منوال غيري؛ إذ لم أقف على كتاب مجموع على النسق الذي أردته في الموضوع؛ إلا أني بعد كتابة فصول؛ أُهدي إلي كتاب " صيانة الإِنسان "؛ فإذا فيه نبذة منقولة من كتاب " تطهير الاعتقاد من أدران الإِلحاد " لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، أحد علماء القرن الثاني عشر، وفيه أيضاً طائفة من كتاب " الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد " لمحمد بن علي الشوكاني، فألفيتهما في موضوع رسالتي، ولكن لم أستعن بهما في تحرير مقالتي؛ إذ لم تحوهما خزانتي، ولا رأيتهما عند أهل صداقتي.
وبعد تمام التأليف، وقبل الشروع في الطبع؛ اتصلت بهدية من جدة، من الأخ في الله السيد محمد نصيف، تشتمل على كتاب " فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد " لابن عبد الوهاب، فعلّقت منه فوائد ألحقتها بمواضعها معزوة إليه، ولو اطلعت عليه قبل كتابة الرسالة؛ لخفف علي من عناء ابتكار العناوين وتنسيقها.
فهذه رسالة في موضوع بور، على أسلوب من عندي بكر، ولعل ذلك من أبين العذر وأوجب الصفح عما يكون بها من خلل وضعف، على أن النقص لا يسلم منه كلام؛ إلا أن يكون وحياً؛ فلا ينتظر مني ما فوق منة الكتاب، وحسبنا محاولة الإِتقان، والله المستعان.
• • • • •
стр. 37
١ - الحاجة إلى معرفة الشرك ومظاهره
• مطالب الإِنسان في الحياة:
الإنسان جسم وروح (*)، وهو بجسمه ظلماني من عالم الشهادة، يميل إلى كل ما هو جسماني من عالم المادة؛ مثل وسائل الكسب والنسل، وهو بروحه نوراني من عالم الغيب، يطلب ما هو روحاني معقول من علم ودين؛ فالإِنسان بجسمه يهوى دنيا وعادة، وبروحه يحب ديناً وعبادة، وحظه من الكمال على مقياس تأليفه بين جزءيه المتضادين، وتوفيقه بين مطالبهما المختلفة:
وفي الكتاب العزيز: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
وعن أنس ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منهما جميعا؛ فإن الدنيا بلاع إلى الآخرة، ولا تكونوا كلاًّ على الناس» (٣). رواه: الديلمي، والخطيب وابن عساكر في
стр. 38
" تاريخهما "؛ كما في: " الحاوي " للسيوطي (٢/ ٢٠٢)، و " كشف الخفاء " للعجلوني (٢/ ١٦٩).
• مفاسد التفريط والإِفراط في مطالب الحياة:
وانقطاع الإنسان إلى مطالب روحه إضرار بإنسانيته، يفقدها القوةَ التي تحفظ لها سيادتها على ما حولها، ويعدمها النسل الذي به بقاء نوعها.
ومما صح معناه وإن لم تصح نسبته إلى الرسول ﷺ : «لا رهبانية في الإِسلام» (٤).
وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: " إن لكل أمة رهبانية،
стр. 39
ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " (٥). أخرجه: أحمد، والحكيم الترمذي في " نوادر الأصول "، وأبو يعلى، والبيهقي في " الشعب "، كما في " الدر المنثور " للسيوطي (٦/ ١٧٨).
واكتفاء المرء بمراغب جسمه يذهب ميزة إنسانيته عن بقية الحيوانات، ويلحقها بالبهائم والعجماوات، بل يضعها دون مرتبة الأنعام؛ كما قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤].
• ميل الإِنسان إلى المادة والشرك:
على أن الانقطاع لخدمة الروح والإِفراط في التعبد مما يقلّ عروضه للإِنسان، والذي يغلب عليه هو ما يتفق وجسمانيته، مما يناله الحس، ويحويه
стр. 40
عالم الشهادة؛ فتجد أكثر الناس فاقداً للعلم الذي يصل روحه بعالم الغيب، ومن فاته ذلك العلم؛ فإما أن ينكر الدين والعبادة فيكون دهريّاً، وإما أن يمثل معبوده في صور مادية حسية يخضع لها روحه فيكون مشركاً:
كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٥٦].
وروى أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ أن رسول الله ﷺ خطبهم ذات يوم، فقال: «يا أيها الناس! اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء [اللهُ] أن يقول: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؛ قال: «قولوا: اللهم! إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه» (٦). نقله ابن كثير في " تفسيره "، وذكر معه روايات أخر
стр. 41
في معناه (٤/ ٤٨٦).
وسترى إن شاء الله مصداق ميل الإِنسان إلى المادة والشرك في الفصول
стр. 42
التي نعرض فيها لعروض الشرك في الأمم؛ فحكم الطبيعة يغري بالشرك، ونص الشريعة يدعو إلى مزيد التيقظ في التحفظ منه، وتاريخ الأديان يكشف عما في ذلك من تسويل الشيطان وخدع النفس.
• واجب المرشد والمسترشد:
لعلك لا تجد في عيوب النفس ونقائص الإِنسان ما يضاهي الشرك في اقتضاء طبع المتدين له، وخفاء مساربه إلى نفسه، ودفاع المتأولين عنه؛ فكان لزاماً على من يهتم لسعادته في الدار الباقية أن يعترف بحاجته الشديدة إلى معرفة الشرك ومظاهره، وأن يعتني كل الاعتناء بالبحث عن كل ذريعة إلى هذا الداء؛ ليتقيه أيما اتقاء، فلا يسري إلى جنانه، ولا يعلق بلسانه، ولا يظهر على شيء من أركانه، وكان من آيات المرشد النصوح وأخص مظاهر نصحه أن يجعل أولى ما يتقدم به إلى العامة وأول ما يقرع به أسماعهم التحذير من الشرك ومظاهره، وبيان مدلوله وأنواعه، ثم الصبر على ما يلحقه لذلك من أذى جاهل متحمس، ومغرض متعصب، وضال متأول.
• أول ما يدعو إليه المرسلون:
إن القرآن العظيم يقص علينا في جلاء ووضوح أن أول ما يدعو إليه الأنبياء والمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين هو توحيد الله، وأول ما ينكرونه على قومهم الشرك ومظاهره، وعلى حكم هذه السنة الرشيدة جاءت بعثة خاتم النبيين ﷺ ؛ فعنيت بالدعوة إلى التوحيد، والتحرز من الشرك، والتحذير منه، وما ذلك إلا لشدة الحاجة إلى معرفته، وإنك لتجد تلك العناية ظاهرة في الكتاب وأطوار البعثة وأركان الدين.
• عناية الكتاب بعلاج الشرك:
هذا الكتاب العزيز، فاقرأ وتدبر؛ تجد السور- مكيها ومدنيها- تفيض
стр. 43
القول في حديث المشركين الغابرين والمعاصرين، ولا تكاد تخلو سورة من هذا الحديث، ولا تكاد تجد غيره في سور كثيرة، وأول ما نزل الآيات الخمس الأول من سورة العلق؛ فلم تخل من الإِشارة إلى التوحيد، والتعريض بالوثنية؛ للأمر فيها بالقراءة باسم الرب، والتذكير بنعمه في الخلق والتعليم، وآخر ما نزل آية المائدة في إكمال الدين (*)؛ فسدّت باب الابتداع.
ومن أسلوبه الحكيم: جمعه في دعوته بين بيان التوحيد ومزاياه وإيضاح الشرك ودناياه، وبضدها تتميز الأشياء.
• عناية البعثة بمحاربة الشرك:
وهذه أطوار البعثة من حين الأمر بالإِنذار المطلق في سورة المدثر، إلى الأمر بإنذار العشيرة، إلى الأمر بالصدع بالدعوة، إلى الأمر بالهجرة، إلى الإِذن بالقتال، إلى فتح مكة، إلى الإِعلام بدنو الحمام؛ لم تخل من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك ومظاهره، ويكاد ينحصر غرض البعثة أولاً في ذلك، فلا ترك النبي ﷺ التنديد بالأصنام وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور بالشعب ثلاث سنوات شديدات، ولا نسيه وهو مختف في هجرته والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وهو ظاهر بمدينته بين أنصاره، ولا غلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة، ولا شغل عنه وهو يجاهد وينتصر ويكر ولا يفر، ولا أكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرير عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، وهذه سيرته المدونة وأحاديثه المصححة؛ فتتبعها، تجد تصديق ما ادعينا، وتفصيل ما أجملنا.
• حكمة مشروعية العبادات:
وهذه أركان الإِسلام الخمسة؛ إنما شرعت كسائر العبادات، للاحتفاظ بالتوحيد، والابتعاد عن الوثنية:
стр. 44
فلم يكتف في الشهادتين بالتوحيد المجرد، حتى صرح بنفي التعدد، وحصر التشريع في شخص المرسل بالتبليغ.
ولم يقتصر في الصلاة على افتتاحها بالتكبير الذي فيه تعريض باطراح الأوثان، حتى خللت به، وكرر فيها مخاطبة رب العالمين بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وزكاة المرء شعار غناه، ودليل اعترافه للرب بجليل نعماه، وأنه لا دخل فيها للأصنام وكل ما سواه.
والصوم يذر فيه الصائم شهوته وطعامه وشرابه من أجل مولاه، ويراقبه وهو صائم، ولو انفرد بمحل سكناه.
والحج فاتحته الإِحرام، المصحوب بالتلبية المتكررة في كل حال، وهي صريحة في حياطة التوحيد بنكران الشريك.
قال أبو إسحاق الشاطبي في " الموافقات ": " نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات؛ إنما شرعت للتقرب بها إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإِجلال، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد " (٢/ ٣٨٥).
• التعجب من إهمال الكلام في الشرك:
وإن لم يكن بعقلك بأس؛ فستسلم معي شدة عناية بعثة خاتم النبيين ببيان الشرك، وعدم الاكتفاء بشرح التوحيد، وستعجب معي من قلة اهتمام أكثر علمائنا بذلك، كأن لا حاجة بالمسلمين إليه؛ تجد في كلامهم على الفروع عناية بتفصيل أحكام مسائل نادرة أو لا توجد عادة، ولا تجدهم يعنون تلك العناية بالأصول؛ فيحددون الشرك، ويفصلون أنواعه، ويعددون مظاهره، حتى
стр. 45
يرسخ في نفوس العامة الحذر منه والابتعاد من وسائله، ولا يفقد المتأخر نص من قبله في جزئية من ذلك.
• نتيجة إهمال الكلام في الشرك:
نتج عن قلة الخوض في هذا الموضوع: أن صار الشرك أخفى المعاصي معنى، وإن كان أجلاها حكماً؛ فلظهور حكمه، وكونه من الضروريات، ترى المسلمين عامتهم يتبرؤون منه، ويغضبون كل الغضب إن نسبوا إليه، ولخفاء معناه؛ وقع من وقع منهم فيه، وهم لا يشعرون؛ ثم وجدوا من أدعياء العلم من يسمي لهم عقائد الشرك وأعماله بأسماء تدخل في عقائد الإِسلام وأعماله، ثم يدافع عنهم، ويحشرهم في زمرة أهل السنة، ويشنع على العلماء الناصحين، حتى إنه ليخيل إليك أن العامي الواقع في حمأة الشرك جهلًا واغتراراً أقرب إلى السنة والاستقامة من أولئك العلماء النصحاء المؤتسين برسول الله ﷺ عن خبرة وصدق.
• الجمود على المنطق اليوناني:
وعني علماء الكلام ببيان عقائد الإِسلام، وسلكوا في التدليل عليها سبيل المنطق اليوناني، ثم جمد المتأخرون على هذا الأسلوب، وحادوا عن بيان القرآن؛ فخفي على الناس ما هو شرك أو سبب إليه.
وقد قال الشيخ السنوسي في " شرح صغراه " معللًا وجه ذكر الصفات الواجبة والمستحيلة على التفصيل ما نصه: " لأنه لو استغني فيها بالعام عن الخاص، وبالملزوم عن اللازم، لكان ذلك ذريعة إلى جهل كثير منها، لخفاء اللوازم، وعسر إدخال الجزئيات تحت كلياتها، وخطر الجهل في هذا العلم عظيم؛ فينبغي الاعتناء فيه بمزيد الإِيضاح على قدر الإِمكان، والاحتياط البليغ؛ لتحلية القلوب بيواقيت الإِيمان ".
стр. 46
• ذم إيثار المنطق:
وقد أنكر العلماء الفحول إيثار أساليب اليونان على بيان القرآن، ولكن شيوع التقليد وذيوع الجمود أضاعا حجتهم وبرهانهم.
فقد ألف محمد بن إبراهيم الصنعاني من أئمة القرن التاسع رسالة سماها: " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ".
وقال الحافظ في " الفتح ": " وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك، حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك، حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه؛ فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له منه بد؛ فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة، والله الموفق " (١٣/ ٢١٤).
وفي " الفتاوى الحديثية " للهيتمي المكي: " يتعين على الولاة منع من يشهر علم الكلام بين العامة؛ لقصور أفهامهم عنه، ولأنه يؤدي بهم إلى الزيغ والضلال، وأمر الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه؛ إذ هو بيِّن واضح، يدرك ببداهة العقل " [ص:١٤٦].
• الترخيص في علم الكلام للضرورة:
وفي " تبيين كذب المفتري " لابن عساكر: عن أبي يوسف؛ أنه قال: " من طلب الدين بالكلام؛ تزندق ".
ثم نقل عن أبي بكر البيهقي قوله: " ورُوي هذا أيضاً عن مالك بن أنس،
стр. 47
وإنما يريد- والله أعلم- بالكلام: كلام أهل البدع؛ فإن في عصرهما إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنة؛ فقلما كانوا يخوضون في الكلام، حتى اضطروا إليه بعد " (*) [ص:٣٣٤].
وقال أيضاً صاحب " التبيين ": " وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السنة والجماعة؛ فمعوَّلهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة " [ص:٣٤٥].
• تعميم أسلوب القرآن وتخصيص أسلوب اليونان:
ويا ليتنا تركنا كتب المتكلمين للخاصة، يستعينون بها في مواطن الجدال مع الخصوم (* * *)، ووضعنا للعامة كتباً في العقائد على أسلوب الكتاب المجيد (* * *)، فيكون من تلك رياضة للعقول وحماية للحق، ومن هذه طهارة للقلوب وهداية للخير، وليس كل الناس بحاجة إلى تلك الرياضة، ولا لهم قدرة على تلك الحماية، ولكن كلهم في حاجة إلى تطهير البواطن ومعرفة الهدى؛ فعمت الحاجة إلى معرفة الشرك ومظاهره، ولهذا عرف جميع الأنبياء بحكم الشرك. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
٢ - الغرض من بيان الشرك ومظاهره
• تحسين بيان الشرك:
إذا كان الاحتياج إلى معرفة الشرك شديداً، كان تعريف الناس به أمراً لازماً أكيداً، وإذا كان الباعث على هذا التعريف إقامة العقيدة؛ فهو من النصيحة المفيدة الحميدة، وليس الإِرشاد إلى الخير النافع بأولى من التنبيه على الباطل الضار، بل كلاهما غرض حسن وسَنن، لا يعدل عنه الساعون في خير سُنن، وهذا ما حمل المصلحين المجددين على الاهتمام بدعوة المسلمين إلى إقامة التوحيد وتخليصه من خيالات المشركين.
• تشنيع المشاغبين:
وما رفعنا صوتنا بتلك الدعوة؛ حتى ثارت علينا زوابع ممن سلكوا للشرك كل الذرائع، وشوهوا للعامة غرضنا الحميد بما يجدون الجزاء عنه يوم الوعيد، ومن أقوى ما لبسوا به على العموم، ومدوا به صخب الخصوم: رميهم لنا بأنا نحكم على المسلمين بحكم المشركين، ثم ينتصبون للدفاع؛ محافظة على غفلة الأتباع، الذين ينتفعون منهم بكل وجوه الانتفاع، ولكن قذف الله بالحق على الباطل بعيد الأثر، وسنته في ظهور المصلحين على المعاندين قديمة في البشر.
стр. 50
• بيان تكفير مدعي الإِسلام:
نحن لا نكفر أحداً من أهل القبلة، ونقول في غير تعيين إنه يوجد في المسلمين من يضاهون في عقائدهم المشركين.
قال أبو جعفر الطحاوي الحنفي المعاصر لأبي الحسن الأشعري في عقيدته السلفية ما نصه: " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإِيمان ذنب لمن عمله ". وفي " تبيين ابن عساكر " عن أبي علي السرخسي، أنه قال: " لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري ﵀ في داري ببغداد؛ دعاني، فأتيته، فقال: اشهد علي، أني لا أكفر أحداً من أهل هذه القبلة " [ص:١٤٩].
وقال التقي السبكي في رسالة " الاعتبار ببقاء الجنة والنار " رادّاً على التقي ابن تيمية ومشيراً إليه: " فهذا القول الذي قاله هذا الرجل ما نعرف أحداً قاله، وهو خروج عن الإسلام بمقتضى العلم إجمالاً (*)، ولا أكفر أحداً معيناً من أهل القبلة بلساني ولا بقلبي ولا بقلمي، إلا أن يعتقد مشاقة الرسول ﷺ ، فهذا ضابط التكفير عندي " [ص:٧٧].
وعن سوار بن شبيب، قال: " كنت عند ابن عمر ﵄؛ إذ أتاه
стр. 51
رجل جليد في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن! نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة إلا الخير، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك. فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟! فقال الرجل: إني لست إياك أسأل، وإنما أسأل الشيخ. فأعاد على عبد الله الحديث؟ فقال عبد الله: لعلك ترى لا أبا لك أني سآمرك بأن تذهب فتقتلهم؛ عظهم، وانههم، وإن عصوك؛ فعليك بنفسك؛ فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... ﴾ (٧) الآية [المائدة: ١٠٥]. نقله الحافظ ابن كثير في " تفسيره " عن ابن جرير (٣/ ٢٥٩)، ونحوه في " الدر المنثور " للسيوطي عن ابن مردويه (٢/ ٣٤١).
• عدم تسارع المجددين إلى التكفير:
فنحن بالعقيدة السلفية قائلون، ولما مات عليه الأشعري موافقون، وعلى ضابط السبكي ناهجون، وبفتوى الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر مقتدون، ما نحن إلا وعاظ مرشدون، ولم ندع أننا حكام منفذون، ومعاملتنا للناس ترفع كل التباس؛ فتجدنا نصلي خلف من يتقدم للإِمامة، ونسلم على من لقينا، وندفن في المقابر العامة؛ من غير منع لأي مسلم منها، ونشتري اللحم مِمَّنْ يشهد الشهادتين، كل ذلك من غير بحث عن كونه من المسترشدين بإرشادنا أم من الخصوم الطاعنين علينا، ما لم تتبين لنا مشاقته لما جاء به الرسول
стр. 52
الكريم ﷺ .
فهذه شواهد واقعية على أننا لا نحكم على معين بالشرك، وغرضنا من الخوض في حديث الشرك تحذير المسلمين منه لا الحكم عليهم به تعييناً.
• تحكّم المشاغبين:
والذين يشنعون علينا إن خضنا في هذا الحديث لا ينكرون على من يعلم الناس " أم البراهين " (*) وأمثالها من كتب المتكلمين، ولا على من يعلم أحكام الردة من " المختصر " وغيره؛ فهم في هذه التفرقة مغرضون متحكمون؛ فإن من يعلم العقائد الصحيحة ومن يبين الزائغة منها سواء في خدمة الحق، متظاهرون على النصح:
فَفِي " الصَّحِيحَيْن " عَنْ حُذَيْفَة بن الْيَمان ﵁؛ أنه قال:
• حديث حذيفة:
«كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ; مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ "، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: " قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ "، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: " هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا "، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ "، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ،
стр. 53
حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (٨).
و (الدخن)؛ بفتحتين: الدغل والفساد، وعض أصل الشجرة: كناية عن مكابدة المشقة؛ كما في " فتح الباري " (١٣/ ٣٠).
وهذه آيات وأحاديث تفيد أن مخاطبة المسلم باجتناب الشرك وأمره بالتوحيد ليس من الحكم عليه بالوثنية، ولا التعريض باشتماله عليها.
• خطاب المسلم باجتناب الشرك:
١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]:
وصفهم أولاً بالإِيمان، وطلبه منهم ثانياً، فلو كان أمرهم به يدل على خلوهم منه؛ لتناقض الكلام، وكتاب الله منزه عن الاختلاف، وإنما المقصود أمرهم بالمداومة عليه، وكذلك نَهِيُ المسلمِ عن الشرك طلبٌ منه للاستمرار على اجتنابه.
٢ - وقال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ [المجادلة: ١٣].
وواضح أن المخاطبين بتلك الأوامر كانوا ممتثلين لها من قبل نزول الآية، ولكن لزيادة التذكير فضل تقرير.
٣ - وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢].
فوصفهن بالإِيمان قبل المبايعة؛ لأن مبايعة المؤمن على ترك الشرك وعدم العود إليه إنما تزيد إيمانه صفاء.
стр. 54
٤ - وفي " الصحيحين " عن عبادة بن الصامت ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بَايعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ... » (٩) الحديث.
فطلب من أصحابه وهم في الإِيمان أعلى درجة من كل من يأتي بعدهم أن يبايعوه على اجتناب الشرك.
٥ - وفي " مستدرك الحاكم " عنه أيضاً بسند صحيح، أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى ثَلَاثٍ؟ (ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَاتِ)؛ فَمَنْ وَفَّى؛ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، كَانَتْ عُقُوبَتَهُ، وَمَنْ أُخِّرَ إِلَى الْآخِرَةِ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ» (١٠).
стр. 55
والآيات الثلاث التي تلاها النبي ﷺ تنتهي بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والمخاطبون بقوله: " أَيُّكُمْ ": هم أصحابه لا المشركون.
• نطق الجاهل بالشهادتين لا يمنع عنه وصف الشرك:
وهذه الأدلة وما في معناها؛ كما تدل على أن تحذير المسلم من الشرك ليس حكماً به عليه، تدل أيضاً أن مجرد النطق بالشهادتين لا يطرد عن ساحة القلب شبح الشرك، ولا سيما نطق من لُقِّنَهما تقليداً عاديّاً خالياً من فهم معناهما، وإنما اعترف بهما بحكم الوسط لا باضطرار العلم (*).
стр. 56
ولم ينطق المشركون بالشهادتين لما دعاهم رسول الله ﷺ ؛ لأنهم عالمون بمعناهما، ويرون النطق بهما التزاماً لما يدعو إليه الرسول، ونبذاً لما يخالف دعوته، وقد أصابوا في هذا الرأي، ثم اختاروا بعد ذلك الرأي الناشئ عن العلم باللغة ومعاني الكلام التمسك بما وجدوا عليه آباءهم، وقد أخطأوا في هذا الاختيار، ولو رأوا مجرد التشهد كافياً في رفع وصف الشرك عنهم مع بقائهم على عقائدهم الباطلة وعوائدهم القبيحة؛ لأقروا واستراحوا؛ فإن عظماءهم لم يكونوا يأنفون من سيادة من لقبوه الأمين، ففي " سيرة ابن هشام " أن أبا الوليد عتبة بن ربيعة قال في مجمع قريش:
• تعظيم مشركي قريش للرسول ﷺ :
يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد فأكلّمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها؛ فنعطيه أيها شاء، ويكفّ عنا؛ فقالوا: قم إليه؛ فكلمه. فجاء النبي ﷺ ، وقال له: يا ابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا؛ جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد به شرفاً؛ سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً؛ ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً (جنيّاً) تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه؛ فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه (أو كما قال له) ... حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه؛ قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟». قال: نعم. قال: «فاستمع مني». قال: أفعل. فقال: «﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ
стр. 57
الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ... ﴾ [فصلت: ١ - ٥]». ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة؛ أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت؛ فأنت وذاك» (١) (١/ ١٨٥).
• من يوصف بالشرك:
فهذه القصة تريك مبلغ احترام كبراء قريش للنبي، واستعدادهم لقبول رئاسته في الدنيا، وهو في بداية أمره بمكة، قبل أن يفشو فيها الإِسلام؛ فليس امتناعهم من التشهد كراهية لرفعته عليهم، ولكن محافظة على ما ألفوا عليه آباءهم مما يعلمون جدّاً منافاته لمقتضى التشهد.
فوصف الشرك يلحق من أخذ بحظ من عقائد وعوائد سمَّى الإسلامُ أهلها من أجلها مشركين، ولا يغني مع ذلك تلفظه بالشهادتين.
• علة الجمع بين لفظ الشهادتين ومعنى الشرك:
وكثير من علمائنا اليوم- بله عوامنا- لم يفقهوا من العربية ما كان يفقهه أولئك الذين كانت اللغة لغتهم والأسلوب أسلوبهم، ولهذا؛ لم يقتلع التلفظ بالشهادتين من قلوبهم عقائد الشرك، ولا حال دون نفوذه إليها؛ فتجد أحدهم
стр. 58
يردد في صلاته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، حتى إذا سلم منها، ونهض، استعان بغير الله قائلًا: يا جدي! يا شيخي! يا رجال الداله؛ نساءه ورجاله!! فلانحطاط عقولهم، وفساد أذواقهم العربية، يجمعون بين المتناقضات.
فإن كان فرق بين الفريقين من صرحاء المشركين ومشركي المسلمين، فهو إقدام أهل الجاهلية الحديثة على الجمع بين المتنافيات، وإحجام أهل الجاهلية المعاصرة للبعثة عن هذا الهذيان الذي لا يعقل.
ولا ينفع أهل جاهليتنا تسميتهم مسلمين؛ كما لم ينفع أولئك تسميتهم بالحنفاء، والإِسلام لا يفرق بين العقائد المتشابهة والأعمال المتماثلة لمجرد الافتراق في الأوصاف الظاهرة والألقاب الاصطلاحية المسلوخة عن معناها الصحيح.
وفي " فتح المجيد " لعبد الرحمن [بن حسن] بن عبد الوهاب: " لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها: أحدها: العلم المنافي للجهل، الثاني: اليقين المنافي للشك، الثالث: القبول المنافي للرد، الرابع: الانقياد المنافي للترك، الخامس: الإِخلاص المنافي للشرك، السادس: الصدق المنافي للكذب، السابع: المحبة المنافية لضدها " [ص:٦١]
• حال المسلمين ومسؤولية العلماء:
ها قد أزحنا اللبس عن غرة الغرض من بيان الشرك ومظاهره، ولزيادة التقرير نقول:
إن المسلمين قد عمهم الجهل، وفشا بينهم الدجل، وانتشرت فيهم البدع والمعاصي، وكثفت غفلتهم عن يوم الأخذ بالنواصي، وهذا ضروري لا يستطيع جحده المكابر العنيد، والمسؤول عن هذا الحال هم العلماء:
стр. 59
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]،.
ولقوله ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ؛ أَلْجَمَهُ الله بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١٢). رواه: أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى، والترمذي وحسنه، [و] الحاكم وصححه، [و] البيهقي؛ عن أبي هريرة مرفوعاً. كذا في " كشف الخفاء " للعجلوني (٢/ ٢٥٤).
• فائدة بيان العلماء لمسائل الشرك:
فبيان العلماء لمسائل الشرك أداء للأمانة، وقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم رجاء لصلاح حال المسلمين، وأن لا يكونوا حجة على هذا الدين، ولا سبة بأفواه المتمدنين، وهو غرض الذين ينهون عن السوء حين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، ممن حكى الله ذلك عنهم من وعاظ بني إسرائيل، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
стр. 60
٣ - الرجوع في بيان الشرك إلى الكتاب والسنة
• إجمال الإِسلام في الشهادتين، وتفصيله في الأصلين:
يدخل المرء في الإِسلام بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ومعنى الجملة الأولى: أنه لا يعترف لغير الله بقوة غيبية تخضع لها روحه؛ فلا يخضع لسواه، ولا يعبد إلا إياه.
ومعنى الجملة الثانية: أنه لا يعبده بهواه ولا بهوى أحد من أهل المنزلة والجاه، وإنما يعبده بما جاء به الرسول.
فمحصل الجملتين: أن لا يُعْبَد إلا الله، وأن لا يُعْبَد إلا بما شرعه على لسان رسوله.
وعلى هذين الأصلين انبنى الإِسلام، وكل ما في الكتاب والسنة تفصيل لما تضمنه هذان الأصلان، وكل ما نافى هذين الأصلين، فهو مناف للكتاب والسنة، أجنبي عن دين الإِسلام.
• الحث على الأصلين الكتاب والسنة:
فالداعي إلى الكتاب والسنة وتفهمهما إنما هو داع لتحقيق كلمتي الشهادة.
стр. 61
ولهذا تجد فيهما وفي كلام سلف الأمة الحث على تعلمهما واتباعهما وتحكيمهما عند النزاع، والتحذير من مخالفتهما وارتكاب ما أنكراه على من تقدمنا من مشركين وكتابيين.
ونثبت من ذلك ما يحصل به إن شاء الله التذكير لمن يخشى.
• تدبر القرآن:
١ - قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
٢ - وقال أيضاً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
٣ - وفي الفرقان: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
وترك تدبره وتفهمه من هجرانه. قاله ابن كثير.
• اتباع القرآن:
٤ - وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
فعاب على بني إسرائيل جهلهم بكتابهم، ومخالفتهم له، ولم يكتف منهم بمجرد قراءتها.
٥ - وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]،.
٦ - وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
стр. 62
في ابن كثير عن ابن عباس وغيره: أن حق التلاوة كونهم يتبعونه حق اتباعه.
وفي كتاب التوحيد من " صحيح البخاري " عن أبي رزين: " يتبعونه ويعملون به حق عمله ".
• الرجوع إلى الكتاب والسنة:
٧ - وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
• الغفلة عن المواعظ:
٨ - وقال: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
• الثناء على صاحب القرآن والحديث:
٩ - وعن حذيفة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ وَنَزَلَ القُرْآنُ؛ فَقَرَءُوا القُرْآنَ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» (١٣). رواه البخاري في كتاب الفتن، وفي كتاب الاعتصام من " صحيحه ".
١٠ - وعن عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١٤) ٠ أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن.
стр. 63
ووجّه الحافظ في " الفتح " الخيرية بالجمع بين النفع القاصر والمتعدي، وبيَّن أنه لا يلحقها من كان قارئاً أومقرئاً محضاً لا يفهم شيئاً من معاني ما يقرؤه أو يقرِئه، وشرَّف الدعوة إلى الله بالقرآن على الدعوة إليه بسواه، وجعل هذا الداعي أشرف من تناوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقابل هذا الداعي بالكافر الذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧]. (٩/ ٦٢).
١١ - وفيه أيضاً عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَرِيحُهَا طَيِّبٌ. وَالَّذِي لاَ يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَلاَ رِيحَ فِيهَا. وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ، وَلاَ رِيحَ لَهَا» (١٥).
ثم رواه في موضع ثان من كتاب الفضائل أيضاً بلفظ: ««الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ».
ففسرت هذه الزيادة المراد من الذي يقرأ القرآن، وأنه الذي يعمل بما دل عليه
стр. 64
• وصف القرآن:
١٢ - وأخرج أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ أُمَّتَكَ مُخْتَلِفَةٌ بَعْدَكَ». قَالَ: «فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ الْمَخْرَجُ يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: «فَقَالَ: فِي كِتَابِ اللَّهِ، بِهِ يَقْصِمُ اللَّهُ كُلَّ جَبَّارٍ، مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ تَرَكَهُ؛ هَلَكَ (مَرَّتَيْنِ) قَوْلٌ فَصْلٌ وَلَيْسَ بِالْهَزْلِ، لَا تَخْلقُهُ الْأَلْسُنُ، وَلَا تَفْنَى أَعَاجِيبُهُ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَفَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ، وَخَبَرُ مَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ» (١٦). نقله الحافظ ابن كثير في كتابه " فضائل القرآن " الذي ذيل به " تفسيره " [ص:٧].
• شهادة القرآن:
١٣ - ومن حديث أخرجه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً: «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» (١٧).
стр. 65
• نسيان القرآن:
١٤ - وأخرج أبو داود والترمذي عن أنس مرفوعاً: «عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةِ مِنَ الْقُرآنِ أُوتيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» (١٨).
وقد قواه الحافظ في " الفتح " بآثار في معناه، ووجهه بأن ترك معاهدة
стр. 66
القرآن يفضي إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد (٩/ ٧١)، وهو يفيد أن نسيان القرآن شامل لإِهمال تلاوته ولترك تدبره، وقد عد هذا النسيان من الكبائر، كما في " الفتح " و " الزواجر ".
• عدم منع الشهادتين من الضلال الذي ضلته الأمم:
١٥ - وفي " الصحيحين " عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ أنه ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سُننَ مَنْ قبلكُمْ شبْرًا بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ؛ تَبِعْتُمُوهُمْ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فمن؟!».
وفي رواية عن أبي هريرة: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» (١٩).
• ذم القراءة من غير عمل:
١٦ - وعن ابن مسعود؛ أنه قال: " أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا درسه عملًا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ما يسقط منه حرفاً، وقد أسقط العمل به " (٢٠). نقله الثعالبي في تفسيره " الجواهر الحسان " (١ - ٩).
стр. 67
• الحث على تعلم وتفهم الأصلين:
١٧ - وعنه من قوله أيضاً: «إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» (٢١)
. أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، وبعض تلك الجمل مروي عن النبي ﷺ .
١٨ - وفيه أيضاً عن ابن عون من صغار التابعين: " ثلاث أحبهن لنفسي ولإِخواني: هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، ويدَعوا الناس إلا من خير " (٢٢).
١٩ - وعن إياس بن معاوية: " مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلًا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير؛ كمثل رجل جاءهم بمصباح، فقرؤوا ما في الكتاب ". نقله القرطبي في " تفسيره " (١/ ٢٦).
стр. 68
هذا ما أردنا جلبه في هذا المقام، فمن استزادنا منه، قلنا الاستقصاء ممل معجز، ومن استكثر علينا هذه الإِطالة؛ فالداعي إليها صلابة المشاغبين الذين لم يلينوا في إنكارهم علينا الرجوع إلى الكتاب والسنة في الحكم على العقائد بالاستقامة والزيغ، وعلى الأعمال بالاستنان والابتداع، وكيف لا نرجع إليهما ولا نستمد هدايتنا منهما والسنة تفصيل وتكميل للكتاب، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
• مكايد المعارضين:
لقد ثقل على من خفت موازينه من الطرقيين والقبوريين والمرابطين نصح المشفقين، وساءهم تحذير العلماء الناصحين، فكادوا لهم مع الحكومة كي يوقعوهم في قبضتها، فسامت الحكومة العلماء بالترغيب والترهيب، وعاملتهم بالشدة العملية واللين القولي، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، ثم حاول أولئك المستاؤون صرف العامة عن علمائها، فلم ينقبضوا عن الإِرشاد، وأشد ما كانوا يثيرون عليهم الضجات عند تفسير الآيات.
• ضجات للصد عن التفسير:
وأول ما شهدت من ذلك ضجة مدرس دولي بجامع سيدي عقبة قرب بسكرة؛ فقد حضرت سنة أربع وأربعين درساً للأستاذ عبد الحميد بن باديس بذلك الجامع، ونحن سفر، في تفسير أوائل سورة الأعراف، فقام ذلك المدرس رافعاً صوته بعدم الفائدة في التفسير، طالباً درساً في " مختصر خليل "، ولكن لم يجن من مصادمته للحق إلا المقت من الحاضرين.
ثم وقعت لي أمثالها من أصحاب زاوية الهامل، لما كنت آتي من الأغواط إلى أبي سعادة للوعظ ببعض مساجدها.
стр. 69
وحكاياتهم في هذا الباب مع بقية الأصحاب أكثر من أن يستوفيها كتاب، وتلك عادة المعاندين لكلام رب العالمين، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
• شبه المعارضين:
ولقد فكروا وقدروا، وعن ساعد الجد للتضليل شمروا، وجاؤوا ظلماً وزوراً، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فقالوا فيما قالوا: إن كلام الله أجل من أن يفسر، وإن الواجب الاقتصار على المألوف من المؤلفات، وإن الرجوع إلى الكتاب والسنة دعوى للاجتهاد وغض من مقام الأئمة، حتى قال قائلهم: " الرجوع إلى الكتاب والسنة ضلال وهلاك وخسارة أبدية وشقاوة سرمدية " من فصل نشره في صحيفة " النجاح القسنطينية "، بعدد (٢٧٢)، صادر في رجب سنة أربع وأربعين.
• الصد عن التفسير ومآله:
١ - أما منعهم من تفسير القرآن؛ فيستدلون له بما يروون عمن لا يعرفون من أن صوابه خطأ وخطأه كفر، ويؤكدون ذلك بحكايات في امتناع مشاهير الشيوخ من الإِقدام على التفسير؛ مثل كذبهم على الشيخ عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر أنه كان إذا ألح عليه تلاميذه في ذلك؛ قال لهم: لنخرج إلى الشاطئ حتى لا ينقض علينا جدار ولا يخر علينا سقف. يحكون عنه هذه الحكاية، وهو مفسر مشهور، ويعظمون كلام الله هذا التعظيم، ولا يعظمون حدوده وأحكامه، فتجدهم يشهدون الزور، ويَغْشَوْن مجالس الخمور والفجور، ولا يخشَوْن انقضاض الجدران ولا خرور السقوف، وكل هذا نبذ لكتاب الله، وتعطيل لأحكامه، واتباع لسنن اليهود الذين حكى الله عنهم ذلك بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
стр. 70
كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١].
نقل القرطبي في " تفسيره " عن السدي؛ أنه قال: " نبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت ".
ونقل عن سفيان بن عيينة؛ أنه قال: " أدرجوه في الحرير والديباج، وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله، ولم يحرموا حرامه؛ فذلك النبذ " (٢/ ٤١).
• النهي عن التفسير ومحمله:
وقد ورد النهي عن التفسير؛ فأخرج ابن جرير وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " من قال في القرآن برأيه (أو: بما لا يعلم)؛ فليتبوأ مقعده من النار " (٢٣).
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن جندب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه، فأصاب؛ فقد أخطأ " (٢٤)، وجعله
стр. 71
الترمذي غريباً، وطعن غيره في بعض رواته، وزاد رزين: " ومن قال برأيه، فأخطأ؛ فقد كفر ".
وقد حمل العلماء هذا النهي على التفسير بالرأي والهوى، وصوره القرطبي في " تفسيره " بصورتين: " إحداهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه، فيصرف القرآن إليه؛ تصحيحاً لغرضه. وثانيتهما: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بالغرائب، ولا جري على مقتضى قوانين العلم " (١/ ٣٣).
وعلل ابن كثير تخطئة من أصاب في التفسير برأيه، فقال: " لأنه تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس عن جهل، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرماً ممن أخطأ، والله أعلم " (١/ ١٢).
стр. 72
• الغرض من الدعوة إلى تآليف القدماء:
٢ - وأما دعؤلهم إلى الاقتصار على المألوف من المؤلفات، فيلبسونها لباس التعظيم للعلماء المتقدمين، والاحتياط على العوام في الدين، وما هي إلا صد عن هداية القرآن، وفرار من كشفه لمساوئهم، ما عرفوا الكتب التي يدعون إليها، ولا عرفوا بالغيرة على الدين حتى يحتاطوا للعامة، وما هم في ذلك إلا مرددون لصدى فرعون حيث قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، وما أشبه الليلة بالبارحة!!
• اختصاص القرآن بالإِرشاد المؤثر:
قال محمد عبده (*) فيما لخص عنه في حياته من التفسير المعروف بـ " تفسير المنار ": " وإن في القرآن من التهذيب، ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة، وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية: ما لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وما هو أجدر بالدخول في الفقه الحقيقي، ولا يوجد هذا الإِرشاد إلا في القرآن، وفيما أخذ منه؛ كـ " إحياء علوم الدين " (**) حظ عظيم من علم التهذيب، ولكن سلطان
стр. 73
القرآن على نفوس الذين يفهمونه وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حق تلاوته لا يساميه فيه كلام، كما أن الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها اللثام، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام " (١/ ٢٠).
• خطأ مستصعبي التفسير:
وإنا لنشهد الله- وليس وراء الله للمرء مذهب- أنا قد جربنا فوقفنا على صحة حكم هذا الإِمام وصدق وصفه، ولعل هنالك من يستصعب هذه الطريق، بأن طباعنا العربية قد حالت، وسلائقنا في ذوق الكلام العربي قد فسدت؛ فأنى لنا بفهم كلام ربنا؟!
فنقول له: إن من عانى غموض المتون وتعقيد المختصرات يستسهل القرآن الذي يسره الله للذكر، ويجد في تعلم اللغة وعلومها ما يرد عليه سليقة سلفه، أو يكسبه إياها إن لم يكن عربي الأصل، ونقص السليقة المكتسبة يجبره ما كتبه أئمة التفسير.
• التشنيع بتهمة دعوى الاجتهاد:
٣ - وأما نسبتهم دعاة الرجوع إلى الكتاب والسنة إلى دعوى الاجتهاد والغض من مكانة المجتهدين المتبوعين؛ فلم يستندوا فيها إلى شيء، ولكنه بهتان مضلل، وتعيير يصدق عليه قول الأول:
وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
• معنى الاجتهاد:
وإن كان لهم مستند، فهو الجهل بمعنى الاجتهاد والتمسك بإيهام
стр. 74
العكس.
أما الاجتهاد؛ فقد عرفه الأصوليون بأنه: " بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني "، وأخرجوا عنه ما فيه أدلة قطعية أو اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع؛ كوجوب الصلوات الخمس، والزكوات، وكحرمة الزنى والخمر.
وواضح من هذا أن وزن الاعتقادات والأخلاق بميزان الكتاب والسنة والاتعاظ بمواعظهما أبعد شيء عن موضوع الاجتهاد.
• إيهام العكس:
وأما إيهام العكس؛ فيطلقه المناطقة على عكس الموجبة الكلية كنفسها، وهو خطأ، وذلك أن قولك: كل إنسان حيوان: صادق، فيتوهم متوهم صدق عكسه، ويقول؛ كل حيوان إنسان، وهؤلاء رأوا كل مجتهد ناظراً في الكتاب والسنة، فتوهموا أن كل ناظر في الكتاب والسنة مجتهد، والأصل صواب، والعكس خطأ، فإن هنالك مفسرين وشراح حديث لم يدَّعوا الاجتهاد، ولا نسبوا إليه (*)؛ من أشهرهم بمغربنا عبد الرحمن الثعالبي صاحب " الجواهر الحسان في تفسير القرآن "، والشيخ السنوسي شارح " مسلم ".
• القولة الخاسرة:
وتلك القولة المنقولة عن النجاح قولة خاسرة، ولولا ترداد ألسنة المعارضين لها مستحسنين، وتناقل طوائفهم لها مستشهدين، ثم حياة قائلها بعد
стр. 75
نشرها سنوات أصر فيها عليها، لولا ذلك؛ لعددناها من سقطات الأقلام، وهفوات الأحلام، فلم نثبتها في قرطاس، ولا ذكرنا بها من نسيها من الناس، وإن قصد قائلها معنى يحميه من التكفير، لم يسلم من وزر شناعة هذا التعبير.
• منزلة السلف الصالح:
نحن لا ندعي الاجتهاد، ولا نتنقص أئمة الدين المهتدين، بل نحترمهم، ونعترف لهم بالفضيلة؛ لكونهم سبقونا بالإِيمان، ومهدوا لنا طريق الاتباع بسنهم لنا صناعة التأليف وأصول التعليم.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
وروى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (٢٥).