الترمذي غريباً، وطعن غيره في بعض رواته، وزاد رزين: " ومن قال برأيه، فأخطأ؛ فقد كفر ".
وقد حمل العلماء هذا النهي على التفسير بالرأي والهوى، وصوره القرطبي في " تفسيره " بصورتين: " إحداهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه، فيصرف القرآن إليه؛ تصحيحاً لغرضه. وثانيتهما: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بالغرائب، ولا جري على مقتضى قوانين العلم " (١/ ٣٣).
وعلل ابن كثير تخطئة من أصاب في التفسير برأيه، فقال: " لأنه تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس عن جهل، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرماً ممن أخطأ، والله أعلم " (١/ ١٢).
стр. 72
• الغرض من الدعوة إلى تآليف القدماء:
٢ - وأما دعؤلهم إلى الاقتصار على المألوف من المؤلفات، فيلبسونها لباس التعظيم للعلماء المتقدمين، والاحتياط على العوام في الدين، وما هي إلا صد عن هداية القرآن، وفرار من كشفه لمساوئهم، ما عرفوا الكتب التي يدعون إليها، ولا عرفوا بالغيرة على الدين حتى يحتاطوا للعامة، وما هم في ذلك إلا مرددون لصدى فرعون حيث قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، وما أشبه الليلة بالبارحة!!
• اختصاص القرآن بالإِرشاد المؤثر:
قال محمد عبده (*) فيما لخص عنه في حياته من التفسير المعروف بـ " تفسير المنار ": " وإن في القرآن من التهذيب، ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة، وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية: ما لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وما هو أجدر بالدخول في الفقه الحقيقي، ولا يوجد هذا الإِرشاد إلا في القرآن، وفيما أخذ منه؛ كـ " إحياء علوم الدين " (**) حظ عظيم من علم التهذيب، ولكن سلطان
стр. 73
القرآن على نفوس الذين يفهمونه وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حق تلاوته لا يساميه فيه كلام، كما أن الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها اللثام، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام " (١/ ٢٠).
• خطأ مستصعبي التفسير:
وإنا لنشهد الله- وليس وراء الله للمرء مذهب- أنا قد جربنا فوقفنا على صحة حكم هذا الإِمام وصدق وصفه، ولعل هنالك من يستصعب هذه الطريق، بأن طباعنا العربية قد حالت، وسلائقنا في ذوق الكلام العربي قد فسدت؛ فأنى لنا بفهم كلام ربنا؟!
فنقول له: إن من عانى غموض المتون وتعقيد المختصرات يستسهل القرآن الذي يسره الله للذكر، ويجد في تعلم اللغة وعلومها ما يرد عليه سليقة سلفه، أو يكسبه إياها إن لم يكن عربي الأصل، ونقص السليقة المكتسبة يجبره ما كتبه أئمة التفسير.
• التشنيع بتهمة دعوى الاجتهاد:
٣ - وأما نسبتهم دعاة الرجوع إلى الكتاب والسنة إلى دعوى الاجتهاد والغض من مكانة المجتهدين المتبوعين؛ فلم يستندوا فيها إلى شيء، ولكنه بهتان مضلل، وتعيير يصدق عليه قول الأول:
وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
• معنى الاجتهاد:
وإن كان لهم مستند، فهو الجهل بمعنى الاجتهاد والتمسك بإيهام
стр. 74
العكس.
أما الاجتهاد؛ فقد عرفه الأصوليون بأنه: " بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني "، وأخرجوا عنه ما فيه أدلة قطعية أو اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع؛ كوجوب الصلوات الخمس، والزكوات، وكحرمة الزنى والخمر.
وواضح من هذا أن وزن الاعتقادات والأخلاق بميزان الكتاب والسنة والاتعاظ بمواعظهما أبعد شيء عن موضوع الاجتهاد.
• إيهام العكس:
وأما إيهام العكس؛ فيطلقه المناطقة على عكس الموجبة الكلية كنفسها، وهو خطأ، وذلك أن قولك: كل إنسان حيوان: صادق، فيتوهم متوهم صدق عكسه، ويقول؛ كل حيوان إنسان، وهؤلاء رأوا كل مجتهد ناظراً في الكتاب والسنة، فتوهموا أن كل ناظر في الكتاب والسنة مجتهد، والأصل صواب، والعكس خطأ، فإن هنالك مفسرين وشراح حديث لم يدَّعوا الاجتهاد، ولا نسبوا إليه (*)؛ من أشهرهم بمغربنا عبد الرحمن الثعالبي صاحب " الجواهر الحسان في تفسير القرآن "، والشيخ السنوسي شارح " مسلم ".
• القولة الخاسرة:
وتلك القولة المنقولة عن النجاح قولة خاسرة، ولولا ترداد ألسنة المعارضين لها مستحسنين، وتناقل طوائفهم لها مستشهدين، ثم حياة قائلها بعد
стр. 75
نشرها سنوات أصر فيها عليها، لولا ذلك؛ لعددناها من سقطات الأقلام، وهفوات الأحلام، فلم نثبتها في قرطاس، ولا ذكرنا بها من نسيها من الناس، وإن قصد قائلها معنى يحميه من التكفير، لم يسلم من وزر شناعة هذا التعبير.
• منزلة السلف الصالح:
نحن لا ندعي الاجتهاد، ولا نتنقص أئمة الدين المهتدين، بل نحترمهم، ونعترف لهم بالفضيلة؛ لكونهم سبقونا بالإِيمان، ومهدوا لنا طريق الاتباع بسنهم لنا صناعة التأليف وأصول التعليم.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
وروى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (٢٥).
стр. 76
• شمول الدعوة إلى الكتاب والسنة للدعوة إلى سائر الكتب والعلوم:
ومن اعتقد في إحياء الكتاب والسنة والأنس بهما موتاً لتصانيف المتقدمين وهجراناً لها؛ فقد اعتقد أنها منافية لهما، وأن بينها وبينهما ما بين الضرتين (رضى هذي يحرك سخط هذي)، ثم آثرها- وهي الفرع- عليهما- وهما الأصل-، وتلك غباوة مغبتها شقاوة.
ونحن لا نرى منافاة بين تفهم الكتاب والسنة ودراسة مؤلفات العلماء، وليست الدعوة إليهما تزهيداً في تراثنا من أسلافنا، بل هي حث على الانتفاع بذلك التراث القيم، لأن الناظر فيهما يحتاج إلى النظر فيما كتب عليهما وما استنبط منهما وما هو وسيلة إليهما، وقد يتعرف بذلك إلى علوم كونية مجملة فيهما، هذا إلى تحصيل ملكة البيان من أسلوبهما، وإحياء طريقتهما في الهداية، فتكون الدعوة إليهما دعوة إلى الأصل والفرع معاً، أما الدعوة إلى كتب الفقه مثلًا خاصةً كما يريد المعارضون؛ فهي دعوة إلى الفرع وإهمال للأصل، والنهم الذي لا يشبع من طلب العلم لا يتسع لنهمه غير الكتاب والسنة، والقهم غير الشهوان لا يجمل به أن يقيد قدرة غيره بعجزه، ولا يزينه أن يتخذ من ضعفه مقياساً لقوة القوي، والمكابر يتمثل له بقول الشاعر:
قَدْ تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ ... وَيُنْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ
وكيف يكون النظر في الكتاب والسنة اجتهاداً، وجل المفسرين والمحدثين مشهورون بالانتماء إلى مذاهب الأئمة الأقدمين؟! وإذا سلموا من النبز بهذه الدعوة، فكيف يرمى بها من قصاراه فهم كلامهم وتفهيمه للناس؟!
стр. 77
• تساند الطرقيين والمعمرين في الحملة على المصلحين:
وأرى المشاغبة بنسبة الاجتهاد إلى من يدعو إلى الكتاب والسنة أشبه بالمشاغبة بنسبة طلب الاستقلال إلى أمة محتلة تطالب [حكومتها] بالعدل في التشريع والإِجراء، وإن مشاغبات من هذا النعت يكشفها المنطق، ولكن تواريها قوة الجهل أو كثرة الجيش، ثم المشاغبون في الدين هم الطرقيون والقبوريون والمرابطون، والمشاغبون في الدنيا هم غلاة المعمرين ومن ألف الاستبداد من الموظفين، والفريقان مجتمعان في نقطة المحافظة على جهل الأمة وتأخرها، لاستغلال جمودها والاستئثار بجهودها، وتلك طبيعة المستكبرين مع المستضعفين؛ يصدونهم عن النور ليستبقوهم تحت النير: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١].
• • • • •
стр. 78
٤ - تنزيل الآيات النازلة في قوم
على من أشبه حالتهم اليوم
• تخصيص الآيات بمن نزلت فيهم:
رأى الطرقيون ومن لف لفهم أن القرآن فاضحهم وكاشف عوارهم، فتعللوا للتسلل منه بعلل شتى، وما هي بنافعتهم بعدما عمت لفظة " فاقوا "، وكان من تعللهم تقولهم: إن ما جاء في قوم من المشركين وأهل الكتاب، فهو خاص بهم، لا يتناول المسلمين، وإن جاؤوا بما هو أشنع وأضل.
• مقصود البعثة وحكمة التكليف:
وهذا جهل بمقصود البعثة وحكمة التكليف وتصرف الأئمة في تفقههم؛ فإن الغرض من بعثة كل نبي هو توحيد الخلق على توحيد الخالق وإقامة دينه، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وحكمة التكليف هو تكميل الإِنسان باتباعه شريعة الملك الديان، وليس الأمر كما يظنه بعض الجهال من أن التكليف كجزية تضرب على العبيد من الملك، ويعفى منها من توسل إليه بمنزلة وجاه، فتراهم يفخرون بكونهم من خير أمة أخرجت للناس، أويعتزون بالاعتزاء إلى مشهور بالفضل والصلاح، من غير أن يأتمروا بينهم بمعروف، أو يتناهوا عن منكر، وقد قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
стр. 79
أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد تصرف الأئمة في الآيات النازلة في الأمم الماضية واستنبطوا منها أحكاماً لهذه الأمة.
• تعميم الآيات على غير من نزلت فيهم:
إن تنزيل الآيات النازلة فيمن قبلنا على أهل ديننا هو تطبيق للنص على الحادثة، ونصيحة للمؤمنين أن لا يغتروا بالنعوت اللفظية، ويدعوا الصفات النفسانية التي هي أصل تلك النعوت؛ فلا يفيد المرء أن ينعت بالمسلم وصفاته النفسانية صفات مشرك ضال أو كتابي معاند.
وقد وضع العلماء قاعدتين في هذا الباب:
إحداهما: قولهم: " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ".
والثانية: هي " شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ".
وقد شرع الله لمن قبلنا عقائد وأعمالًا أنكر عليهم مخالفتها، ولم يرد ناسخ يعفينا من ذلك الإِنكار عند وقوع المخالفة منا، وكثيراً ما نجد في عبارات المفسرين أن الآية نزلت في بني إسرائيل مثلًا، وأنها متناولة من كان على مثل حالهم من هذه الأمة، مثل آية الكاتمين للعلم ولعنهم، ومثل آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤].
ويشهد للتعميم آيات وأحاديث وآثار نذكر بعضها فيما يلي:
• أدلة التعميم:
١ - قال تعالى في وصف كتابه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فإن كان الذين نريد هدايتهم بالقرآن من الناس، فلم نزد على أن أوصلناهم لحقهم
стр. 80
من كتاب ربهم.
٢ - وقال على لسان نبيه ﷺ : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ فعطف على ضمير المخاطبين من المشركين من بلغه القرآن في زمنهم وبعد عصرهم.
٣ - وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، والذين يخافون الحشر هم المؤمنون ومن هم مظنة الإِيمان ممن لم يطبع الله على قلوبهم؛ فلم تخص الآية المشركين بالإِنذار.
٤ - وقال بعد حكاية حادثة قوم لوط: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]؛ فسر البغوي الظالمين هنا بمشركي مكة أو ظالمي هذه الأمة، والجمع بين الوجهين غير ممتنع، وعلى كل حال دلت الآية على إلحاق المتأخر بالمتقدم في استحقاق عقوبته متى كان على مثل حالته.
وفسر ابن كثير الآية على التعميم، فجعلها بمعنى حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (٢٦). أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط.
فالآية دلت على أن ما أصاب قوم لوط غير خاص بهم، والحديث دل على تنفيذ حكمها فيمن أشبههم، وقول أبي حنيفة دل على مراعاة صفة التنفيذ.
٦ - وروى الشيخان عن عائشة وابن عباس ﵄؛ أنه ﷺ قال في مرض موته: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا (٢٨).
فقد فهما أن اللعنة غير خاصة بأهل الكتابين، وأن المقصود تحذير المسلمين من فعلهم، حتى لا تشملهم لعنتهم، ومنزلتهما في العلم والدين منزلتهما.
وتقدم (*) حديث أبي سعيد الخدري في سلوكنا سبيل من قبلنا في المخالفة؛ فكان الواجب أن نعتني بما نزل في غيرنا لنحفظ أنفسنا من مشابهتهم في العقائد الزائفة، والأقوال المنكرة، والأفعال الخاطئة.
٧ - وفي " سيرة الحسن البصري " لأبي الفرج ابن الجوزي: أن الحسن قال: " رحم الله رجلًا خلا بكتاب الله، وعرض عليه نفسه، فإن وافقه، حمد ربه وسأله المزيد من فضله، وإن خالفه؛ تاب وأناب ورجع من قريب " [ص:٤٥]
٨ - وقال أبو عبد الله الأبلي التلمساني المتوفى منتصف القرن الثامن: " لولا انقطاع الوحي؛ لنزل فينا أكثر مما نزل في بني إسرائيل " لأننا أتينا أكثر مما أتوا ". نقله ابن مريم في " البستان " (٢١٨).
٩ - وقال الحافظ ابن حجر المتوفى منتصف القرن التاسع في " فتح الباري " بعدما أشار إلى كثرة ما أنذر به النبي ﷺ أمته: " وقد وقع معظم ما أنذر به، وسيقع بقية ذلك " (١٣/ ٢٥٦).
стр. 83
فهذه دلائل وشواهد تريك صواب العلماء المجددين في تحذيرهم لإِخوانهم المسلمين، وتكشف لك عن غرض المبطلين وخطأ المعارضين.
ثم إنك تجد الإِسلام خاتمة الأديان، ونبيه خاتم النبيين، وكتابه خاتم الكتب، وهذه الأمة خاتمة الأمم، وهي من جنس تلك الأمم الماضية؛ تقسو قلوبها كما قست قلوبهم، وتفسد عقائدها كما فسدت عقائدهم، وتعصي كما عصوا، وتبتدع كما ابتدعوا؛ فهل من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة رب العالمين أن يقصر ما عاب به من قبلنا عليهم، ويدعنا سدى من غير دليلٍ يعرفنا فسادنا وقبيح أعمالنا إذا نزل بنا ما نزل بالأمم قبلنا؟!
لقد أحاط ربك بكل شيء علماً، ووضع لكل حال حكماً، والقرآن الذي فضح من قبلنا هو الذي يفضحنا، والقرآن الذي هدى من تقدمنا هو الذي يهدينا.
ها قد نقضنا في هذا الفصل وسابقه طائفة من شبه الطرقيين ومن في معناهم، وهي شبه ظاهرها حماية الدين، وباطنها استخدام الدين لحماية منافعهم الخاصة، وإن الدين ليبرأ من تلك الحماية الظاهرة، وإن عقبى ذلك الاستخدام عليهم لوخيمة.
ولفتنة الناس بظواهر تلك الأقوال أطلنا في هذين الفصلين القول في نقضها، وسبق أن كتبنا في ردها بما عطل من صحف جمعية العلماء فصولاً، تحت عنوان: " آثار وأخبار ": أن حماية الدين لا تكون إلا بالعلم، وأن أصل علم الدين الكتاب والسنة، ولقد أجاد من قال:
• تفضيل علم الكتاب والسنة:
إِنَّ الْعُلُومَ وَإِنْ جَلَّتْ مَحَاسِنُهَا ... فَتَاجُهَا مَا بِهِ الْإِيمَانُ قَدْ وَجَبَا
هُوَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ اللهُ يَحْفَظُهُ ... وَبَعْدَ ذَلِكَ عِلْمٌ فَرَّجَ الْكُرَبَا
٥ - ذرائع الشرك وطبائعه
• وجه إطالة المقدمات:
علمنا من الفصول السابقة شدة حاجة المسلم إلى معرفة الشرك ومظاهره، وضعف عناية المؤلفين في تخصيص هذا الموضوع بالتأليف وجمع مسائله في سفر، وأدركنا حسن غرض المصلحين من إثارة الحديث فيه، ووقفنا على وجه دعوتهم إلى الكتاب والسنة، وحجتهم في وعظ المسلمين بما نزل في أهل الكتاب والمشركين، وتلك نواح تضطر النصوح الواقف على حالة أهل عصره النفسانية إلى تقديم القول فيها على المقصود بالذات، ولو أفضى إلى إطالة المقدمات، والخروج بها عن معتاد أمثالها، بالإِضافة إلى فصول الموضوع، فإن الغرض من تلك المقدمات تهيئة الأفكار إلى قبول ما نعرضه عليها من حقائق الدين بنبذ ما يفرض عليها من بوائق المعتدين، ولا تثبت تحلية إلا عن سبق تخلية.
والآن نبتدئ حديثنا عن الشرك ببيان أسبابه وذرائعه وآثاره وطبائعه.
• ذم الشرك:
الشرك أمّ (*) المساوئ وكلية الرذائل ومعمل الموبقات؛ فهو معصية لا تجدي معها طاعة، ومنقصة لا يجزي عنها كمال، وضعة لا يقوم منها عز، وسفه
стр. 86
لا ترشد به نفس، ولولا الجهل، ما نجم له قرن، ولولا الوهم؛ ماحيي له عود، ولولا العادة؛ ما امتد له عرق؛ فهو شجرة خبيثة، ثراها الجهالة، وسقياها الخيال، وعرقاتها الاعتياد، وجناها نار حفت بالشهوات، وعار ستر بالترهات؛ فلا كان الجهل القبيح، ولا كانت العادة الضارة، ولا كان الوهم الضال، ولا كان الشرك ومساوئه.
• آثار الشرك في المجتمع:
إن كنت باحثاً في علل انحطاط الأمم، فلن تجد كالشرك أدل على ظلمة القلوب وسفه الأحلام وفساد الأخلاق، ولن تجد كهذه النقائص أضر بالاتحاد وأدر للفوضى وأذل للشعوب، وإن كنت باحثاً عن أسباب الرقي؛ فلن تجد كالتوحيد أطهر للقلوب وأرشد للعقول وأقوم للأخلاق، ولن تجد كهذه الأسس أحفظ للحياة وأضمن للسيادة وأقوى على حمل منار المدنية الطاهرة، وإن نظرة في حياة العرب قبل البعثة؛ لتؤيد ما أضفناه إلى الشرك من علل ونتائج، وإن وقفة على حياتهم بعد البعثة؛ لتبعث على التصديق بما أنطناه بالتوحيد من أسباب وثمرات، وإن تلك النظرة وهاته الوقفة لمفتاحان لسر حياة المسلمين بعد عصر النبوة، وكل من قارن بين حياتنا اليوم وحياة جيراننا من غير ملتنا؛ استيقن أن وسائل الشرك قد وجدت في المسلمين منذ أمد، وأن نتائجه قد ظهرت عليهم، فلا تخفى على أحد.
• الاهتمام بحياة الإِسلام:
إن من انتسب إلى الإِسلام وافتخر بالعربية، ثم رضي بالحالة الحاضرة، ودافع عنها؛ نرى بنوته للإِسلام ولغته ليست لرشده وإنما هي لغيه، والابن الشرعي للإِسلام والعروبة هو من يجعل همه إعادة جدة الدين، واستعادة مجد السلف الأقدمين، وابن الإِنسانية البار بها هو الذي- إن لم يؤازر على تحقيق
стр. 87
ذلك الهم- لا يمنع العاملين لتمثيله، ولا يحول بينهم وبين طرق تحصيله؛ فلن تجد كالدين الخالص مصنعاً للعقول التي تسع الإِنسانية عدلًا، وللقلوب التي تسع الشعوب إخاءً، وللألسنة التي تسع الحياة صدقاً.
• الجمع بين التوحيد والوثنية في النفس الجاهلة:
هذه آيات التنزيل، ليس لتكررها في موضوع الشرك مثيل، وهذه أحاديث الرسول، تحذر من كل ما هو منه بسبيل، ألا تدل تلك العناية على أن جناية الشرك أفظع جناية، وأن وقاية المجتمع منه أمتع وقاية؟
ليس العجب- لو كنا نسمع أو نعقل- من حديث العلماء في الشرك وبيانهم له، إنما العجب من سكوتهم عنه حتى يتسرب إلى نفوس الموحدين، ويجري على ألسنتهم؛ ممتزجاً بما يتلى في شأنه من القرآن، فتجتمع في ذات واحدة دواعي الضعف والقوة، وتظهر على نفس واحدة أعراض التفرق والوحدة، ويجري من لسان واحد أجاج الجهل وعذب الحكمة، ثم تجد الناحية الفاسدة من يتعاهدها بالفساد حتى تطغى، وتفقد الجهة الصالحة من يغذيها فتفنى.
ولنورد بعض ما جاء في سوء أثر الشرك في الفرد والمجتمع، مقابلًا بحسن أثر التوحيد فيهما، زيادة في تصور ضرر الشرك.
• وصف الكتاب للشرك:
١ - قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١]؛ فأفادت الآية أن المشرك في الدنيا ذليل رعديد، وجزاؤه في الأخرى الخزي والعذاب الشديد.
٢ - وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا
стр. 88
مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]؛ فجمعت هاته الآية للمشرك الخوف والفقر.
• معنى الظلم وأنواعه:
٣ - وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأنواعه ثلاثة: ظلم في حق الله، وظلم للناس، وظلم للنفس.
والشرك اجتمعت فيه الأنواع الثلاثة: فالظلم في حق الله بعدم توحيده، والظلم للمعبود مع الله بإيذائه إن كان صالحاً، وتغليطه في نفسه إن كان جاهلاً، والظلم للنفس بإذلالها وتعبيدها لمن هو مثلها في الافتقار والاحتياج.
• وعد الله للموحدين:
٤ - ٥ - وقال مخبراً عن الموحدين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
• وصف السنة للشرك:
٦ - ومن حديث أخرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁؛ أنه قال: يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؛ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ
стр. 89
خَلَقَكَ» (٢٩).
٧ - وعن أبي هريرة عند مسلم؛ أنه ﷺ قال: «يقول الله: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٣٠).
٨ - وعن ابن عباس ﵄ عند: ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في " الأدب المفرد "، والنسائي، وابن ماجه، وأبي نعيم في " الحلية "، والبيهقي في " الأسماء والصفات "؛ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (٣١).
٩ - وعن حذيفة بن اليمان عند: ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وصححه النووي في " رياض الصالحين "، أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» (٣٢).
стр. 90
١٠ - ومن حديث طويل عند أحمد: «فَجَمَعَ يَحْيَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَقُعِدَ عَلَى الشُّرَفِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ؛ فَأَيُّكُمْ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟! وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ؛ فَاعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» (٣٣). أورده بطوله ابن كثير في " تفسيره " (١/ ١٠٦).
• صور من الشرك:
١١ - وأورد فيه عن [ابن] أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس؛ أنه قال في قول
стр. 91
الله : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]: " الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا، لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار؛ لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان، هذا كله به شرك " (٣٤).
وما أطلق عليه الشرك في هذه الأخبار: بعضه شرك صريح، وبعضه ذريعة إليه فنهى عنه حياطة للتوحيد وصيانة له.
والأخبار في هذا المعنى كثيرة، ومن يرد الله به خيراً، يهتد ببعض ما ذكرنا، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].
• اِتهام النفس:
وأساس الخير اتهام النفس وعدم الرضى عنها، وقد قال الله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
стр. 92
ولا يعين على شهود النقص في النفس كالوقوف على اجتهاد السلف الصالح؛ ففي سيرة الحسن البصري الذي عاش في القرن الأول ومات أوائل الثاني؛ أنه قال: " رأيت سبعين بدريّاً، لو رأيتموهم؛ لقلتم: مجانين، ولو رأوا خياركم؛ لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق. ولو رأوا شراركم، لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب " [ص:٥٩].
هذا خطاب الحسن لأهل عصره من التابعين وتابعيهم، فبماذا يخاطب أهل القرن الرابع عشر؟!
• بعض مطاعن المشاغبين:
إن أهل زماننا قد رضوا حالتهم، وسخطوا على ناصحيهم مقالتهم، وقالوا: قد جاؤونا بعلم جديد، وقد سبقهم علماء أجلاء لم نسمع منهم نكراناً لهذا الأمر؛ فإن كان بين هؤلاء الساخطين مَن شدا شيئاً من العلم؛ زادهم جهالة بتأويل النصوص الشرعية، وبصرف أقوالهم وأعمالهم الدالة على فساد اعتقادهم إلى ما يوافق الإِسلام، وإن كان خلاف مرادهم، ثم زعم لهم أن ما يرشد إليه المصلحون ضلالة ابتدعها ابن تيمية.
• الجواب عن المطاعن:
لا؛ لم نأت بعلم جديد في نظر الدين، ولكنه جديد في آذان (*) المستمعين.
ومن تقدمنا من العلماء بعضهم أنكروا مثلنا فطُعن فيهم وحيل بينهم وبين العامة، وبعضهم أسرُّوا الإِنكار لمن وثقوا بامتثاله، ومنهم من كتم لغلبة يأسه ومحافظته على هناء نفسه، ومنهم من لم يكن يدري هذا الشأن، وإنما اشتهر بمسائل الفروع.
стр. 93
ثم العلماء الثقات حجة فيما يأثرون لا فيما يفعلون أويقرون، ولا يكون الفعل أو التقرير حجة إلا من المعصوم.
فأما تأويل النصوص؛ فأكثره تحريف للكلم عن مواضعه، وغض من مهابة ظواهرها وعظم موقعها في النفوس.
وأما صرف أقوال العامة وأفعالها إلى غير ما أرادت منها، فتغرير بها، وإغراء لها على الباطل.
وأما ابن تيمية، فلم يبتدع ضلالة، وإنما أحيا السنة، ودعا إلى الهدى، واجتهد في النصح، وليست الدعوة إلى التوحيد بمذهب خاص، ولكنه دين الله العام.
وما جعل العوام يستخفون بما وقعوا فيه من الشرك الجلي إلا الاعتياد، وجبن جل العلماء عن الجهر بالإرشاد، والعادة- كما يقال- طبيعة ثانية، والإِسرار بالعلم إقبار له.
ففي كتاب العلم من " صحيح البخاري ": أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: " انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ؛ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء "، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرّاً (٣٥).
стр. 94
ومن حكم الشعراء:
وَشَتَّانَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمَنْطِقِ الْخَفْتِ
وقال ابن تيمية: " لولا بعد عهد الناس بأول الإِسلام وحال المهاجرين والأنصار، ونقص العلم، وظهور الجهل، واشتباه الأمر على كثير من الناس، لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة أعظم مما يظهر ضلال الخوارج والرافضة ".
وما جعل بعض العلماء ينتصبون للدفاع عن تدين العامة إلا مجاراة العوام والتقرب منهم ومن مغرضي الحكام لنيل منصب أو حطام، وهذا ظاهر في هذا الزمان، لا يختلف فيه اثنان.
وقد عد في " الزواجر من الكبائر " تعلم العلم للدنيا وكتمانه، وعدم العمل به والدعوى فيه، وجلب في ذلك من الآيات والأحاديث والآثار ما يطول تلخيصه؛ فلينظره من يهتم لغده في الكبيرة الثالثة والأربعين وما بعدها من ذلك الكتاب.
وفي رسالة ابن الجوزي عن الحسن البصري؛ أنه قرأ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، فقال: " يا عجباً لمن يخاف ملكاً أو يتقي ظالماً بعد إيمانه بهذه الآية! أما والله، لو أن الناس إذا ابتلوا صبروا لأمر ربهم؛
стр. 95
لفرج الله عنهم كربهم، ولكنهم جزعوا من السيف، فوكلوا إلى الخوف، ونعوذ بالله من شر البلاء " [ص:٤٧].
• حكايتان عن المجاوي والونيسي:
حدثني تلميذ للشيخ عبد القادر المجاوي، أن هذا الشيخ رأى ذات يوم بيده رسالة محمد عبده في التوحيد، فانتهره لنظره فيها، وأغلظ له القول في مؤلفها، فأمهله هذا التلميذ، ثم راجعه مرة أخرى فيما سمع منه، فأثنى له على الشيخ عبده، واعتذر له عما أسمعه فيه أولاً بمجاراة العامة التي كانت لذلك العهد لا تذكر بالشيخ عبده إلا الإلحاد والإفساد في الدين.
وحدثني آخر عمن حضر (زردة) بكدية عاتي من مدينة قسنطينة مع الشيخين عبد القادر المجاوي وحمدان الونيسي؛ أنهم كانوا في بيت كتان نسميه القيطون، فقام أحدهم متلهفاً أن يفوته طعام (الزردة) وبركتها، فقال له الشيخ حمدان: أي بركة فيها؛ إن طعامها حرام، ومجيئنا إليها حرام.
هذان الشيخان هما من شيوخ شيوخنا، وهما أشهر شيوخ الجزائر لعهدهما، ومن هاتين الحكايتين عنهما ترى كيف يضيع الدين وينمو المنكر. وعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: " إذا التمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين؛ ظهرت البدع " (٣٦). رواه ابن وضاح في " رسالة البدع
стр. 96
والنهي عنها " [ص:٣٩].
ولقد نصح من قال:
وَلَدَتْكَ إِذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ بَاكِياً ... وَالْقَوْمُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرُورًا
فَاعْمَلْ لِيَوْمِ تَكُونُ فِيهِ إِذَا بَكَوْا ... فِي يَوْمِ مَوْتِكَ ضَاحِكاً مَسْرُورًا
• • • • •
стр. 97
٦ - معنى الشرك وأقسامه
• قاعدة الحكم على الشيء فرع تصوره:
كلامنا في الفصل الخامس عن الشرك من ناحية ذرائعه وطبائعه يدخل في باب الحكم عليه، وحديثنا عنه الآن من جهة معناه وأقسامه يعد من قبيل التصور، والحكماء يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فمقتضى هذه القاعدة تأخير الفصل الخامس عن هذا الفصل، ولكنا سلكنا هذا الترتيب، لأن التصور الذي ينبني عنه الحكم ويتوقف عليه هو الشعور بأصل معنى الشيء، وهذا القدر من معنى الشرك حاصل للمسلمين، ولهذا ينفرون منه، بل يكاد تصور الشرك يكون ضروريّاً لكل ناطق بالعربية، ولذلك لم تعن كتب متن اللغة بتحديد معناه كما اعتنت بضبط ألفاظه، والتصور الذي نحاوله هنا هو تحرير معنى اللفظة لغة وشرعاً، وضبطها نطقاً ووضعاً، وهو بالعلم أنسب، وكلامنا في الفصل الخامس إلى الوعظ أقرب؛ فآثرنا تقديم الوعظ الذي هو خطاب للقلوب على العلم الذي هو حديث إلى العقول!؛ لأنني أرى مصيبة هذا الجيل في قلوبهم أعظم من مصيبتهم في عقولهم.
• معنى الشرك في اللغة:
تقول: شركته في الأمر، أشركه- من باب تعب-، شركاً، وشركة؛ بفتح
стр. 98
الأول، وكسر الثاني فيهما، ويخففان بكسر الأول وسكون الثاني، وذلك إذا صرت له شريكاً، وشاركته كذلك، وأشركته: جعلته شريكاً، قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣١]؛ أي: اجعله شريكي فيه، وشركت بينهما في المال تشريكاً، واشتركنا، وتشاركنا في الشيء، قال الجعدي:
وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا ... وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ
و (العنان): سيرا اللجام المعترضان عن يمين عنق الدابة وشمالها، يكنى به عن المساواة.
و (الشرك)، بالتخفيف: أغلب في الاستعمال، ويكون مصدراً واسماً بمعنى النصيب؛ كما في قولهم: أعتق الرجل شركاً له في عبد، والشراك ككتاب: سير النعل على ظهر القدم؛ يقال منه: أشركت نعلي وشركتها تشريكاً: إذا جعلت لها الشراك. و (الشرك)، بفتحتين: حبالة الصائد، واحدتها شركة، ويكون الشرك جمعاً لشركة بمعنى معظم الطريق ووسطه. هذا تلخيص كلام الجوهري في " صحاحه " والفيومي في " مصباحه ".
وقال الراغب الأصفهاني في " مفرداته ": " الشركة والمشاركة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعداً، عيناً كان ذلك الشيء أو معنى، كمشاركة الإِنسان والفرس في الحيوانية، ومشاركة فرس وفرس في الكمتة والدهمة ".
وعبارة الراغب الثانية في شرح الشركة أعم من الأولى، لأن كون الشيء لاثنين يشمل ما كان لهما ملكاً، كالمال، أو وصفاً؛ كالبياض والكمتة، أو جزءاً ذاتيّاً؛ كالحيوانية.
ومرجع مادة الشرك إلى الخلط والضم:
стр. 99
فإذا كان بمعنى الحصة من الشيء يكون لواحد وباقيه لآخر أوآخرين؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]؛ فالشريك مخالط لشريكه، وحصته منضمة لنصيب الآخر.
وإذا كان بمعنى الحبالة؛ فإن ما يقع فيها من الحيوان يختلط بها وينضم إلى ملك الصائد.
وإذا كان بمعنى معظم الطريق، فإن أرجل السائرين وأقدام الماشين تختلط آثارها هنالك، وينضم بعضها إلى بعض.
وإذا كان بمعنى سير النعل؛ فإن النعل تنضم به إلى الرجل فيخلط بينهما.
ثم اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أنصبائهم منه، ولا يمنع زيادة قسط على آخر، فموسى يسأل ربه إشراك أخيه له في الرسالة، وقد أجيب سؤله؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه: ٣٦]، وضروري أن حظ هارون من الرسالة دون حظ موسى، ولهذا تقول: فلان شريك لغيره في دار أو أرض أو بضاعة، ولو لم يكن له منها إلا معشار العشر، بل الأجير على جزء من الربح كالخماس وعامل القراض شريك لرب المال من غير أن يكون له حظ من الأصل، هذا في الحسيات، ومثله في المعنويات؛ تقول: الأبوان شريكان في طاعة ابنهما لهما، وإن كان حق الأم في الطاعة أقوى، وتقول: أبنائي شركاء في محبتي، وأنت تحب بعضهم أشد من بعض. هذا تقرير معنى الشرك لغة.
• معنى الشرك في الشرع:
أما في الشرع؛ فقد فسره صاحبا " الصحاح " و " المصباح " بالكفر، وجعله الراغب على ضربين، فقال:
стр. 100
" أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى؛ يقال: أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر؛ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]، قال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]،، ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١١٢]، وقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق المشار إليه بقوله: ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿الأعراف: ١٩٠﴾، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: واقعون في شرك الدنيا، أي: حبالتها ".
قال: " ومن هذا ما قال ﷺ : «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا» (٣٧) ".
قال: " ولفظ الشرك من الألفاظ المشتركة، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: محمول على الشركين، وقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوَبة: ٥]،؛ فأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعاً ".
هذا كلام الراغب، وقد اشتمل على آيات في استعمال القرآن لمادة الشرك بالمعنى الشرعي، وهي تفصح عن موافقتها لأصل المعنى اللغوي؛ سنة الحقائق الشرعية في انبنائها على الحقائق اللغوية.
وبيان الشرك بالكفر تساهل في المعنى قرَّبه اتحادهما في الحكم.
стр. 101
وقد فرق بينهما أبو هلال العسكري في كتابه " الفروق اللغوية "، فقال: " الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب، فمنها الشرك بالله، ومنها الجحد للنبوة، ومنها استحلال ما حرم الله، وهو راجع إلى جحد النبوة، وغير ذلك مما يطول الكلام فيه، وأصله التغطية " [ص:١٨٩].
ثم قال: " الفرق بين الكفر والشرك أن الكفر خصال كثيرة على ما ذكرنا، وكل خصلة منها تضاد خصلة من الإِيمان، لأن العبد إذا فعل خصلة من الكفر؛ فقد ضيع خصلة من الإِيمان، والشرك خصلة واحدة، وهو إيجاد ألوهية مع الله أو دون الله، واشتقاقه ينبئ عن هذا المعنى، ثم كثر حتى قيل لكل كفر شرك على وجه التعظيم له والمبالغة في صفته، وأصله كفر النعمة، ونقيضه الشكر، ونقيض الكفر بالله الإِيمان، وإنما قيل لمضيع الإِيمان كافر؛ لتضييعه حقوق الله تعالى، وما يجب عليه من شكر نعمه؛ فهو بمنزلة الكافر لها، ونقيض الشرك في الحقيقة الإِخلاص، ثم لما استعمل في كل كفر، صار نقيضه الإِيمان " [ص:١٩١].
ومحصل كلام أبي هلال: أن الشرك والكفر مختلفان في الأصل، متحدان في استعمالى الشرع (*)؛ فهما كالإسلام والإيمان، واستعمال الكفر في التغطية شائع في لسان العرب؛ قال لبيد في معلقته:
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
ويبين كون الشكر نقيضاً له قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 102
ولم يحضرني الآن مقابلة القرآن للشرك بالإخلاص (*)، ولكن فيه مقابلة النفاق الذي هو من شعب الشرك بأشياء منها الإِخلاص، وذلك قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
وفائدة البحث عن مقابل كل من الشرك والكفر زيادة الكشف عن معناهما، وفضل التمكن من تصورهما تصوراً واضحاً.
وكما لا تقتضي الشركة لغة تساوي الشركاء في الحصص؛ لا يقتضي الشرك شرعاً مساواة الشريك لله في جميع صفاته أو في صفة منها، بل يسمى المرء مشركاً عند الشارع بإثباته شريكاً لله، ولو جعله دونه في القدرة والعلم مثلاً.
فأما حكايته تعالى عن المشركين قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، فالتسوية فيه تسوية في الطاعة والانقياد، لا في القدرة على الخلق والإِيجاد، فهي كآية البقرة: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
إن الله جل وعلا لا يقبل أن يشرك به الأبرار ولا الفجار ولا الأشجار ولا الأحجار، ولا يرضى شركة عظيم في القدر والمنزلة؛ كمن أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا شركة عظيم في الخلق والحجم، كالشمس والقمر وسائر الكواكب.
وقد رد القرآن كل شرك كيفما كان اعتباره من القوة والضعف:
стр. 103
قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].
هذا بياننا للشرك الشرعي؛ فإن كان فيه طول؛ فإنا نقصد فيما نبسط إفهام العامة وإفحام المعاندين.
• أقسام الشرك وأحكامها:
وأقسام الشرك قد استوفتها آية سبأ، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، فجعلت الآية أقسام الشرك أربعة، ونفتها كلها، ولنضع لكل قسم اسماً يمتاز به:
الأول: شرك الاحتياز: فنفى سبحانه أن يكون غيره مالكاً لشيء يستقل به، ولو كان في الحقارة مثقال ذرة في العالم العلوي أو في العالم السفلي.
الثاني: شرك الشياع: فنفى سبحانه أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه كيفما كان هذا النصيب في المكان والمكانة.
الثالث: شرك الإِعانة: فنفى جل شأنه أن يكون له ظهير ومعين من غير أن يملك معه، كما يعين أحدنا مالك متاع على حمله مثلاً.
الرابع: شرك الشفاعة: فنفى تعالى أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه ليخلص أحداً بشفاعته.
стр. 104
فهو تعالى لم يقبل من أقسام الشركة حتى أضعفها وأخفاها، وهي الشركة بالجاه في تحصيل السلامة والنجاة؛ إلا بعد الإِذن للشفيع، وتعيين المشفوع له، وحينئذ لا تكون في الشفاعة رائحة الشركة، بل الشفاعة- كغيرها من وجوه النفع- هي لله وحده.
ولم يخرج عن الآية شيء من أقسام الشركة؛ لأن الشريك إما في الملك، وإما في التصرف، والأول: إما أن يحتاز قسطه، وإما أن يكون على الشياع، والثاني: إما أن يعين المالك، وإما أن يعين أحداً عند المالك؛ فتلك الأقسام الأربعة مرتبة ترتيبها في الآية، وتلك الأقسام على ظهورها من الآية لم أر من أعرب عنها هذا الإِعراب.
وقسم أبو البقاء الحنفي في " كلياته " الشرك إلى ستة أقسام؛ فقال: " والشرك أنواع: شرك الاستقلال: وهو إثبات شريكين مستقلين؛ كشرك المجوس. وشرك التبعيض: وهو تركيب الإِله من آلهة؛ كشرك النصارى. وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية. وشرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعاً للغير؛ كشرك متأخري الجاهلية. وشرك الأسباب: وهو إسناد التاثير للأسباب العادية؛ كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض: وهو العمل لغير الله. فحكم الأربعة الأول الكفر بإجماع، وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع، وحكم الخامس التفصيل؛ فمن قال في الأسباب العادية: إنها تؤثر بطبعها؛ فقد حكي الإِجماع على كفره، ومن قال: إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها؛ فهو فاسق " (*) [ص:٢١٦].
стр. 105
وهذه الأقسام متفاوتة قوةَ وضعفاً، ولكنها متحدة في الحكم عليها بالكفر، إذا استثنينا أحد وجهي النوع الخامس، أما السادس؛ فقد أخرجه أيضاً أبو البقاء، وحقه التفصيل؛ كالذي قبله، فإن العمل لغير الله: إما نفاق، أو رياء، والأول كفر اتفاقاً، والثاني معصية من غير كفر إجماعاً، ولكن ما خرج من هذه الوجوه عن حكم الكفر؛ فإنه ذريعة إليه، ولهذا تناوله لفظ الشرك كبقية الأقسام.
والنوع الثاني عند أبي البقاء خارج عن الآية؛ لبعده عن العقل والطبع معاً، والأول عنده شامل للأول والثاني في الآية، والثالث والرابع عنده يشملهما الرابع في الآية، والخامس والسادس يتناولهما الثالث في الآية، الذي هو شرك الإِعانة؛ لأن المعتمد على الأسباب مستعين بها، والمرائي والمنافق مستعينان بمن يعملان له.
نعوذ بالله من جملة الشرك وتفصيله، قويه وضعيفه، جليه وخفيه.
إِنَّ الْأُمُورَ دَقِيقَهَا ... مِمَّا يَهِيجُ لَهُ الْعَظِيمُ
• • • • •
стр. 106
٧ - الشرك في قوم نوح
• مبدأ الشرك:
أول من عُرفوا بالشرك قوم نوح ﵇، وأول من وقعوا فيه منهم القبوريون المنصرفون بقلوبهم إلى الموتى من صلحائهم؛ فكان نوح أول رسول من الله لمقاومة الشرك وإقامة الحجة على المشركين؛ بتذكيرهم بنعم الله ووجوب شكرها، ودلالتهم على سوء مغبة الشرك ولزوم التبري منه، ولكن القوم غلب عليهم هوى الشرك، ففقدوا رشدهم، ولم يفقهوا جدال نبيهم، وأتوا في الدفاع عن وثنيتهم بما هو خارج عن موضوع النزاع.
وهاك ما حكاه القرآن في هذا الشأن:
• خبط المشركين في الانتصار لوثنيتهم:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧].
فانظر إلى هذا السفه والخبال: يدعوهم إلى توحيد الخلاق المتعال،
стр. 107
فيردون عليه بأنه بشر، وأن من آمن به من الطبقة المنحطة في مجتمعهم، وأنه وهؤلاء المؤمنين لا يعلمون لهم فضلًا عليهم، كأنهم علموا للأصنام فضلاً على جميع الأنام فعبدوها، واستمروا على هذا الضلال عدة أجيال، يوصي فيها السلف الخلف؛ بأن يعضوا بالنواجذ على وثنيتهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣].
وأخذالخلف بوصية السلف، فلم يستمعوا لنبيهم على قوة حجته، ولم يتأثروا بآدابه على طول مدته، ولما لم يجدوا مدفعاً لبرهانه، واستبطؤوا عقوبة الله لهم بطوفانه، قالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢].
• ذكر نوح في الكتاب:
[ما أحد] صَبَرَ صَبْرَ هذا الرسول وثَبَتَ ثباته، فخلدت ذكره سور القرآن وآياته، تجد حديثه في الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات والقمر، واختص بسورة من المفصل سميت سورة نوح، وتجد اسمه دون قصته في سور أخر.
وفي تكرار قصته والعناية بتصريف القول فيها حض للدعاة على سلوك خطته، وزجر للأمم أن تحذو حذو أمته.
وفي ذكرنا لتلك السور إحالة للقارئ على ما فيها من عبر، ونكتفي هنا بإثبات روايات فيها بيان عن الذريعة التي انتهت بهم إلى الشرك.
• الأخبار في منشأ الشرك:
١ - ففي كتاب التفسير من " صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄؛ قال: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود؛
стр. 108
فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع؛ فكانت لهذيل، وأما يغوث؛ فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق؛ فكانت لهمذان، وأما نسر؛ فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم، عبدت " (٣٨).
٢ - وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير، قال: " أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم، فجزع عليه، فجعل لا يصبر عنه، فاتخذ مثالًا على صورته، فكلما اشتاق إليه؛ نظره، ثم مات، ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم، فعبدوها ". نقله الحافظ في " الفتح " (٨/ ٥٤٣)، والسيوطي في " الدر المنثور " (٦/ ٢٦٩)، والروايات الثلاث بعد من " الدر " أيضاً.
وقوله: " فجزع عليه ": كذا نقله، من غير تصريح بفاعل الجزع، ولعل لفظة: " عليه " محرفة عن: " ابنه "، فيكون هو الفاعل، وبذلك ينسجم الكلام.
٣ - وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب ﵁ في قوله: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، قال: " كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، فصوروا، ثم ماتوا، فنشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها. فعبدوها ".
стр. 109
٤ - وأخرج أبو الشيخ في " العظمة " عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: " كان لآدم خمسة بنين: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، فكانوا عباداً، فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؛ قالوا: نعم. قال: هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؛ قالوا: لا؛ نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئاً نصلي إليه. قال: فأجعله في مؤخر المسجد؛ قالوا: نعم. فصوره لهم، حتى مات خمستهم، فصور صورهم في مؤخر المسجد، وأخرج الأشياء، حتى تركوا عبادة الله، وعبدوا هؤلاء، فبعث الله نوحاً، فقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ وَدًّا ... ﴾ [نوح: ٢٠]، إلى آخر الآية ".
وقوله: " وأخرج الأشياء ": لا يظهر له معنى، ولعل فيه تحريفاً وحذفاً، وأصله: وأدرك الأبناء وتناسلوا؛ كما يأتي نحوه في الرواية التالية.
وفي " تفسير ابن كثير " عن ابن عباس: أن ودّاً ابن لآدم وأب لسواع ويغوث ويعوق ونسر.
٥ - وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر، قال: " ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب، فقال: أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر ودّاً، قال: وكان ود رجلًا مسلماً، وكان محبباً في قومه، فلما مات، عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه، تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم، فتذكرونه به؛ قالوا: نعم. فصور لهم مثله، فوضعوه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره؛ قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل تمثالًا مثله، فيكون في بيته، فتذكرونه؛ قالوا: نعم. فصور لكل أهل بيت تمثالاً مثله، فأقبلوا، فجعلوا يذكِّرونه به ". قال: " وأدرك
стр. 110
أبناؤهم، فجعلوا يرون ما يصنعونه به، وتناسلوا، ودرس أمر ذكرهم إياه، حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله ". قال: " وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود الصنم الذي سموه بود ".
• الجمع بين الأخبار في منشأ الشرك:
وبين بعض هذه الروايات اختلاف من أربع جهات:
إحداها: هل الذين مع ود أبناء له أم إخوة له؟
وليس لهذا الاختلاف أهمية؛ فإن العهد بعيد، والأعلام قد تتعدد، والمقصود على كل حال متحد.
ثانيتها: هل حدوث الأصنام وقع على عهد نوح كما تصرح به الرواية الثانية؟ أم قبله كما هو ظاهر الروايتين بعدها؟
ويمكن الجمع بأن من سميت بهم تلك الأصنام سابقون على نوح، وتسمية الأصنام بهم تأخرت إلى زمنه، فترجع الروايتان الثالثة والرابعة إلى الثانية، ولك أن ترجع الثانية إلى ما بعدها، بأن حدوث الأصنام كان قبل نوح، وإنما أضافته الرواية الثانية إلى عهده لما كان هو الذي عاب الأصنام وقبحها، وهذا الاحتمال الثاني أقرب؛ لأن الإِرسال لإِنكار الشرك إنما يكون بعد ذيوعه وانتشاره في الأمة وطول عهدهم بالتوحيد، ويتأيد ذلك بشدة إصرارهم عليه، مع لبث نوح في محاربته ألف سنة إلا خمسين عاماً.
ثالثتها: هل ابتداع التماثيل من برور الأبناء بالآباء كما في الرواية الثانية، أم من ولوع المريد بشيخه كما في الرواية الثالثة؟
وليس هذا من الاختلاف المتعارض، إذ يمكن حدوثه من الفريقين مجتمعين أو متعاقبين.