← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37345

رحلة الشتاء والصيف

محمد كبريت

Полный текст (247 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما عرض مصر فثلاثون درجة، وطولها خمس وخمسون، على ما تحرر من الأزياج. تتميم: أوّل من مَلَك الحرمين من آل عثمان: السلطان سليم بن بايزيد بن محمد بن مراد، وذلك لما افتتح مصر وحلب والشام، في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وفيها قتل الغوري بمرج دابق، وله قصة طويلة يطول شرحها، والسبب المعنوي في خراب مملكته، بتحقيق خبر ما عادانا بيت إلا خرب، ولا عوانا كلب إلا جرب أنه قتل طائفة من بني إبراهيم من أشراف ينبع، وبنى من رؤوسهم مسطبة جلس عليها أمراء عساكره. قال القبطي وكان السلطان سليم شهماً عزيزاً، اشتهر عنه بيتان من الشعر تناقلتهما الركبان، ورأيتهما بخطه الشريف، في علو المقياس، على الكشك الذي بناه لما فتح مصر وسكن الروضة، وهما قوله: الملك لله من يظفر بنيل منىً ... يتركه قهراً ويضمن بعده الدَرَكا لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ... فوق الترابِ لكان الأمرُ مشتركا وتحته ما صورته: وكتبه سليم. إلا أنه قد انمحى لطول الزمان مداده، ومال إلى لون البياض سواده، وتوفي بعد ذلك بثلاث سنين، وشريف مكة إذ ذاك السيد بركات وولده أبو نمي محمد، قاله في الأعلام. الكونُ عندي كالخيالِ حقيقة ... في شكلهِ وعمومهِ وخصوصه يبدي الخيالَ إلى الشخوصِ تواضعا ... والناطق الفعال غيرَ شخوصه ما قيل في مصر من الأشعار الرائقة والنكت الفائقة فمن ذلك قول الشهاب الرومي: إذا رمت صبراً عند فقري ببلدتي ... يقول الحيا لن تستطيع معي صبرا

стр. 72

وإن قلت إن الشام أشرف منزل ... سمعت لسان الحال قال اهبطوا مصرا وقال مقتبساً: ما مصر إلا منزل مستحسن ... فاستوطنوه مشرّقاً ومغرّبا هذا وإن كنتم على سفرٍ بهِ ... فتيمموا منه صعيداً طيبا وقال آخر: رعى الله مصراً كم بها من مسرةٍ ... ومنزل أنس لاحَ كالطالعِ السعدِ رويت الهنا عن سدها يومَ كسرها ... فها أنا مهما عشتُ أروي عن السدِّي وقال آخر: اشرب على مقياسِ مصر وغنِّ لي ... من روضةِ المعشوقِ في عشاقِ وافخر بمصرَ على البلادِ فنيلها ... يعلو على الأوصافِ باستغراقِ وقال الفيومي: تعلّم هذا النيل من خُلقي الوفا ... لسكانِ مصرَ لهف قلبي على مصرِ وحاكاهُ دمعي حمرةً وصبابةً ... كما قد حكاني في احتراقي وفي كسري وقال: إذا سلسلوا من مصر رأس خليجها ... فما ذاك من نقصٍ يلوح لفاضلِ وما قصدوا إلا ليصدق أنه ... يُقاد إلى جنّاتها بالسلاسلِ وقال: البدرُ فوقَ النيلِ قد ... ألقى شعاعاً يأتلقْ

стр. 73

فحكى مِسَنّّاً أَزرقاً ... وعليهِ حكٌ من ورِقْ وقال: الشمسُ فوقَ النيلِ قد ... ألقت شعاعاًً كاللهبْ فحكى مِسَناً أخضراً ... وعليه حك من ذهبْ ولابن أبي حجلة: سقى السفح من ذيل المقطم عارضٌ ... تعارضه من دمع عيني مواطرُه فكم فيه من صب قضى وغرامه ... أوائله لا تنقضي وأواخرُه وقال البدر: عاتبتُ هذا النيل في تركِ الوفا ... فأجابني حالاً بغير توقفِ سأفي وإن خانوا وأصلحُ بينهم ... ما كدتُ أفسدهُ ومثلي من يفي وقال آخر: أتطلبُ من زمانكَ ذا وفاء ... وترجو ذاكَ جهلاً من بنيهِ وقد عدم الوفاء به وإني ... لأعجبُ من وفاءِ النيلِ فيهِ وقال الدماميني: رعى الله مصراً إننا في ظلالها ... نروحُ ونغدو سالمين من الجهدِ

стр. 74

ونشربُ ماَء النيل فيها براحة ... وأهل زَبيد يشربونَ من الكدِّ وقال الفيومي: إن مصراً نزهةُ الدنيا ... غاية المقصودِ والسولِ مذ رأى الباري محاسنها ... ردّ عنها العينَ بالنيلِ وقال ابن الوردي: ديارُ مصرَ هي الدنيا وساكنها ... هم الأنامُ فقابلهم بتقبيلِ يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرحُ للنيلِ وقال الفيومي: أُنظر إلى النيلِ وجرمِ السما ... وماله من حسن تخييلِ وصبغة اللهِ التي أظهرت ... لنا السماويَ من النيلِ وله أيضا: جميعُ الأرضِ فيها طيبُ عيشٍ ... ولذاتٍ وروضاتٍ أنيقه ولكن كلّ ذا في غير مصر ... مجازٌ وهو في مصر حقيقه وقال: عدلت أيادي النيلِ في تقسيمها ... لِنداهُ للخلجانِ والأنهارِ أكرم بهذا النيلِ من ملكٍ غدا ... في عدلهِ يمشي على الآثارِ وقال: تأملِ البحرَ والبدر المنيرَ وقل ... جلََّ المؤلفُ بين الماءِ واللهبِ كأنَّما الريحُ فوقَ الماءِ قد نسجت ... درعاً فحلاهُ نورُ البدر بالذهبِ وقال: ولما رأيتُ الشمسَ عندَ طلوعها ... ونحن بوسطِ البحرِ في النيلِ من مصرِ

стр. 75

تخيلتُ هاتيكَ القلوعِ وسفنها ... قصورٌ نضار والقصور بنا تجري وقال ابن نباتة: آهاً لمصر وأين مصر وكيفَ لي ... بديارِ مصرَ مرتعاً وملاعبا والدهرُ سلم كيفما حاولته ... لا مثلَ دهري في دمشق محاربا أنشد المصري: أرى أهل الشآمِ يفاخرونا ... وتلكَ وقاحةٌ فيهم وخصلَه وكيف يفاخروا بالشامِ مصراً ... وشهوة كل من لهُ في الشامِ نخلَه وقال الشامي: يا أهل مصر بوادينا المقدسِ من ... فواكهٍ تشتهوها في منازلكم أنتم زعمتم بأن النخل شهوتنا ... نعم صدقتم ولكن في سواحلكم وقال الفيومي: ينازع تفضيليَ الشام مغرضٌ ... كأنّي به قد ماتَ فيما ينازعُ وليس احتراق البحرِ إلا لأنَّه ... على كسرهِ فاتتهُ تلك المواضعُ وقال: مصرُ مناي ومنتهى أربي ... زمن الربيع وبركة الرطلي والشامُ في أيامِ ربوتها ... وزهوها معدومة المثلِ وقال آخر يصف مصراً: بها ما يلذُ العيشِ من حسنِ منظرٍ ... وما ترتضيهِ النفسُ من شهواتها زمردةٌ خضراء قد زين قرطها ... بلؤلؤةٍ بيضاَء من زهراتها وأصل هذا النظم ما قيل في وصفها أنها ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر سبيكة حمراء، كذا في كتاب النوادر والأخبار. وقال الصفدي: في أهلِ مصر معانٍ ... من لطفهم تستفادُ

стр. 76

ورقةٌ في طباعٍ ... بها على الناسِ سادوا وقال: لا تغالي بمدح مصر وقصّر ... فهي دار سراتها الأوغادُ إن مصراً وإن تغاليت فيها ... جُمعت في صفاتها الأضداد وقال ابن أبي حجلة: دع عنك مصرَ فأهلها بعد الوفا ... ألفوا الجفا وتحجّبوا في الأبنيه قُلبتْ بها الأعيانُ حتى أنني ... شاهدتُ سعد الدين سعد الأخبيه وأصل هذا الشعر ما يحكى أن شهاب الدين القوصي، كان يوماً عند الملك الأشرف، فدخل عليه سعد الدين الحكيم وكان بينهما وحشة، فقال له الأشرف: يا شهاب الدين ما تقول في سعد الدين؟ فقال: هو عندك سعد السعود وعلى السمّاط سعد بلع، وعند المرضى سعد الذابح، وعند الضيف سعد الأخبية، فضحك الملك لذلك وأصلح بينهما، وأمر لكلّ منهما بتشريف. وقيل في باب زويلة: يا صاحِ لو أبصرت بابِ زويلة ... لعلمت قدرَ محلهِ بنيانا لو أن فرعوناً رآهُ لم يرد ... صرحاً ولا أوصى بهِ هامانا مشهد سيدنا الحسين وذكر مقتله وأجل فضيلة سمح بها الزمان لكليم البين، زيارة مشهد سيدنا الحسين، نفعنا الله تعالى بأنفاسه الطيّبة، ووالى على ضريحه شآبيب رحمته الصيّبة، والحسين هذا هو أبو عبد الله بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، ولد سنة أربع وقتل سنة إحدى وستين من الهجرة، بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، وإلى ذلك ينظر أبو عبد الله الفيومي حيث يقول:

стр. 77

تركتُ جفني واصلاً والكرى ... راء فجُدْ بالوصلِ فالوصلِ زَيْنُ ولا تجبني يا حياتي بلا ... فالقلبُ يخشى كربَ لا يا حُسيْنُ واختُلِف في قاتله لاجتماعهم على قتله، فقيل سنان بن أنس النخعي وقيل رجل من مذحج وقيل شمر ابن ذي الجوشن وقيل عمر بن سعد. = ومن تفكر في الدنيا وغايتها ... أقامهُ الفكرُ بين العجزِ والتعبِ - وكان الأمير على إخراج الخيل لقتاله عبيد الله بن زياد بأمر يزيد، كما حكاه السيوطي في التاريخ ولقد تجاوز الحد مَنْ قال إنَّما قتل الحسين بسيف جده ستُكتبُ شهادتُهم ويسألون. تنامُ النصارى واليهود بأمرهم ... ونوم بني الزهراء نوم مشرّد وما هي إلا رِدةٌ مستحيلةٌ ... وكفر قديم بالحديث ِيجدّد وكان الأمير على السرية عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان السبب في ذلك غرور أهل العراق وكان يقال: بلوتُ الناسَ قرناً بعد قرنٍ ... فلم أرَ غيرَ خَتّالٍ وقالي ولم أر في الخطوب أشد وقعاً ... وأصعب من معاداة الرجالِ وذقت مرارة الأشيا جميعا ... فما شيء أمر من السؤالِ ولما تبيّن له الغدر أراد الرجوع فمنع من ذلك، فلما كان يوم الجمعة الثالث من المحرم قدم عمر في أربعة آلاف، وبعث بخمسمائة فارس فنزلوا

стр. 78

على الماء وحالوا بينه وبين الحسين. ونادى منادياً: يا حسين لا ترى الماء حتى تموت عطشاً. ثم إن عمر كتب إلى ابن زياد: أما بعد فإن الله تعالى قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين عهداً أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه، أو أن يسير إلى أي ثغر شئنا، أو أن يأتيَ يزيد فيضع يده في يده. فكتب إليه أما بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه، ولا لتمنّيه، ولا لتعقد له عندي شافعاً، أعرض عليهم النزول على حكمي، فإن أبوا فقاتلهم ومثِّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق شاق ظلوم. فلما أتاه الكتاب ركب إلى الحسين وقال له: جاء الأمر بكذا، ثم إن عمر خرج فيمن معه، والحسين في أصحابه. في موقفٍ وقفَ الحِمامُ عليهم ... في ضنكة واِستحوذَ اِستحواذا فأخذ عمر سهماً ورمى به وقال: اشهدوا أنّي أول من رمى. وحمل أصحابه فصرعوا رجالاً وأحاطوا بالحسين وقاتلوه، فأدماه رجل من كندة يقال له مالك، فأخذ دمه بيده وقال اللهم إن كنت حبست عنّا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير منه، واشتدّ عطشه فدنا ليشرب، فرماه ابن تميم بسهم فوقع في فمه، فتلقى الدم بيده ورمى به إلى السماء وقال: بعد حمد الله والثناء عليه. اللهم إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. فأقبل شمر في نحو عشرة إلى منزل الحسين، وحالوا بينه وبين رحله، وأقدم عليه وهو يحمل عليهم، وقد بقي في ثلاثة، ومكث طويلاً من النهار، ولو شاءوا قتله لقتلوه، ولكن كان يتّقي بعضهم ببعضهم، ويحب هؤلاء أن يكفهم هؤلاء، فنادى شمر في الناس: ويحكم ما تنتظرون بالرجل؟ فحملوا عليه من كلّ جانب، فضرب كفّه اليسرى وعاتقه ابن شريك التميمي، فحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، وقال لخولة الأصبحي احتز رأسه، فأرعد وضعف، فنزل إليه وذبحه وأخذ رأسه فدفعه إلى خولة وسلب الحسين ما كان عليه حتى سراويله، وانتهبوا متاعه وما على النساء، وصنعوا ما صنعوا وما عسى أن نقول؟

стр. 79

وقسَت منهم قلوبٌ على من ... بكت الأرضُ فقدهم والسماءُ فابكهم ما استطعتَ إنّ قليلاً ... في عظيمٍ من المصابِ البكاءُ ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وأربعون ضربة، ثم نادى عمر من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه. فانتدب عشرة فداسوه بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره. مصائبُ شتى جمعت في مصيبةٍ ... ولم يكفها حتى قفتها مصائبُ وكان عدة من قتل معه اثنين وسبعين رجلاً، ومن أصحاب عمر ثمانية وثمانين غير الجرحى، ثم دفن في اليوم الثاني بالطفّ حيث قتل، وفي ذلك قيل: بالطفّ لي أسوةٌ في كلّ حادثةٍ ... فهات يا دهرُ ما أعددت من محنْ ما كنتُ أدري الليالي في غوائلها ... تسقي الحسينَ الردى والسمَّ للحسنْ ثم بعث عمر بن سعد برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى ابن زياد، ودخل خوله بن يزيد الأصبحي على ابن زياد برأس الحسين وهو ينشد: املأ ركابي فضةً وذهبا ... إني قتلتُ السيدَّ المُحجّبا قتلتُ خيرَ الناسِ أماً وأبا ... وخيرهُم إذ ينسبون نَسبا فوضع الرأس بين يدي ابن زياد، فكان ينكت ثنايا الحسين بقضيب كان في يده، وزيد بن أرقم حاضر وهو يقول له: اكفف، فلقد رأيت النبي ﷺ يقبّل هذه الثنايا. وإذا البيناتُ لم تغنِ شيئاً ... فالتماسُ الهدى بهنٍٍَّ عناءُ ثم بعد يومين دخل الكوفة عمر ومعه ثياب الحسين وأخواته، وفيهم عليّ بن

стр. 80

الحسين، وهو مريض، فأدخلهم علي بن زياد، وطيف برأس الحسين على خشبة في الكوفة، ثم بعث به إلى يزيد بن معاوية. خرجوا بهِ ولكلِّ باكٍ خلفهُ ... صعقاتُ موسى يومَ دُكَّ الطورُ والشمسُ في كبدِ السماءِ مريضةٌ ... والأرضُ واجفةُ تكادُ تمور وأرسل معه النساء والصبيان على الأقتاب، والأغلال في عنق علي بن الحسين وفي يديه، إلى أن جيء برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد في طست، فأمر الغلام فرفع الثوب الذي كان عليه، فلما رآه ستر وجهه بكمه كأنَّه اشتمَّ من رائحة، وجعل يقرع ثناياه بقضيب كان في يده وهو يقول: الحمد لله الذي كفانا المؤونة، (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله)، ومكث الرأس مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام، ثم تُرك في خزائن السلاح، والقصة أشهر من نار على علم، وقد أفردت بالتأليف. وإنَّما ذكرت هذه النبذة ردعاً للنفس عند تطورها وتهورها، وإلا فما ثمرة الأسف؟ والعتب على الماضي عبث. ودع عنكَ أمراً قد مضى لسبيلهِ ... ولكن على ما نالكَ اليوم فاقْبِل وما أوقع ما قال: يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحطّ الصخورَ من هبّودِ يحكم اللهُ ما يشاءُ ويُمضي ... ليسَ حكم الإلهِ بالمردودِ وقال وما يجدي المقال: بعضُ الذي نالنا يا دهرُ يكفينا ... فامنن ببقيا وأودعها يداً فينا إن كان قصدكَ إرضاَء العدو بنا ... فدون هذا به يرضى مُعادينا

стр. 81

وقال آخر: آل حربٍ أوقدتم نارَ حربٍ ... ليس يخبو لها الزمان وقودُ فابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلي وللحسينِ يزيدُ وما أحسن ما قال: طالع تواريخَ من في الدهر قد وجدوا ... تجد هموماً تُسلّي عنك ما تجدُ تجد أكابرهم قد جُرّعوا غُصصاً ... من الرزايا بها كم فُتّتت كبدُ رُوي عن ابن عباس أنه قال: رأيت النبي صلوات الله عليه وسلم فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي ما هذا؟. قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألتقطه منذ اليوم. فكان قتله في ذلك اليوم. وكذلك رأت أم سلمة وقالت: سمعت الجن تبكي على الحسين وتنوح عليه. وأخرج ثعلب في أماليه عن أبي حباب الكلبي، قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نواح الجن؟ فقال: ما تلقى أحداً إلا أخبرك أنه سمع ذلك. قلت: فأخبرني ما سمعت أنت. قال: سمعتهم يقولون: مَسَحَ الرسولُ جبينه ... فله بريق في الخدودِ أبواهُ من عليا قري ... شٍ وجَدُّه خيرُ الجدودِ وقال السدّي: لما قتل الحسين بكت السماء عليه، وبكاؤها حمرتها. وعن عطاء في قوله تعالى فما بكت عليهم السماء قال: بكاؤها حمرة أطرافها. وقيل مكثت السماء محمرّة الجوانب ستة أشهر، ثم لا زالت الحمرة فيها بعد ذلك، ولم تكن ترى فيها قبله، حكاه ابن حجر. وعلى الأفقِ من دماءِ الشهيد ... ين علي ونجله شاهدان فهما في أواخرِ الليلِ فج ... ران وفي أولياتهِ شفقان قصة حكي أن الإمام زين العابدين لما أُتيَ به إلى يزيد قال له: أنت ابن الذي قتله الله!؟ فقال: أنا ابن الذي قتله الناس. فقرأ يزيد وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فتلا الإمام زين العابدين ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها فلم يُحِرْ يزيد جواباً. وهذا من أعظم مواقف الحيرة، وإن تشعّب فيه طرق التأويل.

стр. 82

(وأما المشهد) فقال المقريزي: إن الأفضل ابن أمير الجيوش خرج في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى البيت المقدس، ولما دخل عسقلان أخرج رأس الحسين من مكان دارس، فعطّره وحمله إلى القاهرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وبنى بها ذلك المشهد الذي يشهد له بالإحسان، وكان الذي نقله إلى عسقلان من دار السلاح سليمان بن عبد الملك، ولما تكامل البناء حمل الرأس على صدره، وسعى به ماشياً إلى أن أحله في مقره، فكان كما قيل: وضعوهُ في جَدَثٍ كأن ضريحهُ ... في قلبِ كلّ موحدٍ محفورُ فيه السماحةُ والفصاحةُ والتقى ... وترابُ تربة قبرهِ الكافورُ وفي هذا المجال قال من قال: عجباً لهذا الدهرِ في أفعالهِ ... رأسٌ بمصر وجثة في كربلا يا قلب إن لم تعتبر مما ترى ... في الكونِ من تصريفهِ كرُّ البلا وقد اعتنيَ الدهر بهذا المشهد، وصاروا لله المنة من أحسن عمارات مصر، وعلى التربة رباط في غاية المحاسن، ومرتّبات يؤدى واجبها. ولهذا المشهد يوم من السنة وهو يوم عاشوراء، وفيه يقول البوصيري: كل يومٍ وكل أرضٍ لكربي ... منهم كربلا وعاشوراء وهو يوم تجديد الأحزان، وتغيير وجه الزمان، ولو لم يكن فيه إلا إحياء سنة أكثروا من ذكر هاذم اللذات وإن أعرضت عن ذلك نفوس همتها قتل المذكور بقتل الذكر، إذ ليس في يدها غير ذلك. ولقد قيل:

стр. 83

أترجو أمة قتلت حسيناً ... شفاعةَ جدِّه يومَ الحسابِ وللشيعة في هذا اليوم سُنن، منها عدم الاكتحال، وتلطّف في ذلك من قال: ولائمٌ لامَ في اكتحالي ... يومَ أراقوا دمَ الحسينِ فقلتُ دعني أحق عضو ... فيه بلبس السواد عيني ومنها الندب والنياحة، وإلى الصبر مصير الجزع، وما أحسن ما قال المتنبي: علينا لك الإسعادُ إن كان نافعاً ... بشقِ قلوبٍ لا بشقِ جيوبِ وقد فارقَ الناسُ الأحبةَ قبلنا ... وأعيا دواءُ الموت كلّ طبيبِ ومن المزارات التي بمصر مشهد السيدة نفيسة طيّب الله ثراها، وهي بنت الحسن ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أمها أم ولد، ولدت بمكة سنة أربع وخمسين ومائة، وقدمت مصر سنة إحدى وسبعين، وبها نشأت وتزوجت بإسحاق المؤتمن بن الإمام جعفر الصادق، فولدت منه القاسم وأم كلثوم ولم يعقبا، وكانت من الزهد والصلاح على ما لا مزيد عليه، وحجّت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن وتفسره، ولا تأكل إلا في ثلاثة أيام أكلة واحدة. ويحكى أن النيل توقف مرة فَرُفع إليها خَبَرُه، وما حصل بسببه من القحط، فأمرت أن يلقى قناعها في النيل، فلما أُلقيَ زاد النيل، كذا في الخطط! ومن المزارات بمصر تربة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وفي ذلك قيل: لما خشيتُ من الجحيمِ وحرِّها ... خوفاً وقد ضاقت عليّ مسالكي زرتُ الإمامَ الشافعي لعلني ... أجدُ الرضى بالشافعي من مالكي بِتُّ بها ليلة تجاه ذلك القبر المُعطّر، والقراء حوله يتلون الكتاب المطهّر، بأحسن أداء يتحرك له الجماد ويصفو له الفؤاد، فبتنا تلك الليلة نحييها، ونميت النوم ونعصي بالسهر أمره، فماله من سلطان على أعين القوم، وكانت ليلة سبت مبارك، جاد بها الدهر من فضل الله تعالى وتبارك. يا ليلة مرَّت لنا حلوة ... بها انتصفنا من صروفِ الزمانِ كانت على وفق المنى ليلة ... كم جهد قولي كان فيها وكان قال في إمتاع الأسماع: ولم يزل قبر الشافعي مزاراً يتبرك به إلى سنة ثمان وستمائة، حيث انتهى بناء هذه القبة التي هي على ضريحه، وقد أنشأها الملك العادل ابن

стр. 84

أيوب، وبلغت النفقه عليها خمسين ألف دينار، وقال الشعراء في شأن هذه القبة وأكثروا، فمن ذلك: أتيت لقبرِ الشافعي أزورهُ ... فعارضني فُلكٌ وما عنده بحرُ فقلتُ تعالى الله تلك إشارةٌ ... تشيرُ بأنَّ البحرَ قد ضمه قبرُ وقال النابلسي: لقد أصبحَ الشافعي الإمامٌ ... وفينا له مذهبٌ مُذهبُ ولو لم يكن بحر علمٍ لما ... غدا وعلى قبرهِ مركبُ القرافة والقرافة على نحو ميلين من القاهرة، قال في المُغْرِبْ في أخبار المَغْرِب وبت ليالي بقرافة الفسطاط وهي في شرقيها، وبها قبور عليها مبانٍ معتنى بها، وفيها القبة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعي، وبها مسجد وجامع، ومدرسة كبيرة للشافعية، وترب كثيرة، ولا تكاد تخلو من الطرب ولا سيما الليالي المقمرة، وهي أعظم مجتمعات أهل مصر. وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطم، وليس له علو ولا عليه اخضرار، وإنَّما يقصد للبركة والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها، ولا أبهى من أبنيتها، ولا أحسن تربة منها، كأنَّها الكافور والزعفران، مقدسة في جميع الكتب، من أشرف عليها رآها كأنَّها مدينة بيضاء، والمقطم عليها كأنَّه حائط من ورائها. وقال شافع بن علي: تعجبتُ من أمر القرافة إذ غدت ... على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو فألفيتها مأوى الأحبة كلّهم ... ومستوطن الأحباب يصبو له القلبُ

стр. 85

وقال آخر: إذا ما ضاقَ صدري لم أجد لي ... مقر نزاهة إلا القرافه لئن لم يرحم المولى افتقاري ... وقلةَ ناصري لم ألقَ رافه وفيها تربة الليث بن سعد الحنفي ويكون عنده سُرُج وخيرات وجمع، بحيث لا يوجد في مكانه قدر شبر خالٍ من القراء والفقراء والزوار، وهو مجرب لتفريج المضايق، وفيه قيل: الليثُ قُدّس سرّه ... وزكا أريجاً نشرُه ما أَمَّهُ ذو كُربةٍ ... إلا وآذن بِشْرُه قال ابن خلكان: إن الليث كان حنفي المذهب وإنه ولي القضاء بمصر، وإن مالكاً أهدى إليه صينية تمر فأعادها مملوءة ذهباً، توفي سنة خمس وسبعين ومائة، وسمع من الهاتف عند دفنه: دُفن الليثُ فلا ليثَ لكم ... ومضى العلمُ غريباً وقُبِر وهنالك تربة الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدّس الله سره، وهي تحت العارض، وهو مفازة بجبل المقطم، وفيه يقول أبو الحسين القصاب: لم يبق صَيّبُ مُزْنةٍ إلا وقد ... وجبت عليه زيارةُ ابن الفارضِ لا غرو أن يروي الصديّ ولحدُهُ ... أبداً ليوم العرضِ تحت العارضِ ولابن حجلة: - سقى السفح من ذيل المقطّم عارضٌ ... تعارضهُ من دمع عيني مواطره

стр. 86

فكم فيه من صبٍ قضى وغرامه ... أوائله لا تنقضي وأواخره وهذه التربة تجلو عن القلب الصدأ، وترشده إلى سبيل الهدى، وفيها يجد الفؤاد من السرور ما يملأ ألف وادٍ، قال في البرق الوامض: ولد ابن الفارض لست وأربعين وخمسمائة، وحَدّث عن القاسم بن عساكر وسمع منه الحافظ المنذري وروى شعره، قال: وكان قد جمع بين الجزالة والحلاوة في شعره. وكان أبوه يتولى الفروض بالقاهرة، قال ابن خلكان: كان على قدم التجريد، كثير الخير، جاور بمكة زماناً، وكان محمود العشرة. وفي تذكرة الكندي قال: حدّث شيخنا شهاب الدين محمود، أن ابن الفارض كان قاضياً، فلما كان في بعض الأيام من يوم جمعة دخل المسجد للصلاة وقت الخطبة، فوجد شخصاً يغني فنوى تأديبه، فلما انقضت الصلاة وانتشر الناس، برز، فناداه المذكور أن أقبل، فلما أقبل أنشده: قسمَ الإلهُ الأمرَ بين عبادهِ ... فالصبُّ ينشد والخَلىّ يسبحُ ولعمري التسبيح خير عبادة ... للناسكين، وذا لقوم يصلحُ فكان ذلك سبب زهده وفراق رسوم تهامته ونجده، وفي تذكرة الصلاح للصفدي أنه لما اجتمع بالشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة المشرفة أنشده:

стр. 87

في حالةِ البعدِ روحي كنتُ أُرسلها ... تقبّل الأرض عني فهي نائبتي وهذه نوبةُ الأشباحِ قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي وتوقف النيل في أيامه، فأرسل إليه الملك الكامل وهو بالروضة، فكتب رقعة وأمرهم أن يلقوها في النيل، فلما ألقوها فيه زاد وغمر البلاد، وهي هذه الأبيات: يا أيها النيلُ المباركُ إن تكن ... من عندِ ربكَ تأتِ فاجْرِ بأمرِه أو إن تكن من عند نفسك آتياً ... فالله يبسط بِرَّه في بَرِّه كم من بلاد لست تسلك أرضها ... ملأ الإله بيوتها من بِرِّه قال الصليبي اللعين بكفره ... والكفر يركض في جوانب صدرِه مسرى سرى والنيل أضحى واقفاً ... والدمع يجري من توقف بحرِه ومضى النسيء وليس فيه زيادة ... إن النسيء زيادة في كفرِه نحن الألى فزنا بجاه محمدٍ ... وبدينه وبفضله وبفخرِه فغنيّنا يرجوه ذُخْرَ غنائه ... وفقيرنا يرجو نداه لفقرِه يا بَرُّ إن البُرَّ أصبح غالياً ... فارخص بحق ما غلا من سعرِه وأفض على السد المبارك ماءه ... واكسره ربّ فجبرنا في كسرِه ومن أحسن ما رأيت بمصر المحروسة خان الخليلي فإنه كنز جمع من المحاسن أسناها، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن سَعَته وتشعب طرقه يكاد يكون مدينة مستقلة، وفيه قيل: كلُّ أرضٍ قد تسامت ... باقتضا أمر جليلِ فعليها مصر جَلّت ... إذ حوت خان الخليلِ

стр. 88

ورأيت بها محلاً يسمّى الماورديين، يحويه ثمانية أبواب، وهو مرتب الوضع متشعب، يكاد يضل فيه من لم يعرفه، بل ويقول بلسان الحال: لا تسلكن طريقاً لستَ تعرفها ... بلا دليلٍ فتهوى في مغاويها وقد جمع أنواع العطر وأصناف الثياب، إلى غير ذلك من المحاسن واللطائف، وبقربه صاغة اليهود، ولها سبعة أبواب، فلهما مناسبة بالجنة والنار، من حيث عدد الأبواب والكفر والإسلام. بولاق ومن محاسن مصر بولاق وما أدراك ما بولاق!!؟ ساحل ساح له السواح، وسحّ له سحاب الغدوّ والرواح، ودارت أفلاكه بالدراري، وجرت فُلْكه بخزائن الأرض في ذلك البحر الجاري، وغنّى في رياضه الشحرور والهَزَار، وترنم الشادي في محاسنه ببديع الأشعار: سقى الله هاتيك المعاهد من مصر ... بلاد بها قد كان بيتي على البحرِ وخودٌ تراءت من خلال قصورها ... كما لاحَ من بين السحابِ سنا البدرِ إذا احتجبت عنا بفاضل بردهِ ... رأيت لها ذيلاً على دميةِ القصرِ أعاذل في أهواء بولاق إن تكن ... محبتها ذنبي فإنّ الهوى عذري إذا كنت في مصر ولم تك نازلاً ... على نيلها الجاري فما أنت في مصرِ سقى الجيزة الريّا سحاب مقطب ... كما لقيتنا بالتأنس والبشرِ رحلت إلى تحصيل لذاتها التي ... سمعتُ بها عنها إلى ما ورا النهرِ نهار قصير فاق عمري كله ... فيالك يوم لا أرى مثله عمري تباكرني يا صاح بالراحِ عصبةٌ ... تراهم لفرط الألف كالماء والخمرِ ومُنيتها قد أصبحت لي منية ... وأمسيت لا أختار مصراً على مصرِ وقال: لم لا أهيم بمصر ... وأشتهيها وأعشق ولم تر العين أحلى ... من مائها إن تملَق وقد طال حديث مصر وزاد، ولكن بحسب ما قيل: أخبار مصر حديثها من حسنه ... يحلو لأن اللفظ منه سُكّر

стр. 89

يحلو إذا كررتموه وحسبكم ... بالسكر المصريّ حين يكرّر وأقول كما قيل: أعد ذكرَ من حلَّ الغضا يا معذبي ... وإن أضرموه بالأضالع والصدرِ ولا تنسَ سكانَ العقيقِ وإن هم ... على وجنتي أجروه في مدة الهجرِ وهذه قطعة من المقاطيع الحسنة، والنوادر المستحسنة، حسبما تيسّر جمعها من تلك الديار المصرية نقاية ونقلاً، ورواية وإملاء، لئلا تخلو هذه الورقات من فائدة، ولتكون صلة تلك الأبْيات الأبيّات عليها عائدة، فمن ذلك للفاضل أبي الفتح البستي ولقد أفاد وأجاد: إذا لم يزد علم الفتى قلبَهُ هدى ... وسيرته عدلاً وأخلاقه حُسنا فبشرهُ أن الله أولاه فتنة ... تغشيه حرماناً وتوسعهُ حُزنا وقال آخر: أفد العلمَ ولا تبخل به ... وإلى علمكَ علماً فاستزد من يفده يجزه اللهُ به ... وسيغنى الله عمن لم يفد وقال: لا تمنعن العلمَ طالبهُ ... فسواك أيضاً عنده خُبْرُ كم من رياض لا أنيسَ بها ... هُجِرت لأن طريقها وَعْرُ وقال: اجعل نديمك دفتراً في ضمِّه ... حكم العلوم وطيها في نشرهِ لتنال آداباً وتكسب عزة ... تغنيك عن زيد الزمان وعمرهِ وقال: العلم يأتي كلّ ذي ... خفض ويأبى كلّ آبي كالماء ينزل في الوها ... دِ وليس يصعدُ في الروابي

стр. 90

وقال: ألا لن تنالَ العلم إلا بستةٍ ... سأنبيكَ عن مجموعها ببيانِ ذكاء وحرصٌ واجتهاد وبلغة ... وهمة أستاذ وطول زمانِ وقال: بعشرٍ تنال العلم قوت وصحة ... وحفظٌ وفهم ثاقب في التعلمِ ودرسٌ وحرص واغتراب وهمةٌ ... وشرخ شباب واجتهاد معلمِ قال: علمُ الحديثِ فضيلة تحصيلها ... بالسعي والتطواف في الأمصارِ فإذا أردت حصوله بإجازة ... فقد استعضت الصّفرَ بالدينارِ فائدة قال الجلال السيوطي في الإتقان في النوع الرابع والثلاثين، في كيفية تحمّل القرآن: الإجازة من الشيخ، غير شرط في جواز التصدّي للإقراء والإفادة، فمن علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد، وعلى ذلك السلف الأولون والصدر الصالح، وكذلك في كلّ علم في الإقراء والإفتاء خلافاً لما يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطاً، وإنَّما اصطلح الناس على الإجازة لأن أهلية الشخص لا يعلمها غالباً ممن يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم، لقصور مقامهم عن ذلك والبحث عن الأهلية، ولا تجب الإجازة على الشيخ ولا يجوز أخذ الأجرة عليها. ومليحةٌ شهدت لها ضرّاتها ... والفضل ما شهدت به الأضدادُ والشاطبي: قل للأميرِ نصيحةً ... من حاذق فطن نبيهِ إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيهِ

стр. 91

وما أحسن ما قال: إذا الفتى فاته مال يجمّله ... ففي التأدبِ مما فاته خلفُ هو اللباس الذي لا شيء يعدله ... والمفخر الزين فيه الفضل والشرفُ وقال: كفى شرفاً بالعلمِ دعواه جاهل ... ويفرح أن يدعي إليه وينسبُ ويكفي خمولا بالجهالةِ أنه ... يُراعُ متى يعزى إليه ويغضبُ وقال: إذا ما اعتز ذو علم بعلمٍ ... فعلم الفقه أولى باعتزازِ فكم عرفٌ يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كبازِ وقال: وقد يدعي علم القراءات معشر ... وباعهم في النحو أقصر من شبرِ فإن قيل ما إعرابُ هذا ووزنه ... رأيت طويل الباع أقصر من فترِ وقال: من تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان وجرى في العلومِ جري سكيتٍ ... خلّفتهُ الجيادُ يومَ الرهان وما أصدق ما قال: كل من يطالب العلوم وحيداً ... دون شيخ فإنه في ضلالِ ليس في الكتب والدفاتر علم ... إنَّما العلم في صدور الرجالِ

стр. 92

وقال: اليوم حَرْفٌ وغداً مثله ... من نُخَبِ العلم التي تلتقط يحصِّلُ المرء بها حكمة ... وإنَّما السيل اجتماع النقط وقال: قيد بخطك ما يبديه فكرك من ... نتيجة تعجب الحُذّاق والفُضَلا فما نتائج فكر المرء بارزة ... في كلّ وقت متى ما شاءها فَعلا وقال: جئنا إلى العلم في زمان ... يحط فيه من كان عالم ويرتقي فيه للمعالي ... من عدّه الله في البهائم وقال: لو أن لقمان الحكيم الذي ... سارت به الركبان في الفضلِ يُبْلى بفقر وعيال لما ... فرّق بين التيس والبغلِ وقال: فصاحةُ حسانٍ وخط ابن مُقْلَةٍ ... وحكمةُ لقمان وزهد ابن مريمِ لو اجتمعت في المرء والمرء مفلس ... ونودي عليه لا يباع بدرهمِ وقال: إذا ما مات جارك ذات يوم ... ولست بواجد حبّ العَشاءِ فأنت بأن يُعَزّوك اليتامى ... أحق من اليتامى بالعزاءِ

стр. 93

وقال: إن كنت تسعى للزيادة فاستقم ... تنل المرادَ وقد سَموْت إلى السما ألِف الكتابة وهو بعض حروفها ... لما استقام على الحروفِ تقدما ابن زيادة في النقصان: من يستقم يُحرم مُناه ومن يَزِغ ... يختصُ بالإسعافِ والتمكينِ انظر إلى الألف استقام ففاته ... نقط وفاز به اعوجاج النونِ وقال آخر: ما للقريض غدتْ تُعافُ بحوره ... بين الأنامِ ودوحهُ لم يثمرِ غلبَ الكسادُ عليه حتى أنه ... لو بيع عند النجم غاب المشتري وقال: يا من يحاولُ راحة في دهرهِ ... صبراً على ما نلت من خَطْبٍ عَسِرْ وكن اسم فعل لا يؤثر عاملٌ ... فيه وإلا فالضمير المُستَتِر وقال: سرك إن أودعته ثانياً ... فاعلم بأن قد آن أن يفشيَه لأن ما أُضْمِر في حالة ال ... إفراد تستخرجه التثنيَه وقال: إياك من صاحب ترجو معونته ... أو فتية من بني الأيام تألفها ولا تقل أبتغي ثانٍ أضاف به ... فإن تثنية الأسماء تكشفها وقال: إذا نلت المنى بصديق ودّ ... وكان وفاقه وفق المراد فحاذر أن تعامله بقرض ... فإنّ القرض مقراض الوداد قال: لا تُقرضنّ الصديق شيئاً ... إن رمت أن تقتني وداده

стр. 94

فالأخذ مثل النكاح حلو ... والرد أنكى من الولاده وقال: تأنَّ وشاور لدى المشكلات ... فمنها جلىّ ومستغمضُ فرأيان أثبت من واحدٍ ... ورأى الجماعة لا ينقضُ وقال: إذا اجتمع الناسُ في واحدٍ ... وخالفهم في الرضى واحد فقد دلَّ إجماعهم دونهُ ... على عقلهِ أنه فاسد وقال: على قدرك الصهباء تعطيك نشوة ... ولست على قدر السلاف تصابُ ولو أنها أعطتك يوماً بقدرها ... لضاقت بك الأكوانُ وهي رحابُ وقال: لعمرك ما الإنسانُ إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لا ابن أمسِهِ وما الفخر بالعظم الرميم وإنَّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسِهِ وقال: لعمركَ ما الإنسانُ إلا ابن دينهِ ... فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب فقد فاز بالإسلامِ سلمانُ فارسٍ ... وقد حَطَّ بالجهل الشريفُ أبو لهب وقال: هذا الزمانُ الذي كنا نحاذرهُ ... فيما يحدّث كعب وابن مسعودِ إن دامَ ذا الحالُ لم نحزن على أحد ... يموتُ منا ولم نفرح بمولودِ وقال: من كان يرجو أن يعيش فإنني ... أصبحت أرجو أن أموتَ لأُعتقا في الموت ألفُ فضيلة لو أنها ... عرفت لكان سبيلهُ أن يُعشقا

стр. 95

وقال: قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألفُ فضيلةٍ لا تعرفُ منها أمان لقائه بلقائهِ ... وفراق كلّ معاشر لا ينصفُ وقال: جزى الله عنا الموت خيراً فإنه ... أبرُّ بنا من كلّ بَرٍّ وأرأفُ يعجّلُ تخليص النفوسِ من الردى ... ويدني من الدار التي هي أشرفُ وقال: جزى الله الشدائدَ كلّ خيرٍ ... وإن جرَّعنني غصصي بريقي وما شكري لها إلا لأني ... عرفتُ بها عدوي من صديقي وقال: يمثل ذو اللبِّ في نفسهِ ... مصائبهُ قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتةً لم يُرع ... لما كان في نفسهِ مثّلا وقال: إذا المرءُ من أعداه لم يشفِ نفسهُ ... فما نفعهُ إن قام للثار طالب ومن لم يطبْ منهُ الثنا في حياتهِ ... فلا نفع إن أثنتْ عليهِ النوادب - وقال: لا تستدل على تغيرِ صاحبٍ ... وزوالِ صحبتهِ وخَفْرِ ذمامهِ يوماً بأوضحَ من تَجَشّمِ وجههِ ... وجفاء منطقه وسخط ملامهِ وقال: ما دمتَ حياً فدارِ الناسَ كلّهم ... فإنَّما أنت في دار المدارةِ من يدرِ دارى ومن لم يدر سوف يُرى ... عمّا قليل نديماً للنداماتِ وقال: عوِّد لسانَكَ حسنَ القولِ تنجُ بهِ ... من زلةِ اللفظ بل من زلة القدمِ واحذر زمانكَ من خلٍّ تنادمهُ ... إن النديم لمشتقٌ من الندمِ

стр. 96

وقال: لا تَحقرنّ امرءاً إن كان ذا ضَعَةٍ ... فكم وضيعٍ من الأقوام قد رأسا وربَّ قوم حقرناهم ولم نرهم ... أهلاً لخدمتنا صاروا هُمُ الرؤسا وقال: وكنتُ أظن أن جبال رضوى ... تزولُ وأن وُدّك لا يزول ولكن القلوبَ لها انقلابٌ ... وأحوال ابن آدم تستحيل وقال: إن الصفا في شرب كلّ مودة ... لم يخل من كدرٍ لمن هو وارد فإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فهو المرادُ وأين ذاك الواحد وقال: قَوِّض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إن الذل مُجْتَنَب وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه خشب وقال: تفقّدُ الساداتِ خُدامهم ... مكرمةٌ لا تنقصُ السؤددا هذا سليمان على ملكهِ ... قد قالَ مالي لا أرى الهدهدا وقال: ترى الفتى ينكرُ فضل الفتى ... ما دامَ حياً فإذا ما ذهب لجَّ به الحرصُ على نكتة ... يكتبها عنهُ بماءِ الذهب قال: يا سادتي هل يَخْطُرَنَّ ببالكم ... من ليس يخطرُ غيركم في بالهِ حاشاكمو أن تغفلوا عن حالِ من ... هو غافلٌ في حبكم عن حالهِ وقال: نظرت فأقصدتِ الفؤادَ بسهمها ... ثم انثَنت عنه فكادَ يهيمُ ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليمُ

стр. 97

وقال ابن الرومي: إذا سرَّها أمر وفيه مآثم ... قضيتُ لها فيما تريد على نفسي وما مرَّ يومٌ أرتجي فيه راحة ... فأذكرها إلا بكيتُ على أمسي قال: أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ ... إليها وهل بعد العناقِ تداني وألثمُ فاهاً كي تزول صبابتي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيمانِ كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجانِ وقال ابن مكانس: ثلاث تجمّعن في ريقها ... ملاحٌ أدلتها واضحه فإن قيل ما هي تلك الثلاث ... قُل اللون والطعم والرائحه وقال آخر: زارت معطرة الشذى ملفوفةً ... كي تختفي فأبى شذا العطرِ يا معشرَ الأدباءِ هذا وقتكم ... فتناظموا في اللّفِ والنشرِ وفي حركات البناء لابن الحنبلي: ضممتُ إلى صدري فتاة صغيرة ... لها سحر أجفان تخلّى عن الذمِ ومذ كسرت أجفانها قلتُ هذه ... على الفتحِ لم تقدر فمالي سوى الضمِ وفي المعنى: شاقني رِدفٌ مليحٌ ... لحروف النحو يجمع يفتح الجزم لنصبٍ ... ولأجل الجرّ يرفع وقال آخر: تأخّرتْ عن موقفي ... فقلتُ يا خودُ قفي ثم عديني موعداً ... ختامُه مسكٌ وفي وقال آخر: العيش دارٌ رحبة وحليلة ... حسناً ومهر فارهُ

стр. 98

فاظفر بهن ولا تبالي فالورى ... إما محبٌ مخلص أو كارهُ وقال مهيار الديلمي: وكنتُ ألومُ العاشقين ولا أرى ... مزيةً ما بين الوصالِ إلى البعدِ فأعدى إليّ الحبَّ صحبة أهلهِ ... لم يدر قلبي أن داء الهوى يعدي وقال آخر: أمّلتُ أن يتعطفوا بوصلكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يُرى وعلمتُ أن جفاكم لا بدَّ أن ... يجري له دمعي دماً وكذا جرى وقال الصفدي: يا من تناسى ودادي بعد معرفة ... وقد غدا طوع لُوّامٍ وعُذّالِ ما أنت أول محبوب ظفرتُ به ... من الزمان فخابت فيه آمالي وقال آخر: تعشقتُ بدراً ليس لي فيه مطمع ... سوى أنني في حسنه أتفكر مليحٌ إذا قابلته ورأيتهُ ... رأيت محلَّ البدر من أين يُسْفِر وقال آخر: سارقتهُ نظرةً أطالَ بها ... عذاب قلبي وما له ذنبُ يا جور حكم الهوى ويا عجباً ... يسرقني ويقطع القلبُ وقال آخر: يا أيها الناس من رأى قمراً ... من أي أفق أراده طلعا لو كلف العلمين قاطبةً ... أن يعبدوا وجهه لما منعا وقال آخر: مدادهُ في الطِرسِ لمّا بدا ... قبّله الصب ومن يزهد

стр. 99

كأنَّما قد حلَّ فيه اللمى ... أو ذابَ فيه الحجرُ الأسود وقال آخر: ولقد أقولُ لمن تعشق أغيدا ... أو غادةً وغدا أسيرَ وثاقِ ما مذهبي عشقُ الجمالِ مقيداً ... بل عِشقه ديني على الإطلاقِ قد كان في ذكرِ الذين أحبهم ... ذكرى اللبيب وعبرة الأشواقِ فاخلع محبةَ من يموتُ وخذ بنا ... يا قلب في عشق الجمال الباقي وقال: يا قلبُ إن خان الخليل فخلِّه ... فلكم فتى ذاق العنا من خِلّهِ ولربَّ حادثةٍ تخلى عندها ... من كنت أَرْخِص مهجتي من أجلهِ وقال: لا غرو من حزني لبينهم ... يوم النوى وأنا أخو الّهمِِّ فالقوس من خشبٍ تئنُ إذا ... ما كلّفوها فرقة السهمِ وقال: سامح أخاك إذا أتاك بمنكر ... فخلوص شيء قلما يُتمكّن ولكلِّ شيء آفة من جنسه ... إنّ السراج على سناه يدخّن ما أنصح ما قال: مع العلم فاسلك حيث ما سلك العلم ... وعنه فكاشف كلّ من عنده فهمُ ففيه جلاء للقلوب من العمى ... وعون على الدين الذي أمره حتمُ فإني رأيت الجهل يُزري بأهله ... وذو العلم في الأقوام يرفعه العلمُ يُعدُّ صغير القوم وهو كبيرهم ... وينفذ منه فيهم القول والحلمُ

стр. 100

فأي رجاء في امرئ شاب رأسه ... وأفنى شباباً وهو مستعجم فَدْمُ يروح ويغدو الدهرَ صاحب بطنه ... تُركب في أحشائه الشحم واللحمُ إذا سئل المحروم عن حال أمره ... بدت رُحضاء العيّ في وجهه تسمو فهل أبصرت عيناك أقبح منظر ... من الشخص لا علم لديه ولا حلمُ ومن مدمن شرب المدام وما درى ... بما في مناهي شربها ما أتى الحكمُ هي الحالة الشنعاء فاحذر عقوبة ... أوائلها خزي وآخرها ذمُ وخالط رواة العلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زين وخلطتهم غُنْمُ ولا تعد عيناك عنهم فإنهم ... نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجمُ فوالله لولا الله ما اتضح الهدى ... ولا لاح من غيب السماء لنا رسمُ ما أسلم ما قال: تجاوزتُ حدّ الأكثرين إلى السها ... وجاوزت واستبقيتهم في المراكزِ وخضت بحاراً ليس يدرك غورها ... وألقيت نفسي في فسيحِ المفاوزِ ولججت في الأفكار ثم تراجع اخ ... تياري إلى استحسان دين العجائز وما أرجى ما قال: إلهي أنت تعلمُ أن عجزي ... بعفوك من عذابك يستجيرُ وإني يا غنياً عن عذابي ... إلى أن لا تعذبني فقيرُ وإنَّما حبّرتُ هذه الأوراق من محاسن هذا الشعر بما رقَّ وراق، لميل القلوب إليها وما في النفس من الإقبال عليها، كما قيل:

стр. 101

لا شيء أحلى في مسامع مُغْرَم ... يلهو به سوى الأشعارِ فطروسها تحكي الرياض وإنها ... لِذوي المعاني لذة الأبصارِ قال ابن منير الثعالبي: وما زال السلف يحفظون الشعر حديثاً وقديماً، ويتخذونه في الحوادث نديماً، وينشدونه حال المجالسه، ويوردون دقائقه في أوقات المُخَالَسَه، والآثار المسندة، والأخبار الممهدة، في شأنه حجج قوية، ومحجة ضوئية، ويكفي في فضله أن النبي ﷺ استنشد بعض أصحابه من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مائة قافية وأن عمر مر بحَسَّان وهو ينشد الشعر في المسجد فنظر إليه شَزْراً، فقال له: كنت أنشد وفيه من هو خير منك وهذا الخبر رواه البخاري وغيره، وما نُقِل من استحباب الوضوء بعد إنشاد الشعر، فمحمولٌ على الشعر الهجو. وأما ما يترتب عليه من الثواب والعقاب؛ فليس من جهة الشعرية، وإنَّما هو من حيث المضمون، وقد قيل في قوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن المراد قبيحه. هو الشعر لا شيء سواه وإنه ... لأحسن ما قد قال قس وسحبانُ يُعَنَّى به صَبٌّ ويُمدَحُ محسنٌ ... ويُرثى به مَيْتٌ ويُعْطَف غضبانُ ونعود إلى ما نحن بصدده ونندرج فيما نحن من عدده: ولما طاب زمن الربيع وأوانه، واخضرّت رياضه واخضلّت أغصانه، تصمّم العزم على السفر، وركوب البحر وإن كان فيه الخطر، وقد أزهر جوانب تلك البقاع، وغرّدت على دَوْح أفنانها في الأسحار بلابل الأطيار فَلذَّ السماع، وكنت

стр. 102

لا أبغي الرحلة عن تلك المدينة، أو أشهد بها يوم الزينة، ولكن ليس للإنسان ما تمنّى، وربما سعى المرء إلى ما لم ينل وتعنّى: ما كلّ ما يتمنى المرءُ يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فبرزت من تلك الروضة، وفارقت محاسن هاتيك الغَيْضة، ولي طبيعة تسمو إلى زمن الربيع، وتتشوّف إلى نُشُوِّ النبات المريع، أجِدُ من النفس نشاطاً في أيامه، ويهيجني نشر رَنده وخزامه، وكان يقال من لم تطربه نغمات الأوتار؛ ولم يتحرك لتغريد الأطيار؛ ولم يَعْجَب لبديع الأزهار؛ ولم يهتز لنسمات الأسحار؛ هو فاسد المزاج محتاج إلى العلاج. ولله در القائل: ما مثل مصر في زمان ربيعها ... ما بين ماء واعتلال نسيمِ أقسمت لا تحوي البلادُ نظيرها ... لمّا نظرت إلى جمال وسيمِ وقال: استنشقوا الهوى الربيع فإنه ... نعم الصديق وعنده ألطافُ يغذي الجسوم نسيمه فكأنَّه ... روح حواها جوهر شفّافُ فكان البروز من مصر المحروسة إلى بحر بولاق؛ ذات البها والإشراق؛ في يوم الجمعة المبارك، بعون الله تعالى وتبارك، في تاسع ربيع الأول: وخلّفت مصر من ورائي وخاطري ... بمصر ولكن أين من ناصري مصرُ بلاد بها ما يشتهي متيسّرٌ ... على جيدها يا حبذا اللف والنشرُ فأكملت ذلك النهار مع الأخلاء الأخيار؛ من أهل الحرمين الشريفين ممن نقلتهم يد الأقدار إلى هاتيك الديار، ونحن نتشاكى البعاد ونجدّد عهود الوداد، إلى أن آذنت الشمس للغروب وأشرقت كواكب الكروب، فوقفت لهم موقف من ضل الرشاد، وتقرحت لفراقهم الأكباد، واستودعهم الله تعالى؛ والمدامع تترادف وتتوالى، وقد عزمت على الذهاب، وأخذت في الإياب. ذهبت وقد سدّ الغرام مذاهبي ... وقلبي إلى نحو الأحبة يُجبَذُ ذُُهِلْتُ فما أدري إلى أين قادني ... قضاء على الإنسان يجري ويَنْفُذُ

стр. 103

ثم نزلت ذلك النيل في معاش صحبة رجل من الروم، لا يجد لديه المؤملّ من الوفاء ما يروم، وكنت أتوخى فيه مكارم الأخلاق، وأزعم أنه من أحسن الرفاق، فوجدته بضد ما أملته: وما كلّ وجه أبيض بمبارك ... ولا كلّ جفن ضيق بنجيبِ أو هو كما قال: أمّلْتُهُ ثم تأمّلته ... فلاح لي أن ليس فيه فلاح وإن من يُنْزِل آمالَه ... بحادث السعد قليل النجاح ولما أرخى الليل قِناعه، ومدّ علينا شراعه، سَرَيْنا وقد ألقى البدر نُوره، ونشر الروض بالتعريف نَوْره، فسرنا والليل يسري، والكواكب تسير والنهر يجري، وكأنَّما النيل بحر لجين في تموّجه، أو خدّ ذي دلال في تضرّجه، وقد قلبتنا أصابعه، وتكسرت بتلك الأمواج أضالعه، حتى أسفر الصباح، وشعشع ضياؤه ولاح، فإذا نحن في سيران ما بين جنان. والماء تلعبُ أطراف النسيم به ... ما بين ماضٍ وآتٍ أي تَلْعابِ كأنَّه زرد الدرع المضاعف أو ... نقش المبارِدِ أو تفريك أثوابِ أو كما قيل: النهر مولى والنسيم خديمه ... هذا الكلام ليس فيه تشكك لو لم يكن في خدمة النهر انبرى ... ما كان يصقل ثوبه ويفرّك فائدة قال السيوطي عند قوله تعالى فأخرجناهم من جنات وعيون: كانت الجنان بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد، وكلها كانت تروى من ستة عشر ذراعاً، فسبحان الحكيم الذي لم يزل.

стр. 104

ولما ارتفعت الشمس أكتسى الجوّ بالغمام، فاعتقدنا ذلك من تمام الإنعام، ولم نزل كذلك، نسلك هاتيك المسالك، وأنا في ألذ نعيم، ما خلا النديم، وفي ذلك أقول: ليست على الحرّ اللبيب مشقة ... بأشق من أن لا يرى أمثالهُ ذاك الغريب وإن يكن في أهلهِ ... وا رحمتاه له لما قد نالهُ ما أصدق ما قال الحسن بن شذقم: وليس غريباً من نأى عن دياره ... إذا كان ذا مال وينسب للفضلِ وإني غريب بين سكان طيبة ... وإن كنتُ ذا مال وعلم وفي أهلي ولبس ذَهاب الروح يوماً منية ... ولكن ذهاب الروح في عدم الشكلِ يحكى أن سليمان ﵇، لما أراد بالهدهد أشدّ العذاب، أشار عليه وزيره آصف بن برخيا بحبسه في غير جنسه، وما أعجب ما قال: قد سمعت الصدا وذاك جماد ... كلّ شيء تقول ردّ عليكا وعلى ذكر الهدهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن الهدهد يرى الماء من تحت الأرض، قيل له: فلم لا يرى الفخ إذا انقضَّ عليه؟ فقال: إذا نزل القضا عمى البصر. هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأتُ فما أخطا القدر ومن محاسن النواجي: اركب النيل ما استطعت ففيه ... راحة للفتى وغاية بُغْيَه كم تنزهت حين سافرت فيه ... في بلاد وكم ظفرت بمُنيَه وابن تميم: انظر إلى سير المراكب إذ بدتْ ... والماء يعلو حولها ويدورُ

стр. 105

مثل السحائب لا يفرق بينها ... نظرٌ، وكلٌ بالرياح يسيرُ وللفيومي: - في النيل أعلام بدت ... بيض كأيدي المحسنينا وإذا خفقن من الهوى ... تحكي قلوب العاشقينا ولابن قلاقس: انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفقِ غابت وألقت شعاعاً منه يخلُفها ... كأنَّما احترقت بالماء في الغرقِ وقال آخر: الشمسُ فوقَ النيلِ قد ... ألقت شعاعاًً كاللهبْ فحكى مِسَنّاً أخضراً ... وعليه حك من ذهبْ وقال: البدرُ فوقَ النيلِ قد ... ألقى شعاعاً يأتلقْ فحكى مِسَنّاً أَزرقاً ... وعليهِ حكٌ من وَرِقْ ولما كان الفجر من اليوم الثالث نزلنا بمرسى رشيد، المحفوفة بعناية الله وفيضه المديد، فقلت إن كان سفر البحر كذلك، فما هو إلا راحة من المشاق والمهالك، ولم أدْرِ أنه قياس مع الفارق، وأن تشبيه الحُمَيّا بماء المُحيّا غير مطابق. يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب ولما أشرقت بها الغزاله، قصدنا من روضها ظلاله، فنزلنا من ساحتها بوكالة الوزير محمد باشا، فإذا هي بناء محكم الأساس، وبها وجوه من الناس، مأمونة الخيانة أمينة على الأمانة، مع كثرة ما يردها من غِمار البشر، وبني الرذالة والأشر، فوضعت بها الأسباب، وأقمت بها في ظل ذلك الجناب، أقلب الطرف فيما رَقّ وراق، وأطوف بأكنافها البهية مع الرفاق. حشايَ على جمر ذكي من النوى ... وعيني في روضٍ من الحسن ترتع

стр. 106

ثم نزلت بدار صادق الأخوّة والاعتقاد، وكامل الفتوّة نور الدين العقاد، جزاه الله خير الجزاء، وأولاه عواطفه المتنوعة الأجزاء، فلقد رأيت منه كمالاً لا أحصيه، وإفضالاً لا أستقصيه، ثم لازلت أتفيأ ظلال هاتيك البلاد، وأسعى فيها لجوامع العباد، وأتنزه في قصورها المونقة، وبساتينها المورقة: فيا حسن هاتيك الديار وتربها ... فكم قد حوت حسناً يجلُّ عن العدِّ ولا سيّما تلك النواعير إنها ... تجدّدُ حزن الواله المدنَف الفردِ أُطارحها شجوي وصارت كأنَّما ... تطارح شجواها بمثل الذي أبدي وفي شاطئ النيلِ المقدس نزهة ... تجدد ما قد فات من سالفِ العهدِ سماءٌ من البلورِ فيها كواكب ... عجيبة صنع اللون مصقولةِ الخدِ ومن مرج البحرين أيُّ عجائب ... تلوح وتبدو من قريب ومن بعدِ فكم قد نعمنا في ظلال رياضها ... بعيشٍ هنيء في أمان وفي سعدِ فمن لي بها لو أن صحبي بحبها ... ومن لي بها في غير بلوى ولا جهدِ غريبة دخلت يوماً إلى الجامع الكبير فرأيت متكلماً، وقد طال به البحث في مسألة الجوهر الفرد، إلى أن انجّر الكلام إلى القول بوحدة الوجود، وقد كثر الهذيان، فإذا بأشعث في هيئة المجانين، وقد تناول كراساً من بين يدي الشيخ، وكتب على حاشيته شيئاً ونهض كالمغضب، فإذا المكتوب: وتكفيك من ذاك المسمّى إشارة ... ودعه مصوناً بالجمال محجّبا وبالجملة فإن هاهنا تتطاير الرؤوس من أجسادها، والنفوس من موادّها، أو كما قيل: مرامٌ شطّ مرمى العقل فيه ... ودون مداه بيد لا تبيدُ أو كما قيل: أتيتَ بيوتاً لم تُنل من ظهورها ... وأبوابها عن قرعِ مثلك سُدّتِ

стр. 107

(مسألة والحديث شجون) قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في رسالته كشف الحجاب: وسألوني عن الاتحاد، الذي تشير إليه أهل الإلحاد، هل المراد أن ترجع صورة العبد هي عين الحق، أم المراد غير ذلك؟ فأجبتهم: المراد بالاتحاد في لسان القوم: فناء مراد العبد في مراد الحق، فلا يصير للعبد مراد مع الحق إلا بحكم التَبَعية، وهذا الحق ليس به خفاء، فدعني عن ثَنيّات الطريق، وفي هذا الكلام كلام، قلما يخلو من الملام، أنشد لنفسه ابن أبي الحديد المعتزلي: أفنيت خمسينَ عاماً مُعملاً نظري ... فيه فلم أدر ما آتي وما أذر من كان فوقَ عقولِ القايسين فما ... ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر وأحسن منه: وما البحثُ في الآثارِ إلا مبعد ... عن المقصد الأسنى إلى الغاية القصوى فلا تقتنع بالقشر دون لُبابه ... ولا تحتجب بالباب عن حضرة النجوى وما أحسن قول المتأدب: تعشقتُ ربّ الحسن لما رأيته ... عياناً فجاهدت الهوى في سبيلهِ ومن حجبت عنه محاسن وجهه ... فغايته أن يهتدي برسولهِ وقال: سئلت إذا كان لا حلول ولا اتحاد، فما القوّة الحاملة للعبد؟ هل هي عين أم غير؟ فإن قلنا هي غير فقد قام العبد بنفسه وهو محال، وإن قلنا هي عين، فهو عين القول بالحلول، وما معنى كنت سمعه الذي يسمع به؟ فأجبت: هذه المسألة لا ترتفع الشبهة فيها بالكلية إلا بالكشف، فاعملوا على جَلاء مِرآة قلوبكم بالأعمال السنية، وإلا فالعقل في حيرة من ذلك، ومعنى الحديث: وما رميت إذ رميت وأكثر من ذلك لا يقال، كما قال: فما كلّ معلوم يباح مصونه ... ولا كلّ ما أمْلَتْ عيونُ الظِبا يُرْوى وعلى ذكر الحلول، فما أحلى قول أبي البركات الحاتمي: لي حبيب لو قيل ما تتمنّى ... ما تعدّيْتُه ولو بالنون

стр. 108

أشتهي أن أحل في كلّ طرف ... فأراه بلحظ كلّ العيون قال: وسُئلت: هل وصل أحد إلى التنزيه المطلق الذي لا يشوبه تقييد؟ فأجبت: لم يصل أحد إلى ذوقه، وإنَّما يصل الناس إلى العلم به، لأنَّه سُمِع في الشرع ولم يوجد في العقل، وغاية الإطلاق تقييد، لأنّك لا تطلق الحق إلا بعد تعقله تقابله من التقييد فاِفهم،، والعجب من الذي وسّع الأول كيف لا يسع الآخر! إذا لام فيها الشيخُ طفل غرامها ... على سكرهِ فالشيخُ كالطفل يلعب ورأيت برشيد قبطياً قد جمع شتات الأدب، وطُبع على محاسن الفصاحة ودأب، يقول من يراه يميس في برد آدابه الجميلة، تعالى فضل الله أن يؤخذ بالحيلة، سمعت منه للعتبي: يا جاهلاً قدر المحبة ساءني ... ما ضاعَ من كَلَفي ومن تبريحي سيانَ عندك مُغرم بك والهٌ ... وخَلِيّ قلبٍ فيك غير جريحِ لو كنت أعلم أن طبعك هكذا ... لم أعصِ يوم نُصِحت فيك نصيحى ما كان في عزمي السُلُوِّ وإنَّما ... ألزمتنيه لكثرة التقبيحِ وأنشدني للصفدي: أنا والحبيب ومن يلوم ثلاثة ... لهم بديع الحسن أصبح ينتمي فلي الجناس لأن دمعي عن دمي ... يجري ألست تراه مثل العَنْدَم وله مطابقةُ التواصلِ بالجفا ... ولعازليه لزوم ما لم يلزمِ ومن كلامه: هذي رشيد وكم حوت من روضة ... غَنَّا وقصر في الرياض مشيدِ من لم يقبل بصفاء بهجة نيلها ... وبهائها تلقاه غير رشيدِ ولم يكن في رشيد مما يعاب به، إلا ما فيها من مظاهر الاسم القاهر، وهم

стр. 109

الجند المستعبدون والعبيد المعتقون، والقبط المستعربون والأحداث المستغربون، ومن حِكَمِه: ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك: المرأة، والمملوك، والقبطي من أهل مصر. إن العبيد إذا ذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا وفي ذلك سر التسخير إذ لا تكون الطاعة إلا عنه. ومن كلامه: ثلاثة يُعَدّون من المجانين وإن كانوا عقلاء: السلطان والسكران والغضبان. والعبرة بعموم اللفظ عند العقلاء: سَكرات خمسُ إن رُميَ المر ... ءُ بها صارَ ضحكة الشيطانِ سَكرة المال والحداثة والجا ... هِ وسُكر الشرابِ والسلطانِ ومن أمثاله: لا يخلو المرء من ودود يمدح، وحسود يقدح، فلا تبذل رقك لمن لا يعرف حقك. وممن تشرفنا بحضرته وتملينا بجمال طلعته، مشيد أركان الشرع الشريف، المورق غصن مجده الوريف، مولانا مؤمن زاده، لا زال يفتح له من مكارم الأخلاق باب الزيادة، فلقد أمدّني بجاههِ الوجيه، وحقق لي ما كنت أرتجيه. سِم سِمَةً تُحْمد آثارها ... واشكر لمنْ أعطى ولو سِمْسِمَه ومما أنشدنيه المولى نور الدين سلمه الله تعالى: أما والذي أصفاك مني مودةً ... فأضحى لها في ساحةِ القلبِ مَغْرِس لئن ظَلّ بي من فقد وجهك موحش ... لقد باتَ لي من فكرتي فيكَ مؤنس أناجيك بالإضمار حتى كأنني ... أراك بعيني فكرتي حينَ أجلس ومن أملاه دام علاه: يا ويح قلبي وكم جهدي أحمّله ... ما لا يطاق وقد رَثّت علائقه في كلّ يوم لنا خلّ نودعه ... على الدوام ومعشوق نفارقه ثم ركبت النيل في نقيرة متوجهاً نحو الإسكندرية، فأقمنا بالبرج نتحرى الرياح

стр. 110

المؤذنة بالنجاح، والبرج هذا على الساحل بين النخيل، التي آخرها يتصل به النيل بالبحر الرومي، وفيه قيل: كانّ التقاءُ النيلِ بالبحرِ إذ هما ... مليكان سارا في جحافل من جندِ وقد نزلا للحربِ واصطدم اللقا ... فلا طعن إلا بالمثقّفة المُلدِ وعلى ذكر البحر قيل لرجل ما اسمك؟ قال: بحر. قيل: من أبوك؟ قال: أبو الفيض. قيل: ابن من؟ قال: ابن الفرات. قيل: ينبغي لصديقك أن لا يلقاك إلا في زورق. انتهى. فلما ارتفعت الشمس هبت الرياح الشرقية، فما سرنا يسيراً حتى دخلنا البحر العجاج، فإذا هو متلاطم الأمواج كثير الفزع والانزعاج، وكيف لا والداخل فيه مفقود، والخارج منه مولود! لا أركبُ البحر أخشى ... عليّ منه المعاطب طينٌ أنا وهو ماءٌ ... والطينُ في الماءِ ذائب وقال: خلقتُ طيناً وماء البحر يتلفني ... والقلبُ فيه نفور عن مَراكبهِ البحر غير رفيق بالرفيق لهُ ... والبَرُّ مثل اسمهِ بَرٌّ براكبهِ وقال: البحر مرّ المذاق صعبٌ ... لا رجعت حاجتي إليهِ أليسَ ماءٌ ونحن طينٌ ... فما عسى صبرنا عليهِ وقال: البحرُ أهون من مرارةِ مائهِ ... أن تستقر بأضلعي الرمضاءُ فعليه يوم سرورنا بفراقهِ ... من كلّ قلع راية بيضاءُ فما زالت تفسر لنا معاني الرفع والخفض أمواجه، والريح يجزم بأن ينالنا من
следующие страницы →