النبطية، فأقدم نص جمع بين الحروف الأبجدية كان محتوياً على اثنين وعشرين حرفاً كتابياً، منها خمسة عشر حرفاً مختلفاً فقط (١)، وتمثل بمجملها الحروف الصوتية الثمانية والعشرين، بينما نجد اليوم سبعة عشر حرفاً مختلفاً إن ألغينا التنقيط، وهذا الاختلاف حاصل للفرض بأن الكتابة العربية أصلها من أبجدية وليست من حروف كتابية كما هو الأصل، والحقيقة أن الأبجدية العربية قد وضعت بعد الإسلام، فصارت تماثل غيرها كالحميرية، ولبيان الفكرة نعود للنقوش العربية في صدر الإسلام وما قبل الإسلام، فنجد الحروف في كتابتها خمسة عشر حرفاً لا سبعة عشر، لأن (د ذ ر ز) كانت تكتب بحرف كتابي مبهم واحد، كما هو الحال في غيرها من الحروف المتشابه، وعليه يكون الأصل فيها واحد (٢)، وبالرجوع لحروف الفواتح نجدها أربعة عشر حرفاً، ومع الواو تكون خمسة عشر، والواو ذكرت مباشرة بعدها في بعض الأحيان وأفادت القسم أو العطف، ولا أقول إنها من ذات الحروف بل أقول بأن ذكرها بعدها أغنى عن ذكرها فيما بينها، ولم تذكر بينها لعدة أسباب: أولها أن الواو من أكثر الحروف حملاً للمعاني (٣)، والثاني أن الواو من الحروف المفصولة عما بعدها وتكتب تحت السطر في كل أحوالها (ر ز د ذ و)، وقد ذكرت الراء عوضاً عنها جميعاً، والثالث أن الواو هو الحرف الوحيد من ضمن حروف العلة الذي يكتب بلا لفظ، كما في "عمرو" أو كما كانت تكتب "سعد" في العصر الجاهلي "سعدو"، هذا هو الدليل التاريخي بما جاء به علم الآثار، وما يتفق مع الأصل اللغوي المطابق، وهو اتفاق العلماء على ما قاله الباقلاني بأنها تشتمل على أنصاف صفات الحروف، وفصّله الزمخشري بقوله: "بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف. ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون. ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء. ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. . . فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته." (٤) وهي إشارة على أن الحروف الكتابية كانت تماثل أنصاف حروف الصوت، وتدل عليها كلها بتغيير نبرة الصوت، وإن كانوا استدلوا بهذا القول على ما جاء فيها من إعجاز
стр. 142
في النظم، فسآتي على تفصيل القول فيه عند الكلام على وجه الإعجاز في النظم إن شاء الله، وهذا كله يتوافق مع عدد مخارج الحروف على الصحيح بأنها خمسة عشر مخرجاً.
فهذه الوجوه تدل على أن في ذكر الحروف دلالات تخص الكتابة، بل تدل على أسس وقواعد الكتابة في القرآن، وإن قال قائل إن أسس الكتابة والتوثيق لم تعرف إلا في العصر الحديث مع انتشار واختلاف المؤسسات العلمية فهو جاهل، لأنها كانت وما زالت أساساً من أسس النظم في الكلام والكتابة، وهي الدليل الأول على جودة الكتاب وعلم الكاتب، وهو ظاهر في أقدم الكتب التاريخية اليونانية، وظاهر في كتب الإسلام الأولى، فهذا كتاب الصحيح للإمام البخاري، تجد من الناس من يستشهد بتنظيم أبوابه بل بذكر الحديث في باب معين على فقه الإمام البخاري ﵀، وهذا الزمخشري البليغ الشهير يقول في بداية كتاب أساس البلاغة: "وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولاً، وأسهله متناولاً، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف التمام وحبل الذراع، من غير أن يحتاج في التنفير عنها إلى الإيجاف والإيضاع؛ وإلى النظر فيما لا يوصل إلا بإعمال الفكر إليه" (١)، وغيره من الأمثلة التي لا حصر لها من كتب السلف والخلف.
وعلى ما سبق ولعلمنا بأن كل كلمة في الدنيا وفي أي لغة كانت لها أحكام: كيف تلفظ، وكيف تكتب، وما هو معناها، وما هو موقعها في نظم الكلام، وأساس ذلك كله لغة الكلمة، نستعين بالله على البيان ونقول:
стр. 143
الباب الثاني: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على لغة القرآن
كان لذكر حروف المعجم القديمة دلالة عظيمة على حفظ القرآن بلغته وهي: أن ذكر الحروف ولفظها بأسمائها مفصولة، برغم كتابتها على هيئة الكلمات موصولة، كانت مانعة للترجمة، وهذا ما أعطى للمسلمين دلالة واضحة، وبينة ظاهرة على منع الترجمة بإعجازهم لا بأمرهم، فقد أتى المنع بالدلالة لا بالتصريح على أنه "لا ترجمة للقرآن" بالمعنى الحرفي، إذ كانت هذه الحروف مكتوبة على هيئة الكلمات، ولها حكم الكلمة في كتابة حروفها، أما لفظها فعائد على ذكر أسمائها، وهي أصل اللغات وما لا ترجمة له حرفياً، وبالرجوع لعلم الحديث والأثر لا نجد أثراً واحداً عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه يفيد بمنع الترجمة، ولكننا نجد الإجماع على تحريم ترجمة القرآن ترجمة حرفية! ولو سألنا: ما هو دليل الجمهور قياساً على ما يتعلق بعلوم القرآن؟ سيكون الجواب: ليس هناك دليل صريح بهذا، إلا المانع من الترجمة، وهي الحروف المقطّعة. فكيف تتم ترجمة الحروف المعجمة في أوائل السور وقد أنزلها الله حروفاً عربية، مقروءة (بلسان عربي مبين) ونحولها (نحرفها) لغير العربية، لندخل في مجال التحريف، وهو كفر كما أسلفت. هذا وإن كان من الواجب ترجمة القرآن بالمعنى، وهو من باب التبليغ كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... الآية ٦٧ المائدة﴾ وهو ما سار عليه السلف والخلف، وهو من باب التفسير، إذ لا يعقل نشر رسالة الإسلام من غير نقل للمعانى لغير الناطقين بالعربية، فهي من البديهيات، ومن أنكرها فكأنما أنكر تفسير القرآن وضرب القرآن بعضه ببعض، وجعله خاص بالعرب دون سواهم. ولعل قائلاً يقول: إن العلماء قد استدلوا على عدم جواز الترجمة بناءً على الكثير من كلمات القرآن وآياته، وذلك بعدم إمكانية تحويلها للغة أخرى، مثل كلمة الواقعة في ﴿إذا وقعت الواقعة﴾، ويدمغه في قوله تعالى ﴿بل نَقِذِفُ بالْحَقِّ على الباطل فيَدْمَغُه فإذا هو زاهقٌ﴾ وإغلال اليد إلى العنق وبسطها في قوله تعالى
стр. 144
﴿ولا تَجْعَل يدك مغلولةً إلى عنُقك ولا تبسُطها كلَّ البسْط﴾ فأقول: إن هذا الاستدلال حاصل وقائم في وجوب أخذ الحيطة والعناية عند ترجمة القرآن بالمعنى، وليس بدليل صريح على منع الترجمة، فأي كلمة وردت في القرآن لها معنى، وحاشا لله أن يكون بعض كلامه بلا معنى، وهو دليل قابل للنقاش، وليس بمانع ولا هو بدليل صريح، ولو فرضنا بأنّه مانع لما ترجمت الكتب أصلا، وفي هذا يقول الجاحظ "إنَّ التَّرجُمان لا يؤدِّي أبداً ما قال الحكيمُ، على خصائِص معانيه، وحقائق مذاهِبه ودقائق اختصاراته، وخفيَّاتِ حدوده، ولا يقدِر أَنْ يوفيها حقوقها" (١)، ولكننا نرى بأن العلوم قد انتقلت من لغات إلى أخواتها كما من العربية إلى غيرها، والعكس أيضاً، ولولا هذه الحقيقة لما كان لتتابع الحضارات من معنى.
وقد استدل بعضهم بالإشارة للغة القرآن في الكثير من الآيات، كقوله تعالى (بلسان عربي مبين) وهذا من تعظيم لغة القرآن ورفع لشأن لغته، وليس فيه صريح المنع على نقل ألفاظه لغير العربية، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) إبراهيم﴾ ولم تكن كتب السابقين ممنوعة من الترجمة، وإن كانت من عند الله بالاتفاق، وإن قالوا إن تحريم الترجمة من باب تحريم احتمال الاختلاف في معنى الكلام في اللغات الأخرى، أقول: إن هذا الاختلاف حاصل من غير ترجمة، وهو من حكمة رب العالمين، لا مما منع الناس عنه بل "إن وجود الاقتران أو الاشتراك اللفظي هو سبب ضلال الفرق في معرفة الله ، فالله خاطبنا ووصف نفسه بكلامنا ولغتنا" (٢)، وكما قال الرسول ﷺ إخباراً عن علي: "إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله" (٣). وبالرجوع لعلم مقارنة اللغات، عندما نقرأ في أصل اللغات والحروف وما قالوه من محاولات للمقارنة بين اللغات الحالية وأقدم لغة معروفة، وهي السومرية (الحرف المسماري)، نجد أن أصل الحروف مختلف وإن تشابهت بعض الكلمات وألفاظها مع بعض اللغات، مما استدعي أصحاب لغة ما بنسب لغتهم إلى أصل اللغات، حتى لو كان التشابه في كلمة أو كلمتين، فترجمة ونقل الكلمات ممكن وحاصل، كيف لا وقد تتشابه بعض الكلمات مع بعضها في اللفظ والمعنى. هذا وإن كان الاختلاف في المعنى المترجم قابل للنقاش والاتفاق، ولكن ترجمة الحروف أو اسم الحرف أمر مستحيل، فالأصل في فهم اللغات المندثرة هو فك رموز اللغة وهي الحروف، بمقارنة محتويات الكلمات منها مع لغة أخرى معاصرة لها، وحروف لغة ما رموز في غيرها، ولولا هذه الحقيقة لما تم فهم اللغات المندثرة مثل السومرية والهيروغليفية، فالاختلاف كائن في الحرف إذ هو أصل اللغة، والتشابه واجب في الكلمات والمعاني، إذ هي مقصد الكلام وغاية اللغة بل هو أساس الكلام. وفي تعريف الكلمة كجزء من أجزاء الكلام قال أهل العربية: "الكلمة قول مفرد مستقل وكذا منوي معه على الصحيح" (٤)، "وأما الحرف فهو الشبهة القائمة وحدها من الكلمة" (٥)، والفرق بينهما كما قال أبو عمرو الداني: "إن الكلمة هي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات، والحرف هو الشبهة وحدها" (٦) لأنه
стр. 145
الأساس في بناءِ الكلمة، ولو كانت ترجمة الحروف ممكنة لتكلم الناس بلغة واحدة، وهيهات، فهو العجز البشري عن خلق ما جبلت عليه الشعوب من لغات وألوان، كما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) الروم﴾ ونظرة سريعة على علم الرياضيات وترجمته، نجد النظريات والفرضيات هي ذاتها في كل اللغات بعد الترجمة، والاختلاف حاصل فقط في الرموز الموضوعة داخل المعادلات، ولن يفهمها الباحث إلا ببيان معناها وما تدل عليه كلّ حسب لغته. وعليه أقول جَازِمًا: إن هذه الحروف الواردة في فواتح السور لا تحمل المعاني فقط، بل تحمل دلائل إعجاز عظيمة، وأول دليل لها هو منع ترجمة القرآن لاستحالة ترجمة الحروف إن اقتصرت على أصل المعاني الموجودة فيها كحروف، أو إن كانت على ظاهرها لا تحمل إلا معاني الحروف الكتابية. فإن قلت لماذا لا يستقيم ترجمة الحروف بلفظها كما لو ترجمنا (الم) بما يقابلها في اللغات الأخرى من حروف، فأقول إذن كتبناها مع إسقاط ما فيها من معاني على أصلها أولاً، كما نكون قد كتبناها على صورة أسمائها وبلغة أخرى، ولم نكتبها على صورة لفظها ومسمياتها كما جاءت ثانياً، وبه نكون قد أوقعنا اللبس في الكلمات المستحدثة ثالثاً، مما يلزم بوجود كلمات لا معاني لها في القرآن، أو لها معاني أخرى مباشرة بلغة أخرى، وهذا هو التحريف بعينه.
الباب الثالث: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على الكتابة بالحروف العربية
لقد كان لذكر الحروف المقطّعة إشارة عظيمة على فهم مغزاها عند أهل الجاهلية كما أسلفت، وبالتالي معناها عند أهل الكتابة ومن أسلم منهم، وللوقوف على بعض مكنوناتها وجب علينا ردها إلى أصلها، وليس أصلها هنا من ناحية اللغة بل أصلها عند بداية تشريفها لنا بالنزول، فهذه الحروف قد قدسها الله بمجرد ذكرها، وإن كانت قبل التنزيل من الحروف المهملة بين حروف الأمم، وهي من حروف البشر أولاً وأخيراً. فلنتأمل أولاً في كتابة القرآن ككتاب، لنستقي تلك النفحات النورانية المتمثلة بتقديس هذه الحروف، وثانيا بتعريف الكتاب بشكل عام مع أخذ الفائدة من كل تعريف موجود، قال في اللسان: "الكِتابُ: معروف، والجمع كُتُبٌ
стр. 146
وكُتْبٌ. كَتَبَ الشيءَ يَكْتُبه كَتْباً وكِتاباً وكِتابةً، وكَتَّبَه: خَطَّه؛" وهذه تفيدنا بأن الكتاب هو ذاته المخطوط والمسطور على أي شيء يكتب عليه، "والكِتابُ اسم لما كُتب مَجْمُوعاً؛" وهذه تفيدنا بأنه مجموع في كتله واحدة "والكِتابُ مصدر؛ والكِتابةُ لِمَنْ تكونُ له صِناعةً، مثل الصِّياغةِ والخِياطةِ. والكِتابُ ما كُتِبَ فيه." (١) وهذه تفيدنا بأن كاتبه يجب عليه أن يكون من أهل الكتابة، وفي مقاييس اللغة عن كتب: "الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على جمع شيءٍ إلى شيءٍ. من ذلك الكِتَابُ والكتابة." أي جمع ما كتب، هذا ما قالته العرب، أما ما قالته الأمم غير العرب في علم المكتبات لمعنى الكتاب، فقد عرفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) بأنه: مطبوع غير دوري عدد صفحاته لا تقل عن ٤٩ صفحة باستثناء أوراق التغليف، منشور في أي بلد ويعالج أحد موضوعات المعرفة البشرية ومتاح لكل الناس. مما يفيد جمعاً على ما سبق من كلام العرب، أن الكتاب محكوم بما كتب مجموعاً في كتلة واحدة لا تقل عن ٤٩ صفحة، وكاتبه لا بد أن يكون من أهل صناعة الكتابة، ويكون المكتوب فيه مخطوطا بسطور لتسهيل القراءة، ويحكم عليه بما كتب فيه أخيرا، هذا هو الكتاب البشري، أما الكتاب الإلهي (القرآن) فمحكوم بأكثر من ذلك باتفاق المسلمين، فهو محكوم بلغة معينة، وكتابته يجب أن تكون بحرف معين، وهو الحرف التوقيفيّ باتفاق المسلمين، فلماذا يتفرد القرآن بهذا الشرط وهو كتاب كما هي الكتب؟ وأين نجد الدليل أو الإشارة على شرطنا - والذي لم يشترطه أحد - باستعمال حرف دون غيره في الكتابة، وهل جاء هذا الشرط إتباعاً للقرآن والسنة، أم بانعدام النص فيهما وكان من تقييد المسلمين لكتاب ربهم ومما لم يأمرهم به قائله؟ وهل ترك الله هذا لكتّاب الوحي، وهم قرروا ونحن من بعدهم قررنا وشرطنا عليه شرطاً؟ أم ألزمهم بحرف معين في كتابة القرآن كما ألزمنا بعدم الترجمة؟ أقول: الأمر باستعمال حرف دون سواه لم يرد في القرآن ظاهراً بالأمر، ولم يقله الرسول ﷺ لأنه لا يعرف الكتابة أصلاً، وللبيان أقول: نحن نعلم أن الله تعهد لرسوله ﷺ بحفظ القرآن في صدره، والرسول ﷺ تعهد بنقل
стр. 147
القرآن من غير زيادة أو نقصان، وأمر الرسول ﷺ أصحابه بتعاهد القرآن بحفظه في الصدور وكتابته وتدوينه، بل وأمر بعدم كتابة شيء من كلامه مع القرآن، وفي الحديث "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" (١)، فكتب الصحابة القرآن على حروف العربية وحدها في عهد النبي ﷺ ، وجمعوه في عهد أبي بكر في مصحف بمكان واحد، متفق على أن مجموعها هو القرآن لا زيادة عليه ولا نقصان، أما ما سواه من الصحف وإن حوت كلام الله إلا أنها بالمجمل لا تمثل القرآن كاملاً، ومن ثم جعلوه في كتاب واحد، بخط واحد ورسم واحد ونسخة موحدة ومدققة على أساس القراءات المأخوذة من رسول الله ﷺ ، وجامعة وشاملة للهجات العرب السائدة في ذلك الزمان، وقاموا بنسخه وتوزيعه، ومما هو معلوم في الدين بالضرورة "إن أبا بكر الصديق أول من جمع القرآن في المصاحف حين قتل أصحاب اليمامة، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد." (٢) وهم رضوان الله عليهم من سمعه، وهم من كتبه، وهم من جمعه، وهم من جعلوه كتاباً، وهم من نسخه ووزعه، وهم من شهد بأن هذا هو التنزيل الحكيم، وقد "أجمع على كتابة المصاحف العثمانية اثنا عشر ألفاً من الصحابة ﵃" (٣)، فتمت مهمتهم ﵃. وهذا كله مما أمروا به لتعاهد القرآن بحفظه وقراءته والعمل به، بل والعمل على بيانه ونشره وعدم الاشتغال بغيره من الكتب، ولكن استعمال الحرف العربي دون سواه من الحروف في كتابة القرآن لم يأمرهم به أحد، ولا يحتاج إلى أمر، فالأصل في الكتابة راجع للغة القوم وما عرفوه أصلاً من حروف كانت لهم في ذلك الزمان، فلا يعقل أن يُأمروا بكتابة شيء من دون إمتلاكهم تلك الحروف، ولكن ماذا لو قال قائل في وقتهم أو في أي وقت آخر: هل يجوز كتابة القرآن بحروف غير العربية؟ وهي بحد ذاتها صنعة وتطور لما سبقها من حروف وأبجديات؟ والسؤال هنا عن جواز استعمال غيرها من الحروف إن أعطت اللفظ حقه؟ - وما هي الحروف إلّا تمثيلاً للكلام من أول ظهورها إلى الآن - وأقول لم يأخذوا الأمر بعدم استعمال الحروف الأخرى من أحد، ولا نحن أخذنا به واتفقنا عليه إلا من فواتح السور، فإن كانت النون، والصاد، والقاف، وألف لام ميم، وحا ميم، وكاف ها ياء عين صاد مثلت كلمات من القرآن، ولها أحكام الكلمات، وهي ممثلة لحروف من العربية برسم أصيل واحد في الكتابة، فهل يستقيم استعمال حرف آخر في كتابتها مما يلزم زيادة في الكتابة على النطق حرفاً أو حروفاً فتصبح في الكتابة مجموعاً لحروف؟ والجواب قطعاً لا؛ لأنه أصل التحريف، حتى لو كان من الكاتب بقصد الاحتفاظ به لنفسه لتسهيل قراءته.
стр. 148
وإن قال قائل: كيف لهم أن يكتبوا بحرف آخر غير عربي وهم بالكاد يعرفون الحروف العربية؟ فأقول: نعم، فالكثير من عرب شمال الجزيرة كانوا عرباً أقحاحاً يتكلمون بالعربية، ويكتبون بغيرها من الحروف كما يفعل الأنباط على شواهدهم التاريخية، وهي مشاهدة إلى الآن، وكذلك العرب في جنوب الجزيرة كانت لغتهم عربية وكتاباتهم متنوعة في الحروف، ولا ننسى بأن أهل العلم في ذلك الزمان كانوا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في المدينة وما حولها، وفي مملكة الحيرة وبلاد الشام، وفي اليمن والحبشة ومصر، وكلهم أصحاب حروف وأبجديات كانت في وقتهم لغات العلم ولغات العصر كما يسميها البعض، وقد كانت كتابة اللغة بغير حروفها من أدق أسباب التحريف للكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، فقد كتب اليهود العبرية بأبجدية كنعانية فينيقية، إلى أن اتخذوا الخطوط المربعة من الآرامية، وهي ذاتها التي انقرضت واحتفظوا بها وأحيوها من جديد في دولتهم المزعومة على أرضنا المغصوبة الآن، أما نحن فلم تصلنا ورقة واحدة تدل على فعل الصحابة لهذا الأمر، بل جل ما وصلنا كتاب مزور، ألفاظه بالعربية ومكتوب بأحرف عبرية، كما أورده صاحب كتاب مجموع الوثائق السياسية للعهد النبوي، كرواية ثانية على معاهدة الرسول ﷺ لحنينا ولأهل خيبر ومقنا، وذكر أقوال العلماء في بطلانه. (١) وذكر صاحب البرهان "مسألة في كتابة القرآن بغير الخط العربي، هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي؟ (وقال): هذا مما لم أر للعلماء فيه كلاماً ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من يقرأه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين والعرب لا تعرف قلماً غير العربي قال تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ " (٢)، وأقول بل لا يحتمل الجواز لما أسلفت، فكيف يكون المثل "القلم أحد اللسانين" دَليلاً على تقييد كتاب الله، بل هناك مانع واضح وصريح ومكرر في تسع وعشرين سورة من القرآن. "وزعْم أن كتابته بالعجمية فيها سهولة للتعليم كذب مخالف للواقع والمشاهدة، فلا يلتفت لذلك على أنّه
стр. 149
لو سلم صدقه لم يكن مبيحا لإخراج ألفاظ القرآن عما كتبت عليه، وأجمع عليها السلف والخلف." (١)
"وقال ابن فارس: الذي نقوله إن الخط توقيفي لقوله تعالى (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) (ن والقلم وما يسطرون) .. وقال أشهب: سئل مالك هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء فقال: لا إلا على الكتبة الأولى، رواه الداني في المقنع ثم قال: ولا مخالف له من علماء الأمة ... وقال الإمام أحمد: يحرم مخالفة مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك، وقال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفاً فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به هذه المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغيّر مما كتبوه شيئاً، فإنهم كانوا أكثر علماً وأصدق قلباً ولساناً وأعظم أمانة منّا فلا ينبغي أن يظن بأنفسنا استدراكاً عليهم." (٢)
إذن فالفائدة هي أنْ اكتبوا بالحروف العربية (وحدها) التي تعرفون ليتطابق اللفظ مع الرسم، وهذا ما تحصّل، فقد كان "القوم يتخيرون أجمع الحروف للمعاني وأسلسها على الألسنة وأقربها في المأخذ وأشهرها عند العرب للكتابة في المصاحف" (٣)، وما كانت الحروف العربية ذات شهرة قبل الإسلام، بل تكاد تَعد الآثار التاريخية لها قبل الإسلام على أصابع اليد، وبعد الإسلام صارت صنعة وفن، وهو ظاهر جلي في أنحاء العالم من شرقه لغربه، فتجد هذا الخط مكتوباً على المساجد والقصور، بل وأكثر من ذلك تجده قد طغى على غيره من الحروف فصارت تكتب به، وتقييد القرآن من شأن قائله وحده جلّ في علاه.
стр. 150
الباب الرابع: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على اللفظ العربي لكلمات القرآن
هب أنك ما سمعت كلام الله مشافهة، ولم يخبرك أحد بلفظه، وأردت قراءته مبتدئاً بـ (الم) أو (حم. عسق) أو (كهيعص) كيف ستقرؤها؟ وما هو الأصل في القراءة في كل لغات الدنيا؟ أهو لفظ الحرف؟ أم مسميات الحروف ووصلها لتعطي الكلمة؟ وهي أصل مبدأ الكلام، ولا يختلف اثنان بأن الناس إذا أرادوا إرسال معلومة بأي طريقة كانت فالأهم هو إيضاح الكلام، وبيان المعنى. ولا يتأتى ذلك إلا بلفظ الكلمات، بحيث ينتهي مقصد الرسالة بفهم المتلقي، فكيف برب العالمين وله المثل الأعلى، أيقاس كلامه على الإبهام؟ حاشا لله، فالسؤال هنا عن أساسيات الكلمة، وهي اللغة بلفظها وكتابتها وموقعها في النظم، وفي المحصلة معناها، وقد علمنا بأن القرآن نزل بلسان عربي متضمناً هذه الكلمات - أي الحروف المقطّعة (١) - باللغة العربية، وأن هذا الكلام المكتوب في القرآن بهذه الحروف وعلى هذا الشكل ليس فيه نقص ولا زيادة، وقد "كان إتباع خط المصحف سنة لا تخالف. قال عبد الله بن درستويه في كتابه (المترجم بكتاب الكتاب المتمم): في الخط والهجاء خطان لا يقاسان: خط المصحف، لأنه سنة، وخط العروض؛ لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه" (٢). إذن عرفنا بمجرد النظر لهذه الكلمات ما هي لغتها وكتابتها وموقعها من النظم على حد اليقين فماذا بقي؟ يبقى لفظها ومعناها فقط. فكيف نعرف لفظها؟ والكل متفق على أن اللفظ يؤخذ بالتواتر، بل "إن تلاوة القرآن لا تؤخذ أبداً من الرسم، بل من التلقي، لأن هناك أحكاماً لتجويد القرآن وإخراج الحروف من مخارجها الحقيقية لا يمكن للشكل الإملائي أن يدل عليها، ولذلك أرسل عثمان مع المصاحف قُرّاءً، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، والمغيرة بن شهاب أن يقرئ بالشام، وعامر بن عبد قيس أن يقرئ بالبصرة، وأبا عبد الرحمن السلميّ أن يقرئ بالكوفة." (٣) فاللفظ والكتابة مترابطان في القرآن، بل "روعي في تسميته (قرآناً) كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته (كتاباً) كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضوعين لا في موضع واحد، أعني أنّه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر." (٤) وهذا كله بالاتفاق، مع أن هذا الاتفاق لم يأت من نص صريح يدل على وجوب تناقل القرآن باللفظ والكتابة، بل جاءت النصوص قاطعة بالدعوة لقراءة القرآن بتلاوته وترتيله، كما في قوله تعالى ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ "والترتيلُ في القراءة: التَّرَسُّلُ فيها والتبيين من غير بَغْيٍ (٥)، وفي قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢١] "تَلا يَتْلو تِلاوَة يعني قرأَ قراءة" (٦)، ويروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال في ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾: "أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ولا يحرفه عن مواضعه." (٧) فأين نجد الأمر والقطع بوجوب نقل القرآن باللفظ مع الكتابة، وإن قال قائل: هذا ما اتفق عليه السلف والخلف. أقول
стр. 151
نعم، ولكن كيف تحصل عندهم هذا الإجماع؟ ونحن نجدهم يجمعون المصاحف على مصحف واحد - هو المصحف الإمام - لا لجعله قرآنا وقد كان من قبل مكتوباً، بل ليجمع القراءات على خط واحد مشتمل لوجوه ألفاظ العرب، فالغاية منه إذن ليست الجمع - إذ لم يكن مقسماً - بل توحيد القراءات على رسم واحد، وهو ما اصطلح عليه "بالرسم العثماني"، وإن كانت هذه هي الغاية، ولم تكن الغاية قطعاً توحيد اللفظ للآيات بمنطوق أهل قريش - وفيهم نزل القرآن - دون سواهم، ونجد هذا واضحاً أيضاً في بعض الآثار بترجيح بعض الصحابة لرسم كلمة معينة دون رسمها المعتمد في المصحف الإمام لأنها توافق لفظ قريش، ولكنها من باب آخر لا تجمع ألفاظ العرب، وترجيحه مرجوح وقوله مردود بعلمه لا بعلمنا نحن، لذلك لا نجد خلافاً على توحيد المصاحف بالرسم العثماني، لعلمهم واتفاقهم أن الرسم العثماني جمع ألسنة العرب على رسم وخط وكتابة واحدة. إذن لماذا اشترطوا نقل اللفظ مع الكتابة وهم جمعوه بسبب تنوع اللفظ؟ فإن قال قائل: إن عثمان بعث مع نسخ المصحف من يبلغ القرآن على ألسنة العرب، ليتم حفظ لهجات العرب، فأقول إن هذا مما وقع للناس لاعتقادهم بأن القراءات المشهورة للقرآن هي ذاتها ألسنة العرب في زمن التنزيل، وهذا من وهم العوام. ولبلوغ المقصد الصحيح، علينا الرجوع لأصل الرسم العثماني قبل التشكيل والتنقيط في زمن الصحابة ومن أدركوه من أهل الفصاحة وأهل الألسنة التي نزل بها القرآن، هل سيقرأون القرآن بوجه غير صحيح وقد نزل القرآن على لسانهم!؟ والجواب قطعا لا، إلّا في موضع واحد، وهو فواتح السور! فما أدراه ما هي (ب) أهي ب أم ت أم ث أم ن أم ي و (ص) أهي ص أم ض و (ق) أهي ف أم ق؟ لن يعرف إلا بمعرفة لفظها، ومن لفظها تتم الرسالة فقط، وعلاوة على ذلك فقد جاءت الحروف مكتوبة على هيئة مسمياتها، وتلفظ بأسمائها كما في الهجاء، فلا سبيل لقراءتها إلا على أساس اللفظ فيها كما كتبت، كما "قال سيبويه: قال الخليل يوماً وسأل
стр. 152
أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في لك، والباء التي في ضرب؟ فقيل: نقول: باء، كاف؛ فقال: إنما جئتم بالإسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كه، به." (١) فأفادت هذه الحروف بوجوب وإلزام نقل القرآن باللفظ والكتابة معاَ، لأن كتابة الحروف تقضي بقراءتها على أسمائها إن جاءت مفصولة فقط، وعلى لفظ الكلمة إن جاءت موصولة فقط، وهذه الحروف جمعت بين الاثنين، فلا مخرج منها إلا بتبليغها باللفظ. وإن قال قائل: إن كتابة القرآن اعتمدت الرسم العثماني، وهم قد اختاروا هذا الفعل - أي أن يكتبوها على هيئة الكلمة - وكان بإمكانهم فعل العكس، قلت كيف لهم أن يكتبوا مثلاً (نون) هكذا، وهي تعني الحوت؟ وكيف لهم أن يضمنوا عدم لفظها بغيرها كما تقرأ أيضاً توت؟ وصاد تأتي كفعل، وياسين هو اسم، وقاف كذلك وزيادة، لكنهم كتبوها كما ألزمتهم من غير لبس، ولفظوها كما سمعوها، وبلغوها كما نطقها الرسول ﷺ .
ورغم ما في هذا الاستنتاج من فائدة عظيمة وإبهار للعقول، وإعجاز للبشر بمجرد النظر لبعض أسرار النظم الإلهي، إلا أنه يرفعنا لمقام أعلى لفهم المقاصد واستنتاج للمعاني، ولبيان الطرح أقول: لنعد لقول الله تعالى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) القيامة﴾ لنتأمل في هذا الوحي الإلهي قبل الكتابة، وحين التلقّي من رسول الله ﷺ ، ورجوعا لبيان الحال كما جاء في أقوال ابن عباس " كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه"،" وكان يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه" وقال: " أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه"، وكل هذا لبيان الحال، فهذه الأفعال منه ﷺ من أفعال البشر لحرصه على حفظ القرآن، وهي مما يفعل الناس عند الاهتمام
стр. 153
بحفظ نص ما، ولكن جاء الوحي الإلهي لبيان واقع الحال على اليقين، وإعلاماَ بأن أفعال البشر تلك لن تكون السبب في حفظ القرآن ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ سواء بحفظه أو تأليفه، فلا تتكل على تلك الأفعال، بل توكل علينا وتيقن بأن الله سيحفظه ويرعاه حق الرعاية ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ فهو الدور الإلهي لا دور البشر ولا دور أفعالهم، وكما يسَّر الله للبشر نَبِيًّا صَادِقًا كريما لتصل الرسالة لهم على لسانه، يتعهد الله بأن يحفظه في صدرك كاملاً غير منقوص، ويتعهد بتيسير حفظه في صدور المتلقين بعد تلقيه عن الرسول ﷺ ، ويتعهد بجمعه في صدور المؤمنين غير منقوص، وتيسير التأليف له ليكون قرآنا يتلى من كتاب واحد، وعهد الله كان بالحفظ والتأليف طبعاً، وما من شك أن النبي ﷺ كان همه الحفاظ على القرآن بكل الأشكال، وليس التأليف مما طلب منه، وهذا لعلمنا بأن النبي ﷺ كان أميّاً لا يكتب، ولذلك ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ أي اتبع ما يتلى عليك من القرآن وما يلزمه من دعوة للناس إلى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتتم الرسالة بالتبليغ والعمل بها ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وهنا تنبيه للسامع بثمّ، أي انتبه فبعد كل ما ذكر، وبعد هذا التعهد العظيم، فإن بيان القرآن للناس بكل الوجوه على الله أيضاً، فلن يضيع منه شيء حتى يُجمع في الصدور والسطور كامِلاَ من غير زيادة أو نقصان.
وعليه فإن من بيان الله لقرآنه بيان هذه الحروف، وما على النبي ﷺ إلا التبليغ بها كما جاءت، فإن قال قائل: هل ثبت عن الرسول ﷺ في حروف الفواتح شيء غير قوله «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» وقوله «إن بيّتكم العدو فليكن شعاركم: حم لا ينصرون» قلت: لا، والسبب لا لأنه لم يصلنا شيء من بيانه لها كما زعم البعض، بل لأنه ﷺ بيّن ما نحن بحاجة إليه في معانيها بقوله الأول، وإحدى إشارات الإعجاز فيها بقوله الثاني، أما دلالات الحروف فلا، لأنه لا يكتب ولا يعرف علم الحروف والكتابة، لا العربية ولا غيرها، وكان عدم ذكره لهذه الدلالات سبباً من أسباب حفظ القرآن، فبيان هذه المقاصد لا يكون إلا بنقلها كما هي لمن يعرف الكتابة، وبيانها بعد ذلك يكون عليهم بكتابتها كما تلفظ أولا، وبيانها بعد الكتابة بقراءتها كما نزلت ثانياً.
ومن هنا نعلم بأن هذه الحروف قد أثقلت على الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ألزمتهم بنقل القرآن كتابة وَنُطْقًا، مع وجود طريقة معروفة وموثوق بها تخفف عنهم هذا العبء، وهي كتابة الحواشي، وهي طريقة بسيطة، ولم تخف عليهم ولن تخفى على من يعرف الكتابة، ولكنهم لو وضعوا الحواشي على كل فاتحة من السور لبيان اللفظ لألزمهم الشرح، ولو أردنا بيان اللفظ بكتابته لن يستقيم، مثلاً لفظ (كاف ها يا عين صاد) لا يكتب إلا بالإشارة لكلمات أخرى مثل (كاف من كاف، ها من هاد، يا من كريم، عين من عليم، صاد من صمد) وعليه ستكون الحاشية متضمنة شرحاً - طال أو قصر- وستكون مفتاحا لكتابة الحواشي على القرآن، وبما أنهم - رضوان الله عليهم - هم القدوة والأمنة على كتاب الله لم يفعلوها، وإن كانوا قد بيّنوها بما يوافق هذا البيان، كما روي عن ابن عباس بقوله: اسم مقطع، وقوله كاف من كاف وغير ذلك، فقد علموا أنها ستكون موطن سؤال واستفهام، ولم يضعوا حاشية واحدة تبين اللفظ. وعليه من سيقوم بكتابة الحواشي على القرآن بعد هذا؟ لهذا السبب نرى الإجماع على كراهة كتابة الحواشي على القرآن ولو كان بقصد التعليم، "فلا تجوز وإن احتيج إليها لما فيه من تغيير الكتاب عن أصله ولا نظر لزيادة القيمة بفعله" (١)، فقد كانت هذه الحروف أحد الأدلة الظاهرة البينة على هذا الإجماع، وإن لم يأت الأمر صراحة في القرآن والسنة، وقد سبق الحديث
стр. 154
عن قول الرسول ﷺ "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" وفصلت في الخلاف على بيانه والجمع بينه وبين سماحه ﷺ لعبد الله بن عمرو بالكتابة، وأن كلامه ﷺ ما هو إلا وحي يوحي، إذ استمر الصحابة على منع أتباعهم من الكتابة عنهم، فهذا الأمر منه ﷺ وجّه عناية الصحابة رضوان الله عليهم لكتابة القرآن وحده، وأعني بالقرآن: كلام الله من غير رواية أو تطرّق لخبر السماع منه ﷺ ، وأعني بوحده: القرآن من غير زيادة بتعليق أو شرح أو حاشية أو سند مهما كان، وتجد أثر هذا الأمر عند مقارنة القرآن بكتب اليهود والنصارى (العهد القديم والعهد الجديد - الكتاب المقدس) فنجد أن العهد القديم (التوراة وتوابعها) مكون من ستة وأربعين سِفراً منها خمسة فقط (التكوين، الخروج، الأحبار، العدد، التثنية) هي التوراة بزعمهم أو كتاب الشريعة المنزل على موسى، والباقي ملحقاتٍ لأنبياء وملوك ومجهولين لا يعرفون عنهم شيئاً، ويزعمون أنها جميعاً كتبت بإلهام من الله، وكذلك العهد الجديد يحتوي على سبعة وعشرين سِفراً (الإنجيل وتوابعه) منها أربع روايات للبشارة والباقي رسائل وأسفار كلها مكتوبة بإلهام من الله على زعمهم. فهي مليئة بالتوابع والملحقات حتى صار أهل العلم عندهم لا يفرقون بين الإضافة والحاشية والتعليق وبين الكلام المنسوب إلى الله، وسآتي على بيان ما في كتابة الحواشي من عظيم الأسباب لتحريف الكتب المقدسة السابقة للقرآن في الفصل القادم إن شاء الله.
стр. 155
الفصل الخامس: بيان أسباب التحريف في الكتب المقدسة السابقة
نعلم الآن بأن هذه الحروف قد حملت في طياتها مانِعاً أصيلاً من موانع التحريف، وهو إعجاز المبلّغين عن التصرف في لفظهِ وكتابتهِ، قياساً على ما حصل للكتب المقدسة السابقة، فمنعت أسباب التحريف الأساسية، والتي قامت عليها كل الأسباب الظاهرة الجلية. ولبيان بعض الأسباب لحفظ القرآن المتمثلة في الدلالات والإشارات الواردة في فواتح السور، وما فيها من إعجاز لحفظ القرآن، باتباع الأسس المدلول عليها في حروف الفواتح، لضمان عدم التغيير في المكتوب، كما هو الإعجاز في النظم أيضاً لضمان عدم التغيير في المعاني، يلزمنا أن نُفصّل في أسباب التحريف للكتب المقدسة السابقة بعد تتبعها وتنقيحها بناءً على ما جاء في كتبهم من تناقض، وما ذكره القرآن كأسباب للتحريف، لنعلم أن الحروف ما جاءت إلا لمنع الأسباب الرئيسية للتحريف.
ومجمل الأسباب بشكل عام ينقسم إلى قسمين، أسباب خفية (أساسية) وأسباب جلية (فرعية).
الباب الأول: الأسباب الخفية للتحريف (الأسباب الأساسية)
وهي الأسباب الرئيسية التي نتجت عنها كل الأسباب الظاهرة لنا في التحريف، وكانت المسوغ الأساسي لبدء التحريف بتغيير كلام الله والاستمرار به أيضاً وهي:
أولاً: الترجمة الحرفية لكلمات الكتب المقدسة
كما في العهد الجديد (الإنجيل) باللغة اليونانية (وهي لغة العلم في ذلك الزمان)، وما نتج عنه من تناقض مع غيره من الكتب باللغة العبرية أو السريانية الآرامية، حتى تم ترجيح المعاني الواردة في اللغة اليونانية على غيرها لأنها أدق وأقدم تاريخياً! ومن ذلك الخلاف بين بعض المسلمين واهل
стр. 156
الإنجيل على كلمة"البارقليط" أو "المعزّي" أو "روح الحق" الواردة في إنجيل يوحنا (الإصحاح ١٥ فقرة ٢٦) "ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي" وبعدها بقليل بيانا لبشارة المعزّي (الإصحاح ١٦ فقرة ١٣) "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بامور آتية" وفي ذلك يقول الدكتور منقذ السقار: "هو بشارة من المسيح بنبينا ﷺ ، وذلك يظهر من أمور: منها أن لفظة "المعزي" لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (١٨٢٠م، ١٨٣١م، ١٨٤٤م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية. وفي تفسير كلمة "بارقليط" اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكلي توس"، فيكون حسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل. والثاني أنه "بيروكلوتوس"، فيكون قريباً من معنى: محمد وأحمد. ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: "إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو قريب من لفظ أحمد." (١) وهي بلا شك كانت تكتب قديماً باللفظ الأصلي فقط "البارقليط" أو "الفارقليط" من غير ترجمة، إذ نقل الكثير من العلماء والمؤرخين هذه النصوص من الكتاب المقدس عن ترجمات تعود لمئات السنين، (٢) ويقول الدكتور عبد الرحمن السليمان أستاذ علم اللغات ومقارنتها: "كلمة "الباراقليط" الموجودة في الأصل اليوناني لإنجيل القديس يوحنا هي: Parakletos ••••••••• ، وهي كلمة مركبة من: •••• ومعناها "إلى جانب"، و••••••: وهي صفة غالبة مشتقة من الفعل ••• ومعناه "ساعد، آزر، دعا، عزَّى، شجَّعَ". وعليه فإن معناها
стр. 157
الحرفي يكون: "المساعد، المؤازر، الداعي، المعزي، المشجع". وقد أصبح هذا الفعل في اليونانية الحديثة كما يلي • • • • • • • • = paregoro أما المعزي فصار فيها • • • • • • • • • • = paregoros. والطريف في الموضوع أن هذه الكلمة اليونانية دخيلة في العبرية وتعني فيها "محامٍ" (• • • • • • = باراقليط "محامٍ"؛ • • • • • • • = باراقليطوت "محاماة". وهنالك كلمة يونانية ثانية هي: • • • • • • • • • Pariklytos ومعناها "الإنسان الحميد/المحمود" إذاً عندنا كلمتان متشابهتان جداً في اللفظ: "الباراقليطوس" (بفتح الراء وإمالة اللام) المثبتة في الأصل اليوناني لإنجيل القديس يوحنا ( Parakletos=) وتعني "المعزي"، و"البارِقليطوس" (بكسر الراء) التي تفيد معنى "الحمد" ولكنها غير موجودة في الأصل اليوناني لإنجيل القديس يوحنا ( Pariklytos=) وواضح من رسم الكلمتين ونطقهما أنهما متشابهتان تشابهاً يجعل التصحيف (أقول التصحيف) أمراً وارداً." ويقول بعدها: "والتصحيف وارد جداً سواء أكان في النقل أو في الترجمة. ومن يعرف مشاكل نصوص الكتب المقدسة التي تناهت إلينا بلغات ميتة كالعبرية والآرامية واليونانية القديمة والأبستاقية والسانسكريتية، يعي الأمر أكثر من غيره." (١) واقول: قد رأيت هذه الكلمة (باراكليت) مثبتة في حاشية الترجمة العربية لنسخة قديمة من الكتاب المقدس بدلاً من المعزي، ولست أستشهد هنا بكلام أحد لإثبات التحريف في كلمة ما، بقدر ما أستشهد لبيان حقيقةٍ ظاهرة وسبب من أسباب الطعن الرئيسة في الكتب المقدسة القديمة، فقد تمت ترجمة الإنجيل من لغته الأصلية (العبرية) إلى اللغة اليونانية القديمة وهذا معلوم علم اليقين، كما هو معلوم أن إحدى هذه اللغات تنتمي لعائلة لغوية مختلفة وبعيدة كل البعد عن الأخرى، فالعبرانية لغة آرامية سامية كما هي السريانية، وتنتمي لعائلة اللغات الأسيوية-الافريقية، واللغة اليونانية لغة أغريقية تنتمي لعائلة اللغات الهندية-الأوروبية، ونحن الآن نختلف على إعادة الأصل منها إلى لغة سامية هي أخت اللغة العبرانية الأم وأخت الآرامية وهي العربية، فلو كان الأصل
стр. 158
موجوداً وبقي ولم يُترجم ترجمة حرفية أضافت عليه وغيرت فيه وأصبحت هي الأَوْلى بالمتابعة والنقل والمقابلة، لكانت المقارنة بين لغة واختها، وما دامت الكلمات تحمل المعاني فلن نختلف عليها، أما ما نحن فيه فلا وجه لمعرفته إلا بالإثبات التاريخي الأثري، وهو معدوم كليّا بسبب جواز الترجمة الحرفية لمعاني الكلمات في الكتاب المقدس من أصله الأول، هذا أولاً، وثانياً بسبب فقدان الأصل وبقاء الترجمة. وهذه الحجة هي أول حجة لأصحاب المذهب البروتستانتي في النصرانية على غيرهم من النصارى عند ظهور مذهبهم في القرن السادس عشر ميلادي، فرفضوا كثيراً من أسفار العهد القديم وقالوا:"إن الأصل العبراني لهذه الأسفار مفقود، والموجود هو ترجمة لها." (١)
ثانياً: كتابة النص بحرف غير الحرف المنزل
كما في العهد الجديد والقديم، فقد اختلفوا على أصل كتابة الإنجيل أهي بالعبرية أم بالسريانية رغم أن لغة المسيح ﵇ عبرية، كذلك العهد القديم إلا أن اليهود كتبوه باللغة العبرية ولكن بأحرف كنعانية فينيقية، إلى أن اتخذوا الخطوط المربعة من الآرامية وكتبوه بها بعد مئات السنين، وأقدم النصوص للعهد القديم بما حوته من اختلاف بين أصولها وانعدام التطابق في محتواها سواء النصوص اليونانية أو العبرية أو السامرية لا تتعدى المئة الرابعة قبل الميلاد بافضل الأحوال، وهو التاريخ التقريبي للبدء بكتابة العهد القديم بالكتابة العبرية المستحدثة، وقد حدثت بعد السبي البابلي على يد الكاهن عزرا وهو موظف رفيع في بلاط ملك فارس، بعد أن استولى ملك الفرس كورش الثاني أو كورش الأكبر (٥٥٩ - ٥٣٠ق. م) على بابل وأسس الدولة الإخمينية، وسمح لبني إسرائيل بالعودة إلى القدس بعد أن سباهم نبوخذنصر إلى بابل، وذكر في العهد القديم ما يفيد أن الكاهن عزرا كتبها وهو هناك وبمباركة الملك أرتحششتا أو أرتحشستا
стр. 159
ويسمى لونجيمانوس (٤٦٥ - ٤٢٤ق. م) حيث ورد في سفر عزرا (٧) ((٦) عزرا هذا صعد من بابل وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل. وأعطاه الملك حسب يد الرب إلهه عليه كل سؤله ... (١١) وهذه صورة الرسالة التي أعطاها الملك ارتحشستا لعزرا الكاهن الكاتب كاتب كلام وصايا الرب وفرائضه على إسرائيل (١٢) من ارتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل إلى آخره (١٣) قد صدر مني أمر أن كل من أراد في ملكي من شعب إسرائيل وكهنته واللاويين أن يرجع إلى أورشليم معك فليرجع ... (٢١) ومني أنا ارتحشستا الملك صدر أمر إلى كل الخزنة الذين في عبر النهر أن كل ما يطلبه منكم عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء فليعمل بسرعة ... (٢٦) وكل من لا يعمل شريعة إلهك وشريعة الملك فليقض عليه عاجلاً إما بالموت أو بالنفي أو بغرامة المال أو بالحبس) وهذه الإشارات تدل على أن هذا الملك الوثني أراد بسط نفوذه السياسي بغض النظر عن المعتقدات الدينية، واعتبر تطبيق الشريعة الإلهية مرهوناً بمراعاتها لشريعته، فكانت جزءاً من منظومته الإدارية والسياسية. ولكن بغض النظر عن قبول محتوى الأسفار والإسناد فيها والخلاف على نسبتها لإرهاصات عزرا أو وحي الإله، فنحن أمام مفترق طرق، سلك فيه هذا الكتاب طريقاً لا رجعة فيه ولا سبيل لمعرفة المصدر قبله، وفي هذا يقول الدكتور منقذ السقار: "إن غاية ما يمكن أن نصل إليه فيما لو جمعنا كل هذه النصوص، أن نوفق في الوصول إلى نص يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، أي إلى نص كتب بعد موسى بألف سنة، أما استعادة النص الذي كتبه موسى ﵇ فدونه خرط القتاد." (١) ولو كانت الكتابة بنفس الحروف المنزلة موجودة ومحفوظة، وكتبت بها كلمات التوراة لما كان الترجيح أو المقابلة مرهونة بقرن أو بمدة، بل كانت حينها أساساً ومرجعاً نتكئ عليه عند المقابلة والترجيح. ولكن كتابة التوراة بحروف غير الحروف المنزلة وإن كانت تعطي اللفظ حقه قد صنعت حاجزاً وسدّاً منيعاً للبحث العلمي ولا سبيل لتخطيه أبداً، وقد كانت سبباً رئيساً في الطعن المثاليّ لأي محاولة في إثبات النصوص
стр. 160
وأصالتها. "وطبقاً للموسوعة البريطانية فإن النص السامري يختلف عن النص اليوناني (في الأسفار الخمسة) بما يزيد على أربعة آلاف إختلاف، ويختلف عن النص العبري القياسي بما يربو على ستة آلاف إختلاف." (١)
ثالثاً: ضياع اللفظ وإضافة الحواشي والتعليقات
كما في العهد القديم والجديد، فلا يكاد أهلها وأهل العلم فيها يفرقون بين الكلام الإلهيّ وتعليقات الأحبار والرهبان. ومن المعلوم أن اللغات تتطور وتتبدل، وأسلوب الكتابة والتأليف محكوم بقرب المؤلف أو بعده عن بلاغة اللسان وفنون النظم لعصر ما. ونعلم "أنه علم بالتجربة أن الفرق يقع في اللسان الواحد بحسب اختلاف الزمان، فمثلاً لو لاحظت لسان الإنجليز قبل أربعمائة سنة لوجدت تفاوتاً فاحشاً بينه وبين اللسان الإنجليزي المعروف الآن، وقد قال نورتن الذي هو من كبار علماء النصارى بأنه لا يوجد فرق معتد به في محاورة التوراة ومحاورات سائر الكتب من العهد العتيق التي كتبت بعدما أطلق بنو إسرائيل من أسر بابل، علماً أنّ المدة الواقعة بين وفاة موسى ﵇ وبين إطلاقهم من الأسر حوالي تسعمائة عام، ولأجل إنعدام الفرق المعتد بين أسلوب التوراة وبين أسلوب سائر كتب العهد العتيق فإن العالم ليوسدن الذي هو ماهر جداً باللسان العبراني إعتقد أن هذه الكتب جميعها صنّفت في زمان واحد." (٢) ورغم هذا التناسق في الأسلوب تجد الاختلاف من كتاب لآخر وفصل لآخر بناءً على ما علّق وأضاف الكاتب والناسخ من حواشي، ومن ذلك ما ذكره رحمت الله الهندي من فقرات في سفر التثنية (أحد الأسفار الرئيسية الخمسة للتوراة) وهي: (فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب
стр. 161
حسب قول الرب (٦) ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم (٧) وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات. . . (٨) فبكي بنو إسرائيل موسى. . . (٩) ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى ... ) وقال بعدها "فهل الكتاب السماوي المنزل على موسى ﵇ يكون فيه موته ودفنه والبكاء عليه واندثار قبره إلى هذا اليوم وعدم قيام نبي مثله؟! "
والعجيب أن إضافة الحواشي سواء القديمة أو الجديدة مستمرة وفي تعديل دائم بحسب الطبعات والإتفاقات، مما يعني استمرار التحريف واستمرار الطعن في الكتب السماوية. وفي ذلك يقول الدكتور عبد الرحمن السليمان: "ونظرة واحدة إلى حواشي الطبعات العلمية للكتب المقدسة، تكفي لإثبات واقعة التصحيف إثباتاً لا يقبل الجدل لأنه مثبت في تلك الحواش. أما التحريف فهو وارد من الناحية العلمية البحتة وثابت في أكثر من موطن في الكتاب المقدس. وأنا أقول ذلك من الناحية العلمية البحتة وليس من باب الجدل الديني." (١)
رابعاً: كتابة النصوص بالفهم الفردي للمعنى من غير الالتفات للنظم
كما تجده في العهد القديم والجديد، فكل كاتب لسفر من الأسفار قد كتب بحسب ما فهم من النص الأصلي، أو بما تحصّل في ذهنه من القصص والروايات بلغته الخاصة، فتجد الإختلاف في نفس النسخة من مكان لآخر وتجد الركاكة في النظم واضحة، مما يدل على التحريف. ومن ذلك ما تجده في العهد الجديد (الإنجيل) والمنسوب ليوحنا حواري المسيح ﵇، فمن أسلوب الكاتب "لا يظهر من أي موضع في هذا الإنجيل أن كاتبه كتب الحالات التي رآها بعينه أو الحوادث التي وقعت بحضوره، بل تشهد عبارات هذا الإنجيل على أن كاتبه غير يوحنا الحواري؛ فهو يقول في ختام هذا الإنجيل (الإصحاح ٢١ فقرة ٢٤): (هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أن شهادته حق.) فاستعمل الكاتب في حق يوحنا ضمائر الغائب، لكنه قال في حق نفسه (نعلم) على صيغة المتكلم، فثبت أن كاتبه غير يوحنا الحواري قطعاً." (٢) أما في العهد القديم (التوراة بأسفارها الخمسة فقط) فحدّث ولا حرج، والمثال فيها لا يُضرب على أسلوب الكاتب أو ما كتب بفهمه، بل إنك إن قرأتها ستبحث عن موطن لا تعتقد أن فيه إضافة أو تعليقا من كاتبها، "بل جميع عبارات التوراة الحالية تشهد بأن كاتبها غير موسى ﵇، وأن هذا الكاتب جمع الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود وميّز بين الأقوال، فما كان في زعمه من كلام الله أدرجه تحت قوله: (قال الله)، وما كان في زعمه من كلام موسى أدرجت تحت قوله: (قال موسى)، وعبر الكاتب عن موسى في جميع المواضع بصيغة الغائب، مثل قوله: (وصعد موسى)، (وقال له الرب)، (فمات هناك موسى)، فلو كانت التوراة الحالية من تصنيف موسى ﵇، لعبر عن نفسه بصيغة المتكلم ولو في موضع واحد من المواضع؛ لأن التعبير بصيغة المتكلم يقتضي زيادة الاعتبار، وهذا وحده دليل كامل على أن التوراة الحالية ليست من تصنيف موسى ﵇." (٣) وكل هذا الطعن ليس لإثبات تحريفها فالتحريف فيها أوضح من الشمس في كبد السماء، بل هو لبيان السبب الأصيل لهذا التحريف وهو كتابة كلام الله بالفهم الفردي، وكل كاتب يكتب بحسب علمه وفهمه وأسلوبه في البيان.
стр. 162
الباب الثاني: الأسباب الجلية للتحريف (الأسباب الفرعية)
وهي كثيرة وناتجة بالمحصلة من إمكانية الترجمة وكتابة الحواشي واستعمال الحروف المختلفة والكتابة بالمعنى، وتنحصر في ثلاث أسباب منطقية وهي الزيادة والنقص والتغيير وهذه الأسباب ظاهرة جلية والغايات من التحريف منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن ولكنها مستمرة ما دامت الأسباب الرئيسة مسموحة وقابلة للتجديد، وهذه الأسباب تتمثل في النقاط التالية:
أولاً: كتابة كلام جديد والزعم أنّه من عند الله لغايات عديدة
كما في العهد القديم والجديد، فالعهد القديم مؤلف من ستة وأربعين سِفراً (على خلاف بينهم)، خمسة منها هي التوراة بزعمهم، والباقي من مجمل الأسفار وما كتب الأحبار، وكلها بوحي من الله بزعمهم! إلا عند السامرية ونسختهم الخاصة من التوراة، "والأسامرة تزعم أن التوراة التي في يد اليهود ليست التوراة التي أوردها موسى بن عمران ﵇، وأن تلك حرفت وبدلت وغيرت، وأن الْمُحْدِثَ لهذه التي بأيديهم هذا الملك المذكور (زربابل بن شألتيئيل)؛ لأنه جمعها ممن كان يحفظها من بني إسرائيل، وأن التوراة الصحيحة هي التي في أيدي الأسامرة دون غيرهم." (١) ويقتصر إيمانهم على الأسفار الخمسة الأولى، أما غيرهم من اليهود والنصارى فيؤمنون بكل سفر منها على خلاف في بعضها، وهو بالطبع مما نتج عن المسوغات الأساسية للتحريف، فإذا حَكَمت كلمات المعلِّقين والشُرّاح والمترجمين على الكتاب، صارت إضافاتهم من مجمل الكتاب. بل وتجد الكثير من أسفار العهد القديم لمؤلّفين لا يَعرفون عنهم شيئاً
стр. 163
ومجهولون بالكلّية، ومع ذلك يعتبرونها وحي من السماء! هذا من باب، ومن باب آخر تجد في بعض أسفارهم كلاماً عن تكفير بعض أنبيائهم وتفسيقهم والوعيد لهم من الله بالعذاب والسبي والقتل بزعمهم! كما جاء على لسان النبي إرميا بعد تنبؤه بخراب أورشليم على يد البابليين، لأنه لم يبق في بلادهم خير ولا أحد منهم يقول الصدق بحسب كلامهم، وقد عبدت الأصنام في أرجاء أورشليم وساد الكهنة على الهيكل (وفيه كانت التوراة بخط موسى محفوظة بحسب كلامهم)، يقول في سفر إرميا - الترجمة العربية المشتركة - (الإصحاح ٢٣): ((١١) النَّبيُّ والكاهنُ كافران، وفي هيكلي وجدْتُ شَرَّهما (١٣) في أنبياءِ السَّامِرةِ رأيتُ حماقةً: يتَنبَّأونَ بِاسمِ الإلَهِ بَعلٍ ويُضلِّلون شعبي إسرائيل (١٤) وفي أنبياء أورشليم رأيتُ العَجب: يَسلُكونَ طريق الزِّنى والزُّور، ويُشَجعون مَنْ يفعلون الشَّر لِئلا يرجعوا عن شرِّهم. فصاروا لي كلهم كسدوم، وصار سكانها كعمورة (١٥) وقال الرّبُّ القديرُ على الأنبياءِ: ((سأُطعِمُ أنبياءَ أُورشليمَ عَلْقَمًا وأسقيهِم سَمُا، فَمِنهُم خرَج الكُفْرُ إلى كُلِّ الأرضِ)) (١٦) وقالَ الرّبُّ القديرُ: ((لا تَسمَعوا لِكَلامِ الأنبياءِ الذينَ يتَنَبَّأونَ لكُم ويَخدَعونَكُم. هُم يتَكَلَّمونَ بِما يتَراءى لهُم، لا بِما أقولُ أنا الرّبُّ ... ) وهذا الكلام في فترة دقيقة من تاريخ بني إسرائيل وتاريخ الكتاب المقدس بحد ذاته، فإن كان أنبياؤهم كفرة وفجرة بزعمهم فكيف بمن كتب هذه الأسفار وهو مجهول؟!
ناهيك عن إقحام الكلام في الأسفار الخمسة الأساسية وظهور الفرق بين الجمل المقحمة والمعلومات المكذوبة وبين السياق العام للنص، من ذلك إقحام قصة صراع يعقوب مع الله وكيف صرع يعقوب ربه في سفر التكوين (إصحاح ٣٢ فقرة ٢٣) فلا السياق ولا المعنى ولا الموقف ولا حتى الأسلوب يساعد على هضم هذه المعلومة في وسط سياق مكون من خمسين إصحاحاً.
стр. 164
أما في العهد الجديد فسأضع ما وضعوه في مقدمة نسخة الكتاب المقدس - الترجمة العربية المشتركة - في بيان المصطلحات فكتبوا " * نجمة فوق الكلمة تفيد أن ثمة ملاحظة في الحاشية، ( ... ) العبارات التي ترد بين قوسين هي عبارات معترضة أو تفسيرية لكنها من صلب النص." وأقول ملاحظة في نسخة ما، هي صلب عقيدتهم في نسخة أخرى! وكيف تكون جملة معترضة أو تفسيرية ومن صلب الكلام؟! أي من غيرها لا يستقيم الكلام ويكون ناقصاً!؟ وقد تكون هذه الإضافة في نسخة أو طبعة مثبته، وفي غيرها صارت حاشية علمية، وفي غيرها معدومة. وقد يظن القارئ أن هذه الجُمل المضافة أو الحواشي كلمات بسيطة لا تدخل في صلب العقيدة، وهي ليست كذلك، بل هي تمثّل أركان العقيدة النصرانية. من ذلك ما جاء في التثليث، وهو ركن من أركان عقيدتهم، فانظر إلى رسالة يوحنا الأولى (الإصحاح٥) نسخة سميث فان دايك المشهورة: ((٧) فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد (٨) والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم. والثلاثة هم في الواحد) ولاحظ عقيدة التثليت من أين أتت، وقارن بالنسخ الأخرى، ففي نسخة الترجمة العربية المشتركة ((٧) والذين يشهدون هم ثلاثة*: الروح، والماء، والدم. (٨) وهؤلاء الثلاثة هم في الواحد) وفي الحاشية * كتبوا "ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، هؤلاء الثلاثة هم واحد؛ والذين في الأرض هم ثلاثة: هذه الإضافة وردت في بعض المخطوطات اللاتينية القديمة" أما في النسخة اليسوعية الحديثة فجاءت ((٧) والذين يشهدون ثلاثة: الروح، والماء، والدم.* (٨) وهؤلاء الثلاثة متفقون) وفي الحاشية * كتبوا "الترجمة اللفظية (وهؤلاء الثلاثة نحو الواحد) في الآية ٦ استشهد الكاتب إلى الماضي، في حين أنه يتكلم هنا على (شهادة) دائمة في حياة الكنيسة. التفسير الشائع هو أن المقصود هنا هو المعمودية (الماء) والافخارستيا (الدم). وهذه الشهادة المزدوجة تضاف إلى شهادة الروح ... وفي آخر الأمر، يؤدي هؤلاء
стр. 165
الشهود الثلاثة شهادة واحدة، وهي الشهادة التي يكشف لنا الله بها حياته الإلهية ويهبها لنا (الآية ١١) " وكل هذا الشرح والمحاورة الضرورية بنظر الكاتب في هذه الزيادة لا نجده في الطبعة القديمة من النسخة اليسوعية ذاتها، بل نجد الزيادة مثبتة في القديمة من غير حاشية أو شرح أو بيان للكاتب الأصلي ومن حرّف الأصل بإضافة الجملة. ولكن بعد أن انفضحت الزيادة عند مقابلة النسخ التاريخية، وجب إسقاطها بزعم الكاتبين الجدد، ولا أقول إلّا ما قالوه وما احتجّوا به على بعضهم البعض، وإن كان منهم من يرى إلى الآن أن هذه الجملة معترضة أو جملة تفسيرية لكنها من صلب النص، أي يُصرّون على التحريف في صلب العقيدة، ولن أزيد على هذا النوع من التحريف في هذا الباب فهو كافٍ وشافٍ لبيان السبب من التحريف.
ثانياً: تغيير النص إما لتفادي التناقض أو لتحكيم العقل أو قلباً للحقائق لغاية دفينة
كما في العهد القديم، كتغيير اسم الذبيح من إسماعيل لإسحاق، مما أظهر التناقض في الكتاب بحيث ذكر في مكان أن إسماعيل هو أول أولاد إبراهيم، وفي مكان آخر أنّ إبراهيم أراد ذبح وحيده إسحاق وهذا لا يستقيم عقلاً، ففي كل النسخ من العهد القديم (سفر التكوين ٢٢) تحت عنوان إسحاق ذبيحة للرب ((١) وحدث بعد هذه الأمور أن الله إمتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم. فقال: هأنذا (٢) فقال: خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك) وفي السفر الذي قبلة تحدث عن مولد إسحق وطرد إسماعيل وهاجر! وفي العهد الجديد، تجد فيه نسخة غيّرت كلمة واحده، لأنها إن ثبتت دلت على شيء لا يعقل أو لا يتناسب مع قائلها، وكان السبب فيها إما لزيادة في الترجمة أو لما هو مضاف، أو لترجمة ما لا يترجم من الحروف الأخرى، أو لترتيب الجمل وما فيه ركاكة في النظم. ولن أتطرق لتغيير المعلومة للغايات الدفينة بل لتغيير المعلومة في النسخ العلمية بزعمهم وهو التحريف الحديث. من ذلك ما تجده في إنجيل متى نسخة فان دايك
стр. 166
(الإصحاح ١٩ فقرة ٩): (وأقول لكم: إن من طلّق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقةٍ يزني) بينما في النسخة العربية المشتركة حذفوا العبارة الأخيرة فصارت (أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته، إلا في حالة الزنى وتزوج غيرها زنى) وفي النسخة اليسوعية الجديدة (أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته، إلا لفحشاء وتزوج غيرها فقد زنى) بينما في الطبعة القديمة (وأنا أقول لكم من طلّق امرأته إلا لعلة زنى وأخذ أخرى فقد زنى. ومن تزوج مطلقةً فقد زنى) وهذا كله تجده تحت عنوان الزواج المسيحي والعفاف! أو الزواج والطلاق، مما يعني أنه تشريعٌ للبشرية فيما يتعلق بالزواج والروابط الإجتماعية، فما كان منه لا يعقل وليس فيه ضمان لحق المرأة غيروه.
ثالثاً: كتمان المعلومة أو إسقاطها أو ضياعها لغاية أو من دون غاية
وهذا النوع من من أصعب الأنواع إثباتاً إن أردنا بيان الكتمان وغايته، لأننا نبحث عن معلومة ليس لها وجود في كتابهم، حتى وإن كان الضياع والفقدان يدخلان في باب التحريف بالنقص وإثباته يسير في كتبهم سواء في العهد القديم أو الجديد، فهم لا يتورعون من كتابة تعليقات عن نصوص مفقودة أو جمل تشكيكية، إلا أنها لا تُظهر الغايات بقدر الكتمان، كذلك الإسقاط فهم مقرّون بذلك، فتجد طائفة منهم أسقطت أسفاراً كامله لاعتقادها عدم الأصالة والصحة في هذه الأسفار، بينما قبلتها طوائف أخرى، والنقص عند أحدهم زيادة عند الآخر، ولكنّ أسباب الإسقاط ولو تعددت فلن تُظهر الغايات من التحريف بقدر الكتمان أيضاً. لذلك سأحاول جاهداً إثبات معلومة مفقودة بالنظر إلى نصوصهم وتحليلها. وهذه المعلومة تتمحور حول موضوع مِفْصَليّ في تاريخ اليهود بشكل عام وفي مرحلة دقيقة من تاريخ الكتاب المقدس بشكل خاص، وفيها أدلة دامغة على إثبات التحريف على العموم وإثبات الكتمان على الخصوص.
стр. 167
وهذه المرحلة المفصلية في تاريخهم معروفة باسم السبي البابلي أو خراب أورشليم، وتتضح الصورة القائمة في ذلك الزمان بحسب كتابهم من خلال ثلاثة أسفار، وهي سفر الملوك الثاني وسفر أخبار الأيام الثاني وسفر إرميا، أما الأول ففيه سيرة ملوك بني إسرائيل وسيرة آخر ملوك بني إسرائيل قبل السبي، والثاني فيه أهم الأحداث التاريخية في سيرة بني إسرائيل، خصوصاً ما حدث قبل السبي وفي عهد آخر ملوكهم، والكاتب أو الناسخ لهذين السفرين بذل الجهد الكبير في محاولته مطابقة الأحداث بينهما، حتى أنه يقول في آخر كل حدث أنّ باقي الأخبار المتعلقة بهذا الحدث مذكورة في السفر المقابل دلالة منه على المطابقة، أما الثالث فهو السفر الخاص بنبوءات النبي إرميا بن حلقيا الهارونيّ النسب، وبُعِث في تلك الفترة المفصلية لينذر بني إسرائيل ويتوعدهم بعذاب الله إن لم يعودوا إلى دينهم بعد أن كفروا وعبدوا الأوثان وغيروا دينهم من التوحيد الخالص إلى الوثنية الخالصة، بل بعد سيطرة الكهنة وعبّاد الأوثان على المعبد اليهودي وسيادة التعاليم الوثنية فيه.
إذن فلنعتبر أننا نسرد قصة تاريخية مفصلية بحسب الكتاب المقدس فقط، ولنقرأ بعناية شديدة ولنتابع أهم الأحداث فيها بداية من عهد الملك يوشيا بن أمون (ت٦٠٨ ق. م) وهو الذي حاول جاهداً تطهير بني إسرائيل من عبادة الأوثان، فهدم معابد الأوثان على الجبال ورمم المعبد اليهودي وحاول تطهيره، وخلال الترميم حدث أمر جلل وأمر عظيم كما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني (٣٤): ((١٤) وعند إخراجهم الفضّة المدخلة إلى بيت الرب وجد حلقيا الكاهن سفر شريعة الرب بيد موسى. (١٥) فأجاب حلقيا وقال لشافان الكاتب قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب. وسلم حلقيا السفر إلى شافان. (١٦) فجاء شافان بالسفر الى الملك ... ) وبعد أن قرأه عليه أمرهم الملك أن يذهبو إلى النبيه خلده (بزعمهم) للتأكد من أن السفر صحيح، فأقرّت بأنه صحيح وأن اللعنات الموجودة فيه ستحصل على بني إسرائيل وذلك بحسب
стр. 168
نبوءتها: ((٢٥) من أجل انهم تركوني واوقدوا لآلهة أخرى لكي يغيظوني بكل أعمال أيديهم وينسكب غضبي على هذا الموضع ولا ينطفئ) أما الملك يوشيا فسيموت بسلام لأنه أصلح ورق قلبه لكلام الشريعة بحسب نبوءتها، وبعد ذلك: ((٢٩) وأرسل الملك وجمع كل شيوخ يهوذا وأورشليم (٣٠) وصعد الملك إلى بيت الرب مع كل رجال يهوذا وسكان أورشليم والكهنة واللاويين وكل الشعب من الكبير إلى الصغير وقرأ في آذانهم كل كلام سفر العهد الذي وجد في بيت الرب. (فصار الجميع على علم بما فيه وبأنهم وجدوه، وقام الملك بإصلاحات كثيرة وعاهد الله على إزالة الرجس من أرض المملكة وكذلك فعل.
ويستمر الكاتب في سرد الحدث في الإصحاح التالي (٣٥) ويقول: ((٢٠) بعد كل هذا حين هيأ يوشيا البيت صعد نخو ملك مصر إلى كركميش ليحارب عند الفرات. فخرج يوشيا للقائه. (٢١) فارسل إليه رسلاً يقول ما لي ولك يا ملك يهوذا. لست عليك أنت اليوم ولكن على بيت حربي والله أمر بإسراعي. فكفّ عن الله الذي معي فلا يهلكك. (٢٢) ولم يحول يوشيا وجهه عنه بل تنكر لمقاتلته ولم يسمع لكلام نخو من فم الله بل جاء ليحارب في بقعة مجدو.) وملك مصر نخو هو الفرعون نخاو (نكاو) الثاني (ت٥٩٥ ق. م) من الأسرة السادسة والعشرين من فراعنة مصر القديمة بحسب تاريخ مصر القديمة ولقبه فرعون الأعرج بحسب كتب التاريخ العربية، والغريب أن يُنسب كلام الله وأمره لهذا الفرعون الوثني وعلى لسانه، ولكن السياق يدل على أن الكاتب يرى بأن الله لم يرد لهذا الملك الصالح أن يموت فأقحم إرادة الله بزعمه على فم الفرعون، ويتابع الكاتب ((٢٣) وأصاب الرماة الملك يوشيا فقال الملك لعبيده انقلوني لأني جرحت جداً. (٢٤) فنقله عبيده من المركبة وأركبوه على المركبة الثانية التي له وساروا به إلى أورشليم فمات ودفن في قبور آبائه. وكان كل يهوذا وأورشليم ينوحون على يوشيا. (٢٥) ورثى إرميا يوشيا. وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم. وجعلوها
стр. 169
فريضة على إسرائيل. وها هي مكتوبة في المراثي. (٢٦) وبقيّة أمور يوشيا ومراحمه حسبما هو مكتوب في ناموس الرب (٢٧) وأموره الأولى والأخيرة ها هي مكتوبة في سفر ملوك إسرائيل ويهوذا.) وهنا نقف على ما جاء في نبوءة النبيّة المزعومة بأنّ الملك يوشيا سيموت بسلام!! وقد مات ميتة مفجعة بحسب كلامهم! لذلك تجد في حاشية إحدى النسخ (الترجمة اليسوعية - الطبعة الثالثة الكاثوليكية) "وضعت هذه الرواية قبل موت يوشيا المفجع" فهذا دليل على كذب النبوءة والتشكيك بتصديقها على كتاب الشريعة. ونقف باستغراب على الفرض لهذه المراثي على إسرائيل وشعبها، من قِبَل من كان؟ ومن هو المشرّع في هذا الكتاب؟ أمّا ما جاء فيها وفي رثاء إرميا فسيوضحه ما يقول إرميا في سفره عن المرحلة التالية بعد موت يوشيا، ولكن من المهم أن نركز على الحدث العظيم والكنز الذي لا يقدر بثمن والذي وجدوه في عهد يوشيا، وهو شريعة الرب المكتوبة بيد موسى، والتي وجدها الكاهن حلقيا، حتى لو سلّمنا بأنها شريعة موسى وأنها مكتوبة منذ القدم، بل وتحتوي على أسفار التوراة الرئيسية أو سفر التثنية مع بعض الشرائع (على خلاف بينهم).
وبعد موت يوشيا على يد الفرعون نكاو صار يهواحاز بن يوشيا ملكاً عليهم، وكان فاسداً ووثنيّاً، وعادت الوثنية وعبادة الأصنام لسابق عهدها قبل يوشيا، وحكم لثلاثة أشهر، ولكن الفرعون بعد أن فرغ من حروبه الخاصة لم يرضى على حكم يهواحاز فأسره ووضع يهوياقيم ملكاً على المملكة، وكان فاسداً أيضاً، وحكم إحدى عشرة سنة فاستمرت الوثنية فيهم وفسد الشعب عن بكرة أبيه. بعدها على شأن نبوخذنصر وانتصر على الفراعنة وإحتل بلاد الشام، فصار الملك يهوياقيم له عبداً ومطيعاً في كل أمره، ثم تمرّد عليه ودخل في حروب مع الكلدانيين والعمونيين والآراميين فمات، ثم تملّك ابنه يهوياكين وكان فاسداً أيضاً، ولم يدم حكمه إلا ثلاثة أشهر حتى حاصر نبوخذنصر أورشليم المرة الأولى فخرج إليه الملك يهوياكين مع كل أهله
стр. 170
وماله ودخل نبوخذنصر المملكة (وسبى كل أورشليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة الباس عشرة آلاف مسبيّ وجميع الصنّاع والأقيان. لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض.) (أخبار الملوك الثاني ٢٤: ١٤). وجعل نبوخذنصر صدقيا ملكاً على المملكة وكان الأفسد بين الملوك، وفترة حكمه هي ما نحن بصدد التحري عنه لظهور النبي إرميا بكل قوته في هذه الفترة، والبحث عن نبوءات إرميا مهم للغاية في تقرير ما حدث.
يتابع الكتاب المقدس سرد الأحداث في سفر أخبار الأيام الثاني (٣٦): ((١١) كان صدقيا ابن إحدى وعشرين سنة حين ملك وملك إحدى عشرة سنة في أورشليم. (١٢) وعمل الشر في عيني الرب إلهه ولم يتواضع أمام إرميا النبي من فم الرب. (١٣) وتمرد أيضاً على الملك نبوخذناصر الذي حلفه بالله وصلب عنقه وقوى قلبه عن الرجوع إلى الرب إله إسرائيل. (١٤) حتى أنّ جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم ونجّسوا بيت الرب الذي قدّسه في أورشليم. (١٥) فأرسل الرب إله آبائهم إليهم عن يد رسله مبكراً ومرسلاً لأنه شفق على شعبه وعلى مسكنه. (١٦) فكانوا يهزأون برسل الله ورذلوا كلامه وتهاونوا بانبيائه حتى ثار غضب الرب على شعبه حتى لم يكن شفاء.) وهنا يظهر النبي إرميا بكل قوته ودعوته، وسأتتبع اقواله ونبوءاته من سفر إرميا والذي يعتبر بالفعل أكثر الأسفار تهجماً على اليهود وأكثرها نقداً لتاريخ ملوكهم من بعد سليمان إلى السبي البابلي، فكلامه لا يحمل إلا الوعد والوعيد لبني إسرائيل بالخراب والدمار إن لم يسمعوا كلامه ويعودوا لدينهم، وهذه النبوءة على لسانه هي التي أوقعته في المتاعب في عصر الملك صدقيا وقد كانت الرئاسة في المعبد بيد الكهنة الكذّابين ورئيسهم اسمه فشحور الكاهن، ويصف إرميا واقع بني إسرائيل في تلك الفترة بقوله في سفر إرميا (٨) بعنوان الخطيئة والعقاب: ((٥) فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتداداً دائماً. تمسكوا بالمكر. أبوا أن يرجعوا. (٦) صغيت وسمعت. بغير المستقيم يتكلمون. ليس أحد يتوب عن شره قائلاً ماذا عملت. كل واحد رجع الى مسراه كفرس ثائر في الحرب. (٧) بل اللقلق في السموات يعرف ميعاده واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيئهما. أما شعبي فلم يعرف قضاء الرب. (٨) كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب*. (٩) خزي الحكماء ارتاعوا وأُخذوا. ها قد رفضوا كلمة الرب فاية حكمة لهم.) في النسخة المشتركة - وضعو حاشية قالوا فيها: "قلم الكتبة يحفر في الحجر المقررات الملكية ولكن هل هذه المقررات تطابق شريعة الله هذا ما يعترض عليه إرميا." وأقول: يا سبحان الله! يعترض على عدم مطابقة أحكامهم لشريعة الله، وهم وثنيون ومرتدون عن دين التوحيد!؟ فمن يصدق هذا الكلام إلا ساذج ولا يرى بأم عينه أنهم حرفوا كلام الله وحولوا كتاب الشريعة الذي كان في المعبد إلى كذبة من خلال أقلامهم الكاذبة الخاطئة. أما ما بعدها وتأكيداً على هذا الفهم يقول: "رفضوا كلمة الرب" وفي نسخة اليسوعية القديمة جاءت (ها إنهم رذلوا كلمة الرب فماذا فيهم من الحكمة)، وفي نسخة الترجمة المشتركة (فها هم نبذوا كلام الرب ... )، وهذه الكلمات الثلاثة: رفضوا: أي تركوا وفرّقوا كتاب الله من رفض الشيء تَركه وفرَّقه، ورذلوا: أي اعتبروا كتاب الله دون شيء مقابل من رذل الشيء جعله دونا، ونبذوا: أي رموا أو ألقوا أو طرحوا كتاب الله أمامهم أو وراءهم من نبذ الشيء رماه أو ألقاه أو طرحه أمامه أو خلفه (١)، ويجمع هذه الكلمات الثلاثة وهذا الخلاف الظاهر على بيانها لديهم قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) آل عمران﴾ وفيها تجتمع المعانى الثلاثة بشكل متكامل، فقد حرّفوه بكتمان الحق وبإظهار تعاليم
стр. 171
الوثنية الغريبة عن دين التوحيد، واستبدلوه بثمن بخس، وهذا دليل واضح من سياق النص على التحريف بجميع أركانه سواء بالنقص أو الزيادة أو التغيير، ولكنه ليس مبتغانا، فنحن نبحث عن الكتمان والنقص.
وبعدها يتابع إرميا النبوءة (١٦) ((١٠) ويكون حين تخبر هذا الشعب بكل هذه الامور انهم يقولون لك لماذا تكلم الرب علينا بكل هذا الشر العظيم فما هو ذنبنا وما هي خطيتنا التي أخطأناها إلى الرب إلهنا. (١١) فتقول لهم من أجل أن آباءكم قد تركوني يقول الرب وذهبوا وراء آلهة أخرى وعبدوها وسجدوا لها وإياي تركوا وشريعتي لم يحفظوها. (١٢) وأنتم أسأتم في عملكم أكثر من آبائكم وها أنتم ذاهبون كل واحد وراء عناد قلبه الشرير حتى لا تسمعوا لي. (١٣) فاطردكم من هذه الأرض إلى أرض لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم فتعبدون هناك آلهة أخرى نهاراً وليلاً حيث لا أعطيكم نعمة) وقد جاءت كلمة لم يحفظوها أو لم يحفظوا في كل النسخ، ولم يحفظوه أي لم يحرسوه، من حفظ الشيء بمعنى حرسه (١)، ولو كانت "يحافظوا" لكان فيها تأويل بمعنى الرعاية، وهذا دليل آخر على التحريف، ويُظهره باللفظ ما يقوله إرميا صراحة عن التحريف في سفره (٢٣): ((٣٠) لذلك هأنذا على الأنبياء يقول الرب الذين يسرقون كلمتي بعضهم من بعض. (٣١) هانذا على الأنبياء يقول الرب الذين يأخذون لسانهم ويقولون قال. (٣٢) هأنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة يقول الرب الذين يقصونها ويضلون شعبي بأكاذيبهم ومفاخراتهم وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم. فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة يقول الرب (٣٣) وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً ما وحي الرب فقل لهم أي وحي. إني أرفضكم هو قول الرب. (٣٤) فالنبي أو الكاهن أو الشعب الذي يقول وحي الرب أعاقب
стр. 172
ذلك الرجل وبيته. (٣٥) هكذا تقولون الرجل لصاحبه والرجل لأخيه بماذا أجاب الرب وماذا تكلم به الرب. (٣٦) أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا.) وهذه قاصمة الظهور والدليل الثالث على أنهم حرّفوا كلام الله وشريعة موسى التي وجدها حلقيا على زمن يوشيا، ولكنها لا تظهر الكتمان أيضاً، لذلك نتابع قصة إرميا من سفره حيث جاء فيه (٢٠): ((١) وسمع فشحور بن أمير الكاهن. وهو ناظر أول في بيت الرب. إرميا يتنبأ بهذه الكلمات. (٢) فضرب فشحور إرميا النبي وجعله في المقطرة التي في باب بنيامين الأعلى الذي عند بيت الرب. (٣) وكان في الغد ان فشحور أخرج إرميا من المقطرة. فقال له إرميا لم يدع الرب اسمك فشحور بل مجور مسابيب. (٤) لأنه هكذا قال الرب. هأنذا أجعلك خوفاً لنفسك ولكل محبيك فيسقطون بسيف أعدائهم وعيناك تنظران وأدفع كل يهوذا ليد ملك بابل فيسبيهم الى بابل ويضربهم بالسيف.) وهذا يدلنا على أن رئاسة المعبد كانت في يد الكهنة الذين سجنوا وعذبوا إرميا لأنه يتهمهم بتحريف الكتاب وتغيير الشرائع من الوحدانية إلى الوثنية.
ولكن بعد أن تمرّد الملك صدقيا على نبوخذنصر أتى وحاصر أورشليم وعزم على دمارها وسبيها، فبعث الملك صدقيا الكاهنين فشحور وصفنيا إلى النبي إرميا طالبين منه أن يدعوا الله الخلاص، فرد عليهم بوعيد الله لهم بالقتل والتشريد على ما فعلوا ويفعلون، واستمر الحصار أكثر من عام، ثم دخلها البابليون ودمروها وحدث السبي البابلي الشهير، وأخذوا ما فيها غنيمة لبابل، وقد ذكروا في أسفارهم جميع الغنائم وعددوها بالتفصيل الممل كما في سفر أخبار الأيام الثاني (٣٦): ((١٧) فاصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم. ولم يشفق على فتى أو عذراء ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده. (١٨) وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعاً إلى بابل.
стр. 173
(١٩) وأحرقوا بيت الله وهدموا سور أورشليم وأحرقوا جميع قصورها بالنار وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة. (٢٠) وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس) وفصّلوها أكثر في سفر الملوك الثاني (٢٥): (٨) وفي الشهر الخامس في سابع الشهر وهي السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذناصر ملك بابل جاء نبوزرادان رئيس الشرط عبد ملك بابل إلى أورشليم. (٩) وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار. (١٠) وجميع أسوار أورشليم مستديراً هدمها كل جيوش الكلدانيين الذين مع رئيس الشرط. (١١) وبقية الشعب الذين بقوا في المدينة والهاربون الذين هربوا إلى ملك بابل وبقية الجمهور سباهم نبوزرادان رئيس الشرط. (١٢) ولكن رئيس الشرط أبقى من مساكين الارض كرامين وفلاحين. (١٣) وأعمدة النحاس التي في بيت الرب والقواعد وبحر النحاس الذي في بيت الرب كسرها الكلدانيون وحملوا نحاسها إلى بابل. (١٤) والقدور والرفوش والمقاص والصحون وجميع آنية النحاس التي كانوا يخدمون بها اخذوها (١٥) والمجامر والمناضح. ما كان من ذهب فالذهب وما كان من فضة فالفضة أخذها رئيس الشرط. (١٦) والعمودان والبحر الواحد والقواعد التي عملها سليمان لبيت الرب لم يكن وزن لنحاس كل هذه الأدوات. (١٧) ثماني عشرة ذراعاً إرتفاع العمود الواحد وعليه تاج من نحاس وإرتفاع التاج ثلاث أذرع والشبكة والرمانات التي على التاج مستديرة جميعها من نحاس. وكان للعمود الثاني مثل هذه على الشبكة) ومن الواضح أنهم لم ينسوا شيئاً من الآنية لا الصحون ولا القدور ولا حتى الرفوش والمباخر ولم ينسوا وصف الأعمدة بالتفصيل الممل، ولكنهم بقدرة من الله نسوا أن يذكروا شيئاً واحداً، وهو أغلى كنز عند بني إسرائيل وعند الموحدين جميعاً، وهو شريعة موسى المكتوبة بيده!! ماذا حل بها؟ أُحرقت؟ سرقت؟ نهبت مع الصحون والقدور؟ ليس من ذكر لها على الإطلاق! فهل نسوا ذكرها أم ذُكرت وكتموا ما حل بها؟ أقول: من سوّغ لهم
стр. 174
أن يقولوا "يعتقد أنها أحرقت أو أتلفت في السبي البابلي" والإعتقاد غير الجازم ظنٌّ محض، يسوّغ لي أن أفرض أنهم كتموا ما حل بها لغاية في نفسهم لا نعلمها ولا نريد أن نعلمها، ولكننا سنثبت الكتمان هنا بالأدلة القاطعة من نفس الكتاب، ويتمثل الكتمان بإثبات النقص في سفر إرميا عن عمد وهذه الأدلة هي:
الدليل الأول: يعرف تاريخياً بحسب العهد القديم وكتب التاريخ الأخرى بأن الكاتب لهذا السفر في الأصل شخص اسمه باروخ بن نيريا، إلّا أن السفر الحالي يحوي كلاماً يدل على أن الكاتب غيره، إذ كتب عن قصص باروخ وكتابته للسفر من ضمن السياق وفي مواطن كثيرة مثل قوله في إرميا (٣٦:١٣) (واخبرهم ميخايا بكل الكلام الذي سمعه عندما قرأ باروخ السفر في آذان الشعب.) وسفر إرميا الحالي عليه إضافة واضحه بقلم الكاتب، فهو الآن٥٢ إصحاح وفي نهاية الإصحاح ٥١ قال الكاتب "إلى هنا كلام إرميا". يعني انتهى كلام إرميا! وأكمل الإصحاح الأخير من نفسه، لذلك علّقوا في بعض النسخ على هذه الزيادة بأنها مأخوذة من سفر أخبار الأيام وأنها معدلة. إذن فقد تم الإسقاط فيه واستبدال الكلام الجديد بما كان سابقاً مثبت. ولو قال قائل هذا استنتاج لقلت بل هو حقيقة ظاهرة وبشهادة الكتاب نفسه وهو الدليل الثاني على أن الإسقاط قد حصل وعن عمد.
الدليل الثاني: لاحظنا سابقاً فيما نقلت عن سفر أخبار الأيام الثاني (٣٥) قوله: ((٢٥) ورثى إرميا يوشيا. وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم. وجعلوها فريضة على إسرائيل. وها هي مكتوبة في المراثي. (٢٦) وبقية أمور يوشيا ومراحمه حسبما هو مكتوب في ناموس الرب (٢٧) وأموره الأولى والأخيرة ها هي مكتوبة في سفر ملوك إسرائيل ويهوذا.) وأقول: أما التطابق بين هذا السفر وهو أخبار الأيام وسفر الملوك فهو حاصل وقد أشرت سابقاً أن الكاتب صرف فيه جهداً لإثبات مطابقته، أما سفر المراثي الخاص بإرميا فليس لهذه المرثية
стр. 175
ذكر فيه!! بل إن في سفر إرميا نفسه ما يدل على الإسقاط الواضح لهذه المرثية وتغيير كلام إرميا بكلام يناقض السفر كاملاً! وهو كلامٌ ظاهر الإقحام في سياق النص، فقد أتى في سفر إرميا (٢٢) ((١٠) لا تبكوا ميتاً ولا تندبوه إبكوا إبكوا من يمضي لأنه لا يرجع بعد فيرى أرض ميلاده (١١) لأنه هكذا قال الرب عن شلوم بن يوشيا ملك يهوذا المالك عوضاً عن يوشيا أبيه الذي خرج من هذا الموضع لا يرجع إليه بعد (١٢) بل في الموضع الذي سبوه إليه يموت وهذه الأرض لا يراها بعد (أي ينهاهم عن البكاء ورثاء يوشيا ويدعوهم للبكاء على شلوم بن يوشيا وهو يهواحاز الملك الفاسد الوثني الذي أسره الفرعون! أي تناقض وأي إسقاط هذا إلا التحريف المفضوح بالكتمان العمد؟
الدليل الثالث: ورد في العهد الجديد (الإنجيل) في بشارة متى (٢٧) في رواية قصة يهوذا الذي أسلم المسيح بثلاثين قطعة من الفضة ثم ندم وسلّمها لكهنة وشيوخ المعبد: ((٧) فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. (٨) لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم. (٩) حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل (١٠) وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب) ولكننا لا نجد هذه النبوءة في سفر إرميا! بل نجدها في العهد القديم (التوراة) في سفر زكريا (١١) في قصة ليس لها علاقة بشراء حقل فخّاريّ أو خزّاف: ((١٢) فقلت لهم إن حسن في أعينكم فاعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. (١٣) فقال لي الرب القها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذت الثلاثين من الفضة والقيتها إلى الفخاري في بيت الرب.) أما قصة شراء الحقل من غير ذكر الفخاري أو ثمن المثمن أو ثلاثين من الفضة فنجدها في إرميا (٣٢): ((٩) فاشتريت من حنمئيل ابن عمي الحقل الذي في عناثوث ووزنت له الفضة سبعة عشر شاقلاً من الفضة. (١٠) وكتبته في صك وختمت واشهدت شهودا ووزنت الفضة بموازين.
стр. 176
(١١) وأخذت صك الشراء المختوم حسب الوصية والفريضة والمفتوح (١٢) وسلمت صك الشراء لباروخ بن نيريا بن محسيا أمام حنمئيل ابن عمي وأمام الشهود الذين أمضوا صك الشراء أمام كل اليهود الجالسين في دار السجن. (١٣) وأوصيت باروخ أمامهم قائلاً (١٤) هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل. خذ هذين الصكين صك الشراء هذا المختوم والصك المفتوح هذا واجعلهما في إناء من خزف لكي يبقيا أياماً كثيرة.) ومن المعروف والمشهور أن سفر إرميا يمتاز بوجود الحركات الرمزية عند تدوين الأحداث، ومن هذه الأحداث الزيارة إلى الفخاري أو الخزّاف، والإبريق الفخاري المكسور، ولكن ليس فيها ما ذكر عن شراء الحقل من الفخاريّ! والغلط هنا حاصل لا محالة! وعليه فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول: لو قلنا بأن الإنجيل كُتب بوحي من الله وأن ما فيه هو الصحيح للزمنا القول بأن التوراة محرّفة وسفر إرميا ناقص، وقد أُسقطت منه هذه العبارة وجعلت في سفر زكريا من ضمن قصة أخرى ليس لها علاقة إلا في تطابق النص. والثاني: أن كاتب الإنجيل وقع في الوهم فنسب القول لإرميا لأن فيه قصة الفخاري وقصة شراء حقل كل منهما على حده وهو في الواقع قول لزكريا في قصة أخرى.
وكل هذا "وهم يعلمون"، فانظر في حواشي الكتاب المقدس، لتعرف أنهم يعلمون أنه محرّف ولكنهم يكتمون، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) آل عمران﴾
وبعد هذا البيان في أسباب التحريف والكشف عن بعض الأصول والأسس العميقة في بيان التحريف القديم والجديد والمتجدد، لا يبقى إلا أن نعجب من عِظَم الحكمة في ورود الحروف المقطّعة في أوائل السور، لتمنع هذا اللّغط وهذه الخلافات من أن تتطرق لكتاب الله وخاتمة الرسالات السماوية وشرع الله المتبع لأبد الآبدين.
стр. 177
الفصل السادس: الدليل والبرهان على ما في الحروف من إعجاز في نظم البيان
لتأصيل القول في هذا الوجه من الإعجاز، وهو الإعجاز بمقتضى ذكر الحروف وما فيها من دلالات وإشارات، باعتبار الدلالات كأصل أول، وبالنظر لهذا الكتاب على أنّه إلهيٌّ لا يتفق مع صنعة البشر كأصل ثاني، وأنه ما من شيء في كتاب الله مما استأثر الله بعلمه لنفسه، وهو الغاية من رسالة الإسلام الحنيف وهدف القرآن العظيم لبيان الدين والمنهج للبشر كأصل ثالث، تظهر لنا عظمة النظم الإلهي بذكر الحروف ضمن نسق لا إنساني على أي اعتبار، وبنظم مختلف عن الحال في الأبجدية كقولنا (ألف باء تاء)، وترتيب عجيب إذا جمعناها وأردنا استخلاص القواعد منها. فقد أتت هذه الحروف في بدايات بعض السور وكأنها مفاتيح لها، ولم تأت في أوسطها فيلزمنا فهمها لرد الإعجام عن القرآن، وجاءت مفصلة على أساس كلام العرب، "فكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك" (١)، وليس منها كلمة ألِفَتْها العرب، بل هي حروف لها معاني في مفردها، ولها دلالات عظيمة في مفردها وما جُمع منها في موقعه، وهذا أبلغ القول بل منتهى البلاغة في الكلام على الإطلاق، وبالنظر لنظم الحروف في بدايات السور نجد الإشارة واضحة على دعم هذا الفهم، وهو حاصل بالاستقراء أيضاً.
الباب الأول: محاولات فهم النص بحسب النظم
لنبدأ بأولى المراحل وأبسطها على فهم الإنسان، وهي السور المبتدئة بحرف واحد، وهي الخطوة الأولى لنلتمس الإشارة في النظم، وقد جاءت في ثلاث سور: (القلم، ص، ق)، وكلها مكية،
стр. 178
وكانت من أول ما نزل من القرآن، ووقف على بدء فقد أغنانا ذكر البعض من الحروف عن بيان السور المرادة لأنها أسماء للسور، وهذا من أعاجيب البلاغة، وهو من الأقوال المشهورة بأن فواتح السور أسماء لها، ولكن من غير تعميم فليست هي الغاية، فلنقرأ قول الله (ن والقلم وما يسطرون)، (ص والقرآن ذي الذكر)، (ق والقرآن المجيد)، ولنقرأ ما قاله المفسرون في محاولاتهم الجليلة لبيان معاني القرآن اعتماداً على اللغة وأقوال السلف، لنجد أنه ما من أحد منهم ينكر بأن الله أقسم بالقرآن في هذه الآيات وغيرها من المتبوعة بقوله تعالى (والقرآن)، هذا من ناحية التأويل بالمعنى (١)، أو من ناحية الإعراب (٢)، والاختلاف حاصل فيما سواه، كمقام الحرف الأول (ص، ق، ن) من ابتداء الكلام أو من القسم وجواب القسم، وذكر الرازي بعض وجوه الخلاف وقال: "فالأول: أنه مفتاح أسماء الله تعالى التي أولها صاد، كقولنا صادق الوعد، صانع المصنوعات، صمد، والثاني: معناه صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله، الثالث: معناه صد الكفار عن قبول هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ [النحل: ٨٨]، الرابع: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن، فدل ذلك على أن القرآن معجز، الخامس: أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهي المعارضة ومنها الصدى وهو ما يعارض صوتك في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه، السادس: إنه اسم السورة والتقدير هذه صاد، فإن قيل ههنا إشكالان أحدهما: أن قوله: ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ قَسَم وأين المقسم عليه؟ والثاني: أن كلمة (بل) تقتضي رفع حكم ثبت قبلها، وإثبات
стр. 179
حكم بعدها يناقض الحكم السابق، فأين هذا المعنى ههنا؟ والجواب: عن الأول من وجوه، الأول: أن يكون معنى صاد، بمعنى صدق محمد ﷺ ، فيكون صاد هو المقسم عليه، وقوله: ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ هو القسم، الثاني: أن يكون المقسم عليه محذوفاً، والتقدير سورة (ص والقرآن ذي الذكر) إنه لكلام معجز، لأنّا بيّنا أن قوله ﴿ص﴾ تنبيه على التحدي، والثالث: أن يكون صاد اسماً للسورة، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذي الذكر، ولمّا كان المشهور، أن محمداً ﵇ يدعي في هذه السورة كونها معجزة، كان قوله هذه ص جارياً مجرى قوله: هذه هي السورة المعجزة، ونظيره قولك هذا حاتم والله، أي هذا هو المشهور بالسخاء، والجواب عن السؤال الثاني: أن الحكم المذكور قبل كلمة ﴿بَلِ﴾ أما ما ذكره المفسرون كون محمد صادقاً في تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة ﴿بَلِ﴾ ههنا هو المنازعة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب، والله أعلم." (١)، ويقول الشوكاني: "وقيل: إن قوله: ﴿ص﴾ مقسم به، وعلى هذا القول تكون الواو في ﴿والقرءان﴾ للعطف عليه، ولما كان الإقسام بالقرآن دالاً على صدقه، وأنه حقّ، وأنه ليس بمحل للريب قال سبحانه: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ " (٢)، ويقول الشنقيطي: "اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه، وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط ... والذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن جواب القسم محذوف وأن تقديره ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ ما الأمر كما يقوله الكفار" (٣)، وهو ما اختاره إمام المفسرين الطبري
стр. 180
بقوله: "والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي قاله قتادة، وأن قوله (بَلْ) لما دلّت على التكذيب وحلَّت محلّ الجواب استغني بها من الجواب، إذ عرف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون: بل هم في عزّة وشقاق." (١) وعليه فهل نُخرج الحروف من هذا المعنى إذا قلنا "الله أعلم بمرادها"؟ أقول نعم، والأولى بنا ردها إلى أصلها كما ذكرْت، ونقول أقسم الله بهذه الحروف، وأقسم بالكتاب العظيم وأقسم بالذكر الحكيم، فهذا هو سياق النظم. وقد علمنا ما لذكر هذه الحروف من دلالات عظيمة، وعلمنا بأنها هي أصل الكلمات، وأسماء الله من هذه الكلمات، وتلك الحروف والكلمات هي أساس النظم في اللغة المختارة لحفظ التنزيل الحكيم بكتاب كريم لا يمسه إلا المطهرون، لا كغيره من الكتب، فتكون بحق موطن القسم الإلهي، ورغم أن هذا من الأقوال المشهورة في تأويل الحروف إلا أن تعميم التأويل على كل الفواتح لا يستقيم، ولكنه هنا هو الأصل، ولا أظن أحداً ينكر هذا القول أو يرده بعد البيان فيها، ولكن هذا ليس القصد، بل القصد تثبيت المعاني لهذه الحروف، ولن نصل للغاية في التأويل وبيان النظم إلا بالوقوف على كل المعاني المترابطة، واتباع العلماء في أسلوب الإيضاح، وهو وضع الكلام في معناه، وصياغة الكلام بنظم البشر لإيصال الفكرة مهما كان تأويل هذا الحرف في رأيهم، وذلك بحسب أصول اللغة وما فيها من إلزامٍ للكلام وسردٍ للمعاني كما يفعل أهل البلاغة، وذلك أيضاً تصديقاً لقول الله تعالى ﴿جعلناه قرآناً عربياً﴾، وفي بيان التصريف لأوجه تفسير حرف الصاد وما يتبعه يقول الإمام الألوسي: "وهو على بعض هذه الأوجه لا حظ له من الإعراب، وعلى بعضها يجوز أن يكون مقسماً به ومفعولاً لمضمر وخبر مبتدأ محذوف، وعلى بعضها يتعين كونه مقسماً به، وعلى بعض ما تقدم في القراءات يتأتى ما يتأتى مما لا يخفى عليك، وبالجملة إن لم يعتبر مقسماً به فالواو في قوله سبحانه: ﴿ص والقرءان ذِى﴾ للقسم وإن اعتبر مقسماً به فهي للعطف عليه لكن إذا كان قسماً منصوباً على الحذف والإيصال يكون العطف عليه باعتبار المعنى والأصل، ثم المغايرة بينهما قد تكون حقيقية كما إذا أريد بالقرآن كله و ﴿*بص﴾ السورة أو بالعكس أو أريد ﴿*بص﴾ البحر الذي قيل به فيما مر وبالقرآن كله أو السورة، وقد تكون اعتبارية كما إذا أريد بكل السورة أو القرآن على ما قيل، ولا يخفى ما تقتضيه الجزالة الخالية عن التكلف وضعف جعل الواو للقسم أيضاً بناءً على قول جمع أن توارد قسمين على مقسم عليه واحد ضعيف" (٢)، ويقول الطبري: "وكان بعض أهل العربية يقول: (ص) في معناها كقولك: وجب والله، نزل والله، وحق والله، وهي جواب لقوله (والقرآن) كما تقول: حقاً والله، نزل والله." (٣) ولا ننسى أن بعضاً من حروف الفواتح واثنتين من المفردة منها اعتبرت أسماء للسور وهي: (ص، ق) وعليها إجماع الصحابة والمسلمين، فكانت أسماء لهذه السور لأنها تميزت بها، ولم تُسمّ بها سورة القلم وفيها (ن)، وقد تكلم أهل العربية بجواز التسمية بحرف أو حرفين كسيبويه ومن نقل عنه ودرس على يديه، أما أهل البلاغة فيقول إمام البلاغة الزمخشري: "قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدّي والتنبيه على الإعجاز كما مرّ في أوّل الكتاب، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدّي عليه، كأنه قال: ﴿والقرءان ذِى الذكر﴾ إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون ﴿ص﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنها اسم للسورة، كأنه قال: هذه ص، يعني: هذه السورة التي أعجزت العرب، والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور