← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37350

القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور

إياس آل خطاب

Полный текст (231 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(١١) وأخذت صك الشراء المختوم حسب الوصية والفريضة والمفتوح (١٢) وسلمت صك الشراء لباروخ بن نيريا بن محسيا أمام حنمئيل ابن عمي وأمام الشهود الذين أمضوا صك الشراء أمام كل اليهود الجالسين في دار السجن. (١٣) وأوصيت باروخ أمامهم قائلاً (١٤) هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل. خذ هذين الصكين صك الشراء هذا المختوم والصك المفتوح هذا واجعلهما في إناء من خزف لكي يبقيا أياماً كثيرة.) ومن المعروف والمشهور أن سفر إرميا يمتاز بوجود الحركات الرمزية عند تدوين الأحداث، ومن هذه الأحداث الزيارة إلى الفخاري أو الخزّاف، والإبريق الفخاري المكسور، ولكن ليس فيها ما ذكر عن شراء الحقل من الفخاريّ! والغلط هنا حاصل لا محالة! وعليه فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول: لو قلنا بأن الإنجيل كُتب بوحي من الله وأن ما فيه هو الصحيح للزمنا القول بأن التوراة محرّفة وسفر إرميا ناقص، وقد أُسقطت منه هذه العبارة وجعلت في سفر زكريا من ضمن قصة أخرى ليس لها علاقة إلا في تطابق النص. والثاني: أن كاتب الإنجيل وقع في الوهم فنسب القول لإرميا لأن فيه قصة الفخاري وقصة شراء حقل كل منهما على حده وهو في الواقع قول لزكريا في قصة أخرى. وكل هذا "وهم يعلمون"، فانظر في حواشي الكتاب المقدس، لتعرف أنهم يعلمون أنه محرّف ولكنهم يكتمون، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) آل عمران﴾ وبعد هذا البيان في أسباب التحريف والكشف عن بعض الأصول والأسس العميقة في بيان التحريف القديم والجديد والمتجدد، لا يبقى إلا أن نعجب من عِظَم الحكمة في ورود الحروف المقطّعة في أوائل السور، لتمنع هذا اللّغط وهذه الخلافات من أن تتطرق لكتاب الله وخاتمة الرسالات السماوية وشرع الله المتبع لأبد الآبدين.

стр. 177

الفصل السادس: الدليل والبرهان على ما في الحروف من إعجاز في نظم البيان لتأصيل القول في هذا الوجه من الإعجاز، وهو الإعجاز بمقتضى ذكر الحروف وما فيها من دلالات وإشارات، باعتبار الدلالات كأصل أول، وبالنظر لهذا الكتاب على أنّه إلهيٌّ لا يتفق مع صنعة البشر كأصل ثاني، وأنه ما من شيء في كتاب الله مما استأثر الله بعلمه لنفسه، وهو الغاية من رسالة الإسلام الحنيف وهدف القرآن العظيم لبيان الدين والمنهج للبشر كأصل ثالث، تظهر لنا عظمة النظم الإلهي بذكر الحروف ضمن نسق لا إنساني على أي اعتبار، وبنظم مختلف عن الحال في الأبجدية كقولنا (ألف باء تاء)، وترتيب عجيب إذا جمعناها وأردنا استخلاص القواعد منها. فقد أتت هذه الحروف في بدايات بعض السور وكأنها مفاتيح لها، ولم تأت في أوسطها فيلزمنا فهمها لرد الإعجام عن القرآن، وجاءت مفصلة على أساس كلام العرب، "فكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك" (١)، وليس منها كلمة ألِفَتْها العرب، بل هي حروف لها معاني في مفردها، ولها دلالات عظيمة في مفردها وما جُمع منها في موقعه، وهذا أبلغ القول بل منتهى البلاغة في الكلام على الإطلاق، وبالنظر لنظم الحروف في بدايات السور نجد الإشارة واضحة على دعم هذا الفهم، وهو حاصل بالاستقراء أيضاً. الباب الأول: محاولات فهم النص بحسب النظم لنبدأ بأولى المراحل وأبسطها على فهم الإنسان، وهي السور المبتدئة بحرف واحد، وهي الخطوة الأولى لنلتمس الإشارة في النظم، وقد جاءت في ثلاث سور: (القلم، ص، ق)، وكلها مكية،

стр. 178

وكانت من أول ما نزل من القرآن، ووقف على بدء فقد أغنانا ذكر البعض من الحروف عن بيان السور المرادة لأنها أسماء للسور، وهذا من أعاجيب البلاغة، وهو من الأقوال المشهورة بأن فواتح السور أسماء لها، ولكن من غير تعميم فليست هي الغاية، فلنقرأ قول الله (ن والقلم وما يسطرون)، (ص والقرآن ذي الذكر)، (ق والقرآن المجيد)، ولنقرأ ما قاله المفسرون في محاولاتهم الجليلة لبيان معاني القرآن اعتماداً على اللغة وأقوال السلف، لنجد أنه ما من أحد منهم ينكر بأن الله أقسم بالقرآن في هذه الآيات وغيرها من المتبوعة بقوله تعالى (والقرآن)، هذا من ناحية التأويل بالمعنى (١)، أو من ناحية الإعراب (٢)، والاختلاف حاصل فيما سواه، كمقام الحرف الأول (ص، ق، ن) من ابتداء الكلام أو من القسم وجواب القسم، وذكر الرازي بعض وجوه الخلاف وقال: "فالأول: أنه مفتاح أسماء الله تعالى التي أولها صاد، كقولنا صادق الوعد، صانع المصنوعات، صمد، والثاني: معناه صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله، الثالث: معناه صد الكفار عن قبول هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ [النحل: ٨٨]، الرابع: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن، فدل ذلك على أن القرآن معجز، الخامس: أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهي المعارضة ومنها الصدى وهو ما يعارض صوتك في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه، السادس: إنه اسم السورة والتقدير هذه صاد، فإن قيل ههنا إشكالان أحدهما: أن قوله: ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ قَسَم وأين المقسم عليه؟ والثاني: أن كلمة (بل) تقتضي رفع حكم ثبت قبلها، وإثبات

стр. 179

حكم بعدها يناقض الحكم السابق، فأين هذا المعنى ههنا؟ والجواب: عن الأول من وجوه، الأول: أن يكون معنى صاد، بمعنى صدق محمد ﷺ ، فيكون صاد هو المقسم عليه، وقوله: ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ هو القسم، الثاني: أن يكون المقسم عليه محذوفاً، والتقدير سورة (ص والقرآن ذي الذكر) إنه لكلام معجز، لأنّا بيّنا أن قوله ﴿ص﴾ تنبيه على التحدي، والثالث: أن يكون صاد اسماً للسورة، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذي الذكر، ولمّا كان المشهور، أن محمداً ﵇ يدعي في هذه السورة كونها معجزة، كان قوله هذه ص جارياً مجرى قوله: هذه هي السورة المعجزة، ونظيره قولك هذا حاتم والله، أي هذا هو المشهور بالسخاء، والجواب عن السؤال الثاني: أن الحكم المذكور قبل كلمة ﴿بَلِ﴾ أما ما ذكره المفسرون كون محمد صادقاً في تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة ﴿بَلِ﴾ ههنا هو المنازعة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب، والله أعلم." (١)، ويقول الشوكاني: "وقيل: إن قوله: ﴿ص﴾ مقسم به، وعلى هذا القول تكون الواو في ﴿والقرءان﴾ للعطف عليه، ولما كان الإقسام بالقرآن دالاً على صدقه، وأنه حقّ، وأنه ليس بمحل للريب قال سبحانه: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ " (٢)، ويقول الشنقيطي: "اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه، وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط ... والذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن جواب القسم محذوف وأن تقديره ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ ما الأمر كما يقوله الكفار" (٣)، وهو ما اختاره إمام المفسرين الطبري

стр. 180

بقوله: "والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي قاله قتادة، وأن قوله (بَلْ) لما دلّت على التكذيب وحلَّت محلّ الجواب استغني بها من الجواب، إذ عرف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون: بل هم في عزّة وشقاق." (١) وعليه فهل نُخرج الحروف من هذا المعنى إذا قلنا "الله أعلم بمرادها"؟ أقول نعم، والأولى بنا ردها إلى أصلها كما ذكرْت، ونقول أقسم الله بهذه الحروف، وأقسم بالكتاب العظيم وأقسم بالذكر الحكيم، فهذا هو سياق النظم. وقد علمنا ما لذكر هذه الحروف من دلالات عظيمة، وعلمنا بأنها هي أصل الكلمات، وأسماء الله من هذه الكلمات، وتلك الحروف والكلمات هي أساس النظم في اللغة المختارة لحفظ التنزيل الحكيم بكتاب كريم لا يمسه إلا المطهرون، لا كغيره من الكتب، فتكون بحق موطن القسم الإلهي، ورغم أن هذا من الأقوال المشهورة في تأويل الحروف إلا أن تعميم التأويل على كل الفواتح لا يستقيم، ولكنه هنا هو الأصل، ولا أظن أحداً ينكر هذا القول أو يرده بعد البيان فيها، ولكن هذا ليس القصد، بل القصد تثبيت المعاني لهذه الحروف، ولن نصل للغاية في التأويل وبيان النظم إلا بالوقوف على كل المعاني المترابطة، واتباع العلماء في أسلوب الإيضاح، وهو وضع الكلام في معناه، وصياغة الكلام بنظم البشر لإيصال الفكرة مهما كان تأويل هذا الحرف في رأيهم، وذلك بحسب أصول اللغة وما فيها من إلزامٍ للكلام وسردٍ للمعاني كما يفعل أهل البلاغة، وذلك أيضاً تصديقاً لقول الله تعالى ﴿جعلناه قرآناً عربياً﴾، وفي بيان التصريف لأوجه تفسير حرف الصاد وما يتبعه يقول الإمام الألوسي: "وهو على بعض هذه الأوجه لا حظ له من الإعراب، وعلى بعضها يجوز أن يكون مقسماً به ومفعولاً لمضمر وخبر مبتدأ محذوف، وعلى بعضها يتعين كونه مقسماً به، وعلى بعض ما تقدم في القراءات يتأتى ما يتأتى مما لا يخفى عليك، وبالجملة إن لم يعتبر مقسماً به فالواو في قوله سبحانه: ﴿ص والقرءان ذِى﴾ للقسم وإن اعتبر مقسماً به فهي للعطف عليه لكن إذا كان قسماً منصوباً على الحذف والإيصال يكون العطف عليه باعتبار المعنى والأصل، ثم المغايرة بينهما قد تكون حقيقية كما إذا أريد بالقرآن كله و ﴿*بص﴾ السورة أو بالعكس أو أريد ﴿*بص﴾ البحر الذي قيل به فيما مر وبالقرآن كله أو السورة، وقد تكون اعتبارية كما إذا أريد بكل السورة أو القرآن على ما قيل، ولا يخفى ما تقتضيه الجزالة الخالية عن التكلف وضعف جعل الواو للقسم أيضاً بناءً على قول جمع أن توارد قسمين على مقسم عليه واحد ضعيف" (٢)، ويقول الطبري: "وكان بعض أهل العربية يقول: (ص) في معناها كقولك: وجب والله، نزل والله، وحق والله، وهي جواب لقوله (والقرآن) كما تقول: حقاً والله، نزل والله." (٣) ولا ننسى أن بعضاً من حروف الفواتح واثنتين من المفردة منها اعتبرت أسماء للسور وهي: (ص، ق) وعليها إجماع الصحابة والمسلمين، فكانت أسماء لهذه السور لأنها تميزت بها، ولم تُسمّ بها سورة القلم وفيها (ن)، وقد تكلم أهل العربية بجواز التسمية بحرف أو حرفين كسيبويه ومن نقل عنه ودرس على يديه، أما أهل البلاغة فيقول إمام البلاغة الزمخشري: "قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدّي والتنبيه على الإعجاز كما مرّ في أوّل الكتاب، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدّي عليه، كأنه قال: ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون ﴿ص﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنها اسم للسورة، كأنه قال: هذه ص، يعني: هذه السورة التي أعجزت العرب، والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور

стр. 181

بالسخاء والله؛ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت بص والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز ثم قال: بل الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق وشقاق لله ورسوله، وإذا جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها. ومعناه: أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ذي الذكر، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل." (١) وقد قُرِأ حرف الصاد وغيره من الفواتح على عدة وجوه أشهرها بالسكون عليه وهي قراءة الجمهور، وقرأها البعض بالفتح وبالكسر، (٢) ولو قال البعض بأن التحريك كان لالتقاء الساكنين فهذا لا يمنع أنها جامعة لوجوه الإعراب وتزيد عليها بألّا محل لها من الإعراب على أحد الوجوه. (٣) تأمّل بالله ما قالوا وما جمعوا في حرف واحد! والله وكأنهم يحاولون فك سلسلة من حديد بأسنانهم، كل هذه الوجوه وكل هذا التأويل ولم يصلوا إلا لنتيجة واحدة، وهي أن هذا الحرف نزل موضع الكلمة من الكلام، وهي تفهم بحسب سياق النظم، ولم يتفقوا عليه لسبب عظيم، وهو أن اشتراط القصد وإفادة ما يُجهل من اللفظ هو أصل فهم الكلام، لا اتحاد الناطق وأشكال تصوير خلافه (٤)، والكلام هنا إلهي، ولو تشابه النطق وتصوَّر المستمع معنى من المعاني، فهذا لا يلزم الكلام ولا يخصصه بما فهمه من معاني، فالجهل لا يُخَصِّص العلم ولا يَشترط عليه، وسياق النظم هنا إلهي لا بشري، ولا يعرف سر نظمه ومبلغ قصده إلا هو جلّ في علاه، وهذا وجه صحيح من الأقوال المشهورة في تأويل الحروف، وهو قولهم إن لكل كتاب سر وسر القرآن هذه الحروف، (٥) ونحن نعلم بأنّ هذا السر كائن في نظم القرآن كله ومنه ذكر الحروف في سياق نظمه، وليس السر فيها مفصولة، فهي حروف من حروف المعجم، يكون لها معانى ظاهرة في أصل الكلام والكتابة، وقد جاءت هنا من ذات النظم في القرآن مغايرة لما هو معروف في الكتب، ولو كانت بنظمها مما يعرف الناس لما تحيّر الناس فيها. والدلالة على أن فيها سراً من أسرار النظم أنها تستوقف القارئ، ولا يفهم معناها، رغم علمه بماهيتها على أصلها وكيفية قراءتها، ويظن من أطلق العنان فيها أنها بحد ذاتها سر من الأسرار في معانيها وليست كذلك. وهذا أيضاً من الأقوال المشهورة في تفسير القرآن أي أنها تنبيه للقارئ، وهي كذلك، ولكنها ليست الغاية في تأويلها، فالتنبيه صفة لها لما فيها من مخالفة لمنهج النظم البشري القاصر عن فهم الرموز من غير قاعدة ومن غير علم مسبق بها، وقد وهم بعض المفسرين اللغويين بقولهم إن هذه الحروف لها معاني مفصلة بناءً على قول الشاعر "قُلت لَها قفي لَنَا قالَتْ قاف" (٦)، وهذا من الأقوال المشهورة، ولكنه شاذ ومردود لما فيه من قياسِ رمز له

стр. 182

قاعدة معلومة في اللغة على ما ليس له قاعدة ولا أَلِفَه العرب، ولا يقاس كلام الله على كلام البشر لأنه أعز وأعلى. وكما نلاحظ فإن الثلاث آيات قد اشتملت على حرف منفرد، ولم ينفرد حرف منها بآية كما في غيرها من ذوات الحرفين فأكثر من فواتح السور، وهذا لاشتماله تعظيم الحرف بذاته مع إنزاله موطن الجزء والأصل من الكلام، ولأنه لا يستقيم الحرف بذاته ليكون وحده جزءاً من الكلام ولا تكون غايته الإفهام. وعليه فقد جاء الحرف منفصلاً فاستوقف السامع ودل على ذاته، وأشار لما قد يحتويه من ترميز فنقل السامع لما بعده بشوق لمعرفة الدلالة فيه - وهي جبلة في الإنسان لحب معرفة الرموز - ولكن السامع احتار في معناه بعد ذكر ما بعده مباشرة، أهو على الأصل أم إختصار لغاية أسمى قد تظهر في سياق الكلام، فتابع السامع الكلام وفي نفسه حب معرفة الغاية بالتركيز على كل كلمة بانتظار الغاية، وعندما قرر المخاطب جلّ في علاه أن يُنهي الكلام بيَّن الغاية من كلامه كله، وليس الغاية من ذكر هذا الحرف فقط، فعلم السامع أن الغاية من ذكر الحرف هي ما قد فعل للتو بسماعه الكلام. وهذا هو الدليل على أن الإعجاز في النظم لا يكون إلا في سياق النظم، ولا يكون بحال من الأحوال في الجمع بين الحروف، كما نجمعها ونبدأ بوضعها في جمل أو نحللها على بناء أنها رموز. وهذا لا ينفي الإعجاز في اختيار الكلمات - ومنها الحروف- ففي كلٍّ إعجاز، والله يؤتي الحكمة من يشاء. الباب الثاني: استقراء بعض قواعد النظم في سور الفواتح بناءً على ما سبق وما جاء في التفاسير من معاني، لنتأمل قول الله (ن والقلم وما يسطرون) (ص والقرآن ذي الذكر) (ق والقرآن المجيد) وما ذكر بعدها لنحاول استخلاص إحدى قواعد النظم بالاستقراء في الفواتح الثلاث، من غير قياس على أقوال المفسرين وأهل البلاغة، لنصل لتعريف سر واحد إن استطعنا من ذكر هذه الحروف في سياق نظمها. فالسور الثلاث ابتدأت بحرف

стр. 183

واحد من المعجم وكلها أثنت على الكتاب، ثم على ما جاء في الكتاب من ذكر، فقوله تعالى (والقلم وما يسطرون) داخل فيه الغاية من خلق القلم أو وظيفة القلم، وهي الكتابة، وبالتالي الكتاب أو القرآن وما يسطرون هو الذكر، أو كلام رب العِزّة، كذلك (والقرآن ذي الذكر) ظاهرة بينة، وكذلك في (والقرآن المجيد) أي ذي الذكر المجيد، وبردِّها إلى أصلها تكون كلها قد أشارت لحرف، ثم كتابة، ثم نظم، وأتى بعدها ذكر التنزيل وذكر الرسول ﷺ ودوره في الخطاب ومجادلة الكفار لإبطال الحجج وإثبات ألوهية الخالق وحده. أي (حرف/كتاب/ذكر) وهي مكونات اللغة وتقوم مقام (اللفظ/الكتابة/النظم) ونحن نعلم أن الحروف هي مبدأ الكلمات، والكلمات هي أصل الكتابة، والكتابة دليل على نظم الكلام وسبب نشر لغته وحفظه، وهذه حقيقة في كل الكتب وكل اللغات! فماذا كان بعدها في النظم؟ كان ذكر الرسول والتنزيل (حرف/كتاب/ذكر/رسول) وهي مكونات الرسالة والتنزيل على لسان هذا النبي الأمي وتقوم مقام (اللفظ/الكتابة/النظم/نبي أمي) أي هذا ليس بكتاب مؤلف بين البشر، فهو كتاب بنظم إلهي على سياق عجيب غريب متين، باستعمال حروف وكلمات كما في لغة القوم، ومقروء بنظْم بيِّنٍ وواضح على لسان نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا هو دليل "التنزيل من السماء" وكذلك هو بديل المشاهدة للمعجزات كما كان في الأمم السابقة، وهو بالمحصلة (الإعجاز في النظم) ومجموع هذا الكلام - أي القرآن - هو المعجزة، فأهل قريش هم أفصح الناس بالعربية ونظمها، ولكن خالقهم وخالق ألسنتهم يتكلم بالعربية، وينظم بها بأبدع ما يكون في لغتهم، فإن كانوا عارفين بالنظم وبديع القول، فخالق الحروف والكتابة والألسن هو الخبير بها والعالم بأسرارها (١).

стр. 184

وماذا بعد إعجازهم في النظم إلا الإيمان أو الكفر بالتنزيل وغايته، - وهو ما جاء بعد ذكر الرسول - فغاية التنزيل هي تبليغ الرسالة على لسان الرسول ﷺ وهدف الرسالة تبيان الحق، والحق هو أن يعبدوا من خلق وحده، لأنه الأحقّ بالألوهية حتى ولو أثبتوا له الربوبية (باعتقادهم أنه الخالق). وكل ما ذكرت هو شرح كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وينطبق عليها، ولا يخالف أيّاً من سلاسل النظم المعروفة في القرآن، كقولنا إنها احتوت على الأخبار والتشريع والآداب وقصدنا بالآداب ما هو في علم الغيب والإعجاز في ضرب الأمثال، ولا يخالف ما استنبطه النورسي في إشارات الإعجاز عن المقاصد الأساسية في القرآن بقوله: "إن المقاصد الأساسية من القرآن وعناصره الأصلية أربعة: التوحيد والنبوة والحشر والعدالة" (١)، والتي تظهر في بيان المقاصد من إشارات الإعجاز، والتي تمثل بحسب قوله: "تفسير جملة من رموز نظْمِ القرآن؛ لأن الإعجاز يتجلى من نظمه. وما الإعجاز الزاهر إلا نقشُ النظم." فسياق النظم هنا متين وواضح ومفهوم بهذا النسق، ومترابط مع غيره من أساليب النظم وكأنها سلاسل محكمة الربط بحلقات متينة، في سقف لا يبلغه أحد من البشر، وهذا من أعاجيب البلاغة، أما الإعجاز هنا - في ذكر الحروف - فيكمن باستبدال الحرف الأول (الحلقة الأولى من السلسلة) بكلمة أو كلمات، بما يليق بالتسلسل في اللفظ والإعراب، ويعطي ذات المعنى، ولا يخالف غيره مما فيه من سموٍّ في البيان وإيضاحٍ للمقاصد، ليكون بذلك قد اشتمل على الأقوال المأثورة من فهم التابعين وما أخذوه عن الصحابة، وما فهمه علماء التفسير واللغة والبلاغة، من غير إخلال في نظم بداية

стр. 185

السور، سواء في القسم أو فيما يليها من كلام، ولو وضعنا مكان الحرف ما شئنا من كلمات لما استقام النظم، ولا شمل المعاني المأثورة ولا اقتصر على وجوه الإعراب المشهورة حتى، ومن أراد التجريب فلن يخرج بشيء، وأبلغها يكون مجموع جمل طويلة مفادها صحيح، وليست بشاملة كل المعاني الموجودة في هذا الحرف، وخير ما قيل في هذا ما ذكره الطبري بقوله:"قال بعض نحويِّي أهل الكوفة: فيها المعنى الذي أقسم به." (١) فكيف السبيل لاستبدال هذا الحرف؟ فإن قلت إن لم نشترط التكامل في اللفظ والإعراب والمعنى فهل من سبيل؟ قلت نعم، من ثلاثة طرق: الأول: من باب المعنى نستطيع استخلاص أبلغ الكلمات لموافقة النظم، ومنها كلمة "الدواة" فهي تضمن التسلسل في نظم المعاني كونها من أساسيات الكتابة، وهي تأويل قتادة والحسن البصري كما تقدم، وكونها من الفهم الصحيح لتسلسل المعاني، ولكنها تخالف البلاغة من وجهين، أولاهما أصل الإعراب وهو الإفصاح، فنكون قد ذكرنا ما هو أداة وعطفناها في القَسم على أداة أخرى، وجعلنا القسم الإلهي عليهما، وهذا ضعف لتوارد القسم على قسمين حملا ذات الغاية، والدواة ليست من أصول الكتابة كما هي الحروف، ووجودها وعدمه لا يُلزم الكاتب، والوجه الثاني أنّه لا يستقيم إعرابه إلا على وجه واحد، ناهيك عن تسلسل اللفظ وما في أساليب البلاغة من سجع. الثاني: من باب المشابهة في الإعراب، قد يقول قائل وهل في كلام العرب ما يحتمل وجوه الإعراب سواء كان حرفاً أو كلمة أو كلمات؟ هذا إن أسقطنا تشابه المعاني وفصل السياق،

стр. 186

أقول نعم فهذه كلمة (لدن) بمعنى (عند)، وهي من حروف المعاني، (١) وقد أتت في قوله تعالى ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) فصلت﴾ وفي قول سفيان بن حرب في معركة أحد ومازال مُهري مَزْجَرَ الكَلْبِ منهمُ ... لدُنْ غُدْوةً حتى دنتْ لغروبِ (٢) وهي ظرفٌ للزمان أو للمكان - على حسب الحال - يدلّ على بداية كلٍّ منهما (٣)، وهي في الكلام فضله، (٤) ولكنها تدل على الفصاحة في القول، والبلاغة في البيان، وفي نطق كلمة لدن عند العرب ثمان لغات، ومنهم من عد إحدى عشرة لغة فيها وحدها (٥)، وهي تلازم ما تضاف

стр. 187

إليه لكونها ظرف مكان وزمان (١)، وإذا تلتها كلمةُ [غُدْوَة]، نحو: [سافرنا لدنْ غُدوة]، جاز جرّها، ونصبها، ورفعها كقول الحصين بن حمام: لدن غدوة (٢) حتى أتى الليل ما ترى ... من الخيل إلا خارجياً مسوما (٣) وهذا للإيضاح ولا يستقيم وضعها، لأنها تلازم ما تضاف إليه مما يلزم إضافة الكلمات وما قد تحمله من وجوهٍ للإعراب، ولو أردنا الاستبدال فقط لقلنا ما هي إلا أسماء للسور، لتأخذ هذه الوجوه بحسب فهم التقدير، ولكننا بذلك نكون قد خالفنا إجماع المسلمين على تسمية السور، وخالفنا تسلسل النظم، وقد بينا فساد هذا القول سابقاً. الثالث: من باب تطابق الألفاظ نقول بأن النون هي الحوت في معناها وكفى، وهنا قد أبقينا اللفظ بما يلزم عدم المخالفة، ولكننا أعربناه على الحقيقة وخالفنا تسلسل النظم لعدم اتصاله بما بعده من معنى، ناهيك بفصلها عن غيرها من فواتح السور في المعاني والمقاصد، وعليه فقد نجمع الكثير من المعاني إن أردنا وليس كلها، وقد نشمل بعض وجوه الإعراب وليس كلها، ولكننا في الحقيقة عاجزون عن الاختصار بجملة واحدة، فكيف بكلمة واحدة أو بحرف واحد!!

стр. 188

إذن مع القدرة على المشابهة في أصل الموجود يكون وجه الدلالة على الإعجاز في نظم هذه الحروف هو إعجاز البشر عن الإتيان بكلام واضح في سياق نظم متين، ويحتمل كل هذه الوجوه، سواء وجوه الإعراب أو وجوه التأويل الصحيحة والمشهورة فقط، والذي احتملته الفواتح، ولن يأتي بمثل هذا النظم إلا خالق المتكلمين ومبدئ اللغات. وهو الوجه الصحيح من كلام المحققين بالغاية في ذكر الحروف، يقول الشنقيطي: "أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أنّ الحروف المقطّعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطّعة التي يتخاطبون بها. وحكي هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطّعة يذكر فيها دائِماُ عقب الحروف المقطّعة، الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه." (١) والوجه الصحيح من كلامهم هو أن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ليس لأنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها، بل لأن بعضه مركب من هذه الحروف المقطّعة المذكورة في مواقعها كجزء منه، ولن تستطيعوا استبدالها بأي كلمة كانت، من غير إخلال بما بعدها مما يوجب النقص، أو الزيادة بشيء مضمر قبلها مما يظهر التحريف ويكشفه.

стр. 189

وهنا قد يسأل سائل، إن كان في تبديلها بكلمات أمر مستحيل لاختلال النظم، فكيف بمن يستبدل الحروف بحروف مثلها، فيضع (ص) مكان (ن) أو يضع (الم) بدل (الر) فلن يكون هناك فرق في النظم، وهذا صحيح، ولكن النظم البليغ بشكل عام لا يقتصر على تبديل الكلمات بحسب تسلسل الأفكار، ونعلم أن مما تفرد به القرآن عن سواه في أساليب الإعجاز كان بتمييز الكلمات بما لا يليق بسواها في ذات الجملة، مع إمكانية تغييرها بما يشابهها، وكذلك في ربط الجمل والآيات بنسق بليغ لم يكن له مثيل، مع إمكانية ربط بعضها بغيره من مواضع شتى في القرآن، وبالنهاية ترتيب السور كلٌّ في مواضيع مفصلة وكلٌّ بحسب الدلالة، مع إمكانية سردها من غير ترتيب، لذلك جاء تمييز الحروف كتمييز الكلمات، وهذا من أسرار النظم ومما تعهد الله بحفظه وبيانه للناس. ومن تمييز الحروف أن جاءت بنسق أوحد في الذكر والكتابة، وقد يجري فيها كل برأيه، "أما الأقوال التي جعلت الفواتح كلها متحدة في المراد فالأمر ظاهر" (١)، وهذا لم يكن إلا لدلالة ولسبب عظيم. وقد يقول قائل، نعم ذكرها وتكرارها في تسع وعشرين سورة تمثل ربع السور عدداً يقتضي اتحاد المراد بها، ولكن هذه الحروف جاءت بشكل عشوائي، حتى لو كان فيها معاني وإشارات ودلالات، فقد أخذت صفة العشوائية في مضمونها، قلت هذا صحيح بشرط: إن جاءت بغير نمط، ولم تحكمها دلالة مباشرة على شيء بذاتها ومضمونها، وهذا هو المستحيل. لذلك سأبين بعض الدلالات على ذكر الحروف بهذا النسق لمعرفة الفرق بين ذكرها على هذا النسق في مضمونها، وغيره من الخيارات المطروحة في ذكر الحروف المكتوبة لبيان هذه الدلالات، وذلك من عدة وجوه:

стр. 190

الأول: وهو ما قد أسلفت بالذكر أن هذه الحروف قد اشتملت حروف الكتابة عند العرب في ذلك الزمان، ولم يذكر بينها حرف (الواو) لسببين: الأول أنه من الحروف الدالة على معنىً مضمر إن كتب قبل الكلمات في بعض الأحيان، كما يكتبه البعض بقوله (وكتب) وهو دال على تعظيم الكاتب أو الإملاء من غيره أو تأكيداً على أن الكاتب هو الفاعل للكتابة، ولذلك لا يستقيم ذكره في بداية التنزيل لهذا السبب، والسبب الثاني أنه استعيض عنه بذكره بعد الحروف في مواطن عديدة، وأفاد القسم كما جاءت (ن والقلم)، (ص والقرآن)، وهو من الدلالات الخاصة بهذا الحرف أيضاً. وعليه فقد دلت هذه الحروف على أنها حروف هجاء كتابية موضوعة لمن كتب القرآن. ولو قال قائل: هذه فرضية صحيحة بحسب ما نعلم، وقد يكشف الوقت ما هو عكسها وانفردت بذكرها عن غيرك، فأقول: هذا من حقك، ولكننا نعلم أن كل الفرضيات قامت على وجود النتائج أو الحقائق وشرعت بفرض المعطيات وعلاقاتها مع النتائج، مثلاً قانون الجاذبية قام على تفسير ميل الأجسام للسقوط نحو الأرض وهي النتيجة، فأتت الفرضية لتثبت التناسق بين النتيجة وعلاقتها مع هذه المعطيات، فإن ثبت التناسق بين النتائج والفرضيات وما فيها من معطيات قلنا بأن هذا هو القانون، وإن زعم البعض بأن هذه القوانين قامت على التجريب وهي معرضة للتغيير، قلنا هذا صحيح ولكن حتى لو تغير بعضها فعلاً بحسب المعطيات العارضة، إلا أن هذه الفرضيات بقيت صحيحة ضمن معطياتها، ومن غيرها لما عرفنا أنها تتغير بتغير المعطيات الطارئة، كذلك الأمر في كل ما نفرض. الثاني: لا يختلف اثنان على أن هذه الحروف قد نصفت صفات الحروف عند العرب، مهموسها ومجهورها وشديدها ورخوها والمطبق منها والمفتوح كما المستعلي والمنخفض، وهي ثمان صفات، وكل صفة لها عكسها أو ضدها، وكل حرف لا بد أن يحمل أربع صفات منها، ومجموعها في الحرف يمثل صفة الحرف اللازمة لمعرفة لفظه، فهل هذا التخصيص له دلالة؟ أقول

стр. 191

لو أثبتنا أن بالإمكان الإشارة لهذه الصفات باحتمال آخر لا يشتمل إلا على حروف مثلها ولا يضيف على معانيها شيئاً آخر، لما جاز لنا إثباته كدلالة لمضمون هذه الحروف، ولسقط احتجاجنا به، فهل هناك احتمال آخر؟ أقول: نعلم جميعاً أن عدد حروف العربية ثمانية وعشرون وهو عدد من مضاعفات السبعة، وهذا الرقم بحد ذاته عجيب هو ومضاعفاته عند دخوله في مجال الإحتمالات، ولو فصّلنا حروف العربية بين صفاتها: المهموس ١٠ والمجهور ١٨ والشديدة ٨ والرخوة ٢٠ (منها ٥ متوسطة الرخاوة و ١٥ رخوة) والمطبقة ٤ والمنفتحة ٢٤ والمستعلية ٦ والمنخفضة ٢٢، وأخرجنا نسبة الحروف في كل صفة لمجمل الحروف الـ ٢٨، لوجدناها تحمل الرقم المتكرر اللانهائي (.,١٤٢٨٥٧) وهو ما ينتج عادة من قسمة الواحد على السبعة (١/ ٧) وهو رقم غير كسري (١)، وبوجوده لا يمكن ذكر بعض هذه الحروف باحتمال متسق لتدل على مجملها، وذلك لكون نسبة الاحتمال بالمحصلة رقم غير كسري ولا نهائي، ولاستحالة ذكر نصف الحرف أو ربعه أو جزء منه مثلاً، بل لا يمكن ذكرها إلا من أربعة وجوه فقط، وهي ذكر ربعها أو نصفها أو ثلاثة أرباعها أو بذكرها كلها، لأن نسبتها أرقام صحيحة، (٢) ولو أردنا ذكر الربع أو الثلاثة أرباع لاستحال تربيع حروف الصفة الواحدة، لكونه يشمل الـ ١٠ و ١٨ ولا مجال لتربيعها من غير تقسيم الحرف الواحد، يبقى أن نذكرها كلها أو نصفها، ولو ذكرناها كلها لأشارت لذات الحروف وضاعت الصفات فيها من غير إشارة، إذن لا مجال للدلالة على صفات الحروف بمجرد ذكر بعضها إلا بتنصيفها، ويستحيل

стр. 192

غيره عقلاً. ولعل القائل يقول هذا صحيح ولا مجال لنفيه، ولكن لماذا لم يُذكر النصف الآخر من هذه الحروف؟ قلت هذا هو الاختيار للأفضل والأسلس وهذه حجتنا في إثبات الاختيار، وإن كان النصف الآخر يشتمل أنصاف الحروف والصفات لكنه لا يشتمل دقائق الصفات، كاشتماله حروف الرخاوة المتوسطة، ولا يشتمل على ذكر الأكثر من صفات الحروف المفردة، ولو جاء ذاك النصف لما أشار إليها بهذا التكامل. ولعل القائل يقول هذا صحيح ولكن هذا الاختيار للنصف من الحروف كان من بين أربعة احتمالات وهي الربع والنصف والثلاثة أرباع والكل، وأخيراً كان بالاختيار بين نصف وآخر، وهذه احتمالات مطروحة، قلت: نعلم جميعاً بأن نظرية الاحتمالات في علم الرياضيات قائمة على النسب في احتمال الحدث (١)، إما منفرداً أو متتالياً مع غيره وهو الأعقد والأصعب، ولكن مهما كانت المسألة معقدة فسيكون هناك احتمال ولو بنسبة بسيطة، ولكنها تتمثل من "الصفر" وهو المستحيل، إلى "الواحد" وهو الأكيد، ولو وضعنا احتمالية اختيار نصف هذه الحروف بحسب صفاتها وتنصيفها بتسع وعشرين محاولة، لكان الاحتمال رقماً مقارباً للصفر ويستحيل أن يقرأه إنسان، فلا نذكره، بل نفرضه صفراً، فهل هذا اختيار عشوائي؟ من قال نعم فقد زعم أنه يستطيع اختيار حبة رمل من الصحراء، وتكون هذه الحبة هي ذاتها التي أضمرت في نفسي. ومن قال لا ولكنه احتمال حتى لو كان احتمالاً من بين ملايين المليارات من الاحتمالات، فقد زعم أن ما قارب الصفر لا يمثل المستحيل، ولو قلنا إن احتمال وجود مئة مرض في شخص واحد من سكان العالم هو واحد إلى مئة مليار، وعدد سكان العالم قريب من ستة مليارات، فهذا دليل على استحالته وإن أسميناه احتمالاً، وما وُجدت نظرية الاحتمال أصلاً إلا لبيان هذه الأحوال.

стр. 193

وقد يستدل أحدهم بقول الشافعي إن "حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال" وقد يحرفها البعض فيقولون إن الدليل إذا كان فيه احتمال سقط به الاستدلال، وهذا من سوء الفهم لقواعد الأصول، لأن "الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أما المرجوح فلا وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها، وذلك باطل" (١)، فكيف بالاحتمال المستحيل، هذا من باب، ومن باب آخر فالاحتمال المعتبر هو الاحتمال السوي وإن كان مرجوحاً، والذي يتحصل من ظاهر النص أو مدلول اللفظ إن كان هناك اشتراك لفظي بين المعنى اللغوي والمجازي، ويحمل على المعاني اللغوية في حال التساوي لأنه ظاهر النص وما هو الأصل فيه، أما في التأويل وما فيه من توسع في بيان المقاصد بالتدبر في كلام الله فلا، إذ ليس لأحد من البشر تحديد القرآن بقوله المجرد، كما لا يحق لأحد من البشر تحديد قائل القرآن بكلامه، فاستدلال أهل الأصول قائم على تحديد الأحكام والعقائد، وليس على تحديد التدبر في القرآن، ولذلك لم ينكر ﷺ على ثابت بن قيس فيما رواه الشيخان بأخذه ظاهر النص في قوله تعالى (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وقد كان جهور الصوت، فاعتزل وظن أنّه حابط عمله وأنه من أهل النار، فقال له ﷺ : إنك لست من أهل النار بل أنت من أهل الجنة، فهذا من صلب الإيمان، وليس لأحد أن يضع سقفاً للإيمان، أما في بيان الأحكام وتحديد العقائد فنجد في القرآن رد النمرود على إبراهيم ﵇ بقوله "أنا أحيي وأميت"، لأنه تأول ظاهر الكلام من قول إبراهيم ﵇ على إطلاقه، بأن الموتى تجمعهم صفة الموت عرفاً وحكماً، وكلاهما احتمال سوي، وإن كان استدلاله مرجوحاً، فلم يجادله خليل الرحمن واستشهد بآية أخرى من آيات الله والتي لا تأويل فيها على الظاهر، ليقطع

стр. 194

بها حجة المجادل في آيات الله، فآيات الله لا تحصى حتى يقف عند إحداها مجادلاً في تأويلها، هذا هو الاحتمال المرجوح بمجمل القرآن، أما الاحتمال المستحيل فلا يقول به إلا سفيه جاهل بأصول الكلام. وهذا الأصل هو دليل لنا - لا علينا في الأصل- على من قال في معاني الحروف قولا غير الأصل فيها، وهو الظاهر بعبارة النص، لأن الاحتمالات الأخرى ليست سوية وبعيدة ولا تستوي مع المعنى الظاهر كاحتمال سوي. ولعلّ القائل يقول قد آمنا بأنها ذكرت بنسق ولها دلالة أكيدة، ولم تأت بشكل عشوائي في اختيارها لتدل على صفات الحروف، ولكن ما من دلالة على شيء إلا لفائدة، فما الفائدة من هذه الدلالة؟ أقول: معرفة صفات الحروف هو أصل المعرفة بألفاظها، كما هو أصل بناء الحروف في كل اللغات، وقد علمنا بأنه ما من لغة في العالم إلا وتتغير، إما بتغيّر ألفاظ حروفها، أو بتغيّر معاني كلماتها، أو بسقوط إعرابها ومتانة نظمها، وبما أن القرآن يُنقل باللفظ للحروف والكلمات وما تحمله من معاني بالمطابقة مع الكتابة، وهذا لن يتم إلا بحفظ ألفاظه حرفاً حرفاً وكلمة كلمة كما تحفظها الكتب في رسمها وشكل كتابتها، وما من سبيل لحفظ ألفاظ حروفه إلا بمعرفة مخارجها الأصلية، ومخارج الحروف مبنية على الصوتات الخارجة من الفم باتفاق الجميع، ولن تتم معرفة المخارج إن لم نعرف صفة الصوت الخارج (أي ما هي صفات الحروف) وقد يظن الجاهل أن القرآن يتم تناقله باللفظ والكتابة بمجرد التناطق والسماع، وليس كذلك، بل قامت على تسليمه باللفظ علوم جليلة تعنى بصفات الحروف ومخارجها، ولم تقف عند هذه الصفات الرئيسة بل تعدتها لما هي من صفات الحروف الدقيقة، وبحسب هذه العلوم المتفق عليها بين المسلمين لا يُسلّم لأحد بأنه تلقى القرآن مشافهة إلا بإتقانه مخارج الحروف حرفاً حرفاً بناء على صفاتها، وما يلزمها بحسب صفاتها من مقدار للنفس في كل صوتة تخرج بحرف من حروف القرآن، كما قرأه الرسول ﷺ وكما قرأه العرب على أصل حروفهم في زمن

стр. 195

الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أبدع أهل المشافهة المتسلسلة على مر السنين في هذا العلم، وزادوا عليها بإبداع ترانيم متعددة ومختلفة تضمن سهولة التلقي لما فيها من عذوبة ودعوة لتسهيل الصعوبة في إتقان التلقي، وهذا علم لا يعرفه إلا أهله، وليس من سبيل لنقله غير المشافهة. وهذه من أعظم الفوائد للإشارة على صفات الحروف، وهي دلالة عظيمة على إعجاز النظم بذكر حروف يظنها القاري بلا نسق، وهي تحمل في طياتها أسباباً لظهور علوم شريفة ننعم بها ونعجب من قدرة دارسيها. ولكن لعل القائل في نفسه شيء بعد هذا البيان، وفي إمكانه السؤال: لماذا أتت بهذا النسق: مرة بحرف، ومرة بحرفين وكذا، ولماذا لم يأت هذا النصف من الحروف بشكل آخر، وهل من احتمال متسق لذكرها؟ قلت: قد أحصى هذه الخيارات أو الاحتمالات في التقطيع لوجوه ذكر أنصاف الحروف بديع الزمان النورسي وقال: "إنّ القرآن اختار طريقاً في المقطّعات من بين أربعة وخمسمائة احتمال، لا يمكن تنصيف طبائع الحروف إلا بتلك الطريق، لأن التقسيمات الكثيرة متداخلة ومشتبكة ومتفاوتة. ففي تنصيف كلٍّ غرابة عجيبة." (١) ولا أحتج بهذا الكلام بل أسير على دربه وأقول: لو لم تأت بهذا النسق لأتت بنسق آخر على وجوه كثيرة، ولكنها قد تضفي لذاتها معنى على غير الوجه الذي أتت به، أو تخالف أصول الكلام من عذوبة وقدرة على النطق بها، ومن هذه الخيارات: - لو كتبت كما تلفظ كأسمائها الف لام ميم لكانت من باب السرد للأبجدية فكان ذكرها في موضع واحد أبلغ من ذكرها في مواضع وصار اللبس فيها من حيث الإعراب فيظن البعض أنها ألفُ لامُ ميمُ واقتضت الزيادة. - -?

стр. 196

- أن تأتي على منوال واحد في العدد، أي أن تأتي كلها بثلاثة حروف مثل (ألم) أو حرفين مثل (طه) وتسرد على هذا المنوال، كلها من ذوات الحرفين فقط أو الثلاثة فقط، لكان الخلاف على لفظها بما لا تبينه آحادها. ولما أخذت حكم الكلمات وقد علمنا أن الكلمات تبنى على عدد الحروف مثنى وثلاث ورباع وخماس. - أن تأتي بنفس الحروف المتكررة، أي أن تأتي كلها (الم) أو (ألمص) فتلزم المعنى لتكرارها مع عدم وجود مثيل مخالف. - أن تأتي مرتبه بحسب العدد، فتأتي ذوات الحرف أولاً ثم الحرفين ثم الثلاثة فتفيد التدرج وبالتالي الوزن. - أن تأتي من غير تكرار في بعضها كتكرار (الم) لحُملت على الأسماء كما في بعض السور مثل سورة ق - أن تأتي بأكثر من خمسة حروف في موقع واحد فلا تأخذ اعتبار الكلمة وبالتالي لا ينطبق عليها ما يلزم في الكلمات وكانت سرداً لها فقط. - أن تأتي بذات الترتيب مع تغيير بين الحروف كأن تأتي (ها) بدل (نون) أو (يا) بدل (صاد) وهذا إسقاط للتمييز بين الصفات كالشديد والرخو منها، وبذلك يختل النظم قطعاً لمخالفته الغاية من إخراج الصوت بعذوبة الكلام. - أن تجمع أحد الوجوه السابقة مع الآخر، مثلاً أن تأتي باختلاف العدد ولكن بتشابه الحروف في نفس الطبقة، مثلاً أن تأتي ذوات الحرف كلها (ن) والحرفين كلها (يس) والثلاثة (الم) وهذا يفيد الوزن ويلزم التفعيلة. وهذه أمثلة فقط ولا مجال لحصرها، وقد ذكر غيرها من الاحتمالات وبينها كثير من المفسرين، ولكن السؤال هنا: من ذا الذي يدعي أنها جاءت بالإبهام ولم تأت بالبيان؟ والله لا يقول هذا إلا

стр. 197

واحد من اثنين، إما عربي جاهل بأساليب البيان، أو أعجمي جاهل بأصول لغة القرآن، وإن أردنا حصر المتكلمين فيها من علماء الكلام إلى زنادقة هذا الأيام لن يخرجوا عن هذا التفصيل، ولو حصرنا وفصّلنا الأقوال فيها، وقلنا لهم ما استطعنا من كلمات، واختلفنا معهم كمسلمين أو مع غيرهم من أهل الكتاب والملحدين، لما وصفنا ولا وصفوا حالنا وإياهم بأبلغ من وصفه تعالى إذ يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) البقرة﴾ ولن تكون ردودنا بما فيها من كلمات أبلغ من قول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) يونس﴾

стр. 198

الفصل السابع: ما جاء فيها من بيان لحقيقة الإعجاز في أمية الرسول ﷺ (راية الإعجاز) من المعلوم أن أول ما نزل من القرآن (إقرأ) وكان رد الرسول ﷺ ما أنا بقارئ (١)، وفي هذا بيانٌ لطهارة الرسول من زيغ الكلام، حتى وإن كان الكلام حقاً، فلو لم يكن طاهراً في الباطن لقال ماذا أقرأ؟ ولكنه رد ببيان حقيقة الواقع بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، "وقيل لسيدنا محمدٍ رسول الله ﷺ الأُمِّي لأَن أُمَّة العرب لم تكن تَكْتُب ولا تَقْرَأ المَكْتُوبَ، وبَعَثَه الله رسولاً وهو لا يَكْتُب ولا يَقْرأُ من كِتاب، وكانت هذه الخَلَّة إحْدَى آياته المُعجِزة لأَنه ﷺ تَلا عليهم كِتابَ الله مَنْظُوماً، تارة بعد أُخْرَى، بالنَّظْم الذي أُنْزِل عليه فلم يُغَيِّره ولم يُبَدِّل أَلفاظَه، وكان الخطيبُ من العرب إذا ارْتَجَل خُطْبَةً ثم أَعادها زاد فيها ونَقَص، فحَفِظه الله على نَبيِّه كما أَنْزلَه، وأَبانَهُ من سائر مَن بَعَثه إليهم بهذه الآية التي بايَنَ بَينه وبينهم بها، ففي ذلك أَنْزَل الله تعالى: وما كنتَ تَتْلُو من قَبْلِه من كِتاب ولا تَخُطُّه بِيَمِينِك إذاً لارْتابَ المُبْطِلون" (٢). إذن فرسول الله ﷺ كان يتلو القرآن من حفظه بتسلسل وترتيب لا يكون إلا لمن كان قارئاً بالأصل، كيف لا وهو يتلو من كتاب فيه الحكمة ودقة الكلمات، بنظم لا وزن فيه كما هي حال الشعر، وهو الأسهل للحفظ من المشافهة، وهذا الكتاب يحتوي ما فيه علم الأولين من قبل آدم ﵇ من خلق السماوات والأرض، وفيه أخبار الأمم والأنبياء والصالحين من أهل العلم والحكام، ويحتوي ما

стр. 199

في علم الغيب مما يلزم الإنسان معرفته من قضاء وقدر وبعث ونشور، وفيه تشريع شامل للدين والدنيا، جمع فيه العقائد السليمة والأخلاق الحميدة وعلاقتنا بالله والناس بجميع أجناسهم وأديانهم وطوائفهم لتكتمل المنظومة الاجتماعية، ونظم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الناس، وركز فيه على تزكية النفوس وصلاحها، وفيه تشريع العبادات المطلوبة من خالق الكون، كل هذا في كتاب واحد، فهل من كتاب أو كاتب يحتمل هذا كله؟ هذا بحد ذاته إعجاز، ولكنه لم يقف عند هذا، بل تعداه بحقيقة عجيبة، وهي أن القارئ الأمي لهذا الكتاب العظيم تلا هذا الكتاب بلغة قوم لم يكونوا أميين فقط، بل لم يكن فيهم من كتاب قبل هذا الكتاب، والأمم من حولهم كانوا من أهل الكتب والعلوم، ومن المعلوم أن نتاج المعرفة للحضارات والأمم يكون في الكتب، ويكون في مجال أو أكثر من مجالات المعرفة وليس كلها، ويأتي في النهاية كنتاج، وهذا الكتاب كان البداية لا النتاج، وكان شاملاً كاملاً ليس فيه نقص كغيره من الكتب، وهذه قمة الإعجاز فوق الإعجاز. كما في قوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) يونس﴾ وتحداهم بأن يأتوا بمثله كما تحدى الأمم كلها وما تتابع لهم من حضارات، ولو أخذت كل حضارة عصارة المعرفة من الحضارة التي قبلها، وتشاركت في ذلك مع أمم الجن والشياطين، وجمعوا ما تحصّل من تتابع المعرفة، لما أخرجوا مثل هذا الكتاب ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) الاسراء﴾ ولم يقف الإعجاز عند هذا الحد بل تعداه إلى ما بعد القمة، بأن حفظ هذا الكتاب لغة العرب وحروفهم، وحفظ تصريف اللغة وإعراب الكلمات فيها، وألفاظ الحروف بصفاتها ومخارجها، ليس كغيرها من اللغات ذوات الكتب قبله، فكل ما كتب في لغات الأمم لم يكن سبباً لحفظ لغتهم من الانحطاط وضياع التصريف فيها، ولكن القرآن فعل هذا

стр. 200

وهو أول كتاب عربي، وبداية لحضارة عظيمة. وما ذلك إلا راية الإعجاز فوق قمة الإعجاز للبشر جميعاً. وهنا يظهر السبب في نعت الرسول ﷺ من قبل المشركين بالجنون، فلو خرج عليهم أو على سواهم في أي زمان ومكان إلى وقتنا هذا، من يدعي بأنه سيغير العالم وسيحتل مراكز القوة في العالم من دول عظمى وحضارات، وسيصلح النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم، فماذا سيقول الناس عنه غير أنّه مجنون؟ بغض النظر عن الكتاب الذي وضع فيه أفكاره، وهو الواقع فيما حصل لكل من ادعى القدرة على هذه الإصلاحات أو صرّح بهذه الطموحات، فكيف بمن جمعها كلها؟ ولكن الوضع هنا مخالف، فليس هو من ادعى، بل هذا ما أنزل الله من فوق سبع سماوات، وجعله دُسْتُورًا وَشَرْعًا ودِيْناً ومنهجا للحياة، ولكن المشركين أنكروا الرسالة وأنزلوا رسول الله ﷺ منزلة المدعين من البشر فقالوا (مجنون) فخابوا وخسروا إذ تحقق الأمر وقد قال الله تعالى لهم ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) النحل﴾. وهذا الكتاب العظيم وما جاء فيه من نور ساطع ونظم محكم وتشريع شامل، أنزله الله منجماً على فترات، ولم ينزل دفعة واحدة ليجمع بين الإعجاز في مجمل القرآن والإعجاز في تفريقه، فكل ما ذكرت سابقاً من ذكر أنواع المعرفة وأنه أول كتاب وأنه حفظ اللغة هو من إعجاز مجمله، أما أنواع الإعجاز في تفريقه الذي لا حصر لها فمنها أنّه جمع بين الاثنين، فكان معجزاً بمجمله بالنظم والمعنى، وجاء معجزاً بما يحمل من ردود على ما يقول الناس فيه بحسب النظم من غير إخلال بالمعنى، وهذا دليل قاطع على أن من قاله يعلم الغيب ويعلم ما سيقول الناس وماذا سيسألون، ودليل على أنه نزل وكان مكتوباً قبل القول وقبل السؤال، "ولولا نزوله متفرقاً: آية واحدة إلى آيات قليلة، ما أفحمهم الدليل في تحديهم بأقصر سورة منه. إذ لو نزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك وجه من العذر يلبس الحق بالباطل وينفس عليهم أمر الإعجاز.

стр. 201

ويهون في أنفسهم من الجملة بعض ما لا يهون من التفصيل، لأنهم قوم لا يقرءون ولا يتدارسون" (١)، كل هذا الإعجاز قد مثل الخطوط العريضة في رسم راية القرآن، ومن ثم أتت الحروف المقطّعة في بداية السور تلفظ بأسمائها، وكأنها بداية لمحو أمية العرب، وظاهرها بسيط إن حملناها على أصل معناها، فيبلغها الرسول ﷺ كما سمعها رداً من الله على شبهة عظيمة تشكك في قدرة هذه اللغة على حمل هذا الكتاب ونشره بين البشر قياساً على واقع الجهل المستفحل في القوم، فأتت على لسان النبي الأمي الذي لا يعرف من علم الكتابة إلا منطوق هذه الحروف ومقاصدها، فبمجرد أن يسمعها أصحاب الشبهة ومن كانوا يخبئون الدفينة الخبيثة لنقض معجزة الرسول ﷺ ، ستكون عليهم عمى، وسيعلمون أن الله متم نوره ولو كره الكافرون. ولكن ما هو موقف النبي ﷺ منها وهو يعلم أنها جاءت للرد على الشك وفضح شبهة دفينة، فعلم معناها ومقصدها ولكنه لا يعرف علمها، ولا يعرف الفرق بينها وبين غيرها من الحروف، ولا يعلم ما بها من دلائل وموانع في علم الكتابة، ويعلم إن السامع قد يظن بها نقصاً لمخالفتها مجمل الكتاب من ذكر المعارف والمعاني والردود، فقد جاءت بما هو أبسط الكلام وأبسط المعاني على ظاهرها، (هذه حا ميم، بداية التعليم) أفي كتاب الله ما يبين لنا موقف النبي ﷺ منها؟ أقول نعم، وقد جاء بعد ذوات الحرف وبعد البعض من ذوات الحرفين من السور وبعد الحواميم، في أول سورة هود المبتدئة بالثلاثة حروف (الر) بقوله تعالى ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ وهذه الآية قد حيرت علماء التفسير، بل كان منهم من آتى على تفسيرها بعد ذكر الآيات بعدها ومر عليها مرور الكرام، خوفاً من

стр. 202

القول على رسول الله ﷺ بما لا يليق، ومنهم من قال فيها بحسب ما تقتضيه اللغة من عدة وجوه وشرح ظاهرها فقط، وبعضهم تجرأ على الله وقال: "ذلك أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ في يونس: ﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا﴾، ليس فيه ترك عبادة آلهتنا ولا عيبها، ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] أنت من تلقاء نفسك، فهمّ النبي ﷺ أن لا يسمعهم عيبها رجاء أن يتبعوه" (١)، فأنى لرسول الله ﷺ وهو الصادق الأمين أن يضيق صدره بما يحمل من وحي وهو غاية الرسالة، وعماد الدين، وقصد التوحيد، ومن قال بهذا القول فكأنما ألغى كلمة (بعض) من الآية وجعلها (فلعلك تارك ما أوحينا إليك). وقد كانت هذه الآية من أعظم الآيات الدالة على معجزة الرسول ﷺ ، بل وفيها من الأمثال ما لا يستطيعه بشر، والله لو تدبرناها حق التدبر لوجدناها تحمل من المعاني ما لا نستطيع قوله أو كتابته، ولبيان بعض ما جاء فيها نأخذ الأصل اللغوي في النظم كما أورده صاحب نظم الدرر في تناسب الآيات والسور بقوله: "قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في صيغة الخبر: ﴿فلعلك تارك﴾ أي إشفاقاً أو طمعاً ﴿بعض ما﴾ ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله: ﴿يوحى إليك﴾ كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم ﴿وضائق به﴾ أي بذلك البعض ﴿صدرك﴾ مخافة ردهم له إذا بلغته لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿أن﴾ أي مخافة أو لأجل أن ﴿يقولوا﴾ تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿أنزل عليه كنز﴾ يستغني به ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه

стр. 203

آية عناداً ومكابرة ﴿أو جاء معه ملك﴾ أي ليؤيد كلامه وليشهد له ... ﴿إنما أنت نذير﴾ فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ." (١) إذن فالآية من شطرين أساسيين الأول: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ والثاني: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أما الأول: "لعل للترجي وهو يقتضي التوقع ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه ولا ترجح وقوعه لجواز أن يوجد ما يمنع منه، فلا يشكل بأن توقع ترك التبليغ منه ﷺ مما لا يليق بمقام النبوة، والمانع من ذلك فيه ﵊ عصمته كسائر الرسل الكرام ﵈ عن كتم الوحي المأمور بتبليغه والخيانة فيه وتركه تقية، والمقصود من ذلك تحريضه ﷺ وتهييج داعيته لأداء الرسالة، ويقال نحو ذلك في كل توقع نظير هذا التوقع، وقيل: إن التوقع تارة يكون للمتكلم وهو الأصل لأن المعاني الإنشائية قائمة به، وتارة للمخاطب، وأخرى لغيره ممن له تعلق وملابسة به، ويحتمل أن يراد هنا هذا الأخير ويجعل التوقع للكفار، والمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم ما أوحى إليك أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه، وقيل: إن لعل هنا ليست للترجي بل هي للتبعيد، وقد تستعمل لذلك كما تقول العرب: لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه، فالمعنى لا تترك." (٢)، وهذا معلوم عند أهل العربية، وفيها أقوال عديدة أيضاً، ولكن التحديد (ببعض*) هو غير المعلوم وهو موطن الشبهة في الفهم السقيم للآية، "وبعض ضد كل" (٣)، "وهو تجزئة للشيءِ" (٤)، وقد تشير إلى الكل "وليس في هذا معنى الكل" (٥)، أي لو ترك

стр. 204

بعضه لكان بمنزلة من ترك كله، ويبينه قوله تعالى (وضائق به صدرك) أي بذلك (البعض*) وضائق من ضاق، وهي عكس اتسع، ولا تقتضي النقص، بل تقتضي الحصر، فلو قلنا مدينة ضاقت بأهلها، لا يقتضي النقص فيها بل انحصارها على أهلها وبنيانها، وكذلك الغرفة تتسع لألف شخص وتضيق على الألفين وإن انحصرت على الألف، وموطن الشبهة هنا ظهر لاعتبار الضيق في الصدر هو الشك، وقد جاء من كلام بعض اللغويين وليس كذلك على الأصل، فكلمة ضاق تحمل المعنى لا سياق النظم، ولا يكون الضيق أو الحصر في الصدر إلا مع القدرة أو عدمها على فعل شيء بعينه، "وحَصِرَ صدرُه: ضاق والحصر: ضيق الصدر ... ومنه قول لبيد: أَعْرَضْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْع مُنِيفةٍ ... جَرْداءَ يَحْصَرُ دونَها صُرَّامُها أَي تضيق صدورهم بطول هذه النخلة" (١)، ولقدْر الرسول ﷺ جاءت ضائق صدرك، لأن الحصر يدل على الانحباس، وهو يفيد النقص، أما الضيق فلا، ولا يضيق صدر أحدهم إلا مع القدرة على الفعل والقول، ولو لم يكن هناك من قدرة لما ضاق الصدر ولَكَانَ قد انحصر، وكانت نتيجته الكمد والغيظ أو الاستسلام، قال في المحكم والمحيط: "حَصِرَ حَصَراً فهو حَصِرٌ، عَيَّ في منطقه وحَصِرَ صدره، ضاق"، (٢) كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ .. الآية ٩٠ النساء﴾، "والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: "قد حَصِرَ" (٣)، أما مع القدرة على أحدهما فيقال ضاقت، والحصْر يأتي مع الكل، ولا يأتي مع البعض، والرسول ﷺ كان قادراً على الفعل والقول، ولكنه غير قادر على القول بغير

стр. 205

علم، أو من دون إذن من الله بهذا (البعض*)، ولو جاء رد المشركين على ما جاء (البعض*) به لضاق صدره لسببين: إما لأنه لا يعلم الغيب مما يكيدون ويخططون، وإما أنه لا سبيل لمعرفة (البعض*) لمانع من الله، أما الأول فقد جاء ذكره في مواطن كثيرة ظاهرة كقوله تعالى ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ (٥٠) الأنعام﴾ وهو يقين عند رسول الله ﷺ ، ولا يضيق صدره لأنه لا يعلم الغيب، فهو من صميم إيمانه ﷺ ، فيبقى أنه لا سبيل لمعرفة (البعض*) لمانع أصيل، وهو أمية الرسول ﷺ وعدم قدرته على معرفة الحجج المتعلقة بالكتابة والحروف، وهو ذات الرد على شبهة المشركين بقوله تعالى (ن، ص، ق، حم) فقد جاءت الشبهة بالشك في قدرة اللغة على حمل الرسالة من شقها الكتابي، وجاء الرد بأن الله هو الأعلم، وقد رفع شأن الحروف بتنزيلها في محكم كتابه مفصّلة بحسب السور، ونحن على يقين تام بأن الرسول ﷺ يعرف معناها وما نزلت لأجله، وأنه بلّغها كما بلّغ الرسالة، وبيّن ما فيها بحسب ما علّمه الله، لكنه في ذات الوقت لا يعرف علم الحروف، وهذا هو السبب في ضيق صدر الرسول ﷺ ، لا من ذات الحروف، بل خوفاً من أن يردّوا عليها بالتسفيه وهو ديدنهم في الجحود، علماً بأن هذه الآية نزلت بعد ذوات الحرف والحرفين من السور، فجاءت بثلاثة حروف مما يقتضي التأكيد على رد الشبهة بشكل أكثر إصراراً، ومما يوجب الرد عليها من قبل المشركين، ولكن الله لم يترك ما سيقولون من ردود ليزداد الضيق في صدر الرسول ﷺ ، بل جاء بأبلغ ما سيأتون به من الردود الممكنة وأقربها للعقل، لكونها البديل الوحيد لهذه الحروف بحسب الرد المتوقع، وهو السبب في ضيق صدره الشريف ﷺ ، وكأن الله يقول ماذا سيرد عليك المشركون؟ إما أن يقولوا لو أنزل عليه كنز أو لو أتى معه ملك، وهي ذات الخيارات المأمور ﷺ بأن يبرأ من إدعائها في الآية السابقة، ولكي نفهم هذه الخيارات نضرب مثلاً: فلو أراد ملِك أن يكون أولاده ذوي شأن، وكان غنياً عظيماً _________

стр. 206

قد أوتي الحكمة والعلم، فإما أن يعطيهم مالاً عظيماً يستغنون به عن الناس، أو أن يؤيدهم بكلمته وسلطته النافذة على أرجاء مملكته، أو أن يعلّمهم من الحكمة ومن أسباب الحياة ما يضمن لهم حياة شريفة كما عاشها هو، وكذلك الأب أيّاً كان، لا سبيل لضمان مستقبل أولاده إلا بواحدة من هذه الخيارات الثلاثة، وهي الأصل لصفات الكمال عند شيخ الإسلام ابن تيمية إذ قال: "صفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى" (١)، ولكن الأب أو الملك لو أعطى المال والكنز أو أيّد أولاده بسلطانه وأبقاهم تحت يده لأهلكهم، لأن السلطة لا تدوم، والمال إن لم يجد عقلاً كيّساً ضاع، أما العلم فهو الحامي والضامن الوحيد، وكذلك الأمر في هذه الآية، فلو أراد العرب أن يعلوا شأنهم بتأييد من الله وسلطانه بإرسال مَلَك مع الرسول ﷺ ، وهو التأييد بالسلطان الظاهر للعيان، لكان فيه العزّة لأجل، فبموت الرسول ﷺ سيُرفع الملَك ويبقى الأتباع بلا سند، ولو أنزل معه كنز ولو كان جبلاً من ذهب، لفني عن بكرة أبيه، إما لجهلهم وإما لطمع الأمم فيهم، ولذلك نجد في سورة ص رداً على قولهم ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ التقريع بقوله تعالى بعدها ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾ فليس لكم لا هذا ولا ذاك. وبعد هذا البيان فلا يبقى إلا مضمون الرسالة ومفهوم الإنذار، وما يقتضيه من دعوة لتعلم القراءة والكتابة لهذا الكتاب العظيم كما أُنزل باللسان العربي والحروف العربية، من غير تبديل وتغيير للـ (البعض*) منه حتى ولو كان حرفاً واحداً، وهو ما جاء في الشق الثاني من الآية وهو المزيل للضيق ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي لا يضيقنّ صدرك بما تتوقع من ردودهم، فهذه أبلغ الردود بينتها لك، وبديلها

стр. 207

الوحيد هو ما أنزلت عليهم من دعوة للعلم، فإن أخذوا بها سادوا الأمم، وإن لم يأخذوا بها فتذكر أنك في الأساس نذير "فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ، وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر والغلبة، بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء" (١)، وهذا هو الدليل الواضح على أن ما ضاق له صدر الرسول ﷺ وهو (البعض*) فيه ما لا يعلمه، بل وليس من سبيل له ليعلمه، وأنه مقصور على الإنذار بما ضاق صدره منه، هذا ولم يأت الخطاب في القرآن موجّهاً للرسول وقصره على الإنذار إلا في آيتين، هذه الآية والأخرى بعد قوله تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) فاطر﴾ وهذا القصْر على الإنذار "تحديد لقدرته، وما يطلب منه، وأنه نذير فحسب، وليس نذيراً وقادراً على إيجاد الهداية في النفوس المنصرفة" (٢)، وكل رسول يحمل رسالة من الله أو كل نبيّ يأتي بنبأ السماء هو في الأصل نذير، و"واضح أن المراد بكل هذا هو أن فاقد الشيء لا يكون كمن أوتي هذا الشيء" (٣)، ونحن نقول: هذا الشيء هو علم الكتابة لا غيره، فإن قال قائل: كيف لنا أن نتيقن بأن هذا هو المراد لا غيره، قلت: وهل في القرآن ما هو مغلق على الفهم؟ حاشا وكلا، فالإشارات والدلالات في القرآن مفاتيح لما أُغلق على الأفهام، والحصر والقصر لهذا (البعض*) دليل على انعدام غيره، فهل في القرآن أو الوحي ما لا يعلمه رسول الله ﷺ ؟ حاشا وكلا، إلاّ علم كتابته، وهو المعجزة الخالدة للرسول ﷺ ، وضيق صدره الشريف كما هو ضيق صدر المعلم

стр. 208

الغيور على طلبته، إذا بلغ الجهد منه أن يفعل المستحيل لتعليم تلاميذه، وهم بين شارد للذهن وغائب عن الحضور، وبعد هذا يطالبونه بمعرفة علم من العلوم لا سبيل له لتحصيله لمانع أصيل فيه، كمن يطالب معلم العربية بتدريس الإنجليزية لزعمه أنها لغة العصر، والمانع الأصيل هو المنهج المتبع في الدراسة، وليس من سبيل لمخالفته بمجرد طلبٍ من السفهاء من الطلاب، لكونه مؤصّلاً بل قانوناً من إدارة التعليم، فإن رفض فتجد منهم القائل عندنا أموال لا تأكلها النيران فمالي وهذا العلم، وقائل أبي في منصب يضمن لي مستقبلي فمالي وهذا العلم، وبهذا لا يكون تطمين المعلم إلا ببيان الغاية من وجوده وبيان السبيل لمن كان كيّساً فطناً من تلاميذه. وفي هذا يكون البيان بأن العلم الذي نزل به القرآن وضمنه الله بحفظه، سيكون لهم به شأن كبير، وسيكون لهذا الكتاب نبأ عظيم بهذه اللغة وإن كانت حروفها بسيطة، فهذه الحروف ستكتب عربية وستقرأ عربية وستبقى عربية ما بقي القرآن على كل لسان من العرب وغيرهم من الأمم، فقد تكلم الله بها وترديدها من البشر عبادة، وسيكون لها شأن كما للقرآن من شأن، والله على كل شيء وكيل إذ مطلق الاتكال عليه وحده ولا يكون على سواه. وبعد هذه الآية تحدّى الله المشركين بإعجازهم عن الإتيان بما يشبه القرآن بقوله تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ ومن يقرأ تمام السورة يرى تناسق الإشارات والدلالات لإظهار فكرة الإعجاز في لغة القرآن وبيانه، والوعيد لمن كفر به بالعذاب الأليم كما في قوله تعالى بعدها بآيات ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مع تطمين الرسول ﷺ في تمام الآية بقوله تعالى ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.

стр. 209

(حكمة: عجبت من مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وكان بطلاً، شجاعاً، داهيَةً، رزيناً، جبَّاراً وكان مهيباً، شديد الوَطْأَةِ، أَديباً، بليغاً، له رسائل تؤثر. (١) عندما كان في محنة انتهاء الخلافة الأموية قال: " أيام القدرة وإن طالت قصيرة والمتعة بها وإن كثرت قليلة، وعرض بظاهر الحيرة سبعين ألف فارس عربي ثم قال إذا انقضت المدة لم تنفع العدة، وكان يقول: كنزنا الكنوز فما وجدنا كنزاً أنفع من كنز معروف في قلب حر." (٢) فلم ينفعه مال موروث ولا سلطة موروثة والتمس المعروف في قلب الأحرار، ولو تنبه كل من هو في حاله لما وجدت حال الأمة على ما هي عليه الآن.) وبعد هذا البيان هل يُعقل أن يرد المشركون ولو بكلمة واحدة؟ وهل يُعقل أن يسأل أصحاب الرسول نبيهم ﷺ عن الذي ضاق به صدره؟ ولماذا؟ وهم يعلمون أن من معجزاته كونه أمّي، ولا يعلمون الشبهة التي حاكها المشركون بالباطن، وقد كانوا - رضوان الله عليهم - لا يشبعون من النظر إلى وجهه الكريم إجلالاً له، كما في حديث عمرو بن العاص ﵁ "ما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه" (٣)، لهذا السبب لم يسأل عنها الصحابة ولم يتكلموا فيها، بل علموا أن فيها بياناً كما دل عليه أصلها، وكما بينه الرسول ﷺ بقوله ألف حرف ولام حرف وميم حرف، أي هذه حروف الكتابة قالها ربكم وبلغتها لكم، فاتلوها وتدبروا ما بها من علم، ولكم الأجر بقراءتها وتدبرها والعمل بها، فكفاها شرفاً أنها حملت كلام الله، وسيكون لكم شأن إن تعلمتم وكتبتم بها كما أمر الله.

стр. 210

ومن ظنّ أن هذه الغاية ما دارت عليها كل السور ذوات الحروف المقطّعة، فليرجع لها ولينظر في قصة أصحاب القرية الذين ورثوا المال في سورة القلم، وعجب الكافرين أن الرسول منهم في سورة ق، وقصة داود وسليمان في سورة ص، وفيها يتمثل الإرث من الملك العادل الحكيم ذو السلطة لابنه ووريثه في الملك سليمان ﵇، واقرأ سورة مريم وقوله تعالى ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ "وليس المراد هنا: وراثة المال، بل المراد: وراثة العلم والنبوّة والقيام بأمر الدين وقد ثبت عن نبينا ﷺ أنّه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» " (١) واقرأ الحواميم واقرأ يس وطه وكل (الم) وتوقف على المعاني وتدبر كلام الله (ورتل القرآن ترتيلا). وتدبّر توجيه الكلام في الآيات لرسول الله ﷺ وما كان من حاله، فلو كان أُمِّيًّا ولا يعرف الحروف، وكان يدّعي النبوة لما كان سيتلوها لبساطة معانيها على الظاهر من غير ذكرٍ لدلالاتها، ولو بإشارة على ما فيها من أسرار (٢)، ولو كان يعرف الكتابة أو تعلمها بالسر، وكان محيطاً بكل ما ذكر في القرآن من العلم، وكان هذا الكتاب العظيم من تأليفه، لكان لزاماً عليه أن يبينها ويشرحها، كما كان عليه أن يخاف على هذا الكتاب ويبتغي حفظه، ألم يكن سيقول

стр. 211

لمن كتبه: اكتبوه بالحروف العربية ولا تكتبوه بسواها، ولا تترجموه للغات الأقوام من حولكم - مع أمره لهم بنشره للناس كافة - بل انقلوا معانيه، وبلغوه للناس باللفظ مع ما يوافقه من الكتابة، وعاهدوني على حفظ رسمه ونسخه وتوزيعه؟ ألم يكن ليفعل هذا لو كان كاذِباً أو ساحراً أو مجنوناً كما ادعى المشركون؟ (١) من هنا نعلم بأن هذه الحروف جاءت لتبين بأن الرسول ﷺ ليس صاحب الكتاب، وأنه أمّي لا يكتب، وهذه إحدى أدق الحجج على صدق الرسول ﷺ ، ولم ينتبه إليها الكثير من الناس، وتتمثل في موت الرسول ﷺ والقرآن لم يجمع في كتاب واحد بإشرافه، بل جمع في صدور أصحابه وما كتبوه، ولو كان مُدعياً لأمر بكتابته جملة واحدة في كتاب واحد في حياته، ليتأكد من كماله وحفظه، وإن قال قائل لم يأمر ﷺ بجمع القرآن وتأليفه لأنه لم يكن يعلم متى سينقطع الوحي بموته، ورسول الله ﷺ لا يعلم الغيب، قلت: هل يكون عمر بن الخطاب وابن عباس أوعى من خير البشر وحامل الرسالة ومن أوتي القرآن ومثله معه؟ حاشاه، فقد تأوّل ابن عباس في حضرة عمر سورة النصر بأجل الرسول ﷺ ، وقال بأن رب العالمين نعى إليه نفسه ﷺ ، أولم يعلم ذلك المتلقي وعلمه ابن عباس وعمر؟ ولو كان هذا هو السبب لكان أشرف على جمعه، ووضع له نظاماً يضمن به الترتيب، ولكنه موقن بأن الله تعهد بحفظ القرآن في صدره أولاً، وتعهد بحفظه في الصدور والسطور إلى أبد الآبدين، وبعد هذا التدبر والتأمل "فلن يأتي لك من ذلك إلا معنى

стр. 212

واحد تستخرجه وتقنع به، وهو أن هذا الكتاب الكريم أثر غيبي كان في علم الله قبل كل الأزمنة، فهو يحويها كلها وكأنه يوجد معها كلها، وبذلك يتعين أنه هداية إلهية في أسلوب إنساني يحمل في نفسه دليل إعجازه، ويكون القرآن منفرداً في التاريخ بأنه منذ أنزل لا يبرح في كل عصر يظهر من ناحيتين صادقتين: ناحية الماضي وناحية الحاضر." (١) وكفى بما ذكرته علماً يقيناً بما في الحروف من إعجاز، لتكون شعاراً للنصر الآتي كما كانت للنصر السابق، إذ هي شعار الإعجاز في راية القرآن المرفوعة على قمة الإعجاز إلى أبد الآبدين (حم لا ينصرون). والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات،، ... إياس حرب ١٤٣.هـ

стр. 213

الملحق الأول - نقوش ما قبل الإسلام الشكل (١) نقش أم الجمال ٢٥٠م النص: ذنه نفسو فهرو: بر سلي ربو جذيمة: ملك تنوخ المعنى: هذه نفسُ فِهْر: ابن سِلَّى مُرَبِّي جُذَيمة: مَلِك تنّوخ الشكل (٢) نقش النمارة (نقش امرؤ القيس) ٣٢٨ م النص: تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وجأ يزجي في حبج نجرن مدينة شمر وملك معدو ونزل بنيه الشعوب ووكلهن فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه عكدي هلك سنت ٢٢٣ يوم ٧ بكسلول بلسعد ذو ولده المعنى: هذي نفسُ امْرئ القَيس بن عَمرو ملك العرب كُلّها الذي أسرَ التاجَ ومَلَكَ الأَسْدِيِّين ونزار وملوكَهم، وهرَّبَ مذحجَ عكداً. وجاء يزجي في حَبَجِ نجران مدينةِ شمر. ومَلَك مَعَدَّ ونزَّلَ بنِيهِ الشعوبَ، ووكَّلهم الفُرسُ للرومِ. فلم يبلُغ ملِكٌ مبلغَه عكداً. هلكَ سنة ٢٢٣ يوم ٧ بكسلول. فليسعد الذي ولدَه.

стр. 214

الشكل (٣) نقش زبد (المدونة) ٥١٢م يونانية وسريانية وعربية النص: ... د الإله سرحو بن أمت منفو وهليا بن مر القيس وسرحو بن (أو بر) سعدو وسترو وسرحو. المعنى: بفضل الإلة، سرجو ابن امات مناف، وطوبي ابن امرؤ القيس، وسرجو ابن سعد، وستر وشريح

стр. 215

الشكل (٤) نقش جبل أسيس ٥٢٨م النص: إبراهيم بن مغيرة الأوسي أرسلني الحرث الملك على سليمن مُسَلَّحَهُ سنت ٤٢٣ (بالتقويم النبطي) =٥٢٨ م. المعنى: إبراهيم ابن المغيرة الأوسي أرسله الملك الحارث إلى سليمان حاملاً إليه السلاح بتاريخ ٥٢٨ م
следующие страницы →