← Сира

Сира · id 37369

السيرة النبوية - راغب السرجاني

راغب السرجاني

Полный текст (657 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التحام الجيشين بدأ القتال يوم السبت السابع من شوال سنة ثلاث للهجرة بعد حوالي سنة من غزوة بدر، بدأ اللقاء في منتهى الشراسة، وأول لقاء دار كان حول راية الكفار، وكان يحملها فارس من بني عبد الدار اسمه طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أكبر وأعظم وأشرس فرسان قريش، كانوا يلقبونه بكبش الكتيبة، فكان طلحة بن أبي طلحة أول من طلب القتال من قريش. وخرج بهيئته المرعبة وكان راكباً جملاً، فأحجم المسلمون عن مبارزته؛ لأن شكله كان مرعباً، فتقدم الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه وانطلق إليه، وقفز فوق جمل طلحة بن أبي طلحة وجذبه من فوق الجمل إلى الأرض، وبرك فوقه وقتله ﵁ وأرضاه. فلما رأى الرسول ﵊ الزبير بن العوام ﵁ يقتل كبش الكتيبة طلحة بن أبي طلحة قال: (إن لكل نبي حواري وحواريي الزبير) ﵁ وأرضاه، واحتدم اللقاء بسرعة، واشتعلت أرض المعركة. وتقدم عثمان بن أبي طلحة أخو طلحة بن أبي طلحة وحمل الراية وطلب القتال، فخرج له حمزة ﵁ وأرضاه وقتله. ثم خرج أخوهم الثالث أبو سعد وقتله سعد بن أبي وقاص ﵁. وهكذا خرج مسافع بن طلحة. ثم خرج كلاب بن طلحة. ثم الجلاس بن طلحة، مجموعة كبيرة من بني عبد الدار، هؤلاء الستة من بيت واحد من بيت أبي طلحة. كانت مأساة بالنسبة لبني عبد الدار، ومع ذلك خرج منهم واحد اسمه أرطأة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب. ثم خرج شريح بن خالد فقتله غلام أنصاري اسمه قزمان. ثم خرج واحد اسمه عمرو بن عبد مناف فقتله قزمان أيضاً. ثم خرج ولد لـ شرحبيل بن هاشم فقتله قزمان أيضاً، فقد قاتل قزمان قتالاً شديداً في يوم أحد. فهؤلاء عشرة قد قتلوا كلهم من بني عبد الدار، وكان كل واحد منهم يسلم الراية للآخر؛ لأنهم كانوا قد عاهدوا أبا سفيان ألا يتخلوا أبداً عن الراية، وصدقوا في ذلك. ثم خرج مولى لبني عبد الدار كان اسمه صواب من الحبشة قاتل قتالاً أشد من السابقين جميعاً حتى قطعت يده الأولى ثم الثانية، ثم قطع رأسه وهو يحمل الراية حتى سقط، وبسقوط هذا الغلام الحادي عشر سقطت الراية المشركة، ولم يتسلمها أحد بعد ذلك. كان اللقاء بأعلى مستوى، فالأرض كلها هجوم كاسح شامل، وكان شعار المسلمين في هذا اليوم: أمت أمت، وكانت البداية في صالح المسلمين، فقد قتلوا أحد عشر قتيلاً من غير أن يقتل واحد من المسلمين، فقد كان انتصاراً ضخماً ضعفت به معنويات الكفار، وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى درجة، وبدأ المسلمون يقتلون في الكفار ويسيطرون على الموقف تماماً، وقاتل جميع المسلمين بمنتهى الضراوة والقوة.

стр. 317

بلاء وقتال أبي دجانة وحمزة وغيرهما كان من أبرز المقاتلين المسلمين في هذه اللحظات أبو دجانة وحمزة بن عبد المطلب ﵄، فهذان قد فعلا الأفاعيل بجيش قريش. أخذ أبو دجانة السيف الذي أعطاه ﷺ ، وربط على رأسه عصابة حمراء، وقال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، فجال في الأرض وقتل الكثير من المشركين. وهناك موقف للزبير بن العوام ﵁ وأرضاه، فقد كان في نفسه غاضباً؛ لأن الرسول ﵊ أعطى السيف لـ أبي دجانة ولم يعطه هو، فقال الزبير في نفسه: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع -أي: سأرى أبا دجانة ماذا سيفعل في هذه الموقعة حتى يعطى هذا السيف- فاتبعته فرأيته وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول. والكيول: مؤخرة الصفوف، يعني: أقاتل في مقدمة الصفوف. أضرب بسيف الله والرسول قال الزبير بن العوام: فجعل لا يلقى أحداً من المشركين إلا قتله، وكان في المشركين رجل شديد جداً يقتل كل جريح مسلم فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة فاجتمعا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته -بدرعه- فعضت بسيفه فضربه أبو دجانة فقتله. وأخذ أبو دجانة يخترق صفوف الكفار حتى وصل إلى آخره، وكان في آخر الجيش النساء، فرفع سيفه ليضرب إنساناً. يقول أبو دجانة: رأيت إنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة -وهي هند بنت عتبة - فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة. هذا هو أبو دجانة ﵁ وأرضاه. وقاتل حمزة بن عبد المطلب أيضاً كقتال أبي دجانة ﵄، قاتل قتالاً شديداً في كل الميادين، ولم يقف أبداً في وجهه أحد من المشركين، لكن وقف في ظهره أحدهم، وهو وحشي بن حرب أحد الغلمان في جيش المشركين، وله قصة، يقول وحشي بن حرب: كنت غلاماً لـ جبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق، المسألة مسألة ثأر تماماً، قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما أخطئ بها شيئاً، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهد الناس هداً ما يقوم له شيء، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته -يعني: في أحشائه- حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب -يعني: بعد أن ضرب حمزة بالحربة ذهب ليقتل وحشياً - وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيها ولم يكن لي بعده حاجة وإنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت. لقد كان قتل حمزة ﵁ وأرضاه أسد الله وأسد رسوله ﷺ خسارة فادحة خسرها المسلمون، ومع قتل هذا الأسد العظيم ﵁ إلا أن المسلمين ظلوا مسيطرين تماماً على الموقف في أرض أحد، فقد قاتل عامة المسلمين يومئذ قتالاً شرساً شديداً عظيماً، قاتل أبو بكر وقاتل عمر وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ كل المسلمين أبلوا بلاءً حسناً في ذلك اليوم. وكان لـ خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه -وكان يومئذ مشركاً- نظرة عسكرية ثاقبة، رأى الثغرة التي من الممكن أن يلتف على المسلمين عن طريقها، فجاء خالد بن الوليد بفرقة من الفرسان والتف حول جبل الرماة، لكن فوجئ بسيل من السهام من كتيبة الرماة من فوق الجبل، فردت خالد بن الوليد ولم يستطع مع كل ذكائه وعبقريته وحنكته العسكرية أن يتجاوز هذه الكتيبة ويأتي الجيش المسلم من الخلف، وقرر خالد المحاولة مرة ثانية وثالثة، وفي كل مرة يفشل في تجاوز كتيبة الرماة التي قامت حتى هذه اللحظة بمهمتها على أكمل واجب.

стр. 318

انتصار المسلمين في غزوة أحد في أول الأمر بدأت الهزيمة تدب في الجيش المشرك ثلاثة آلاف مشرك، كأنهم يقابلون ثلاثين ألف مسلم، مع أن المسلمين كلهم سبعمائة، وبدأ المشركون يفكرون في الهروب، وبدءوا فعلاً في الهروب، وعادوا يتراجعون إلى الوراء شيئاً فشيئاً، ثم بدءوا يولون وجوههم قبل مكة، حتى إنهم تركوا النساء وراءهم. يقول الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير. يعني: انتهت الموقعة ومن الممكن أخذ النساء سبياً. فكان نصراً عظيماً للجيش المسلم، لا يقل هذا النصر روعة عن نصر بدر، فالله قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران:١٥٢] تحسونهم أي: تستأصلونهم، فالله وعد المسلمين إن كانوا صابرين ومتبعين لرسوله الكريم ﷺ أن يعطيهم النصر في أحد وفي غيرها، وقد بشرهم الرسول ﷺ بذلك قبل الخروج إلى أحد، والمسلمون إلى هذه اللحظة ملتزمون تماماً بما قال لهم ﷺ ، وبما كانوا عليه يوم بدر؛ لذلك تحقق النصر حتى هذه اللحظة. إذا وقفنا وحللنا فإننا سنجد أن هذا الجيش إلى الآن مؤمن بالله ، ومؤمن باليوم الآخر يطلب الجنة، والشورى طبقها، والإعداد الجيد طبقه، والقائد في هذا الجيش يعيش مع شعبه ويشترك معهم في كل صغيرة وكبيرة، وأخوة في الله واضحة في أثناء القتال، والأمل في قلوبهم، واليقين في نصر الله يملأ نفوسهم، والأمر موسد إلى أهله، والصفات العشر التي تكلمنا عنها في غزوة بدر كلها متحققة إلى هذا الوقت في جيش أحد، فكان النصر للمسلمين.

стр. 319

انقلاب الموازين في آخر معركة أحد لصالح المشركين بعد هذا الانتصار العظيم للمسلمين، وبعد هذا الهروب الكبير لجيش المشركين، تخلى بعض المسلمين عن صفة واحدة من هذه الصفات العشر، فتغير الموقف تماماً، ففي أثناء هروب المشركين من أرض المعركة متجهين إلى مكة ألقوا كل ما معهم من الأمتعة والممتلكات والأثقال والأحمال، ألقى المشركون الدنيا خلفهم؛ ليتخففوا، وليستطيعوا الهرب، ورأى الرماة المسلمون من فوق الجبل الدنيا التي ألقاها المشركون خلفهم، فأخذ الرماة قراراً عجيباً، أخذوا القرار بالنزول لجمع دنيا المشركين. تخيل! المخالفة الواضحة الصريحة لكلام رسول الله ﷺ ، النزول من أجل جمع دنيا المشركين، قالوا: الغنيمة الغنيمة! الغنيمة الغنيمة! فهذه الغنيمة وهذه الدنيا وهذه الأموال أعمت أبصارهم تماماً عن تذكر ما قاله الحبيب ﷺ ، لكن القائد عبد الله بن جبير وقف لهم وذكرهم وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: الغنيمة الغنيمة! فكانت مخالفة متعمدة لكلام الرسول ﵊، ولكلام القائد المباشر عبد الله بن جبير. وهكذا نزل ثمانون في المائة من الرماة، حيث نزل أربعون من الرماة من أصل خمسين؛ ليجمعوا الغنيمة مع المسلمين، ورأى خالد بن الوليد الثغرة، وكان قائداً عسكرياً محنكاً، وأتى بفرقته بسرعة والتف من حول جبل الرماة، وحاول عبد الله بن جبير ﵁ ومن تبقى معه من الرماة أن يمنعوا خالد بن الوليد من الدخول على الجيش الإسلامي من الخلف، لكنهم فشلوا، فحاول عبد الله بن جبير قتالهم إلا أن مجموعة من فرسان المشركين قتلوه ثم أبادوا بقية الرماة. والتف خالد بن الوليد من وراء الجيش الإسلامي وصاح صيحة عالية جداً سمعها المشركون الذين يفرون، أدركوا منها أن خالداً التف حول الجيش الإسلامي فعادوا للقتال من جديد، وحصر المسلمون بين خالد بن الوليد من الخلف والمشركين من الأمام، وهكذا وضع المسلمون بين فكي كماشة، وأسرعت امرأة من المشركين كان اسمها عمرة بنت علقمة، ورفعت اللواء الساقط على الأرض، واهتاج المشركون، وتحمسوا حماساً كبيراً في الهجوم على المسلمين، وقوتهم ذكريات بدر وذكريات الهزيمة الأولى في أحد، وبدءوا يضغطون على المسلمين من الناحيتين.

стр. 320

التفاف المشركين حول رسول الله ﷺ وتسجيل الصحابة أروع البطولات في الدفاع عنه كان الرسول ﵊ في آخر الجيش المسلم ينظم الصفوف، ولما التف خالد بن الوليد حول الجيش الإسلامي، كان أول فرقة من المسلمين قابلها هي الفرقة التي فيها الرسول ﵊، ولم ير خالد بن الوليد الرسول ﵊، لكن ما هي إلا دقائق وسيظهر؛ لأنه آخر الصفوف، فلابد أن يختار ﷺ أحد اختيارين: إما أنه يهرب بالتسعة إلى أي مكان في أرض المعركة حتى يستطيع أن يقاوم من جديد، وإما أن ينادي الجيش حتى يجتمع من جديد، ويبدأ في محاولة لاستعادة الموقف على أرض أحد. لكن لو نادى ﷺ الناس فمن المحتمل أن المشركين الذين باغتوا المسلمين من الخلف يسمعون صوته، ولو سمعوا صوته لأحاطوا به ﵊ وقتلوه، ومع ذلك في شجاعة نادرة اختار الرسول ﵊ الحال الثاني، ونادى بأعلى صوته لاستعادة الموقف من جديد قال: (إلي عباد الله! إلي عباد الله! أنا رسول الله) وهكذا بدأ يعلي صوته؛ ليسمع المسلمون. صار المسلمون في حالة اضطراب شديدة جداً، فذاك ينظر قدامه، وذاك ينظر وراءه، والمشركون في حالة نشاط عجيب، وصار الموقف مأساوياً، سمع خالد بن الوليد الرسول ﷺ ينادي، فانطلق إلى المنطقة التي فيها رسول الله ﷺ وحاصرها، وبدأت الفرقة التي حول الرسول ﵊ تقاتل قتالاً شديداً، تسعة ضد فرقة كاملة من الفرسان، والرسول ﷺ يشجعهم ويقول: (من يردهم عنا وله الجنة -أو يقول-: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة). فتقدم أنصاري وقاتل قتالاً شديداً حتى استشهد ﵁ وأرضاه، ثم تقدم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس، ثم تقدم سابعهم عمارة بن يزيد بن السكن ﵁ وأرضاه، وكل هؤلاء السبعة من الأنصار، فقاتل عمارة قتالاً شديداً حتى أصيب ﵁ وأرضاه، فسقط على الأرض، واقترب من رسول الله ﷺ حتى وضع رأسه على قدم رسول الله ﷺ ، واستشهد وخده ملتصق بقدم الحبيب ﷺ . وتأثر الرسول ﵊ في هذا الموقف، قال: (ما أنصفنا أصحابنا)، تقدم الأنصار الواحد تلو الآخر، ولم يتقدم طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، فأثار هذا الموقف حمية طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فقاما يقاتلان قتالاً شديداً، لكن ماذا يعمل اثنان وسط هذه المجموعة الضخمة من المشركين؟ وتقدم من الكفار عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص. تخيل! سعد بن أبي وقاص يدافع عن الرسول ﵊، وأخوه عتبة يقذف بالحجارة وجه رسول الله ﷺ حتى تفجرت الدماء من رأسه ﷺ ، وجاء عبد الله بن شهاب الزهري أحد المشركين فشجه شجة منكرة في رأسه ﷺ ، ثم جاء إليه رجل اسمه عبد الله بن قمئة وضربه بالسيف ضربة شديدة على كتفه ﷺ ، وظل ﷺ يشتكي منها شهراً كاملاً بعد ذلك، ثم ضرب وجه الرسول ﷺ ، فدخلت حلقتان من حلقات المغفر الذي كان فوق رأس الحبيب ﷺ في وجنته، وابن قمئة يقول: (خذها وأنا ابن قمئة، فقال ﷺ : أقمأك الله) أي: أهلكك الله، واستجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فبعد غزوة أحد بقليل وقع من فوق جبل في بلده وقتل. وهكذا تفجرت الدماء من رأسه ومن جسده ﷺ ، وهو يمسح الدم من على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]). وفي هذا الموقف قام سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه وطلحة بن عبيد الله بعمل لا يستطيع أن يقوم به إلا جيش كامل، فقد كان سعد بن أبي وقاص يرمي بسهامه المشركين، مجموعة ضخمة من المشركين حول المصطفى ﷺ ، ومع ذلك يرد سعد بن أبي وقاص بسهامه هذه المجموعة الضخمة، وأعجب الرسول ﷺ بأداء سعد بن أبي وقاص حتى قال له: (ارم سعد فداك أبي وأمي)، وهكذا جمع له ﷺ أبويه يفديه بهما، فكان ذلك فخراً له ﵁ وأرضاه. وحارب طلحة بن عبيد الله حرباً ضروساً في ذلك اليوم، وقاتل من كل مكان حول المصطفى ﷺ ، حتى وصلت الجروح التي أصابت جسده

стр. 321

أثر إشاعة قتل النبي ﷺ على المسلمين كان الجميع يقاتل حول المصطفى ﷺ ، فجاء مصعب بن عمير ﵁ وهو يحمل راية المهاجرين، وقاتل قتالاً شديداً حول المصطفى ﷺ فقطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت شماله، فبرك على الراية ﵁ وأرضاه وهو قابض عليها بعضديه، وجاء المشركون من خلفه وقتلوه، فسقط على الأرض وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]. وكان مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه شديد الشبه برسول الله ﷺ ، فظن المشركون أنهم قتلوا المصطفى ﷺ ، فقال ابن قمئة وكان هو الذي قتل مصعب بن عمير: قتلت محمداً، قتلت محمداً، وانتشر الخبر في أرض المعركة بكاملها، فكان هذا الخبر مأساة على المسلمين. وهكذا أشيع أن الحبيب ﷺ قد قتل، فالأمر لا يمكن أن يتخيلوه أبداً، فإنهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون الرسول ﷺ ، كيف ينقطع الوحي؟ كيف لا تتم الرسالة؟ كيف؟ كيف؟ ظهرت أسئلة كثيرة في أذهان الناس، وأحبط كثير من المسلمين في أرض القتال. ووصل الإحباط بالبعض إلى أن جلس على أرض المعركة دون قتال، القتال دائر من حوله وهو لا يرفع سيفه ليدافع حتى عن نفسه، هذا فهم خاطئ، فالقتال ليس من أجل المسلمين وليس من أجل رسول الله ﷺ ، إنما القتال في سبيل الله ، والله حي لا يموت، فلماذا القعود والإحباط؟! إن قضية القتال في سبيل الله لا يجب أن تغيب أبداً عن ذهن المؤمن، بل عليه أن يكون كالصحابي الجليل ثابت بن الدحداح ﵁ وأرضاه من المشاركين في غزوة أحد، لما رأى الناس قعدوا على الأرض ذهب إليهم وقال في إيمان عميق وفهم دقيق: إن كان محمد ﷺ قد قتل فإن الله حي لا يموت، ثم قاتل ﵁ وأرضاه حتى استشهد. قال ذلك أيضاً أنس بن النضر ﵁ وأرضاه، مر على بعض المسلمين وهم جلوس على أرض القتال، قد فقدوا روح القتال والمقاومة، فقال لهم: ماذا تنتظرون؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ ، فقال في منتهى الشجاعة والقوة: قوموا فموتوا على ما مات عليه ﷺ ، إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت. ثم قال وهو ينظر إلى المسلمين الذين أحبطوا وقعدوا على أرض القتال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين-، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين-، ثم تقدم ﵁ وأرضاه ليلقى المشركين، فلقيه سعد بن معاذ فقال له سعد: أين يا أبا عمر! رآه يدخل في وسط المشركين، فقال أنس: واهاً لريح الجنة يا سعد! إني أجده دون أحد -أي: أشم رائحة الجنة عند أحد- ثم مضى ﵁ وأرضاه وقاتل المشركين قتالاً شديداً ضارياً حتى استشهد ﵁ وأرضاه، وطعن أكثر من ثمانين طعنة في جسمه، ولم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه. واستمرت إشاعة موت الرسول ﵊ في الجيش إلى أن اكتشف كعب بن مالك ﵁ وأرضاه ممن شارك في غزوة أحد أن الرسول ﷺ حي لم يقتل، فنادى في المسلمين: أبشروا أبشروا! رسول الله ﷺ حي، فأشار له ﷺ أن يصمت؛ لئلا يلفت أنظار المشركين، ومع ذلك سمع ثلاثون شخصاً من المسلمين كلمة كعب بن مالك؛ ففاءوا إلى رسول الله ﷺ ، وبدءوا يحوطونه، وبدأ الرسول ﵊ يقود هذه المجموعة للانسحاب المنظم في اتجاه الجبل. وكان الرسول ﵊ ينادي مجموعة أخرى من المسلمين من بعيد (إلي عباد الله! إلي عباد الله!) لكن هناك مجموعة لم تكتف بالإحباط والقعود في أرض القتال، بل فعلت ما هو أشد وأنكى، لقد قررت هذه المجموعة الفرار من أرض القتال، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، فمنهم من فر وهو يصعد إلى الجبل، ومنهم من فر في طريقه إلى المدينة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاراً، والرسول ﷺ يناديهم وهم يسمعون ولا يلبون، وذكر الله ذلك في كتابه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: إلى الجبل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: في آخر الجيش ينادي المسلمين، وهم يسمعون هذا النداء ولا يلبون. ومع هذه الكارثة استطاع الرسول ﵊ أن ينسحب إلى الجبل بالثلاثين الذين معه من المسلمين، وبينما هو يصعد إلى الجبل إذ رآه عدو الله أبي بن خلف أحد كبار المشركين، فجاء يجري من بعيد ويقول: لا نجوت إن نجا لا نجوت إن نجا، وأراد الدخول على الرسول ﵊، فقال القوم للرسول ﵊:

стр. 322

تمثيل المشركين بجثث قتلى المسلمين آخر المعركة قام المشركون بعد صعود النبي ﷺ بعمل شنيع، التفتوا إلى جثث المسلمين الملقاة على أرض الموقعة -سبعون شهيداً في أرض أحد- وبدءوا يمثلون بالجثث، فقامت النساء بتقطيع آذان الرجال المسلمين وأنوفهم، ويصنعن منها خلاخيل وقلائد ويلبسنها، فكن في منتهى الإجرام، وذهبت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وكانت من أشد الكفار ضراوة على المسلمين إلى حمزة ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ ، وشقت بطنه وأخرجت قطعة من كبده ﵁ وأرضاه وحاولت أن تأكلها، ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها، يعني: أخرجتها من فمها. وهذا يعبر عن مدى الغل والحقد الذي كان في قلوب المشركين، فإن هند بنت عتبة كانت موتورة؛ فقد قتل أبوها عتبة بن ربيعة في غزوة بدر، وعمها شيبة بن ربيعة أيضاً في غزوة بدر، وأخوها الوليد بن عتبة في غزوة بدر، وابنها حنظلة بن أبي سفيان في غزوة بدر، فهؤلاء أربعة قتلوا في غزوة بدر من أقاربها، وهذا بالنسبة لها كانت كارثة، وكان حمزة ﵁ ممن اشترك في قتل أقاربها، فقد شارك في قتل الوليد بن عتبة وقتل شيبة بن ربيعة. كان هذا الموقف في أرض القتال بعد صعوده ﷺ إلى الجبل، صعد الرسول ﷺ الجبل وما زالت الدماء تنزل من رأسه، وحاول الصحابة من حوله أن يوقفوا الدماء، فكانوا يصبون الماء فوق رأس الرسول ﵊، لكن الماء كان يزيد الجرح نزيفاً، وكانت فاطمة ﵂ مع الجيش الإسلامي في ذلك الوقت، فلما رأت هذا الموقف أتت بحصير وأحرقته، وبدأت تدفع الحصير في داخل الجرح في رأس رسول الله ﷺ حتى توقف النزيف. كان الرسول ﷺ في هذا الموقف يقاتل من أول الصباح إلى الظهيرة، فجاء وقت صلاة الظهر وجمع المسلمين لأدائها، لكنه لم يستطع أن يقف ﷺ من شدة الإصابات التي أصابته، فصلى قاعداً وصلى المسلمون قعوداً بقعوده ﷺ .

стр. 323

موقف المشركين من إشاعة قتل النبي ﷺ وتمثيلهم بالشهداء ما زال المشركون يعتقدون أن رسول الله ﷺ قد قتل، وبعض المسلمين مع الرسول ﵊، وبعض المسلمين شهداء في أرض الموقعة، وبعض المسلمين فر إلى أماكن مختلفة من الجبل، وبعض المسلمين فر إلى المدينة المنورة. فالوضع كما ترون كان مأساوياً حقيقياً. وجاء أبو سفيان ليشمت بالمسلمين، فعرف أن هناك مجموعة من المسلمين قد فرت إلى الجبل، فجاء هو ومن معه من المشركين؛ ليخاطب رسول الله ﷺ إن كان حياً، أو ليتأكد على أنه قتل، فنادى أبو سفيان: أفيكم محمد؟ فأشار ﷺ إلى أصحابه: لا تجيبوه. أشار إشارة فهم منها الصحابة ألا يجيبوا أبا سفيان؛ حتى لا يكشفوا المكان الذي هم فيه، فلم يجب الصحابة، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فأشار رسول الله ﷺ ألا يجيبوه فلم يجبه أحد، فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ وأخذ يرتب في سؤاله عن الأشخاص، فمن أهم شخصية إلى الوزير الأول ثم الوزير الثاني فلم يجيبوه. ففرح أبو سفيان وقال: أما هؤلاء الثلاثة فقد كفيتموهم، أي: قد قتلوا، فلم يتمالك عمر بن الخطاب ﵁ نفسه. قال: أي عدو الله! إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله ما يسوءك، مع أنه ﷺ قال له: لا تتكلم، لكنه لم يستطع أن يمسك نفسه، فأحب أبو سفيان أن يرد الغيظ إلى المسلمين مرة أخرى، فقال كلمة شنيعة، قال: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. فانظر إلى الشر الذي كان في داخلهم في تلك الساعة، فإن من طبيعة العرب ألا يمثلوا بالجثث، لكن خرجوا عن منهجهم تماماً في هذه الموقعة، وأراد بذلك أن يغيظ عمر بن الخطاب ومن معه من المسلمين، ثم قال: أعل هبل، فقال النبي ﷺ : (ألا تجيبونه؟ فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال الصحابة: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : ألا تجيبونه؟ فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فأجاب عمر ﵁ وأرضاه قال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) وفي رواية: أن الذي قال هذا هو رسول الله ﷺ . عند ذلك قال أبو سفيان: هلم إلي يا عمر! فقد كان أبو سفيان يسمع صوت سيدنا عمر ﵁، فقال الرسول ﷺ : (ائته فانظر ما شأنه -أي: انظر ماذا يريد- فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر! أقتلنا محمداً؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليستمع كلامك الآن، فقال أبو سفيان -وانظر إلى احترام المشركين للمسلمين- أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر). إن احترام المسلمين موجود عند كل المشركين، وعند كل أعداء الأمة، فهم يحاربونك ويقاتلونك ويضيقون عليك الخناق، وفي داخلهم يكنون الاحترام الكامل لشخصيتك ولدفاعك عن مبادئك، ولتضحيتك في سبيل دينك وفكرتك، هذا هو الواقع؛ لذلك صدّق أبو سفيان عمر وهو عدو له، ولم يصدق ابن قمئة أحد جنود الجيش المشرك معه. وانسحب أبو سفيان، ولم يفكر أن يصعد الجبل مرة ثانية واكتفى بما فعل، وعاد مع المشركين في اتجاه مكة، وانتهت موقعة أحد بذلك.

стр. 324

موقف النبي ﷺ وأصحابه من شهداء أحد نزل الرسول ﵊ من فوق الجبل ليتفقد الشهداء، وكان موقفاً مريعاً، سبعون من أفاضل المسلمين كلهم ملقى على أرض أحد، كان منهم: حمزة بن عبد المطلب وعمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وحنظلة، وخيثمة، كثير من شهداء المسلمين سقطوا في يوم أحد، فوقف ﷺ ونظر إلى الشهداء وقال: (اللهم إني شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك). وكان هناك أناس من الصحابة أخذوا بعض الشهداء ليدفنوهم في المدينة، فأمر ﷺ أن يردوا جميعاً إلى أرض أحد ويدفنوا فيها، وألا يغسلوا ولا يكفنوا، بل يدفنوا في ثيابهم بعد أن تنزع الدروع والجلود من فوقهم. وكان ﷺ يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين أحياناً في ثوب واحد، ويقول: (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) فمن كان يحفظ القرآن أكثر وضعه الأول في اللحد. وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) مرة ثانية، وكررها كثيراً في ذلك اليوم، وكان إذا علم أن بين اثنين من الصحابة محبة كبيرة دفنهما معاً، فدفن عبد الله بن عمرو بن حرام مع عمرو بن الجموح ﵃ أجمعين. ولما رأى ﷺ ما حدث بـ حمزة ﵁ اشتد حزنه وتقطع كبده ﷺ وبكى بكاءً شديداً، وانتحب حتى نشغ -كما يقول الراوي- من البكاء، يعني: صار له شهيق عال من البكاء. يقول ابن مسعود ﵁: (ما رأينا رسول الله ﷺ باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب) بل وضعه ﷺ في القبلة وصلى عليه مع كل شهيد ﵃ أجمعين وأرضاهم. كذلك مصعب بن عمير ﵁ ممن قتل شهيداً في يوم أحد، وكفن في ثياب بالية رثة، يقول عبد الرحمن بن عوف ﵁: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه. وذكروا ذلك للرسول ﵊ فقال: (غطوا بها رأسه بهذه البردة، واجعلوا على رجله الإذخر) والإذخر نبات. إن وضع الشهداء كان مؤلماً جداً للمسلمين، ومع كل هذه الأحداث جمع الرسول ﷺ كل الموجودين في أرض القتال، وقال لهم: (استووا حتى أثني على ربي يا الله! موقف عجيب في كل مواقفه ﷺ ، فصاروا خلفه صفوفاً، فوقف ﷺ يدعو والجميع يؤمن على دعائه، استمعوا إلى دعائه ﷺ وهو يقول: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق). هذا دعاء جميل، دعاء فيه الشكر الدائم لرب العالمين في كل الظروف، حتى لو كان ذلك بعد مصيبة أحد، دعاء فيه إعلان أن كل شيء بإذن الله ، فالله قادر على منع الهزيمة، لكنه أوقع المصيبة بالمسلمين لِحكَمٍ كثيرة يعلمها، قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٦]. إذاً: هذا دعاء فيه تعظيم الآخرة في عيون الصحابة، خاصة في هذا الموقف، لما قال ﷺ : (اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول) حتى لو ضاقت الدنيا كلها وأعطيتنا الآخرة فنحن الرابحون، دعاء فيه وضوح الرؤية في حرب كل من صد عن سبيل الله، سواء كانوا من المشركين أو من الكفرة من أهل الكتاب الذين قاتلوا المسلمين، دعاء جامع شامل يعبر عن فهم دقيق للحبيب ﷺ . رجع ﷺ إلى المدينة المنورة، واستقبل في حزن شديد، فكل بيت تقريباً فيه شهيد، وقابلته في الطريق حمنة بنت جحش ﵂ ونعى إليها صلى الله عل

стр. 325

حقيقة غزوة أحد وأسباب مصيبة المسلمين فيها لابد أن نقف وقفة ونقول: يا ترى ماذا نسمي أحداً؟ هل نسميها هزيمة أو نسميها نكسة؟ أو ماذا نسميها؟ عندما تراجع أحداث غزوة أحد سواء أثناء الغزوة أو بعد الغزوة، فإنك تجد أن كلمة هزيمة لا تنطبق على وصف غزوة أحد، فالجيش المكي لم يحتل موقع الجيش المسلم، والجزء الأساسي من الجيش المسلم لم يفر مع شدة الارتباك، نعم، هناك من فر، لكن مجموعة كبيرة من المسلمين بقيت في أرض المعركة، منهم من قاتل حول الرسول ﵊، ومنهم من قاتل حتى استشهد. والجيش المكي لم يفكر في مطاردة المسلمين، ومع أن أبا سفيان خاطب عمر بن الخطاب وأدرك أن الرسول ﷺ حي وأنه في الجبل لم يفكر أن يصعد إلى الجبل مرة أخرى، ومع أن كل الذين مع رسول الله ﷺ مجموعة قليلة من المسلمين، كذلك لم يقع أسير واحد من المسلمين في أيدي الكفار مع هذا الأمر الشديد الذي تحدثنا عنه، لكن في غزوة بدر أسر المسلمون سبعين من المشركين. كما أنه لم تكن هناك غنائم مسلمة في أيدي الكفار، ولم يقف الجيش المكي في أرض المعركة يوماً ولا يومين ولا ثلاثة، بل عادوا إلى مكة في ذلك الوقت، وقد قعد الرسول ﷺ في بدر ثلاثة أيام، وقعد في غيرها من الغزوات ثلاثة أيام، بل إنه كان يقعد شهراً كاملاً في أرض القتال، لكن الكفار غادروا أحداً، ولم يفكروا في غزو المدينة المنورة مع أن المدينة خلا منها الجيش، فكل ذلك يدل على أن الموقعة ليست هزيمة للمسلمين، لابد لها من وصف آخر، سنسميها كما سماها الله ، فالله سماها في الكتاب الكريم: مصيبة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]. وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦].

стр. 326

محبة بعض الصحابة للدنيا ومخالفتهم للأمر النبوي بسببها فغزوة أحد مصيبة ولا شك في ذلك، وليست المصيبة في استشهاد سبعين من الصحابة؛ لأن هؤلاء من أكرم الخلق على الله ، وقد نالوا درجات عالية جداً، واصطفاهم الله ، يقول الله في الكتاب تعليقاً على غزوة أحد: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] فهؤلاء اختارهم الله؛ ليكونوا من أفضل الناس، إنما المصيبة في شيء آخر، المصيبة تكمن في اضطراب بعض المفاهيم عند المسلمين، وإن كان اضطراباً حصل في لحظة من لحظات القتال وغير كل شيء، وهذه المصيبة هي تغلب الدنيا في قلوب بعض الصحابة، فالصحابة منذ بدء القتال وهم يقاتلون في سبيل الله ، يقاتلون من أجل الجنة، وفي لحظة انقلبت الموازين، وأصبح فريق منهم يقاتل من أجل الدنيا، وقد وصل تغلغل حب الدنيا في قلوبهم إلى أن يخالفوا كلام الرسول ﷺ مخالفة صريحة متعمدة، وراجع الكلام الذي قاله ﷺ لـ عبد الله بن جبير ولفرقة الرماة، فهو كلام في منتهى الوضوح، توجيه أول وثان وثالث ورابع وخامس وسادس، فالتوجيه الأول: (انضح عنا الخيل بالنبل) إلى آخر كلامه ﷺ . وأثناء القتال يلتف خالد بن الوليد حول الجيش ثلاث مرات، ويستطيعون أن يصدوه، وبذلك عرفوا أن هذا المكان خطر وصعب ومهم بالنسبة للمشركين، وعرفوا أن لهم دوراً كبيراً جداً في صد المشركين. إذاً: ستة توجيهات من الرسول ﵊، وثلاثة توجيهات من خالد بن الوليد بلفته أنظار المسلمين إلى أهمية المكان الذي يقفون عليه. هذه تسعة توجيهات. والتوجيه العاشر جاء من عبد الله بن جبير ﵁ وأرضاه، عندما أرادوا النزول قائلين: الغنيمة الغنيمة، وقف لهم وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ ومع ذلك لم يستمعوا. فكل هذا يثبت أن المخالفة كانت متعمدة وصريحة من أجل الدنيا، وقد كان الرسول ﵊ يقول لأصحابه: (والله لا أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم الدنيا). والله وصف ذلك في كتابه تعليقاً على أحد. قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]. وبسبب الدنيا صار المسلمون فريقين: الفريق الأول: أنس بن النضر وثابت بن الدحداح وأبي طلحة وغيرهم من الذين قاتلوا حتى النهاية، فمنهم من قاتل وثبت حتى شهادته، ومنهم من قاتل حول الرسول ﵊ لحمايته، ما نكصوا على أعقابهم وما فروا. والفريق الثاني: هم الذين تغلغلت الدنيا في قلوبهم، وغير مقبول للجيش المسلم أن يصل حب الدنيا إلى قلوب بعضه، فيدفعه هذا الحب إلى المخالفة. كذلك في موقعة بدر حصلت أيضاً مخالفة من أجل الدنيا، قال الله في صدر سورة الأنفال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] يتكلم عن مشكلة الغنائم التي دخلت في قلوب الصحابة، فوجههم الرسول ﵊ إلى اتباع كلام رب العالمين ، وانصاع الجميع لكلام رب العالمين ، وسلموا أنفسهم له، ووزع رسول الله ﷺ الغنائم بالطريقة التي شرعها رب العالمين ، لكن في غزوة أحد حذرهم الرسول ﷺ ست مرات، ومع ذلك خالفوا، فكانت مخالفة متعمدة فلابد لها من مصيبة، وإن كان الجيش الذي خالف هو جيش رسول الله ﷺ . يقول عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: ما كنت أحسب أن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل فينا ما نزل: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]. فالمصيبة التي عمت الجيش كله بسبب مجموعة من المسلمين أصابتهم الدنيا؛ لأن هذا المرض قد ظهر فيهم من قبل، فقد كان متغلغلاً قبل غزوة أحد، فكان لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفتيش عن إيمان الآخرين، وطاعتهم لله وعبادتهم له والتزامهم بمنهجه ، لكن عندما تسأل الإنسان عن دنياه ولا تسأله عن آخرته توثر فيه تدريجياً، حتى تصير مصيبة كبيرة تعم المسلمين جميعاً. فالوضع الذي كان في أحد هو مصيبة تمكن الدنيا من القلب حتى تدفع المسلم إلى المخالفة الصريحة المتعمدة لكلام الحبيب ﷺ .

стр. 327

مصيبة قتل سبعين من المسلمين بسبب مخالفة الرماة المصيبة الثانية التي حدثت في أحد: قتل سبعين من المسلمين بسبب خطأ من الأخطاء. وقد قلنا قبل ذلك: إن استشهاد سبعين ليست خسارة، بل هي ميزة عظيمة من الله لهم، فقد انتقاهم شهداء، لكن أن يقتلوا بسبب خطأ من المسلمين هذا غير مقبول. إن قتلوا وهم يؤدون كل ما عليهم ويحاربون كما في بدر حرباً متكاملة شاملة، ويأخذون فيها بكل أسباب النصر، ويتصفون بكل صفات الجيش المنصور، فليس هناك مشكلة، بل بالعكس هذه نعمة من الله ، لكن أن يقتلوا بسبب خطأ، فهذا يحتاج إلى وقفة.

стр. 328

مصيبة قعود بعض المسلمين عن القتال للإحباط النفسي المصيبة الثالثة: هو قعود بعض المسلمين عن القتال إحباطاً، فالإحباط غير مقبول أبداً في عرف المسلمين، بل هو من شيم الكافرين، قال الله في كتابه الكريم: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]. وقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. فالإحباط ليس من صفات المؤمنين أبداً، فعندما يقعد المسلم ويفتر عن القتال، والقتال ما زال ناشباً في كل مكان فهذا غير مقبول، حتى وإن أشيع أن الرسول ﷺ قد قتل.

стр. 329

مصيبة الفرار من الزحف من قبل بعض المسلمين المصيبة الرابعة الخطيرة: أن بعض المسلمين سمعوا نداء الرسول ﵊ في آخر الموقعة: (إلي عباد الله! إلي عباد الله!) ومع ذلك أصروا على الفرار، فيا لها من كارثة، بل هي كبيرة من الكبائر، لكن كل ذلك تجمعه كلمة واحدة يقال لها: مصيبة، فغزوة أحد كانت مصيبة، لكن من ورائها خير كثير، وهذه المصيبة في الأساس جاءت من ذنب واحد، جاءت من غياب عنصر واحد من عناصر قيام الأمة المسلمة، جاءت من غياب صفة واحدة من صفات الجيش المنتصر، وهي عدم حب الدنيا وتقديمها على الآخرة، فلما حصل الحب للدنيا وقدمت على الآخرة ألقى الله في قلوب المسلمين الوهن والضعف. وتذكرون حديث المصطفى ﷺ لما سألوه عن الوهن الذي يصيب المسلمين؟ فقال: (حب الدنيا وكراهية الموت) فالمسلمون أحبوا الدنيا في موقعة أحد فحدثت المصيبة، ودخل الوهن في قلوبهم، فهم لما كانوا أقوياء قتلوا أحد عشر فارساً من بني عبد الدار حاملاً للواء، وسقط اللواء مع وجود كل هؤلاء الفرسان من المشركين، لكن لما دخلت الدنيا في قلوب بعض المؤمنين رفع اللواء المشرك، وكانت الحاملة له امرأة من المشركين، فهذه الموازنات لابد أن نفكر فيها جيداً، فالنصر والتمكين من عند رب العالمين ، ولا ينزل هذا النصر والتمكين إلا على من أخذ بأسباب النصر الكاملة واتصف بصفات الجيش المنصور كاملاً دون نقص. ومع ذلك هل كانت هذه المصيبة شراً محضاً أم كان في باطنها خير؟ الجواب كان في داخلها خير كثير، فمع كل هذه الكوارث التي حدثت في ذلك اليوم، ومع فقد سبعين من أعظم صحابة رسول الله ﷺ ، ومع كون هذه المصيبة تغلغلت في قلوب المسلمين، وشعروا بالخزي والعار والذل والهوان لفرارهم من أرض القتال إلا أنه كان في داخلها خير كثير. ما هو هذا الخير الذي كان في باطن غزوة أحد؟ وما هي الطريقة التي اتبعها رسول الله ﷺ لإخراج المسلمين من هزيمتهم النفسية؟ وما هو المنهج الرباني الحكيم الذي نزل ليعالج كل صغيرة من صغائر الذنوب، أو كبيرة من كبائر الذنوب في قلوب الصحابة ﵃ وأرضاهم؟ وكيف عاد المسلمون من جديد إلى مطاردة الكافرين؟ وكيف عادت الهيبة من جديد للدولة الإسلامية بعد هذه المصيبة الكبيرة؟ هذا حديث قد يطول. وأسأل الله أن ييسر لنا الحديث عن ذلك في الدرس القادم، وأسأله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 330

سلسلة السيرة النبوية_ الخروج من مصيبة أحد إن المصائب التي تنزل على المؤمنين ما هي إلا تمحيص من الله لعباده وتربية لهم على طاعة الله ورسوله، فمع أن غزوة أحد كانت مصيبة عليهم إلا أنه كان في باطنها الخير الكثير، وتعلم الصحابة فيها درساً في وجوب الطاعة ولزوم الأمر، وقد استطاع النبي ﷺ أن يكسر الهزيمة النفسية التي في قلوبهم، وأن يرفع معنوياتهم بخروجهم إلى حمراء الأسد لملاحقة المشركين مع كل الآلام والجراح.

стр. 331

ملخص مصائب يوم أحد على المسلمين أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني. في الدرس السابق تحدثنا عن مصيبة أحد، والمصيبة كما ذكرت في الدرس السابق هي وصف رباني لما حدث يوم أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، وكما ذكرنا أيضاً في الدرس السابق أن المصيبة لم تكن في مجرد استشهاد سبعين من الصحابة، بل على العكس هؤلاء من أعظم الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين، لكن المصيبة كانت تكمن في أمور أخرى خطيرة حدثت في يوم أحد، منها: معصية الصحابة ﵃ لأمر رسول الله ﷺ مع وضوح الأمر، وكما ذكرنا أن الأمر لم يكن اجتهاداً من الصحابة، ولكن كان بسبب حب الدنيا، والله ذكر ذلك تصريحاً في كتابه، قال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]. المصيبة الثانية: هي استشهاد سبعين من الصحابة؛ بسبب خطأ من الرماة في هذه الموقعة، فاستشهاد هؤلاء السبعين ليست مشكلة، بل هي فضل من الله عليهم، لكن أن يستشهدوا بسبب خطأ فهذا أمر غير مقبول. المصيبة الثالثة في ذلك اليوم: الإحباط الذي أصاب المسلمين والقعود في أرض القتال واليأس من عدم النصر، وعدم الحركة في سبيل الله . المصيبة الرابعة: الفرار من الزحف. وذكرنا أن هذا الفرار تم بعد سماع نداء الرسول ﷺ لهم: (هلموا إلي يا عباد الله! هلموا إلي يا عباد الله! أنا رسول الله) ومع ذلك واصلوا الفرار، فمنهم من صعد إلى الجبل، ومنهم من فر إلى المدينة المنورة، ولم يكن هذا كله تحيزاً إلى فئة أو تحرفاً إلى قتال، ولكن كانت مخالفة شرعية واضحة. إذاً: بسبب هذه المصائب الأربع التي تمت في يوم أحد سمى الله هذه الغزوة بالمصيبة.

стр. 332

الحكم والآثار الإيجابية من غزوة أحد ذكرنا في الدرس السابق أيضاً أن أحُداً لم تكن شراً محضاً، بل كان في داخل هذه المصيبة خير كثير.

стр. 333

التنقية والتصفية والابتلاء أول حكمة نراها في هذه المصيبة هي: الحكمة التي ذكرها الله تعليقاً على غزوة أحد في آيات سورة آل عمران، ونحن بحاجة ماسة إلى أن ندرس هذه الآيات بدقة وتفصيل، خاصة عندما تمر أزمات أو مصائب كبرى على الأمة الإسلامية: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٦] لماذا؟ ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]، أي: التنقية والتصفية والابتلاء. فلو كانت حياة المؤمنين انتصارات بلا هزائم لدخل في الدين الإسلامي الصادق والكاذب، ولاختلط الحابل بالنابل، لكن عندما تحصل المصائب ينكشف الذي في قلبه مرض، ويبدأ بالمجاهرة بالعداء للإسلام؛ لأن الإسلام نسبياً أصبح ضعيفاً، والدولة الإسلامية بعد أحد أصيبت إصابة كبيرة، فمن كان يخفي في قلبه الكفر ويظهر الإسلام أظهر ما كان يخفي، وفعلاً بعد أحد جاهر كثير من المنافقين بنفاقهم، وقد رأينا أن (٣٠٠) انسحبوا قبل بدء معركة أحد، فما بالك بعد المصيبة التي حصلت؟ يقول الرواة: نجم النفاق في المدينة المنورة بعد أحد، فالمسلمون عرفوا أناساً كثيرين بنفاقهم، كانوا في الظاهر يصلون ويصومون ويتكلمون بالخير، لكن الشر يكمن في داخلهم، هذا الشر خرج وظهر للناس بعد أحد. من الممكن أن الرسول ﷺ يعرف هؤلاء بالوحي، فقد أسر بأسمائهم إلى حذيفة بن اليمان، فمن الممكن أن نكشف أمرهم بالوحي ويكفي، لكن الله يعلم أن الوحي سينقطع بوفاة الرسول ﷺ ، وهو آخر الأنبياء ﷺ ، فلابد أن يعرف المسلمون المنافقين إلى يوم القيامة، فما هي الطريقة لمعرفتهم؟ الطريقة: هي حدوث المصائب على الأمة الإسلامية سواء في زمن الرسول ﷺ ، أو في الأزمان اللاحقة إلى يوم القيامة، فكلما تحصل مصيبة وتضعف الدولة الإسلامية وتمر بأزمة يظهر النفاق. فهذه طريقة تعرفنا وتفصل لنا نوعية المسلمين في داخل الدولة الإسلامية، وعندها تستطيع أن تختار الناس الذين تعتمد عليهم في إقامة صرح الأمة الإسلامية، فلن تختار منافقاً ولن تسر بأمر خطير إلى أحد المنافقين، وهذا إن شاء الله سنتكلم عنه بالتفصيل عند الحديث عن الأحزاب وتبوك، فهي غزوات يتضح فيها أمر المنافقين وضوحاً بيناً، لكن أذكركم بالآية الكريمة التي نزلت تعليقاً على غزوة تبوك، وسنفسرها إن شاء الله عندما نتكلم عن غزوة تبوك، قال الله : ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. إن عبد الله بن أبي انسحب من جيش النبي ﷺ بـ (٣٠٠) مقاتل، وقد يتخيل أن في انسحابهم أزمة، وهذا فهم خاطئ، فإن وجود هؤلاء الثلاثمائة داخل المعركة قد يزيد من خذلان المسلمين الذين ثبتوا، فيغيروا رأيهم، والله يقول: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: فيكم أيها المؤمنون الصادقون من يستمع إلى كلام المنافقين. إذاً: في باطن المصيبة رحمة وخير، فالمسلمون سيعرفون الأشخاص الذين يتكلمون بالسوء على الإسلام معرفة واضحة.

стр. 334

معرفة المسلمين شؤم معصية أمر الله وأمر رسوله ﷺ من الآثار والحكم: أن يعلم المسلمون شؤم معصية أمر الله ، وشؤم معصية أمر الرسول ﷺ ، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] هذه الآية نزلت في ظرف معين وفي حدث معين، لكن الأوضاع عامة تشمل كل الأحداث، وأحاديث الرسول ﷺ بين أيدينا، وإذا لم نحكم الرسول ﷺ في أمور حياتنا في كل صغيرة وكبيرة؛ فإننا سنصاب بمثل مصاب أحد، فمشكلة أحد الرئيسة بدأت من أن مجموعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم خالفوا أمر رسول الله ﷺ مع علمهم به. وهذا أمر خطير؛ لأنه إذا أمر الرسول ﷺ فلا خيرة لنا، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وإذا لم نأتمر بأمر الرسول ﵊ قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فيحصل مثل أُحد وأعظم منها. وأُحد تتكرر كثيراً في حياتنا، كم قد أمرنا الرسول ﷺ بأمور وخالفنا هذه الأمور، ويخيل لنا أننا نعمل ما هو أفضل وأصلح لنا ولأمتنا، أمرنا الرسول ﷺ بعدم التعامل بالربا ونتعامل أحياناً بالربا، ونقول: إن هذا فيه خير للأمة، أمرنا بعدم الإباحية والمجون والفواحش، ومع ذلك يرتكبها كثير من المسلمين ويصرحون بها ويجاهرون بها، سواء كان للسياحة أو لحرية المرأة، أو للترفيه، أو لأخذ قسط من الراحة، مبررات كثيرة جداً كلها مخالفة لأمر الرسول ﷺ ، ومع ذلك تفعلها وأنت تعلم أنك مخالف، فهذا يؤدي إلى مصائب كثيرة. فالمصيبة التي حدثت في أُحد هي إحدى نتائج المعصية، وكان هذا أمراً لافتاً للنظر، فلو كان الأمر مرّ بسلام لما عرفنا أن مخالفة أمر الرسول ﵊ قد تؤدي إلى مصيبة، حتى في وجود ذلك الجيل العظيم من الصحابة ﵃ وأرضاهم.

стр. 335

وضوح خطورة الدنيا وضرورة الحذر منها من الآثار والحكم: لفت أنظار المسلمين جميعاً سواء الذين شاركوا في أحد أو الذين يأتون من بعدهم إلى خطورة الدنيا، حتى جيش الصحابة وهو أعظم الأجيال لو أصيب بمرض الدنيا فإنه سيصاب بمثل مصاب أحد؛ لذلك ستجد أحاديث كثيرة لرسول الله ﷺ تتحدث عن الزهد في الدنيا وتأمر المسلمين بالحذر التام من خطورة أمر الدنيا، وهناك أبواب كثيرة في ذم الدنيا موجودة في كتب الصحاح والسنن، وقد كان الرسول ﵊ لا يجد فرصة إلا وينبه المسلمين فيها إلى خطورة الدنيا، من ذلك أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء). وعلى هذا النسق من التحذير والتنبيه جاءت أحاديث كثيرة جداً، كذلك القرآن الكريم قلّما تجد صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم ليس فيها تنبيه أو تحذير من أمر الدنيا، وقد رأينا مصيبة الدنيا في أحد حين قال الصحابة: الغنيمة الغنيمة. حتى بعد النصر وبعد استيفاء معظم صفات الجيش المنصور، وحتى بعد طلب الآخرة في أول المعركة، إن دخل طلب الدنيا فإن هذا يؤثر على الجيش بكامله. إذاً: هذه المصيبة الكبيرة لفتت الأنظار بوضوح إلى خطورة الدنيا، ولو مر الأمر دون مصيبة أو كارثة لما عرف أحد أن الدنيا خطيرة لهذه الدرجة.

стр. 336

إعلام المسلمين أن خطأ بعضهم يعمهم جميعاً من الآثار والحكم: إعلام المسلمين أن خطأ البعض يعم على كل المسلمين، فالذين خالفوا هم أربعون صحابياً فقط، نزلوا من فوق جبل الرماة، فحدثت كل التداعيات الخطيرة داخل موقعة أحد نتيجة مخالفة هؤلاء الأربعين، وهذا يدل على قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الصف المسلم، فنحن كجيل يريد أن يرفع رأسه وسط العالمين ويقود الأرض إلى الخير، لابد أن يبحث عن الأمراض التي تصيب الأمة، انظر إلى جارك وأخيك وصاحبك وأولادك وأبيك وأمك ورحمك، كل الدوائر التي حولك إن رأيت فيها معصية أو أخطاء أو منكراً أو بعداً عن رب العالمين فاعلم أن ضرر ذلك لن يصيب هؤلاء فقط، بل سيقع الضرر عليه وعليك وعلى الأمة بكاملها، وتذكروا حديث السفينة الذي يقول فيه الرسول ﷺ : (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، قالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا). هم يريدون خيراً بهذا الأمر، لكن لا يدركون ما وراءه، فما بالك لو كانوا يريدون شراً؟ هم يريدون أن يتجنبوا إيذاء غيرهم؛ لذلك يريدون أن يخرقوا خرقاً في الجزء الأسفل من السفينة، وهذا سيؤدي إلى غرق السفينة، يقول ﷺ : (فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً) أي: أن السفينة ستغرق، فالذي عصى والذي لم يعص كلهم سيغرقون، ثم قال: (وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). هذه فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجدير بالأمر أن مرض الدنيا الذي ظهر يوم أُحد كان له جذور سابقة ليوم أحد، فلابد للمسلمين أن يحذروا من هذه الأمراض التي تفشت في جيش أُحد.

стр. 337

حكمة إبقاء زعماء الكفر في غزوة أحد أحياءً بعد الغزوة من الآثار والحكم اللطيفة في يوم أُحد: أن المسلمين لم يقتلوا عدداً كبيراً من الكافرين مع رغبتهم في قتلهم، والله أراد أن يحفظ دماء هؤلاء الكافرين؛ لأنهم بعد سنوات سيسلمون ويصبحون نصراً للإسلام والمسلمين، انظر إلى القائد الأعلى لجيش مكة أبي سفيان والقواد الثلاثة الذين كانوا يساعدونه صفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، هؤلاء القواد الأربعة سواء كان القائد العام أو الثلاثة الذين تحته أسلموا، وكلهم كان لهم دور كبير في المعارك الإسلامية، وليس هؤلاء فقط، بل ومن النساء هند بنت عتبة التي كانت تحمس الجيش للقتال، والتي بقرت بطن حمزة ﵁ وأرضاه ولاكت كبده، أسلمت بعد ذلك وحسن إسلامها، فهؤلاء القادة الأربعة وهند بنت عتبة شاركوا في موقعة اليرموك، وكان لهم دور كبير في نصر المسلمين في اليرموك، فأحياناً يكون في داخلنا رغبة قوية في هلكة الظالمين، ورغبة قوية في أن يخلصنا الله من فلان وفلان وفلان؛ لأنهم كادوا للإسلام ومكروا به، ومع ذلك يخبئ الله لنا خيراً كثيراً في إبقائهم، فبعد قليل سيصيرون مسلمين، ويكونون هم أنصار الإسلام.

стр. 338

اصطفاء الله كثيراً من المجاهدين للشهادة من الآثار والحكم التي نريد أن نقف معها وقفة: أن في هذه المصائب التي تنزل على الأمة الإسلامية ينتقي الله بعضاً من المسلمين ليتخذهم شهداء، ومن الممكن أن يكونوا شهيدين أو ثلاثة في المعركة، عندها لن تأخذ في بالك قيمة الشهداء وعظمتهم، لكن حين يستشهد سبعون من المسلمين، فهذا أمر لافت للنظر جداً، وخاصة بهذه الطريقة المؤثرة التي حدثت يوم أُحد. إن قصص الشهداء تفتت الأكباد خاصة عندما تقرأ قصة الشهيد الأول والثاني والثالث والعاشر إلى السبعين، هذا لابد أنه سيلفت النظر بوضوح إلى قيمة الشهداء في الميزان الإسلامي، فالقرآن مركز على قضية الجهاد، ويلفت النظر إلى أن الجهاد يكون بالنفس والمال، فالجهاد في غاية الأهمية، لا تقوم أمة إلا بالجهاد في سبيل الله، وإن تركت الأمة الجهاد في سبيل الله ذلت: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم). هذا هو كلام الرسول ﵊، وهذا هو الواقع الذي نراه في كل صفحة من صفحات القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، ليس المال فقط، بل ﴿أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، وهذا كثير جداً في القرآن الكريم: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [التوبة:٤٤]، فأنت عندما تجاهد بنفسك فهذا لاشك أنه شيء عظيم، وعندما تفقد نفسك وأنت ثابت في سبيل الله فهذا شيء أعظم، وعندما تهوى الموت في سبيل الله ويصبح أعظم أمنية عندك فلا شك أن هذا أعظم وأعظم وأعظم، وكل هذا رأيناه في أُحد، وليست المسألة أنك تكون شهيداً بمجرد رغبة عابرة تأتي على الذهن في لحظة من لحظات علو الإيمان أو القرب من الله ، ليست هذه السنة، السنة أن طريق المسلم طويل وصعب حتى يصل إلى الشهادة، نعم، هناك استثناءات وهناك بعض الظروف لا تكون على هذه الصورة، لكن الأصل أن الطريق طويل. وكنت مستغرباً لماذا الرسول ﵊ في الحديث الذي ذكر فيه أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ذكر أموراً كثيرة لا علاقة لها بالجهاد قبل أن يتكلم عن الجهاد؟ يا ترى! ما هو الرابط بين هذه الأمور وبين الجهاد؟ ماذا قال الرسول ﷺ لـ معاذ بن جبل ﵁ لما سأله؟ سأل معاذ بن جبل الرسول ﷺ سؤالاً جميلاً، ولكنه صعب، قال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال له ﷺ : لقد سألتني عن عظيم -أي: أمر كبير- وإنه ليسير على من يسره الله عليه -وما هو الطريق؟ - قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً) الأمر الأول: توجيه النية الكاملة لله عند المسلم، حتى يصل في يوم من الأيام إلى أن يكون مجاهداً، ويصل بعد ذلك إلى الشهادة. قال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وليس من المعقول أبداً أن يكون مجاهداً دون أن يعمل هذه الفرائض، ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم تلا قول الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] حتى بلغ قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]). فالرسول ﵊ تكلم عن بعض أعمال الخير من الفرائض والنوافل من صيام وصدقة وقيام كلها مهمة جداً في الطريق للجهاد في سبيل الله، ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ لسانه وقال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم). إذاً: طريق الجهاد طريق طويل، لا يستطيع أن يصل إليه المسلم دون أن يؤدي الفرائض التي عليه، ولن يصل إلى طريق الجهاد في سبيل الله من واظب على المعاصي والمخالفة، وواظب على عدم اتباع أمر رسول الله ﷺ في الفرائض. ثم بعد الفرائض النوافل أيضاً، لن يصل إلى الجهاد إلا من قام الليل وتص

стр. 339

نماذج بطولية من شهداء أحد كان الصحابة ﵃ وأرضاهم يستمعون إلى الأحاديث في فضل الشهيد وما أعد الله له في الجنة فتاقت نفوسهم بصدق إلى الشهادة، فهذه بعض نماذج من الشهداء في غزوة أُحد، وبعض الأمثلة الفاضلة لسبعين شهيداً.

стр. 340

حمزة بن عبد المطلب ﵁ أول شهيد يلفت نظرك: هو حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه؛ فسيد الشهداء هو حمزة ﵁، أسلم في العام السادس تقريباً من البعثة النبوية، أي: قبل عشر سنوات من غزوة أحد، وسلك طريقاً طويلاً جداً من الكفاح مع رسول الله ﷺ ؛ سواء في فترة مكة أو في فترة المدينة، سواء في داخل الشعب أو في أثناء الهجرة أو بعد إقامة الدولة أو في بدر، فقد رأينا له مواقف مميزة في بدر، وكان المشركون يقولون: من هذا الذي كان معلماً بريشة في صدره؟ قالوا: إنه حمزة فقالوا: هذا الذي فعل بنا الأفاعيل، كان له طريق طويل في الجهاد حتى أكرمه الله بالشهادة في يوم أحد. وكان حمزة قبل الإسلام مجرد رجل يحب الصيد والمتعة واللهو، ويسجد لصنم، عاش حياة ليس لها قيمة ولا وزن في حياة الأرض، وبعدما أسلم انتقل من كونه سيداً في قبيلته الصغيرة إلى كونه سيداً لشهداء الأرض أجمعين يوم القيامة، واستشهد في يوم أُحد ﵁.

стр. 341

مصعب بن عمير ﵁ كان طريق مصعب بن عمير ﵁ طويلاً جداً، حتى يكون شهيداً، أسلم مبكراً، وخاض جهاداً في سبيل الله في مكة والحبشة والمدينة وبدر وأحد، في محطات كثيرة أبلى بلاءً حسناً، وتعب كثيراً وبذل كثيراً وضحى كثيراً، ثم في النهاية أنعم الله عليه أن مات شهيداً في سبيله، وكأنها هدية، وقبل أن يستشهد قطعت يمينه وقطعت شماله ومع ذلك لم تسقط الراية من يده؛ لأنه كان مشتاقاً إلى الشهادة. وطالباً للموت بصدق، وإن تصدق الله يصدقك: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه). فاستشهد مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه بعد رحلة كفاح طويلة، مر عليه رسول الله ﷺ فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، ثم قال ﷺ : (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فائتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه)، هذا الحديث في مستدرك الحاكم وهو صحيح. إن شهداء أحد يردون السلام على من سلم عليهم وإلى يوم القيامة، وزيارة شهداء أُحد أصبحت سنة شرعها لنا ﷺ ، وكان دائم الزيارة لشهداء أُحد إلى مماته، وقبل الممات بقليل خرج ﷺ ليزور شهداء أُحد ويستغفر لهم، فهذه قيمة كبيرة في ميزان شهداء أُحد ﵃ أجمعين.

стр. 342

سعد بن الربيع ﵁ ذكرنا قصة المؤاخاة بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وكيف كان يريد أن يدفع نصف ماله ويطلق إحدى زوجاته لـ عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين، فكان سعد في تضحية وبذل حقيقي، وخاض طريقاً طويلاً حتى دخل موقعة أُحد، وفي يوم أُحد قاتل قتالاً عظيماً، وبعدما انتهت الموقعة وذهب المشركون، أخذ الرسول ﷺ يطمئن على أصحابه فلم يجد سعد بن الربيع، فأمر زيد بن ثابت ﵁ أن يبحث عن سعد بن ربيع وقال له: (إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك؟ -أي: كيف حالك؟ - قال زيد بن ثابت: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو في آخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، فقلت: يا سعد إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجده؟ فقال: وعلى رسول الله ﷺ السلام، قل له: يا رسول الله! أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار)، انتبه! إلى اللحظة الأخيرة من حياته ما زال إيجابياً يحمس الناس على الجهاد في سبيل الله، فمن الممكن أن يقول: لقد خسرت كل شيء وراح عمري، وراحت حياتي وراحت أموالي وتجارتي، لكنه لم يفكر في كل هذا، كل الذي كان يفكر فيه وهو يعالج سكرات الموت أن يوصي الأنصار بقوله: (لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف). سبحان الله! فأهم قضية عنده الحفاظ على رسول الله ﷺ ، حتى وهو في آخر لحظة من لحظات حياته؛ لذلك فإن سعد بن الربيع له قيمة كبيرة في ميزان الإسلام.

стр. 343

عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁ يقول عبد الله بن عمرو بن حرام قبل موقعة أُحد: رأيت في النوم مبشر بن عبد المنذر ﵁ من شهداء بدر، يقول: أنت قادم علينا بعد أيام، فقلت: وأين أنت؟ قال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء، قلت له: ألم تقتل يوم بدر؟ قال: بلى، ثم أحييت، فذهب عبد الله بن عمرو بن حرام إلى رسول الله ﷺ وأخبره برؤياه، فقال ﷺ : (يا عبد الله هذه الشهادة). واشتاق عبد الله بن عمرو بن حرام اشتياقاً حقيقياً للشهادة، وخرج في غزوة أحد وهو بهذه النية والعزيمة على أن يموت في سبيل الله، ولما رأى عبد الله بن أبي ينسحب بجيشه ذهب إليه ونصحه بالعودة، لكن عبد الله بن أبي أصر على الهروب من أرض المعركة، فلعنه عبد الله بن عمرو بن حرام وقال: تباً لك أبعدك الله! سيغني الله عنك رسوله الكريم ﷺ . وأكمل المعركة بهذه الحمية، وقاتل قتالاً شديداً حتى قيل: إنه أول من قتل يوم أحد ﵁ وأرضاه، وكان عنده بنات كثيرات وديون. وبعد استشهاده جاء ابنه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄ وأرضاهما أجمعين حزيناً لفقد والده مهموماً، فأخذ يكشف الغطاء عن وجه أبيه ثم يغطي، وكرر ذلك عدة مرات، وكان الصحابة ﵃ ينهونه، والرسول ﷺ لا ينهاه؛ لأنه كان يقدر الموقف الذي هو فيه، فلما رأى جابراً منكسراً هذا الانكسار الكبير، يقول جابر: (قال لي رسول الله ﷺ : يا جابر! ألا أخبرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى، قال: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، فقال: يا عبد الله تمنَّ علي أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية)، يتمنى نفس أمنية الرسول ﵊ (لوددت أن أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا)، قال: (يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب! فأبلغ من ورائي)، سبحان الله! حتى بعد موته حريص على الناس، وحريص على أهله والأنصار، وحريص على المهاجرين وعلى كل المسلمين، قال: (فأبلغ من روائي -أي: بيّن للمسلمين قيمة الشهادة وكرامة الشهيد- فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]). روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم، وهو صحيح. انظر إلى قيمة الشهيد، صار في حوار وخطاب مع رب العالمين بمجرد الشهادة.

стр. 344

خيثمة أبو سعد ﵁ كان سعد بن خيثمة في بدر قد استهم مع أبيه للخروج إلى بدر، وخرج سهم سعد واستشهد في بدر، وقبل وقعة أُحد حدث حوار لـ خيثمة مع الرسول ﵊ يقول فيه: (لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت -والله- عليها حريصاً حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، ويقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، وقد -والله- يا رسول الله! أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة، وقد كبر سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله! أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له ﷺ بذلك، فاستشهد يوم أحد)، فقد كان يريد أن يستشهد في سبيل الله، واشتاق اشتياقاً حقيقياً إلى الموت في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله.

стр. 345

عمرو بن الجموح ﵁ كان عمرو بن الجموح ﵁ وأرضاه أعرج شديد العرج، وكان كبيراً في السن عمره أكثر من الستين سنة، وعنده أربعة أولاد كلهم يقاتلون في سبيل الله، وقد خرجوا يوم أحد، وأصر عمرو على الخروج إلى أحد؛ لأنه سمع قضية الشهادة، وتاقت نفسه إلى أن يموت شهيداً، لكنه معذور لعرجته وكبر سنه، وأولاده يكفونه ذلك، ولكنه أصر على الخروج، فأبى أولاده، وأخبروه بأن الله قد جعل له رخصة، وأنهم يكفونه ذلك، فذهب عمرو بن الجموح إلى الرسول ﷺ يشكو أولاده ويقول: (يا رسول الله! إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، والله إني لأرى أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة -يعني: هذه الإعاقة لن تعوقني عن دخول الجنة شهيداً- فقال ﷺ يخاطب عمرو بن الجموح أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، ثم قال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة). فخرج عمرو بن الجموح بهذا الصدق مع الحبيب ﷺ في أحد، واستشهد مع الشهداء ﵁.

стр. 346

حنظلة بن أبي عامر ﵁ خرج حنظلة بن أبي عامر وهو في ليلة عرسه للجهاد في سبيل الله، ومن استعجاله خرج وهو جنب، وقاتل في أحد حتى استشهد، وبعد موته نظر النبي ﷺ إلى نعشه، فوجد أن الماء يقطر منه ﵁ وأرضاه، فتعجب ﷺ ، فأرسل إلى زوجته وقال: (ما باله؟ فذكرت قصته فقال: سبحان الله! إن الملائكة تغسل حنظلة)، وأصبح بعد ذلك يحمل اسم: غسيل الملائكة ﵁ وأرضاه.

стр. 347

عبد الله بن جحش ﵁ سار عبد الله بن جحش ﵁ في طريق طويل وكفاح مرير، من أيام مكة المكرمة وهجرته إلى الحبشة مرتين، وهجرته بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وخروجه في بدر ثم خروجه في أحد، فتعالوا لنرى اشتياق عبد الله بن جحش ﵁ للشهادة، تعالوا نرى الحوار اللطيف الذي دار بينه وبين سعد بن أبي وقاص ﵄ قبل بدء المعركة، قال عبد الله بن جحش لـ سعد: ألا ندعو الله؟ فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب! إذا لقيت العدو فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه، فأمَّن عبد الله بن جحش. كان دعاء سعد بن أبي وقاص دعاءً طبيعياً، يدعو أنه يقاتل أحد الكفار فينتصر عليه ويأخذ سلبه، لكن انظر إلى دعاء عبد الله بن جحش واشتياقه الحقيقي إلى الشهادة في سبيل الله، قال: اللهم ارزقني رجلاً شديداً حرده شديداً بأسه أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غداً قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. يتمنى أن يقابل أحداً من الكفار، فيتقاتلا فيقتله الكافر، ثم يمثل بجثته، فيقطع أنفه وأذنه؛ ليسأله رب العالمين : من فعل فيك هذا؟ ومن فعل فيك هذا؟ فيقول: فيك يا رب! وفي رسولك ﷺ ، فيقول الله : صدقت. وانظر إلى تعليق سعد بن أبي وقاص على هذه الدعوة، يقول سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني! كانت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط. استجاب الله دعاءه كما تمنى، وصدق في ذلك.

стр. 348

الأصيرم عمرو بن ثابت بن قيس بن وقش إن طريق الوصول إلى الشهادة طريق طويل، وهذه قاعدة، لكن للقاعدة استثناء، فمن الممكن أن يستشهد شخص عمره في الإسلام قصير جداً، لكن تكون عنده رغبة حقيقية في الشهادة في سبيل الله فيموت شهيداً، عندنا في القرآن قصة سحرة فرعون الذين انتقلوا من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان في لحظة، ثم أصبحوا شهداء في سبيل الله، أيضاً في موقعة أحد مثال كمثال هؤلاء، رجل انتقل من الكفر إلى الإسلام في لحظة ثم أصبح شهيداً. هذا الرجل هو الأصيرم من الأوس من بني عبد الأشهل من قبيلة سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، لما أسلم سعد بن معاذ أسلمت كل قبيلته إلا الأصيرم، تأخر إسلامه إلى يوم أحد، ففي يوم أحد وجد أن الإسلام قريب إلى قلبه، فانتقل إلى المسلمين فوجدهم قد خرجوا إلى أحد، فلحق بهم فوجدهم يقاتلون، فدخل يقاتل معهم، ثم أصيب ووقع على الأرض، واقترب الصحابة ﵃ وأرضاهم منه فقالوا: هذا الأصيرم ما جاء به؟ قد كان كافراً! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه: ما الذي جاء بك أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما ترون. ومات من لحظته، آخر كلمة قالها: إنه قاتل في سبيل الله، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ : (هو من أهل الجنة)، في لحظة واحدة فقط، في لحظة إيمان وصدق انتقل من معسكر الكفر إلى الإيمان، ثم أصبح شهيداً، ثم أصبح في الجنة، كل تاريخه في الإسلام نصف يوم تقريباً لم يكمل يوماً كاملاً، يقول أبو هريرة: ولم يصل الأصيرم لله صلاة قط. فاعلم يا أخي المسلم! أن من أهل الدنيا من يعمل بعمل أهل النار ثم يسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.

стр. 349

مخيريق ﵁ في غزوة أُحد شارك واحد من اليهود كان اسمه: مخيريق، لما خرج ﵊ لقتال المشركين في أحد جمع مخيريق اليهود وقال لهم: يا معشر يهود! والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالي لمحمد ﷺ يصنع فيه ما شاء، ثم ذهب مع المسلمين وقاتل حتى استشهد، فقال ﷺ : (مخيريق خير يهود).

стр. 350

قصة قزمان وقتاله في غزوة أحد على العكس من قصة الأصيرم كانت قصة قزمان، كان قزمان في غزوة أحد قد قتل ثلاثة من حملة راية المشركين الواحد تلو الآخر، ثم قاتل بعد ذلك قتالاً شديداً حتى إن بعض الروايات تقول: إنه قتل سبعة أو ثمانية من المشركين، وفي آخر الموقعة وجدوه قد أثبتته الجراحات، فأخذه المسلمون وبشروه، قالوا: هنيئاً لك الجنة، فقال: والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي -أي: لا علاقة لي بالإسلام، لم أقاتل إلا قومية فقط- قال: إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، ثم اشتدت به الجراح فنحر نفسه. وكان إذا ذكر عند رسول الله ﷺ يقول: (إنه من أهل النار)، فهذا الرجل قاتل في سبيل الوطنية والقومية وليس في سبيل الله، فضاع منه كل شيء مع أنه أبلى بلاءً حسناً في الموقعة، وأدى أفضل من كثير في الموقعة؛ لكنه قاتل من أجل الدنيا فما له في الآخرة من نصيب. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁: (أن رجلاً سأل الرسول ﷺ قال: الرجل يقاتل للمغنم -يريد الغنيمة- والرجل يقاتل للذكر -لكي يقول عنه الناس: شجاع وجريء وقوي- والرجل يقاتل ليرى مكانه -أي: مكانه في قبيلته- فمن في سبيل الله؟ فقال ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). وروى الترمذي وأبو داود، وأحمد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، فالناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب). إذاً: هذه حكم كثيرة موجودة في مصيبة أُحد، في داخل المصيبة جعل الله خيراً، وقد تكلمنا على أكثر من حكمة لحدوث المصائب على الأمة الإسلامية، وليس معنى ذلك أننا نبحث عن المصائب، لكن لنعلم أن المصيبة ليست شراً محضاً، بل في باطنها خير كثير قد نرى هذا الخير وقد لا نراه، فالخير موجود، والله قد لا يأذن بها إلا لأن فيها خيراً للمؤمنين، قال في كتابه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦].

стр. 351

طرق علاج الهزيمة النفسية التي لحقت المسلمين في غزوة أحد ما قصة الناس الذين لم يموتوا في غزوة أحد، وما قصة الناس الذين انكسروا انكساراً شديداً؟ وما قصة الناس الذين فروا من الزحف؟ وما قصة الناس الذين ما استطاعوا أن يدافعوا عن الإسلام والمسلمين؟ وما مقدار الهزيمة النفسية التي كانوا فيها؟ وما مقدار الانكسار الذي وصلوا إليه؟ وكيف كانت الحالة النفسية المتردية التي وصل إليها أولئك الفارون عندما وصلوا إلى المدينة المنورة، ورجع إليهم ﷺ بجراحه وآلامه ومصابه وسبعين من الشهداء؟ إن هذا الأمر صعب جداً على النفس. إن هذه الكارثة النفسية كادت تودي بهؤلاء جميعاً وتذهب بهم، لولا أن نزل المنهج الرباني لعلاج هذه الهزيمة النفسية، ولإخراج المسلمين من الانكسار النفسي الذي يعقب المصائب والأزمات الشديدة، تعالوا لنعرف كيف يخرجنا الله من أزماتنا النفسية/ ويأخذ بأيدينا ويدخلنا الجنة بعد أن عصينا وأذنبنا وأخطأنا، بل وبعد أن ارتكبنا الكبائر، فالفرار من الزحف كبيرة من الكبائر؟ نحن في حاجة إلى أن نراجع سورة آل عمران؛ حتى نفهم قصة أحد، وسأمر بإيجاز على النقاط.

стр. 352

رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية فيه النقطة الأولى: رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية فيه. فكل واحد منا فيه جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وفي وقت الهزيمة والنكسة وحدوث المصيبة تغلب على الإنسان بعض جوانبه السلبية من فشل وضعف، إن بعض جوانب الضعف موجودة في كل الناس، ففي هذه الأزمة لابد أن تقول له: أنت وعندك جوانب ضعف عندك جوانب قوة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] سبحان الله! بعد كل الكوارث التي حدثت في أحد، وبعد كل المخالفات الشرعية التي تمت على أيدي بعض الصحابة، يقول لهم رب العزة : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]. فالقرآن يلفت النظر إلى جوانب القوة في الإنسان، يأخذ بيده لكي لا يقع، ولكي يقوم بعد هذه المصيبة في لحظات علو الكافر على المؤمن، ففي مرحلة من مراحل الزمن لابد من لفت نظر المؤمن إلى أنه كما أن فيه ضعفاً أدى إلى علو الكافر، فإنه يملك جوانب إيجابية تسمح له بالقيام من جديد: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فعندما ترى دولة غير مسلمة تعلو دول المسلمين فلا يهولنك ولا يحبطنك ذلك، بل انظر إلى ما في يديك من إمكانيات، فإمكانيات الأمة ضخمة، إمكانيات إستراتيجية، وإمكانيات اقتصادية، وإمكانيات مالية، وإمكانيات بشرية وإمكانيات كثيرة، بل عندك أشياء كثيرة أكثر من التي فقدتها، وأهم شيء تملكه ولم تفقده هو الإيمان بالله ، والإيمان برسوله الكريم ﷺ ، والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر. هذه القيمة العليا هي التي ترفع المسلم فوق أي إنسان في الأرض: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فهذه هي التي تجعلنا أعلم من غيرنا حتى في حال ضعفنا ومصائبنا وأزماتنا، ليس معنى هذا ألا يعمل المسلمون ويجتهدوا، ولكن معناه أن يعلموا أن أعظم مقومات قيامهم على الإطلاق: الإيمان، ولو ملكوه على حقيقته فإنهم الأعلى حقاً، وستكون لهم الدولة حتماً كما ذكر رب العالمين . إذاً: هذه النقطة الأولى في المنهج الإيجابي لعلاج المنهزم نفسياً.

стр. 353

رفع الروح المعنوية بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية في الحدث نفسه النقطة الثانية: رفع الروح المعنوية بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية في الحدث نفسه. وهذا الذي تكلمنا عنه في درس اليوم: تمييز الصف وإظهار المنافقين من المؤمنين. وكذلك لفت نظر المسلمين إلى شؤم المعصية، وإلى خطورة الدنيا. وكذلك انتقاء بعض المسلمين ليكونوا شهداء، هذه كلها جوانب إيجابية في الحدث، وعندما ينظر المسلم إلى هذه الجوانب الإيجابية تطمئن النفس وتهدأ الروح.

стр. 354

معرفة كون المصائب مقدرة من الله النقطة الثالثة: توضيح أن المصائب مقدرة حتماً، وستقع ما دام الله قد قدر لها أن تقع، صحيح أن هناك أسباباً، وأن علينا أن نسعى قدر الإمكان لمنع الكوارث والمصائب؛ لأن الله أمرنا بالسعي وبأخذ الأسباب، ونعلم أننا نؤجر على العمل ما دام العمل موافقاً للشرع، ونعلم أيضاً أن الله قادر على تعطيل الأسباب، ونعلم أنه قادر على إنفاذ الأسباب، فكل شيء بيده ، فإن قدر للمصيبة أن تقع فليس هناك أي معنى لكلمة: (لو)؛ لأنها تفتح عمل الشيطان، فمهما قلنا: لو كنا عملنا كذا أو كذا، فإن المصيبة ستقع (١٠٠%)؛ لأن الله قدر لها أن تقع، فالمفروض أن تتصرف بشكل إيجابي مع المصيبة، ولا تأخذ الأمور بمنتهى الفتور والكسل والإحباط.

стр. 355

الوعد بالقيام من جديد والأمل بأن النصر قادم النقطة الرابعة: الوعد بالقيام من جديد، والأمل في أن النصر قادم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] قاعدة محكمة، والله لا ينصر إلا من نصره، ونصر الله يكون بتطبيق شرعه، وإن قضى الله بالنصر للمؤمنين فلا غالب لهم حتماً؛ لأن هذه سنة ثابتة إلى يوم القيامة، فيها تجدد الأمل دائماً في نصر قادم.
следующие страницы →