Полный текст (247 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الأربع: الشمال ومبدؤها من نقطة الشمال إلى نقطة الغرب. والدَبور بفتح الدال، ويقال لها الغربية، منها إلى نقطة الجَنوب بفتح الجيم، والجنوب تسمّى القبلية، كما تسمى الشمال الشامية، منها إلى نقطة المشرق، والصبا يقال لها القبول والشرقية، منها إلى نقطة الشمال، وقد دار الدور وحار الداير.
وبي ظبية مثل النسيم لطافة ... ولكن حظّي من محاسنها الهجر
إذا رُمْت أن أسلو هواها يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطّلع الفجر
وما بين هذه الأمهات فهي نكباء، وأسماؤها كثيرة. ولا تدخل ريح على أخرى في حدها، وأشرفها الصبا، ولما اشتملت عليه من اللطف والطيب اتخذها أهل المحبة
رسولاً إلى الأحباب. ومن محاسن ما كتب به ابن عبد الظاهر إلى والده، وكان حصل له ضعف، وذلك قوله:
إن شئتَ تبصرني وتبصرُ حالتي ... قابل إذا هبَّ النسيم قبولا
تلقاه مثلي رقة ونحافة ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا
стр. 37
فهي الرسول إليك مني ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
قال ابن حجة: قوله ولأجل قلبك فيه ما يفتت الأكباد، ويحرك الجماد، وإن من البيان لسحرا.
روت الصبا عنكم حديثاً طيباً ... فلذاك أصبحتِ الصبا تُستنشقُ
وتعطرتْ نفحاتها من نَشْرِكم ... فلذاك أضحى الكونُ منه يَعْبقُ
وقال:
قد سألتُ النسيمَ وهو خبير ... بسؤالي إذ غاب وجهُك عنّي
قلت: قل لي هل ورد خديك غضٌّ؟ ... قال: قد ضاع نشره. قلت منّي
وقال ابن نباته:
مسموع لفظك في القلوب مُمَكّن ... في الحب فوق تمكّن الملحوظِ
حُفظتْ فوائده وضاع نسيمه ... فاعجب له من ضائع محفوظِ
وقال:
يداوي أسى العشاقِ من نحو أرضكم ... نسيمُ صباً أضحى عليه قبولُ
بروحي من ذاك النسيم إذا سرى ... طبيب يداوي الناس وهو عليلُ
стр. 38
وقال آخر:
وكم لي إذا هبَّ النسيمُ تحية ... إلى نحوكم لو أنها تتكلمُ
وعندي من الأشواقِ ما لا يزيلهُ ... سوى قربكم لا أوحش الله منكمُ
ويقول الحاجبي:
لا تبعثوا غير الصبا بتحيةٍ ... ما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشراً فيا للهِ ما أذكاها
وقال آخر:
يا طيب ما جاء النسيم بعرفكم ... وحديثه عنكم حديث مُرْسَلُ
حَمّلته مني السلام عليكم ... فأطاعني لكنه يتعللُ
وقال الصفدي:
يا طيب نشر هبَّ لي من أرضكم ... فأثار كامنَ لوعتي وتهتكي
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إنَّ ذا نشر ذكي
ولابن أبي حجلة:
يا طيب ريح سرى من نحوهم سحرا ... لولا تلافيه قلبي في الهوى تلفا
كم ذا أعلل قلبي بالنسيمِ وما ... أرى لداءِ غرامي في الهواء شفا
لطيفة
حكى العلامة الزمخشري في الكشاف، أن ريح الصبا هي التي تبلّغ الأنباء للأنبياء ﵈. وذكر الواحدي في تفسيره الوسيط أن ريح الصبا هي التي أوصلت ريح يوسف إلى يعقوب ﵉، قاله عند قوله إني لأجد ريح يوسف. ولذلك تجد العشاق يستخدمون هذه الريح في حمل السلام، كما قيل:
أستخدم الريح في حمل السلام لكم ... كأنَّما أنا في عصري سُليمانُ
كأن يعقوب أنباني بقصتهِ ... فللصبا عند قلبِ الصَّبِّ أشجانُ
стр. 39
وما ألطف ما قال:
إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو عليهم ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
قيل وتليها الشمال في الفضيلة، ولها ذكر في الأشعار فمن ذلك لأبي نواس:
هبت لنا ريحٌ شمالية ... أتت إلى القلبِ بأسبابِ
أدّت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي
فائدة
في تفسير الفخر الرازي: الرياح ثمانٍ، أربع منها عَذاب، وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي الناشرات والمبشّرات والمُرسلات والذاريات. ومن الآثار عندها: اللهم إني أسألك خيرها وخير مافيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به.
وقال: الموجود ينقسم إلى واجب لذاته، وإلى ممكن لذاته وهو ما سوى الباري تعالى، وهو المسمّى بالعالم. وينقسم إلى ما هو متحيز وإلى ما هو صفة للمتحيز، وإلى ما ليس بمتحيز ولا صفة له. والقسم الأول إما أن يقبل القسمة وهو الجسم، أو لا يقبلها وهو الجوهر. والذي يقبل ينقسم إلى الأجسام العلوية والأجسام السفلية، وهي إما بسائط وهي العناصر الأربعة، وإما مُركّبة وهي المواليد التي هي المعادن
стр. 40
والنبات والحيوان. والقسم الثاني وهو ما هو صفة للمتحيز وهي الأعراض. والقسم الثالث وهو ما ليس بمتحيز ولا صفة له وهي الأرواح، وهي إما علوية وإما سفلية، والعلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية، وإما غير متعلقة بالأجسام وهي القديمة، والسفلية صالحة ومَرَدَة. كذا في كنز الأسرار.
ذكر فضل النيل
قيل لم يسم في القرآن نهر سواه، وذلك قوله تعالى: فألقيه في اليم أجمع المفسرون على أن المراد باليم هنا النيل بمصر. وعن كعب: أربعة أنهار من أنهر الجنة في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة.
وعن ابن عباس ﵁: أنزل الله تعالى من الجنة إلى الأرض خمسة
أنهار: سيحون، وجيحون، ودجلة، والفرات، والنيل. أنزلها من عين واحدة من الجنة، من أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل ﵇، واستودعها الجبال وأجراها في الأرض بقدر، فذلك قوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أمر الله جبريل فرفع من الأرض القرآن، والعلم، والحجر من البيت ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كلّ ذلك إلى السماء، فذلك قوله: وإنا على ذهاب به لقادرون.
стр. 41
ذكر ما قيل في النيل
من الأشعار البديعة والمعاني المنيعة
-
فمن ذلك للصفدي:
رأيتُ في أرضِ مصرَ إذ حللتُ بها ... عجائباً ما رآها الناسُ في جيلِ
تَسْوَدُّ في عينيَ الدنيا فلم أرها ... تبيضُّ إلا إذا ما كنتُ في النيلِ
وابن أبي حجلة:
النيلُ زاد زيادةً قد آذنت ... من كلّ باسقةِ النخيلِ بطلعها
ولكم به من مركبٍّ في الجوِّ قد ... أضحى عمودَ الصبحِ صاري قلعها
وللوراق:
هجم النيلُ في البيوتِ على النا ... سِ وثنى فيهم بقطعِ الطريقِ
ثقبَ الدورَ والبساتين لما ... جاء يسعى من كلِّ فجٍ عميقِ
ولابن اللبان:
مررتُ بشاطي النيل والماء مولع ... بلثم ثناياه يبوسُ ويصدرُ
فخلتُ فضولَ الموجِ في الشطِ بردة ... بحاشيةٍ بيضاَء تُطوى وتنشرُ
وغيره:
أما ترى البحرَ ما أحلى شمائله ... والموج يضربُ براً ثم ينحرفُ
كأنهُ ملكٌ تأتي الجيوش له ... تقبلُ الأرضَ طوعاً ثم تنصرفُ
стр. 42
ولابن تميم:
يومٌ لنا بالنيلِ مختصرٌ ... ولكلِّ يومِ مسرةٍ قصر
فكأنّما أمواجهُ عُكَن ... وكأنَّما داراته سُرر
وللتقي السبكي:
لعمرك ما مصر بمصر وإنّما ... هي الجنة العليا لمن يتفكر
وأبناؤها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر
ولعلي المغربي:
أيا ساكني مصر غدا النيل جاركم ... فألبسكم تلك الحلاوة في الشعرِ
وكان بتلك الأرض سحر وما بقي ... سوى أثر يبدو على النظم والنثرِ
وللبدر البشتكي:
رعى الله مصراً كم بها من مسرة ... ومنزل أنس لاح كالطالعِ السعدِ
رويت الهنا عن سدها يوم كسرها ... فها أنا مهما عشتُ أروي عن السدِّ
وقال:
اشرب على مقياس مصر وغنّ لي ... من روضة المعشوق في عشاق
وافخر بمصر على البلاد فنيلُها ... يعلو على الأوصاف باستغراق
لطيفة
ركب الأمير تميم بن المعز ليلة في النيل، فمرّ ببعض الطاقات المشرفة على النيل فسمع جارية تغني وتنشد:
نَبّهتُ ندماني بدجلة موهناً ... والنجم في أفق السماء معلّقُ
والبدر يضحك وجهُه في وجهها ... والماء يرقص حولها ويصفّقُ
فطرب عليها ولم يزل يشرب حتى انصرف وهو لا يعقل، فلما أصبح قابل ذلك النظم بقوله:
стр. 43
شربنا على النيل في مدّه ... بموجٍ يزيد ولا ينقص
كأن تكاثف أمواجه ... معاطف غانية ترقص
ولابن أبي حجلة:
قدمت على السلامة من دمشق ... فراق بنيل مصر ما تكدّر
إذا ما احمرَّ ماء النيل فيها ... فشارب روضها بالعشب أخضر
ولابن الصاحب:
كانت لمصر بهجة ... بالنيلِ مذ ولّى خلت
كأنَّه زوج لها ... فبعده ترملت
قصة ظريفة
أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: غار النيل على عهد فرعون فأتاه أهل مملكته فقالوا: يا أيها الملك أجْرِ لنا النيل. قال: إني لم أرض عنكم. فذهبوا ثم أتوه فقالوا: يا أيها الملك، ماتت البهائم وهلكت الأبقار. إن لم تجر لنا النيل لنتخذنّ إلهاً غيرك. قال: اخرجوا إلى الصعيد. فخرجوا فتنحّى عنهم بحيث لا يرونه، فألصق خده بالأرض وأشار بالسبابة ثم قال: اللهم إني خرجت إليك مخرج العبد الذليل، إني أعلم، أنك تعلم، أني أعلم أنه لا يقدر على إجرائه غيرك فأجره. قال فجرى النيل فخرّوا له سجداً!!.
وعرض جبريل ﵇ فقال: أيها الملك أعنّي على عبدي. قال: وما قصته؟ قال: عبدٌ لي ملّكته على عبيدي وخولّته مفاتيحي فعاداني، فأحبَّ من عاديت
وعادى مَنْ أحببت. قال: بئس العبد عبدك، لو كان لي عليه سبيل لغرقته في بحر
стр. 44
القُلْزُم. فقال: أيها الملك اكتب لي كتاباً. فدعا بكتاب وكتب: ما جزاء العبد الذي خالف سيّده، فأحبَّ من عادى وعادى من أحب إلا أن يغرق في بحر القلزم. فقال: أيها الملك اختمه. فختمه ثم دفعه إليه، فلما كان يوم البحر أتاه جبريل بالكتاب وقال له: خذ، هذا ما حكمت به على نفسك، انتهى. من المحاضرة. وفي ذلك قيل:
ولما طغى فرعون جهلاً وقومه ... وجاء إلى مصر ليفسدَ في الأرضِ
أتى نحوهم موسى وفي يدهِ العصا ... فأغرقهم في اليمِّ بعضاً على بعضِ
حكاية لطيفة
فرعون موسى ﵇ هو مصعب بن الريان، قيل من بقايا عاد. وقيل كان عطّاراً أصفهانياً ركبته الديون فخرج إلى الشام، فلم يتيسر له المقام بها فدخل مصر فرأى أهلها متروكين سدى، وكان وقع بها وباء عظيم، فتوجه نحو المقابر فرأى ميتاً يدفن، فتعرض لأوليائه، وقال: أنا أمين المقابر فلا يدفن إلا بخمسة دراهم. فدفعوا إليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع مالاً عظيماً. إلى أن تعرّض يوماً لأولياء ميت فمنعوه ورفعوه إلى فرعون مصر فقال: من أنت ومن أقامك؟ فقال: لم يقمني أحد وإنَّما فعلت ذلك لأنبهك على اختلال مملكتك، وإني جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال. فأحضره ودفعه إليه وقال له: ولِّني أمورك ترني أميناً. فولاه فسار بهم سيرة حسنة فاستقامت أحوالهم، فلما مات فرعون أقامه مقامه، فكان من أمره ما كان.
وبينه وبين فرعون يوسف ﵇ وهو الريان - أكثر من أربعمائة سنة. وحكى ابن أبي حجلة أن مدة ملك فرعون كانت أربعمائة سنة، وعاش نيفاً وستمائة سنة لم ير في حياته مكروهاً، ولم يزل مُخوّلاً في نِعم الله تعالى حتى
أخذه الله نكال الآخرة والأولى وكان قصيراً وطول لحيته سبعة أشبار، كذا في السكردانٍ.
ومن محاسن مصر
(الروضة) قال المقريزي: وتطلق في زماننا على الجزيرة التي هي بين مدينة مصر ومدينة الجيزة، والجزيرة كلّ بقعة في وسط البحر، سميت بذلك لأنها جُزرت، أي قُطعت عن معظم الأعظم، والنيل دائر عليها وفيها من الثمار
стр. 45
والبساتين ما ليس في غيرها، وهي متنزه أهل مصر، وفيها قيل:
أرى سوح الجزيرة من بعيد ... كأحداقٍ تغازلُ بالمغازلِ
كأن مجرّة الجوزاء حطّت ... وأثبتتِ المنازلَ في المنازلِ
وللأسعد بن مماتي:
جزيرة مصر لا عدتكِ مسرةٌ ... ولا زالت اللذاتُ فيكِ اتصالها
فكم لك من شمسٍ على غصنِ بانةٍ ... يُميت ويُحيي هجرها ووصالها
ومنها خليج مصر وهو بظاهر الفسطاط، ويمر من غربي القاهرة وهو أقدم خلجان مصر الثمانية، احتُفِر أيام هاجر، وكان مصبه القلزم إلى أن قدم محمد
стр. 46
بن عبد الله بن الحسن العلوي بالمدينة، فكتب الخليفة المنصور إلى عامله بمصر أن يطمَّ هذا الخليج، حتى لا يحمل الميرة من مصر إلى المدينة، فَطُمَّ وانقطع اتصاله بالقلزم. ولما بنيت القاهرة بشرقيه صار يعرف بخليج القاهرة، وتسمّيه العامة بالخليج الحاكمي. وقال فيه الشعراء فأكثروا، قال ابن الساعاتي:
وعلى السد عزةٌ قبل أن تم ... لكه ذلةُ المحبِّ الخضوعِ
كسروا جبرَه هناك فحاكَى ... كسرَ قلبٍ يتلوهُ فيضَ دموعِ
ولسبط الملك:
سدّ الخليج بكسره جَبَرَ الورى ... طُراً فكلٌّ قد غدا مسرورا
الماءُ سلطانٌ فكيفَ تواترت ... عنه البشائرُ إذ غدا مكسورا
قال آخر:
للهِ درُ الخليجِ إنّ له ... تفضلاً لا نزال نشكره
حسبكَ منهُ بأنّ عادته ... يَجْبُرُ من لا يزال يكسره
وقال آخر:
كُسِر الخليج وكان ذلك نعمة ... سرّت قلوب العالمين بنشرهِ
ومن العجائب والغرائب أنه ... جُبرت قلوبُ العالمين بكسرهِ
ولابن تميم:
خليج كالحسام له صقالٌ ... ولكن فيه للرائي مسرّه
ترى فيه المِلاحَ تجيد عوماً ... كأنّهم نجومٌ في المجرّه
стр. 47
بركة الفيل
ومن محاسنها بركة الفيل، التي كأنَّها دارة الهلال، أو سماء تزينت مجرتها بنجوم من الجمال، ونحوها بركة الرطلي، فإنها لا تزال تبدي محاسنها وتملي، وفيها أنشد لنفسه التقي المقريزي:
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت ... بها المناظرُ كالأهدابِ للبصرِ
كأنَّما هي والأبصار ترمقها ... كواكبٌ قد أداروها على القمرِ
وقال حسن التميمي:
أقمتُ بالبركةِ الفيحاَء مدهقة ... والماء مجتمع فيها ومسفوحُ
إذا النسيم جرى في مائها اضطربت ... كأنَّما ريحهُ في جسمها روحُ
مدراس
ومن محاسن مصر: (المدرسة المنصورية) قال السيوطي: أنشأها والبيمارستان
الملك المنصور قلاوون، وكان على عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، فلما تمت دخل إليه الشرف البوصيري فمدحه بقصيدة أولها:
أنشأت مدرسةً ومارستانا ... لتصحح الأديان والأبدانا
فأعجبه ذلك وأجزل عطاءه، ورتّب في هذه المدرسة دروس فقه على المذاهب الأربعة، ودرس تفسير، ودرس حديث، ودرس طب.
ومدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون شرع في بنائها سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة. قال المقريزي: لا يعرف ببلد الإسلام معبد يحكي هذه المدرسة في كبر قالبها أو حسن هندامها، أقامت العمارة فيها مدة ثلاثين سنة لا تبطل يوماً واحداً، ورُصد لمصروفها كلّ يوم عشرون ألف درهم، عنها ألف مثقال ذهباً، حتى قال السلطان: لولا أن يقال سلطان عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها.
وذَرْعُ إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعاً في مثلها، ويقال إنه أكبر من إيون كسرى بخمسة أذرع. وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة. قال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر: وكان السلطان حسن أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض، فقال له البهاء السبكي: هو باب من أبواب الفقه، فأعرض عنه. فاتفق وقوع قضية في الفرائض مشكلة، فسئل عنها البهاء السبكي فلم يُجِب، فأرسلوا إلى الشيخ شمس الدين الكلايء، فقال: إن كان الفرائض من أبواب الفقه فما له لايجيب عنها!؟ فشقّ ذلك على البهاء وندم على
стр. 48
ما قال. وكان السلطان عزم على أن يبني أربع منائر فتمت ثلاثة، إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، سقطت المنارة التي على الباب فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام، الذين كانوا قد رتّبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بأن ذلك ينذر بزوال الدولة، فاتفق قتل السلطان بعد ذلك بثلاثة وثلاثين يوماً!!
وقلما قيل من شيءٍ لمسألةٍ ... إلا ويبدو لها في الناسِ من خبر
وفي هذه التواريخ ومدة العمارة تنظير.
ومن محاسن مصر (المدرسة المؤيدية) قال السيوطي: انتهت عمارتها سنة تسع عشرة وثمانمائة، وبلغت النفقة عليها أربعين ألف دينار، واتفق بعد ذلك بسنة، مَيْل المنارة التي بنيت لها على البرج الشمالي بباب زويلة، فأكثر الشعراء من القول في ذلك، قال الحافظ ابن حجر: وكنت قلت وأنشدت بمجلس المؤيد:
لجامعِ مولانا المؤيد رونق ... منارتهُ بالحسنِ تزهو وبالزّين
تقول وقد مالت على البرج أمهلوا ... فليس على جسمي أضرّ من العين
فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني، فقال إن فلاناً قد عرّض بك، فغضب واستعان بمن نظم له نقيضهما ونسبهما لنفسه، وعرف كلّ من يذوق الأدب أنهما ليسا له، لأنَّه لم يقع له قريب من ذلك:
منارة كعروسِ الحسنِ إذ جليت ... وهدمها بقضاءِ الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط ... ما أوجبَ الهدمَ إلا خسّةُ الحجر
قلت: هما للنواجي الأبرص لا بارك الله فيه، انتهى. من أنباء الغمر. وكان يقال ما أُتيَ المرءُ إلا من نفسه، وقال ابن النبيه:
بجامع مولانا المؤيد أُنشئت ... عروسٌ سمت ما خلت قط مثالها
ومذ عَلِمتْ أن لا نظيرَ لها انثنت ... وأعجبها والعُجْب عنّا أمالها
حوادث غريبة بمصر
ذكر بعض الحوادث الغريبة بمصر لما اشتملت عليه من الحكم:
حكى السيوطي في المحاضرة أن في سنة ست وستين من الهجرة وقع الطاعون بمصر، وفي سنة سبعين كان الوباء، وحكي أن بعض الزهاد قال: بلغني ما وقع ببغداد
стр. 49
من القتل الذريع، فقلت يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له!؟
فرأيت في النوم رجلاً في يده كتاب فأخذته منه فإذا فيه:
دع الاعتراض فما الأمر لك ... ولا الحكم في حركاتِ الفَلَكْ
ولا تسأل الله عن فعلهِ ... فمن خاضَ لجةَ بحرٍ هلكْ
ثم قال السيوطي قلت: أجرى الله عادته أن العامة إذا زاد فسادها وانتهكت الحرمات بينهم، أرسل الله عليهم آية في أثر آية، فإنْ لم ينجح ذلك فيهم أتاهم بعذاب من عنده، وسلّط عليهم من لا يستطيعون له رداً ولا دفاعاً، انتهى. وأصل ذلك سر قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.
وما أحسن ما قال:
стр. 50
سلّم له الأمر تَعشْ سالماً ... وأرض بأحكامِ اللطيفِ الخبيرِ
ولا تقلْ علمي ولا حكمتي ... فالحكم لله العلي الكبيرِ
وفي سنة خمس وأربعين ومائة انتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح، ففزع الناس لذلك.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ظهر في السماء شيء مستطيل دقيق الطرفين عريض الوسط من ناحية الغرب، فأقام من وقت المغرب إلى العشاء الآخرة ثم انقضّ. حكاه السيوطي عن صاحب المرآة.
وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال ابن الجوزي: طلع نجم ذو جُمّة، ثم صارت الجُمّة ذؤابة.
وفي تلك السنة غار النيل فلم يبق منه شيء، وهذا شيء لم يعهد مثله. وفي أيام أحمد بن طولون تساقطت النجوم، فراعه ذلك، فسأل العلماء والمنجمين عن ذلك فما أجابوا، وللجمل في ذلك:
قالوا تساقطت النجو ... م لحادث خَطْبٍ عسير
فأجبتُ عند مقالهم ... بجواب محتنكٍ خبير
هذي النجوم الساقطا ... تُ رجومُ أعداءِ الأمير
وفي سنة أربع وثمانين ومائتين ظهرت بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق، من وقت العصر إلى الليل.
وفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال، قبل مغرب الشمس فأضاءت الدنيا منه، وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد.
وفي سنة ثلاثين ظهر كوكب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيماً جداً منتشراً، وبقي ثلاثة عشر يوماً إلى أن اضمحل.
стр. 51
وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة شديدة، هدمت البيوت، ودامت ثلاث ساعات. وفي سنة تسع وأربعين رجع حجاج مصر من مكة، فنزلوا وادياً أخذهم فيه السيل عن آخرهم. وفي سنة ستين سار رجل من مصر إلى بغداد وله قرنان، فقطعهما وكواهما، وكانا يضربان عليه، حكاه صاحب المرآة.
وفي سنة أربع وثمانين وخمس وثمانين انفرد بالحج أهل مصر، ولم يحج ركب العراق ولا الشام لفساد الطريق بالأعراب.
وفي سنة سبع وتسعين كسا الحاكم الكعبة القباطي البيض.
وفي سنة سبع وأربعمائة تشعّب الركن اليماني من المسجد الحرام، وسقط جدار من قبر النبي ﵇، وسقطت القبة الكبيرة على صخرة بيت المقدس.
وفي أيام الحاكم زلزلت مصر زلزله شديدة حتى رجفت أرجاءها وضجت الأمة، فقال محمد بن قاسم بن عاصم شاعر الحاكم:
بالحاكم العدل أضحى الدين معتلياً ... وكيف لا وهو نجل السادة النُجبا
ما زلزت مصر من سوء يراد بها ... وإنَّما رقصت من عدله طربا
وفي سنة ثلاثين لم يحج أحد من الأقاليم بأسرها.
وفي سنة إحدى وأربعين ارتفعت سحابة سوداء ليلاً وزادت على ظلمة الليل،
فظهرت جوانب السماء كالنار المضيئة، واستمرّت ساعة والناس يتضرعون.
وفي سنة ثلاث وأربعين قال في المرآة: عَمّ الوباء والقحط مصر والشام وبغداد والدنيا، وانقطع ماء النيل، وفيها ظهر نجم له ذؤابة بيضاء طولها في رأي العين نحو عشرة أذرع في عرض ذراع، واستمرّ كذلك شهراً كاملاً ثم اضمحل.
وفي سنة ستين وقع بمصر غلاء لم يسمع بمثله من عهد يوسف الصديق ﵇، وأقام سبع سنين متوالية، بحيث أُكلت الميتة، وبيع الكلب بخمسة دنانير، ولم يبق للخليفة سوى ثلاثة أفراس بعد العدد الكثير، ونزل الوزير يوماً عن بغلته، فأُخذت من غلمانه فذُبحت وأُكلت، فأخذ الذين أكلوها وصلبهم، فأصبحوا وقد أكلهم
стр. 52
الناس ولم يبق إلا عظامهم، وبلغت البيضة ديناراً، وأردب القمح مائة دينار، ثم انعدم حتى حكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مُدّ جوهر فقالت: من يأخذه بمثله من البر؟ فلم يلتفت إليها أحد!!
وفي سنة سبع وتسعين هبط النيل فاشتد الغلاء والوباء، وتفرق الناس وتمزقوا كل ممزق، وكان الرجل يذبح ولده، فتساعده أمه على طبخه، وكان الرجل يدعو صديقه ليضيفه فيذبحه ويأكله، وفعل ذلك بالأطباء وكثُر الفناء. قال الذهبي في العبر فلو قال القائل مات ثلاثة أرباع الإقليم لما أبعد.
وقال العماد الأصفهاني: في سنة كذا اشتد الغلاء وامتد البلاء وحدثت المجاعة وتفرقت الجماعة، وهلك القوي فكيف بالضعيف، وتساوى المبتذل والعفيف، وخرج الناس حذر الموت من الديار المصرية، وتفرقوا في الأقطار الحجازية والشامية، ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال.
وفي سنة أربع وسبعمائة ولدت كلبة أربعين جرواً، وأحضرت بين يدي السلطان فتعجب من ذلك وسأل المنجمين فلم يجيبوا عن ذلك.
وفي سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة رسم للأشراف بالديار المصرية والشامية، أن
يسموا عمائمهم بعلامة خضراء تمييزاً لهم عن الناس، ففعل ذلك، وفيه يقول ابن جابر الأندلسي صاحب البديعية وشارح الألفية في النحو:
جعلوا لأبناءِ الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهرِ
نور النبوة في جمال وجوههم ... يُغْني الشريف عن الطراز الأخضرِ
وقال الشمس الدمشقي:
أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشرافِ
والأشرف السلطان خصصهم بها ... شرفاً ليفرقهم من الأطرافِ
وقال طاهر الحلبي:
ألا قل لمن يبغي ظهور سيادة ... تملكها الزهر الكرام بنو الزهرا
لئن نصبوا للفخر أعلام خضرة ... فكم رفعوا للمجد ألوية حمرا
وفي سنة عشر وثمانمائة ولدت جاموسة ببلبيس مولوداً برأسين وعنقين وأربع
стр. 53
أيدٍ، وسلسلة ظهر واحدة ورجلين أثنين وفرج أنثى والذنب مفروق باثنين، وكانت من بديع صنعة الله تعالى، ولا تزال النفوس تعجب من الغريب وفيها ما يكفيها كما قال وفي أنفسكم أفلا تبصرون
في الأرض آيات فلا تك منكراً ... وعجائبُ الأشياء من آياتهِ
وفي سنة إحدى وعشرين بعد كسر الخليج، غرق لبعض السوقة ولد، فأراد دفنه فمنعه أعوان الوالي حتى يستأذنه، فمضى ليستأذنه فأمر بحبسه، ثم قيل له إنك لا تُطلَق حتى تعطي الوالي خمسة دنانير، فالتزم بها وخرج فباع موجوده وموجود زوجته أم الغريق، فبلغ أربعة دنانير واقترض ديناراً آخر، وأخذ ولده فدفنه وترك المرأة وهرب من القاهرة ليلاً، فبلغ ذلك السلطان فساءه وطلبه الوالي فضرب بحضرته، ولم يعزله. حكى الحافظ ابن حجر: فإن شئت فقل عدم عزله سياسة، وإن شئتَ فقل إيثاراً للمنافع، أو لأنَّه لم يجد عمالاً لا من الملائكة ولا من أهل
العصمة، وإن شئت فقل ما في الإمكان أبدع مما كان، فلا تطلب من شيء غير ما تشاهد منه.
وفي الطبقات نقل الشيخ أحمد زروق عن الشيخ أحمد بن عقبة الحضرمي، أنه قال له أو لرفيقه: أخرجوا من هذه البلاد - يعني مصر - فإنها تذهب نور الإيمان، هكذا قال عن زورق، وقال: يتعين على كلّ من دخل هذه البلاد أن يجدد إيمانه، يعني بما يشاهده من المنكر، وإنه لصحيح لمن نظر بعين الإنصاف.
وفي سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة ذُبِحَ جملٌ بغزة فأضاء لحمه كما يضئ الشمع، وشاع ذلك حتى بلغ حد التواتر، ورُمي من لحمه لكلب فلم يأكله!!
وفي سنة أربع وعشرين شَنَقَ بعضُ العوام نفسه قهراً من زوجته، وكان طلقها وهو يحبها، فاتصلت بغيره وكادته فيه فقتل نفسه. وكان يقال:
إذا رأيت أموراً ... منها القلوب تفتّت
فتش عليها تجدها ... من النساء تأتّت
وما أصدق ما قال:
إن النساء وإن نُسبن لعفةٍ ... رمم تقلّها النسور الحوّمُ
اليوم عندك سرها وحديثها ... وغداً لغيرك ساقها والمعصمُ
وفي سنة ست وأربعين وصل الشريف علي بن حسن بن عجلان أمير مكة المشرفة
стр. 54
من الطور، وكان السلطان أرسل بالقبض عليه، فجهّز في البحر إلى الطور ومعه أخوه إبراهيم مقيدين، فحبسا ببرج القلعة وأخوهما أبو القاسم قد استقر في الإمرة، وتوجه صحبة الركاب، وشرط عليه أن يبطل النزلة، ويعاقب من فعلها. وقد خرجنا عن المقصود ولكن بحسب ما قيل:
إذا عرف الإنسانُ أخبارَ من مضى ... توهمته قد عاشَ من أول الدهرِ
وتحسبهُ قد عاش آخر عمره ... إلى الحشرِ إن أبقى الجميلَ من الذكرِ
ومن العجائب بصعيد مصر شجرة العباس، وهي شجرة متوسطة وأوراقها قصيرة منبسطة، فإذا قيل لها: يا شجرة العباس، حال الناس، اجتمعت أوراقها واحترقت لوقتها، كذا في المحاضرة.
ومن محاسن مصر قصب السكر الذي لا يوجد مثله في غيرها، وعن الشافعي: ثلاثة أشياء دواء للداء الذي لا دواء له، العنب ولبن التفاح وقصب السكر ولولاه ما أقمت بمصر، وعلى ذلك فما أحلى قول القائل:
نزلنا على القصبِ السكريّ ... نُزولَ رجالٍ يريدون نهبه
بِجزٍ كجزِّ رقابِ العدا ... ومصٍ كمصِ شفاهِ الأحبه
وقال آخر:
تحكيه سمر القنا ولكن ... يزيد في جسمه طلاوَه
وكلما زدته عذاباً ... زادتك من ريقه حلاوَه
وقال آخر:
مهفهفٌ قدّ ريقه الشهدُ إن بدا ... يحاكي القنا لكن بغير سنانِ
стр. 55
ويرجى لكلّ الناس منه منافعٌ ... ويؤكلُ بعد العصرِ في رمضانِ
وفي المعنى:
وذي هَيَف كالرمح رنّحه الصبا ... يفوق القنا طولاً بغير سنانِ
له ولد كلّ البرايا تحبهُ ... وتشتاقه إن عزّ منه تداني
وأعجب ما فيه يرى الناسُ أكلَهُ ... حلالاً بُعيدَ العصر في رمضانِ
قال البصير في التذكرة: والقصب أجوده المصري والهندي، الغليظ، الكثير الماء، الصادق الحلاوة، الطويل العقد، وهو حار في الأولى رطب في الثانية، يهضم ويلطف الدم، وهو أشد ملايمة من السكر، وإن شرب عليه الماء الحار وأخرج بالقيء، نقَّي البدن من الأخلاط اللزجة.
ومن محاسن مصر السبع زهرات التي تجتمع في صعيد واحد، وهي النرجس، والأقاح، والشقيق، والياسمين، والبنفسج، والآس، والورد. ومن محاسن ما قيل في هذه الأزهار:
أنت يا نرجسة الرو ... ض لما في الروضِ ستِّ
ودليل القول عندي ... أن أوراقك سِتِّ
وعلى ذلك فما أبهى قول البهاء زهير:
بروحي من أسمّيها بستّي ... فتنظرني النحاةُ بعين مقتِ
يرَوْن بأنني قد جئت لحناً ... وكيف وإنني لزهير وقتي
стр. 56
إذا ملكت جهاتي الست حقاً ... فلا عجب إذا ما قلتُ ستي
ولابن الساعاتي:
ونرجس كالثغور مبتسم ... له دموع المحدّق الشاكي
أبكاه قطر الندى وأضحكه ... فهو مع القطر ضاحكٌ باكي
وللفارقي:
إن في عينيه معنى ... حدّث النرجس عنه
ليت لي من غصنه سه ... ماً ففي قلبي منه
وقال آخر:
وأحسن ما في الوجوه العيون ... وأشبه شيء بها النرجسُ
يظلّ يلاحظ وجه النديم ... فريداً وحيداً فيستأنسُ
وللتلعفري:
وأكثر الناس في تشبيههم أبداً ... للنرجسِِ الغضِّ بالأجفانِ والحدقِ
وما أشبهه بالعين إذ نظرت ... لكن أشبِّهه بالعين والورقِ
وللأهوازي:
-
للآس فضل بقائه ووفائه ... ودوام منظره على الأوقاتِ
قامت على أغصانه ورقاته ... كنصول نبل جئن مختلفاتِ
стр. 57
قيل: الآس أول شيء غرسه نوح ﵇ حين خرج من السفينة، ويكره السواك بعوده وعود د الرمان، لأنهما يحركان عرق الجذام. وفي مناهج العبر: اليونان تسمي الآس مرسينا وهو أنواع: أخضر وهو المشهور، وأصفر وهو ما فسد منه، وأزرق يسمّى الخسرواني. وثمره قدر الحمص، وله ذكر في الأشعار، وكثيراً ما يشبّه به العِذار، فمن ذلك في هذه المسالك:
ومهفهف ألحاظه وعِذارهُ ... يتعاضدان على قتالِ الناسِ
سفكَ الدماَء بصارمٍ من نرجسٍ ... كانت خمائلَ غمدهِ من آسِ
ومما قيل في المنثور - ولا تعبق رائحته إلا ليلاً -
أُنظر إلى المنثورِ ما بيننا ... وقد كساهُ الطل قمصانا
كأنَّما صاغته أيدي الحيا ... من أحمر الياقوت مرجانا
ولابن أبي حجلة:
زهر الوعود ذرى من طولِ مَطْلِكم ... لأنَّه من نداكم غير ممطورِ
والعبد قد جهّز المنظوم ممتدحاً ... فطابقوه إذا وافى بمنثورِ
وقال آخر وفيه الجناس التام:
ولم أنس قول الورد لا تركنوا إلى ... معاهدة المنثور فهو يمينُ
ألم تنظروا منه بناناً مخضباً ... وليس لمخضوب البنان يمينُ
وقال:
كأن الياسمين الغض لما ... أدرتُ عليه وسطَ الروض عيني
-
стр. 58
سماء للزَبَرْجَد قد تبدّت ... لها فيها نجوم من لجين
وقال:
يا مهدياً لي بنفسجاً عَطِراً ... يرتاحُ صدري له وينشرحُ
بشّرني عاجلاً مُصَحّفه ... بأن ضيقِ الأمورِ ينفسحُ
ولابن تميم:
عاينت ورد الروض يلطم خدّه ... ويقول وهو على البنفسجِ محنقُ
لا تشربوه وإن تضوّعَ نشرهُ ... ما بينكم فهو العدو الأزرقُ
وقال آخر:
للوردِ فضل على زهر الربيع سوى ... أن البنفسجَ أذكى منه في المهج
كأنَّه وعيونُ الناسِ ترمُقهُ ... آثارُ قرصٍ بدا في خدِّ ذي غنج
وقد أفرد الناس التصانيف في محاسن مصر وما اشتملت عليه من العجائب، قال الجلال السيوطي في كتابه حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: قال بعض من صنّف في فضائلها: بمصر الحمير المرسنة، والبقر الحسنة.
نكتة
حكى العبدري عن أبي عبيدة في كتابه المسالك أن أبا دلامة جاء إلى مصر مرة، ثم رجع فسئل عنها فقال: ثلثها تراب، وثلثها كلاب، وثلثها دواب. قيل: فأين الناس؟ قال في الثلث الأول. وعلى ذلك أقول:
ولقد أتيت ديار مصر مرة ... شوقاً لقوم هِمْتُ في إسعافهم
стр. 59
وسألت ذاك السفح عنهم قال لي ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم
استغفر الله، وليس هذا من باب التبرم بأهل مصر، على ما قال:
لا ترم في بئر شربت زُلالها ... آجرة فيقال أنّك غادرُ
وقال غيره:
وعماتك النخل كن مثلها ... لرامي الحجارة ترمي الرطب
فليت شعري أي فضيلة للنخل الذي لا يرمي حتى يُرمى، وهل ذلك إلا من باب المطاوعة رميته فارتمى؟ فالطاعة هنا ضرورية، لا يعلّق المدح بها، وربما تعلق بها الذم من وجه، كما قال قائل - وقد قيل له مالك تقع في الأمراء وأنت تستميرهم؟ -: نأخذ بعض مالنا ونطالبهم عند الله في الباقي والحيلة عليهم خير من الحاجة إليهم:
ولكل رأيت منهم مقاماً ... شرحه في الكتاب ممّا يطول
قال أبو عبيدة: وأما أهلها فقيل أعقل الناس صغاراً وأحمقهم كباراً، والعجب من نسبة الحمق إليهم، فإنه ينافي ما اشتملوا عليه من المكر والخديعة وأصناف الحيل المنقلب لديها بصر اللياقة خاسئاً وهو حسير، وأما أدوات المعروف فيهم فلا يشك في أنها لازمة لا متعدية، وإن كانت آراؤهم على سنن المكارم متعدية، اللهم إلا ما اقتضته الأدوار الفلكية من الأوامر الملكية.
قال الفاضل العبدري في رحلته: وكان وصولنا إلى هذه المدينة - يعني مصر - في أخريات رمضان المعظم، فأتممناه بها وصلينا معهم العيد، فلم أر يومئذ من أولئك الناس، من صدر منه الإيناس، فقلت:
تذكرتُ يومَ الفطرِ في مصر إذ أتى ... وقوس النوى ترمي الحشا أسهم الخَطْبِ
стр. 60
سراة نأوا أُنسي بنادي محلّهم ... وصحباً كراماً ضمّهم أفق الغربِ
فأفطرتُ من قبلِ الغدوّ بعَبْرةٍ ... شغلتُ بها يومي عن الأكلِ والشربِ
وقال معين الدين المالكي:
يا أهلَ مصر رأيتُ أيديكم ... عن بسطها بالنوالِ منقبضهْ
فَمُذ عدمت الغذاء عندكم ... أكلتُ كتبي كأنّني أرَضَهْ
وقال البدر البشتكي:
من أهل مصر ليس يس ... لم لا الوضيع ولا المعظم
ناهيك أن بأرضهم ... جبلاً فسمّوه المُقَطّم
أستغفر الله أن القلم إذا جال، قال في سرحه القيل والقال، وإلا فإذا كانت المنة من الاسترقاق، فأي حر يرضى بالقيد بعد الإطلاق؟ فكيف بمن يأنف من رق الحسنة ولو في المنام، وينشد في هذا المقام:
اسقني خمرة كرقة عقلي ... أو كديني ولا أقول كحالي
حذراً من توهم السمع أني ... قلت هذا في مَعْرِضٍ لسؤالي
وعلى جملة فإني أقول بمقتضى الحال:
كلّ البلادِ فداء مصر لأجلِ من ... قد زانها وهو الأميرُ الأوحدُ
مولاي إسماعيل ذو الحسبِ الذي ... تسعى الكرامُ لبيتهِ وتوحدُ
نكتة
الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسير قوله تعالى حكاية عن عزيز مصر يوسف أعراض عن هذاوتربة مصر تقتضي ذلك، يعني قلة الغيرة، وفي المعنى يقول أبو مفلح:
في مصر من إذا رأى في أهلهِ ... سوءاً كما في محكمِ الذكرِ حُكي
يقول إن كان له مروءةٌ ... لا ترجعي واستغفري لذنبكِ
стр. 61
قال أبو حبان: وأين هذا مما جرى لبعض ملوك بلادنا؟ وهو أنه كان بمجلس ندمائه وجارية تغني من وراء الستر، فاستعاد بعض الندماء من الجارية بيتاً، وكانت غنّت به، فما لبث أن جيء برأس الجارية في طشت، وقال له الملك: استعد هذا البيت من هذا الرأس، فسقط الكأس من يد النديم، ومرض مدّة حياة الملك.
(قلت) وهذا من ذاك، وإلا فما الحامل على التعريض بالأسماع؟
تناقض ما نرى إلا السكوت لهُ ... وأن نعوذَ بمولانا من النارِ
وقد أراح نفسه من ذلك عبد المحسن الصوري حيث يقول:
تعشقته سكران من خمرة الصبا ... على غرّةٍ من لوعتي ونحيبي
وشاركني في حبه كلّ ما جد ... يقاسمني في مُهجتي بنصيبِ
فلا تلزموني غيرةً ما ألفتها ... فإن حبيبي من أحبَّ حبيبي
ومن أبيات الوأواء الدمشقي:
ومحتجبٌ بين الأسنةِ والظبا ... وفي القلبِ من إعراضهِ مثل حجبهِ
أغار إذا آنست في الحي أنّه ... حِذاراً وخوفاً أن تكون لحبّهِ
وفي المعنى للبهاء زهير:
أغارُ على حرفٍ يكون من اسمها ... إذا ما رأته العينُ في خط كاتبِ
ومالي منها نائل غيرَ أنني ... أعلّلُ نفسي بالأماني الكواذبِ
حكى الصفدي في تذكرته عن الشيخ تاج الدين الفزاري أنه كان يقول: إن الحكماء وأهل التجارب يزعمون أن من أقام ببغداد سنة وجد في عمله زيادة، ومن أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بحلب سنة وجد في نفسه
стр. 62
شحاً، ومن أقام في دمشق سنة وجد في طباعه غلظاً، ومن أقام بمصر سنة وجد في أخلاقه رقة.
والذي يظهر أن ذلك بحسب الخلطة مع مساعدة البقعة والاستعداد، فقد رأيت من أقام بمصر فظهر بالتجبّر وآخر بالمذلة، وكان يقال:
عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والنارُ تطرحُ بالرمادِ فتخمدُ
رُويَ أنّ الله تعالى لما خلق الأشياء، قال القتل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك. وقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال
الحياء: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك.
(ورُويَ) أن الله تعالى جعل البركة عشرة أجزاء تسعة منها في قريش وواحد في سائر الناس، وجعل المكر عشرة أجزاء فتسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس، وجعل النجابة عشرة أجزاء تسعة منها في الروم وواحد في سائر الناس.
وحُكيَ أن الحجاج سأل ابن القرية عن طباع أهل الأرض فقال: أهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم عنها، رجالها حفاة، ونساؤها عراة، وأهل اليمن أهل سمع وطاعة، ولزوم جماعة، وأهل البحرين قبط استعربوا، وأهل اليمامة أهل حق وائتلاف، وأهل فارس أهل بأس شديد، وعزٍّ عتيد، وأهل العراق أبحث الناس عن الصغيرة وأضيعهم للكبيرة، وأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأهل مصر عبيد لمن غلب.
دع الأتراك والعربا ... وكن في حزب من غلبا
قال الجاحظ في كتاب الأمصار الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والحسن بهراة، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والعجائب بمصر، قلت وكلّ ذلك في كلّ أحد غاية ما في الباب، أن ذلك في هند أظهر منه في دعد، ومن أكثر من شيء نسب إليه.
فائدة
قيل ليس في الدنيا شجرة إلا وهي توجد بمصر، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
ويوجد في مصر كلّ وقت من الزمان كثير من المأكول والمأدوم والمشموم، وسائر البقول والخضر صيفاً وشتاءً، لا ينقطع منه شيء لبرد ولا حر.
стр. 63
أقول وكلّ ذلك لا يقوم بساعة من منادمة بعوضها وبرغوثها الذي لا سبيل إلى السلامة منه. وعلى ذكر البرغوث لا جمع الله به:
ثلاثُ باءاتٍ بلينا بها ... البقُ والبرغوثُ والبرغشُ
ثلاثة أوحش ما في الورى ... ولستُ أدري أيّها أوحشُ
ويقول الفيومي:
وخليل يقول لما رآني ... أبدا أوسع البراغيث ذمّا
إن في اسم البرغوث براً وغوثاً ... قلت لكنْ الاسم غير المسمّى
وقال آخر:
لا تكره البرغوث إن اسمه ... بِرُّ وغَوْثٌ لك لو تدري
فبِرّهُ مصُّ دمٍ فاسدٍ ... والغَوْثُ إيقاظُك للفجرِ
وقال آخر:
لا بارك اللُه في البعوضِ ولا ... بوركَ في البقِ والبراغيث
تناهبونا كأنَّهم عرب ... أو أمنا الحكم في المواريث
وقال آخر:
رقصت براغيث الشتا فأجابها ال ... ناموس فيه بالغناء المعلمِ
وتواجد البق الكثيف بطبعه ... طرباً على شرب المدامة من دمي
وقال آخر:
بعوض جعلن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغاني
كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن المغاني
وقال:
لقد قسم الله البراغيث في الورى ... فأوفر منها عند قسمتها قسمي
стр. 64
أنوحُ لما ألقى فتزعم أنني ... أغني فما تنفك ترقصُ في جسمي
وقال:
لا سقى الله بلدة كنت فيها ... البراغيث كلّهم أكلوني
قرصوني حتى تنمّر جلدي ... لو خلعت الثياب لم تعرفوني
وقال:
أنزلنا الدهر على معشر ... تغر بالناس أحاديثهم
فما أكلنا من ضيافتهم ... ما أكلت منا براغيثهم
فائدة لدفع البرغوث: يؤخذ عود نخل أو رمان ويكتب عليه: أيها البراغيث السود إنَّما أنتم جند من الجنود، أقسمت عليكم بعهد عاد وثمود إلا ما طلعتم على هذا العود، ولا أقتل منكم والداً ولا مولوداً، والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ويوضع في أحد أركان البيت، فإنه تجتمع عليه ما جرت به عادة هذه العزيمة ومن شرطها الهمة وهي العزم الجازم!!
إذا تخلفت أمراً كنت تعهده ... يجري الزمان على مجرى عوائدهِ
فإنَّما أنت لم تكمل شرائطه ... وإن ذاك التواني من فوائدهِ
الطريق إلى مكة المشرفة
المحامل السلطانية وجماهير الركبان لا تخرج إلا من أربع جهات: مصر، ودمشق، وبغداد، واليمن. فيخرج الركب المصري بالمحمل السلطاني والسبيل المسبل للفقراء بالماء والزاد والأدوية، والكحالين والأئمة والمؤذنين، والأمراء والجند، والقاضي والشهود والأمناء، وإذا نزلوا منزلاً أو رحلوا منه، تدق
стр. 65
الكوسات وينفر النفير، ليؤذن بالنزول والرحيل، فإذا خرج الركب من القاهرة نزل البركة، وهي على عشرة أميال من القاهرة، فيقيم عليها ثلاثة أيام أو أربعة ثم يرحل إلى السويس في خمس مراحل، ثم إلى نخل في مثلها، وفيه برك من عمل أمراء المشورة في الدولة الناصرية، ثم يرحل إلى أيْلَة في خمس مراحل وبها العقبة العظمى، فينزل منها حجز بحر القلزم، ويمشي على حجزه حتى يقطع من الجانب الشمالي إلى الجانب الجنوبي ويقيم به أربعة أيام وبه سوق عظيم، ثم
يرحل إلى بئر مدين وبه مغاير شعيب ﵇، وعلى مائها سقى موسى ﵇ غنم بنات شعيب، ثم يرحل إلى عيون القصب في مرحلتين، ثم إلى المويلح في ثلاث مراحل، ثم إلى الأزلم في أربع مراحل، وماؤه من أقبح المياه، ثم إلى الوجه في خمس مراحل وماؤه من أعذب المياه، ثم إلى أكره في مرحلتين وماؤه من أصعب المياه في هذا الطريق، ثم إلى الحوراء وهي ساحل بحر القلزم في أربع مراحل وماؤه يشبه ماء البحر لا يكاد يشرب، ثم إلى نبط في مرحلتين وماؤه من أعذب المياه، ثم إلى ينبع في خمس مراحل ويقيم بها ثلاثة أيام، ثم إلى الدهناء في مرحلة، ثم إلى بدر في ثلاث مراحل، وهي مدينة حجازية بها عيون وجداول وحدائق، ثم إلى رابغ في خمس مراحل وهي ناحية الجحفة التي هي الميقات، ثم إلى خليص في ثلاث مراحل وفي طريقه بئر عسفان، ثم يرحل من بطن مرّ إلى مكة المشرفة مرحلة واحدة، ثم يرجع إلى منازله إلى بدر فيعطف إلى المدينة النبوية، فيدخل إلى الصفراء مرحلة، ثم إلى ذي الحليفة في ثلاث مراحل، ثم إلى المدينة في مرحلة، ثم يرجع إلى الصفراء ويأخذ بين جبلين في فجوة تعرف بنقب عليّ، حتى يأتي الينبع في ثلاث مراحل، ثم يستقيم على طريقه إلى مصر.
وأما قدوم المبشّر بسلامة الحاج فله حكمة لطيفة، وهي أن الدابة تخرج
стр. 66
من جبل جياد في أيام التشريق والناس بمنى، على ما رُوي، فذلك سابق الحاج يخر بسلامة الحاج كذا في المحاضرة.
القاهرة المعزية
وأما القاهرة المعزية فالأصل في بنائها جوهر الصقلي، قائد المعز صاحب المغرب ومصر، وهو أول من ملكها من الفاطميين، وذلك لما مات كافور الإخشيدي صاحب مصر جهز المعز القائد جوهر إليها بعسكر عظيم، ومعه ألف حمل من السلاح ومن الخيل ما لا يوصف، فلما انتظم حاله وملك مصر ضاقت
بالجند والرعية، فاختطّ سور القاهرة وبنى بها القصور وسَمّاها المنصورة وذلك في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، فلما قدم المعز من القيروان سمّاها القاهرة، والسبب في ذلك أن القائد جوهر لما قصد إقامة السور جمع المنجمين، وأمرهم أن يختاروا طالعاً لحفر الأساس وطالعاً لرمي الحجارة، فجعلوا قوائم من خشب وبين القائمتين حبل فيه أجراس، وأفهموا العمال أنه ساعة تحريك الأجراس يرمون ما بأيديهم من الطين والحجارة، ووقف المنجمون لتحرير هذه الساعة وأخذ الطالع، فاتفق وقوع غراب على خشبة فتحركت الأجراس، فألقى العمال ما بأيديهم فصاح المنجمون: لا، القاهر في الطالع. وخانهم ما قصدوه وكان قصدهم أن يختاروا طالعاً فلا يخرج الملك عن نسلهم، فوقع أن المريخ كان في الطالع ويسمى عندهم القاهر، فعلموا أن الأتراك لا تزال هذه البلدة في أيديهم وأنهم لا بد أن يملكوا هذه الأقاليم، فلما قدم المعز أخبروه بذلك فوافقهم على أنها تؤول للأتراك، وسَمّاها القاهرة، فكان كما قيل وملكها الترك إلى يومنا هذا، انتهى. من السكَّردان. وفي ذلك يقول:
стр. 67
نبكي على مصر وسكانها ... مذ خربت أركانها العامره
وأصبحت للروم مقهورة ... من بعد ما كانت هي القاهره
حكى المقريزي أن قاهرة المعز رابع موضع انتقل إليه سرير السلطنة من أرض مصر في الدولة الإسلامية، ويشتمل على القصرين دارَيْ الخلافة، وهما القصر الكبير الشرقي، وهو منزل سكنى الخليفة ومحل حريمه، والآخر الغربي ويتحوّل إليه الخليفة أيام النيل للنزهة على الخليج والمتنزهات الغربية وهما متقابلان.
وللفقيه عمارة يرثي العاضد وهو آخر الفواطم:
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لكَ الملامةُ إن قصرت في عذلي
تالله زر ساحة القصرين وابكِ معي ... عليهما لا على صفين والجملِ
стр. 68
وأما معاملة مصر فقال في المسالك: الدراهم ثلثاها فضة وثلثها نحاس، والدرهم ثمانية عشر حبّة خروب وهي ثلاث قمحات، والمثقال أربعة وعشرون خروبة، والدرهم قيمته ثمانية وأربعون فلساً، والدينار الحبشي ثلاث وعشرون درهماً.
(وأما الكيل) فالإردب ست ويبات، والويبة أربعة أرباع، والربع أربعة أقداح، والقدح مائتان واثنان وثلاثون درهماً، ويختلف الكيل في أريافها، والرطل اثنا عشر أوقية، وهي اثنا عشر درهماً. كذا في المحاضرة. ولله در القائل:
لا ترقب النجم في أمر تحاولهُ ... فالله يفعل لا جَدْيٌ ولا حملُ
مع السعادة ما للنجم من أثرِ ... ولا يضرك مريخ ولا زحل
стр. 69
وعلى ذكر الدراهم لبعضهم:
إن الدراهم شأنها ... ألمٌ يشقُّ على الكرامِ
الضرب أول أمرها ... والحبس في أيدي اللئامِ
وقال يزيد بن حاتم:
إنا إذا اجتمعت يوماً دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبقُ
لا يألف الدرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرُّ عليها وهو منطلقُ
وقال آخر ملغزاً فيه:
يا فاضلاً فاق في المعاني ... وهو بإحكامها خبير
ما اسم إذا المرء لم يصبه ... أصابه نصفه الأخير
وحكى الواقع من قال:
النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء ما دام مشغوفاً بحبها ... مكبل القلب بين الهمِّ والنار
وعارضه من قال:
الدين أوّل دينار نطقت به ... والدرءُ للهم فيّ الدرهم الساري
كالقلب ذا وضياء العين ذا وهما ... كم يصلحان أمور الدين والدارِ
حكى المقريزي أن مصر ذكرت في القرآن بضعاً وعشرين موضعاً كناية وتصريحاً.
стр. 70
قال السيوطي: بل أكثر من ثلاثين موضعاً، وقال: عدة من دخلها من الأنبياء وفاقاً وخلافاً، اثنان وثلاثون، غير النسوة الأربع، وهن: مريم، وسارة، وآسية، وأمّ موسى واسمها يوحانذ، وأسماء أم موسى ألفاظ يتصرّف بتلاوتها. وقد نظمت في ذلك أبياتاً مشهورة، فقلت:
قد دخلتْ مصر فيما قد رُويَ زمرٌ ... من النبيين زادوا مصر تأنيسا
فهاك يوسف والأسباط اخوته ... يوحانذا وخليل الله إدريسا
لوطاً وأيوب ذا القرنين خضر سلي ... مان أرميا يُشع هارون مع موسا
شيثاً ونوحاً وإسماعيل قد ذكروا ... لازال من أجلهم ذا المصر مأنوسا
وبعده سارة لقمان آسية ... ودانيال وشعيا مريماً عيسى
وحُكي أن يوسف الصديق ﵇، لما دخل مصر وأقام بها قال: اللهم إني غريب فحببها إليّ وإلى كلّ غريب، فلا يدخلها غريب إلا أحب المقام بها.
نكتة
قال الكندي: قال تعالى حكاية عن يوسف الصديق وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو فجعل الشام بدواً، وسَمّى مصر مدينة، حكاه في المحاضرة. وفي قوله وجاء بكم من البدو إشارة إلى تفضيل المدن على البادية، ومنه: اللهم اجعلني حضرياً تقياً ولا تجعلني بدوياً شقياً.
وإني على ما فيّ من حضرية ... ليعجبني ظل الخباء المطنّب
لطيفة
قيل خلقت الدنيا على خمس صور الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، والجناح
الأيسر الهند والسند، والذنب من ذوات الحمام إلى مغرب الشمس.
فائدة
حكى المقريزي أن مطلع الشمس سهيل في سمت قبلة مصر،
стр. 71
وأما عرض مصر فثلاثون درجة، وطولها خمس وخمسون، على ما تحرر من الأزياج.
تتميم: أوّل من مَلَك الحرمين من آل عثمان: السلطان سليم بن بايزيد بن محمد بن مراد، وذلك لما افتتح مصر وحلب والشام، في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وفيها قتل الغوري بمرج دابق، وله قصة طويلة يطول شرحها، والسبب المعنوي في خراب مملكته، بتحقيق خبر ما عادانا بيت إلا خرب، ولا عوانا كلب إلا جرب أنه قتل طائفة من بني إبراهيم من أشراف ينبع، وبنى من رؤوسهم مسطبة جلس عليها أمراء عساكره.
قال القبطي وكان السلطان سليم شهماً عزيزاً، اشتهر عنه بيتان من الشعر تناقلتهما الركبان، ورأيتهما بخطه الشريف، في علو المقياس، على الكشك الذي بناه لما فتح مصر وسكن الروضة، وهما قوله:
الملك لله من يظفر بنيل منىً ... يتركه قهراً ويضمن بعده الدَرَكا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ... فوق الترابِ لكان الأمرُ مشتركا
وتحته ما صورته: وكتبه سليم. إلا أنه قد انمحى لطول الزمان مداده، ومال إلى لون البياض سواده، وتوفي بعد ذلك بثلاث سنين، وشريف مكة إذ ذاك السيد بركات وولده أبو نمي محمد، قاله في الأعلام.
الكونُ عندي كالخيالِ حقيقة ... في شكلهِ وعمومهِ وخصوصه
يبدي الخيالَ إلى الشخوصِ تواضعا ... والناطق الفعال غيرَ شخوصه
ما قيل في مصر
من الأشعار الرائقة والنكت الفائقة
فمن ذلك قول الشهاب الرومي:
إذا رمت صبراً عند فقري ببلدتي ... يقول الحيا لن تستطيع معي صبرا
стр. 72
وإن قلت إن الشام أشرف منزل ... سمعت لسان الحال قال اهبطوا مصرا
وقال مقتبساً:
ما مصر إلا منزل مستحسن ... فاستوطنوه مشرّقاً ومغرّبا
هذا وإن كنتم على سفرٍ بهِ ... فتيمموا منه صعيداً طيبا
وقال آخر:
رعى الله مصراً كم بها من مسرةٍ ... ومنزل أنس لاحَ كالطالعِ السعدِ
رويت الهنا عن سدها يومَ كسرها ... فها أنا مهما عشتُ أروي عن السدِّي
وقال آخر:
اشرب على مقياسِ مصر وغنِّ لي ... من روضةِ المعشوقِ في عشاقِ
وافخر بمصرَ على البلادِ فنيلها ... يعلو على الأوصافِ باستغراقِ
وقال الفيومي:
تعلّم هذا النيل من خُلقي الوفا ... لسكانِ مصرَ لهف قلبي على مصرِ
وحاكاهُ دمعي حمرةً وصبابةً ... كما قد حكاني في احتراقي وفي كسري
وقال:
إذا سلسلوا من مصر رأس خليجها ... فما ذاك من نقصٍ يلوح لفاضلِ
وما قصدوا إلا ليصدق أنه ... يُقاد إلى جنّاتها بالسلاسلِ
وقال:
البدرُ فوقَ النيلِ قد ... ألقى شعاعاً يأتلقْ
стр. 73
فحكى مِسَنّّاً أَزرقاً ... وعليهِ حكٌ من ورِقْ
وقال:
الشمسُ فوقَ النيلِ قد ... ألقت شعاعاًً كاللهبْ
فحكى مِسَناً أخضراً ... وعليه حك من ذهبْ
ولابن أبي حجلة:
سقى السفح من ذيل المقطم عارضٌ ... تعارضه من دمع عيني مواطرُه
فكم فيه من صب قضى وغرامه ... أوائله لا تنقضي وأواخرُه
وقال البدر:
عاتبتُ هذا النيل في تركِ الوفا ... فأجابني حالاً بغير توقفِ
سأفي وإن خانوا وأصلحُ بينهم ... ما كدتُ أفسدهُ ومثلي من يفي
وقال آخر:
أتطلبُ من زمانكَ ذا وفاء ... وترجو ذاكَ جهلاً من بنيهِ
وقد عدم الوفاء به وإني ... لأعجبُ من وفاءِ النيلِ فيهِ
وقال الدماميني:
رعى الله مصراً إننا في ظلالها ... نروحُ ونغدو سالمين من الجهدِ
стр. 74
ونشربُ ماَء النيل فيها براحة ... وأهل زَبيد يشربونَ من الكدِّ
وقال الفيومي:
إن مصراً نزهةُ الدنيا ... غاية المقصودِ والسولِ
مذ رأى الباري محاسنها ... ردّ عنها العينَ بالنيلِ
وقال ابن الوردي:
ديارُ مصرَ هي الدنيا وساكنها ... هم الأنامُ فقابلهم بتقبيلِ
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرحُ للنيلِ
وقال الفيومي:
أُنظر إلى النيلِ وجرمِ السما ... وماله من حسن تخييلِ
وصبغة اللهِ التي أظهرت ... لنا السماويَ من النيلِ
وله أيضا:
جميعُ الأرضِ فيها طيبُ عيشٍ ... ولذاتٍ وروضاتٍ أنيقه
ولكن كلّ ذا في غير مصر ... مجازٌ وهو في مصر حقيقه
وقال:
عدلت أيادي النيلِ في تقسيمها ... لِنداهُ للخلجانِ والأنهارِ
أكرم بهذا النيلِ من ملكٍ غدا ... في عدلهِ يمشي على الآثارِ
وقال:
تأملِ البحرَ والبدر المنيرَ وقل ... جلََّ المؤلفُ بين الماءِ واللهبِ
كأنَّما الريحُ فوقَ الماءِ قد نسجت ... درعاً فحلاهُ نورُ البدر بالذهبِ
وقال:
ولما رأيتُ الشمسَ عندَ طلوعها ... ونحن بوسطِ البحرِ في النيلِ من مصرِ
стр. 75
تخيلتُ هاتيكَ القلوعِ وسفنها ... قصورٌ نضار والقصور بنا تجري
وقال ابن نباتة:
آهاً لمصر وأين مصر وكيفَ لي ... بديارِ مصرَ مرتعاً وملاعبا
والدهرُ سلم كيفما حاولته ... لا مثلَ دهري في دمشق محاربا
أنشد المصري:
أرى أهل الشآمِ يفاخرونا ... وتلكَ وقاحةٌ فيهم وخصلَه
وكيف يفاخروا بالشامِ مصراً ... وشهوة كل من لهُ في الشامِ نخلَه
وقال الشامي:
يا أهل مصر بوادينا المقدسِ من ... فواكهٍ تشتهوها في منازلكم
أنتم زعمتم بأن النخل شهوتنا ... نعم صدقتم ولكن في سواحلكم
وقال الفيومي:
ينازع تفضيليَ الشام مغرضٌ ... كأنّي به قد ماتَ فيما ينازعُ
وليس احتراق البحرِ إلا لأنَّه ... على كسرهِ فاتتهُ تلك المواضعُ
وقال:
مصرُ مناي ومنتهى أربي ... زمن الربيع وبركة الرطلي
والشامُ في أيامِ ربوتها ... وزهوها معدومة المثلِ
وقال آخر يصف مصراً:
بها ما يلذُ العيشِ من حسنِ منظرٍ ... وما ترتضيهِ النفسُ من شهواتها
زمردةٌ خضراء قد زين قرطها ... بلؤلؤةٍ بيضاَء من زهراتها
وأصل هذا النظم ما قيل في وصفها أنها ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر سبيكة حمراء، كذا في كتاب النوادر والأخبار. وقال الصفدي:
في أهلِ مصر معانٍ ... من لطفهم تستفادُ
следующие страницы →