأضرَّها، وسمومها يورث الحميّات، وبالجملة فإنها بقعة وخيمة ورقعة ذميمة، سهام وبائها صائب وحمى خيبرها متناوب، وداخلها لا يأمن من الدنيا الفراق، ولو كان له ألف راق، وكيف لا وهواؤها سهام بالليل، سموم بالنهار، وماؤها يسيل بالصحة والأعمار، وهي على مرحلة من خيبر، وخيبر اسم ولاية مشتملة على حصون وعيون ومزارع ونخيل، على ثلاثة أيام من المدينة، على يمين الخارج إلى الشام. ثم رحلنا فلم نزل نطوي بالسير الفيافي القفار، فمررنا بالعقبة السوداء، ومنها ترى الفحلتان، ثم أتينا على الفحلتين وهما قُنّتان على شاهق جبل من غربي الجادة، ثم أتينا على وادي القرى، قيل كان بها ألف قرية ولم يبق منها غير الأطلال، ومنها كثيِّر عَزَّة، ولا ماء به، وحرّه شديد، ولذلك قيل: وادي القرى شاهدته ... ما فيهِ للضيفِ قِرى وفي المصيفِ حرّه ... تحسبُ فيه سقرا المدينة المنورة ثم امتطينا متن الغبراء، وازورّ مسيرنا لنحو الزوراء، فلم نزل كذلك، نجوب هاتيك المسالك: ولأهلِ الزوراء في القلب ود ... فسلام على حمى ساكنيها هي دارُ السلامِ طابت مقاما ... ومقيلاً والقول ما قيل فيها وقد زاد الشوق وحث السوق: وأعظم ما يكون الشوقُ يوماً ... إذا دنت الخيام من الخيامِ

стр. 238

ثم أتينا على العراقيب فانتشقنا من تلقاء طيبة أطيب العرف، وسلكنا بحرف واديها فكانت طيبة الاسم والفعل والحرف: فشممتُ من أرضِ الحج ... ازِ نسيمَ أنفاسِ التلاقِ وضحكتُ من فرحِ السرو ... رِ كما بكيتُ من الفراقِ ولما أسفر الصباح، وفاح عرف هاتيك البطاح، هَبَّت لنا نسيمات العقيق والنَقا، مؤذنة بالتداني واللقا: على ساكني بطن العقيقِ سلامُ ... وإن أسهروني بالفراقِ وناموا حظرتم عليّ النومَ وهو محللٌ ... وحلّلتم التعذيبَ وهو حرامُ إذا بنتم عن حاجرٍ وحجرتم ... على السمعِ أن يدنو إليه كلامُ فلا ميّلت ريح الصبا فرع بانَة ... ولا سَجَعت فوقَ الغصون حمامُ ولا قهقهت فيه الرعودُ ولا بكت ... على حافتيه بالعشاء غمامُ فما لي وما للربع قد بان أهلهُ ... وقد قوّضت من ساكنيهِ خيامُ ألا ليت شعري هل إلى الرمل عودةٌ ... وهل لي بتلكَ البانتين لمامُ وهل نهلةٌ من بئرِ عروة عذبةٌ ... أُداوي بها قلباً كواه أوامُ ألا يا حمامات الأراك إليكم ... فما لي في تغريدكن مرامُ فوجدي وشوقي مسعد ومؤانسٌ ... ونوحي ودمعي مطرب ومدامُ ولما أشرقت الأرض بنور ربها، وتأرَّجت تلك البقاع بطيب تربها، تبدَّت

стр. 239

من البركتين عرائس تلك النخيل، وقال لسان حال دونك صفاء العيش والظل الظليل: ولي ثمّ بين البركتين معاهدٌ ... على حفظها قلبي الحفيظ أمينُ فيا طيبَ عيشٍ مرَّ لي في ربوعها ... ودادك باقٍ لستُ فيه أمينُ وقال غيره: صاح هذي أعلام طيبةَ لاحت ... وفؤادي على اللقاء حريصُ وتبدَّت نخيلها للمطايا ... فعيونُ المطيّ للنخيل خوصُ فترحَّلت، ولو أمكن لمشيت على الأحداق، وتمليت بهاتيك الأنوار وبذلك الإشراق، وحمدت الله تعالى على ما أولى وأنال، وأخذت أنشد قول من قال: أيّها المُغرم المشوق هنيئاً ... ما أنالوك من لذيذِ التلاقي قل لعينيكَ تهملان سروراً ... طالما أسعداك يوم الفراقِ أبدل الحزنِ بالسرورِ ابتهاجا ... وجميع الأشجان والأشواقِ وأمُرِ العين أن تفيض سِجالا ... وتوالي بدمعها المهراقِ هذه دارهم وأنت محبّ ... ما بقاء الدموعِ في الآماقي فتمليت من تلك الحضرة الشريفة، والروضة المطهرة المنيفة، بذلك المقام النبوي والمرام العلوي: ولعيني لما بدا نور طه ... وحمىً فيه منبرٌ ومقامُ قلتُ يا حاديَ الركائب قل لي ... هذه يقظة وإلا منامُ ولما ألقيت العصا والجراب، وعزمت على ترك الذهاب والإياب، رأيت ركاباً تُعدُّ للسُرى، ورحالاً تُشدُّ إلى أم القرى، فعصفت بي رياح الغرام، واهتاج لي الشوق إلى البيت الحرام، فزممت ناقتي، ونَبذت علاقتي: وقلتُ للائمي أقصر فإني ... سأختارُ المقَامَ على المقامِِ

стр. 240

وأنفق ما جمعتُ بأرضِ جمع ... وأسلو بالحَطيم عن الحُطامِ غيره: يا سميري روّح بمكةَ روحي ... شادياً إن رغبت في إسعادي فذُراها سربي وطيبي ثّراها ... وسبيلُ المسيل وِردي وزادي كان فيها أنسي ومعراج قدسي ... ومقام المقامِ والفتح بادي فبرزت من المدينة الشريفة، ونزلت على ذي الحليفة، وهي على ستة أميال منها، فأحرمت منها بحجة لروح سيد المرسلين وخاتمَ النبيين، رجاء أن أكون من المقبولين. ثم أتينا على خيف بني عمرو وهو شعب بين جبال شاهقة، فيه النخيل الباسقة، والأشجار المتناسقة، وماؤه من جدولين، أحدهما في الخيف الأعلى والآخر في الخيف الأسفل، والقرية على سفح الجبل لأن السيل يغشى الوادي. ثم مررنا بالحمراء والصفراء والحسينية، وهي خيوف حسنة وقرى مستحسنة، وأخذنا على طريق زقاقه، وهي شرقي الطريق البدرية. ثم أتينا على حسنا وهو وادٍ قد يوجد به الماء من الأمطار، ثم أتينا على مستورة واد كثير الرمل، وماؤه من حفائر يحلو مع المطر، ويهمج مع المحل، وعليه قرية لطيفة. ثم أتينا على رابغ وادٍ من الجحفة واسمه القديم رابوغ، وهو ميقات أهل الشام، وماؤه من الحفائر وعليه مزارع، وهي على الساحل بحيث يؤتى إليها بالسمك الطري في الغالب، وهي كثيرة الغبار وفي ذلك يقول الفيومي:

стр. 241

لم أنسَ بالجحفة يوماً غدا ... عقلي من أهواله زائغ يوماً لحوم الخلق فيه اشتوت ... من حرّه والقلب من رابغ ثم أتينا على دفين، وهي كثبان قبيل السيل من جنة كلية، وفيه يقول: ويوم سرنا على دفين ... أوقد حرّ النهار ناره وصارت الشمس في اِلتهاب ... وقودها الناس والحجاره ثم أتينا على قديد، وهو واد فيه آبار ومزارع وقرية لطيفة، يقول لسان حال سكانها: بلاد ألفناها على كلّ حالة ... وقد يؤلفُ الشيء الذي ليس بالحسَن وتستطيب الأرض التي لا هواؤها ... ولا ماؤها عذبٌ ولكنهُ وطن ثم مررنا بعقبة الرمل وتسمى عقبة السكر لأن أرباب النعم يقسمونه عليها. ثم أتينا على خليص وهي عين غزيرة الماء، عليها نخل كثير وبركة متسعة جداً، وإذا احتاجت العين إلى العمارة جاء المصرف إليها من حاصل جدّة، كذا في زهر الرياض. وقد غفا رسم هذه العين لتغافل الدولة عنها، وعسى أن يعود الماء إلى مجاريه: لله درّ الليالي في تقلّبها ... وكلّ أمر بدا من حكمة الهاديّ بينا يرى الماء يجري في جداولهِ ... حتى يغور كأن لم يجر بالوادي ومن لطائف الخطيب محمد بن حجر: جمالنا مهفهف ... في أذنه أرخى خريص طلبتُ منه قبلة ... فقالَ لي أنت لصيص تريدها مستورة ... قلتُ له على خليص ثم أتينا على عسفان وهي قرية جامعة على نحو يومين من مكة، بها آبار وبرك وعين تعرف بالعولاء، ينقل ماؤها إلى مكة للتبرك به. ثم أتينا على البرقاء وهي واد كثير الأعشاب، وماؤه من الأمطار ما بين تلك الشِعاب.

стр. 242

ثم أتينا على الوادي وما أدراك ما الوادي!؟ وادٍ فسيح الجناب مخضر الأرجاء والرحاب، به النخيل التي لا تحصى، والجداول التي من محاسن رياضها لا تستقصى، وفيه الكادي الذي هو أطيب الطيب، وأنواع البطيخ العجيب، وقد تزينت أرجاؤه بقباب أبناء الزهراء، فلا فقدتهم تلك المنازل، ولا برح كلّ روض بهم عاطر وآهل. ثم رحلنا منه والأشواق تقودنا إلى البيت الحرام، وتسوقنا إلى البلد الذي لا يزال يقصد ويرام: بلد به البيت المحرم قبلةٌ ... للعالمين له المساجدُ تعدلُ حرمٌ حرامٌ أرضه وصيودهُ ... والصيدُ في كلّ البلادِ محللُ وبه المشاعرُ والمناسك كلها ... وإلى فضيلته البرية ترحلُ وبه المقامُ وحوضُ زمزم مشرع ... والحِجر والركن المشيد الأفضلُ والمسجد العالي المحصّبُ والصفا ... والمشعران لمن يطوف ويرملُ وبمكةَ الحسنا يضاعف أجرنا ... وبها المسيء من الخطايا يغسلُ أم القرى وجدّ بنا السير إلى أم القرى فدخلنا من باب السلام، إلى ذلك المقام، وأقمنا بذلك البلد الحرام، ثم توجهنا إلى عرفة، وهي على اثني عشر ميلا من مكة، فقضينا الحج وعلى الله القبول، كانت حجة الجمعة المشهور فضلها على غيرها. ثم توجهنا إلى منى فرمينا الجمار، وبلغنا بها الأوطار، ومنى على فرسخ من مكة بين جبلين مطلين عليها، أحدهما ثبير وهو موضع الكبش: وآي منى خمس فمنها اتساعها ... لحجاجِ بيت الله لو جاوزوا الحدّا ومنع حداة خطف لحم بأرضها ... وقلة وجدان البعوض بها عدّا وكون ذباب لا يعاقر طعمها ... ورفع حصى المقبول دون الذي رُدّا

стр. 243

وقال: ولما قضينا من منىً كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح فأقمنا في بيوت أذن الله أن يرفع شأنها، ويسبّح فيها بالغدوّ والآصال سكانها، وشهدنا من أهلها تلك الصباحة، وعلمنا مقر الملاحة والفصاحة، وما ألطف ما قال القاضي عز الدين الكناني: تطالبني نفسي مقاماً بمكة ... فأذكر ضَعفَ أهلها فأقصّر حياءُ من التقصير في حقِّ بعضهم ... وإرضاء كلّ منهم متعذّر ويغلبني شوقي إليها فإنني ... أقدم رجلي تارة وأؤخّر وما أحسن ما قال: يا أهلَ دار المعلّى والبقيعِ سقتْ ... ربوعكم سحبٌ منهلّه الدِيَم لو أن روحي في كفي لزرتكم ... سعياً على الرأس لا سعيا على القدم ثم أخذنا بأطراف الملتزم، وتضلَّعنا من ماء زمزم، وأخذنا بحظّ من ذلك المقام، ورجونا الله تعالى تحقيق المرام: أكرم بزمزم إذ غدا متفجِّرا ... بمعين ماء للمفاسد يصلحُ حاوي الملاحة والعذوبة والشفا ... فلذاك يحلو للقلوبِ ويملحُ ولما كان اليوم الثاني والعشرون من ذي الحجة الحرام، عدنا على تلك المنازل التي تقدَّم ذكرها، ورجعنا كما ترجع إلى منازل الأفق زُهْرُها، وعند افتتاح عام ختم قدمنا المدينة وقد حصل المراد وتم:

стр. 244

فيا عينيّ بيتاً في اعتناق ... ويا نومي قدمت على الكرامه ويا قلبي هنيئاً بالتداني ... وبشرى قد قدمت على السلامه وها أنا قد ألقيت عصا الترحال بفنائها الفسيح، وعزمت على أن لا أفارقها إلا مع الأجل المريح. وقد طفت البلاد ومن عليها ... كرامٌ في الطبائع أو لئامُ فلم أرَ مثل جيراني وأهلي ... لمثلي عند مثلهم مقامُ وقال: عليّ عهود عن ديارك لا أخطو ... وإن ضاق فيها العيشُ أو طاول القحطُ على أنني فيها على خير حالةٍ ... عزيزُ جناب لا يزاولني البسطُ وقال: إذا لم تقم في طيبة عند طيّب ... به طيبة طابت فأين تطيبُ وإن لم يجب في حبها ربنا الدعا ... ففي أي حيّ للدعاء يجيبُ وقال غيره: سقى الله يثرب من بلدة ... وطاف بها مستفيض السحاب بلاد تسامت بمن حلّها ... وعزّت ففيها الدُعا يُستجاب وقال غيره: رعى الله طيبةَ من بلدةٍ ... وساقَ السحاب لأعتابها فقد جمعت كلّ فضل جزيل ... ولا يدخل الفصل من بابها ومن محاسن الحانوتي: يا أهل طيبة لا زالت شمائلكم ... كالروض باكَرَه سارٍ من الدِيمِ أنفاسكم والنفوس الغرُّ ما برحت ... كالزَهر والزُهر في لطف وفي كرمِ ما أمّكم زائرٌ إلا وآب بما ... يربو على فكره من كلّ مغتنمِ فأنتم الطيبون الطاهرون ومن ... لا ريب في مجدهم من سالفِ القدمِ لا عيب فيكم سوى أن النزيل بكم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشمِ

стр. 245

جميلكم جلّ أن يُحصى وفضلكم ... في الناس أشهر من نار على علمِ كفاكم بجوار المصطفى شرفاً ... وجار ذي الجاه أنّى كان لم يضمِ لولاكم خيرة الله الكريم لما ... كنتم له جيرة من سائرِ الأممِ والله جلّ اسمه بالقرب خوّلكم ... وزادكم بسطة في العلمِ والهممِ لا زلتم وأمان الله يكلَؤكم ... مما أحاذر في حرز من اللَمَمّ وكيف أخشى الرزايا أن تُلِمَ بكم ... وأنتم من حمى المختار في حرمِ عليه صلَّى إلهُ العرش ما سجعت ... وُرْق الحمائم بين الضالِ والسلمِ وآله الطهر أرباب الكمالِ ومن ... والاهم وجميع الصحب كلهم وقال القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد: الحجاز ومنه مدينة يثرب، وهي حرّة سبخة مقدار نصف مكة، من خصائصها أن من دخلها يشم رائحة الطيب، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها: وإذا لم تر الهلالَ فسلم ... لأناسٍ رأوهُ بالأبصارِ قال: وأهلها أحسن الناس أصواتاً، قيل لبعضهم: لِمَ كنتم أحسن الناس أصواتاً!؟ قال: مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فصَفَت أصواتنا. في الخريدة هي مستوى من الأرض، وعليها سور قديم، وحولها نخل كثير، وثمرها في غاية الحلاوة، وأما حدائقها، فكما قال بعضهم: كنت إذا دخلتها كأني أبشِّر قلبي بنضح السرور والفرح، ولم أجد لذلك سبباً إلا انفساح جوّها، وحسن هوائها وطيب نسيمها، وصحة إقليمها. ويكفي في فضلها خبر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإنِّي أشفع لمن يموت بها

стр. 246

والجار محسّوب على جيرانهِ ... جارٌ كريم مسامح من ذنبهِ وقال غيره: يا أهل طيبة قد سكنتم أضلعي ... فودادكم نامٍ وشوقي محكمُ لاغرو أن أرعى هواكم منشداً ... من أجل عينٍ ألفُ عين تكرمُ الخاتمة هذا آخر هذه الرحلة المكتوبة، ولله الحمد على فراق تلك الأوقات المتعوبة، فليكن محمولاً على متن الحلم كلامها الموضوع، فقد علم الله تعالى أنها صدرت عن قلب مكسور وفؤاد مصدوع، وقد أنشأتها بالاغترار، وأمليتها بلسان الاضطرار، فكانت من سقط المتاع، المستوجبة لأن لا تباع، لا سيما إن رميت بالكساد، وإفساد الحساد، وقيل هذا هذاء، هذاء إذا كان من منح هذا الدهر الملوم إساءة وإيذاء، فالمرجو من ذوي الإنصاف، والمعصوم عن وَصْمَة الاعتساف، المعذرة فيما طغى به القلم، وزلَّت فيه القدم، على أن المعترض مصاب وإن أصاب. وليس اعتقادُ المرء ما خطَّ كفه ... كما أنّ حاكي الكفرَ ليس بكافرِ على أن الحاكم بالتخطئة لا يخلو من حسد أو عناد، ولا ينجو من هوى يعدل به عن سبيل الرشاد، وعسى أن يظفر بمخرج صالح لو دقّق النظر، أو يقف على منهج واضح إن لاحظ المقصد المعتبر، ولكن من جُبِلت جِبِلّته بماء التعسف، وخُمِّرت طينته بالعناد والتكلف، لا يزال يرفع عن قبول الحق شامخ أنفه، وإن أوتي الحق الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. خذ من زمانكَ ما صفا ... ودع الذي فيهِ الكدر فالعمرُ أقصرُ مدةً ... من أن يدنسَ بالغِيَر وحيث تشرفت بألقاب قطب دائرة الوجود، ومركز العلم والحلم والجود، فلا غرو أن تكون من أحسن الرسائل وأنفع الوسائل، لا سيما وقد احتوت على كثير من مفيد الأخبار، وانطوت على مواعظ ترتضيها الأحبار، إلى غير ذلك مما يفيد سلامة الطبع لمن كان له قلب أو ألقى السمع. يا رحلة جمعتُها ... ألفاظها تُسْتَعْذَبُ لا تستقلِّوا حجمها ... فيها الكثير الطيبُ

стр. 247

فلتكن تذكرة في الحياة، وأثراً بعد الممات، تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للوحيد نعم الأنيس: رسالة طالبٍ في الكونِ أضحى ... يرى مطلوبه في كلّ مصرِ حوت أوراقها أبياتَ شعرٍ ... ولكن كلّ بيت مثل قصرِ وقال غيره: وكم من رسالات رَقَمْتُ نقوشَها ... فلم أنتفع يوماً بتلك الرسائلِ أراني في حرمان ما كنتُ أرتجي ... وآخر عمري لاحقاً بالأوائلِ وأنا أستغفر الله تعالى من التجوّز في المقال، وألجأ إليه من الوقوع في ربقة القيل والقال، فلا أتعلل بالمموّهات من الوساوس الشيطانية، والمسوّلات من الهواجس النفسانية، ولا أكون ممن افتُتِن وقَبُح، وأسأله أن يختصني بالقبول المرضي، والعطاء الفيضي، هذا وإن أخطأت تحقيقاً، فمن البرِّ ما يكون عقوقاً: كتبت وقد أيقنت أن جوارحي ... ستبلى ويبلى كلّ ما أنا ناقلُه فإن كان خيراً سوف أحمد غِبّه ... وإن كان شراً أوبَقَتني غوائلُه فأستغفر اللهَ العظيم مِنَ الذي ... كتبتُ ومما قلتُ إنّي لقائلُه والحمد لله أوّلاً وآخراً، وباطناً وظاهراً، ونشكره في الأولى والآخرة، ونسأله عواطف رحمته الفاخرة، إنه الجواد الذي لا يخيب من أمّله، ولا يخذل من قطع رجاه من سواه وأمّ له. يا سفرةً شقّت بكلِّ مشقّة ... وخلا مُحَيَّاها عن الإسفارِ كتبت لنا خطّاً خلا من أحرفٍ ... لكن ظفرت بنزهة الأسفارِ