← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37345

رحلة الشتاء والصيف

محمد كبريت

Полный текст (247 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجاً وأذى، يدافعني نيل الأمنيّة، ويكاد يسلمني إلى المنية، قلت: وكادت ديارُ الروم من فَرْطِ محنتي ... بما رحُبت غماً عليَّ تضيق وأنا مع ذلك أدافع الأيام، وأعلل النفس ببلوغ المرام، متلفّعاً بالقناعة والكفاف، متقنعاً بالنزاهة والعفاف. إذا قيل هذا منهلٌ قلتُ قد رأى ... ولكنّ نفس الحرِّ تحتملُ الظما فما كلّ برقٍ لاحَ لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاهُ منعما وقد ذكرت بتلك الأبواب الفسيحة الرحاب، المنيعة الجناب، بيتين لبعض الفضلاء، وهما قوله: وأكرمُ من يدقّ البابَ شخص ... ثقيلُ الحملِ مشغول اليدينِ ينوء إذا مشى ثقلاً وحملا ... ويدفع بابهُ بالركبتينِ وما أصدق ما قال الزمخشري: وإذا رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدينارِ وابعثه فيما تشتهيه فإنَّه ... حجر يُليّن سائر الأحجارِ وما أحسن ما قال: دع السحر يا من تيَّم الحبّ قلبه ... فما السحر إلا في نقوشِ الدراهمِ إذا ما دعوت الطيرَ لبَّاك مسرعاً ... بدرهمك المنقوشِ لا بالعزائمِِ

стр. 177

وقلت: إذا عزَّ من تهوى ولم ترَ حيلةً ... فليس سوى الدينار أرجى وأرجحُ يهوّن صعب الأمر في كلّ معضل ... وفي كلّ أمر فهو أنجى وأنجحُ ولقد كنت أزعم أن أصير باختلاطي بالروم بعد العرب جامع الفضيلتين، ولا أقول القياس إنَّما يتبع أخس المقدمتين، إلا أنني حصلت من الفقه على مسائل الطهارة، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، وصرت لا أعرف من النحو بعد ذلك الثبوت إلا كثر شربي السَويق وهو مَلْتوت ولا أفهم من التصريف مقالاً، إلا قاتل يقاتل مقاتلة وقتالاً، ولا من المنطق بعد بذل المجهود، إلا إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، ولو شرحت مطوَّل جهلي بالأصول، وقلة مالي فيه من المحصول، لتلخَّص للطالب من مختصر التلخيص تخليص، وتخصيص من تهذيب الكلام بأوفى تخصيص. ولرحمة المتوجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداءِ وقال: وحار لُبِّي لِما بليتُ بهِ ... من الليالي وصرفها عَجَبُ وقال: وضاقَ ذرعي لضيقِ ذاتِ يدي ... وساورتني الهموم والكرَبُ وقادني دهريَ الملوم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسَبُ ولقد كان يخطر مثل ذلك بالبال، ويُرسم في لوح الخيال، لما اشتهر من مذلّة السؤال، وقلة الاحتفال، ولقد سلمت من المصائب، لو تحققت بقول علي بن أبي طالب، وذلك في وصيته لابنه الحسن عند انصرافه من صفين، والله تعالى الموفق والمعين: يا بنيَّ إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله تعالى ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله تعالى سبحانه، أكرم وأعظم من الكثير من خلقه، وإن كان كلّ منه، قلت لله ما أحلى هذا الوصل، فليتني تحققت به وأخذت بسببه. وإذا جرّب المجرّبَ غَمْرٌ ... فعليه إذا أصيب المَلامُ

стр. 178

فأقمت لا منقول في المنقول، ولا معوّل في المعقول، وأنا أفصح عني ولكني أكسي: وصرت أذل من معنى دقيقٍ ... به فقر إلى فهم جليلِ هذا والحديث ذوشجون وما أتلوه من الأقوال، نوع من ضرب الأعمال، وما يعقلها إلا العالمون: إن الليالي والأيام لو سُئلت ... عن عيبِ أنفسها لم تكتم الخبرا فكنت أخالطهم مخالطة مسالمة، وأجالسهم مباسمه، لعلمي أن من لزم اليأس من الناس، فقد سلم من البأس، وأن الإجمال في الطلب والإنتقال عن مظان العطب، يؤمان إلى النجاح ويؤمنان من الافتضاح. مجاملة الإنسان تكسب عيشه ... صفاء تحبوه الجميل من الذكرِ على أن صبري للذي قد لقيته ... وأردافه بالعذر قبض على الجمرِ وقد تحجب أهل الكرم في الأبنية، فلم أر من السعودات إلا سعد الأخبية، ولعمر الله إنهم معذورون في ذلك، فلقد رأيت فيما هنالك من الطوائف القدسيين والشاميين، وغيرهم ذوي عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، وقد لزموا تلك الأبواب لزوم الكاتبين، وصار أحدهم مع الرئيس كالخصمين المتحاسبين، يطالبه بجائزة شعر، لو شعر بحقيقة أمره، لاستحيا منه ولزم حده بقية عمره. قد بان لي عذرُ الكرام قصدهم ... عن أكثر الشعراء ليس بعارِ لم يسأموا بذل النوالِ وإنَّما ... جَمُد الندى لبرودة الأشعارِ أو كما قال الشريف العباسي: ربَّ خذ للشعر من زمر ... أسمعونا فيه ما أضنى مثلَ مضغ الماءِ ليس لهُ ... في فمي طعمٌ ولا معنى فلذلك انقطعت السبل عن أهل الحياء، ونفق في سوق النفاق عرض أهل الرياء، فلم يجر باسم الفضلاء قلم لباري، ورضى العالم غاية استأثر بها الباري، ولله در القائل: لا تغضبن على امرئٍ ... لك مانعٌ ما في يديهِ وإغضب على الطمعِ الذي ... استدعاك تطلبُ ما لديهِ

стр. 179

وقال: لا تكن طالباً لِما في يدِ النا ... س فيزّورّ عن لقاءكَ الصديقُ إنَّما الذلُّ في سؤالك للنا ... س ولو في سؤال أين الطريقُ وقال: لا أبتغي بالشعرِ رزقاً ولو ... كنت على جيده أقدرُ كيف وعلمي أن لي رازقاً ... يرزقني من حيث لا أشعرُ وقال: من عفّ خفّ عن الصديق لقاؤهُ ... وأخو الحوائجِ وجههُ مملولُ وأخوكَ من وفرت ما في كيسهِ ... فإذا اعترضت له فأنت ثقيلُ فها أنا أخفض لهم الجناح، وأرفع عنهم الجناح، لأن الأمر مراحمه لا مزاحمه، ومحاسنه لا مخاشنه، ومناسبة لا محاسبة: وعني بالتلويح يفهم ذائق ... غنيٌّ عن التصريح للمتعنت فمشيت على هذا السنن القويم، والمسلك المستقيم، متحاشياً عن المباراة متجنباً ما إستطعت عن المماراة، فإنهما يهدمان الدين ويعدمان اليقين: وما كنتُ أدري قبل عزةَ ما البُكا ... ولاموجعات القلبِ حتى تولتِ فإن أجنِ من غرسِ المُنى ثمر العنا ... فللهِ نفس في مُناها تمنتِ ولست بالمتصدي للقيل والقال، ولا المتعدي بالجدال إلى المحال، وكم من متشبه لم يحك المثال، وناقل لم يحك عن النوال، وأين الماء من السماء؟ وموقع السيل من مطلع سهيل؟ تعرض قومٌ للغرامِ وأعرضوا ... بجانبهم عن صحبةٍ فيه واعتلوا رضوا بالأماني وابْتُلُوا بحظوظهم ... وخاضوا بحارَ الحبِّ دعوى فما ابتَّلوا هذا ومن أجاب داعي الهوى يوشك أن لا يجاب، إذا هو في هوّة الهوان، لا جرم أن العثار سابق إلى قدمه، والاغترار سائق إلى ندمه، ألا يرى حسن

стр. 180

اخضرار العود، فإذا فارق منبته استعدّ للوقود، ولا يزال المرء حسن الظن في نفسه، قليل التفحص عن رؤية حدسه، يتستَّر بالمحال، على غير العلم بالحال: والمرءُ تلقاه مضياعاً لفرصتهِ ... حتى إذا فات أمرٌ عاتبَ القدرا فها أنا أستغرق تارة في الجهل والطيش، فأراني في لذة العيش، وتارة تلاحظني بقايا العناية، فأعلم أني من الجهل في غاية، فمن شاهدني قال الجنون فنون، ومن تحققني أنشدني كأن لم يكن بين الحجون: فليت أيّامَ هذا الدَّهر تمدحني ... ببيتِ شعرٍ قديمٍ سارَ في الناسِ دعِ المكارمَ لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإِنك أنت الطاعمُ الكاسي وقال: وفي الناس من يرضى بميسورِ عيشهِ ... ومركوبهُ رجلاهُ والثوبُ جلده ولكن قلبا بين جنبيّ ما له ... مدى ينتهي بي في مرام أحده وقال: وكانت على الأيامِ نفسي عزيزةٌ ... فلما رأيت صبري على الذلِّ ذلتِ فقلت لها يا نفسُ موتي كريمةً ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولتِ هذا وشريف النفس هو الذي لا يرى الدنيا لها ثمناً، ولا يرتضيها لنفسه سكناً، حيث لم يبسطها الباري تعالى إلا اختياراً، ولم يقبضها إلا اختباراً، على أنها كزيارة ضيف، وسحابة صيف.

стр. 181

تالله لو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا ما كان في حقِ حرٍ أن يذل لها ... فكيف وهي متاعٌ يضمحلُ غدا أبو السعود المفتي: سل الأيامَ ما فعلت بكسرى ... وقيصر والقصور وساكنيها أما استدعتهمُ للبينِ طُرّاً ... فلم تدعِ الحليمَ ولا السفيها أقول: ويعجبني في هذا المقام قول من قال: ما زهد الزاهدون فيما كتب لهم. قال الشيخ الشعراني: إذا كان الزهد حقيقته ترك شيء ليس هو له، فالزاهد جاهل، لأن زهده ما وقع إلا في عدم لا وجود له، وهذا مبني على توهّم صحة الاختيار، وهو كلام لا معنى له. انتهى كلامه. وكيف يصح للمرء ترك شيء لم يقدر عليه؟ فيه كلام للأمة فتأمله. يذمون دنياهم وهم يطلبونها ... ولم أرَ كالدنيا تُذمُّ وتُمدحُ قال المثلي: وبروحي فديته ذا جمال ... غَنِج اللّحْظِّ كالقنا الأمْلودِ لقّبوهُ بحامضٍ وهو حلوٌ ... قول من لم يصل إلى العنقودِ وقال: صرفتُ نفسي عن الدنيا وزخرفها ... لا فضةً أبتغي فيها ولا ذهبا نفسي التي تملكُ الأشياَء ذاهبةٌ ... فكيفَ آسى على شيءٍ إذا ذهبا الشوق للوطن ثم إني لم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، وأنا أنادي حظاً غير سميع، وأستعطف طالعاً غير مطيع: وقد ضقتُ بالأحوالِ ذرعاً وحيلة ... فحتّى متى أشكو ولا تنفع الشكوى وقد اشتد بنا الأمر في الملازمة، وسايرنا سير مخازمة، حتى انثنيت مما أردته، وجعل كلّما طرق طارق طردته.

стр. 182

فلا أنا من هوى الفيحاءِ خالٍ ... ولا ممّن أحبُّ قضيتُ دَيني وقال: أقول غداً أفوز ببعضِ سؤلي ... فيأتي في غدٍ مالا أشاءُ فيا للهِ من عكس الليالي ... مقاصدي التي فيها الثناءُ ولما وقفت على الجملة بالتفصيل، وتحققت أن الآمال سوّفت بالأباطيل، أغمضت عما هو بيد الزمان، وقبّحت للنفس ما كان قد زان، وقد نبذت المرام إليه، وقلت: خذه غير مأسوف عليه، فَسَخَتْ النفس بما زاد على الزاد، ولم يبق لي من الأماني سوى الرجوع إلى أوطاني، وقد تجاوزت من التمنِّي حده، وما فاتني شيء سوى الحظِّ وحده. وإذا نظرتَ إلى الوجودِ بعينهِ ... فجميعُ ما في الكائنات مليحُ ولكن أين أنا من تلك المعاهد، وبماذا أتوصّل لمشاهدة هاتيك المشاهد، وقد حالت من دونها تلك البحار، وأحوال هاتيك المفاوز والحِرار: كيف الوصولُ إلى سعاد ودونها ... قللُ الجبالِ ودونهن حتوفُ الرجل حافيةٌ ومالي مَرْكبٌ ... والكفُّ صِفْرٌ والطريق مَخوفُ ولا أقول هذه رحلة تشدُّ إليها الرحال، حيث لم تسفر بمحاسنها عن وجوه الرجال، فيا ناظراً إلى ما جرى به القلم، من تسطير المشقِّة والألم، ليس من شِرعة العقل سُرعة العَذْل، فإن من عيّر شخصاً ابتليَ بدائه، ومن حكم الأقضية فقد أزرى برأيه، وإنَّما هذه نَفْثَة مصدور، جواباً لسؤال مُقدّر أو مذكور، حيث الأيام فُرص مغتنمه، وغصَص مقسمه، نسائمها سمائم ومغنمها مغارم. هي الدنيا تقول بملء فيها ... حَذارِ حَذارِ من بطشي وفتكي ولا يغرركم مني ابتسامٌ ... فقولي مضحكٌ والفعل مُبكِي وما حال من فارق الحياة ونأى عنها، وكان في الجنة فأخرج إلى النار منها، وقد دَهَمَت بشهب صروفها الليالي، وذلك وِفاق من كانت السعادة في يديه فلم يصنها غير مبالٍ. عجباً لمثلي وهو يبصر رشدَهُ ... في الأرضِ كيفَ تقلبت حالاتُهُ

стр. 183

ثم نادى منادي التدبير من عالم التقدير، بأن الخير في الواقع، والأمن في قطع المطالع، وقال لسان الحرمان: عليك الأمان إذا حصل ما قاتك، فلا تندم على ما فاتك. إذا رُمتَ المطالبَ قبل وقت ... فلست بواجد إلا الأماني فقبل الوقت كان سؤال موسى ... وكان جوابُ ذلك لن تراني فعند ذلك أشتد الهيام، وتضاعف الوجد والغرام، شوقاً لساكن الزوراء وزيارته السنية، وتوقاً إلى التملّي بتجلّي جماله، قبل تحكّم المنية. وما اشتياقي حمى الزوراء من عجب ... وجرحُ قلبي إليها غيرُ مندملِ وقد حوى سفحها بدراً منازلُهُ ... صميمُ قلبي في حِلّي ومرتحلي سقى بها مربعاً تزهو جوانبهُ ... بوابلِ غيثٍ بذاك الحَيِّ مُنهملِ وعطَّرَ الجوّ أنفاس الشَذى وقضت ... يدُ النسيم على الأغصانِ بالميلِ ويا رعى اللهُ أوقاتاً بها سلفت ... ما ضرّها لو مشت فينا على مهَلِ سُقيا لها من ليالٍ مذ مضت تركت ... أحشاءنا ولهيب النارِ في شُعَلِ أشتاقها بفؤاد غير مصطبرٍ ... عنها وأبكي بدمعٍ هاملٍ هَطِلِ لعل إلمامة بالجزع ثانيةً ... يَدِبُّ منها نسيم البرء في علَلِ ولما جعلتني المقادير نُهْزَة الأسفار، ولم تُرِني نزهة الأسفار، بل كنت غرضاً لمتاعب البحار، وعرضاً لمصائب القفار، وقد تزايد ما بي من الألم، ولم يبق مني عضو إلا وبه ألم، توسلت في تلك الحال، إلى العليّ المتعال، أن يردّني إلى حَرَمه بمنّه وكرمه، وكثيراً ما كنت أتوسل بهذه الأبيات: إلهي طال بعدي واغترابي ... وفي جُنح الدجى طال التهابي ونحو أحبتي قد زاد شوقي ... لأهلي والأقاربِ والصحابِ

стр. 184

إلهي قد وهَى جَلَدي وصبري ... لميلي نحو هاتيك الشعابِ إلهي من سواك بنا رَحيم ... يوفّقنا إلى سَنَنِ الصوابِ إلهي أنت أولى من عفا عن ... ذنوبٍ مثل أعدادِ الترابِ إلهي جُد بقربٍ عن قريب ... ومُنَّ على ذهابي بالإيابِ إلهي واقض لي يا خير قاضٍ ... برؤيا سفح هاتيكَ القِبابِ فصادف الدعاء الإجابة، وتحققت هذه الطلابة، وقد أخذ الشوق بزمام الفؤاد، وأذكرني طيبَ وادٍ أفديه بألف واد: وادٍ سما قدره بالساكنين بهِ ... وطالِعُ السعدِ في آفاقهِ طلعا العودة إلى المدينة وقد تهيّأت أسباب الرحيل وقرأ الطالع للمطامع وحيل وهبّت نسمات القبول بالقرب والوصول، من حضرة السيد الرسول، ﷺ وشرَّف وكرَّمْ. أيا ساكني أكنافَ طيبة حسبُكم ... من السعي للعلياء جيرةَ أحمدِ فمن يبتغي عنها بلاداً وإن سَمَت ... لأمرٍ من الدنيا فليس بمهتدِ وكان ذلك بإسعاف ذي القدر والمقدار، وقطب القسطنطينية الذي عليه المدار، وهو مولانا شيخ الإسلام، لازال في فم الدهر ابتسام: فلولاه لم أبلغ من الروم بُلْغَة ... ولولا نداه ما رجعت إلى أهلي وبالجملة، فلولا ما أسداه من الإحسان، وتفضَّل به وأعان، لحالت المنيَّة دون الأمنيّة، ولم أرد مشارع تلك الديار السنيّة: ولما رماني الدهر من كلّ جانب ... بكلّ ملمٍّ ضاق عن حمله الصدرُ لجأت إليه لا فقدتُ وجودَهُ ... وناهيك من شخص هو البر والبحرُ

стр. 185

فحمداً لأياديه، وخواتيم أمره ومباديه، وشكراً لمنّته البهيّة، وهمته العليّة، فإنها ما أرادت أمراً إلا أدركت غايته، واستدركت فائته. على أنها عند الملماتِ لم تزَل ... إذا جُرّدت كالمشرَقيّ المهندِ بها يأمنُ اللاجئُ خطوب زمانهِ ... كما يبلغ الراجي بها كلّ مقصدِ وغيره: أطلق لسانكَ بالثناءِعلى الذي ... أولاكَ حُسن رغائِبِ وغرائبِ واشكره شكر الروض باكرهُ الحيا ... كيما تقومَ لهُ ببعضِ الواجبِ فأخذت في الرحيل وودّعت، وعزمت على أن لا أعود وأزمعت، فرجعت كثير الشَغَف، ولي قلب كليم بالأسف: ولقد نثرتُ مدامعي ودمي معاً ... يومَ الوداع وخاطري مكسورُ لا تعجبوا لتلوِّن في أدمعي ... لابدَّ أن يتلونَ المنثورُ فلا غَرْوَ أن أقول بلسان الحال، إذا كنت كرة لصوالِجةِ الليال: كأنّي في الزمانِ اسم صحيح ... جرى فتحكّمت فيه العوامل مزيد في بنيهِ كواو عمرو ... وملقى الحظِّ فيه كراء واصِل فصممت على رحيلي، وجمعت للرحلة ذيلي، وأخذت لا من الذهب بل في الذهاب، وعزمت على عدم تمنِّي الإياب، فقوّضت خيام الغيبه، وأسرجت جواد الأوبه: إلى بلدةٍ نيطت عليّ تمائمي ... بها في جوارِ الهاشميّ محمدُ فنزلت الخليج السكندري، حتى أتيت على أسكدار، وهي بلدة عظيمة المقدار، بها الجوامع الجامعة، والمدارس الساطعة، والمباني المشيّدة، والأسواق المتعدّدة، وعرض هذا الخليج مقدر بستة أميال، والميل البحري مقدّر بمسافة لو وصل غايتها البصر وكان ثمة شخص، عرف كونه قائماً أو قاعداً. والبريد مقدر بألف باع، وقيل بأربعة آلاف خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وفي ذلك قالوا: إن البريد من الفراسخ أربعٌ ... ولِفرسخٍ فثلاثُ أميال ضعوا والميلُ ألفُ أي من الباعات قل ... والباع أربع أذرع فتتبعوا

стр. 186

ثمّ الذراعُ من الأصابع أربع ... من بعدها عشرونَ ثمّ الأصبعُ ستُّ شعيراتٍ فبطن شعيرةٍ ... منها إلى ظهرٍ لأخرى يوضعُ ثم الشعيرةُ ست شعراتٍ غدت ... من شعر بغل ليس فيه تضعضعُ غريبة حكى القزويني عن صاحب تحفة الغرائب أن في حدّ خليج القسطنطينية قرية فيها بيت من الحجر، وفي البيت صورة الرجال والنساء والخيل والبغال وغيرها من الحيوانات، فمن أصابه وجع في عضو من أعضائه، يدخل ذلك البيت ويدنو من مثل صورته، ويمسح بيده مثل العضو الموجع من الصورة، ثم يمسح العضو الموجوع، فإن وجعه يزول في الحال.! قاله في الآثار. ومن العجائب المشهودة بهذا الخليج، البرج القائم في وسط مائه التيار. ثم إنّا سرنا وقد زمجرت تلك الرعود، فشهدنا ذلك اليوم الموعود. في يوم بردٍ ترى أنفاسه ... تشوّه الأوجهَ من قَرْصها تودُّ فيه الشمسُ من بردِهِ ... لو جرّت النار إلى قُرْصها وقال: قالوا أضرّ بنا السحابُ بقطره ... لما رأوه لعبرتي يحكي لا تعجبوا مما ترون فإنَّما ... هذى السماء لعبرتي تبكي ثم أتينا على قبيزة، وهي بلدة بديعة المعاني، آهلة المغاني، فنزلنا بخانها الأمين المأمون، وقد رمينا بسهام بردها الميمون، وقد أوقدوا الحطب بذلك الخان، حتى كادت الأنفس تزهق لتكاثف الدخان. وهكذا المرء في أيام غُربته ... يلقى من الضَيم ما لم يَجْرِ بالبالِ ولما كان آخر الليل، قمنا منه حتى أتينا على خليج الديل وقت الشروق، وهو أوسع من خليج اسكدار، فقطعناه في مركب صغير، ثم مَرَرْنا بالديل، وهو اسم لقرية لطيفة، فلما كان بعد الظهر أتينا على جاور كوى ومعناه قرية نصارى، وفيها نهر عظيم يدور بتلك الشعاب، وفيها اجتمعنا بأمين البصرة، الأمير محمود أغا ولما هدأ الليل قمنا نقطع هاتيك القِلال، وأنا بحال من قال:

стр. 187

قلبي الخفوقُ ومدمعي الجاري دما ... مهما جرى ذكر العذيب أو اللّوى وإذا تألّقَ بارقٌ من بارقِ ... فهناك ينشرُ مِنْ هواه ما انطوى فلما كان الضحى أتينا أزنيق وهي بلدة مسوّرة، بها الجداول والأشجار المختلفة الثمار، وإليها ينسب الفخار الأزنيقي، لأن بها مصانعه وأحجاره. ثم أتينا على لفقة وهي قرية لطيفة ذات أشجار يانعة وريفة، ثم أتينا على سقوت وهي بلدة رحيبة الجناب، مخضرة الأرجاء والرحاب، ثم أتينا على أسكي شهر ومعناه بلدة قديمة، وقد حفت بالأشجار، وجرت بين رياضها الأنهار، ومن العجائب بها حمّامها الذي ماؤه أحرَّ من الجمر، من غير صنعة بشرية، لأن منابعه من معادن كبريتية، وبها النهر التيار الذي لا يجاز إلا من جسره: أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامسُ وعلى ذكر الجسر: خطَّ على ماءِ الشبابِ الذي ... بخده جسر من الشعرِ صار طريقاً لي إلى سلوتي ... وكنت فيه موثق الأسرِ وقال: ومما قضى الدهرُ الملمُّ بنَزْلة ... على الفرسِ الميمونِ يبقى بها كسري ولما قضى لم أقض غير تعجبٍ ... ولكن رأيت اليسر يدنو مع العسرِ فاكتريت بها بغلاً لا نَقْص في معايبه، ولا يوجد ما يدانيه في مثالبه،

стр. 188

فما زلت أسير به وأنا معه أسير، وما زال يسير بي والطرف منه حسير: أسير مثل أسير وهو يعرُجُ بي ... كأنَّه نازلٌ ينحط من درجِ فإن رماني على ما فيه من عرج ... فما عليه إذا ما متُّ من حرجِ وقال: وقد كان مركوبي أعزّ خيولهم ... وأكرمهم إذ كان وافي الشرائطِ وكنتُ عليه مطمئناً وثابتاً ... كأنّي منه راكب فوق حائطِ ثم أقمنا على بلدة السلطان السيد غازي، وهي بلدة آهلة المغاني، بديعة المعاني، سميت باسم فاتحها في سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وقبره على الجبل المطل عليها، وعليه مدرسة عظيمة، وحولها منازل عامرة بسكانها. ثم أتينا على ينكي خان ومعناه الخان الجديد، وهو من بناء الوزير خسرو باشا، عمّره سنة تسع وثلاثين وألف، وحوله منازل حدثت بحدوثه. ثم أتينا على بياض وهي قرية قوية البرد والأهوية، وذلك لكثرة الثلج على جبالها، وشدةّ أخلاق رجالها. ومن العجائب أن أقيم ببلدةٍ ... يوماً وأسلمُ من أذى أحوالها قال البصير: الثلج ما تصاعد من البحر إلى كرة الزمهرير ليكون مطراً، فتنعكس عليه الرياح الباردة، فينعقد ويسقط في البلاد البعيدة عن الشمس كالدقيق، وهو بارد في الثالثة يابس في الثانية، ونفعه في الحُمَّيَات الحارة، والحكّة وضعف المعدة عن الحرّ، ويسمن الحيوان غير الإنسان. والثلجُ في الرومِ قد شاهدتُ موقعه ... كأنَّه القطن يهوي وهو مندوفُ وقال: انظر إلى وسط البسيطة أبيضاً ... لم تبد فيه شامة سوداءُ كَرُمَ السحابُ فعمَّ بالثلج الثرى ... إن الكريم له اليد البيضاءُ تقي الدين السبكي: أقول للسرو إذ كساه ... ثلج بدا نوره وأنهج زمُرد أنت في لُجين ... فقال أبهى سناً وأبهج ثم أتينا على قرية تسمى بلاوضون وهي كثيرة الخيرات، بها الأشجار

стр. 189

المؤتلفة، والأزهار المختلفة. ثم أتينا على آق شهر ومعناه قرية بيضاء، وقد اخضلَّت في أرجائها الأشجار، وتغنَّت على أغصانها الأطيار، وفيها جدول ماء يدور بشوارعها، وبالقرب من خانها جامع جمع المحاسن، وهو بناء الوزير حسن باشا وتاريخه غيط، ولها تربة معمورة، وقبورها مبنية بالأحجار المخدومة كمقابر الروم. وما ينفعُ الإنسانَ بنيان قبرهِ ... إذا كان فيه جسمهُ يتهدّمُ وفيها ضريح الخواجة ناصر الدين صاحب التفسير، المتوفى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، والعامة تزعم أنه جحا الذي يضرب أمثاله في الجد والهزل، وهو من فزارة وكنيته أبو الغصن. قيل: كان يحفر بظهر الكوفة، فقيل له: مالك؟ قال: دفنت دراهمي هنا وما أهتدي إليها. فقيل: كان عليك أن تعلّمها. قال: قد فعلت. قيل: ماذا؟ قال: كانت عليها سحابة تظلها. والحكايات عنه لا تكاد تضبط كثرة، كذا في المستقصى. ورأيت في بعض التعاليق أنه كان فاضلاً ماجناً، وقد عمل الناس على لسانه كثيراً من النكت والنوادر، كما عملوا على لسان المجنون، ولابن أبي اليمن الغفاري مؤلَف في ذلك، يشتمل على ألف ورقة. حُكِيَ عنه أنه سئل مرة عن القيامة فقال: بموتي تقوم. حُكي أن الزهراء بنية من عجائب الدنيا أنشأها أبو المظفر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب بالناصر، أحد ملوك بني أمية بالأندلس، بقرب قرطبة في أول سنة مائة وخمس وعشرين، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلث ميل، وطول الزهراء من الشرق والغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب. وكان الناصر المذكور يقسِّم جباية الأموال ثلاثاً، فثلث للجند، وثلث مدّخر، وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، وكانت

стр. 190

جباية الأندلس خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق المستخلص سبعمائة ألف وخمسمائة وستون ديناراً، وهي من أهول بنيان الدنيا وأجلّ خطراً، ذكر ذلك ابن بشكوال في تاريخ الأندلس. ثم أتينا على أيلغين وهي بلدة عظيمة، وبها جامع لا نظير له في تلك الجادة، بني باسم السلطان مراد سنة أربع وثمانين وتسعمائة، وعليه أوقاف وصدقات، ولها بَرْدٌ كأنَّه ضرب المسامير، لكثرة الثلج والهواء البارد في شمس الحمل. وفيها حمّام للرجال وحمّام للنساء، وماؤه حار لا بصنع البشر. وفيها أبنية محكمة عالية، تدل على عظم بانيها. - ثم أتينا على لادك وهي خيف لطيف. ثم إننا قَدِمنا قونية، فنزلنا بجوار الملاخنكار صاحب المثنوي، وأقمنا بها ثلاثة أيام، كأنَّها ساعة من منام، لما فيها من الخيرات وصفاء الخاطر، وهي بلدة عظيمة مسوّرة بسور يعرب عن قوّة بانيه. حكى السيوطي: أن مروان آخر ملوك بني أمية افتتحها سنة ست ومائة، وهي كثيرة الأشجار، غزيرة الأنهار، محفوفة بالأزهار، أهويتها كأنَّها تهب بنسمات الأسحار، رأيت بها خمسين حانوتاً تصنع بها الحلوى الملوّنة، ولا يبقى آخر النهار منها شيء، وهي منتصف الطريق إلى حلب، وللمُلا في ضحوة الخميس والاثنين وبعد صلاة الجمعة، حضرة بالدفوف والقصب، تأخذ بمجامع القلوب الخلية فيتواجدون عليها: قال: ومن يك وجدُه وجداً صحيحاً ... فلم يحتج إلى طرب المغني له من وجده طربٌ بديع ... وسكر دائم من غير دنِّ

стр. 191

وقال غيره ولا يزالون مختلفين: ما في التواجد إن فكرتَ من حرج ... ولا المثاني ولا الأصوات تعجبني فكلّ معنى بديع من محاسنهِ ... وكلّ ناطقة في الكون تطربني ثم سرنا نقطع تلك القفار، ونجوب هاتيك الحرار، حتى أتينا على أسمل، وهي قرية لطيفة. ثم أتينا على قرابيار ومعناه العين السوداء، وهي قرية مخضرة الأكناف، وفيها خان وجامع فيه مياه يردها المسافرون، وفي جنوب القرية بالقرب من الآكام، قليب ماؤه مسائغ، ترده أهل القرية إذا قصَّر ماء الجامع. ثم لم نزل نسير في واد فسيح الرحاب، حتى أتينا على أركلى وهي بلدة عامرة، وبساتينها زاهية زاهرة، وبها نهر لطيف يطوف بأكنافها، وهي من بناء هِرَقلينوس، يقال إنه رأى النبي ﷺ وهو يدعوه إلى الإسلام، فقال: بلدي قليلة الماء وأريد أن يجري فيها نهر، فقال: خذ آية من كتاب الله تعالى وأكتبها في ورقة وضعها في أي موضع شئت ينبع فيه الماء ويعم بلدك، فحكى ذلك لبطارقته فوعدوه بالإسلام إن صح ذلك، فكتب آية من كتاب الله تعالى، وأتى إلى شعب يابس عندهم

стр. 192

ووضعه في شق صخرة، فنبع الماء وعمّ جميع بلده، فآمن هو وأهل دولته، وجعل جميع ما يصل إليه هذا الماء وقفاً على مدينة النبي ﷺ ، فهي إلى الآن يضبط ما فيها لجهة المدينة المنورة، فيها دور كثيرة، وحولها نحو ألف وخمسمائة بيت، وقرى وضياع وبساتين، وجامع وقاضي. ثم أتينا على خان محمد باشا وهو بناء محكم، وعنده قرية لطيفة، وقبله عقبة ينزلها الراكب كرامة للسلطان مراد، زعموا أنَّه نزل عندها ومشى على قدميه، ولعلَّ ذلك شفقة على الدواب. ثم سرنا بين رياض وأزهار، وحياض وأنهار، حتى أتينا على العقبة وما أدرك ما العقبة، فيا لها من عقبة نالنا منها أليم العقاب، ومسنا من بردها أحر العذاب. ثم أتينا جفته خان ومعنى جفته زوج، وذلك لأن هنالك خانين متقابلين. ثم أتينا على خان بيري باشا فسرنا على أطراف تلك الجبال، لغزارة تلك الأنهار، ثم أحوج الأمر إلى خوضها فدخلناها، وكنا نخوض مع الخائضين، وهي أربعون مخاضة، وكلها من نهر واحد يدور في تلك الشعاب. ثم أتينا على جاووش خان وهو بين رياض تتعبق، وحياض تتدفق. ثم أتينا على وادي مخضل فيه نهر غزير يقال له شاقط. ثم أتينا على أدنه وشاهدنا رياضها الحسنه. دخلتها وشعاع الشمس متقد ... وحرها في الحشا تذكو هواجرهُ

стр. 193

في موكبٍ من عيون لو رميت بها ... صرف الزمان لما دارت دوائرهُ وهي بلدة حسنة الترتيب، بديعة الوضع العجيب، عمارتها عثمانية، وقلعتها سليمانية، وبها عمارة الأمير خليل بن رمضان باشا، من الطوائف أيام الجراكسة من بيت السلطنة، وكانوا تارة يطيعون صاحب مصر، وتارة يطيعون صاحب الروم، وفيها الجوامع والمدارس، وعلى نهرها جسر يشتمل على خمس عشرة عقداً، وعليه دولاب عجيب الوضع، يقال لهذا النهر سايح وربما قيل سيحون ولعله شبيه به. قال ابن خِلِّكان: سَيْحون بفتح السين المهملة وسكون الباء المثناه من تحت، وهو وراء جيحون فيما وراء بلاد الترك، وبينهما مسافة خمسة عشر يوماً، وهذان النهران مع عظمهما وسعة عرضهما يجمدان في زمن الشتاء، وتعبر القوافل عليهما بدوابها وأثقالها، ويبقيان كذلك ثلاثة أشهر، انتهى، من وفيات الأعيان من ترجمة أبي طالب محمد أول ملوك السلجوقية. وعلى ذكر الدولاب: أبدى لنا الدولاب قولاً معجباً ... لما رآنا قادمين إليهِ أبكي وأشكو ما لقيت من الهوى ... قلبي معي وأنا أدورُ عليهِ وقال الذهبي: وروضة دولابها ... إلى الغصونِ قد شكى من حين ضاع نشرها ... دار عليه وبكى ورأيت بها عنباً أحمر شديد الحمرة في كبر البيض، وبها من أنواع الفواكه شيء كثير، وأهلها يرحلون منها أيام الصيف إلى الأيْلَة، إلا العاجز الذي حبسه عجزه: أقمت بها يوماً تقضَّى كأنَّه ... خيال غزال زار وَهْمَ حبيبهِ ويوماً حكى طيب الوصال وثالثاً ... تقاضت به الأرواح نفحة طيبهِ ثم برزت منها ورحلت عنها والقلب يتأسف عليها، والنظر يتشوَّف إليها، حتى أتينا على نهر عظيم يقال له جايح، وعليه جسر عظيم ويقال أنه يتصل

стр. 194

بجيحون، النهر العظيم الفاصل بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بُخارى وسمرقند، وكلّ ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر. ثم أتينا على قرط كلال في ليلة النصف من شعبان، وفي مثل هذه الليلة يستدبر الإنسان القمر ويكشف رأسه، وينظر إلى ظل عنقه في ضوء القمر، فإن وجده مخلصاً فإنه لا يموت في ذلك العام، وإن كان لاصقا بين جنبيه فإنه يموت فيه، ومثل ذلك ما يفعل وقت شروق الشمس عند حلولها برج الحمل، ونحو ما يروى أن من رأى السُها ليلة المحرم بين العشاءين لم يمت في عامه، والسُها ثابت في الخامس والسادس على العناق، وهو الثاني من البنات، ومن علامته أنه لا يثبت عليه البصر، كذا في برهان البراهمة. وعلى ذكر السها: وحملتُ أعباَء الغرام وثقلهِ ... فراداً وحاربتُ الزمانَ وحيدا ورَعيت أنجمهُ فأكسبتُ السها ... سقمي وأَكسبَ جفني التسهيدا وقال: يا شَمالا هبَّ من أكناف مَنْ ... وكّلَ الطرفَ بأن يرعى السُها خبّريني هل حبيبي ذاكر ... ليَ أم عمّا ألاقيه سَها وقال: تالله ما فارقت أرضاً لكم ... إلا ورافقت السهى والسهادِ ولا توجهت إلى نحوها ... إلا وواجهت الرشا والرشادِ وقرط كلال هذا واد فيه خانات متعددة، وأرضه معشبة جيدة وماؤها معين، ولها بادية تأتي إلى الركب بما يحتاج إليه. ثم أتينا على ياباس فلم نزل نسير في أوعار، وأحجار وأنهار، حتى أشرفنا على بساتينها التي طابت بالأنفاس، وشاهدنا محاسنها القائل لسان التصديق في جواب الاستفهام عنها لا باس: للهِ كم نزهة يا صاحِ قد جمعت ... في روضةٍ أزهرت تُدعى بياباس وكم بديع سبت عقلي شمائلُه ... ورُحت من فرحي بالوهم في ياس

стр. 195

وهي بلدة على ساحل البحر الشامي. ثم توجهنا فمررنا بقرية لطيفة يقال لها اسكندرونة وهي آخر ساحل مررنا به في تلك الجادة. ثم أتينا على جبال ومحاجر إلى بيلان وهي بلدة على رأس جبل، كثيرة الماء والخيرات. ثم أتينا على المفرق الذي منه طريق إلى حلب وطريق إلى إنطاكية وكانت مرحلة مشطة. فائدة المراحل الرومية مقدرة المسير بالساعات، ورأيت في ذلك مؤلفاً عند الأمير محمود آغا أمين صرة الحرمين، والمراحل الشامية مسافتها مقدرة بالبرد، والمصرية بالدرج. ثم نزلنا على العين البيضاء وهي قرية أهلها رعاة، وماؤها ينبع من بين الصخور، ولا تكاد تسلك أيام الأمطار وهي مخضرَّة الأكناف. ثم أتينا على جبل الغاوي وهو صعب المسلك، ومساحته ثلاثة أميال ومن أعلاه ترى حلب، فلم نزل نقطعه وحوافر البغال تكاد تتقطَّع، وأظافر الرجال تكاد تتقلَّع، حتى أتينا على وادٍ فيه مزارع وآبار، وفي غربيه من منتهى جبل الغاوي صهاريج متعددة منحوتة، وفي شرقيه بناء قديم يقال له قبر الأربعين، فلم نزل نسير في محاجر وأوعار، حتى أتينا على قرية التين وقد أبادتها الليالي، ثم على أنجاره وهي عين جارية في بطن الوادي. حلب المحروسة ثم قدمنا حلب المحروسة وانتشقنا عبقة بساتينها البهية المأنوسة، وحمدنا الله تعالى على الخلاص من تلك الطريق التي هي غير قويمة، وفراق هاتيك المنازل التي هي كما يقال خداج عقيمه، فأوّل مسرَّة قرَّت بها العين، وسُرَّ بها الجَنان، دخولنا إلى فردوسها من باب الجِنان.

стр. 196

عليك بصهوة الشهباء تكفي ... بجَوشَنها محاربة الزمانِ فللغرفات في الفردوس طيبٌ ... يفوح شذاه من بابِ الجنانِ فنزلنا من تلك الأحياء، بوجوه زانها الحياء، وقد جادت السماء بوابلها، وفاضت بطلّها وهاطلها، فيا لها من بلدة كما تصفها الألسن، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين. فسقا ديارك غير مفسِدها ... صوبُ الغمامِ وديمة تَهمي ولما حللت حِماها، صانها الله وحَماها، شكرت أيادي النوى، وجريت طلقاً مع الهوى، لولا ما يطرق في القلب بأشجانه، من تذكار الوطن وسكانه: فلو أنّني في جنة الخلدِ بعدها ... ذكرت ولا أنسى للذاتها أُنسا فنزلت بالقرب من باب الفرج، وانتشَقْتُ طيب ذلك الأرَج، وأقمت وأنا لا أشتهي الرحيل، وإن كان ذلك طمعاً في مستحيل. دخلنا على أن المقامَ ثلاثةٌ ... فطابَ لنا حتى أقمنا بها عشرا فائدة حلب هذه المدينة الشهباء، وهي من أوسع البلاد قطراً، وأنجعها قَطراً، كثيرة الخيرات طيبة الهواء، صحيحة التربة، لها سور حصين وقلعة بديعة المثال، منيعة المنال. ذكر اليافعي في تاريخه في حوادث سنة ٥٨٣ ما ملخصه: أنه لما فتح صلاح

стр. 197

الدين مدينة حلب، أنشده القاضي يحيى شرف الدين أبو المعالي بن الحسن علي محمد القرشي العثماني الأموي، قصيدة أجاد فيها كلّ الإجادة، وكان من جملتها هذا البيت: وفتحكَ القلعةَ الشهباَء في صفر ... مبشرٌ بفتوح القدسِ في رجبْ فكان ما قال، فُتِحتْ لثلاث بقين من رجب سنة ٥٨٣، فقيل له من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن مرجانة في قوله تعالى ألم غُلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون في بضع سنين والمنقول عن ابن مرجانة أنه ذكر حساباً طويلاً، وطريقاً في استخراج ذلك من قوله بضع سنين انتهى المنقول من التاريخ. قال الزَجّاجي: وكان الخليل ﵇ يحلب غنمه بها ويتصدق بثلثه، فيقول الفقراء على سبيل الاستفهام: حلب؟ فسمِّيت بذلك. وقيل كانت له ناقة شهباء وكان يفعل بها كذلك. أرتك يدُ الخيرِ آثارها ... وأخرَجت الأرضُ أثقالها وما منعت جارَها بلدةٌ ... كما منعت حلب جارها هي الخلدُ تجمعُ ما يشتهي ... فزرها فطوبى لمن زارها وقال: حلبُ الشهباءُ قالت ... سائر المدنِ عبيدي وأنا بختي ورختي ... بين سعد وسعيدِ وقال: غدت حلب تقولُ دمشقُ حُفَّت ... بأنواع من الورد العجيبِ

стр. 198

فبالجُورِيّ إن هي كاثرتنى ... قنعتُ أنا ببستان النقيبِ رأيت بها الأبيض اليقق والأسود الحالك، والأصفر الفاقع، ورأيت بها أنواعاً من الأزهار العطرة، وأما المأكول فهو فيها على ضروب مختلفة، وأما قلعتها فهي من عجائب القلاع في حسن الأوضاع. قال القزويني: ولها نهر تيار يأتيها من جهة الشمال يقال له قويق بالتصغير، فيخترق أرضها، ولها قناة مباركة تخترق شوارعها ودورها وحمّاماتها، وماؤها عذب فرات، ولها القلعة الراسخة يقال في أساسها ثمانية آلاف عمود، وهي ظاهرة الرؤوس بسفحها، وأبناؤها أهل السماحة والجود. حُكيَ أن شخصاً كان بها يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف مالاً كثيراً، فأنفقه على الشعراء والزوّار، فقصده البحتري وقد أعدم، فلما قدم إلى حلب قيل إنه قعد في بيته لديون ركبته، فاغتمَّ لذلك وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه، فلما وصلته بكى وأمر غلامه أن يبيع داره، فقال له: تبيعها وتبقى على رؤوس الناس!؟ فقال: لا بد من ذلك. فباعها بثلاثمائة دينار وكتب معها: لو يكون الحِباءُ حسب الذي أن ... تَ له عندنا محلُّ وأهلُ لحثيتُ اللجينَ والدّرّ واليا ... قوت حثواً وكان ذاك يقلُّ والأديبُ الأريبُ يسمحُ بالعذ ... رِ إذا قصّر الصديقُ المقلُّ فلما وصلت إلى البحتري رَدَّ الدنانير وكتب معها: بأبي أنت، أنت للبرِ أهلٌ ... والمساعي بعد وسعيك قبلُ والنوال القليلُ بكثيرٍ إن شا ... ءّ مرجِّيك والكثير يقلُّ غير أني رددتُ برِّك إذ كان ... رباً منك والربا لا يحلُّ وإذا ما جزيتَ شعراً بشعرٍ ... قُضي الحقُ والدنانير فضلُ فلما عادت الدنانير إليه ضمَّ إليها خمسين أخرى، وحلف أنه لا يردها عليه، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول: شكرتكَ إن الشكر للعبدِ نعمة ... ومن يشكر المعروفَ فالله زائده

стр. 199

لكل زمانٍ واحدٌ يقتدى بهِ ... وهذا زمان أنت لا شكَّ واحدُه انتهى من النوادر المأنوسة في أخبار حلب المحروسة: ليس العطاءُ من الفضولِ سماحةٌ ... حتى تجود وما لديك قليلُ ومنها ما يُحكى أن شاعراً قصد الجواد الأفضل وكانت له أيام يحتجب فيها، فصادف أيام الاحتجاب فكتب في رقعة: ماذا أقول إذا رجعتُ وقيل لي ... ماذا رأيتَ من الجواد الأفضلِ إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلَّ ... بخل الجوادُ بمالهِ لم يَجْمُلِ فاختر لنفسكَ ما أقول فإنني ... لا بدَّ أخبرهم وإن لم أُسألِ ثم طوى الرقعة وجعلها في قصبة وختمها بشمع وأرسلها في قناة تسير بين يدي الجواد، فلما وصلت إليه ونظر فيها، أمر له ببدرة مال وكتب معها هذه الأبيات: عاجلتنا فأتاك عاجلُ برّنا ... قِلاً ولو أمهلتنا لم نقللِ فخذ القليلَ وكن كأنّك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نُسألِ فلما خرج الخازن ودفع إليه المال قال الشاعر: يا أيها المولى الذي ... أضحى وليس له نظيرُ لو كان مثلكَ آخرُ ... ما كان في الدنيا فقيرُ ويحكى أن رجلاً قصد سيف الدولة وقد عمّ القحط، واشتدت الأزمة وقلّ المسعِد، واستوى المُقِلّ والمُكْثِر، والغني والمعسر، فكتب إليه رقعة وكان له إلى الفضل ميل، وله على أهله أيادٍ طويلة الذيل، وهذه صورة الكتابة: لقد عرضت فاقة أسقطتْ رداء الحياء عن منكب الحريّة، وأنطقت لسان التعفّف على خلاف العادة بالمسألة، وأحوجت أهل الصيانة إلى تحمّل ذلك الابتذال، وقد وقع في النفس أن في رأفة مولانا وبِرّه ما يكشف ضَرّاً، ويستوجب على الأبد حمداً وشكراً. فامننْ بما يغني ويثمرُ دائماً ... حمداً يدومُ على مدى الأيامِ فلما وقف على ذلك وقع منه بموقع، فأرسل على يد غلام ما دفع الحاجة، فكتب على يد الغلام:

стр. 200

شكرَتْك عنَّي كلُّ قافيةٍ ... تختالُ بين المدحِ والغزلِ فلقد ملأتَ بما مننتَ بهِ ... كفَّ الرجاءِ ومنتهى الأملِ فلما وقف على ذلك طرب له وقال: هذا الرجل أهل للإحسان إليه، فاستدعاه وأغدق عليه بلطائف برّه. وهكذا المجدُ إن صحّت قواعدُه ... ليس التكحّلُ في العينينِ كالكُحلِ أقول: خَفِّضْ عليك، فلو أتيت بألف مجلّد، فيها أخبار مائة ألف جواد، لم تجد من يجود عليك بسماع قصة من تلك القصص، إلا على توهِّم أنّه أخف، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وما أعجب ما قال: لا تمدحنَّ ابن عباد وإن هطلتْ ... كفّاهُ بالجودِ حتى أخجل الدِيَما فإنها خطراتٌ من وَساسهِ ... يعطي ويمنعُ لا بخلاً ولا كرما ومن محاسن الشهاب الحلبي: شوقي شديدٌ إلى لقياكِ يا حلبُ ... من نازح شفّه في بعده النصبُ فلاعِج الشوقِ قد أودى تضرّمهُ ... وهذه المهلكاتُ الوَجْدُ والوَصَبُ إن كان منك محبٌ قد نأى فلهُ ... قلبٌ لديكَ لما قد ناله نَحِبُ يا بلدة ألبستني بالبها حُللا ... من الفخارِ سقى أرجاءكِ السحبُ حيّاكِ هاطلُ مُزْنٍ جاد وابلهُ ... واعشوْشَبَ الروضُ واخضرت بكِ القُضُبُ ولا عداك من الخيراتِ وافرها ... فرَبْعُ واديك رحبٌ يانعٌ خصِبُ ولي لديكِ أخلاءٌ وإن هجروا ... فشخصُهم في سويدا القلبِ منتصِبُ أفديهم أسرة عالٍ مقامهم ... قد زانَهم في الورى الإفضالُ والحسبُ بيضُ الوجوهِ كرامٌ ما لفخرهم ... حدٌّ وشأنهم الإكرام والأدبُ فأقمت في ربعها المنيع، وجنينا من ينيعها المريع، في رياض تسلسلت جداول مياهها، وقصور تزين الأفق بنجوم سمائها، مع إخوان الصفا وخُلان الوفا.

стр. 201

هكذا أقطعُ الزمانَ سروراً ... لو على وصلهِ وجدتُ اقتدارا وجنابي يقولُ عنه لساني ... لو دنا الحيُّ أو وصلت الديارا أين من رتبّي الملوك وأنّي ... أين إسكندر الزمان ودارا ولما كان آخر شعبان المكرم رحلنا فأتينا على سراقب، وهي ضيعة لطيفة فيها خان، وبها أبنية محكمة العمارة، ومساجد، وحمّامات. ثم أتينا على خان مرعى وهو بنيان عظيم، وحوله زراعات وضيعة لطيفة. المعرَّة ثم أتينا على المعرَّة وهي بلدة كثيرة التين والزيتون، وإليها ينسب أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري صاحب التصانيف المشهورة والتآليف المذكورة، يقال إنه كان ينتحل مذهب البراهمة، ولا يرى إتلاف الحيوان، ولد سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بمعرَّة النعمان، وجدّر في السنة الثالثة فعمي، قرأ الفنون ونظم وله إحدى عشرة سنة، وكان في غاية الذكاء وأعجوبة في الحفظ، عاش ستاً وثمانين سنة، وأنشد على قبره ست وثمانون مرثية، من أجلِّها مرثية الشريف الرضي التي منها: إن كنت لم تُرِق الدماَء زَهادةً ... فلقد أرَقْتَ اليوم من جفني دما والناس يفاضلون بينه وبين ابن سيده، يقولون أعميان إمامان حافظان، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب. وله ديوان سمَّاه سقط الزند شرحه كثير من العلماء، منهم صدر الأفاضل، وله من نظم لزوم ما لا يلزم خمسة أجزاء، وله شعر نُسِب به إلى الإلحاد، وقيل موضوعٌ عليه منه، والله الهادي.

стр. 202

عقولٌ تستخفُ بها السطورُ ... ولا يدري الفتى لمن الثبورُ كتابُ محمد وكتابُ موسى ... وإنجيلُ ابن مريم والزبورُ ويمكن أن يكون المراد الذين يتّبعون ما تشابه منه، كما أخذ علي أبي طالب المكي حيث قال: ليس على المخلوق أضرّ من الخالق، من لم يفهم المراد، فإن الله تعالى هو النافع الضار، والإحتمالات كثيرة، والصحيح أن المراد لا يدفع الإيراد، وعليه جاء من فَسَّر القرآن الكريم برأيه فقد كفر ومنه: راح من راح والثريّا الثريّا ... والسِماك السِماك والنسر نسرُ ونجوم السماءِ تعجب منّا ... كيف تبقى من بعدنا وتمرُّ وهذا كما تراه، ليس نصاً في عدم فناء النجوم، بل تأخرها عنَّا، ولا خلاف فيه غير أن النفوس لا تختار التقدم عليها إلا في الفناء، ولا تحب تأخيرها إلا في البقاء، وقيل إنه تاب في آخر عمره وحسن اعتقاده، كما قيل في الزمخشري. ونسب إليه القرطبي هذه الأبيات في تذكرته: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النُحّلِ إغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأوّلِ

стр. 203

وحكى المقري في تذكرته أنها للزمخشري. ولما دُفن وجد مكتوب على قبره: قد كان صاحبُ هذا القبر جوهرة ... لطيفة صاغها الباري من النُطَفِ عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها غيرةً منه إلى الصدفِ وأمر أن يكتب على قبره: هذا ماجناه أبي علَيْ ... يَ وما جنيتُ على أحدْ ومن كلامه: أبا العلاء بن سليمانا ... عماك قد أولاك إحسانا لو عاينت عيناك هذا الورى ... لم يلْقَ إنسانُك إنسانا وله: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحُقَّ لسكان البسيطة أن يبكوا تحطمنا الأيامُ حتى كأننا ... زجاجٌ ولكن لا يعاد لنا سَبْكُ وله: من كان يطلب من أيامهِ عجباً ... فلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا الناس كالناس والأيام واحدةٌ ... والدهرُ كالدهرِ والدنيا لمن غلبا ومن نصائحه: إذا بلغ الوليد لديك عشراً ... فلا يدخل على الحرمِ الوليدُ فإن خالفتني ونبذتَ نصحي ... فأنت وإن أفدت غِنىً بليدُ حماة ثم إنا قوّضنا خيام المقيل، وأخذنا في الرحيل، فأتينا على خان الشيخون وهو في وادٍ مخضل وحوله ضيعتان بعيدتان، ثم أشرفنا على بساتين حماه المورقة، ومحاسنها المونقة، وهي مدينة قديمة من عهد سليمان ﵇، وجامعها وكنيستها بالسوق الأعلى، جُدّد في خلافة المهدي، وكان فيه لوح من الرخام مكتوب فيه أنه جُدّد من خراج حمص، وكانت من أعمال حلب وكانت حمص كرسي هذه البلاد. ومن غرائب أخبار حماة أن الزكي بن عبد الرحمن لما اجتمع بالملك المظفر قبل أن يلي حماة أنشده:

стр. 204

متى أراك ومن تهوى وأنت كما ... تهوى على رغمهم روحين في بدنْ هنالك أنشدوا الآمال حاضرة ... هُنّيت بالملك والأحباب والوطنْ فوعده أنه إذا ملك حماة يعطيه ألف دينار، فلما ملكها أنشده: مولاي هذا الملك قد نلته ... برغم مخلوق من الخالقِ والدهر منقاد لما شئته ... وذا أوان الموعد الصادقِ فدفع له الألف وأقام معه، ولزمته أسفار فأنفق فيها ذلك المال، ولم يحصل بيده زيادة على ذلك، فقال: ذاك الذي أعطوه لي جملة ... قد استردّوه قليلا قليلْ فليت لم يعطوا ولم يأخذوا ... وحسبنا الله ونعم الوكيلْ فبلغ ذلك المظفر فأخرجه من دار كان أنزله فيها، فقال في ذلك: أتخرجني من كِسْر بيت مهدّم ... ولي فيك من حسن الثناء بيوتُ فإن عشت لا أعدم مكاناً يضمني ... وإن مت تدري ذكر من سيموتُ فحبسه المظفر، فقال: ما ذنبي!؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأمر بخنقه. فلما أحس بذلك قال: أعطيتني الألف إجلالا وتكرمة ... يا ليت شعري أم أعطيتني ديتي

стр. 205

فكان حاله كحال من قال: وكنت كالمتمني أن يرى فَلَقاً ... من الصباح فلما أن رآه عمي ولله در من قال: ربّما يرجو الفتى نفع فتى ... خوفه أولى به من أمله رُبّ من ترجو به دفعَ الأذى ... سوفَ يأتيكَ الأذى من قِبَله ولحماة النهر العاصي، قال في الخريدة: وهو نهر حماة وحمص، مخرجه من قدس ومصبه البحر بأرض السُوَيديّة من أنْطاكية، وسُمّي العاصي لأن أكثر الأنهار تتوجّه إلى الجنوب وهذا يتوجّه نحو الشمال، انتهى. وهذا التعليل إنَّما يتم لو كان المتوجّه نحو الشمال هو وحده دون غيره من الأنهار، فتأمّل. وفيه الناعورة التي يضرب بها المثل، وقد أكثر الشعراء فيها، فمن ذلك: ناعورة في النهر أبصرتها ... تشوّق الداني والقاصي قد نبهتني للتقى والهُدى ... لأنها تبكي على العاصي وقال: نواعير في عاصي حماة إذا بكت ... عليه دعتْ من عَبرتي مدمعاً قاصي وإني على نفسي لأجْدر بالبكا ... إذا كانت الأخشاب تبكي على العاصي وقال: حماة في بهجتها جنة ... فهي من الهمِّ لنا جُنّه لا تيأسوا من رحمةِ الِله قد ... أبصرتم العاصي في الجَنّه وقال: وناعورة قد ضاعفت بنُواحها ... نُواحي فأجرت مُقلتيّ دُموعُها وقد ضَعُفت مما تئنّ وقد غدت ... من الضَعف والشكوى تعدّ ضلوعُها

стр. 206

وقال: قاسوا حماةَ بجلّق فأجبتهم ... هذا قياسٌ باطل وحياتكمْ فعروسُ جامع جلق ما مثلها ... شتان بين عروسها وحماتكمْ وقال: تاللهِ إن حماة شامةُ شامكم ... وعروسها بمحاسنٍ متزايده ودمشقكم بعذراها الشيبي قد ... ولّت شبيبتها وأمست بارِده وقال: قالوا تسلّى عن ثمارِ شُطوطها ... فأجبتُ لا والتين والزيتونِ يا عاذلي على محبّتها لكم ... في ذاك دينكم ولى أنا ديني في ناعورة لابن نباته: وناعورة قالت وقد حال لونها ... وأضلعها كادت تعدُّ من السقمِ أدورُ على قلبي لأني فَقَدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي وقال: يروقُ امتداد الجسرِ والقصرِ فوقّه ... فيجلو طباق العيش بالمدّ والقصرِ وقد أصبحت تلك الجزيرة جنّة ... ألم تنظر الأنهار من حولها تجري تفوق عيونَ الزهرِ بين شطوطها ... عيونَ المها بين الرصافةِ والجسرِ وإن جُزْنَ تلك الغيد بين غصونها ... سلبن الحشا من حيث أدري ولا أدري فيا جيرة العاصي إذا ذقت ماءكم ... أهيم كأني قد ثَمِلت من السُّكرِ ولولا بقايا طعمهِ في مذاقتي ... لما ظهرت هذي الحلاوة في شعري وكم رامَ ذاكَ البحر يشبه لفظهُ ... فقلت انزلوا يا قوم في ساحل البحرِ فآه على وادي حماة تأسفّاً ... خلافا لمن قد قال آه على مصرِ فكم مر لي فيها حلاوة ليلة ... فكانت شبيهَ الخال في وجَنْة الدهرِ وفي غيرها كم كنتُ أقضي لياليا ... تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري

стр. 207

نكتة لطيفة هجا بعض المعتزلة الإمام إسماعيل بن المقري: يقولون كذبُ المرء حَيْضُ لسانهِ ... فما بال إسماعيلكم لم يزل مقري أراد بقوله كذب المرء حيض لسانه كانت تقول العرب حاض فلان أي كذب، وبقوله لم يزل مقري أي حائض، فأجاب عن نفسه بقوله: مدحتَ بما تهجو فأصبحت ضحكة ... فما القرء عند الشافعيّ سوى الطهرُ قال الغزي: إنّي أرى الجودَ بالدنيا إذا مُلِكت ... خيراً من الزهد فيها يا أبا الفرجِ لا تعجبن لمن أغناه عن أدبٍ ... جهل فإن العمى أغنى عن السرجِ أخفاك مكثك في أرض نشأتَ بها ... وليس يُعرف قدر الدرّ في اللّججِ حمص ثم أتينا على حمص وهي مدينة عظيمة، قد أخنى عليها الزمان، وكرّ عليها بسيف حَيْفه المَلَوان، ولابن حبيب فيها: جزيرةُ حمص كعبة الكونِ أصبحت ... يطوف بها دانٍ ويسعى لها قاصي لها حُلّة من نبتها سندسية ... تعلّق في أكنافِ أذيالها العاصي ومما قيل فيها لابن حجر: جزيرةُ حمص لم تكن قطّ كعبة ... يطوف بها دان ويسعى لها قاصي ولكنها للهو والقصف حانة ... ألم تنظروها كيف جاورها العاصي وبها الأشجار والأزهار المختلفة الألوان، وللشعراء فيها الأقوال البديعة، فمن ذلك: ومُهفهف حيّا المحب بوردةٍ ... بيضاء قد نَشَقَت روائح نَدِّهِ فكأنَّها وبها احمرار حامل ... ماء الحياة على صحيفة خَدِّهِ

стр. 208

قال: شجرات ورد أحمر بعثت ... في قلب كلّ متيّم طربا يا من رأى من قبلها شجراً ... سقى اللّجين وأنبتَ الذهبا ولابن تميم: حاذِر أصابع من ظلمتَ فإنها ... تدعو بقلبٍ في الدجى مكسور فالوردُ ما ألقاه في جمرِ الغضا ... إلا الدعا بأصابع المنثور ثم أتينا على حِسْية وهي واد فيه قلعة ومياه غزيرة، ثم أتينا على عيون التجار وميدان الخيل وهو محل العرب النهّابة، وقارة وهي قرية قد أشرفت على الدمار، وكأنَّها كانت فبانت. ثم أتينا على نبك وهي قرية تبسَّمت أزهارها، وتفاوضت أنهارها، وأهلها لا يكادون يفقهون حديثاً، وتوصف بالبرد الشديد. ثم أتينا على القطيفة وهي روضة غناء، وغَيْضة حسناء، كأنَّما قطفت من فردوس الجنة، وبها الخان الذي هو للواردين وِقاية وجُنَّة، وهو الخان الذي لا يرى له عديل، ولا يدانيه في محاسنه مثيل: تحير به الأبصار حسناً ورَوْنقاً ... وتمرحُ فيه الخلق بالأمن واليُمْنِ وفيه تكيَّة للوافدين، وهو من بناء الوزير سنان باشا، فلا غرو أن يقول بلسان الحال: إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثارِ وفي هذه القرية ما يزيد على برد الروم، وما ألطف ما قال: هذي القطيفة التي ... لا تشتهى عقلاً ونَقْلا حُشيت ببرد يابس ... فلأجل ذاك الحشو تُقْلا ثم أتينا على القصير وقد أرسل علينا الغمام سحائب القطر، ومسَّنا من ذلك البرد ما هو أحرّ من الجمر، ثم سرنا في واد طاب روح نسيمه، فصحَّ مزاج إقليمه

стр. 209

وقد تباكت أمطاره، فتضاحكت أزهاره في رياض أريضه، وأهويه صحيحة مريضة. جِنان الشام ثم أتينا على حرستا، يقال إنَّها أول قرية يخسف بها. ثم لم نزل في رياض مشهوده، وحياض موروده، بين مبانٍ وثيقه ومغانٍ أنيقه، حتى أشرفنا على جنان الشام التي هي برداء المحاسن تتباهى، فإذا هو هي أو هي إياها، رياض تغنت أطيارها، فتمايلت طرباً أشجارها، رياض مخضلَّة الربى، وغياض معتلَّة الصبا، رياض تنوح بها الأطيار، وتتباكى فيها الأمطار، رياض تميل طرباً وتميد عجباً: وما الشام في البلادِ إلا كشامة ... عروسة أرضِ الله في الشرق والغربِ بها مَرْجة تزهو وقد فاح نشرها ... وشحرورها غنّى سُحيراً على القُضْبِ بها الورد سلطان ينادي بدوحها ... هلموا قبيل الموتِ للأكل والشربِ ولابن عُنَيْن: ولا تتركوا يوم السرورِ إلى غدٍ ... فَرُبَّ غداً يمضي المُحيل إلى التُربِ وقال: دمشق التي شوقي إليها مبرّح ... وإن لَجّ واشٍ أو ألحَّ عذولُ تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصحَّ نسيم الروضِ وهو عليلُ بلاد بها الحصباء درّ وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول وقال: حسناً ما رأيت من فعل نهرٍ ... لِهواه الغصون يجري إليها فهو من فرطِ وجَده إذ يراها ... شامخاتٍ يخرّ بين يديها وقال: تحنّ إلى وادي دمشق جوانحي ... وإن كان ممن قلّ فيه نصيبي وإني لأهوى قاسيون لأنني ... رأيت اسمه يحكي فؤاد حبيبي

стр. 210

وقال: دمشق بواديها رياض نواضر ... بها ينجلي عن قلبِ ناظرها الهمُ على نفسهِ فليبكِ من ضاعَ عمرُه ... وليس له منها نصيبٌ ولا سهمُ وقال: علّلاني عن الشامِ بذكر ... حنّ قلبي إليه بالأشواقِ مثلته الذكرى لعيني كأنّي ... أتمشى هناك بالأحداقِ وقال: دمشق في محاسنها جِنان ... ولذّات النعيم لساكنيها وما فيها حماها الله عيب ... سوى الإكرام للغرباء فيها وقال: دمشق قل ما شئت في حُسنها ... واحْكِ عن الربوة ما تحكي فالطير قد غنَّى على عوده ... وزفها بالدفِّ والجنكِ وقال: انظر إلى الربوة مستمتعا ... تجد من اللّذة ما يكفي فالطيرُ قد غنى على عودِهِ ... في الروض بينِ الجنك والدفِ وقال: للهِ يوم في دمشق قطعتُه ... حَلَف الزمانُ بمثله لا يَغْلَطُ الطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والسحاب يُنقّطُ وقال: أشتاق في وادي دمشق معهدا ... كلّ الجمال إلى حماه ينسبُ ما فيه إلا روضة أو جوسق ... أو جدول أو بلبل أو رَبْرَبُ وكأن ذاك النهر فيه معصمٌ ... بيدِ النسيمِ منقّش ومكتّبُ وإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعبُ

стр. 211

والوُرْقُ تنشد والنسيم مشبّب ... والنهرُ يسقي والحدائق تشربُ وضياعها ضاعَ النسيمُ بها فكم ... أضحى له من بيننا متطلّبُ ولكم طربتُ على السماعِ بعودها ... وغدا بربوتها اللسان يشبّبُ فمتى أزور معالماً أبوابها ... بسماحها كتبُ الغرام تبوّبُ وقد أبدع ابن الصائغ حيث قال: أدمشق لا بعدتْ ديارك عن فتى ... أبداً إليك بكلّه يتشوّقُ أشتاق منك منازلاً لم أنسها ... إنّي وقلبي في ربوعك موثقُ مهما اتجهتُ رأيت دَوْحاً ماؤه ... متسلسل يعلو عليه ويخفقُ فالريح تكتب والجداول أسطر ... خطاً له نسج الغمام محققُ والطير يقرأ والنسيم مردِّد ... والغُصن يرقص والغدير يصفّقُ ومعاطف الأغصان هزّتها الصبا ... طرباً فذا عارٍ وهذا مورقُ والوردُ في الألوانِ يجلو منظراً ... ونسيمه عطرٌ كمسك يعبقُ فبلابل منها تهيج بلابلي ... ولذاك أثواب الشقيق تشقّقُ وهزاره يصبو إلى شحروره ... ويجاوب القمري فيه مطوّقُ وكأنَّما في كلّ عود صادحٌ ... عود حلا مزموره والمطلقُ والوُرْق في الأوراق شبه شَجْوها ... شجوي وأين مني الخليّ الموثقُ يتلو على الأغصانِ أخبارَ الهوى ... فيكاد ساكن كلّ شيء ينطقُ يا سائراً والريح تعثرُ دونه ... والبرقُ يَبْسِمُ إذ به يتألّقُ إن جئت من وادي دمشق منزلاً ... لي نحوه حتى الممات تشوّقُ بالجبهة الغراء والنهر الذي ... يزهو به القطر المنيف الأبلقُ ورأيت ذاك الجامع الفرد الذي ... في الأرض مثل جماله لا يخلقُ أبلغ منازلها السنيّة أنني ... أبداً لحسن بهائها أتشوّقُ ما أنصح ما قال: عرّج ركابك عن دمشق فإنّها ... بلد تذلّ لها الأسود وتخضعُ

стр. 212

ما بين جبهتها وباب بريدها ... قمر يغيب وألف بدر يطلعُ ابن تميم: رعى الله وادي النَيْرَبين فإنني ... قطعتُ به يوماً لذيذاً من العمرِ درى أنني قد جئته متنزهاً ... فمد لتلقائي بساطاً من الزهرِ وأخدمني الماء القراح فأينما ... ذهبت وجدت الماء في خدمتي يجري وقال: دمشق فيها نُزَه ... وسفحها زاهٍ نضر في كلّ روض يلتقي ... ماَء الحياة والخُضر وقال: سقى دمشق وأياماً مضَت فيها ... من السحائبِ ساريها وغاديها ولا يزال حنين النبت ترضعه ... حواملُ المُزْن في أحشا أرضيها وقال: فوق وجه الثرى ترى الشام شامه ... ولكم للغريب فيها كرامه سكنٌ كلّما تناءيت عنه ... حرّك الوجدُ في الفؤاد غرامه وفؤادي لولا زيارة طه ... ما لواه اللوى ولا رام رامه جنّة وهي بالمكاره حُفّت ... من أمور تقوم منها القيامه الجامع الأموي قال ابن الوردي: دمشق أجل إقليم الشام مكاناً، وأحسنه بنياناً، وأعدله هواء وأعذبه ماء، وبها الغوطة التي لم يكن على وجه الأرض مثلها، بها أنهار جارية مخترقة، وعيون سارحة متدفقة، وأشجار باسقة، وقصور شاهقة، ولها ضياع كالمدن، وبها الجامع الأُموي الذي لم يكن على وجه الأرض مثله،

стр. 213

بناه الوليد بن عبد الملك، وأنفق عليه أربعمائة صندوق، في كلّ صندوق أربعة عشر ألف دينار، واِجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخّم. لله ترخيم بجامع جِلِّق ... متناسب التخميس والتقسيمِ قد زاد تحسيناً يكذّبُ قولَ من ... قد قال إنّ النقص في الترخيمِ - وقد بني بأنواع الفصوص المحكمة، والمرمر المصقول، والجزع المحكوك، يقال إن العمودين اللذين تحت قبة النسر اشتراهما الوليد بألف وخمسمائة دينار، وهما عمودان مجزعان بحمرة لم يُرَ مثلهما، ويقال إن رخام الجامع معجوناً، ولذلك إذا وضع على النار ذاب، وفي المحراب عمودان صغيران، يقال إنهما كانا في عرش بلقيس، وعند منارة الجامع الشرقية حجر، يقال إنه من الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قال القزويني: ومن عجائب دمشق الجامع الأموي، وقد وصفه بعضهم فقال: هو أحد العجائب وجامع الغرائب، بسط فرشه بالرخام، وألّف على أحسن ترتيب وانتظام، فصوصه ملتفة، وصنعته مؤتلفه، عمّره الوليد، وكان ذا هِمّة في أمر العمارات وبناء المساجد، أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين، قيل من عجائب الجامع إنه لو عاش أحد مائة سنة وكان يتأمّله في كلّ يوم، لرأى في كلّ يوم ما لم يكن رآه من حسن الصنعة، ومبالغة التنميق، وهذا المعنى في كلّ ذرة من العالم للمبصر وفي أنفسكم أفلا تبصرون وهو مسقف بالرصاص إلى الآن، وفيه نحو مائة ماء. ومن محاسنه الفوّار الذي على باب جيرون، فإنَّ ماؤه يرتفع على نحو قامة ونصف في غِلَظ الساق دائماً أبداً، واتَّفق وقوفه مرة، فقال في ذلك المعنى ابن نباته قوله:

стр. 214

لست أنسى الفوّار وهو ينادي ... غيضَ مائي وعطّل الدهرُ حالي فتمنّيت من لهيبي أنِّي ... أشتري غيضة بروحي ومالي وقيل إن دخل الجامع في كلّ يوم من أوقافه ألف ومائتا دينار، تُصرف المائتان في مصالحه، والباقي ينقل إلى خزانة السلطان، وبالجملة فإنه الجامع الذي هو لأشتات المحاسن جامع، والمسجد الذي من سجد في محرابه شاهد من محاسنه النور الساطع، ولا غَرْوَ إذ هو بيت مَلِك سَعِد من وقف بخدمته خاشعاً، وشقيٌّ من لم يسع إليه مخلصاً، ويأتيه طائعاً. وإذا حلّت الهداية قلباً ... نشطت للعبادةِ الأعضاءُ وقال: أرى الحسنَ مجموعاً بجامعِ جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروحُ فإن يتغالى في الجوامع معشر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوحُ وقال: الجامع الأموي أضحى حُسنه ... حسناً عليه في البرية مُجْمَعا حَلَّوْهُ إذ حَلَّوْه فانظر صحنه ... تلقاه أصبح للحلاوة مَجْمَعا ولقد تذكرت بذلك الجامع أوقاتي بتلك الروضة، وتشاغلت به فما أغنى التشاغل بمحاسن تلك الرياض وهاتيك الغيضه. بهجة العين روضةُ المختارِ ... تتجلَّى في مشارق الأنوارِ حرمٌ حلَّ فيه خير إمامٍ ... جامع الفضل قبلة الأبرارِ أوّل العالمين في الخلق لكن ... آخر العالمين في الإنذارِ باذخ الأصل ناسخ الجهل علماً ... راسخ الفضل شامخ في الفخارِ

стр. 215

مضريٌّ وأبطحي حبيب ... قرشيّ وهاشميّ نزاري صفوة الخلقِ أشرفُ الخلق خلقاً ... نخبة من سلالة الأخيارِ يا رسول الإله كن لي شفيعاً ... يا شفيع العصاة من حرِّ نارِ أنت في الأنبياء سلطان شرع ... جئت بالسيف منذر الكفارِ فعليك السلامُ من عبدِ ودّ ... ما سرى سرّ نسمة الأسحارِ وعلى الآل والصحاب جميعاً ... وعلى التابعين والأنصارِ ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، وطوله اثنا عشر ميلاً، في عرض ثلاثة أميال، وهو مغروس بأنواع الثمر والأزهار البديعة المنظر والمخبر. فائدة الشام خمس شامات: الأولى: طبرية وأعمالها، وهي مدينة جليلة على جبل مطل، وأسفلها بحيرة عذبة وبها مراكب سابحة، ولها سور حصين، وبها حمّامات حامية من غير نار. الثانية: دمشق وأعمالها. الثالثة: حمص، وحماة، وحلب. الرابعة: أنطاكية وأعمالها. الخامسة: غزة، والرملة، وبيت المقدس، وهو على جبل يصعد إليه من كلّ جانب، وطول مسجده مائتا باع في عرض مائة وثمانين. يقال إن جامع قرطبة سقفه أكبر من سقف الأقصى، وصحن الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة، حكاه ابن الوردي. والشام من الفرات إلى العريش طولاً، ومن جبلي طيّ إلى بحر الروم عرضاً. وفي الأخبار الشام صفوة الله من بلاده، وإليه يجتبي صفوته من عباده، قيل المراد المدينة لأنها بالنسبة إلى مكة شام. قال المقريزي: وسط الشام كدمشق وما والاها شمال مكة من غير ميل، فهم يستقبلون أوسط الجنوب، بحيث يكون القطب
следующие страницы →