← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37350

القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور

إياس آل خطاب

Полный текст (231 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أيضاً (١)، وقيل إنه قول الشعبي والثوري والسند إليهم مفقود (٢)، ولو صح القول عنهم فالوجه الصحيح فيه يكون بمنزلة القول (الله أعلم بتأويلها) والسر في نظم القرآن لا في معانيه. الثاني: إنها حروف مقطّعة من أسماء وأفعال وكل حرف منها يؤدي عن معنى، وذلك تبعاً لما يروى عن ابن عباس في تأويل (الم) أي أنا الله اعلم، وفي (الر) أنا الله أرى، وفي (المص) أنا الله أفصّل، (٣) وهذا الأثر ضعيف، لعلّة في السند وعلّة في المتن، ولا يُحتجّ به وإن كثر ذاكريه من

стр. 72

المفسرين، "ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرف أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها" (١)، فيسقط قول من ادعى هذا وإن كان فيه وجه صحيح، لأن رواة الحديث ضعاف الحفظ وليسوا بمتهمين، وأغلب الظن أنهم نقلوا تعليقاً أو حاشية من كلام التابعين، لأن التابعين لم يكتبوا عن ابن عباس أصلاً، والتعليق بمجمله من غير نقص جاء لتأويل الحروف لا للدلالة على معناها، ومن قال بهذا الوجه فقد جعل هذا القول من باب تأويل الحروف، وأورد الحكمة منها متضمنة هذا اللفظ وإن كان فيه نقص أو ضياع في النص. الثالث: إنها أسماء للقرآن كالفرقان والكتاب، وهذا تبع لقول قتادة إن (ألم، وطس وطسم) "اسم من أسماء القرآن" (٢)، وهذا من الفهم السقيم للروايات الناقصة، فقد روي عن قتادة - بسند أصح - قوله بأنها "اسم من أسماء القرآن، أقسم به ربك" والقصد منه: أسماء هذه الحروف من مجمل أسماء القرآن، شرفها الله وأقسم بها، فكانت من الأسماء المذكورة فيه، وهو داخل في القول بأنها حروف مقطّعة، كما نقول اقرأ (يس) ونعني بها اسماً للسورة، ولا نقصد أن هذه الحروف كلها أسماء للسور على الإطلاق، أو نقول اقرأها ياسين (بالفتح) ونعني به اقرأها كالاسم لبيان الصواب من الإعراب فيها، وفي هذا قال ابن حجر: "عن قتادة قال: حم اسم من أسماء القرآن. وقال ابن التين: لعله يريد على قراءة عيسى بن عمر بفتح الحاء والميم الثانية

стр. 73

من ميم، ويحتمل أن يكون عيسى فتح لالتقاء الساكنين. قلت (أي ابن حجر): والشاهد الذي أنشد يوافق قراءة عيسى وقال الطبري: الصواب من القراءة عندنا في جميع حروف فواتح السور السكون لأنها حروف هجاء لا أسماء مسميات." (١) الرابع: أنها من أسماء الله أو اسم الله الأعظم، تبعاً لما يروى عن ابن عباس بأنها قسم ومن أسماء الله، (٢) ولما يروى عنه أيضاً وعن ابن مسعود ﵄ بأنه اسم الله الأعظم (٣)،

стр. 74

وحديث علي ﵁ أنه قال يا كهيعص اغفر لي. (١) وهذه الآثار ضعيفة ولا حجة فيها على المعاني، ليسقط قول من ادعى بأنها من أسماء الله أو من ادّعى بأن فيها من علم الغيب شيء، وتساهل في تسمية رب العباد بما لم ينص عليه وبحروف مقطّعة، فأسماء الله وصفاته من أدق معالم التصديق والانقياد في عقيدة المسلم، ولا تهاون فيها، فقولهم مردود لأن أي من الفواتح "ليس بمذكور في أسماء الله المعدودة، ولأن أسماءه تقدست ما منها شيء إلا وهو صفة مفصحة عن ثناءٍ وتمجيد، وحم (مثلاً) ليس إلا اسمي حرفين من حروف المعجم، فلا معنى تحته يصلح لأن يكون به تلك المثابة" (٢)، ويوهن هذا الفهم زيادة على وهن أسانيد مروياته، ما في الروايات من اختلاف في نقل ألفاظها. أما أقوال ابن عباس في (كهيعص) قال: كبير يعني

стр. 75

بالكبير: الكاف من (كهيعص) (١) أو"كاف هاد أمين عزيز صادق" (٢)، وما في مقامها من ذكر لأسماء الله فهي صحيحة بمجموعها لا برواية دون أخرى، وكثرة الروايات واختلاف المتن من سند لآخر لا حجة فيه بمجموعها على المعاني المباشرة للحروف وإن كانت صحيحة، لأنها متناقضة ولا تتفق في الأسماء - حتى في نفس الرواية - والحجة فيها مبنية على الوجه الصحيح المقصود من مجملها وهو القول التالي. الخامس: إنها حروف من هجاء أسماء الله، وهو الوجه الصحيح من القول السابق لتأويل الحروف، أي أنها ذات الحروف المنطوقة في أسماء الله، وكفاها شرفاً. وهذا الوجه يعضده مجموع ما روي عن ابن عباس في (كهيعص) وما جاء عنه وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب

стр. 76

النبي ﷺ قالوا: أما "ألم" فهو حَرف اشتُقَّ من حروف هجاء أسماء الله جلّ ثناؤه." (١) وإن كان ضعيفاً، أي أنها ذات الحروف المنطوقة في أسمائه، ويبينه ما روي ابن عباس "في قوله: الم وحم ون، قال: اسم مُقطَّع" (٢) أو " (الر) (حم) (ن) حروف الرحمن مقطّعة"، والحجة فيها ليست على

стр. 77

التأويل بل على المعاني الظاهرة وأنها حروف مقطّعة وهو قول الجمهور، والمتن لم يزد عن المكتوب في القرآن شيئاً، لأنه كان بياناً للمكتوب، فكل الحروف المقطّعة من مفردها إلى خمستها أخذت حكم الأسماء المقطّعة في الكتابة، فهذا حكمها لا تأويلها وليست بدليل على قول من ادعى بأنها أسماء مقطّعة ويجب أن نجمعها لنفهمها. ولا ننسى بأنها كانت في زمانهم حروف معجمة (مبهمة) من غير تنقيط، وخير بيان لها هو بذكر أشرف الأسماء الظاهرة فيها، ويدل عليه ما جاء في الروايات من قوله في كهيعص هذا الحرف من ذاك الاسم، باختلاف الاسم مع الاتفاق على ذكر الحرف فيه، وهو ذات المعنى في الظاهر كما أسلفت، ويتماشى مع قولهم بأنها اسم، أي تقرأ كالاسم ولا تصرف، وكل هذا لبيان القراءة ومطابقتها مع الكتابة في القرآن، وفي هذا القول إشارة عظيمة سآتي على ذكرها عند الكلام عن دلالات الإعجاز. السادس: ما قاله التابعون بأنها فواتح يفتتح الله بها القرآن (١)، وزاد بعضهم بأنها فواتح لقرع الأسماع وتنبيه لمغايرتها عرف العرب، (٢) ويخرج من هذا القول من قال بأن هذه الفواتح علامة

стр. 78

انقطاع بين السور، وعلامة ابتداء لسورة أخرى كما كان العرب يقولون في بداية أشعارهم (بل) و (لا بل)، فهذا الاستدلال باطل، وقد قال به من ردّ على القائلين بأن هذه الحروف إن كانت فواتح فهي بلا معنى، فاستشهدوا بفواتح الشعر وبغيرها من الشواهد كما قال الأخفش بعد ذكر الشواهد: "فهذا يدل على أن الوجه الأول (أي أنها فواتح) لا يكون إلا وله معنى. لأنه يريد معنى الحروف" (١)، فلا نحمل التابعين ما لم يقولوا، فقد قالوا بأن الحروف التي هي فواتح السّور حروفٌ يستفتحُ الله بها كلامه، ولم يزيدوا ولم يشرحوا بأكثر من ذلك (٢). ومن قال بهذا القول فلا بد له من تفسيرها كحروف مقطّعة كما فعل قطرب والأخفش، وقد سبق قولهم بأنها حروف مقطّعة لا أسماء للسور، وكذلك فعل النحاس - وهو اختياره- فقال: "ثم يتأوله أهل النظر، على ما يوجبه المعنى"، وفي هذا القول وجه حسن سآتي على ذكره لاحقاً. السابع: ما قاله أهل البلاغة بأن فيها إعجازاً في النظم لكونها بالمجموع تمثل نصف حروف الهجاء، وتحتوي على أنصاف صفات الحروف للدلالة على باقي الحروف، (٣) وعدم الحجة في هذا القول أنّ فيه إلزاماً لسماعها بعد جمعها، وهذا بعيد عن إقامة الحجة على سامعيها الأوائل،

стр. 79

ومن قال به وجب عليه الاعتراف بتفسيرها كحروف، إذ هو وجه الإعجاز فيها عنده، وهذا القول فيه وجه حسن على الدلالة في نظم الحروف كما سأبين عند الحديث عن الإعجاز في دلالات الحروف. الثامن: ما قاله المحققون بأنها من حروف المعجم أساس نظم القرآن، وجاءت إعجازاً للعرب عن صياغة مثله بها (١)، وهو كما قال قطرب: "هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم" (٢)، وهذا التحدي المزعوم في كلام المحققين قد أتى في القرآن ظاهراً بالنص، فلا يكون التحدي بذكر الحروف فقط، ومن قال بهذا الرأي فقد فسّرها كحروف، وهو ما اختاره ابن كثير وجمع غفير من المحققين، وفي قولهم هذا وجه حسن سآتي على ذكره عند الحديث عن تأويل الحروف وما فيها من دلالات على الإعجاز في النظم. التاسع: الوجه الصحيح من هذه الأقوال ومما جاء في الآثار وقفاً على التابعين أو نقلاً عن ابن عباس وغيره من الصحابة، بصورة مكملة لبعضها، وتتماشى مع المروي عن الرسول ﷺ بتناسق مع نظم القرآن وما فيه من إشارات ودلالات على الإعجاز كما يليق به ككتاب منزل من الله، لا كما جاء في كثير من الروايات من تناقض بين بعضها من جهة، وبينها وبين أقوال أهل العربية من جهة أخرى، وهذا الوجه الصحيح يشتمل على أقوالهم جميعاً من غير تناقض، ومن غير مخالفة للمعقول والمنقول الصحيح، ولا سبيل لمعرفة هذا الوجه إلا بالاستقراء وتدبر القرآن،

стр. 80

وليس بجمعها، إذ ليس في أي من الأقوال حجة قوية على استخلاص المقاصد وتفردها بما في الفواتح من حكمة، ولا تقوم إحداها إلا بعضد الأخرى أو ضدها، كما أن أقوال أهل العربية ليس في أي منها حجة، لمخالفة الحروف أصل المعروف من كلام العرب - وهم من أقر بهذا - وإن كانت هذه الفواتح كما نعلم من حروف العرب، وأهل العربية حجة في بيان أصول النحو والصرف والبلاغة وأصول البيان، لكنهم ليسوا بحجة في تأويل كلام الله إذا لم يوافقوا هذه الأصول. كيف لا وقد جاءت هذه الحروف بنظم لم يأت به أحد ولم يقله إلا الواحد الأحد، ولم يكن هذا النظم للمخالفة أو لإعجاز الناس عن فهمها، بل لأن فيها بَيَاناً لم ينسبه أحد لنفسه من قبل ومن بعد - كما سيظهر لنا إن شاء الله - أما غير هذه الأقوال فلا حجة فيه البتة لعدم ثبوت الدليل القاطع والفكرة الواضحة ممن يعتد بقوله. الباب الثالث: حصر الأقوال فيما خص بعض الفواتح أما الأقوال فيما خص بعض هذه الفواتح كقول ابن عباس ﵁ عن (ن والقلم وما يسطرون): النون هي الدواة (١)، أو النون هو الحوت (٢)، فهذه آثار ضعيفة وهالكة ولا حجة

стр. 81

فيها، وإن كانت تروى عن بعض التابعين، فقد صح عن قتادة والحسن البصري قولهم هي الدواة، وقولهم له وجه صحيح، ولكنه بعيد عن تأويل الحروف، وهو من باب البيان لتتابع المعاني في النظم، وتتابع القسم على أكثر من مقسم به، وسآتي على ذكره عند الكلام عن الإعجاز في النظم. أما قول ابن عباس في (طه) و (يس) هي بمعني يا رجل بالنبطية أو السريانية

стр. 82

أو الحبشية فموضوعة وقد سبق ذكرها، وقد ثبت أنها من أقوال بعض التابعين، فقد روي عن عكرمة أنّه قال (طه) هي كقولك يا رجل بالنبطية، وفي رواية عنه أنها بالحبشية، وفي رواية عنه أيضاً أنها بمعنى يا رجل فقط (١). وروي عن الضحاك أنّه قال هي بالنبطية وفي رواية عنه أنها يا رجل فقط، (٢) وروي عن قتادة قوله أنها بالسريانية، وفي رواية أنها يا رجل فقط. (٣) وروي عن سعيد بن جبير أنّه قال هي بالنبطية، وفي رواية أنها بالسريانية، (٤) ويروى عن عكرمة أيضاً أنّه قال في (يس) هي يا إنسان (٥). وقد تحدث في هذه الروايات بعض العلماء، ولم يرجحوا إحداها على الأخرى، لما فيها من اختلاف لا يخفى على الأطفال، فهذه الروايات صارت بحاجة هي للتأويل ولم تكن بحال من الأحوال من البيان أو التفسير، لذلك اكتفى البعض من أهل التفسير بردها جميعا والقول بأن طه ويس حروف من حروف الهجاء وليست باسم ولا نداء، وهو الظاهر من الحروف والأصل فيها، وما لا ينقله عن ظاهره قول من لا حجة في كلامه. وعدم الخوض في هذه الروايات كان للبعد عن الريبة، وإتباعا لقول الرسول ﷺ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أردنا الجمع بينها

стр. 83

وبين التأويل في هذه الأقوال، وإيجاد تأويل لها وليس ما حملته من تأويل، فنقول: إن أغلب الروايات عنهم تقول إنها كقولك يا رجل، وزادوا بأنها بالنبطية أو بالسريانية أو بالحبشية في (طه)، ويا إنسان في (يس)، ولو حملناها على المعنى فلن يستقيم التأويل لأربعة أسباب، الأول: أنها لا تعني يا رجل لا بالسريانية ولا بالحبشية ولا بغيرها من اللغات، فرجل بالسريانية مثلا (جبرا)، وكذلك بالحبشية لا تعني يا رجل، ولا بالنبطية كما سيأتي، والثاني: أنها لو كانت اسماً أو نداءً لما سكت عليهما - أي يس وطه - وهو جائز عند الجمهور، ومعلوم أن النداء لا يوقف فيه على المنادى أما القسم فيوقف عليه، والثالث: ما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (١) أنّه لا ينبغي أن يكون اسماً؛ لأنه ساكن ولو كان اسما لدخله إعراب، والسكون قراءة الجمهور أيضاً، بل هو المحفوظ في المصاحف اليوم، أما الرابع: فإن علماء العربية قالوا بأن من قرأ طه بالكسر كما عند الكوفيين، ألزمه بأن يفسرها كحروف، أما من قرأ بالفتح فجاز له أن يقول هي بمعنى يا رجل، وهؤلاء التابعين من سكان الكوفة والبصرة! وقراءة البصريين والكوفيين بالكسر لا بالفتح، فإن قلنا بأنهم قصدوا تفسير الحروف رميناهم بالكذب، لأنها لا تعني يا رجل بأي من هذه اللغات، ولأنهم خالفوا أنفسهم فيما ثبت عنهم، فمرة قالوا هي بلغة كذا ومرة بأخرى وهم أئمة ومنارات للعلم، وهم ثقات عند أئمة الحديث، فيبقى أنهم قصدوا أمراً من اثنين لا ثالث لهما: الأول: إنهم قصدوا بقولهم بيان القراءة في طه ويس، كأنك تقول طا ها يا رجل، لبيان حذف الهمزة، أو يا سين من يا إنسان، وليس من هاء يا رجل بالكسر أو يائس بثبوت الهمزة على الصحيح من هاؤم يا رجال وهاؤنّ يا نساء وهاءِ يا رجل وهاءِ يا امرأة بهمزة مكسورة، وهي قراءة الجمهور بفتح الطاء والهاء، وهذا بعيد لأنهم من أهل العراق، ومن سكان الكوفة والبصرة، وقراءة البصريين والكوفيين بالكسر لا بالفتح على المشهور بينهم، والفتح فيهما (أي طه ويس) قراءة نافع إمام القرّاء المدني برواية قالون قارئ المدينة، وقراءة القاضي ابن كثير المكي وعنه البزي إمام الحرم المكي وقنبل المكي، وقراءة الإمام القاضي عبد الله بن عامر الشامي وعنه الإمام المحدث هشام بن عمار الدمشقي وإمام جامع دمشق ابن ذكوان الدمشقي، وهي إحدى قراءتي عاصم ابن أبي النجود الكوفي من رواية حفص نزيل مكة عنه، أما قراءة ورش القيرواني مقرئ الديار المصرية ونزيل المدينة عن نافع فكانت بفتح الأولى وكسر الثانية وهي بموافقة نافع لا قراءته. الثاني: إنهم قصدوا بيان القراءة بلهجة النبط، والنبط هم كما قال ابن حجر: " أهل الفلاحة من الأعاجم؛ وكانت أماكنهم بسواد العراق والبطائح، وأكثر ما يطلق على أهل الفلاحة، ولهم فيها معارف اختصوا بها، وقد جمع أحمد بن وحشية في "كتاب الفلاحة" من ذلك أشياء عجيبة" (٢)، وابن وحشية "كلدانيّ الأصل، نبطيّ. من أهل قسين (كورة من نواحي الكوفة) " (٣)، وهو منهم وقام بنقل علومهم من الكلدانية للعربية، وهم غير العرب الأنباط سكان البتراء وأصحاب الحروف النبطية، ولغة السريان والكلدان تجمعها صفة "اللهجات الآرامية"، وتجمّعاتهم كانت في العراق وبلاد الشام، فالكلدانية لهجة محكية في نينوى والموصول وبغداد والبصرة في العراق، والسريانية محكية في بعض أجزاء العراق، وفي بعض المدن في بلاد الشام، وإذا نظرنا لهؤلاء الأئمة وجدناهم إما من سكان العراق، وإما من أهلها، فالضحاك كان

стр. 84

يسكن ويحدث في الكوفة، وعكرمة مولى عبد الله ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء والياً على البصرة، وسعيد بن جبير كان يحدث في الكوفة، ولما ذهب لأصبهان لم يحدث فيها، وعندما عاد للكوفة حدث من جديد، وقتادة بصري الأصل ومن أهل البصرة، والحسن البصري أيضاً، (١) واللهجة المقصودة كانت كما تقول ها يا رجل بكسر الهاء، ويقصد منها النداء، واستعملوها في التقريب لوضوح الإمالة فيها، كما في بعض اللهجات العربية العامية الآن في قولهم "هي يا رجل" بكسر الهاء، وهي واضحة في قولك يا رجل باللغة الحبشية بشقيها الأمهري والتقراي، فالأمهري يقول (أتّا سويّي = يا رجل بالمبالغة في إيضاح الكسر) والتقراي يقول (أتّا سبعاي= يا رجل مع إمالة الألف) واللغة الأمهرية الحبشية هي لغة أثيوبيا اليوم ولغة الحبشة قديماً، وتكتب بخط مشتق من خط المسند الحميري المعروف، ولو أردت كتابتها بالحروف العربية لما استقامت إلا ببيان اللفظ، إما بالنطق أو بضرب مثال من لهجة سائدة، وكذلك الإمالة في طه، وقد "قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما." (٢) وأبو عمرو النحوي المقرئ بصري، وعنه أبو عمر الدوري من العراق، والسوسي من الرقة في العراق، وحمزة الكوفي وعنه خلف وخلاد الكوفيين، والكسائي كوفي وعنه الليث أبو الحارث البغدادي والدوري أيضاً، وأبو بكر هو شعبة الكوفي عن أبي بكر عاصم بن أبي النجود شيخ القراء الكوفي أيضاً، ورواية شعبة عن عاصم هي المعتبرة والمشهورة عن عاصم عند العلماء المتقدمين، والموافِقة لقراءة الكوفيين عموماً، وهي قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود بالكسر، أما قراءة حفص الكوفي نزيل مكة ومقرئ الكثير من الديار فهي قراءة عاصم عن عبد

стр. 85

الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب بالفتح جميعاً، ولم تكن مشهورة عن عاصم لا في العراق ولا في الكوفة أو البصرة، (١) إذن فأهل الكوفة يقرأون طه بالكسر في الحرفين، وأهل البصرة يقرأون بالكسر في الهاء، ولا سبيل لبيان تلك القراءة إلا ببيان اللفظ باستعمال أقرب اللهجات المشهورة بالإمالة إليهم، وهي لهجة النبط أو السريان في وقتهم، لأن الإمالة واضحة فيها. وهذا هو الراجح وما أرادوه ﵃، وما يتوافق مع قول أهل العربية وواقع القراءة عندهم، ومعلوم أن كثيراً من العلماء أنكروا شيئاً من قراءة الكوفيين، كقراءة حمزة والكسائي، لما فيها من إفراط في الإدغام والإمالة، بل لأنها امتازت بها، وكذلك أنكر كثير من أهل العربية الإمالة في (طه)، "قال النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: الأولى أنّه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة" (٢)، ولا ننسى بأن هؤلاء الأئمة كانوا يبلغون الحديث والقرآن وما فيه من قراءات، وكان في وقتهم من لا علم له بالعربية ونحوها، ولا سبيل لبيان ألسنة العرب لهم إلا بالتوضيح والتشبيه، والله أعلم. ولبيان ذلك بالمثال أقول: لنفرض أن أحد التابعين يُبلّغ قراءة القرآن بما يوافق قراءة حمزة، وكان في إحدى المدن في جنوب بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية، وأراد توضيح الإشمام في الزاي عند قوله تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أو قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] أو قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] لقال: هي كقولك "الزراعة" بلغة الفلاحين، لأنهم في تلك المنطقة يقولونها بالإشمام التام لا

стр. 86

هي زاي ولا هي صاد، وكتب الناس عنه ما قال "هي كقولك الزراعة بلغة النبط" أتكون بأي حال من الأحوال تفسيرا للصراط، وأصدق، وهم المصيطرون؟ كلها على زرع وزراعة؟ والكثير من الأمثلة التي لا حصر لها. ومن قال بأن معناها يا رجل، وهي بلغة بني عك أو بني عكل أو بني طيء من قبائل العرب، ونسب إليهم شعراً فقد شذّ ووهم، ولا حجة في كلامه أو شعره، والسند في الكلام كالسند في الشعر، وخاصة ما كان من شعر الشواهد (١)، وبعد هذا التحقيق يسقط ويهلك قول من ادعى بأن الحروف تدل على معاني مباشرة، كما في بعض الروايات من أكاذيب قالها أصحابها ليشتهروا بها، أو مما كان في بعضها من أوهام الرواة أو أقوال منسوبة للمفسرين من تابعين وأتباعهم برأيهم وبحسب قصدهم لا بفهم الرواة. وقد كثرت الروايات في الحروف المقطّعة لأنه لم يكن فيها تأويل معتبر ومنقول عن الصحابة ﵃، فنقل الرواة كل ما جاء فيها من روايات تبين وجوه القراءة ووجوه الكتابة، ظنّاً منهم أنها تفيد التأويل، وخاصة هذه الروايات في نسبة الحروف للغات أخرى، وما كان منها منسوب لابن عباس، وقد نقل هذه الروايات بعض المفسرين القدماء مثل ابن جرير الطبري وابن ابي حاتم الرازي، فحدثوا بها خوفاً من فقدان المعلومة وإن كانت ضعيفة، ولم يجدوا فيها بأسا لأنهم قاسوا السند على ما صح عن التابعين، وقاسوا المتن على ما صح في غيرها من الكلمات المعرّبة المعروفة من اللغات الأخرى في القرآن، ونقل عن هؤلاء الكثير من المفسرين المتأخرين كالقرطبي وابن كثير وغيرهم،

стр. 87

وقد تنبه لهذه الأخطاء علماء اللغات من أهل الكفر، فجعلوها مدخلا للطعن في القرآن، والمحزن أن يتبعها البعض من أهل الإسلام من غير تحقيق وتمحيص في الآثار وعلوم القرآن طلبا لما وراء المجهول من تخرّصات وأوهام، ليشتهروا بها أو ليَظهروا مظهر المدافع عن القرآن، فساء ما كانوا يفعلون، ولو كان في هذه الروايات ما تطمئن إليه النفس لما وجدنا علماء التفسير حائرين - وهم من روى هذه الآثار - في تفسير ذات الحرف أو الحروف، ولو كانوا على يقين من صحة الأحاديث المروية عن ابن عباس أو غيره في هذا الباب لما تركوها ليذكروا حديثاً ضعيفاً آخر أو موضوعاً طلباً للمزيد، وبالتالي قالوا كما قال ابن جرير إنّ لكل واحدة منها وجه صحيح والله أعلم، فتنبه لهذا، ومن أراد التأمل فيها فليقرأ من التفاسير ما اقتصر على الصحيح من روايات الصحابة والتابعين وقلّت فيه الروايات الضعيفة، ومن أراد البحث والتمحيص فليقرأ كتب المفسرين الأوائل وما جاء فيها من آثار مع الرجوع لكتب أهل الحديث أو ما اقتصر منها على أسانيد المفسرين وتحقيقها. ويتبين لنا بعد هذا التحقيق أيضاً، بأن كل علم من علوم القرآن أو علوم الحديث كان له رجاله وفرسانه، وقد يعيب أحد الطرفين على الآخر بعدم الدراية في علمه، كما عاب أهل الحديث وأهل العربية على بعض القراء كالإمام نافع لعدم درايته بالعربية ونحوها وبعلم الحديث وروايته، وهو إمام وقراءته سنه كما قال عنه الإمام مالك، وما وجدناه هنا يعيب على بعض أهل الحديث عدم درايتهم بعلم القراءات أيضاً، بإيراد هذه الروايات مع اختلافها في أبواب التفسير وهي ليست من التفسير كما فعل الإمام أبو بكر ابن أبي شيبة، وقد كان بحراً من بحور العلم، وبه يضرب المثل في قوة الحفظ كما قال عنه الذهبي، وفيه قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "انتهى الحديث إلى أربعة: إلى أبى بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي

стр. 88

ابن المديني، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقهم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به." (١) وهذا الخطأ ليس بنقيصة في حقه ولا في حق غيره، لأن الغاية عندهم كانت أسمى وأعظم، وهي نقل المعلومة إلينا كما سمعوها من غير زيادة أو نقصان أو حتى تغيير، سواء كانوا من أهل القراءات أو من أهل الحديث وأهل اللغة، ومنهم من كان مقرئاً ومحدثاً وإماماً، وكان يحكم على القراءات وهو عالم بالرجال فصيح اللسان، ومنهم من كان من فرسان علم دون سواه ولا يشق له غبار فيه، وهي بالتالي علوم يكمل بعضها بعضاً، ولا ينقض بعضها بعضاً بأي حال من الأحوال، ليستبين لنا أن شرط التأويل السابق الذي شرطه العلماء بأن يوافق التأويل مجمل القرآن وعلومه، كما يوافق الحديث وعلومه، هو شرط صحيح كما هو شرط الموافقة لما تبين وصح من علوم العربية وأصولها، ولا يكون هذا الشرط على إطلاقه بأن يكون المفسر عالماً بكل هذه العلوم فهذا من المستحيلات، وما لا يدرك بعمر واحد، ولكن المراعاة والموافقة هي المشروطة بينها. الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال أما من قال بأن هذه الحروف تحمل في معانيها من كل قول من الأقوال السابقة شيئاً، وأن هذه الأقوال بمجموعها تدل على المعاني الواسعة للحروف، فهذا وهم، وهو من عدم التفريق بين التفسير والتأويل، وهذا الخلط هو المنبع الأساسي لشبهة لغوية وأخت لها فقهية، أما اللغوية فقد كانت خفيه، وأتت متأخرة نظراً لتأخر ظهور المدرسة الرمزية في الفنون والآداب، والتي يقاس المتمكن فيها على بعد المسافة أو قربها من المعاني المباشرة لكلمات نصوصه أو منتجاته الفنية، والشبهة هي قول بعض المتّبعين للرمزية المبهمة أو بعض المشككين في الرمزية، أن الكلمات لا

стр. 89

تحمل المعاني وإنما السياق من يفعل، واستدل أصحاب هذه الشبهة بكلمات كثيرة منها قوله تعالى في سورة (ص) ﴿وظن داوود﴾، فقالوا جاءت ظن بمعنى علم وأيقن، وهذا من سوء فهمهم لمقاصد القرآن - وهذه الآية من مفاصل البيان لما في الحروف المقطّعة من تأويل وإيضاح للمقاصد، كما سيظهر عند الحديث عن إشارات الإعجاز فيها - فالظن هو "التَّرَدُّدُ الراجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقَادِ الغيرِ الجازِمِ" (١)، و"يدلُّ على معنيينِ مختلفين: يقين وشكّ" (٢)، "إلّاَ أَنه ليس بيقينِ عِيانٍ، إنما هو يقينُ تَدَبُّرٍ، فأَما يقين العِيَانِ فلا يقال فيه إلاَّ علم" (٣)، وقد جاءت المعاني الثلاث: الشك والظن واليقين في نفس السورة وفي نفس السياق بقوله تعالى (بل هم في شك من ذكري) وبعدها بآيات في سياق الرد عليهم جاءت (وظن داوود) فإن نظرت بعين التدبر وجدت أن (بل) من الله تفيد اليقين والعلم التام، و (هم في شك) تفيد الريب والاتهام، وهو نقيض اليقين التام، والظن بينهما وهو إلى اليقين أقرب. وكذلك كل كلمة في اللغة تحمل معنى أوحد بذاتها تدل عليه بظاهرها، منفردة به عن سواها كما هو الحال في هذه الحروف، لأنه بانعدام هذه الحال تختلط الوظائف اللغوية للكلمات، مما يسبب نقل معنى النص المحتوي على الكلمة ليكون محتوياً على رمز مبهم، وبالتالي نقر بوجود الإبهام والإعجام في القرآن إن قسناه على غيره من النصوص، وذلك لانعدام الرابط بين المدلول اللغوي وأداة الكلام المستعملة، ولا أعني مطلق الرمز وما بنيت عليه الرمزية، فهي مذهب واسع وبحر زاخر لا مجال للخوض فيه هنا، ولكنني أقول: حتى أرباب الرمزية في النصوص النثرية والشعرية لم يجيزوا استعمال الرمز اللغوي منفصلاً عن دلالته اللغوية بشكل تام، وإن حسنوا بعد المسافة الدلالية للرمز عن المعنى

стр. 90

المباشر، لأن الانفصال يفقد السياق عنصر المعرفة ويذهب به إلى الإبهام التام، وهو ما لا سبيل لمعرفته إلا بكونك القائل، وهذا نقيض الرمزية أصلاً، إذ هي في الأساس قامت على الإيحاء بما لا تستطيع المعاني المباشرة ولا التراكيب التقليدية أن توصله من المخاطب إلى القارئ والسامع، ولو لم تكن هناك علاقة بين المعنى والدلالة لجاز لنا استعمال الكلمات اليونانية في نص نخاطب به العرب، ولو جاز لنا ذلك وقال البعض بجوازه لقلنا هو رأيكم ولكن لا حجة لكم على المخاطبين إن لم يفهموا، بل أنتم ملومون، لأنكم قصدتم الإعجام والتعمية والإبهام، فرموزكم تستعمل في الفنون، ونقرها نحن في الأحلام لا في البيان والأحكام وما تقتضيه من إيضاح وإفصاح وإفهام، ولو كان جبران خليل جبران أو بودلير (الشاعر الفرنسي رائد الرمزية في العصر الحديث) نذير قوم لما قالا بيتاً فيه الربيع والحزن، وقصدا بهما النصر والهزيمة، ليس لاستحالته رمزياً ولكن لأن الكلمات تحكمها المقاصد الفعلية من الكلام، ويُظهر صدق غايتها وسوية قائلها السياق، والسوي ينأى بنفسه عن السفاهة والكذب الظاهر. ولهذا السبب أنكر كثير من العلماء القول بالرمزية في القرآن، لأنها تعبّر عن مذهب فكري ومدرسة أدبية لا حدود لها، بل هي تمتاز باللّا محدودية في طرح الأفكار والحواس بعبارات غامضة، ولولا الغموض فيها لما كانت رمزية، والحق والصواب أن الرمزية على إطلاقها ليست في القرآن، فإن كان لها ضوابط وقصدنا بها الكناية أو التعريض بالإشارة فهي من ميّزات الوحي الإلهي، ولولا هذه الحقيقة لما أمرنا رب العزة بالتأمل والتدبر في آياته، ومن قال بأن القرآن ليس فيه رمزية بهذا المعنى فقد جهل، والعبرة بالمسميات والمصطلحات، وهي ترتبط كما يقول مؤلف كتاب "دليل الناقد الأدبي" بتفسير وتقويم المصطلح قبل إطلاقه، أو "وضع المصطلح في سياقه الثقافي والتاريخي؛ أي تأطيره ضمن حدوده الدلاليّة التي نشأ فيها لكي تتمّ الإفادة منه بوعي بما نشأ للدلالة عليه. وهذا الجانب مغفل، أو شبه مغفل، في الكتب المشابهة سواء العربيّة أو الغربيّة، العربيّة لأنّ أكثر الباحثين العرب يرى أنّ قصارى ما يمكن للباحث العربي أن يفعله هو أن ينقل ويجيد النقل. فتقويم الأعمال التي تترجم أو تعيد تقديم المفاهيم والنظريّات والعلوم المختلفة يقاس عادة بمعيار الدقّة ومدى الانضباط وليس الاستقلال الحضاري أو الثقافي الذي يعرِّف ويقوِّم في الوقت نفسه." (١) فالرمزية بمعنى الكناية والتعريض ركن أساسي في فقه الأصول وسعته، ومن شذ في إطلاقها - أي الكناية والتعريض - ظهرت عنده الشبهة الفقهية، وهي الشبهة الثانية، فقد كانت بسبب الأولى وظهرت قبل ظهورها الفعلي، وهي قولهم بجواز استعمال اللفظ المشترك بجميع معانيه، من غير التفصيل بين المعاني الحقيقية والمجازية، وذهبوا للعمل بها جميعا كمعاني حقيقية، وقد استدل بعض الأصوليين على استعمال اللفظ المشترك بجميع معانيه بآيات منها قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فقالوا إن الصلاة من الله ثناء ورحمة، ومن الملائكة استغفار، وهذا قول هالك، فالصلاة ثناء على الأصل كما في معناها اللغوي كتفسير، وليس فيها تأويل يصح ولا تفصيل موزون من غير دليل، فنقل الظاهر بحاجة إلى قرينة أو دليل، وهو معدوم، إلّا إن كان الدليل هو محض الرأي أو سعة الخيال كما هو الحال في الرمزية الشعرية، وهذا كله من عدم التفريق بين التفسير والتأويل. (٢) "ولهذا قيل: الإشارة من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح، فمنه ما يكون موجباً للعلم قطعاً بمنزلة الثابت بالعبارة، ومنه ما لا يكون موجباً للعلم وذلك عند اشتراك معنى الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادا بالكلام. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ... الآية ١٥ الأحقاف﴾

стр. 91

فالثابت بالعبارة ظهور المنة للوالدة على الولد لأنّ السياق يدل على ذلك، والثابت بالإشارة أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر، فقد ثبت بنص آخر أن مدة الفصال حولين كما قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ... الآية ١٤ لقمان﴾ فإنما يبقى للحمل ستة أشهر، ولهذا خفي ذلك على أكثر الصحابة ﵃ واختص بفهمه ابن عباس ﵄ فلما ذكر لهم ذلك قبلوا منه واستحسنوا قوله" (١). وعليه فالكناية والتعريض ثابتة بالإشارة من ظاهر النص ومراده به، ولكن ظاهر النص لم يأت لها بسياقه، وصلى الله وبارك على نبيه وآله وصحبه ورحم علماء الأمة وتغمدنا بفضله وكرمه وأرشدنا سواء الصراط.

стр. 92

الفصل الثالث: إشارات الإعجاز في فواتح السور إن المتمعن في التفاسير وفي أقوال أهل اللغة يصير في حيرة من مضمون الحروف ومعناها وما جاء فيها من دلالات وإشارات في تأويلها، سواء كانت على أصلها أو حملت ما هو أكثر من معانيها الثابتة، وأقول إن حقيقة البيان لا تعرف إلا بإتباع الطريق الصحيح في التأويل لأي آية في كتاب الله، وهو أن نأخذ بما جاء في تأويلها مما ورد في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وكلام الصحابة رضوان الله عليهم وكلام التابعين وما جاء في كلام العرب، مراعين لواقع المخاطبين من خلال ما ذكره القرآن وذكرته الأحاديث وآثار الصحابة الكرام وما تحصل لدينا من علم بالتاريخ والآثار، لفهم واقع التنزيل وحال المتلقين كما هو، وهذا هو الحق في التأويل، أما ما كان فيه اختلاف واضطراب من أقوال التابعين ومروياتهم عن الصحابة فالمرجع فيه إلى الميزان الحق، بكفّتيه صحيح النقل وصحيح لغة العرب لنضمن البيان الصحيح، بعكس من شذ عن الطريق في تأويلها، مع الأخذ بأسباب الخلاف المذكورة سابقاً لفهم القرآن. وبما أننا قررنا بأنها من آيات المحكم لما فيها من مخالفة للمعروف من كلام العرب، ولانتفاء التشابه بينها وبين غيرها من الكلمات، ولانتفاء وجود الإشكال في فهم ظاهرها بحسب ما بينها رسول الله ﷺ بقوله (لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) أي أنها حروف، وتدل على مسميات الحروف أو حروف الكتابة، وكان تفصيلها من الرسول ﷺ "تنبيهاً على أن المعتبر في عدد الحسنات: الحروف المقروءة التي هي المسميات سواء كانت أجزاء لها أو لكلمات أخر" (١)، ولا يكون الهجاء إلا لبيان الحروف أو لتعليم الكتابة، "ولذلك حين تريد أن تختبر واحداً في القراءة والكتابة تقول له: تهج حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق أسماء الحروف؛

стр. 93

عرفنا أنه يجيد القراءة والكتابة." (١) ولأنها من المحكم سيكون بيان المقاصد فيها محكوماً بأصول التفسير وعلوم القرآن وأصول علم الحديث، وهذا ما تتبعناه سابقا لبيان الحق في معناها وتفصيل الأقوال في تأويلها بحسب الآراء، ويبقى أن نعتبر المقاصد فيها وكأنها بيان للأحكام الواردة في ظاهر النص، دون قياس أو محض رأي، لأن القياس مع الفارق باطل فكيف بانعدام الشبه، والقول بالرأي مخالف لكل الأصول السابقة. وعليه فهذه المقاصد لا تثبت إلا من أربعة وجوه كما قرر أهل الأصول في الأحكام الثابتة بظاهر النص (٢)، وهي: الثابت بعبارة النص، والثابت بإشارته، والثابت بدلالته، والثابت بمقتضاه. ولبيان هذه الأصول نضرب مثالاً عظيماً من آيات الأحكام الظاهرة في تأديب المسلمين وتنظيم أحوالهم، وهو قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فمن الثابت بعبارة النص أو ظاهره هو النهي عن التأفف للوالدين، والنهي عن نهرهما من باب التحريم، والأمر بمخاطبتهم بأحسن الأقوال وأكرمها، والثابت بالإشارة هو تحريم ما بين التأفف (وهو لفظ معلوم وكل ما قام في مقامه من الألفاظ) والنهر (وهو المبالغة في الزجر) بألفاظ شائنة، أو صوت مرتفع سواء كانت استعلاءً أو سبّاً أو استهزاءً أو حتى غمزاً ولمزاً، فلو أنك رأيت من يسب أباه فأشرت بقولك له (فلا تقل لهما أف) لأقمت عليه الحجة، ولما رد عليك إلا إن كان عاصياً لأوامر الله، فتكون بذلك قد أشرت إلى ما أشار الله له في سياق كلامه مع أن اللفظ لم يأت لأجله. ولكنك إن رأيت من يضرب أمه مثلا فلن تقول له (ولا تقل لهما أف)

стр. 94

وتشير بها على حرمة هذا الفعل، بل ستقول له حرام عليك ألم تسمع قوله تعالى (ولا تقل لهما أف) لأن الضرب فعل والتأفف والنهر قول، والإشارة تصلح مع تشابه السبب، أما مع الاختلاف فيكون معه الدليل والاستدلال، وقد استدللت بقوله تعالى على حرمة التأفف والنهر بما يلزم تحريم الضرب وهو الثابت بدلالة النص، ونحن نعلم بمجرد اللفظ أن الله أراد تحريم الضرب، فنهى عما هو أبسط الأفعال والأقوال، ولو رد عليك لكان عاصياً لأوامر الله الظاهرة، لأنه لا مجال لسوء الفهم هنا البتة، أما الثابت بمقتضى هذا النص فهو أن الفاعل لهذا الفعل عاق، وخُلقه غير محمود ودينه ناقص لا يُرتَضى، ولو أن أهل الحديث ردوا حديث العاق لوالديه لكانوا على الحق، وإن لم يفعلوا لكانوا على الباطل، ولو أن أحداً سأل عن رجل عاقّ تقدم لخطبة امرأة ولا يعلمه إيّانا؛ فأجبناه بأن دينه وخلقه لا يُرتَضى، لكنا صادقين مأجورين، ولو أجبناه بغير ذلك لكنا كاتمين للحق آثمين، ومن ذلك ما ذكره الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات (١) من ترجمة عبد القوي نجم الدين الأموي الأسنائي (٦٨٦هـ) وهو فقيه فاضل، عندما تولى الخطابة والصلاة كاد له بنو السديد، فأحضروا من شهد على أبيه أنه قال عنه إنه عاق له، فأُوقِف عن الخطابة، واستقرت الخطابة لأحمد بن السديد، وعندما كان نجم الدين يصلي لا يصلي خلفه أحد، ولو لم يكن العقوق طاعناً في الدين لما سمعنا بهذا الخبر وغيره. هذا وقد تخفى بعض الإشارات والدلالات على فقيه وتظهر عند آخر بحسب العلم الذي آتاه الله إياه، ومنها كما أسلفنا بالذكر ما كان من قصة علي وابن عباس، وكيف علموا أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر تامة لربط الدلالات والإشارات بآيات ذات صلة، وإن لم يأت السياق

стр. 95

بالإشارة إليه صراحة، فالبحث والاستقراء هو المعتبر في التأويل، والموافقة أو عدمها لمجمل القرآن والسنة هي الحكم، من غير قياس ولا مجرد رأي. أما المقاصد الثابتة في الحروف المقطّعة فلا بد أن تتوافق مع هذه الأصول، وهي كما أسلفت من المحكم ومن محكم المحكم (١)، وسأبينها بناء على هذا التفصيل: بأن المقاصد الثابتة بعبارة النص تمثل المعنى الذي أوردناه، وهو ما جاء النص لإثباته دون سواه من معاني، والمقاصد الواقعة بالإشارة في هذه الحروف ونعتبرها هنا إشارة على شيء في نفس المخاطَب وهم المشركين العرب زمن التنزيل، لكون الإشارة والإيماءة لا تكون إلا للأمر بشيئ أو للنهي عن فعل أو قول معلوم لدى المخاطب، أما المقاصد الثابتة بدلالة الحروف فنعتبرها دليلاً على شيء له علاقة بكينونة الحروف وأصلها وغاية ذكرها عند القائل جل في علاه، لكون الدليل هو "إبانة الشيء بأمارة تتعلمها" (٢)، وهي من الله إبانة لشيء بأمارة ذكرها كما هي على هذه الهيئة، موصولة الحروف في الكتابة كالكلمات، ومقطّعة في اللفظ كحروف الهجاء، لنتعلم هذا الشيء المراد وهو الدليل، وأخيرا المقاصد الثابتة بمقتضى ذكر الحروف فنعتبره المضمون من ذكرها، والمضمون من توزيعها في القرآن وورودها في أوائل السور وعددها، ومثل ذلك من مقتضى الذكر، وكل أمر قد قضاه الله في هذا الكتاب محكم ومعجز في نظمه ومقاصده، "كما نقول

стр. 96

قضيت هذه الدار إذا عملتها وأحكمت عملها" (١)، وكل ما اقتضاه البناء فهو من جملة الإحكام والتمام. ولكن قبل الخوض فيها يجب علينا أن نتيقن بأن الثابت بعبارة النص وهو ما جاء السياق لأجله، هو المعنى الذي قلناه في هذه الحروف وهو الأصل والتفسير الحق، قبل الانتقال لتأمل هذا النص ابتغاء تأويله وبيان مقاصده، ونبدأ ببيان المقاصد الواقعة بالإشارة في ذكر هذه الحروف بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان وربطه مع الإشارات في الآيات التالية لها في السور، لتتوضح الإشارة بتناسقها مع سواها، فتتم بمجموعها البلاغة المعهودة في كلام الله ويظهر فيها الإعجاز كما هو الحال في آيات القرآن كله. الباب الأول: معرفة واقع التنزيل لمعرفة هذه الإشارة يجب الوقوف على واقع العرب المتلقين عند نزول الحروف، وذلك بالرجوع لما ورد في القرآن لوصف حقيقة واقعهم، ولما وصلنا من مرويات وما تحصل لنا من علم بالتاريخ والآثار، مع التدقيق على كل ما له صلة بالقرآن والكتابة بشكل خاص، لكون الحروف على أصلها دالّةٌ على الكتابة والكتاب. وأهم صفة لهم تظهر واقعهم في زمن الخطاب هي الأمية كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] وقوله ﷺ "إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين" (٢)، فهذا وصف

стр. 97

حال، لنفهم الذكر كما فهمه العرب المخاطبون. والأمّيّ كما يقول في لسان العرب: "الذي لا يَكْتُبُ، قال الزجاج: الأُمِّيُّ الذي على خِلْقَة الأُمَّةِ لم يَتَعَلَّم الكِتاب فهو على جِبِلَّتِه، وفي التنزيل العزيز: ومنهم أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِيَّ؛ قال أَبو إسحق: معنى الأُمِّيّ المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أي لا يَكتُبُ، فهو في أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ، لأن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه ... وفي الحديث: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُب ولا نَحْسُب؛ أَراد أَنهم على أَصل ولادة أُمِّهم لم يَتَعَلَّموا الكِتابة والحِساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. وفي الحديث: بُعِثتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّة؛ قيل للعرب الأُمِّيُّون لأن الكِتابة كانت فيهم عَزِيزة أَو عَديمة؛ ومنه قوله: بَعَثَ في الأُمِّيِّين رسولاً منهم." (١)، فالأمّيّ " في كلام العرب: الذي لا يحسن الكتابة. وقال بعضهم: هو الذي لا يعرف الكتابة ولا القراءة." (٢) وقد علمنا بأن لهذا الأمّيّ حالات - وكلهم فصيح بلسان القوم- أمّي لا يعرف الكتابة، وأمّي بالنسب لأهل الأمّية، "فقيل نسبة إلى الأم لأن الكتابة مكتسبة فهو على ما ولدته أمه من الجهل بالكتابة وقيل نسبة إلى أمة العرب لأنه كان أكثرهم أميين." (٣) وهنا يلزمنا ذكر حقيقة مهمة، وهي: أنه ما من أمة من الأمم غير العرب في ذلك الزمان، إلا وكانوا من أهل الكتب والكتابة، وهذه حقيقة ثابتة من ناحية النقل في كتب السير وعلم الآثار والتاريخ الحديث، فالفُرس لهم كتب والروم لهم، وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) لهم، وأهل مصر وأهل الهند والسند لهم، حتى من سبقهم من العرب كالحميريين والثموديين وقوم عاد والأنباط، ومن سبقهم من غير العرب كالصينيين واليونانيين

стр. 98

والمصريين والفينيقيين وأهل بابل من السومريين، إلّا عرب الجزيرة في ذلك الزمان. وقد وصَلنا ما كتبته تلك الأمم، سواء ما كان على الشواهد أو ما حُفظ في الكتب وما نقش على الجدران، لنعلم واقع العرب في ذلك الزمان، ولم يقتصر الأمر على الأمية، بل كان علم الكتابة فيهم وضيع وعديم لا يكاد يذكر، لا كما كان في الأمم حولهم، وهذا ما أثبته العرب أنفسهم وأثبته علم الآثار، فتكاد لا تجد من آثار عرب الجزيرة ما يتعدى أصابع اليد من نقوش، والهدف من البحث عنها أصلاً ما كان إلا لإثبات أصل الحروف العربية الحالية، بل وتجد في كتب علماء المسلمين من النسّابة ذكر من كان يعرف الكتابة بين العرب بالاسم! وكيف تعلموه وأين تعلموه. فأي واقع هم فيه؟ هذا من باب، ومن باب آخر كانوا أفصح الناس لساناً، لما كان في لغتهم من أصول ليست في غيرها من لغات الأمم من تصريف وإعراب وأساليب في البيان والتصوير، فكانت لغتهم أوْلى اللغات بحمل كتاب الله لهذا السبب ولأسباب عديدة، منها مثلا "أن العجم لَمْ تتَّسع فِي المجاز اتساع العرب، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقُل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وإما تخافَنَّ مِن قوم خِيانةً فانْبذْ إليهم عَلَى سواء﴾ [الأنفال: ٥٨] لَمْ تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدِّية عن المعنى الَّذِي أَوْدِعَتْه حَتَّى تبسُط مجموعها وتصِل مقطوعها وتُظهر مستورها فتقول: (إِن كَانَ بَيْنَك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنّك قَدْ نقضت مَا شرطته لهم وآذِنْهم بالحرب لتكون أنت وهم فِي العلم بالنقض عَلَى استواء) " (١)، والبلاغة في الشعر عندهم كانت مقياساً للشرف، كمقياس العلم في الأمم الأخرى، وفي هذا قال الجاحظ: "وليس في الأرض أمّةٌ بها طِرْق أَوْ لها مُسْكَة، ولا جيلٌ لهم قبضٌ وبسْط، إلاّ ولهم خطّ، فأمّا أصحاب الملك والمملكة، والسلطانِ والجِباية، والدِّيانة والعبادة، فهناك الكتابُ المتقَن،

стр. 99

والحساب المحكَم، ولا يخرج الخطُّ من الجزْم والمسنَد المنمنم والسمون كيف كان ... فكلُّ أمّةٍ تعتمدُ في استبقاءِ مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضربٍ من الضروب، وشكل من الأشكال ... وكانت العربُ في جاهليَّتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفَّى، وكان ذلك هو ديوانها، وعلى أنّ الشعرَ يُفيد فضيلةَ البيانِ، على الشاعر الراغب، والمادح، وفضيلةَ المأثُرة، على السيِّد المرغوبِ إليه، والممدوحِ به ... فقال بعض من حضر: كُتُبُ الحكماءِ وَما دَوَّنت العلماءُ من صنوف البلاغات والصِّناعات، والآداب والأرفاق، من القرون السابقة والأمم الخالية، ومن له بقيَّة ومن لا بقيّة له، أبقى ذكراً وأرفعُ قدراً وأكثر ردّاً، لأنَّ الحكمةَ أنفعُ لمن ورثها، من جهة الانتفاع بها، وأحسنُ في الأحدوثة، لمن أحبَّ الذكر الجميل .. والكتبُ بذلك أولى من بُنيان الحجارة وحِيطان المدَر؛ لأنَّ من شأن الملوك أن يطمِسوا على آثار مَن قبلَهمُ، وأن يُميتوا ذكرَ أعدائهم." (١) ويقول الخفاجي: "لم يكونوا أهل تعليم ودرس، ولا أصحاب كتب وصحف، ولا يعرفون كيف التأديب والرياضة، ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية. وفي كلامهم من الحكم العجيبة، والأمثال الغريبة، والحث على محاسن الأخلاق، والأمر بجميل الأفعال، ما إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين." (٢) بذلك يكون إعجازهم بالنظم في مهد ما يفتخرون به ويقيسون عليه بلاغة القول ونظم الكلام، كما في إعجازهم بحفظ القرآن في صدر الرسول ﷺ وليس بشعر يوزن وقد "كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك" (٣)، ومن هنا نعلم لماذا نزه الله رسوله ﷺ عن نظم الشعر بقوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ .. الآية ٦٩ يس﴾ فقد "كان رسول الله صلى عليه وسلم لا

стр. 100

يقول الشعر ولا يزنه" (١)، ونظم الشعر ووزنه وحفظه ليس نقيصة بل هو صنعة القوم وفخرهم، وكذلك ما سبق في قوله ﷺ "نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نحسب"، فليست بفخر، بل هي وصف حال، لنفهم الذكر كما فهموه. (لطيفة: "روي أن المأمون قال لأبي علي المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن. فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله ﷺ لا يكتب ولا يقيم الشعر. فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعاً وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي ﷺ فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع النبي ﷺ ذلك لنفي الظنة عنه، لا لعيب في الشعر والكتابة." (٢)) والبلاغة في اللغة العربية معلومة علم اليقين لما وصلنا من أشعار العرب، وما فيها من بلاغة قبل الإسلام وبعده وما ورثناه نحن منهم، أما انحطاط كتابة اللغة، وانحطاط حروفها قبل الإسلام، فمعلوم علم اليقين لما توصل إليه علم التاريخ ومقارنة اللغات، من قلة الشواهد التاريخية للغة العربية وانعدام الكتب عندهم، وما كانت عليه حروفهم الكتابية (لا الصوتية) من إبهام وما كانوا يصفونها به، فقد سميت حروف الكتابة عندهم بحروف المعجم، ومعجم من عجم، "العُجْمُ والعَجَمُ: خِلافُ العُرْبِ والعَرَبِ" (٣)، "وأعرب الرجل: أفصح القول والكلام" (٤)، وفي

стр. 101

ذلك يقول الخفاجي: "أما قولهم للحروف التي في لغة العرب حروف المعجم، فليس بصفة للحروف، لأن ذلك يفسد من وجهين؛ أحدهما: امتناع وصف النكرة بالمعرفة، والثاني: إضافة الموصوف إلى صفته، والصفة عند النحويين هي الموصوف في المعنى، ومحال أن يضاف الشيء إلى نفسه" وبين أن المعجم لا يأتي بمنزلة الإعجام "لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم، ولا حروف اللفظ المعجم ... بل يجوز أن يكون التقدير: حروف الخط المعجم؛ لأن الخط العربي فيه أشكال متفقة لحروف مختلفة عجم بعضها دون بعض ليزول اللبس. وقد يتفق في غيرها من الخطوط أن تختلف أشكال الحروف فلا يحتاج إلى النقط؛ فوصف الخط العربي بأنه معجم لهذه العلة. وقيل: حروف المعجم، أي حروف الخط المعجم كما يقال: حروف العربي؛ أي حروف الخط العربي." (١) فالإعجام عكس الإعراب والإبانة والإيضاح، ويطلق على ما لا يفصح ولا يبين القول، كوصفهم لكل من لم يتحدث بلسانهم أعجميّ، والحروف معجمة لأنها مبهمة عند قارئها، فلا تعرف النون من الباء ولا الدال من الذال مثلاً، وهي لا تماثل الحروف الصوتية، واختلف في عددها بين خمسة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر، والصحيح عندي أنها خمسة عشر للشواهد التاريخية، ولو لم تكن مهملة ومعجمة لما اختلفنا على عددها.

стр. 102

الباب الثاني: استقراء السور لمعرفة الإشارات من النص ما سبق هو واقع التنزيل لأول السور المفتتحة بالحروف المقطّعة، ومنها هذه السور (القلم، ق، ص) وهذه السور مكية بالإجماع، وكانت سورة القلم (ن) من أول ما نزل من القرآن وأول ما نزل من فواتح السور، وكلها أتت على نسق واحد في واقع التنزيل، وهو أن المشركين نعتوا الرسول ﷺ وتكرم ذكره بالكذب والسحر والكهانة والجنون، وقد أتى نعتهم هذا بعد إعجازهم بنظم القرآن وبيانه وحفظه، فجاءت هذه السور بالقسم الإلهي أن رسول ﷺ صادق، وجاء الرد أولاً في (ن) بأنه ليس بمجنون، فالمجنون لا يجمع هذه العلوم في صدره من غير معرفة بعلم الكتابة وعلم الحروف، حتى الشعر لا يعرفه، وهو من أساليب نقل العلوم. فلن يعلم ما جاء في ذكر الأولين والآخرين وما يصلح للحكم والتشريع إلا من باب واحد، وهو السماء والوحي من خالق العباد، الخبير بما أنعم على البشر من حروف ولغات وأسباب لتحصيل العلوم، وهنا نزل قوله تعالى ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ فقد جاءت هذه السورة للرد على قولهم مجنون، وقالوا عنه مجنون لأنه ادعى القدرة إصلاح البشر جميعاً بما يقرأ من آيات، وقال بأنه أُرسل للناس كافة وليس لهم فقط، وأن الكتاب الذي أُنزل عليه فيه علم الأولين والآخرين وفيه شرع الله لأهل الأرض أجمعين، فهذا هو سبب التنزيل الظاهر في الآيات، وجاء في آخر السورة ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ أي مع إعجابهم بك واستغرابهم بما لا يطيقه بشر، وما لا يمكن لرجل أن يفعله حتى كادوا ليوقعوك أرضاً من عيونهم ومن نظراتهم، هم يقولون بل هو مجنون! أوَمَا علموا أنها رسالة لجميع الأمم؟ وهي عزّ وفخر لهم لكونها بلغتهم؟ فامض يا محمد بالرسالة ولسوف يرون بأعينهم ما تؤول له الأمور.

стр. 103

وكذلك جاءت سورة ق ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ فقد نزلت لاستغرابهم بأن الرسول منهم فكذبوه وأظهروا كفرهم بالبعث، مع إيمانهم بأن الخالق هو الله، وهذا ظاهر في قوله تعالى بعد ضربه المثل بالأقوام التي كفرت ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ أي أعجزنا عن ابتداء الخلق من العدم لنعجز عن خلقه مما وجد، وجاء في آخر السورة ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ تأكيدا من الله أن الإيمان بالبعث لا يُجبر الناس عليه، وإن كانت الحجة فيه دامغة كما جاءت، فهو في قرارة النفوس ولا مجبر للنفوس إلا الله، ورسول الله بشر ليس بيده الإيمان والكفر، وجاءت هنا إشارة عظيمة على خفايا النفوس، لأن ما جاء على لسان الكافرين لم يكن السبب الحقيقي في تكذيب الرسول ﷺ ، بل هو عجبهم بأن يكون رسول الله من البشر، فتوعد الله الكافرين بما قالوا وزعموا وظنوا، وأمر الرسول بالتذكير لمن آمن بالبعث وأيقن بأن الله محي الموتى بقوله ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ وهذا الأمر جاء لإحقاق الغاية من نزول السورة، وهي ذكّر بالقرآن من يخاف وعيدي وأكمل الرسالة ليعلم الكافرون بأن الله يصطفي من عباده رسلاً، وأنه متمم أمره على لسانك، وهو وحده الجبار الذي بيده نفوس البشر. وما محمد ﷺ وما في نفسه إلا من عظيم جبروت الله في بشره، بأن جعل من أنفسهم رجلاً هو كالرجال من البشر ولكنه على خلق عظيم، وله نفس طاهرة مطمئنة بأمر الله، وهو قادر على حمل رسالة الله للبشر جميعاً. ولكنهم أصرّوا واستكبروا وكانوا في عزة وشقاق، فقذفوا الرسول بأبشع الأقوال ووصفوه بما لا

стр. 104

يليق به، وأصروا على نكران الوحي على الرسول ﷺ لأنه منهم فجاءت قاصمة الظهور في سورة ص ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٦)﴾ وهي القاصمة لظهور المشركين لأن فيها نقض الحجج جميعها مما يدعون، فقد جاءتهم الرسالة على لسان نبي عربي من بني جلدتهم، فأنكروا وتعنتوا بأن يكون رسولاً منهم - والله قادر على أن يبعث مَلَكاً أو أن يبعث معه ملك - وكل هذا الإنكار والتعنت منهم وهو يحمل البرهان الساطع على صدق رسالته، والدليل الواضح على أنها ليست اختراعاً من نفسه، ولا هي خديعة لهم طمعاً بأيٍّ من أغراض الدنيا ومتاعها. وما يدعوهم به من قرآن يأسر القلوب بأسلوبه، ويطهرهم بما يحمله من معاني، ويدعوهم إلى محاسن الأخلاق، ويذكر السماء وما فيها، والأرض وما عليها، والنفس البشرية وما حوته من أسرار، بل ولا يقولون قولاً بينهم أو في أنفسهم إلا وجاءهم به، مع هذا كله أخذتهم العزة بالإثم، وقالوا ما هذا إلّا سحر، وإن لم يكن مما سمعناه أو عرفناه عن السحر، فكيف نؤمن بك ونعادي الأمم كلها فيكون هلاكنا، وكيف نؤمن لك وما أنت إلا واحد منا، وما تريد إلّا أن تسحرنا بهذا الكلام، أمّا ما نريده نحن فهو ما نحن عليه، وما وجدنا آباءنا عليه من تعدد الآلهة، وسنصبر عليه لأنه الحق، والدليل بزعهمم أنّه حتى النصارى عبدوا آلهة متعددة ولم يوحدوها وهم أهل كتاب، وما هذا إلا سحر بحسب تحليلهم وإن لم يرَوا له مثيلاً، وكأنه بدعة من السحر لم يكن لها مثيل قبل ذلك. فشاقوا الرسول ﷺ بأقوالهم وناصبوه العداء، والسبب الظاهر في كلامهم أنهم أنكروا أن يكون الرسول منهم فقط، كما يظهر من قولهم ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ فجاء الرد على تعنت المشركين وشقاقهم للرسول ﷺ وما قالوه فيه وما دعوا أنفسهم

стр. 105

إليه، وجاءت لإبطال حججهم وبيانها، فضربت الأمثال العظيمة لرد الحجج الباطنة في نفوسهم والظاهرة على ألسنتهم، وأهمها العجب من كون الرسول ﷺ منهم كما قال تعالى ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤] ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، وجاء الرد عليها ظاهرا ومتضمناً للإشارة على رد شبهة تعدد الآلهة من وجهين، والإشارة على وجه واحد لرد شبهة السحر، ومهد للرد على حجة الوراثة في دين الآباء، والدعوة للصبر عليه، وكل رد مهد لما بعده بأروع ما يكون من بلاغة وتسلسل في النظم، فكيف جاء الرد على هذه الحجج وإبطالها؟ لنعرف التشابه بين الإشارات فيها مجتمعة والإشارة المبتغاة لتأويل الحروف. الحجة الأولى: جاءت قصة نبي الله داود مع الخصم قبل الحديث عن سليمان وما ورث من ملك، فقال تعالى ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (٢٥) ص﴾ فأمر رسوله ﷺ بالصبر - كما كان في السور قبلها- وأمره بذكر قصة داود، وكيف سخر الله الجبال تسبح بتسبيحه، والطير تحشر له، وقد شدّ الله ملكه وأعطاه الحكمة فوق الملك، وأعطاه البلاغة في القول، فتمت له أسباب الحكم والقضاء في الأرض، والشاهد في ذكر هذه النعم هو موطن الفتنة فيها، والاستشهاد به هو الدليل على بطلان الحجة،

стр. 106

فما هو موطن الفتنة؟ هو نبأ الخصم إذ تسوّروا محراب داود، وهم من الملائكة، وهذا ظاهر في قولهم (لا تخف) كما قالت الملائكة لإبراهيم (لا تخف) وفيه البيان بأن حالهم ليس من حال البشر، كما في حال المرسلين لإبراهيم ﵇ من عدم الأكل وغرابة الهيئة، وحالهم هنا هو القدرة على الظهور من الأسوار واختراقها، وهو سبب الخوف. وتأكيداً على أنّهم من الملائكة قولهم "فاحكم بيننا بالعدل ولا تشطط"، فلا يأمر الناسُ ملِكاً سُخّرت له الجبال والطير وعُرف عنه الحكمة والبلاغة بقولهم (لا تمل أو لا تجر وتتجاوز عن الحق) (١)، فلا يقولها إلا من كان في وجوده مهابة، قال النحاس: "ولا اختلاف بين أهل التفسير أنه يراد به (أي بالخصم) ههنا ملكان" (٢)، وأقول لم يخالف إلا من أخذ الآية على ظاهرها، ولم يفهم المقصود منها، فأوكل أمر علمها إلى الله ولم يتأوّلها (٣). ومن ثم طرحوا عليه المسألة، وفيها موطن الفتنة، وهي مسألة بسيطة لو طرحت على أي عاقل لأفاد بأنها من الظلم والجور، ولَحَكم فيها بما حكم به داود وهو النبي والملك العادل الحكيم البليغ، فهذا له تسع وتسعون نعجة وهذا له نعجة واحدة، أو كان لغيره تسع وتسعون بقرة أو مثقالاً أو صاعاً من شيء، ولغيره بقرة أو مثقالاً أو صاعاً من ذات الشيء، فكيف يستقيم إجبار صاحب القليل على ترك الواحد لمن له تسع وتسعون، فالهوى فيها ظاهر ظهور الشمس وحكمه فيها هو عين الحق، ولكنه ليس الحق فيمن سأل، فالسائل ملَك من الملائكة، والخصمان من أهل السماء، وداود ملك في الأرض، وحاكم على أهل الأرض من البشر، فكيف يحكم بين من لا يعلم أحوالهم وما هي نعاجهم، ولو تشابهت الكلمات فلن تتشابه الأفهام والأحوال، فالخصم من أهل السماء والقاضي من أهل الأرض، وحكمه فيهم لا يصح ولو كان بأبسط القضايا المعروفة على الأرض، ولو حكم أهل السماء وأهل الأرض على بعض؛ لما أستخلف الله بني آدم في الأرض، فقد حكمت الملائكة وقالوا

стр. 107

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... الآية ٣٠ البقرة﴾ فالحكم لا يكون إلا بما أمر الله وما قرر من أحوال، لعلمه بما تختص به بعض المخلوقات عن بعض، كما رد الله على قول الملائكة تمام الآية ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والشاهد في القصة أن رسول الله إلى البشر لو لم يكن منهم لبغى عليهم، حتى لو كان من الملائكة، لعدم معرفته بحالهم وما يصلح للحكم بينهم، كما أن داود ظلم في حكمه بين الملائكة لذات السبب، فكيف تعجبون بأن الرسول منكم وهي رحمة من الله، ولو جعله الله مَلَكا لقضي عليكم من جهتين، سواء أردتم ذلك أم أراد الله ذلك، فإذا أردتم ذلك لقضى عليكم بالحكم في أبسط المعاصي، كما قضى الملائكة في أبيكم آدم، وإذا أراد الله أن يكون ملَك فسيكون مبعوثاً من الله لإنفاذ حكمه، كما هو الحال في الأمم قبلكم، وهو ما جاء في قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] ولو أردتم أن يكون ملَك ويحكم بحكم البشر، لكان على هيئة البشر لاستحالة رؤيته على هيئته، ولعدتم لِما تقولون مهما كانت أحكامه كما في قوله تعالى بعدها ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ ولكن داود ﵇ لم يحكم فقط، بل أعطاهم الحكمة ليهديهم سواء الصراط، فبين لهم سبب الخلاف بقوله إن سنة الله في الخلطاء أن يبغي بعضهم على بعض في أكثر الأحيان، إلا من آمن منهم وعمل الصالحات، وهم القلة، ولكن الباغون هم الأكثر، وقياسه هنا كان بين الخلطاء في الأرض والخلطاء في السماء وهو القياس الخاطئ، وليس الخطأ في الحكمة، ولوضوح الفكرة في موطن الفتنة تنبه داود ﵇ لها بعد إصداره للحكم. ولبيان ذلك نقول لو كانت الرواية عن قاض عادل تفاجأ بوجود شخصين في صدر بيته في ساعات الليل أو في وقت راحته، فخاف منهما لصعوبة الموقف، فبادراه بالقول لا تخف إنما أتيناك نسألك في مسألة لتقضي بيننا، هذا يملك أرضاً مساحتها آلاف الأمتار، ولي بجانبها مئة متر، ويريد أخذها مني، فماذا سيقول؟ من المؤكد أنه سيجيب على سؤالهم، ولكن ستبقى في نفسه حيرة من أمرهم وأمر سؤالهم، فإن ذهبوا ورضوا بحكمه، علم أنهم سفهاء، وإن لم يرضوا بحكمه علم أن من وراء السؤال فتنة، إما أنّهم جاءوا يقصدون الشر أو كانوا يستنطقونه بهذا الحكم لغاية في

стр. 108

نفوسهم، وكذا الأمر في قصة داود، وقد علم أن السائلين ابتداءً ليسوا بسفهاء، لأنهم ليسوا من البشر، وما أتوا إلا لعظيم، وعلم أنهم لا يكذبون لأنهم لو كانوا كاذبين لما كانوا من الملائكة بل كانوا من الشياطين، وهم إذ صدقوه وأظهروا عدم قصدهم الشر بقولهم (لا تخف) فهي الفتنة لاستنطاق الحكم منه، فعلم أن النعاج والسائل عنها أعلم من المسئول، وليست المسألة بهذه البساطة، وهنا ظن داود بعد انتهاء الحديث بينهم أنما يريد الله أن يختبره (١)، والظن هنا فعل نفسي بين اليقين والشك، وهو أقرب إلى ليقين لتوافر المسببات الداعية له (٢)، والظن لا يُبنى إلّا على ظن، ولا يبنى على يقين أو محض شك (٣)، كما أن ظنّ داود مبني على ظنّه القدرة على الحكم بين هذين الخصمين، وتقديرها هنا وظن داود أنها فتنة كما ظن أنّه قادر على الحكم بين الخصمين، فخر لله ساجداً واستغفر ربه ورجع إليه يطلب منه المغفرة، فغفر له؛ لأنه لم يخالف أمر الله في الحكم بالعدل، بل هو لم يتبع ما بين الله له من أسباب الحكم بالعدل، وهي مسببات الحكم باليقين، وقد بيّن الله هذه الأسباب بعدها كما ذكّر بها داود ﵇ بقوله تعالى ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ فهو خليفة في الأرض لا في السماء ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ فحكمه بين الناس لا بين غيرهم من المخلوقات كالملائكة، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إشارة بأن داود لم يحكم بالهوى قطعاً حتى وإن جانب الصواب، لأن الحكم بالهوى يقضي البقاء على ما يهوى الحاكم، أما داود فقد خر من فوره ساجداً طلباً للعفو، ولذلك غفر الله له فيما ابتلاه، ولو حكم بالهوى لحكم لصاحب التسع والتسعين، لعلمه بأنه الأقوى بينهم، وداود أضعف منهما، والوقوف مع القوي فيه عزّ وقوة، وهو لم يأخذ بهذه

стр. 109

الأسباب فخرج حكمه مجانباً للعدل، وبعد ذلك جاءت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ وفيها توعد الله من يحكم بالهوى أن له عذابا شديدا. فهذه قصة داود وهو أحكم ملوك الأرض مُلكاً وأوسعهم حكمة وأعدلهم جميعا، وهو النبي الملك لم يحكم بالعدل في أهل السماء، لأنه ليس منهم، وهذا السبب هو نقض حجة المشركين في تكذيب الرسول ﷺ بأنه منهم، فأي حجة لهم بعد هذا البيان. وجاء في وسط السورة ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ وذكر بعدها قصة خلق آدم واستعلاء إبليس، وكلها إشارات بذات النظم المتناسق. الحجة الثانية: وهي قولهم كذّاب، وجاءت الإشارة على هذه الحجة وردها في حال الخصم وهم من الملائكة، ولفهم هذه الإشارة لنفرض أن اثنين من أهل مدينة حضرية علم الناس بأنها مكان يستحيل فيه عيش الأغنام لما عرف من حالها، وكانت لهم هيبة، وعلمنا بأن أهل تلك المدينة عُرفوا بطيب الأخلاق وحسن المعاملة فيما بينهم وبين الناس، ولم يقل أحد فيهم يوماً بسوء، فقال أحدهما في مجلس بمدينة أخرى: إن عندي مئة نعجة، بلغة الجالسين لا بلغته، لعدم معرفة الجالسين بلغته، فماذا سيتبادر لذهن الجالسين؟ أما السفهاء ومن لا يقْدر الناس قدرهم فسيهزأون به ويظنونه مدعياً كذاباً، وأما غيرهم فسيعلمون أنّه صادق، ويلتمسون لكلامه معنى، إما أنه يملكها في مكان يصلح لها أو أنّه قصد بالنعجة شيئاً آخر أو أنه يملكها بمدينته ولا يعرفون كيفية حفظها، وفي قصه داود كانت لديه خيارات، الأول: هو تكذيبهم، ولم يكن ليفعله أو ليظنه لحالهم ولمعرفته بأن أهل السماء لا يكذبون، والثاني: هو تصديقهم من غير سؤالهم عنها وفيه رفع لشأنهم واحترامهم، والثالث: هو تصديقهم مع سؤالهم عن حال نعاجهم وما هي على الحقيقة وهذا إن حصل ففيه التقليل من شأنهم، لأنهم سألوه عن مسألة ولم يقصّوا عليه خبراً، فاختار الثانية لحكمته، وكان ينبغي أن يقول علمها عند ربي وما أوتيت من العلم والملك إلا

стр. 110

قليلاً. والإشارة هنا في اختيار داود للثانية، وهي دلالة على أن السفهاء هم فقط من يكذّبون أهل الصلاح والتقوى، ويظنون بهم ظن السوء، وأهل الحكمة يصدّقون من عُرف بالصدق حتى سمي الصدوق بينهم، أو يصدقوه حتى يتبين لهم ما يقول من الحق، وبذلك جاء التقريع للمشركين. وفي هذا يقول ان خلدون: "ولا تنكرنَّ ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات ... وليس ذلك من الصواب، فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها ... فليرجع الإنسان إلى أصوله، وليكن مهيمناً على نفسه، ومميزاً بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته. فما دخل في نطاق الإمكان قبله، وما خرج عنه رفضه." (١) الحجة الثالثة: وهي القول بتعدد الآلهة، وقد جاءت الإشارة عليها من وجهين، الأول في قول داود بأن الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، وهذا إن تشابهت أحوالهم، وكذلك الآلهة إن كانوا خالقين كلهم، وزعم كل منهم بأنه المستحق لعبودية الآخر، كما هو الحال عند البشر المخاطبين، فهم من الخلطاء وتتشابه أحوالهم، وبالتالي سيبغي بعضهم على بعض، وسيستعلي أحدهم على الآخر، وهو مذكور بالنص في قوله تعالى ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] واختار داود كلمة الخلطاء ولم يقل الناس، لأنه قد أوتي الملك والحكمة وعلّمه الله مما يشاء كما جاء في سورة البقرة بقوله تعالى ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ وجاءت الإشارة للوجه الثاني بما حكم به داود وما يقتضيه الملك
следующие страницы →