فما هو موطن الفتنة؟ هو نبأ الخصم إذ تسوّروا محراب داود، وهم من الملائكة، وهذا ظاهر في قولهم (لا تخف) كما قالت الملائكة لإبراهيم (لا تخف) وفيه البيان بأن حالهم ليس من حال البشر، كما في حال المرسلين لإبراهيم ﵇ من عدم الأكل وغرابة الهيئة، وحالهم هنا هو القدرة على الظهور من الأسوار واختراقها، وهو سبب الخوف. وتأكيداً على أنّهم من الملائكة قولهم "فاحكم بيننا بالعدل ولا تشطط"، فلا يأمر الناسُ ملِكاً سُخّرت له الجبال والطير وعُرف عنه الحكمة والبلاغة بقولهم (لا تمل أو لا تجر وتتجاوز عن الحق) (١)، فلا يقولها إلا من كان في وجوده مهابة، قال النحاس: "ولا اختلاف بين أهل التفسير أنه يراد به (أي بالخصم) ههنا ملكان" (٢)، وأقول لم يخالف إلا من أخذ الآية على ظاهرها، ولم يفهم المقصود منها، فأوكل أمر علمها إلى الله ولم يتأوّلها (٣). ومن ثم طرحوا عليه المسألة، وفيها موطن الفتنة، وهي مسألة بسيطة لو طرحت على أي عاقل لأفاد بأنها من الظلم والجور، ولَحَكم فيها بما حكم به داود وهو النبي والملك العادل الحكيم البليغ، فهذا له تسع وتسعون نعجة وهذا له نعجة واحدة، أو كان لغيره تسع وتسعون بقرة أو مثقالاً أو صاعاً من شيء، ولغيره بقرة أو مثقالاً أو صاعاً من ذات الشيء، فكيف يستقيم إجبار صاحب القليل على ترك الواحد لمن له تسع وتسعون، فالهوى فيها ظاهر ظهور الشمس وحكمه فيها هو عين الحق، ولكنه ليس الحق فيمن سأل، فالسائل ملَك من الملائكة، والخصمان من أهل السماء، وداود ملك في الأرض، وحاكم على أهل الأرض من البشر، فكيف يحكم بين من لا يعلم أحوالهم وما هي نعاجهم، ولو تشابهت الكلمات فلن تتشابه الأفهام والأحوال، فالخصم من أهل السماء والقاضي من أهل الأرض، وحكمه فيهم لا يصح ولو كان بأبسط القضايا المعروفة على الأرض، ولو حكم أهل السماء وأهل الأرض على بعض؛ لما أستخلف الله بني آدم في الأرض، فقد حكمت الملائكة وقالوا
стр. 107
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... الآية ٣٠ البقرة﴾ فالحكم لا يكون إلا بما أمر الله وما قرر من أحوال، لعلمه بما تختص به بعض المخلوقات عن بعض، كما رد الله على قول الملائكة تمام الآية ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والشاهد في القصة أن رسول الله إلى البشر لو لم يكن منهم لبغى عليهم، حتى لو كان من الملائكة، لعدم معرفته بحالهم وما يصلح للحكم بينهم، كما أن داود ظلم في حكمه بين الملائكة لذات السبب، فكيف تعجبون بأن الرسول منكم وهي رحمة من الله، ولو جعله الله مَلَكا لقضي عليكم من جهتين، سواء أردتم ذلك أم أراد الله ذلك، فإذا أردتم ذلك لقضى عليكم بالحكم في أبسط المعاصي، كما قضى الملائكة في أبيكم آدم، وإذا أراد الله أن يكون ملَك فسيكون مبعوثاً من الله لإنفاذ حكمه، كما هو الحال في الأمم قبلكم، وهو ما جاء في قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] ولو أردتم أن يكون ملَك ويحكم بحكم البشر، لكان على هيئة البشر لاستحالة رؤيته على هيئته، ولعدتم لِما تقولون مهما كانت أحكامه كما في قوله تعالى بعدها ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ ولكن داود ﵇ لم يحكم فقط، بل أعطاهم الحكمة ليهديهم سواء الصراط، فبين لهم سبب الخلاف بقوله إن سنة الله في الخلطاء أن يبغي بعضهم على بعض في أكثر الأحيان، إلا من آمن منهم وعمل الصالحات، وهم القلة، ولكن الباغون هم الأكثر، وقياسه هنا كان بين الخلطاء في الأرض والخلطاء في السماء وهو القياس الخاطئ، وليس الخطأ في الحكمة، ولوضوح الفكرة في موطن الفتنة تنبه داود ﵇ لها بعد إصداره للحكم. ولبيان ذلك نقول لو كانت الرواية عن قاض عادل تفاجأ بوجود شخصين في صدر بيته في ساعات الليل أو في وقت راحته، فخاف منهما لصعوبة الموقف، فبادراه بالقول لا تخف إنما أتيناك نسألك في مسألة لتقضي بيننا، هذا يملك أرضاً مساحتها آلاف الأمتار، ولي بجانبها مئة متر، ويريد أخذها مني، فماذا سيقول؟ من المؤكد أنه سيجيب على سؤالهم، ولكن ستبقى في نفسه حيرة من أمرهم وأمر سؤالهم، فإن ذهبوا ورضوا بحكمه، علم أنهم سفهاء، وإن لم يرضوا بحكمه علم أن من وراء السؤال فتنة، إما أنّهم جاءوا يقصدون الشر أو كانوا يستنطقونه بهذا الحكم لغاية في
стр. 108
نفوسهم، وكذا الأمر في قصة داود، وقد علم أن السائلين ابتداءً ليسوا بسفهاء، لأنهم ليسوا من البشر، وما أتوا إلا لعظيم، وعلم أنهم لا يكذبون لأنهم لو كانوا كاذبين لما كانوا من الملائكة بل كانوا من الشياطين، وهم إذ صدقوه وأظهروا عدم قصدهم الشر بقولهم (لا تخف) فهي الفتنة لاستنطاق الحكم منه، فعلم أن النعاج والسائل عنها أعلم من المسئول، وليست المسألة بهذه البساطة، وهنا ظن داود بعد انتهاء الحديث بينهم أنما يريد الله أن يختبره (١)، والظن هنا فعل نفسي بين اليقين والشك، وهو أقرب إلى ليقين لتوافر المسببات الداعية له (٢)، والظن لا يُبنى إلّا على ظن، ولا يبنى على يقين أو محض شك (٣)، كما أن ظنّ داود مبني على ظنّه القدرة على الحكم بين هذين الخصمين، وتقديرها هنا وظن داود أنها فتنة كما ظن أنّه قادر على الحكم بين الخصمين، فخر لله ساجداً واستغفر ربه ورجع إليه يطلب منه المغفرة، فغفر له؛ لأنه لم يخالف أمر الله في الحكم بالعدل، بل هو لم يتبع ما بين الله له من أسباب الحكم بالعدل، وهي مسببات الحكم باليقين، وقد بيّن الله هذه الأسباب بعدها كما ذكّر بها داود ﵇ بقوله تعالى ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ فهو خليفة في الأرض لا في السماء ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ فحكمه بين الناس لا بين غيرهم من المخلوقات كالملائكة، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إشارة بأن داود لم يحكم بالهوى قطعاً حتى وإن جانب الصواب، لأن الحكم بالهوى يقضي البقاء على ما يهوى الحاكم، أما داود فقد خر من فوره ساجداً طلباً للعفو، ولذلك غفر الله له فيما ابتلاه، ولو حكم بالهوى لحكم لصاحب التسع والتسعين، لعلمه بأنه الأقوى بينهم، وداود أضعف منهما، والوقوف مع القوي فيه عزّ وقوة، وهو لم يأخذ بهذه
стр. 109
الأسباب فخرج حكمه مجانباً للعدل، وبعد ذلك جاءت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ وفيها توعد الله من يحكم بالهوى أن له عذابا شديدا. فهذه قصة داود وهو أحكم ملوك الأرض مُلكاً وأوسعهم حكمة وأعدلهم جميعا، وهو النبي الملك لم يحكم بالعدل في أهل السماء، لأنه ليس منهم، وهذا السبب هو نقض حجة المشركين في تكذيب الرسول ﷺ بأنه منهم، فأي حجة لهم بعد هذا البيان. وجاء في وسط السورة ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ وذكر بعدها قصة خلق آدم واستعلاء إبليس، وكلها إشارات بذات النظم المتناسق.
الحجة الثانية: وهي قولهم كذّاب، وجاءت الإشارة على هذه الحجة وردها في حال الخصم وهم من الملائكة، ولفهم هذه الإشارة لنفرض أن اثنين من أهل مدينة حضرية علم الناس بأنها مكان يستحيل فيه عيش الأغنام لما عرف من حالها، وكانت لهم هيبة، وعلمنا بأن أهل تلك المدينة عُرفوا بطيب الأخلاق وحسن المعاملة فيما بينهم وبين الناس، ولم يقل أحد فيهم يوماً بسوء، فقال أحدهما في مجلس بمدينة أخرى: إن عندي مئة نعجة، بلغة الجالسين لا بلغته، لعدم معرفة الجالسين بلغته، فماذا سيتبادر لذهن الجالسين؟ أما السفهاء ومن لا يقْدر الناس قدرهم فسيهزأون به ويظنونه مدعياً كذاباً، وأما غيرهم فسيعلمون أنّه صادق، ويلتمسون لكلامه معنى، إما أنه يملكها في مكان يصلح لها أو أنّه قصد بالنعجة شيئاً آخر أو أنه يملكها بمدينته ولا يعرفون كيفية حفظها، وفي قصه داود كانت لديه خيارات، الأول: هو تكذيبهم، ولم يكن ليفعله أو ليظنه لحالهم ولمعرفته بأن أهل السماء لا يكذبون، والثاني: هو تصديقهم من غير سؤالهم عنها وفيه رفع لشأنهم واحترامهم، والثالث: هو تصديقهم مع سؤالهم عن حال نعاجهم وما هي على الحقيقة وهذا إن حصل ففيه التقليل من شأنهم، لأنهم سألوه عن مسألة ولم يقصّوا عليه خبراً، فاختار الثانية لحكمته، وكان ينبغي أن يقول علمها عند ربي وما أوتيت من العلم والملك إلا
стр. 110
قليلاً. والإشارة هنا في اختيار داود للثانية، وهي دلالة على أن السفهاء هم فقط من يكذّبون أهل الصلاح والتقوى، ويظنون بهم ظن السوء، وأهل الحكمة يصدّقون من عُرف بالصدق حتى سمي الصدوق بينهم، أو يصدقوه حتى يتبين لهم ما يقول من الحق، وبذلك جاء التقريع للمشركين. وفي هذا يقول ان خلدون: "ولا تنكرنَّ ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات ... وليس ذلك من الصواب، فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها ... فليرجع الإنسان إلى أصوله، وليكن مهيمناً على نفسه، ومميزاً بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته. فما دخل في نطاق الإمكان قبله، وما خرج عنه رفضه." (١)
الحجة الثالثة: وهي القول بتعدد الآلهة، وقد جاءت الإشارة عليها من وجهين، الأول في قول داود بأن الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، وهذا إن تشابهت أحوالهم، وكذلك الآلهة إن كانوا خالقين كلهم، وزعم كل منهم بأنه المستحق لعبودية الآخر، كما هو الحال عند البشر المخاطبين، فهم من الخلطاء وتتشابه أحوالهم، وبالتالي سيبغي بعضهم على بعض، وسيستعلي أحدهم على الآخر، وهو مذكور بالنص في قوله تعالى ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] واختار داود كلمة الخلطاء ولم يقل الناس، لأنه قد أوتي الملك والحكمة وعلّمه الله مما يشاء كما جاء في سورة البقرة بقوله تعالى ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ وجاءت الإشارة للوجه الثاني بما حكم به داود وما يقتضيه الملك
стр. 111
والحكم من رحمة الحاكم بالمحكوم قبل العدل، ولو لم يرحم الحاكم لفسدت أحوال المحكوم، كما أنه لو كان في الأرض إله وفي السماء إله، وحكم كل إله على الآخر ومن تبعه، فسيحكم من غير رحمة لإثبات وجود ولاستفراده بالحكم، مما يؤدي لفساد الأحوال في السماء والأرض كما في قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الانبياء: ٢٢].
الحجة الرابعة: وهي ما وجدوا آباءهم عليه، والزعم بأنهم أحق بالإتباع، وهذا ما يريدون بالنهاية، وجاء الرد ضِمْنِيًّا عليها من ثلاثة وجوه، الأول بكلمة (واذكر) لقصص الأنبياء داود وسليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذا الكفل ﵈ وكأنه يقول هؤلاء سلفك، أما سلفهم فهم قوم نوح وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة - وقد ذكرهم قبل الأمر بذكر الأنبياء - فلينظروا من أحق بأن يُتّبع، أهم الصالحون أم الهالكون، والوجه الثاني بذكر سليمان ﵇ وذكر قصة أبيه داود ﵇، ولإيضاح هذا الوجه، لنفرض أن رجلاً قام في قومه وهم أهل تجارة، فقال لهم إنني أدعوكم لإتباع نظام تجاري يضمن لكم أن تكونوا سادة الأمم وأغناهم جميعاً، فافعلوا كذا وكذا، فقالوا له بل ما نحن عليه أفضل وأجدى مما تقول، وقد ورثنا هذه التجارة عن آبائنا وهم أهل تجارة كابراً عن كابر، فقال لهم يا قوم أنا لا أخترع هذا النظام، فقد اتّبَعتهُ أمم من قبلكم فسادوا على من سواهم، وجمعوا ما لم تجمعه أمة من الأمم، وأنتم تعرفونهم وسمعتم بهم ولم تعلموا بعد ما هو نظامهم، وأنا أقول لكم إن هذا هو نظامهم خالص لكم من غير تعب، وكذلك ذكر قصة داود وسليمان وهم من حكموا الأرض بكلمة لا إله إلا الله، وكان لهم ما لم يكن لأمة من الأمم، أما الوجه الثالث فهو بذكر الوراثة من داود لسليمان ﵉، ولإيضاح هذا الوجه لنفرض أن اثنين من التجار ورَّثوا أبناءهم كل ما تعلق من تجارتهم من أموال وأفكار وطرق، فورث أبناء
стр. 112
الأول مالاً وفيراً ومجداً في الأسواق، وكان له أساليب في التجارة، ولم يكن لأبنائه علم بها ولا دراية، وورث أبناء الآخر ديوناً في أعناقهم وسمعة سيئة، وكانت لأبيهم أساليب في التجارة أيضاً، ولم يكن لهم من علم ولا دراية بها كما كان أبناء الأول، فمن منهما - وأعني التجار - أحق بأن يُتّبع في مسلكه؟ أيعقل أن يكون الثاني؟ فجاء ذكر الوراثة في الملك والحكمة والنبوة لسليمان من أبيه داود، وقد ورث منه الخير كله، والتقريع هنا بالسؤال لهم: أفي آبائكم من هو كداود أيها المشركون؟ أورثتم عن آبائكم مُلكاً ذاع صيته بين الأمم؟ أورثتم عنهم الحكمة حتى جاء القاصي والداني ليسألكم ويتقاضى عندكم؟ أورثتم عنهم مكارم الأخلاق وهذا حالكم؟ أورثتم عنهم الصلة بين الله والبشر كما ورث سليمان من أبيه، فكان حقاً عليه أن يتبعه؟ ولكن ما حالهم بخاف عليهم، وما حال آبائهم بخاف عليهم أيضاً، فلم يكن بينهم من نبي كما يعلمون، فالوراثة في المسلك والدين تكون للأخيار ومن في آثارهم دعوة لسيادة الأمم بالحق والفوز بما عند الله، وهي إشارة أيضاً على أن الوراثة في الملك والنبوة لا تكون إلا لمن شاء الله أن تكون فيه، وقد شاء الله أن يكون الحكم في يد رسوله ﷺ فتنبهوا يا جاهلين فإن الله متمم ما أراد لا محالة ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.
الحجة الخامسة: وهي حجة السحر والكهانة، فبعد الإشارة على وجه منها في قصة داود، وهو قول الملكين (لا تخف)، وفيه الإشارة على أنّهم لو كانوا شياطين لما أمروا بالمعروف بتهدئة فزعه، ولو كانوا شياطين لاستغلوا فزع داود لأخذ ما يريدون، فالشياطين تتبع الزلات وما يوجبها، والخوف من أكثر ما يوجب الزلات، والله لا يؤاخذ عبداً قال كلاماً وهو خائف، ولو كان الرسول ﷺ ساحراً ويتبع الشياطين لفعل ما تفعل الشياطين وسلك مسلكها من غير نظر للغاية في دعوته، وقد رد الله عليهم الحجة بذكر قصة سليمان ﵇، وذكر ما وهبه له من ملك لا ينبغي لأحد من بعده، وأنه سخر له الريح تجري بأمره، وسخر الشياطين تعمل
стр. 113
بأمره، ووجه الدلالة في ذكرها هو البيان بأن السحر وإن كان شأنه عظيماً كما يعتقدون إلا أنّ له حدوداً، وحدوده المعلومة في أيدي أهل السحر من شياطين الإنس والجن (السحرة والمردة)، ومردة الشياطين قد حكمهم سليمان كما حكم الإنس بإذن الله، لأنه مرسل من خالق الإنس والجن وخالق الحدود بينهم، ورسول الله محمد ﷺ خير من سليمان وغيره من المرسلين، فهو خاتمهم، وكفاه هذا فخراً عن كونه حاكماً على الإنس والجن، وهو ليس برسول قوم دون سواهم، فكيف ترمونه بالسحر والسحر له حدود معلومة، وما تجدوه من أمره لا حدود له كما تعلمون، ولم تستطيعوا تقديره حتى. وفي آخر السورة قال تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ تأكيد من الله لإبطال حجتهم بأنه لو كان ساحراً يا سفهاء لكان كغيره من السحرة، ولطلب على سحره الأجر بما هو متاع في الدنيا، ولم يكن ليعاني كما هو الآن، ولو كان يتكلف على نفسه أو يكلفه غيره بطلب مادي، لكانت لديه غاية دنيوية، كما هي عند السحرة كلهم بلا استثناء، وكما هو الحال عند الكهنة بأن يكونوا مكلفين دائماً بالتكهن ويطلبون عليه المتاع، ولكنه رسول الله للناس جميعاً، والرسالة الإلهية تستحق المعاناة، وتستحق التضحية، ولسوف ترون بأم أعينكم كيف يكون من أمر هذا الدين.
الحجة السادسة: وهي قولهم اصبروا على آلهتكم إن هذا شيء يراد، أي إن هذا هو الحق فاصبروا عليه، وجاء الرد عليه من وجهين، الأول في قوله تعالى قبل ذكر الأنبياء (اصبر على ما يقولون) أي اصبر على هذا الأذى من أقوالهم وهذه المحنة من أفعالهم، وفيه بيان بأن الصبر يكون على الأذى وما فيه من المشقة، وليس على الراحة والعيش الرغيد، أما الثاني فبذكر قصة أيوب ﵇، وما كان بهِ من أَذَى في جسده، وما في عيشه من عذاب، فصبر واحتسب عند الله، ودعا الله أن يخفف عنه بعد طول صبره، فجعل الله فيما جاوره من ماء شفاءً لمرضه، وردّ
стр. 114
عليه ما شاء من أسباب العيش الكريم، فكان التأكيد هنا على أن الصبر لا يكون إلا في الشدائد، ولا يكون في النعيم كما كان من حال المشركين، فقولهم اصبروا على آلهتكم لا معنى له، ولا يستقيم عقلاً، ولا يقوله إلا سفيه جاهل، وكأنك سألت رجلاً أنعم الله عليه بشتى النعم عن حاله فرد عليك بأنه صابر، وسيصبر على هذا الحال.
الباب الثالث: إشارة الإعجاز في الحروف وموافقتها لمجمل الإشارات
وبعد استقراء الحجج والإشارات نسأل أنفسنا: هل هذه هي الشبهات كلها؟ أم بقيت شبهة لم نتطرق إليها، ولم يأت الرد عليها في سياق السورة؟ وأقول: بل بقيت شبهة عند المشركين ذكرت في قوله تعالى ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] وهي الشك في ذكر الله. فكيف شكوا بذكر الله؟ والشك بالكلام أو الرسالة بشكل عام لا يكون إلا في ثلاثة: شك في أصله أو في محتواه أو في غايته. فهل شكوا بهذا الكلام لكونه لا يليق بأن يكون من عند الله؟ وبالتالي شكّوا بصدق الرسول ﷺ ؟ وهذا مستحيل لقوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ فقد قرر الله بأنهم موقنون به، بل وعجبوا أيضاً، والعجب يأتي بعد اليقين لا بعد الشك، ولا حتى بعد الظن - وهو الأقرب لليقين - إذن فهل شكهم كان في ذات الكلام بما يحتوي من قصص وغيب وتشريع؟ ولو فرضنا ذلك لكان الرد عليه قد تحصل، لأن الردود دارت حول هذه المفاهيم، ولم تبين الآيات موطن الشك، وهذا بعيد لعدم ترابطه مع البيان، يبقى أنهم شكّوا بأن كلام الله لن يصل لما وعدهم به قائله؟ ولذلك كفروا به، وهذا أقرب للسياق لأنه يتناسب ويتناسق مع الرد في نهاية السورة ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ ويتناسب أيضاً مع ما يشبه هذا الرد في أواخر السور الأخرى وهو الأقرب للعقل، ولكن ما هو سبب شكهم؟ وما علاقته بكون الرسول ﷺ منهم (وهم الأميون كما في واقع حالهم)؟ وإن أقررنا بهذا، فلا بد من وجود الرد
стр. 115
على هذه الشبهة في ذات السورة، حتى وإن لم نثبت موطن الشك في ذات السورة، إذ لا بد من وجود قرينة أو دليل عليه في القرآن، أما الرد على الشبهة فلا بد أن يكون في ذات السورة، لأنه كان رداً على شبهة واقعة، ولا يعقل ذكرها من غير الرد عليها، فأين وقع ذكر الشك في كلام الله أو الشك في كتابه في القرآن؟ نجده في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥] وجاء في سياق الرد على المشركين لتشابه حالهم مع حال بني إسرائيل في شكهم من الذكر، وقد جاء هذا التشبيه بسبب قول المشركين "لو كان هذا الكتاب أعجمياً لا عربياً! " إذن موطن الشك له علاقة واضحة بكونهم عرباً وأمّيين، وأن الرسول منهم كما سبق، وهذه الآية من سورة فصلت، وهي من سور الفواتح وهي مكية أيضاً، وابتدأت بقوله تعالى ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ وقد نزلت على الأغلب بعد سورة (ص) مباشرة لتفصل القول المبين، وأشارت لكون القرآن عربي بمجمله - لغته وكتابته - وسُمّيت فصلت لا لرد طلب سخيف من المشركين لكي ينزل القرآن بلغة أخرى لا يفهمونها!! بل جاءت لتفصّل القول في شبهة هي من أعظم الشبه على الإطلاق، فقد تجلى في هذه الشبهة مكر المشركين من العرب في ذلك الزمان، ليس هذا وحسب، فقد جاء فيها ذكر دلالة عجيبة لم يذكرها أحد لا في السير ولا في التاريخ، وأتت بقوله تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ الآية ٤٤ فصلت﴾ ولم يتنبه لما وراءها أحد (١)، فهذه الآية لم تأت لرد الطلب بجعل القرآن أَعْجَمِيًّا للتعجيز أو للمماثلة بما سبق من الكتب السماوية، ولم يكن تعنتاً كما قيل فيها، فرب العزة رد عليهم تعنتهم بالكثير من الآيات كقوله تعالى ﴿بل
стр. 116
الذين كفروا في عزة وشقاق﴾ وغيرها من آيات الوعيد، وطلبهم هذا بجعل الكتاب أعجميّا لا يُعقل أن يكون من فراغ، لأنهم طلبوا تغيير لغة الخطاب، وإذا قلنا بأن السبب هو الشك بالذكر، وهو موطن الشبهة، فلا بد أن يكون في الغاية من الذكر أو تأويله (أي ما يؤول إليه) - لا في محتواه وأصله كما فصلت سابقاً - وهذا الشك له سبب من اثنين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا محتقرين للغتهم ولا يفهمونها حق الفهم كما هو الحال في الأمم الضعيفة ذوات اللغات المنحطة في هذا الزمان، ويسعون لتغيير لغتهم، وبالتالي لا يريدونه بهذه اللغة الوضيعة ليفهموه حق الفهم، أو أنهم كانوا يحترمون لغتهم ويجلونها، ولكنهم لا يؤمنون بمقدرتها على احتواء كتاب من الله. وهنا نقف، لاستحالة الأول لكونهم كانوا يفتخرون بلسانهم الفصيح الوحيد ويسمون أي صوت غريب أعجمي، ولا نستطيع التعميم في الثاني، بل ويلزمنا فيه التفصيل والتدقيق بأمرين:
الأول: إن كان هذا الكتاب للعرب خاصة فلن يستقيم لنا أحد السببين لاستحالة هذا الطلب.
الثاني: إن اللغة يُقصد بها اللفظ والكتابة، وبما أننا نتحدث عن كتاب فالكتابة موطن الشك.
وعليه نأخذ من كل أمر ما صح من احتمالاته، فيبقى أنهم شكوا في لغة الكتاب إما لكونه للناس كافة ولجميع الأمم، وجاء عربياً بلغتهم، وهم من الأمم الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة، أو أنهم شكوا بقدرتهم على كتابة هذا الكتاب العظيم، أو الاثنين معا، فطلبوا ذلك لعلمهم بأنهم ليسوا من أهل الكتابة والعلم - وقد امتازت الأمم غيرهم بالكتابة - ولم يعتادوا على وجود الكتب بلغتهم، فلن يكون لهذا الكتاب شأن بين الأمم بفهمهم، وبالتالي هم يشكون في قدرة كتابتهم على احتواء هذا الكلام العظيم لنشره بين الأمم، ولكن لو صحّ استنتاجنا للزمنا القول بأنهم قد علموا أن شأن هذا الكلام عظيم، وأيقنوا بأنه لا يستقيم نزوله بهذه البلاغة ليُكتب
стр. 117
بحروف لم تجمع يوماً كتاباً ذا شأن فضلاً عن أي كتاب عادي، وبالمحصلة يبقى أنهم كانوا في شك من كتابتهم لما كان فيها من ضعف، ولا تكاد تقارن بلغات الأمم حولهم، ولشكهم في كتابتهم وعجزها عن احتواء كتاب جامع تكون فيه الرسالة للأمم كلها، ولكن هل هذا يستقيم وهم قد كفروا به أصلاً وهو عربي اللغة وقد فهموه؟ فكيف يستقيم طلبهم لتغيير ما قد كفروا به، والسبب في شكهم يشترط تعظيمهم لهذا الكتاب! وعلى هذا الطلب لو غير الله الكتاب للغة أخرى لقالوا: كتاب أعجمي ورسول عربي! كأبسط كلمة ممكنة عند الكافر به، أو سيقولون هذا كلام أعجمي ونحن عرب لا نفهمه، وهذا ما جاءت الآية بتقريره (١)، ولو أُنزل ما هو جديد بلغة أخرى، وبقي القديم على حاله بالعربية سيكون ردهم: أيعقل أن يكون كتاب منه ما نزل عربي ومنه ما ينزل أعجمي فيكون مختلطاً وفيه اختلاف، بالتالي سؤالهم ليس للإيمان بالقرآن على كل الوجوه، بل هو شبهة، وهذا ديدنهم، قال الزمخشري: "كانوا يقترحون عليه آيات تعنتاً لا استرشاداً، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم ﴿لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ﴾ " (٢) وأقول نعم، ولكن هذه ليست من التعنت، لأن التعنت لا يكون مع الشبهة بل يكون بعد الحجة، كقوله تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وهذه الشبهة فيها المكيدة، وسؤالهم جاء من ذات الباب الذي علموا أنه معجزة للرسول ﷺ ، وهو لا يعرفه بكونه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، وأغلب الظن أنهم قالوا بما معناه (يا محمد إن كان كتابك أُنزل للأمم جميعاً، فلماذا لا
стр. 118
يكون بلغة مشهورة أُشبعت كتابة، فيكون بذلك ذكر للعالمين بحق، ونحن أعلم بالكتابة منك، وحروفنا ليست بشيء بين حروف الأمم الأخرى، ولن تحتمل هذا الكلام البليغ العجيب، لأنها لم تحتمل كتاباً عادياً من قبل لتحتمل كتابك البليغ، وإن كنا نحن العرب لا نعرف الكثير عن حروفنا وتُعجم علينا فكيف بالأمم غيرنا، ونحن أيضاً أعلم منك بأحوال الأمم، لأننا نجول الأرض للتجارة والسياحة، ونشك في قدرة كتابتنا وحروفنا أن تصل لحد التعليم عند تلك الأمم، فكلهم قد برعوا بحروفهم وامتلأت مكتباتهم بالكتب) وبيّن الله هذه الشبهة بكلمة "ولو جعلناه" من الآية، أي إشارة على ما تضمرون، ولم يكن الرد فيها، بل بينت الغاية من كلامهم، والدليل أنه أمر الرسول بعد بيان الشبهة بقوله تعالى في تمام الآية ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ولم يأمره في بداية الآية لأن الرسول ﷺ أمّي ولا يعرف اللغات ولا الحروف، وأمره بالصبر مجازا كما قال ابن جرير: "يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم، كما صبر أولو العزم من الرسل، ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ " (١)، وهذه الإشارة التي فهمها الطبري هي ذات الإشارة في آخر سورة القلم وسورة ق وسورة ص، ولعلمنا بأن اللغة تحتوي الألفاظ والكتابة، ولكون هذه الشبهة تحتوي ما لا يعلمه رسول الله ﷺ من علم الكتابة، كما لا يعرف الفرق بين العربية والأعجمية فيها، فكيف تم الرد عليها من جميع وجوهها من غير أن يعلم الرسول ﷺ علم الكتابة والحروف؟ وقد علمنا أنها غايتهم، لينزل في هذا القرآن ما هو إرشاد لعلم الكتابة العربية دون سواها، وبذلك سيكون الرسول ﷺ أعلم بها، وستنتفي بنزولها معجزة الرسول ﷺ ، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
стр. 119
أقول لقد نزل الرد بقوله تعالى (ص) وأتبعها بالبيان بـ (حم) وكل حرف من الحروف المقطّعة كما دلت ألفاظها على أصلها، وهي الحروف الكتابية المعجمة، أي (أنا الله أعلم بلغات البشر وألسنتهم، أنا الله المبدئ للغاتهم والمفصّل لاختلافها، أنا الله الخبير بما يصلح من لغاتهم لتحمل كلامي ومقاصدي، أنا الله أرى ما في نفوسكم من كيد وتدبير أقول هذه الحروف، لتنزل بحكم الأسماء معرَّفة في كتابي المحكم، وجزءاً من كلامي المفصّل، لأرفع شأنها، ولأجعلها آيات للناس، أنا الله قد اخترتها لعلمي بها لا لجهلكم بها، وسأتمم على عبدي ورسولي نعمة الرسالة من غير نقص لما أعجزتكم به، ولتعلمنّ نبأ هذا الكتاب الذي فصّلت وأحكمت مكتوباً بهذه الحروف بعد حين)، إذن فهي موطن الشك عندهم لا في لغتهم ولسانهم على العموم، وشبهة شكهم في ذكر الله هي من باب الشك في قدرة لغتهم بحروفها لا بألفاظها على حمل كتاب الله، وهي شبهة قديمة باطنة في نفوس المشركين منذ بداية التنزيل، وزاد شكهم عند تنزيلها في أوائل السور كسورة القلم، ويظهر شكهم فيها هنا لأنهم أظهروه في كلامهم، ودلت عليه شبهتهم، فكشفها الله وأبطلها برده أنّه الأعلم بما هو الأصلح والأبقى، وهذه الحروف التي قالها الله وإن كانت أسماء لحروف بسيطة معجمة الكتابة في الأصل، ونكرات قبل قوله (١)، فقد رفع الإعجام والإبهام عنها بمجرد قوله جلّ في علاه، ومعلوم أن الحروف القديمة إذا كُتبت أُعجمت، وإذا قُرأت كانت هجاء، فهي حروف هجاء في كتاب الله لا حروف معجم (٢)، لأن العبرة في كتاب الله باللفظ ابتداءً لا بالكتابة، فصارت هذه الحروف المعجمة حروفاً من نور، أنارت درب العلم للمسلمين، وكانت مما اختاره الله لحمل كلامه في الكتاب الموعود، وهو الحكيم العالم بإحكام الكلام، والخبير بما يكون من تفصيله، كما في قوله تعالى ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] فهو الخبير بألسنة الناس وعلوم كتابتهم. ولكن المشركين بعد هذا البيان وفضح أسرار نفوسهم لم يؤمنوا، وقال الله بعدها ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الاعراف: ١٧٩]. وسيظهر لنا إن شاء الله تعنتهم في هذه الحروف، كما هو حالهم دائماً، وذلك عند الحديث عن بيان دلالات الإعجاز فيها على أمية الرسول ﷺ .
وبحسب واقعهم فقد كان فيهم ثلاثة رجال هم أعتى المشركين في المكر والخديعة، ومن تتبع القرآن وأقوال المفسرين يجد ذكرهم متكرراً عند أغلب الشبه، وخاصة ما تعلق بالقرآن، وهم: النضر بن الحارث، (٣) والوليد بن المغيرة، (٤) وعتبة بن ربيعة، (٥) وهم أعلم العرب في الكلام وما سواه من علوم، وكانوا من المكثرين للتنقل في بلاد العجم للتجارة والسياحة والتنعم، وما أظن هذه الشبهة إلا من صنيعهم، ويصدّق هذا الظن ما جاء في السير أنّه لما قرأ النّبيّ ﷺ على
стр. 120
عتبة بن ربيعة ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) فصلت﴾ ورجع لقومه فسألوه: "ما وراءك - قال: ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد النّاس به، قالوا: سحرك والله بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم." (١) وفي رواية "فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته" (٢)، وفي رواية "وما دريت ما أردّ عليه." (٣) وفي رواية "ما فهمت شيئاً مما قال" (٤)، وأنكر عليه قومه عدم فهمه وقد سمع كلاماً عربياً، ولكنها حجة الكاذب المصدوم، وقالها لأنه لا يستطيع الحديث وأراد أن يختلي بنفسه كما جاء في نفس الرواية "لم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم"، وصدق الله إذ يقول بعدها (هو عليهم عمى)، إذن هذه هي الإشارة على السبب الذي منع المشركين من الرد، وتكمن في عجز هذا الخبيث وأصحابه عن الرد.
ومما يتناسق مع هذا المقصد ومع هذه الإشارة في الحروف قوله تعالى في سورة أخرى ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا
стр. 121
إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) غافر﴾ "قال قتادة: أسفارهم فيها ومجيئهم وذهابهم." (١) وهي ظاهرة بيّنة، لتثبيت الرسول ﷺ ولتحذيره، بألّا يخدعونك بأقوالهم ويحتجوا عليك بأنهم أكثر سفراً في البلاد، وأنهم أعرف بأحوال الناس، (٢) وقد تتابع هذا البيان بذوات حم، ومن تتبع السور السبعة ذوات (حم) وتسمى (آل حاميم) علم أنها نزلت كالحمم على رؤوس المشركين وقلوبهم، وكان بها نصراً معنوياً للرسول ﷺ وتأييداً له بفضح أسرارهم، وبالذات سورة فصلت، والتي حوت بيان هذه الشبهة، حتى أن الرسول ﷺ من تعظيمه لهن جعل من (حم) شعارا للنصر المعنوي في أحلك المواقف، بقوله ﷺ (إن بيّتكم العدو فليكن شعاركم: حم لا ينصرون) (٣)، وفيه إشارة لبعض الآيات التي ورد فيها (لا ينصرون) وأولها ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) حم فصلت﴾ وآية ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) الم آل عمران﴾ وآية ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) طسم القصص﴾ وكل هذه الآيات من سور الفواتح.
стр. 122
وكون الحروف المقطّعة شعار هو فهم بعض التابعين، ومن قال من العلماء هي افتتاح كلام، كأبي عبيدة معمر بن المثنى عندما قال عنها: "افتتاح، مبتدأ كلام، شعار للسورة" (١)، وهو الوجه الصحيح للقول بأنها أسماء للسور، فالأسماء والشعار حكمها واحد في اللغة. وكذلك الوجه الصحيح للقول بأنها أسماء اختص القرآن بها، وكذلك أسماء اختص بذكرها رب العزة والجلالة، وليست أسماء للقرآن أو لله تحت أي اعتبار، قال الزمخشري: "ولبني فلان شعار: نداءً يعرفون به" (٢)، وهذه الحروف اختص بها القرآن واختص بها المسلمون، ومن هذا الفهم قول شريح بن أوفى العبسي بعدما قتل محمد بن طلحة في وقعة الجمل، وكان ابن طلحة يقاتل حزب علي بن أبي طالب ﵃ جميعا -
يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلا تَلا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ (٣)
стр. 123
أي يذكرني بأن حم هي شعار النصر، وأنه من أهلها، وعدوهم لا ينصرون بقوله "حم لا ينصرون"، وهي شعار النصر على المشركين، وما نحن بمشركين ولا سلاحنا بسلاح سوء، وهذا الرمح شاجر أي مختلف عليه، ولا خلاص له منه، من قول لبيد
فأَصْبَحْتَ أَنَّى تأْتِها تَبْتَئِسْ بها كِلا مَرْكَبَيها، تحتَ رِجْلِكَ، شاجِرُ
قال في اللسان: "والشاجر المختلف" (١)، وقال الخليل بن أحمد: "وقد شَجَرَ بينهم أمرٌ وخصُومةٌ أي اختلط واختلف، واشتَجَرَ بينهم. وتَشاجَرَ القومُ: تنازعوا واختلفوا. ويقال: سُمِّيَ الشَّجَر لاختلاف أغصانِه ودخولِ بعضها في بعضٍ، واشتقَّ من (تشاجر القوم) " (٢)، قال ابن قتيبة في شرح البيت: "يقول من حيث أتيتها (أي الناقة) لزمك بأسها وشاجر ناب بك" (٣)، والمراد من الوصف كما قال البطليوسي: "إنك ركبت أمراً، لا خلاص لك منه" (٤)، ويقول شريح بعدها: فهلا تلا وتدبر ذوات حم قبل التقدم والاستبسال في قتال إخوته، ليعلم ما هي وفيمن نزلت،
стр. 124
ويعلم أنها ليست شعاراً للنصر على أولياء الله وأهل الحق، وعلى منوالها قال أبو المغيرة ابن عم ابن حزم في رده عليه بعد أن ذمه:
وغاصب حقٍّ أوبقته المقادر ... يذكّرني حاميم والرمح شاجر
غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ... ويجهل أنّ الحقّ أبلج ظاهر
ألم تتعلّم يا أخا الظّلم أنّني ... برغمك ناهٍ منذ عشرٍ وآمر (١)
ولذلك أعربوا حاميم إعراب ما لا ينصرف لأنها شعار، والشعار أو العنوان كاسم السورة لا ينصرف، لذلك "قال أبو عبيد: هكذا يقول المحدثون لا ينصرون بالنون، وإعرابها لا ينصروا" (٢)، وهذا لأنها شعار ولو كانت جملة لكان إعرابها كما قال، والرسول ﷺ أفصح من نطق بالعربية، ومن استدل بهذا البيت على أنه جعل حم اسماً للسورة فقد وهم، فأي سورة من ذوات حم قصد وهي سبع سور، ومن قال إن محمداً بن طلحة كان يناشد من يحمل عليه بحاميم، فقد وهم أيضاً فهذا صنيع الجبان، وليس لقاتله أن يفخر بقتله إن كان كذلك، أما قائل هذا البيت فقد تفاخر بقتله صنديداً شجاعاً يتغنى بشعار النصر على أعدائه، وقد ذكر ابن الأثير أن التقدم كان بإمساك خطام الجمل الذي عليه عائشة ﵂ وقُتل كثير ممن تقدم وأمسك به، وكان ممن أخذ بخطام الجمل محمد بن طلحة، "فجعل لا يحمل عليه أحد إلا حمل عليه، وقال: حاميم لا ينصرون، واجتمع عليه نفر، كلهم ادعى قتله" (٣)، وهو من سمّاه الرسول ﷺ محمداً على اسمه، (٤) وأبوه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن المشهورين في الشجاعة والاستبسال، وقد شلت يده يوم أحد من دفاعه عن الرسول ﷺ (٥)، وابنه إبراهيم بن محمد بن طلحة كان يلقب بأسد الحجاز (٦)، ومن كان مثل محمد بن طلحة، لا يكون بحال كما صوره بزعمهم.
ويروى عن ابن مسعود أنّه قال: "إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات، أتأنق فيهن" (٧)، أي" أُعْجَب بهنَّ وأَسْتَلِذ قراءتهن وأتتبَّع محاسنهنَّ" (٨)، وقال أيضاً: "آل حم ديباج القرآن" (٩)، وقد أتى فيها إشارة وبيان لسبب عجز وإعجاز المشركين العرب عن الرد، وهم أهل هذه الحروف وأهل الفصاحة بنطقها وفنون نظمها، مع العلم بأنهم حاولوا جاهدين إيجاد
стр. 125
عيب أو نقص في النصوص التي خاطبتهم، وهم أقدر الناس على الإطلاق لفهم وتمحيص هذه النصوص، وقد وصلنا الكثير من الآثار الدالة على محاولتهم فهم المقاصد والتأمل بالكلام، كما وصلتنا ردودهم الفصيحة وألفاظهم المسيئة، من أولها: (رد أبي لهب حيث رد الله عليه بـ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، إلى آخرها: وهو قولهم (أخ كريم وابن أخ كريم) (١)، ولم يَرِد ولو بنص ضعيف تعليق واحد منهم على هذه الحروف المقطّعة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل وبكل وضوح على علمهم بمغزاها، وهو أن هذه الحروف نزلت كشعار لبعض السور، لتعظيم السطر بها ولتنظيم الكتابة في القرآن، وبها ستخلّد لغة العرب، وسيكون لها ما كان لغيرها من لغات الأمم الأخرى من الشهرة والعظمة، بل أكبر وأجل، بأن سيكون لهم كتاب كما للأمم قبلهم كتب، مكتوب بلغتهم الفصيحة التي يتغنون بها في أشعارهم، وهم أعرف الناس بما سيكون عليه هذا الكتاب إن تمّت العناية به، وعلى يقين بأن لغتهم هي الأجدر بين اللغات لتسطر بها الكتب، مع وضاعة علم الكتابة عندهم. فهي تمثل دعوة لهم ترغيباً في كتابة كلام الله، كما جاء ترغيبهم بالإيمان بكلام الله لنزوله بلغتهم في ذات السورة (بلسان عربي مبين) أي لسان بليغ يبيّن للأمم جميعاً ما أراد الله. هذا كله مع علمهم بأن الغاية من القرآن لم تكن لإبداع كتاب أو الحفاظ على لغة من بين اللغات، فلو طرح أحدهم في ذلك الزمان تأليف كتاب لتخليد لغة العرب وأشعارهم، لأجلوه أعظم إجلال، ورفعوا منزلته بينهم، وهذا ما يحصل في الأمم عموماً من تخليد أهل الكتب وأهل العلم، لكن الغاية من القرآن أعظم وأجل، وهي عبادة الله وحده وإنفاذ تشريعه بين الناس، والحفاظ على ما أنزل من أحكام، وبناءً على هذا الحفظ ألزم القرآن حفظ لغة الخطاب، بما فيها من لفظ وكتابة ومعنى، وقد علم المشركون أنهم إن آمنوا بالغاية تحصلت لهم الوسيلة، وهذا كله مع معرفتهم لرسول الله ﷺ وبأمّيّته، وبما أنه قال هذه الحروف بأسمائها دون ألفاظها و"التعبير عن الحروف بأسمائها من رسوم أهل القراءة والكتابة " (٢)، فهي دلالة على أنها ليست من نفسه، بل هي ليست مجالاً للنقاش معه، إذ هي بالمحصلة ليست لهم أو ليس لهم خيرها، إلا إن اتبعوا ناطقها، لكونها خاصة بمن سيكتب القرآن، وبها سيكون المتبعون لها أهل كتابة، وهم ليسو كذلك في الأصل بل هم أميون، فكانت إعجازاً لهم عن الكلام فيها. وإن قال قائل بعد هذا البيان (لا بل لم يفهموها) نقول له ما ذكره الرازي على الاحتجاج بالمعقول في هذه الحروف "من وجوه: أحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة اليونانية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها: إن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها: إن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به" (٣)، وفي كلام العرب: "وكلُّ مَنْ لم يُفْصح بشيء فقد أَعْجَمه. اسْتَعْجم عليه الكلامُ: اسْتَبْهَم" (٤)، وقد جاء بعضها قبل الرد في سورة فصلت على طلبهم بإعجام القرآن
стр. 126
كما في سورة القلم، فكيف تأتي بالإعجام ابتداءً، ويردّ الله بعدها في سورة بقوله تعالى ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وبيّن شبهتهم بقوله تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ فهي إذن ذات دلالات لا مجال لنفيها، ومن إدّعى بأن فيها خبيئة فقد رمى القرآن بالإعجام.
وتماشياً مع من إدّعى بأنهم لم يفهموها، أو قال فهموها على غير هذا الوجه أقول: عرفنا بأنهم أميون بنص الكتاب والسنة وعلوم التاريخ والآثار، والسؤال هنا: ماذا سيفهم الأمي لأول وهلة عند سماعه هذه الحروف بأسمائها (نون، قاف، صاد، حا ميم)؟ أو ما هو المغزى من ذكرها؟ هل أنها من أسماء سور ذلك الكتاب الموعود، والذي لا زيغ فيه ولا باطل؟ أم يلزمهم عدها وقسمتها على سبعة ليعرفوا ما بها من دلالات حسابية، وهم لا يعرفون الحساب أصلاً؟ وكما أسلفت فإن لهذا الأمّيّ حالات، وكلهم فصيح بلسان القوم، أمّي لا يعرف الكتابة، وأمّي بالنسب لأهل الأمّية.
أما الأول منهم فلن ينطق ببنت شفة، لكونه جاهلاً بها وبأصول الكتابة فليس له أن يتكلم أصلاً، وكأن هذه الحروف قد أخرسته وأعجزته عن مجرد الحديث العابر فيها، وزيادة عليه إن سماعها يعد تقريعاً له ولقومه على جهلهم بالكتابة وعلوم الكتب (١)، إلّا إن اتبعوا قائلها، فإما أن يقول آمنت أو يقول كفرت، هذا إن كان جاهلاً لا يقرأ ولا يكتب، وهم الغالبية من أهل الجاهلية، فكيف بمن كان عارفاً بالقراءة والكتابة وبارعاً في نظم الكلام، وعارفاً بقوانين الكلام
стр. 127
الفصيح؟ وهو الحال الثاني، وهو من قرأ وكتب وقومه موسومين بالأمّية، هل كان سيفهم أنها علامات على بدء السور؟ أو أنها "إيقاظاً لمن تحدى بالقرآن وتنبيهاً على أن أصل المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم، فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه" (١)، وليس الإتيان هنا بما يدانيه بالكتابة، بل بمجرد النظم، وهل مثل هذا التحدي يأتي بهجاء الحروف؟ أم أن مثل هذا التحدي جاء صريحاً في الكثير من آيات التحدي كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) البقرة﴾ " ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ أعوانكم أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك، وقال مجاهد: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قال: ناس يشهدون به يعني: حكام الفصحاء" (٢)، فالحاصل إذن أنهم فهموا مغزاها، وإن لم يعلموا ما ستؤول إليه هذه الحروف، والعلم بالشيء فرع عن تصوره، وعلمها وتأويلها (أي الحروف) آت بعد إتباع قائلها وتسطير ما يقول، ليتم بذلك الكتاب الموعود. فعلموا جميعاً أن فيها خيراً إن انتشر دين الإسلام، فهي من حروف لغتهم، وسيكون هذا الكتاب الموعود أول كتاب بحروف عربية على لسانهم، فهل يستقيم أن ينكروها وينكروا لفظها، وهي تدعوا للخط بحرف العرب ولسانهم. لذلك قال عتبة لأهل قريش: "خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد النّاس به"، هذا وإن جاء القرآن بمدح اللغة العربية ورفع
стр. 128
شأن اللسان العربي في مواضع كثيرة، ولكنها (أي الحروف) صريحة بأن ذلك الكتاب الموعود، والمرسل للناس كافة ولجميع الأمم سيكون بحروف عربية على لسانهم، قال ابن الرومية (١):
كذا قضى الله للأقلام مذْ بُرِيَتْ ... أن السيوف لها مذ أُرْهِفَت خَدَمُ
وقد قيل "الخط لليد لسان، وللخَلَدِ تَرجمان، فرداءَته زَمَانة الأدب، وجودته تبلغ بصاحبه شرائف الرتب، وفيه المرافق العظام التي مَنّ الله بها على عباده فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَم﴾ " (٢)
ولكن قد علمنا بأن المشركين كانوا يجحدون بآيات الله البينة بعد إقامة الحجة عليهم، فأين تعنّتهم؟ وما هو سبب سكوت الصحابة عنها؟ حتى إن علموا أن تأويلها لا يكون إلا بكتابتها على ما فيها من دلائل للكتابة، وقد علمنا أن الأمر بالقراءة كان في أول آي التنزيل بقوله تعالى (إقرأ) ولم يأت الأمر بالكتابة ظاهراً، وأتى بذكر هذه الحروف وما بعدها مباشرة من ذكرٍ للكتاب وسطر للكتب. (٣) ونعلم أنّه نزل من هذه الحروف في الزهراوين (البقرة وآل عمران) وهما مدنيتان، لتكتمل الرسالة وتمنع الاعتقاد بأنها كانت للرد على المشركين فقط، بل فيها علم الكتابة المقرون بالقرآن، ونعلم أن في هذا دليلاً على إعجاز الله للخلق ببقاء معجزة نبيه ﷺ
стр. 129
وهي الأمية، فلم يتكلم فيها الرسول ﷺ إلا بظاهرها ومعناها، ولم يتأولها، لأن عدم تأويلها كان إحدى دلائل الإعجاز على صدقه، أما تعنت المشركين وعدم حديث الصحابة عنها فسيظهر في بيان حقيقة الإعجاز لكون النبي ﷺ أمي ويقرأ هذه الحروف، وسيظهر في بيان الآية التي حملت تلك المعاني في فواتح السور كما سأبين في نهاية الكتاب إن شاء الله لتبقى محفورة في أذهاننا، لأن الصورة لا تكتمل إلا بعد اكتمال أركانها، ومن هذه الأركان بيان الإعجاز في نظم هذه الحروف وما حملته من علم.
فهذه الآيات إذن ظاهرة بينة، إلا ما تعذر فهمه من كلمات، وبفهم الآيات نفهم السور وأسباب نزولها، ولو قرأنا أسباب النزول كما أوردها من جعلها المفتاح لفهم الآيات لما أفادت بشيء في التفسير- هذا مع الإقرار بفائدتها كآثار تدل على علم عظيم كما تدل عليه كل الأحاديث- وقد قالوا في أسباب تنزيل سورة القلم (ن): "عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، ولذلك أنزل الله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾ (١). قوله ﴿وَإِن يَكادُ الَّذينَ كَفَروا﴾ الآية: نزلت حين أراد الكفار أن يعينوا رسول الله ﷺ فيصبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، فقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه، وكانت العين في بني أسد، حتى إن كانت الناقة السمينة والبقرة السمينة تمر بأحدهم فيعينها ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدرهم فأتينا
стр. 130
بلحم من لحم هذه، فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب خبائه فتمر به النعم فيقول: ما رعى اليوم إبل ولا غنم أحسن من هذه، فما تذهب إلا قريباً حتى يسقط منها طائفة وعدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين ويفعل به مثل ذلك، فعصم الله تعالى نبيه وأنزل هذه الآية." (١) أقول: إن قول عائشة أم المؤمنين ﵂ في الأولى، لم يأت لبيان سبب تنزيل هذه الآية، بل جاء كأنها تقول (لذلك قال الله وإنك لعلى خلق عظيم) وهو ما بيّنته روايات الحديث الصحيحة "عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت: يا أمّ المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله ﷺ ، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن: ﴿وإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ " (٢)، وهو حديث عظيم له دلالات عظيمة، وليس فيه ذكر سبب التنزيل على اليقين، وقد ذكره العلماء في أوصاف الرسول ﷺ خير البشر وخير الأنبياء والرسل؛ لنعلم ما كان عليه نبينا وأنه أحسن الناس خُلقاً، (٣) وأما الثانية فلم تكن سبباً في التنزيل، فقد جاءت لتفسير كلمة "ليزلقونك"، وقد تكلم فيها علماء التفسير بما لا مجال لذكره هنا، ومعناها اللغوي أفاد بما أفادته الرواية، وبيان سبب ذكر هذه الكلمة في هذا السياق لا يعمم على الآية، وقد جاء بعدها (ويقولون إنه لمجنون) وهو السبب الرئيسي، مع العلم أن هذه الرواية أفادت بالكثير من العلم، بأن العين حق، وأن الحذر منها واجب، وأن المشركين لم يتركوا طريقاً لمنع الرسول ﷺ من إتمام رسالته إلا وسلكوه، وغير هذا من الفوائد العظيمة، ولكنها لا تكون سببا لفهم هذه الآية، وأنها نزلت لتعصم الرسول ﷺ وهو - المعصوم أصلاً-، فسياق الآية والسورة لا يشير إليه على أي حال من الأحوال، وجل ما يستفاد منها في فهم التفسير أنها نزلت لوصف حالهم من شدة حقدهم عليه ﷺ . وغير هذه الآيات والسور كثير، والأدلة على أن الكتب التي عنيت بأسباب التنزيل احتوت علماً شريفاً بمضمونها، ولكن أسلوب السرد فيها كان محدثاً، والواجب رده لقول الرسول ﷺ (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٤)، فلا نقول سبب تنزيل هذه الآية أو السورة كذا بالرجوع لهذه الكتب وكأنها معجم ما استعجم من واقع نزول القرآن، بل نأخذ ما جاء في تأويل الآيات والسور مما ورد في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وكلام الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وما جاء في كلام العرب، مراعين لواقع المخاطبين من خلال ما ذكر فيها جميعاً لفهم واقع التنزيل وحال المتلقين، وهذا هو الحق في التأويل. وإن كان الإمام أحمد قد قال: "ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" فنحن نقول: إن كتب أسباب التنزيل ما زالت من غير أصول، يسّر الله لها من يعطيها حقها.
والأعجب من حصر الأفهام بأسباب ضعيفة السند والمتن ما تجده في قول أحدهم إن قوله تعالى من ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، (٥) ونسي
стр. 131
أن كلام الحي القيوم لا ينسخه كلام البشر، ونسي أن الكفر والشرك والإلحاد ألوان، وما أحوجنا في هذه الأيام لفهم هذه الآيات، إذ صار مذهب الإلحاد علمياً وعقلياً بزعمهم، فإن قال الله لنبيه اصبر قبل قتالهم، فقد صبر بعد قتالهم ولم يقل ما قالوه.
هذا وقد أسهبت في بيان الحجج وردها بما ينبغي من القول، ولم أقتصر على ذكر الدلالات والحجج لسبب واحد، وهو أنك إن أردت إقناع أمة من الأمم بوجود كنز في بحرهم، فعليك إخراج بعضه أمام أعينهم وتحت ناظرهم، ولا تقتصر على الإشارة إليه.
стр. 132
الفصل الرابع: دلالات الإعجاز في فواتح السور
لقد تجلى حفظ القرآن عبر العصور، ولم يمسسه ما مس غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء من تحريف وتبديل، وهذه الحقيقة من اليقينيّات المسلم بها في دين الإسلام، وما من مسلم يقرأ القرآن إلا وعنده اليقين التام بأنه يقرأ ما كُتب من الذكر بعد تنزيله على محمد ﷺ ، ويتلفظ بذات الكلمات التي استقرت في قلبه الشريف، وما من قارئ لكتاب الله - مسلم أو غيره - إلا وفي نفسه الإجلال من كيفية الإعجاز في حفظ القرآن على مدى الأزمان وإلى أبد الآبدين في الصدور والسطور، فقد نزل القرآن مؤيداً بحفظ الله على لسان العرب، وعلى قلب خاتم الأنبياء والمرسلين وخير البشر أجمعين محمد النبي العربي الأمين، ولم يأت الأمر فيه صراحة للنبي بكتابته وتأليفه، بل أمرَه بقراءته من حفظه كما في قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ومن ثم تبليغه للناس كما في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ .. الآية ٦٧ المائدة﴾ ولم يكن لهذا النبي المختار ﷺ من علم بالكتابة والقراءة للحروف، كآية باقية من الله لإعجاز البشر، ولذات السبب لم يضع رسول الله ﷺ أسُساً وقواعد لكتابة القرآن الكريم، ولم يشرف على تأليفه في كتاب مفرد بنفسه، ولم يأمر بذلك أيضاً، واكتفى بأمر الصحابة بكتابته ونشره بين الأمم، فلم يكن له القدرة على تدقيق الكتابة ولا العلم بما يصلح من حروف وسطور لكتابة الألفاظ، ولا حتى الفرق بينها وبين سواها من لغات الأمم، وكان موقناً بحفظ القرآن في السطور كما تعهد ربه بحفظه في الصدور، مؤمناً بقوله جل في علاه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ولذلك رد أبو بكر ﵁ على عمر عندما قال له: أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقال:" كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول
стр. 133
الله ﷺ " (١)، فكان القرآن بذلك متعالياً على البشر جميعاً، ومنهم العرب أصحاب هذه الحروف، لكي لا ينسبوه لأنفسهم تأليفاً ونظماً، فلو أن القائل لم يكن له الأمر من قبل ومن بعد، لجاء فيه الأمر صراحة بالكتابة على حروفهم، وجاء فيه إصلاح ما فيها من عيوب لا تخفى على أهل ذلك الزمان أو هذا الزمان، ليتم بذلك تنظيم الكتابة لأعظم كتاب كتبه البشر بأيديهم، ولو أتى الأمر بكتابته فسيكون شرعاً متبعاً ولا سبيل لمخالفته، بل ستنتفي بذلك معجزة الأمية عن رسول الله ﷺ بما يقابلها من ضد الأضداد، فسيكون أعلم الناس بها، لأن في لسانه بيان مقاصد الشرع، وليس بين الناس من هو أعلم بالشرع منه، وسيكون أعلم أهل الأرض بالكتابة وعلومها.
إذن كيف يتم العهد بالحفظ في الصدور إن لم يحفظ في السطور كما أمر الشارع أن يكون؟ هل تُرك الأمر لمن يكتب الوحي، كلٌّ على ما يرى من أسس الكتابة؟ أم نزل في هذا القرآن ما يُلزم الكاتب إتباعه وعدم مخالفته؟ وكيف يتم بيان هذا الكتاب لباقي الأمم باللفظ والكتابة وهم لا يعرفون ألفاظنا وحروفنا؟ هل ترك التفصيل فيها للمبلّغين بعد الرسول ﷺ كلٌّ على ما يرى من أساليب البيان؟ أم ألزم القرآن أتباعه بقواعد للبيان الذي لا لبس فيه؟ وإن كان هذا الأمر قد أتى ولم يعلمه رسول الله ﷺ ، فكيف نقله إلى البشر ولم يبينه بجملة واضحة بينه؟ أقول: انظر
стр. 134
لفواتح السور وستعلم أين جاء الأمر بالكتابة وعلى أي حرف، وكيف ألزم الناس على اتباع أشرف الأسس في الكتابة، وأبلغ الطرق في التبليغ والبيان، فكانت هي القواعد البينة، وكان تأويل الرسول ﷺ لها بما آتاه الله من تأويل لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فأمر ﷺ بتلاوتها كما جاء الأمر للقرآن كله بقوله (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله عشر حسنات) وأمر بكتابتها - كما هو الأمر للقرآن كله - على هيئة المسميات بقوله (لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) أي أن الحرف يمثل كلمة واحدة، وفي هذا النص حث على التدبر فيها وإن لم نعلم تأويلها، فكانت تحوي ما هو أبلغ مما حمل غيرها من المعاني. وقد علمنا أنه جاء فيها أبلغ الردود على أدق الشبهات الباطنة في قلوب العرب في ذلك الزمان - كما هي في هذا الزمان - وزاد على ذلك بأن جاء فيها من الدلالات المعجزة للبشر، لاتباع ما جاء فيها من غير مجال للحيد عنه من دون أدنى تصريح، وأعطت أبلغ الإشارات على أسباب حفظ القرآن بالسطور، لتتم الغاية من حفظ معانيه وألفاظه كما نزلت من غير زيادة أو نقصان، ولم تقتصر على ذكرها من غير إعجازٍ لقدرة البشر عن الإتيان بمثلها، فكان فيها إعجازا للعرب في دقة معانيها وبيان الغاية منها، كما في القرآن من إعجاز في نظمه وبلاغته ودلالات معانيه، ولو لم يعجز المشركون العرب عن الرد عليها، لما عجز علماء العربية عن تأويل معانيها بما يتوافق مع سمو الإعجاز الإلهي في نظم القرآن، ليعلم البشر كلهم بأن هذا الكتاب يحوي كلام الله، وهو عربي اللغة من جهة، وإلهي المبدأ والمنتهى بإعجازه العرب من جهة أخرى.
والسؤال هنا: كيف كان لذكر الحروف المقطّعة في فواتح السور أثر وسبب في حفظ القرآن وحمايته من التحريف؟
стр. 135
والجواب هو: إنها حملت في طياتها دلالات إعجاز عجيبة، كانت كالقواعد المتينة لحفظ القرآن من التحريف، وهذه الدلالات تعلقت بذكر الحروف على هذا الوجه، وكيفية ورودها على هذه الهيئة، وهذه الدلالات تتفق بنسق عجيب مع الغاية والقصد من ذكرها، باعتبارها الأحكام الثابتة بدلالة النص، وهي الثابتة "بمعنى النظم لغة لا استنباطاً بالرأي، لأن للنظم صورة معلومة ومعنى هو المقصود به" (١)، وهذه الدلالات تتفق مع إشارات الإعجاز المذكورة سابقاً، من غير قياس على ما يزيد عن كتابة وهجاء الحروف في اللغة العربية، ولا أقصد بالإعجاز هنا أنه كالإنبهار من عظيم المعاني، كما يتخيلها البعض في هذا الزمان، بل الإعجاز هنا على أصله، وهو نقيض الحزم وعدم القدرة والضعف (٢)، فهذه الحروف قد أعجزت متبعيها على مخالفة ما فيها من دلالات، وكانت بمثابة الأسس والقواعد لتنظيم الكتابة، وإن نظرنا للأسلوب العلمي في العصر الحديث لكتابة البحوث والمراجع العلمية، نجد المؤسسات العلمية ومراكز الأبحاث المتطورة تضع أسساً وقواعد للكتابة، لما تراه من حق لها في تنظيم الكتب المنسوبة إليها، ولضمان جودتها المرتبطة بسمعة المؤسسة، وأي باحث مهما علا شأنه محكوم بهذه القواعد المنصوص عليها من أعلى جهة رقابية في المؤسسة، وفهم دلالات الحروف المقطّعة في فواتح السور يبدأ من هذه النقطة، أي أن نعتبرها تأصيل وتنظيم لكتابة القرآن الكريم بالسطر، وذلك لأهمية كتابته وضرورة تبليغه باللفظ والكتابة معاً، قبل اعتبار ما جاء فيها من إعجاز في مضمون ذكرها.
стр. 136
الباب الأول: دلالات الإعجاز وأوجه التوافق مع فهم القرآن بحسب أصول التفسير
هذه الدلالات ترتبط مع إشارات الإعجاز في الحروف المقطّعة، وترتبط مع فهم القرآن بالقرآن والسنة، ومع فهم السلف الصالح وما في أصول التفسير من قواعد، من عدة وجوه أُبَيُّنها فيما يلي:
الوجه الأول: أن أول ما نزل من فواتح السور ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وهي كما قال مجاهد وقتادة: يعني: وما يكتبون (١)، وقد استدل علماء اللغة بهذه الآية على أن الرسم العثماني للقرآن توقيفي، ولا يجوز مخالفته بحرف واحد، ولسنا بصدد البحث في استدلالهم هنا، بقدر ما نستشهد بذكر السطر والكتابة بعد الحروف كما فعل أهل العربية، هذا أولاً، ولكون الثابت بدلالة النص موقوف على ما ثبت بمعاني النظم ثانياً، وهي الحروف الكتابية.
الوجه الثاني: أنه داخل في بيان القرآن كما في قوله تعالى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) القيامة﴾ والقارئ لكتاب الله يجد في هذه الآيات تعهدا من الله بأمرين، هما: جمع التنزيل، وجعله قرآناً ليقرأه الناس إلى أبد الآبدين. وجمعه يكون في صدر رسول الله ﷺ كما قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ "قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه،." (٢) وجعله قرآناً يكون بتأليفه كما "قال قتادة في قوله نعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا
стр. 137
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ يقول حفظه وتأليفه" (١). والدليل على هذا الفهم ما تبعه من أمر ﴿َفإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ كما قال ابن عباس: فاستمع له وأنصت (٢)، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال الزجاج: المعنى علينا أن ننزله عليك قرآناً عربياً فيه بيان للناس. وقيل المعنى: إن علينا أن نبينه بلسانك." (٣) فكتابة القرآن في سطور وصفحات وجعله كتاباً كاملاً من غير نقص من ضمن ما أخذ الله على نفسه جل في علاه، وداخل في حفظه تعالى بقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
الوجه الثالث: أنّ فواتح السور لم تذكر في القرآن إلا وجاء بعدها إشارة على الإعجاز والنصر، وجاءت كلمة القرآن بعدها بلفظ الكتاب أو ما يفيد الكتابة للتنزيل، قال ابن كثير: "ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢ - ١]. ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران:٣ - ١]. ﴿المص * كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢ - ١]. ﴿الر كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]. ﴿الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢ - ١]. ﴿حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢ - ١]. ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣ - ١]، وغير
стр. 138
ذلك من الآيات .... " (١) ودلل عليه الباقلاني في إعجاز القرآن وقال بأن سياقها "مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على معجزته" (٢)، وحجة القرآن قائمة بنظمه ولغته، وبما أن القلم أحد اللسانين، فالإعجاز في القرآن حاصل بكل محتواه، "والكتاب مصدر، وهو بمعنى المكتوب." (٣)
الوجه الرابع: إنّ الاتفاق حاصل على أنها حروف، وقد بينها الرسول ﷺ بقوله "ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، وكما تقدم في بيان الحديث أن الظاهر منه هو تفسير الحروف بنفسها، ثم الدلالة على مسميات الحروف (وهي الحروف الكتابية)، إذ لو لم تكن الدلالة عليها لكان في الألف وحدها خمسون حسنة، وهذا مناف للحديث، كذلك لم يقل أحد بأنها كلمات لإجماع الأمة على لفظها كحروف، والحرف في أصله اللغوي هو الحد والطرف والجانب، "فسميت حروف الكلام حروفاً لأنها طرف الكلام وحَدُّهُ ومنتهاه، إذ كان مبدأ الكلام من نفس المتكلم ومنتهاهُ حَدُّه وحرفه القائم بشفتيه ولسانه ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) البلد﴾ فلفظ الحرف يراد به هذا وهذا وهذا. ثم إذا كتب الكلام في المصحف سموا ذلك حرفاً فيراد بالحرف الشكل المخصوص، ولكلامه شكل مخصوص هي خطوطهم التي يكتبون بها كلامهم ويراد به المادة ويراد به مجموعهما، وهذه الحروف المكتوبة تطابق الحروف المنطوقة وتبينها وتدل عليها فسميت بأسمائها إذ كان الإنسان يكتب اللفظ بقلمه" (٤)، فمطلق اللفظ بالحروف يقصد به الحروف الكتابية وليس الصوتية، ثم يدل اللفظ علي تطابقهما، وهو ما أثبته علم اللغات في أصل الحروف وبداية استعمالها، ولذلك كانت العرب تقول: لم ينطق ببنت شفة ولم أسمع منه شيئاً، ولم يقولوا لم ينطق بحرف، فالحرف عندهم كان كلمة مبهمة إن كانت وحدها ولا بد من إضافتها لشيء، فتجد من الصحابة بعد نزول القرآن من يقول: لم أسمع منه حرفاً من القرآن، كما يقولون أيضاً: يقرأ القرآن على حرف قريش، لأنها إن أضيفت للقرآن كانت للتعريف والدلالة على قراءة الحرف المكتوب، وإن أضيفت لقبيلة كانت تدل على اللفظ الخاص بلهجة القبيلة.
الوجه الخامس: إنّ الحروف كُتبت على صورة المسميات وليس على صورة أسمائها كما في اللفظ، هذا وإن كان في لفظ بعضها إشكال عند بعض الناس من غير العارفين باللغة، فقالوا لم قلنا طا يا ولم نقل طاء ياء كما في (طه، يس) وهي أسماؤها، فنقول فيها همزة مخففة، وهذا "هو التخفيف بإزالة الهمزة لأجل السكت." (٥) فكتابتها إذن على هذه الهيئة مما اتفق عليه الجميع. وأي قارئ في علم اللغات يعلم بأن الكتابة ابتدأت برسم الأشياء للدلالة على أسمائها، كما هو ظاهر في رسوم القدماء على جدران الكهوف من حيوانات ومعدات ورحلات للصيد، ومن ثم تطورت برسم الأشياء للدلالة على الكلمات أو الألفاظ، كما هو الحال في الكتابة التصويرية، فيرسمون مربعاً للدلالة على البيت مثلاً أو أفعى للدلالة على الشر، وبعدها تطورت لرسم الرموز الدالة على الألفاظ، كما كان عند البابليين باستعمال الرسم المسماري الأول، ثم تطورت باختزال الكلمات لرسم الرموز بأطراف الأقلام للدلالة على الحروف الصوتية الخالصة ومواقع النطق في الفم، أو للإشارة على اللفظ المجرد، كما في الحروف المسمارية المتطورة عند البابليين، وهو الظاهر في حروف المصريين القدماء، فيرسمون البوم دلالة
стр. 139
على حرف قريب من الواو في العربية مثلاً، ومن هنا انطلقت الكتابة بالحروف أو الرموز، فأصل الحرف هو ما دل على لفظ معين، واكتسب به الحرف اسماً له، فنكتب (ب) لتدل على خروج الصوت من الفم باستعمال الشفتين وذلك بإطباقهما مع التشديد في الإطباق وكأنهما تغرسان ببعض حتى ينقطع النفس ليتكون الصوت داخل الفم حابساً إياه عند باب الفم مما يلزم اضطراب المخرج لسماعه مع خروج النفس، ويلفظ بحسب ما قبله وما بعده من حروف (بِه بَه بُه) ونطلق على هذا الحرف اسم (باء). ويكتب هذا الحرف على صورته إن جاء في كتابة الكلمات، وعلى صورة اسمه إن جاءت لذكر الحرف بذاته، وقد سميت هذه الحروف بحروف الهجاء، ومن ثم جاء اختراع الأبجديات عند الفينيقيين، ونقلوها لليونانيين وغيرهم من الأمم، ووصفت بحروف المباني التي يبنى عليها رسم الكلام. وفي فواتح السور كتبت الحروف على صورة لفظها (الم) ولم تكتب بأسمائها (الف لام ميم) كما هو الحال في الأبجدية، وتلفظ بحسب أسمائها لا على هيئة لفظها فنقول (ألف لام ميم) ولا نقول (ألم من الألم) فغايرت بذلك المعهود في الكتابة، للدلالة على شيء خاص في كتابة هذا الكتاب، وهذا الشيء هو الدليل على الاختلاف بين هذا الكتاب وغيره من الكتب، والاختلاف بين قواعد الكتابة فيه وغيره من الكتب، ونحن نعلم بأن الحروف لا تلفظ بأسمائها إلا للتعليم، والتعليم فيها إن كان مقصوداً فلا يحمل على ألفاظها، بل على كتابتها كونه الأبلغ في الدلالة وما يتناسب مع الوحي الإلهي.
(فائدة: في لفظ الحروف العربية "إن قيل: لم قالوا: ها يا، ولم يقولوا في الكاف: كا، وفي العين: عا، وفي الصاد: ص، لتتفق المباني كما اتفقت العلل؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة، فيستقبحون فيها اتفاق
стр. 140
الألفاظ واستواء الأوزان، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، فيغيِّرون بعض الكِلَم ليختلف الوزن وتتغيَّر المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الأسماع." (١))
الوجه السادس: إنّ علماء البلاغة ذكروا في معرض تفصيلهم لهذه الحروف أنها تمثل نصف الحروف العربية، كما قال الباقلاني في إعجاز القرآن: "وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفاً، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم." (٢)، وهذه ليست الغاية والقصد، بل إشارة على أن الحروف في أصلها مثلت كتابة صوت الإنسان أو ما اصطلح عليه بالصوتات، وكلنا يعلم بأن الأبجدية العربية فيها ثمانية وعشرون حرفاً من غير (لا) وتمثل الحروف الصوتية للسان العرب، وكانت قبل التنقيط كما في أصلها تمثل صوتات العرب من غير دلالة على التغيير في لفظها، ومن غير تغيير في حدة الصوتة التابعة لها عند الكتابة، أما في القراءة فتتبع التغيير في حدة الصوت، أو بالأحرى كانت هناك حروف كتابية وتسمى الحروف المعجمة (أي المبهمة) وحروف صوتية وتسمى حروف الهجاء (أي حروف القراءة) (٣)، ولذلك كانت تكتب الباء والتاء والثاء والنون و (الياء في وسط الكلمة) برسم واحد وحرف كتابي مبهم واحد، ويتغير مع شدة الصوْتَه ليمثل هذه الحروف الصوتية عند القراءة، وكذلك الجيم والحاء والخاء. ومن بحث في أصل الكتابة العربية يجد اختلافاً واضحاً بين الحروف وأصلها في الحروف
стр. 141
النبطية، فأقدم نص جمع بين الحروف الأبجدية كان محتوياً على اثنين وعشرين حرفاً كتابياً، منها خمسة عشر حرفاً مختلفاً فقط (١)، وتمثل بمجملها الحروف الصوتية الثمانية والعشرين، بينما نجد اليوم سبعة عشر حرفاً مختلفاً إن ألغينا التنقيط، وهذا الاختلاف حاصل للفرض بأن الكتابة العربية أصلها من أبجدية وليست من حروف كتابية كما هو الأصل، والحقيقة أن الأبجدية العربية قد وضعت بعد الإسلام، فصارت تماثل غيرها كالحميرية، ولبيان الفكرة نعود للنقوش العربية في صدر الإسلام وما قبل الإسلام، فنجد الحروف في كتابتها خمسة عشر حرفاً لا سبعة عشر، لأن (د ذ ر ز) كانت تكتب بحرف كتابي مبهم واحد، كما هو الحال في غيرها من الحروف المتشابه، وعليه يكون الأصل فيها واحد (٢)، وبالرجوع لحروف الفواتح نجدها أربعة عشر حرفاً، ومع الواو تكون خمسة عشر، والواو ذكرت مباشرة بعدها في بعض الأحيان وأفادت القسم أو العطف، ولا أقول إنها من ذات الحروف بل أقول بأن ذكرها بعدها أغنى عن ذكرها فيما بينها، ولم تذكر بينها لعدة أسباب: أولها أن الواو من أكثر الحروف حملاً للمعاني (٣)، والثاني أن الواو من الحروف المفصولة عما بعدها وتكتب تحت السطر في كل أحوالها (ر ز د ذ و)، وقد ذكرت الراء عوضاً عنها جميعاً، والثالث أن الواو هو الحرف الوحيد من ضمن حروف العلة الذي يكتب بلا لفظ، كما في "عمرو" أو كما كانت تكتب "سعد" في العصر الجاهلي "سعدو"، هذا هو الدليل التاريخي بما جاء به علم الآثار، وما يتفق مع الأصل اللغوي المطابق، وهو اتفاق العلماء على ما قاله الباقلاني بأنها تشتمل على أنصاف صفات الحروف، وفصّله الزمخشري بقوله: "بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف. ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون. ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء. ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. . . فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته." (٤) وهي إشارة على أن الحروف الكتابية كانت تماثل أنصاف حروف الصوت، وتدل عليها كلها بتغيير نبرة الصوت، وإن كانوا استدلوا بهذا القول على ما جاء فيها من إعجاز
стр. 142
في النظم، فسآتي على تفصيل القول فيه عند الكلام على وجه الإعجاز في النظم إن شاء الله، وهذا كله يتوافق مع عدد مخارج الحروف على الصحيح بأنها خمسة عشر مخرجاً.
فهذه الوجوه تدل على أن في ذكر الحروف دلالات تخص الكتابة، بل تدل على أسس وقواعد الكتابة في القرآن، وإن قال قائل إن أسس الكتابة والتوثيق لم تعرف إلا في العصر الحديث مع انتشار واختلاف المؤسسات العلمية فهو جاهل، لأنها كانت وما زالت أساساً من أسس النظم في الكلام والكتابة، وهي الدليل الأول على جودة الكتاب وعلم الكاتب، وهو ظاهر في أقدم الكتب التاريخية اليونانية، وظاهر في كتب الإسلام الأولى، فهذا كتاب الصحيح للإمام البخاري، تجد من الناس من يستشهد بتنظيم أبوابه بل بذكر الحديث في باب معين على فقه الإمام البخاري ﵀، وهذا الزمخشري البليغ الشهير يقول في بداية كتاب أساس البلاغة: "وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولاً، وأسهله متناولاً، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف التمام وحبل الذراع، من غير أن يحتاج في التنفير عنها إلى الإيجاف والإيضاع؛ وإلى النظر فيما لا يوصل إلا بإعمال الفكر إليه" (١)، وغيره من الأمثلة التي لا حصر لها من كتب السلف والخلف.
وعلى ما سبق ولعلمنا بأن كل كلمة في الدنيا وفي أي لغة كانت لها أحكام: كيف تلفظ، وكيف تكتب، وما هو معناها، وما هو موقعها في نظم الكلام، وأساس ذلك كله لغة الكلمة، نستعين بالله على البيان ونقول:
стр. 143
الباب الثاني: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على لغة القرآن
كان لذكر حروف المعجم القديمة دلالة عظيمة على حفظ القرآن بلغته وهي: أن ذكر الحروف ولفظها بأسمائها مفصولة، برغم كتابتها على هيئة الكلمات موصولة، كانت مانعة للترجمة، وهذا ما أعطى للمسلمين دلالة واضحة، وبينة ظاهرة على منع الترجمة بإعجازهم لا بأمرهم، فقد أتى المنع بالدلالة لا بالتصريح على أنه "لا ترجمة للقرآن" بالمعنى الحرفي، إذ كانت هذه الحروف مكتوبة على هيئة الكلمات، ولها حكم الكلمة في كتابة حروفها، أما لفظها فعائد على ذكر أسمائها، وهي أصل اللغات وما لا ترجمة له حرفياً، وبالرجوع لعلم الحديث والأثر لا نجد أثراً واحداً عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه يفيد بمنع الترجمة، ولكننا نجد الإجماع على تحريم ترجمة القرآن ترجمة حرفية! ولو سألنا: ما هو دليل الجمهور قياساً على ما يتعلق بعلوم القرآن؟ سيكون الجواب: ليس هناك دليل صريح بهذا، إلا المانع من الترجمة، وهي الحروف المقطّعة. فكيف تتم ترجمة الحروف المعجمة في أوائل السور وقد أنزلها الله حروفاً عربية، مقروءة (بلسان عربي مبين) ونحولها (نحرفها) لغير العربية، لندخل في مجال التحريف، وهو كفر كما أسلفت. هذا وإن كان من الواجب ترجمة القرآن بالمعنى، وهو من باب التبليغ كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... الآية ٦٧ المائدة﴾ وهو ما سار عليه السلف والخلف، وهو من باب التفسير، إذ لا يعقل نشر رسالة الإسلام من غير نقل للمعانى لغير الناطقين بالعربية، فهي من البديهيات، ومن أنكرها فكأنما أنكر تفسير القرآن وضرب القرآن بعضه ببعض، وجعله خاص بالعرب دون سواهم. ولعل قائلاً يقول: إن العلماء قد استدلوا على عدم جواز الترجمة بناءً على الكثير من كلمات القرآن وآياته، وذلك بعدم إمكانية تحويلها للغة أخرى، مثل كلمة الواقعة في ﴿إذا وقعت الواقعة﴾، ويدمغه في قوله تعالى ﴿بل نَقِذِفُ بالْحَقِّ على الباطل فيَدْمَغُه فإذا هو زاهقٌ﴾ وإغلال اليد إلى العنق وبسطها في قوله تعالى
стр. 144
﴿ولا تَجْعَل يدك مغلولةً إلى عنُقك ولا تبسُطها كلَّ البسْط﴾ فأقول: إن هذا الاستدلال حاصل وقائم في وجوب أخذ الحيطة والعناية عند ترجمة القرآن بالمعنى، وليس بدليل صريح على منع الترجمة، فأي كلمة وردت في القرآن لها معنى، وحاشا لله أن يكون بعض كلامه بلا معنى، وهو دليل قابل للنقاش، وليس بمانع ولا هو بدليل صريح، ولو فرضنا بأنّه مانع لما ترجمت الكتب أصلا، وفي هذا يقول الجاحظ "إنَّ التَّرجُمان لا يؤدِّي أبداً ما قال الحكيمُ، على خصائِص معانيه، وحقائق مذاهِبه ودقائق اختصاراته، وخفيَّاتِ حدوده، ولا يقدِر أَنْ يوفيها حقوقها" (١)، ولكننا نرى بأن العلوم قد انتقلت من لغات إلى أخواتها كما من العربية إلى غيرها، والعكس أيضاً، ولولا هذه الحقيقة لما كان لتتابع الحضارات من معنى.
وقد استدل بعضهم بالإشارة للغة القرآن في الكثير من الآيات، كقوله تعالى (بلسان عربي مبين) وهذا من تعظيم لغة القرآن ورفع لشأن لغته، وليس فيه صريح المنع على نقل ألفاظه لغير العربية، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) إبراهيم﴾ ولم تكن كتب السابقين ممنوعة من الترجمة، وإن كانت من عند الله بالاتفاق، وإن قالوا إن تحريم الترجمة من باب تحريم احتمال الاختلاف في معنى الكلام في اللغات الأخرى، أقول: إن هذا الاختلاف حاصل من غير ترجمة، وهو من حكمة رب العالمين، لا مما منع الناس عنه بل "إن وجود الاقتران أو الاشتراك اللفظي هو سبب ضلال الفرق في معرفة الله ، فالله خاطبنا ووصف نفسه بكلامنا ولغتنا" (٢)، وكما قال الرسول ﷺ إخباراً عن علي: "إن منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله" (٣). وبالرجوع لعلم مقارنة اللغات، عندما نقرأ في أصل اللغات والحروف وما قالوه من محاولات للمقارنة بين اللغات الحالية وأقدم لغة معروفة، وهي السومرية (الحرف المسماري)، نجد أن أصل الحروف مختلف وإن تشابهت بعض الكلمات وألفاظها مع بعض اللغات، مما استدعي أصحاب لغة ما بنسب لغتهم إلى أصل اللغات، حتى لو كان التشابه في كلمة أو كلمتين، فترجمة ونقل الكلمات ممكن وحاصل، كيف لا وقد تتشابه بعض الكلمات مع بعضها في اللفظ والمعنى. هذا وإن كان الاختلاف في المعنى المترجم قابل للنقاش والاتفاق، ولكن ترجمة الحروف أو اسم الحرف أمر مستحيل، فالأصل في فهم اللغات المندثرة هو فك رموز اللغة وهي الحروف، بمقارنة محتويات الكلمات منها مع لغة أخرى معاصرة لها، وحروف لغة ما رموز في غيرها، ولولا هذه الحقيقة لما تم فهم اللغات المندثرة مثل السومرية والهيروغليفية، فالاختلاف كائن في الحرف إذ هو أصل اللغة، والتشابه واجب في الكلمات والمعاني، إذ هي مقصد الكلام وغاية اللغة بل هو أساس الكلام. وفي تعريف الكلمة كجزء من أجزاء الكلام قال أهل العربية: "الكلمة قول مفرد مستقل وكذا منوي معه على الصحيح" (٤)، "وأما الحرف فهو الشبهة القائمة وحدها من الكلمة" (٥)، والفرق بينهما كما قال أبو عمرو الداني: "إن الكلمة هي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات، والحرف هو الشبهة وحدها" (٦) لأنه
стр. 145
الأساس في بناءِ الكلمة، ولو كانت ترجمة الحروف ممكنة لتكلم الناس بلغة واحدة، وهيهات، فهو العجز البشري عن خلق ما جبلت عليه الشعوب من لغات وألوان، كما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) الروم﴾ ونظرة سريعة على علم الرياضيات وترجمته، نجد النظريات والفرضيات هي ذاتها في كل اللغات بعد الترجمة، والاختلاف حاصل فقط في الرموز الموضوعة داخل المعادلات، ولن يفهمها الباحث إلا ببيان معناها وما تدل عليه كلّ حسب لغته. وعليه أقول جَازِمًا: إن هذه الحروف الواردة في فواتح السور لا تحمل المعاني فقط، بل تحمل دلائل إعجاز عظيمة، وأول دليل لها هو منع ترجمة القرآن لاستحالة ترجمة الحروف إن اقتصرت على أصل المعاني الموجودة فيها كحروف، أو إن كانت على ظاهرها لا تحمل إلا معاني الحروف الكتابية. فإن قلت لماذا لا يستقيم ترجمة الحروف بلفظها كما لو ترجمنا (الم) بما يقابلها في اللغات الأخرى من حروف، فأقول إذن كتبناها مع إسقاط ما فيها من معاني على أصلها أولاً، كما نكون قد كتبناها على صورة أسمائها وبلغة أخرى، ولم نكتبها على صورة لفظها ومسمياتها كما جاءت ثانياً، وبه نكون قد أوقعنا اللبس في الكلمات المستحدثة ثالثاً، مما يلزم بوجود كلمات لا معاني لها في القرآن، أو لها معاني أخرى مباشرة بلغة أخرى، وهذا هو التحريف بعينه.
الباب الثالث: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على الكتابة بالحروف العربية
لقد كان لذكر الحروف المقطّعة إشارة عظيمة على فهم مغزاها عند أهل الجاهلية كما أسلفت، وبالتالي معناها عند أهل الكتابة ومن أسلم منهم، وللوقوف على بعض مكنوناتها وجب علينا ردها إلى أصلها، وليس أصلها هنا من ناحية اللغة بل أصلها عند بداية تشريفها لنا بالنزول، فهذه الحروف قد قدسها الله بمجرد ذكرها، وإن كانت قبل التنزيل من الحروف المهملة بين حروف الأمم، وهي من حروف البشر أولاً وأخيراً. فلنتأمل أولاً في كتابة القرآن ككتاب، لنستقي تلك النفحات النورانية المتمثلة بتقديس هذه الحروف، وثانيا بتعريف الكتاب بشكل عام مع أخذ الفائدة من كل تعريف موجود، قال في اللسان: "الكِتابُ: معروف، والجمع كُتُبٌ