← Сира

Сира · id 37369

السيرة النبوية - راغب السرجاني

راغب السرجاني

Полный текст (657 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

طرق علاج الهزيمة النفسية التي لحقت المسلمين في غزوة أحد ما قصة الناس الذين لم يموتوا في غزوة أحد، وما قصة الناس الذين انكسروا انكساراً شديداً؟ وما قصة الناس الذين فروا من الزحف؟ وما قصة الناس الذين ما استطاعوا أن يدافعوا عن الإسلام والمسلمين؟ وما مقدار الهزيمة النفسية التي كانوا فيها؟ وما مقدار الانكسار الذي وصلوا إليه؟ وكيف كانت الحالة النفسية المتردية التي وصل إليها أولئك الفارون عندما وصلوا إلى المدينة المنورة، ورجع إليهم ﷺ بجراحه وآلامه ومصابه وسبعين من الشهداء؟ إن هذا الأمر صعب جداً على النفس. إن هذه الكارثة النفسية كادت تودي بهؤلاء جميعاً وتذهب بهم، لولا أن نزل المنهج الرباني لعلاج هذه الهزيمة النفسية، ولإخراج المسلمين من الانكسار النفسي الذي يعقب المصائب والأزمات الشديدة، تعالوا لنعرف كيف يخرجنا الله من أزماتنا النفسية/ ويأخذ بأيدينا ويدخلنا الجنة بعد أن عصينا وأذنبنا وأخطأنا، بل وبعد أن ارتكبنا الكبائر، فالفرار من الزحف كبيرة من الكبائر؟ نحن في حاجة إلى أن نراجع سورة آل عمران؛ حتى نفهم قصة أحد، وسأمر بإيجاز على النقاط.

стр. 352

رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية فيه النقطة الأولى: رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية فيه. فكل واحد منا فيه جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وفي وقت الهزيمة والنكسة وحدوث المصيبة تغلب على الإنسان بعض جوانبه السلبية من فشل وضعف، إن بعض جوانب الضعف موجودة في كل الناس، ففي هذه الأزمة لابد أن تقول له: أنت وعندك جوانب ضعف عندك جوانب قوة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] سبحان الله! بعد كل الكوارث التي حدثت في أحد، وبعد كل المخالفات الشرعية التي تمت على أيدي بعض الصحابة، يقول لهم رب العزة : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]. فالقرآن يلفت النظر إلى جوانب القوة في الإنسان، يأخذ بيده لكي لا يقع، ولكي يقوم بعد هذه المصيبة في لحظات علو الكافر على المؤمن، ففي مرحلة من مراحل الزمن لابد من لفت نظر المؤمن إلى أنه كما أن فيه ضعفاً أدى إلى علو الكافر، فإنه يملك جوانب إيجابية تسمح له بالقيام من جديد: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فعندما ترى دولة غير مسلمة تعلو دول المسلمين فلا يهولنك ولا يحبطنك ذلك، بل انظر إلى ما في يديك من إمكانيات، فإمكانيات الأمة ضخمة، إمكانيات إستراتيجية، وإمكانيات اقتصادية، وإمكانيات مالية، وإمكانيات بشرية وإمكانيات كثيرة، بل عندك أشياء كثيرة أكثر من التي فقدتها، وأهم شيء تملكه ولم تفقده هو الإيمان بالله ، والإيمان برسوله الكريم ﷺ ، والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر. هذه القيمة العليا هي التي ترفع المسلم فوق أي إنسان في الأرض: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فهذه هي التي تجعلنا أعلم من غيرنا حتى في حال ضعفنا ومصائبنا وأزماتنا، ليس معنى هذا ألا يعمل المسلمون ويجتهدوا، ولكن معناه أن يعلموا أن أعظم مقومات قيامهم على الإطلاق: الإيمان، ولو ملكوه على حقيقته فإنهم الأعلى حقاً، وستكون لهم الدولة حتماً كما ذكر رب العالمين . إذاً: هذه النقطة الأولى في المنهج الإيجابي لعلاج المنهزم نفسياً.

стр. 353

رفع الروح المعنوية بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية في الحدث نفسه النقطة الثانية: رفع الروح المعنوية بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية في الحدث نفسه. وهذا الذي تكلمنا عنه في درس اليوم: تمييز الصف وإظهار المنافقين من المؤمنين. وكذلك لفت نظر المسلمين إلى شؤم المعصية، وإلى خطورة الدنيا. وكذلك انتقاء بعض المسلمين ليكونوا شهداء، هذه كلها جوانب إيجابية في الحدث، وعندما ينظر المسلم إلى هذه الجوانب الإيجابية تطمئن النفس وتهدأ الروح.

стр. 354

معرفة كون المصائب مقدرة من الله النقطة الثالثة: توضيح أن المصائب مقدرة حتماً، وستقع ما دام الله قد قدر لها أن تقع، صحيح أن هناك أسباباً، وأن علينا أن نسعى قدر الإمكان لمنع الكوارث والمصائب؛ لأن الله أمرنا بالسعي وبأخذ الأسباب، ونعلم أننا نؤجر على العمل ما دام العمل موافقاً للشرع، ونعلم أيضاً أن الله قادر على تعطيل الأسباب، ونعلم أنه قادر على إنفاذ الأسباب، فكل شيء بيده ، فإن قدر للمصيبة أن تقع فليس هناك أي معنى لكلمة: (لو)؛ لأنها تفتح عمل الشيطان، فمهما قلنا: لو كنا عملنا كذا أو كذا، فإن المصيبة ستقع (١٠٠%)؛ لأن الله قدر لها أن تقع، فالمفروض أن تتصرف بشكل إيجابي مع المصيبة، ولا تأخذ الأمور بمنتهى الفتور والكسل والإحباط.

стр. 355

الوعد بالقيام من جديد والأمل بأن النصر قادم النقطة الرابعة: الوعد بالقيام من جديد، والأمل في أن النصر قادم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] قاعدة محكمة، والله لا ينصر إلا من نصره، ونصر الله يكون بتطبيق شرعه، وإن قضى الله بالنصر للمؤمنين فلا غالب لهم حتماً؛ لأن هذه سنة ثابتة إلى يوم القيامة، فيها تجدد الأمل دائماً في نصر قادم.

стр. 356

التربية بالتاريخ والتأكيد على أن القيام بعد السقوط أمر متكرر النقطة الخامسة: التربية بالتاريخ، والتأكيد على أن القيام بعد السقوط أمر متكرر في السابق، وسيتكرر حتماً في الواقع وفي المستقبل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ [آل عمران:١٤٦]، ونفس هذه القصة حصلت قبل هذا بكثير، قال: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [آل عمران:١٤٦] كلمة توضح الكثرة، فالأمر متكرر جداً، والحكايات التاريخية التي تتناول نفس المعنى أكثر من أن تحصى، فأي: قصة واقعية حصلت في الماضي قبل كذا، يعلم الناس جميعاً أن هذه القصة ستتكرر، وأن القيام بعد السقوط ليس أمراً نادراً بعيد الحدوث، بل هو القاعدة التي يجب أن يبني عليها المؤمن حساباته.

стр. 357

استشعار أن ما أصابك أصاب عدوك أيضاً النقطة السادسة: استشعار أن ما أصابك أصاب عدوك أيضاً، فيحصل عندك نوع من التهوين للمصيبة، ولا تظن أن جهدك الذي بذلته مع عدوك ذهب سدى، بل جهدك الذي بذلته أثر بعمق في عدوك، وراجع معي الآيات، يقول : ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]. ويقول في آية أخرى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، مرة قال: (مثله)، ومرة قال: (كما)، فلا تحسب أن عدوك قد انتصر نصراً بلا ألم، أو حقق ربحاً بلا خسارة، فمن المؤكد أنه خسر. فالمشركون في غزوة أحد فقدوا في بعض الروايات: (٢٢) شخصاً، وفي أصح الروايات: (٣٧) من القتلى، وهو رقم ضخم، والمسلمون استشهد منهم (٧٠) مقاتلاً، لكن موتى بدر من المشركين (٧٠) مقاتلاً والأسرى من المشركين (٧٠)، والله ذكر ذلك في كتابه. قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] أي: استشهد منكم (٧٠) الآن، لكن في بدر انتصرتم وأخذتم (٧٠) أسيراً وقتلتم (٧٠) قتيلاً من المشركين، فلابد أن تذكر هذه الإصابات في طرف عدوك حتى تهدأ النفس ويطمئن القلب.

стр. 358

تداول السلطة بين الأمم والأفراد سنة من سنن الله النقطة السابعة: من سنن رب العالمين أن تتداول السلطة بين الأفراد، بل بين الأمم، وأمة الإسلام ليست خارجة عن هذا القانون، فهي تتسلم قيادة الأرض في أحيان، ويتسلمها غيرها في أحيان أخرى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فعندما تدرك ذلك يصير هذا أمراً متوقعاً وليس مستغرباً أن تفقد الأمة القيادة للأرض، وعندما تحمل المصيبة سيكون هذا أحسن، أما إذا كنت تظن أنك دائماً منصور، فلا شك أنك ستهزم نفسياً عند إصابتك، وهذا ليس واقعياً.

стр. 359

ابتداء المسلم حياته الجديدة بمغفرة الله له النقطة الثامنة: أن المسلم يستطيع أن يبدأ بداية جديدة دون أخطاء، ويبدأ بصفحة بيضاء دون خطايا أو ذنوب مهما فعل قبل ذلك، فالمسلمون في أُحد أخطئوا خطأً فادحاً كما ذكرنا، عصوا الرسول ﷺ ، وارتكبوا كبيرة من الكبائر هي الفرار من الزحف، ومع ذلك تنزل الآيات بالمغفرة للمسلمين عدة مرات، قال الله وهو يصدر الحديث عن قصة أحد: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]. ثم ذكر من صفات هؤلاء المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وبعد قليل في الآيات قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، فسبب الفرار من الزحف أن الشيطان استزلهم ببعض ما كسبوا، ثم ذكر العفو مباشرة فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، فالصفحة البيضاء للمذنب تفتح أمامه طريق العمل الجديد.

стр. 360

محاسبة الإنسان يوم القيامة على الأعمال لا على النتائج النقطة التاسعة وهي من أهم القضايا التي ترفع الهمة وتقوي العزيمة: أن الإنسان لا يحاسب يوم القيامة على النتائج، وإنما يحاسب على الأعمال، قال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٨]، فالثواب الحسن حقاً هو ثواب الآخرة، والذين انتصروا من الكفار في موقعة أو موقعتين قال الله عنهم: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧].

стр. 361

القعود واليأس يوجبان العقاب من الله النقطة العاشرة لإخراج المسلمين من الهزيمة النفسية: أن طول القعود وطول اليأس يوجب العقاب من رب العالمين ، فلابد من توازن الكفة، تبشير وإنذار أيضاً، حتى يتعادل الخوف من عقاب الله، مع الرجاء في رحمته، فالعمر أيامه معدودة، وليس هناك وقت طويل للتفكير وإعادة الحسابات، بل يجب أن يعود المسلم إلى ربه سريعاً، وإذا كان الإنسان بطبيعته يخطئ فليس هناك أي مبرر أن يصر على الخطأ، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] ثم حذر بقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. هكذا تتوازن الكفة عند المسلم فيعمل واضعاً نصب عينيه سعة رحمة الله ، وفي نفس الوقت يخاف من عقابه سبحانه. إذاً: بهذه الوسائل العشر أخرج الله المسلمين من أزمتهم النفسية، وقربهم منه وغفر لهم، وغسل ذنوبهم، وأتاح لهم العمل من جديد بصفحة بيضاء، فيا له من أسلوب راقٍ، وأسلوب تربوي متميز.

стр. 362

خروج النبي ﷺ بأصحابه إلى حمراء الأسد وأثر ذلك على المسلمين والمشركين أخذ الرسول ﷺ هذا المنهج، وطبقه مباشرة على المسلمين، بل عمل عملاً في منتهى الرقي، فقد خرج بالمسلمين للجهاد في سبيل الله في اليوم الثاني مباشرة من غزوة أحد بما فيهم من جراح وآلام، سواء كانت آلاماً جسدية أو نفسية. خرج بهم للجهاد في سبيل الله، ولمتابعة قريش ومطاردتها، منتهى التحميس والتحفيز للعمل لله إلى آخر لحظة، وقال بعض المسلمين ممن لم يشارك في أحد: (يا رسول الله! نخرج معك، قال: لا، لا يخرج معنا إلا من شهد القتال)، فالناس الذين قاتلوا في أُحد هم الذين يخرجون، وكأنه يقول لهم: أنا واثق فيكم، وأعلم أن هذه غلطة عابرة ولن تتكرر، بل هي هفوة من عظماء ولا يمكن لها أبداً أن تتكرر، فيا لها من ثقة كاملة في الجيش المسلم مع ما به من جراح! وخرج من بقي من المسلمين، خرج من ثبت وخرج من فر وعلم أن الله قد غفر له، خرجوا جميعاً إلى منطقة تسمى: حمراء الأسد، وهي تبعد حوالي (٨) أميال من المدينة المنورة، وعسكروا هناك في انتظار الجيش الكافر، وبدءوا يستطلعون الأخبار، فعلموا أن الجيش الكافر موجود على بعد (٣٦) ميلاً من المدينة المنورة عند منطقة اسمها: الروحاء، وقد كان الجيش الكافر وقف وقفة هناك، وقال: نحن لم ننتصر إلا انتصاراً جزئياً، فالرسول ﵊ وأبو بكر وعمر كلهم على قيد الحياة، وجيشه في المدينة المنورة ما زال موجوداً، فمن الممكن أن نرجع ونحاربهم مرة أخرى، نغزو المدينة المنورة، ونستأصل شأفة المسلمين وهم في حالة ضعفهم. كان الكفار يفكرون في ذلك، والرسول ﵊ يفكر أيضاً في مطاردتهم، لكن الرسول ﵊ كان واقعياً، فقد أخذ المسلمين معه، لكنهم في حالة من الضعف والتعب والجراح والآلام، فهو يعلم أن الموقعة ستكون صعبة، ويريد أن يرفع من معنوياتهم، لكن لا يريد أن يضيعهم، ولا يريد أن يهلكهم في موقعة قد تكون خاسرة؛ لذلك حاول ﷺ أن يخذل صف المشركين ويرهبه، فلقي شخصاً اسمه: معبد بن أبي معبد الخزاعي وبعثه برسالة إلى أبي سفيان، فقد كان أبو سفيان يريد أن يرجع إلى المدينة المنورة ليغزوها، وكان صفوان بن أمية وبعض المشركين معارضين له، وبينما هم في هذا الحوار إذ دخل عليهم معبد بن أبي معبد. فقال لهم: محمد قد خرج لكم في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحركون عليكم تحركاً، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. فخاف أبو سفيان وقال: ويحك ما تقول؟ قال معبد: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال معبد: لا تفعل إني ناصح، وهكذا أُحبط أبو سفيان وانهارت معنويات الجيش المكي كله، وهذا يؤكد أنهم يألمون كما يألم المسلمون: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، فلم يكن انتصاراً مبهراً حققوه في أحد، بل وقفوا خائفين مع أنهم (٣٠٠٠) شخص، وكان المسلمون كلهم (٧٠٠) شخص استشهد منهم (٧٠)، بالإضافة إلى أنهم ضعفاء وجرحى، ومع ذلك لم يستطع أبو سفيان أن يتحرك، بل إنه بعث شخصاً لكي يخذل الجيش الإسلامي، أرسل رسالة مع ركب من عبد القيس إلى رسول الله ﷺ يحاول أن يخذله قدر المستطاع. قال لهم: أبلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه. فوصلت الرسالة إلى رسول الله ﷺ ، وأصر الصحابة جميعاً على القتال، مع أن المسلمين (٦٣٠) على أقصى تقدير، والمشركين (٣٠٠٠)، وهكذا خرج المسلمون من أزمتهم النفسية تماماً، وقهروا الانكسار الذي كانوا فيه، وتحولوا إلى شجعان وأبطال مجاهدين في سبيل الله يطلبون الموت من جديد، لا يخالفون أمر الله ولا أمر رسوله ﷺ . ولما عرف المشركون ذلك رجعوا بسرعة إلى مكة، وأنزل الله في ذلك قرآناً، قال الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧٢]، أي: استجابوا لدعوة الرسول للخروج إلى حمراء الأسد ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ

стр. 363

سلسلة السيرة النبوية_ الطريق إلى الأحزاب خلفت مصيبة أحد على المسلمين أزمات، فقد اهتزت هيبة المسلمين، وتعرضوا لأزمات كثيرة منها تجمع القبائل للهجوم على المدينة، وشاء الله أن يخرج المسلمون منها بسلام، ثم جاءت أزمة ماء الرجيع وأزمة بئر معونة، وكان وقع هاتين الأزمتين كبيراً على المسلمين، وبعد غزوة بني النضير استرد المسلمون هيبتهم في الجزيرة العربية، فقد قام النبي ﷺ ببعث الجيوش والسرايا لتأديب الأعراب حول المدينة، واستطاع ﷺ أن يفرقهم، وأرعب قريشاً بخروجه في غزوة بدر الصغرى.

стр. 364

ملخص مصائب أحد وعلاج ما فيها من نتائج سلبية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس الثالث عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني. في الدروس السابقة تحدثنا عن غزوة أحد والمصيبة الكبيرة التي وقع فيها المسلمون، سواء كانت المصيبة نتيجة مخالفة الرماة لأجل الدنيا، أو كانت نتيجة الهروب من أرض المعركة أو الإحباط، أو غير ذلك من الأمور. وذكرنا الآثار الوخيمة التي أتت على الجيش المسلم نتيجة هذه المصائب المتتالية، وذكرنا أن الرسول ﵊ بعد أن دفن الشهداء المسلمين وعاد إلى المدينة المنورة، استطاع بفضل الله وبالمنهج الرباني الحكيم أن يخرج بالمسلمين من هزيمتهم النفسية، وأن يصلح انكسارهم الكبير، وينتقل بهم ليس فقط إلى مجرد تضميد الجراح، بل إلى مرحلة الهجوم من جديد على جيش الكفار، وإعادة الكرة عليهم، ورفع الرأس من جديد، وإعادة الهيبة إلى الأمة الإسلامية، وخرج بعد أقل من أربع وعشرين ساعة إلى غزوة حمراء الأسد يطارد المشركين، وعسكر بالقرب من المدينة المنورة على بعد ثمانية أميال، ولما علم بذلك جيش المشركين فر إلى مكة، ولم يقو على اللقاء الجديد مع المسلمين، هذا ملخص ما قد ذكرناه في الدروس الثلاثة السابقة. إن قريشاً قبل أن تغادر أرض أحد كانت قد أعلنت للمسلمين أنها على استعداد للتلاقي مرة ثانية، واختارت بنفسها المكان الذي سيتم فيه اللقاء الثالث بينها وبين المسلمين، واختارت موقع بدر، لترد بذلك هزيمة بدر؛ ولترفع من جديد من قيمة قريش وهيبتها في وسط الجزيرة العربية، وقبل الرسول ﵊ هذا الأمر، وقال: (موعدكم في قابل) أي: في العام القادم في نفس المكان. إذاً: كان اللقاء الأول بين المسلمين وبين الكفار في بدر في رمضان سنة (٢هـ)، واللقاء الثاني كان في شوال سنة (٣هـ)، واللقاء الثالث منتظر ومفترض أن يكون في شوال سنة (٤هـ)، ووافق الطرفان على ذلك، وعاد الرسول ﵊ من موقعة حمراء الأسد إلى المدينة؛ ليعيد حساباته من جديد. وعلى الرغم من أن غزوة حمراء الأسد أعادت شيئاً من الهيبة إلى الأمة الإسلامية، إلا أنه لا شك أن موقعة أحد هزت سمعة الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية بكاملها. وقد رأينا بعد غزوة بدر انتشاراً إسلامياً كبيراً في الجزيرة العربية، بل سيطرة عسكرية على مناطق بعيدة جداً عن المدينة المنورة، ورأينا رضوخ كثير من القبائل العربية -على الرغم أنها ما زالت على إشراكها- لسيطرة المسلمين العسكريين؛ لأن وقع بدر على قلوب الناس كان كبيراً فعلاً، فقريش من أعظم القبائل العربية التي هزمت على يد هذه المجموعة الناشئة، ولا شك أن في ذلك مقومات قوة وظهور لا يتخيلها عموم القبائل العربية في ذلك الوقت؛ ولذلك كانت السنة التي تلت بدراً لها وضع ممتاز جداً بالنسبة للمسلمين. وعاش المسلمون فيها فترة سعيدة من فترات إنشاء الدولة الإسلامية، وعلى النقيض تماماً الفترة التي تلت غزوة أحد كانت فترة صعبة جداً من أشد فترات السيرة النبوية صعوبة. وقد مررنا بفترات كثيرة وصعبة في السيرة النبوية، وكل فترة لها طابع خاص، لكن الفترة التي أعقبت غزوة أحد بدأت كل القبائل العربية المحيطة بالمدينة المنورة وغيرها من أعداء الأمة تتربص الدوائر بالأمة الإسلامية؛ لأنها مصابة إصابة فادحة، فسبعون من الشهداء، وفرار الجيش الإسلامي من أرض موقعة أحد كان له واقع سيئ على نفوس المسلمين وسمعتهم، فمع أنهم قاموا من جديد في حمراء الأسد، لكن هذا الأمر لم يرد الكثير من السوء الذي أصاب السمعة الإسلامية. تعالوا لنحلل الموقف بعد غزوة أحد. إن أعداء الأمة الإسلامية الآن حوالي أربع طوائف: الطائفة الأولى الكبيرة: هي قريش، وقد هدأت بانتصارها في أحد، وقبلت ذلك الانتصار تعويضاً عن بدر، ولا يزال أمامها سنة قادمة للحرب مع المسلمين، بالإضافة إلى أنها ما زالت تتربص الدوائر بالمسلمين؛ لأن المسلمين ما زالوا يسيطرون على الطرق التي تمر منها القوافل التجارية القرشية من مكة إلى الشام، فلا بد لقريش أن تنهي أمر المسلمين، كذلك لم تكن مقتنعة تمام الاقتناع أنها أدت ما يجب أن تؤديه؛ لأن الرسول ﵊ ما زال حياً وأبو بكر ما زال حياً وعمر ما زال حياً، وهؤلاء هم الذين سأل عنهم أبو سفيان، وهم يعلمون أن الدين الإسلامي نفسه عنده الإمكانية لتغيير الأفراد تغييراً جذرياً، ورأوا مجموعة كبيرة من الصحابة كانوا أناساً عاديين قبل الإسلام، وبعد الإسلام أصبحوا من القادة والمفكرين والمفاوضين وغير ذلك من الرموز الإسلامية المبهرة أيام رسول الله ﷺ . فهم يخافون من كون هؤلاء القادة ما زال

стр. 365

الأزمات التي مر بها المسلمون بعد غزوة أحد في الشهور الستة الأولى بعد غزوة أحد مر المسلمون بخمس أزمات خطيرة جداً، كلما خرجوا من أزمة دخلوا في أخرى، وهذا تصديق لكلام رب العالمين في قوله: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالدولة كانت للمسلمين بعد بدر، وأصبحت لغير المسلمين بعد أحد.

стр. 366

دعوة بني أسد لحرب المسلمين الأزمة الأولى: دعوة بني أسد لحرب المسلمين، كان فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، جمع الجيوش وبدأ يفكر في غزو المدينة المنورة، وعلم الرسول ﵊ بذلك، فبعث بسرعة سرية أبي سلمة لمحاولة تفتيت هذه القوى قبل أن تتجمع وتهاجم المدينة المنورة. خرجت سرية أبي سلمة في (١) محرم سنة (٤هـ) يعني: بعد حوالي شهرين ونصف شهر تقريباً من غزوة أحد، واستطاعت هذه السرية أن تشتت شمل بني أسد، وبالفعل تفرقوا في الجبال ولم يتم الغزو، لكن ظهرت نوايا المؤامرة من قبل القبائل المحيطة بالمدينة المنورة.

стр. 367

تجمع قبائل هذيل لحرب المسلمين الثانية: في نفس الوقت الذي جاء فيه خبر تجمع بني أسد للهجوم على المدينة المنورة، تجمعت بعض القبائل الأخرى بقيادة رجل اسمه خالد بن سفيان الهذلي لغزو المدينة المنورة أيضاً، وهو من أعظم وأكبر وأشرس المقاتلين العرب، كان رجلاً ضخماً، وله قدرات قيادية هائلة، جمع قبائل هذيل كلها، وهي بطون كثيرة جداً. وعندما وصل الخبر إلى الرسول ﵊ اهتم جداً بالأمر، وأرسل إلى عبد الله بن أنيس ﵁، وذكر له قصة خالد بن سفيان الهذلي، وطلب منه أن يذهب إليه ويقتله؛ لأنه هو الرأس المدبر، ولو قتل فإنه من الصعب أن تتجمع هذه القبائل، وبالتالي يتجنب الرسول ﵊ مأساة كبرى قد تتعرض لها المدينة المنورة، وظهرت هناك مشكلة، وهي أن عبد الله بن أنيس لم ير من قبل خالد بن سفيان الهذلي ولا يعرفه، فقال: (يا رسول الله! انعته حتى أعرفه)، فأعطاه الرسول ﵊ علامة غريبة، قال: (إذا رأيته وجدت له قشعريرة) يعني: حين تراه ستصاب بالرعب، فقال عبد الله بن أنيس: (يا رسول الله! ما فرقت من شيء قط) أي: ما خفت من شيء أبداً، فقال له ﷺ : (بلى، آية ما بيني وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته). ذهب عبد الله بن أنيس ودخل المنطقة التي فيها قبائل هذيل، ومن بعيد رأى خالد بن سفيان الهذلي يقول عبد الله بن أنيس: (فلما رأيته هبته وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله). أخذ عبد الله بن أنيس يفكر كيف يمكن أن يغتال هذا الرجل الضخم، فقرر أن يذهب إليه ليحتال عليه بحيلة، وكان ذلك بعد وقت دخول صلاة الظهر، وخشي أن يفوته وقت صلاة الظهر، ولكنه إذا صلى الظهر قد يراه فيكتشف أمره؛ لذلك اجتهد عبد الله بن أنيس اجتهاداً غريباً، وبعد ذلك أقر الشرع هذا الاجتهاد، وهو أن يصلي وهو يسير إليه، قال: (فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود) يعني: يشير برأسه للركوع والسجود وهو يمشي، سبحان الله! وأصبحت هذه الصلاة معروفة في الفقه بصلاة الطالب وصلاة المطلوب، أي: الذي يَطلُب رجلاً للقتل والذي يُطْلَب للقتل. قال: (فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ - أي: خالد يسأل عبد الله بن أنيس - قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا، قال: أجل. أنا في ذلك، قال عبد الله: فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركته، وعدت إلى الرسول ﵊، فلما رآني قال قبل أن أتكلم: أفلح الوجه. قلت: قتلته يا رسول الله! قال: صدقت، ثم قام معي ﷺ ، فدخل بيته فأعطاني عصاه، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس! قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ فقال: فرجعت إليه ﷺ فقلت: يا رسول الله! لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة) يعني: ستكون هذه العصا حجة له عند رب العالمين ، وهو أن الرسول ﷺ كافأني يوماً على عمل عظيم قمت به لصالح الأمة الإسلامية. ولما مات عبد الله بن أنيس ﵁ وأرضاه أمر أن تدفن معه هذه العصا، وبالفعل وضعت معه في كفنه ﵁ وأرضاه. إذاً: حصل للمسلمين أزمتان: أزمة بني أسد، وأزمة هذيل، وخرج المسلمون بفضل الله من هاتين الأزمتين بسلام.

стр. 368

أزمة بعث الرجيع الأزمة الثالثة: كانت أزمة تعرف في التاريخ ببعث ماء الرجيع، كانت في شهر صفر من السنة الرابعة من الهجرة يعني: بعد أحد بأربعة شهور، جاءت قبيلة عضل وقبيلة قارة، وهما قبيلتان من القبائل العربية، وذكرا أن فيهما إسلاماً، يعني: هناك بوادر إسلام، لكنهما لا يعرفان شيئاً عنه، فطلبا بعثاً من الصحابة يذهب إليهما ليعلمهما الإسلام والقرآن. واختار الرسول ﵊ عشرة من الصحابة، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ﵁ وأرضاه، وذهبت هذه المجموعة لتعليم هؤلاء الإسلام، وفي الطريق غدرت بهم قبيلتا عضل وقارة، واستصرخا عليهم حياً من هذيل، فهذيل ما زالت متوترة لقتل قائدهم خالد بن سفيان الهذلي، فلما حصل هذا الاستنفار تجمعوا حول هؤلاء العشرة، وطلبوا منهم النزول على العهد والميثاق، وقالوا: إذا نزلتم على العهد والميثاق لا نقتل منكم أحداً، فرفض عاصم بن ثابت ﵁، وقال: لا أنزل على عهد مشرك، وقاتل في أصحابه هذا القتال أسفر عن قتل سبعة من المسلمين، وبقي ثلاثة منهم فنزلوا على العهد، هؤلاء الثلاثة: هم خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة وواحد ثالث لم يعرف الرواة اسمه، فلما أمسكوا بالثلاثة أخذوا يكتفونهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر. فبدأ يقاوم فقتلوه، وبقي الاثنان، ولما وصلوا بهما إلى بلادهم باعوهما لأهل مكة، فاشترى صفوان بن أمية زيد بن الدثنة وقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتل في بدر، وأما خبيب بن عدي فقد اشترته مكة وأخذوا جميعاً يتجمعون لقتله، وخرجوا به إلى التنعيم حتى لا يقتلوه في البلد الحرام، وأجمعوا على صلبه ليقتل، فقال ﵁ وأرضاه: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين خفيفتين، ولما سلم قال: والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت في الركعتين، ثم رفع يده وقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم بدأ ينشد مجموعة من الأبيات قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان في الله مصرعي أي: في أي مكان، وبأي طريقة، مادام في سبيل الله فهذه أمنيتي، ثم قال له أبو سفيان قبل أن يقتل: أيسرك أن محمداً عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: لا والله ما يسرني أني في أهلي، وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكه تؤذيه، سبحان الله! كان الصحابة جميعاً يفتدون رسول الله ﷺ بأرواحهم، وكان هذا الكلام يخرج من قلبه ﵁ وأرضاه، ثم قدم للقتل فقتل صابراً محتسباً مقبلاً ﵁ وأرضاه ولم يقر بكلمة واحدة من الذي يريدون. أما قائد هذه المجموعة عاصم بن ثابت ﵁ وأرضاه كانت هناك امرأة من بني عبد الدار اسمها سلافة بنت سعد أقسمت أنها إن أمسكت بـ عاصم بن ثابت لتشربن الخمر في قحف رأسه؛ لأنه اشترك في قتل بعض من بنيها، هذا المرأة مات زوجها وأربعة من أولادها في موقعة أحد، وهم من بني عبد الدار، وسمع مجموعة من بني لحيان بمقتل عاصم بن ثابت، فذهبوا بسرعة ليأخذوه ويذهبوا به إلى سلافة بنت سعد فلما ذهبوا إليه وجدوا مجموعة كبيرة من الدبر - ذكور النحل- تغطي عاصم بن ثابت ﵁، فما استطاعوا أن يقتربوا منه، فابتعدوا عنه وبالليل جاءوا ليأخذوه، فوجدوا أن سيلاً من السيول -يقول الراوي: وليس في السماء سحابة واحدة- قد احتمل عاصم بن ثابت إلى حيث لا يعلمون واختفت الجثة؛ وذلك لأن عاصماً ﵁ كان في حياته بعد أن أسلم يقسم أنه لا يمس مشركاً، وفي قتاله يوم الرجيع قال: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار، فاحم لحمي في آخره. فحمى الله لحمه وهو ميت. ولما كانت هذه القصة تحكى أمام عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته. إذاً هذه قصة ماء الرجيع، وكانت مأساة حقيقية للمسلمين، عشرة من خيار الصحابة ماتوا في وقت واحد. في نفس الوقت الذي خرج فيه هؤلاء العشرة إلى ماء الرجيع حصلت قصة ثانية في وقت متزامن، يعني: قبل أن يصل خبر قتل هؤلاء العشرة حصلت قصة ثانية خطيرة جداً.

стр. 369

أزمة بعث بئر معونة جاء عامر بن مالك أحد زعماء بني عامر؛ ليقدم هدية إلى رسول الله ﷺ ، فعل ذلك نوعاً من التقارب بين القبائل وليس طمعاً في الإسلام، فالرسول ﵊ قال: (أسلمت؟ قال: لا. قال: فإني لا أقبل هدية من مشرك، قال: فإن القوم يرغبون في الإسلام فابعث معنا من يعلمهم الإسلام، فقال ﷺ : إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال عامر: فإني جار لهم) أي: إني أجيرهم من بني عامر، وبنو عامر هم معظم أهل نجد، فوافق الرسول ﵊، ولأن قبيلة بني عامر كانت قبيلة كبيرة وأهل نجد هم مجموعات هائلة من القبائل، اختار الرسول ﷺ مجموعة كبيرة من الصحابة يعرفون بالقراء، كلهم كانوا يقرءون القرآن ويتدارسونه ليل نهار، كانوا من خيار الصحابة ﵁ وأرضاهم أجمعين، وكان تعدادهم سبعين صحابياً، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الخزرجي ﵁. وكان هؤلاء السبعون معظمهم من الأنصار، وأخرجهم ﷺ ليقوموا بدعوة هذه القبائل الكبيرة للإسلام، وخرجوا في جوار عامر بن مالك زعيم بني عامر. وفي الطريق وبعد أن وصلوا إلى منطقة تعرف باسم بئر معونة عسكروا فيها، وهي بئر بين بني عامر وبين بني سليم، فنزلوا هناك وبعثوا أحد الصحابة وهو حرام بن ملحان برسالة إلى عامر بن الطفيل ابن أخي عامر بن مالك وكان عامر بن الطفيل رجلاً شريراً آثماً غادراً، وبينه وبين الرسول ﷺ قصة قديمة. كان قد جاء إلى الرسول ﵊ وعرض عليه أمراً قال: (أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك، أو أن أغزوك بأهل غطفان) يعني: يهدده، فرفض الرسول ﵊ كل هذه المطالب جميعاً وردها. فلما بعث الصحابة حرام بن ملحان برسالة يدعونه فيها إلى الإسلام، أشار الغادر عامر بن الطفيل إلى أحد رجاله -مع أن الرسل لا تقتل- أن يطعنه من ظهره، فجاء الرجل بحربة كبيرة وطعنه من خلفه فأنفذها حتى خرجت من صدره ﵁، ولما اخترق الرمح ظهر حرام بن ملحان وخرج من صدره وأدرك أنه ميت -أخذ الدم الذي يتفجر من جسده بيديه، وبدأ يمسح به وجهه ورأسه ويقول: فزت ورب الكعبة فزت ورب الكعبة. سبحان الله! تخيل في هذا الموقف شاباً مثل حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه يُطعن هذا الطعن، وكل الذي يفكر فيه هذا الوقت أنه مات في سبيل الله شهيداً، فقال: فزت ورب الكعبة. إنه لمنظر بديع، منظر يعبر عن صدق النوايا في القلب، يعبر عن الثبات إلى آخر اللحظات حتى في أشد المواقف صعوبة، كثير من الناس تهتز عند لحظات الموت، لكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وأدهش الموقف كل الحضور، حتى إن جبار بن سلمى الذي طعن حرام بن ملحان في ظهره حين سمع ذلك، قال: فقلت في نفسي: ما فاز؟ ما فاز؟ ألست قد قتلت الرجل؟ فقال له الناس حوله: يقول المسلمون: إن هذه شهادة، فسأل جبار بن سلمى عن ذلك حتى عرف أمر الشهادة في الإسلام، وذهب إلى المدينة المنورة يسأل عن ذلك، وكان ذلك سبباً في إسلامه ﵁ وأرضاه. هذا الموقف خطير، ويجعلنا نسأل سؤالاً: هل الشهيد يتألم مثل ما نحن نتألم؟ يا ترى! بعد الطعنة التي دخلت في ظهره وخرجت من صدره يستطيع أن يفكر ويزن الأمور، ويقول كلاماً في منتهى الحكمة مثل هذا الذي قاله؟ يرد علينا الرسول ﷺ ويقول في الحديث: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)، لما تقرصك حشرة أو ناموسة أو غيرها من الحشرات هذه القرصة التي تشعر بها أنت يشعر بها الشهيد، حتى ولو كان مطعوناً أو مضروباً بسيبف أو أطلق عليه صاروخاً، لا يشعر الشهيد إلا بمثل ألم القرصة، ونحن نوقن بذلك تماماً كما صور الحديث ﷺ . إذاًَ: كان هذا أول الغدر، قتل حرام بن ملحان ﵁، ثم قام عدو الله عامر بن الطفيل باستنفار بني عامر لقتال المسلمين في بئر معونة، فرفض بنو عامر وقالوا: لا نخفر ذمة عامر بن مالك، فإن عامر بن مالك كان قد أجار المسلمين من بني عامر، فقام عامر بن الطفيل باستنفار بني سليم، فأجابته بعض البطون من بني سليم: عصية ورعل وذكوان، وجاءت هذه القبائل وأحاطت بالمسلمين الذين في بئر معونة، وقاتل المسلمون جميعاً حتى قتلوا إلا واحداً منهم أصيب إصابات بالغة، وظنوا أنه قتيل، هو كعب بن زيد

стр. 370

أزمة بني النضير الخامسة: أخذ الرسول ﵊ مجموعة من الصحابة، وذهب إلى بني النضير، ليجمع الدية لقتيلي عمرو بن أمية، وأخذ معه أبا بكر وعمر وطائفة من الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولما ذهب إليهم اجتمع اليهود بعيداً عن رسول الله ﷺ ، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأس محمد فيشدخه بها؟ وهكذا حاولوا اغتيال رسول الله ﷺ ، فهم يرون أن المسلمين في أزمة، كانت مصيبة أحد قبل أربعة شهور سبعين شهيداً، وشهداء ماء الرجيع عشرة، وشهداء بئر معونة سبعين، فالمسلمون في أزمة، واليهود أهل غدر وخيانة، فرأوا الفرصة سانحة في أن يقتلوا الرسول ﵊، ويتخلصوا من دولة الإسلام تماماً، فسألوا: من الذي يقوم بإسقاط رحى على رأسه؟ فقال رجل اسمه عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم أحد زعماء اليهود: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، فانظر إلى أي حد كان اقتناعهم بأنه رسول الله! قال: ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه. لكن حيي بن أخطب زعيم بني النضير وأبو السيدة صفية ﵂ وأرضاها أصر على قتل الرسول ﷺ . وبالفعل اجتمع الملأ على ذلك، وقام عمرو بن جحاش بحمل حجر كبير، وصعد فوق البيت ليلقيه على الرسول ﷺ ، وفي هذه الأثناء وهم يتفقون جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وأعلمه بما يدبرون، فترك الرسول ﵊ المكان، وانتقل مباشرة إلى المدينة المنورة، مضى ولم يقل لأصحابه شيئاً؛ حتى لا يلفت الأنظار، واتبعه أصحابه ﵃. ولما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة أخبر الصحابة بأن اليهود كانت تدبر مكيدة لقتله ﷺ ، وفي هذا نقض صريح ومباشر للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، ومن ثم قرر ﷺ إجلاء بني النضير من المدينة المنورة. أرسل ﷺ لهم رسالة يقول فيها: (اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشراً -أي: عشرة أيام- فمن وجدته بعد ذلك ضربت عنقه). ومع قوة اليهود وبأسهم وسلاحهم وعتادهم وحصونهم وقع الرعب في قلوبهم عندما قرأوا الرسالة، وقرروا الخروج فعلاً، وبدءوا يجهزون العدة؛ ليخرجوا من المدينة المنورة دون قتال. وعندما نووا الرحيل جاء إليهم رئيس المنافقين عبد الله بن أبي فقال لهم: لا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين، يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وقد كان اليهود على عزم أكيد للخروج، ثم ثبتهم في البقاء مجموعة من المنافقين، فالمنافقون خطرهم شديد جداً؛ لذلك يقول رب العالمين في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، المنافق في الظاهر أنه مسلم؛ لكن سوء أعمالهم لا يفكر فيها اليهود أنفسهم، ذهبوا إلى اليهود وثبتوهم وقالوا: إنهم سيحاربون معهم ضد المسلمين إن حدثت حرب، وأنزل الله قرآناً يفضح فيه أفعال اليهود والمنافقين. قال : ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١١ - ١٢]. هذا كلام الله ، المنافقون قلوبهم ضعيفة واهنة؛ لأنها بعيدة عن الحق، قلوبهم في الظاهر مسلمة وفي الباطن تكره الإسلام وتتعاون مع اليهود، لكن إن جاء خطر عليهم تنكروا لعهودهم كما يتنكر اليهود، وكما يتنكر أعداء الأمة بصفة عامة لأخلاقهم ولعهودهم. فهذا الذي حصل تماماً، ثبت المنافقون اليهود، وثبت اليهود بكلام المنافقين ولم يخرجوا، وأرسلوا رسالة إلى الرسول ﵊ يقولون فيها: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. وكان الموقف في غاية الحرج، فالرسول ﵊ مصاب في (١٥٠) صحابياً في خلال الشهور الأربعة التي مضت، وسيدخل الآن في حرب كبيرة مع بني النضير، لكن إن سكت سيكون هناك هزة كبيرة لسمعة الأمة الإسلامية، فكان لا بد من أخذ قرار حازم مع مثل هؤلاء، سواء كانوا بني النضير أو غيرهم، لا بد أن يحفظ كرامة الأمة الإسلامية. وبالفعل جهز ﷺ جيشاً في ربيع الأول سنة (٤هـ)، وانطلق لحصار بني النضير، وضرب الحصار عليها من كل مكان حوالي ست ليال، وفي بعض الروايات خمس عشرة ليلة، لكن الراجح: ست ليال فقط، ثم هزم ال

стр. 371

إرسال الجيوش والسرايا لتثبيت دعائم الأمن واسترداد هيبة الإسلام من جديد

стр. 372

غزوة نجد أحب الرسول ﵊ أن يستغل هذا الظرف، وبدأ يرسل السرايا والجيوش لتثبيت دعائم الأمن في الجزيرة العربية، ولاسترداد الهيبة من جديد، وأول جيش خرج كان على رأسه الرسول ﷺ نفسه في غزوة تسمى غزوة نجد، وذهب لتأديب قبائل نجد التي تجمعت لقتل المسلمين في بئر معونة وماء الرجيع، ولما خرج فروا منه جميعاً، ولم يلق قتالاً ﷺ ، لكنه استعاد الهيبة بشكل كبير.

стр. 373

غزوة بدر الصغرى أخذ ﷺ يعد العدة ويجهز الجيش للقاء القادم مع المشركين، فقد كان هناك تواعد بين المسلمين والمشركين على اللقاء للمرة الثالثة: الأولى: بدر، والثانية: أحد، وكان من المفروض أن يكون اللقاء الثالث في هذه الأيام في السنة الرابعة من الهجرة. وبالفعل جهز النبي ﷺ جيشه، وفي شعبان (٤هـ) أرسل رسالة إلى قريش يتواعد معها على اللقاء في بدر، وخرج النبي ﷺ بجيش قوامه (١٥٠٠) مقاتل، وذهب إلى بدر، وخرج كذلك أبو سفيان من مكة بـ (٢٠٠٠) من المقاتلين، ووصل المشركون إلى منطقة تسمى مر الظهران قريبة جداً من مكة، وعسكر الجيش هناك، ولا يزال أمامه طريق طويل حتى يصل لبدر، لكن الجيش الذي خرج كان متثاقلاً تماماً، وعنده نوع من التردد الكبير في قتال المسلمين، وفي داخله الهلع والهيبة للمسلمين مع أن الموقعة الأخيرة كانت لصالح المشركين، ووقف أبو سفيان في مر الظهران يخاطب الجيش ويقول لأصحابه: يا معشر قريش! إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا. هكذا كان أبو سفيان، يتحجج بحجج واهية، فلو كانوا حريصين على القتال لخرجوا. فاجتمع القوم على الرجوع، ولم يعارض أحد أبا سفيان في قضية العودة إلى مكة المكرمة، وبذلك تخلفوا عن اللقاء الذي وعدوا به رسول الله ﷺ . ولم يبق الرسول ﵊ في بدر ثلاثة أيام فقط، بل بقي ثمانية أيام متصلة؛ حتى يثبت للجميع أنه لا يهاب قريشاً ولا يخاف جيوشها ولا عدتها ولا عتادها، وكان في هذا أثر إيجابي كبير للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية.

стр. 374

تأديب قبائل منطقة دومة الجندل شمال المدينة سمع الرسول ﷺ أن بعض القبائل في شمال الجزيرة العربية في منطقة دومة الجندل بدءوا يتجمعون ويهاجمون القوافل المارة، ويقتلون المسلمين هناك، وهي قبائل كبيرة وضخمة في هذه المنطقة، فجمع الرسول ﵊ جيشاً ليذهب إلى دومة الجندل، وهي تبعد عن المدينة مسافة أكثر من (٤٥٠) كيلو، ذهب ﷺ بنفسه، وهناك بدأ يفرق السرايا والجيوش في الأماكن المختلفة، وفروا منه جميعاً ولم يلق ﷺ قتالاً، ولكنه ثبت من جديد دعائم الدولة الإسلامية في هذه المنطقة، بل وسمع الناس جميعاً في الجزيرة العربية بأخبار الجيوش الإسلامية التي تتجه هنا وهناك، وكان هذا في ربيع أول سنة (٥هـ).

стр. 375

نتائج خروج المسلمين من الأزمات بعد أحد كانت غزوة أحد في شوال سنة (٣هـ)، وفي الشهور الستة التي بعدها كانت هناك أزمات كبيرة مرت بها الأمة الإسلامية، أزمة بني أسد، وأزمة خالد بن سفيان، وأزمة ماء الرجيع، وأزمة بئر معونة، ثم في النهاية أزمة بني النضير. خرج المسلمون من هذه الأزمات في يوم خروج بني النضير، واستطاع المسلمون من جديد أن يستعيدوا الهيبة، واستغل الرسول ﷺ هذا الموقف في نشر الهيبة والسمعة الجيدة للمسلمين في الجزيرة العربية، فقام بعدة سرايا وغزوات من أشهرها: غزوة نجد، واللقاء الذي كان منتظراً بينه وبين المشركين في بدر، عرفت في التاريخ بغزوة بدر الصغرى تمييزاً لها عن غزوة بدر الكبرى التي كانت في سنة (٢هـ)، ثم قام بغزوة دومة الجندل. وكان لكل هذا نتائج كبيرة في الجزيرة العربية على كل المحاور، سواء كانت نتائج في داخل المدينة المنورة أو في خارجها.

стр. 376

استكانة المنافقين داخل المدينة المنورة أولاً: استكان المنافقون في داخل المدينة المنورة، بعد مصيبة أحد نجم النفاق في المدينة المنورة، وجاهر المنافقون المسلمين بالعداء، بل وتعاونوا مع بني النضير ووعدوهم بالمساعدة ضد المسلمين إن حارب اليهود والمسلمين، لكن بعد هذه السرايا والغزوات استكان المنافقون تماماً، ورضخوا لأوامر الرسول ﷺ ، وكتموا في قلوبهم الكفر، وأصبحوا في داخل صف المسلمين، وهذا فيه خطر كبير، لذلك نتوقع أن تحدث أزمة تكشف المنافقين قريباً.

стр. 377

تحرك مخاوف اليهود ثانياً: تحركت مخاوف اليهود؛ فلم يبق من اليهود في المدينة المنورة إلا بنو قريظة، وبقي يهود بني قريظة على العهد، لكن في قلوبهم قلق ورعب شديد من المسلمين، فهذه بنو قينقاع قد خرجت، وخرج وراءها بنو النضير، ولم يبق غير بني قريظة. كذلك يهود خيبر رأت أن اليهود يخرجون من داخل المدينة المنورة، وبعد أن ينتهي الرسول ﵊ من قصة اليهود في المدينة المنورة، لا يستبعد أن يتجه إلى يهود الشمال إلى خيبر، أضف إلى ذلك أن بني النضير هاجرت إلى خيبر، ونقلوا ليهود خيبر كل الكراهية التي حملوها معهم من المدينة المنورة، كذلك زعماء بني النضير انتقلوا إلى خيبر، وفيهم من الشر ما فيهم، منهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وغيرهما من زعماء اليهود، فمن المتوقع أن تكون هناك مشاكل كثيرة تجيء من ناحية خيبر.

стр. 378

شعور قريش بالقلق والخوف من المسلمين ثالثاً: بدأت قريش تشعر بالقلق، ومع أنها كانت رافعة رأسها بعد أحد، لكنها اهتزت هزة كبيرة برجوعها عن بدر الصغرى، وعدم القدرة على مواجهة المسلمين، مع أن عدد الكفار في غزوة بدر الصغرى (٢٠٠٠)، وعدد المسلمين فيها (١٥٠٠)، أضف إلى ذلك انقطاع التجارة إلى الشام تماماً بعد قيام الدولة الإسلامية، فهذا أمر لا بد أن تفكر فيه قريش. إذاً: قريش بدأت تشعر بالقلق الشديد تجاه المسلمين، لكن لا تدري كيف تتصرف؟

стр. 379

شعور القبائل المحيطة بالمدينة المنورة بالقلق والخوف من المسلمين رابعاً: القبائل التي تحيط بالمدينة المنورة هي قبائل الأعراب التي تعيش في البادية بدأت تشعر بالقلق الشديد، وأهم هذه القبائل قبائل غطفان التي منها قبائل بني سليم وقبائل بني هذيل وبني لحيان، وهي القبائل التي غدرت بالمسلمين سواء في بئر معونة أو في ماء الرجيع.

стр. 380

مقدمات تجمع الأحزاب لغزو المدينة لما رجع الرسول ﵊ من غزوة دومة الجندل عاهد عيينة بن حصن أحد زعماء بني فزارة، وبنو فزارة فرع من فروع بني سليم، وهذا الفرع لم يكن ممن غدر بالمسلمين في بئر معونة؛ لذلك عاهد الرسول ﷺ عيينة لفترة من الزمان. إن هذه المتغيرات التي حدثت في الجزيرة العربية وفي المدينة المنورة في خلال السنة السابقة كانت سبباً لحدوث شيء كبير ضد المسلمين في الفترة القادمة، فهناك منافقون داخل المدينة ويهود، وهناك قريش، وهناك قبائل عربية غير مسلمة حول المدينة المنورة.

стр. 381

دور اليهود في تجمع الأحزاب لحرب المسلمين كل الطوائف من اليهود والمشركين كانت حاقدة على الإسلام، وكان المسلمون في كل المعارك السابقة يواجهون كل قبيلة على حدة، فإذا تجمعت هذه القبائل فإنها ستحدث أزمة كبيرة على المسلمين، لكن كيف تتجمع هذه القبائل وهي متفرقة في شدة التفرق؟ فإن العرب لم يتجمعوا في يوم من الأيام، إنما هم عبارة عن قبائل منفردة؛ كل قبيلة لها قانونها ولها زعيمها ورأيها، فكيف تتجمع هذه القبائل على قلب رجل واحد لحرب المسلمين؟ هذا شيء مستغرب، لكن لليهود فيه دور كبير. لقد كان لليهود دور كبير في تجمع القبائل لحرب المسلمين، فقد جمعوا القبائل من هنا وهناك ولم يشتركوا هم في المعركة، وهذا هو دور اليهود المعروف عنهم منذ سنين طويلة، وما زالوا يعملون ذلك باحتراف إلى هذا الوقت، وسيستمرون على ذلك، فهم دائماً يؤلبون غيرهم على حرب الإسلام وحرب دعوة الحق، ويخرجون هم تماماً من الصورة والأحداث. وهذا ما فعله اليهود أيام الرسول ﷺ ، خرجت من خيبر مجموعة من يهود خيبر وبني النضير، فيهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وأخذوا يؤلبون القبائل على المسلمين، ويجمعون القبائل المتفرقة لحرب دولة الإسلام في المدينة المنورة. ذهبوا أولاً إلى قريش وقالوا لهم: الفرصة سانحة في أن نجمع لكم القبائل من غطفان وبني سليم وغيرها لحرب المسلمين، ولم تصدق قريش أنها وجدت مثل هذه الفرصة؛ وذلك لأن قريشاً طعنت في كبريائها يوم أن عادت من بدر الصغرى دون قتال في شعبان سنة (٤ هـ)، وبدأ القرشيون يجمعون من القبائل المحيطة بمكة المكرمة ما يستطيعون جمعه من الجنود، حتى جمعوا (٤٠٠٠) مقاتل، وانتقل اليهود بسرعة من قريش إلى غطفان في شرق الجزيرة العربية، والتقوا بزعماء غطفان هنا وهناك، وكانت هذه القبائل الغطفانية تنتظر الفرصة كذلك، فقال لهم اليهود: قريش معكم، فقد جمعت (٤٠٠٠) مقاتل، لكن غطفان لم تتشجع كثيراً على القتال لخوفها من المسلمين، مع أن قبائل غطفان كثيرة ومعها قريش، لكن اليهود ما يئسوا، قالوا لهم: إن لم تكونوا متحمسين على القتال فنحن نحمسكم بالمال، فمع بخل اليهود الشديد إلا أنهم ينفقون المال الكثير إذا كان هذا الإنفاق للصد عن سبيل الله، فهم ينفقون ببذخ وكرم كبير لا يتخيله أحد، هذه هي طبيعتهم، فوعدوا زعيم بني فزارة عيينة بن حصن وبقية زعماء غطفان أن يعطوهم ثمار خيبر كاملة لمدة سنة، وكانت خيبر غنية بالثمار، فكل ما ينتج فيها من ثمار يدفع لغطفان ولـ عيينة بن حصن على أن يجمعوا جيشاً قوامه (٦٠٠٠) مقاتل. إذاً: ستة آلاف من غطفان وبني سليم، وأربعة آلاف من قريش، وهكذا اجتمع (١٠. ٠٠٠) مقاتل، وطارت الأنباء المرعبة إلى المدينة المنورة، فقد كان هذا أخطر الأنباء من أول إنشاء الدولة الإسلامية، فإن العرب كانوا إذا وصل عددهم (١٠٠٠) يفتخرون، يقول أحدهم: إنا لنزيد على الـ (١٠٠٠)، ولن يغلب (١٠٠٠) من قلة، إذاً: تخيل (١٠. ٠٠٠) مقاتل قادمين باتجاه المدينة المنورة ليحاصروها من كل مكان، وفيهم من الحقد ما فيهم. ووصل الخبر على المسلمين وكان ثقيلاً، وميز الله بهذا الخبر الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فإنه لما سمع المؤمنون الصادقون بهذا الخبر قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فالجيوش والأمم والأعادي كلهم سيتجمعون عليهم باختلاف إستراتجياتهم وأفكارهم، لكن وعدهم الله بالنصر عليهم إن هم تمسكوا بمنهجه ، فها هو الجزء الأول يتحقق: وهو تجمع الأحزاب حول المسلمين، أما الجزء الثاني فلا بد أن يتحقق: وهو النصر عليهم ما داموا متمسكين بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وهم بفضل الله متمسكون: فالنصر آتٍ إن شاء الله، مع أن الظاهر مختلف تماماً، فالأحزاب (١٠. ٠٠٠) مقاتل يحاصرون المدينة، فكيف الخروج من هذه الأزمة؟ فما زالوا لا يعرفون، لكنهم متيقنون تماماً في وعد رب العالمين: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. أما على الناحية الثانية فارتعب المنافقون، كيف يحاربون عشرة آلاف مقاتل؟ والمنافقون لا يحسبون الأمر إلا بحسابات الورقة والقلم والحسابات المادية فقط، ولا يقتنعون بقدرة رب العالمين وبحكمته وبإرادته وبهيمنته على الكون بكامله، فلم يستطيعوا أن يعوا هذا الأمر، وأخذوا يحسبون كل شيء بالورقة والقلم، كيف يحارب المسلمون (١٠. ٠٠٠)، والمسلمون داخل المدينة بكاملها سواء كانوا من الرجال أو من النساء أو من الأطفال أو من الشيوخ أو من الصادقين أو من المنافقين لا يصل عددهم إلى (١٠. ٠٠٠)؟ فكيف سيحاربون جيشاً مؤهلاً لحرب المسلمين قوامه (١٠. ٠٠٠) مقاتل؟ وحينما سمع

стр. 382

سلسلة السيرة النبوية_ الأحزاب تجمعت أحزاب الباطل من أجل استئصال شأفة المسلمين في المدينة، وبلغت القلوب الحناجر، وزلزل المسلمون زلزالاً شديداً، خاصة بعد أن نقض بنو قريظة العهد، ثم كان بعد هذا الزلزال نصر كما وعد الله سبحانه، فقد أرسل الله جنوداً لم يرها المؤمنون وجنوداً رأوها، وحاق المكر السيئ ببني قريظة، ورجعت الأحزاب خائبة ذليلة لم تحقق شيئاً، وأصبح المسلمون هم الذين يغزون ولا يغزوهم أحد.

стр. 383

مقدمات بين يدي غزوة الأحزاب أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس الرابع عشر من دروس السيرة النبوية للعهد المدني. في الدرس السابق تحدثنا عن الأحداث التي كانت بعد غزوة أحد، فإن الفترة التي أعقبت غزوة أحد كانت فترة عصيبة جداً على الدولة الإسلامية، اهتزت هيبة الدولة الإسلامية بصورة جعلت الكثير من الأعداء يطمعون فيها سواء من داخل المدينة أو من خارجها، وتحدثنا عن الأزمات الخمس التي مرت بالأمة الإسلامية في الشهور الستة الأولى بعد أحد، وانتهت الأزمة الخامسة منها بمواجهة مع يهود بني النضير، وبفضل الله انتصر المسلمون بالرعب الذي ألقاه الله في قلوب اليهود، ونزلوا على أمر رسول الله ﷺ ، وخرجوا من المدينة إلى خيبر، وبخروج اليهود في ربيع أول سنة ٤ هـ دخل المسلمون في مرحلة أخرى، استعادوا فيها كثيراً من هيبتهم، وكانت السنة التي تلت خروج يهود بني النضير سنة طيبة جداً من سنوات الدعوة، سكن فيها المنافقون، وانتشرت فيها سرايا المسلمين في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، بل وأخلفت قريش موعدها مع المسلمين في شعبان سنة (٤ هـ) فيما عُرف في التاريخ بغزوة بدر الصغرى، وهدأ يهود بني قريظة وأقروا بالعهد لرسول الله ﷺ . وذكرنا أيضاً في الدرس السابق أنه نتيجة استقرار أوضاع المسلمين، وتحرك القلق في قلوب جميع أعداء الأمة من يهود ومشركين ومنافقين، وبدءوا يفكرون في شيء يمنعون فيه الدولة الإسلامية من إكمال المسيرة، وتولى كبر التدبير لهذا الأمر فرقة من يهود خيبر ويهود بني النضير، وكونوا وفداً من حوالي (٢١) رجلاً، وتحرك هذا الوفد إلى الجزيرة العربية هنا وهناك؛ ليجمع الجموع لحرب المسلمين، واستطاعوا أن يحمسوا قريشاً على أن تخرج في (٤٠٠٠) مقاتل، واشتروا غطفان وبني سليم بالمال على أن يخرجوا في (٦٠٠٠) مقاتل، وتحركت هذه الجموع الضخمة (١٠٠٠٠) مقاتل صوب المدينة المنورة، وكان الهدف استئصال المسلمين تماماً، ليس الغرض الانتصار في موقعة عابرة، ولكن الهدف هو إنهاء الوجود الإسلامي في الأرض بالمرة، ووصل النبأ المرعب إلى المدينة المنورة. أما المنافقون فقد ظهر نفاق معظمهم، وقالوا: لا طاقة لنا أبداً بحربهم، وظهرت عليهم علامات الرعب والهلع، وهؤلاء المنافقون لم يكتفوا بالهلع والقعود، بل حاولوا أن يمنعوا الآخرين من الحرب بحجة أنها حرب لا طائل من ورائها، قال الله : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٨ - ١٩] هذا كان رد فعل المنافقين. أما المؤمنون الصادقون فإنهم ومع عظم الخبر إلا أنهم وجدوا فيه بشرى، والبشرى هي أن الله وعد المسلمين بالنصر على أعدائهم إن هم تجمعوا لهم، ووعدهم بالنصر إن وصلت الأزمة إلى الذروة، أين هذا الوعد؟ يقول ابن عباس ﵄: هذا الوعد في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] المسلمون الآن يقتربون من مرحلة الزلزال، إذاً: النصر أيضاً يقترب.

стр. 384

الصورة المنهجية الصحيحة التي انتهجها المسلمون في مواجهة الأحزاب بدأ المسلمون يفكرون في الأزمة القادمة بإيجابية، ما الذي سوف نعمل؟ أول شيء فعلوه: إقامة مجلس شورى، وهذه هي البداية الصحيحة، وعند مراجعة صفات الجيش المنصور الذي قلناه قبل هذا في بدر ستجدونها جميعها موجودة بالتفصيل في جيش الأحزاب، فهذه سنن وليست مصادفات، وهكذا أقيم مجلس الشورى المكون من المهاجرين والأنصار وغيرهما من القبائل المختلفة، بل إن فيهم من ليس عربياً أصلاً مثل بلال الحبشي وسلمان الفارسي ﵃ أجمعين، وهذه هي عظمة الدين الإسلامي، وانظر ما هي الخبرات التي تتراكم في الأمة الواحدة نتيجة جمع البشر من كل العناصر والقبائل والأجناس والبلاد تحت راية واحدة، فهذه أزمة الأحزاب، والله يجعل حلها على يد رجل ليس من العرب أصلاً، ولكنه من المسلمين، وهو سلمان الفارسي. هذا الجيش الإسلامي يستفيد من خبرة الجيش الفارسي، ومن تجارب شعب كامل مثل شعب فارس، كما أن سلمان الفارسي لم يدخل في الجماعة المسلمة إلا منذ أيام أو شهور قليلة، ولعل هذه هي المشاركة الأولى مع الصف المسلم، ومع ذلك تجده قد انصهر تماماً في الصف المسلم، وأصبح عضواً فاعلاً في الأمة، وأصبح له رأي معتبر لا يشعر بأنه غريب، فهذه هي دولته وأمته وهذا هو دينه، وسلمان أسلم من بداية الهجرة، لكنه كان عبداً عند أحد اليهود، ولم يُعتق إلا قبل الأحزاب بقليل. قال سلمان: (يا رسول الله! إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا) فعندما سمع الرسول ﷺ والصحابة هذه الفكرة أعجبتهم، وسرعان ما ظهرت فيهم صفة الحماس وعدم التردد، وأخذوا القرار مباشرة، وهو لا بد أن نبدأ في الحفر حالاً.

стр. 385

واقعية المنهج النبوي في حفر الخندق نقف على واقعية المنهج النبوي، ما معنى واقعية المنهج النبوي؟ قد يقول قائل: كيف يجبن المسلمون عن اللقاء فيحفرون الخندق ولا يحاربون؟ الجواب أن الإسلام دين واقعي، مع القناعة التامة بأن الله معنا إذا كنا معه، وسينصرنا إن نصرناه، إلا أننا نأخذ بكل الأسباب، فـ (١٠٠٠٠) مقاتل مشرك ضد (٣٠٠٠) مقاتل مسلم، وهم جميع أهل المدينة من الرجال، هو لقاء غير متكافئ، خاصة أن هؤلاء العشرة آلاف يمكن أن يزيدوا، ويمكن أن يضموا إليهم يهود خيبر، ويمكن أن تأتي قبائل مشركة أخرى غير قريش وغطفان وبني سليم. فاحتمال هذه الأحداث جعل الرسول ﵊ والصحابة أن يختاروا محاولة تجنب اللقاء قدر المستطاع، فكانت فكرة الخندق فكرة ممتازة. لم نهرب من أرض الموقعة ولم نتنازل عن شيء، وسيكون العدو في مأزق؛ لأنه لن يستطيع أن يعيش طويلاً بعيداً عن بلاده وطعامه وشرابه وتجارته، فسيصبح عامل الزمن في صالح المسلمين، وفعلاً كانت فكرة ممتازة، وأسرع النبي ﵊ وأخذ مجموعة من الصحابة وتفقد أطراف المدينة؛ لكي يرى المكان المناسب لحفر الخندق، فهو يأخذ بكل الأسباب، ووجد الرسول ﵊ أن شرق المدينة وغرب المدينة لها حماية طبيعية من المرتفعات الشرقية والغربية، وأيضاً جنوب المدينة محمي بغابات طبيعية وأحراش، بقيت منطقة الشمال ومنطقة الجنوب الشرقي، ومنطقة الجنوب الشرقي فيها ديار بني قريظة، وهم إلى الآن على العهد مع رسول الله ﷺ ، والعهد لا يقضي فقط بعدم معاونة قريش ولا إجارتها، ولكن يقضي أيضاً بالدفاع المشترك عن المدينة المنورة إذا داهمها عدو، وأياً كان هذا العدو، ولذلك أرسل الرسول ﷺ رسالة ليؤكد العهد معهم، فأكدوا العهد، وتأكيدهم هذا مهم جداً؛ لأن جيوش المشركين لو دخلت من عندهم فهذا معناه إنهاء الوجود الإسلامي تماماً، واستئصال شعب المسلمين بكامله. إذاً: منطقة الشمال مفتوحة؛ ولذلك أخذ الرسول ﷺ القرار بحفر الخندق في شمال المدينة المنورة؛ ليغلق المنطقة ما بين الحرة الشرقية والغربية، وإذا كان القرار سهلاً وسريعاً فالتنفيذ قد يكون مستحيلاً ليس صعباً فقط، فمشروع حفر الخندق مشروع لا يتخيله عقل بأي حال من الأحوال، مشروع جبار بمعنى الكلمة، الخندق عمقه خمسة أمتار، وعرضه خمسة أمتار في أقل التقديرات، وبعض التقديرات تصل إلى عشرة أو اثني عشر متراً، وطوله اثنا عشر كيلو متر، وهذه المعلومات أخذت من الموقع الرسمي للمدينة المنورة على الإنترنت (موقع مساحة المدينة المنورة)، هذه الأبعاد معناها: أن الأرض التي يراد حفرها لا بد أن يكون حجمها ثلاثمائة ألف متر مكعب، وهذا رقم مهول جداً، ولقد جلست مع أكثر من مهندس لنتصور الجهد الذي بُذل في هذا، ففي هذا الوقت قدرة العامل على الحفر في اليوم الواحد لا يتجاوز خمسة أمتار مكعبة ويكون الحفر في أرض رملية سهلة وبعمق متر واحد فقط، وكلما كان العمق أكثر قلّت قدرة العامل على الحفر؛ لأن عليه أن يحفر في أرض أصعب، ويخرج التراب وينقله بعيداً، ثم يرجع فينزل مرة أخرى، أو تكون هناك فرق كثيرة لحمل ونقل الأتربة الهائلة التي تخرج من الحجم الضخم الذي سنحفره. كان تعداد الصحابة جميعهم في المدينة (٣٠٠٠) ولم يقم كلهم بالحفر، فهناك من هم مشغولون بالحراسة، وهناك من يخدم في أمور الطعام والشراب، ومنهم من يكون مريضاً أو كبيراً في السن، ومع ذلك لو أن كلهم شاركوا في الحفر فإنه من المستحيل أن تنتهي عملية الحفر للخندق في هذا الزمن القياسي، كان حفر الخندق في أسبوعين فقط، فلو أن كل صحابي سوف يشتغل (١٦) ساعة يومياً فإنه سوف يضاعف الشغل أيضاً، وهذا صعب جداً، وكل هذا مع افتراض أن الأرض رملية سهلة، فلو تخيلت أن الأرض صخرية فإنها تحتاج في زمننا هذا إلى معدات خاصة وأجهزة حفر متطورة، عندئذ ستعرف كيف كان هذا العمل جباراً، لو أضفت إلى هذا أننا نحفر لعمق خمسة أمتار وليس متراً واحداً، ولو أضفت إلى هذا أن نقل كميات التراب إلى أماكن بعيدة عن الحفر هي أيضاً مسئولية هؤلاء (٣٠٠٠) صحابي الذين يقومون بالحفر، ولو أضفت أن الخندق متسع في بعض الأماكن إلى أكثر من خمسة أمتار، ولو أضفت نقص خبرة المسلمين في هذا العمل، فهم أول مرة في حياتهم يحفرون خندقاً، ولو أضفت كثرة الأعداد العاملة وتوزيعها على (١٢) كيلو متر، كيف يمكن أن تدير فرقاً بهذه الضخامة؟ وإذا أضفت إلى كل ذلك أن هؤلاء يعملون في ظروف شديدة الصعوبة من جوع وبرد، وخوف من قدوم الأعداء في أي لحظة. لو أضفت كل هذا فإنك ستعرف أن هذا عمل جبار، وهذا العمل في زماننا يحتاج لكي يتم في أسبوعين إلى أكثر من مائتي لودر، وشواكيش إلكترونية، وعشرات السيارات للنقل كي تأخذ الأتربة، وكذلك إدارة هندسية كاملة، ويحتاج إلى مجموعة من الاستشاريين المتخصصين في الحفر. وإذا أردت أن تعرف صعوبة هذا المشروع قارنه مثلاً بمشروع الأنفاق، وانظر كيف كان صعباً، وقد أخذنا فيه عشر سنين، وتعطلت الدنيا في

стр. 386

ضوابط العمل الجماعي في حفر الخندق نجح مشروع حفر الخندق تماماً وكان عملاً جماعياً ضخماً، وهناك ضوابط جعلته ينجح، ما الذي عمله النبي ﷺ ؛ لكي يعطي المشروع هذا أكبر فرص النجاح؟ أدار الرسول ﵊ المشروع بكفاءة غير متخيلة، وضع لنا قواعد ناجحة للأعمال الجماعية، وأي عمل جماعي في أي مشروع كبير، حتى ولو كانوا مجموعة من المشركين إذا أخذوا بهذه القواعد فإنه سوف يتم النجاح، فما بالكم لو كانوا مؤمنين، والله يؤيدهم؟! ما هي ضوابط العمل الجماعي الذي علمنا إياها الرسول ﵊؟ الضوابط كثيرة جداً، لكن لنأخذ منها أربعة ضوابط فقط.

стр. 387

مشاركة القائد لجنوده أولاً: مشاركة القائد لجنوده، مشاركة الحاكم لأتباعه، مشاركة صاحب العمل لعماله، فلو شارك القائد جنوده فإنهم لا شك يخرجون أقصى طاقاتهم، وليس نتيجة خوفهم من القائد لا، وإنما نتيجة شعورهم بقضية مشتركة مهمة، نتيجة إحساسهم أن الموضوع هذا موضوعهم جميعاً. فالرسول ﷺ وهو النبي المطاع والحاكم لدولة المدينة والقائد الأعلى لجيش المسلمين ينزل بنفسه ليحفر مع المسلمين، لا يشرف على الحفر فقط! وإنما يقوم بالحفر بنفسه، فيضرب بالمعول بنفسه، ويأخذ التراب بنفسه، وكشف عن بطنه حتى لا تعوقه الملابس عن الحركة، والصحابة لا يرون بطنه من التراب الذي غطاه. وهذه هي ضوابط نجاح العمل الجماعي، مع أن الجيش جميعه في جوع ولا يوجد أكل، يقول أنس ﵁ أيام الأحزاب: كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير -وأنس في ذلك الوقت كان صغيراً فتخيل حجم كفه- قال: فيُصنع لهم بإهالة سنخة -والإهالة: هي الدهن، سنخة يعني: تغير لونها وطعمها من القدم- توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن. هو هذا أكلهم. فإن قيل: ما الذي يأكله قائدهم؟! قال أبو طلحة الأنصاري ﵁: (شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر، فرفع ﷺ عن حجرين). إذاً: هنا القائد أكثر جوعاً من الشعب. فهذا شعب يمكن أن ينجح في أعماله الجماعية، وكثيراً ما نفشل في أعمالنا الجماعية؛ لأننا نسمع خطباً رنانة تدعو إلى الكفاح وإلى العمل والجهد وشد الحزام والانتماء، ثم لا نجد ممن يلقي الخطب الرنانة مساعدة في حفر الخندق، في الليل وحده شعب كادح وقواده مستريحون، شعب بائس وقواده مترفون، شعب جائع وقواده مشبعون، فكيف يمكن أن ينجح العمل في وضع مثل هذا؟ كان جابر بن عبد الله ﵄ عنده طعام قليل من اللحم والخبز، ولا يكفي إلا رجلين أو ثلاثة. يقول جابر ﵁: رأيت في النبي ﷺ خمصاً شديداً -جوعاً شديداً- وأراد أن يدعو النبي ﷺ واثنين من أصحابه إلى ضيافته، وعرف الرسول ﷺ أن هناك أكلاً، ولم يذهب معه ليأكل سراً، مع أن هذه أكلة اعتزم عليها، وليس من الحرام أن يأكل منها، لكن الرسول ﷺ وقف على الخندق، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الخندق! أخوكم جابر أعد لكم وليمة، وارتبك جابر، فذهب إلى امرأته يقول لها: الفضيحة الفضيحة، جاء الرسول ﷺ بأهل الخندق، وكان تعدادهم ألفاً، فكيف سيكون موقف جابر وموقف امرأته؟ هناك موقف لطيف لامرأته، قالت لزوجها جابر: هل أعلمته أن الطعام لا يكفي إلا رجلاً أو رجلين؟ فقال: نعم. قالت: الله ورسوله أعلم. قالت ذلك بيقين. فجاء النبي ﷺ ومعه ألف رجل، وبمعجزة من معجزاته ﷺ أخرج لهم الطعام من البرمة والخبز من الفرن، وأخذ يطعمهم عشرة عشرة، حتى انتهى منهم جميعاً، ثم أكل منه هو ﷺ ، أكل ﷺ آخر الناس؛ لأنه لا يرى نفسه وإنما يرى شعبه فقط. إذاً: فهذا من أهم ضوابط العمل الجماعي وعلى أي مستوى، سواء كان العمل الجماعي يتكون من ثلاثة أو من عشرة أو من ألف أو من أمة كاملة؛ لا بد من مشاركة القائد لجنوده أولاً.

стр. 388

توزيع الأعمال على جميع الأفراد ثانياً: توزيع الأعمال على الجميع، كثير من أعمالنا تفشل؛ لأن ثلاثة أو أربعة يأخذون العمل كله، وباقي الصف مستريح لا يشتغل، ونحن نظن أن الدنيا فيها إنجاز! مع أن هذا العمل أقل من (١٠%) من الذي ممكن أن نعمله لو اشتغلنا جميعاً. وزع الرسول ﷺ الأعمال على الجميع، فالجميع يعملون، وليس هناك أحد أفضل من الآخر، ولا يوجد بينهم كسلان أو متهاون، وكان ﷺ يعطي كل عشرة من الصحابة مسافة أربعين ذراعاً، وعندما ينتهون منها يأخذون غيرها وغيرها وهكذا.

стр. 389

الجمع في الإدارة بين الرفق والحزم ثالثاً: الجمع في الإدارة بين الحزم والرفق، ليس هناك من يمشي من غير إذن، والإذن ليس تمثيلاً وليس شيئاً روتينياً لا معنى له، بل إن القائد للعمل الجماعي إن لم يقبل الإذن عندها لا يوجد إذن، ولو أن هذه الطاعة ليست واضحة في ذهن العامل، عندها لا يوجد معنى للعمل الجماعي، والرسول ﷺ يقول: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) هذا كلام النبي ﷺ ، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁. وفي قوله ﵎ يوجه التعليمات لنا ولنبينا ﵊: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢] فمن ترى أن العمل لن يتأثر بغيابه أو ترى أن الظرف الذي يواجهه قهري فائذن له؛ لأن الإذن ليس مجرد إعلام لقائد العمل، هذا طلب يحتمل الرفض ويحتمل القبول، ومع ذلك لم يكن الرسول ﵊ يتعسف في استخدام هذا الأمر، بل كان فعلاً يأذن لبعض الصحابة إن رأى أن لهم ظرفاً قهرياً طارئاً. وكان الجميع ينظر بصدق إلى أهمية إنجاح العمل الجماعي الذي يقومون به، وفي نفس الوقت لم يكن هذا الحزم معناه الغلظة والجفاء والقسوة، وإنما علمنا الرسول ﵊ كيف يمكن أن نجمع بين الحزم والهيبة والاحترام مع اللطف في المعاملة والرقة في الحديث، بل وبالدعابة والمرح والترفيه! عند لحظة حفرهم للخندق، واشتراك الرسول ﷺ مع الصحابة في نقل التراب، كان ينشد معهم شعر ابن رواحة ﵁: يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا وكان ينشده بنوع من الغناء، يمد صوته ﷺ في آخره، ويراهم النبي ﷺ يحفرون في البرد والجوع ويقول: (اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة). وفي رواية: (فاغفر للمهاجرين والأنصار)؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يعرف أن يقول الشعر، فيرد عليه الصحابة ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا نعم. هناك حزم ونظام وترتيب وخطة، لكن في جو جميل من الألفة والمحبة والسعادة الحقيقية. كيف لهذا العمل أن يفشل في هذا الجو؟ لا يمكن. إذاً: قلنا ثلاث ضوابط مهمة للعمل الجماعي: أولاً: مشاركة القائد لجنوده. ثانياً: توزيع العمل على الجميع. ثالثاً: الجمع في الإدارة بين الحزم والرفق.

стр. 390

رفع الهمة ببث الأمل في النفوس هناك ضابط رابع مهم يجعلك تشعر بأن هذا العمل يمكن أن يكون فرصة النجاح فيه كبيرة، هذا الضابط: رفع الهمة ببث الأمل في النفوس. لا أنسى أستاذاً كان يختبرني في الكلية امتحاناً شفوياً، ما إن دخلت عليه حتى قال لي: أسألك سؤالاً وأنا متأكد أنك لا تستطيع أن تجيب عنه! لماذا هذا الإحباط؟ لماذا تقتل في الذي أمامك كل أمل في النجاح؟ إن الرسول ﷺ كان يرفع همة الصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً في كل المواقف الصعبة، وهذا هو منهج حياته ﷺ ، والذي عمله أيام حفر الخندق كان فوق التخيل، ولم يقل لهم: هناك أمل في حفر الخندق، ولم يقل لهم: هناك أمل أن ننتصر على الأحزاب الآتية، ولم يقل لهم: هناك أمل أن ننتصر على العرب، لا، وإنما كان يرفع همتهم لما هو أعلى من كل أحلامهم، فهو يزرع بداخلهم أملاً في سيادة العالم، وليس في سيادة المدينة أو الجزيرة العربية فقط. قال ﷺ وهو يضرب صخرة صعبة اعترضت الصحابة: (باسم الله، الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة) يبشر بفتح الشام في لحظة حفر الخندق، ثم ضرب الثانية فقطع جزءاً آخر من الصخرة، فقال: (الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأُبصر قصر المدائن الأبيض الآن) يقول لهم: أنا أرى قصر الحكم الفارسي ملكاً للمسلمين، ثم ضرب الثالثة فشق بقية الحجر وقال: (الله أكبر؛ أُعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر أبواب صنعاء من مكاني). عظّم من أحلامك، كبّر أهدافك، ليست قضيتنا هي الحصار، ولا قضيتنا هي الدولة الصغيرة التي نحن نعيش فيها، لا، قضيتنا هداية العالمين، قضيتنا حمل هذه الرسالة إلى كل بقاع الأرض، ويبشرهم أن الكلام هذا ليس بأوهام، وإنما سوف يحصل بإذن الله، وسيصل الإسلام إلى فارس والروم واليمن، وسيصل إلى كل بقعة في العالم، قديماً وحديثاً؛ لأن هذا وعد ربنا ، والله لا يخلف الميعاد؛ ولهذا نجح الصحابة في حفر الخندق العملاق، ولو كان عندهم يأس وإحباط ما كانوا ليستطيعوا أن يحفروا (٢٠) أو (٣٠) متراً مكعباً فقط، فما بالك في ثلاثمائة ألف متر مكعب. وحُفر الخندق ونجح المشروع، ومع ذلك لم ينته الامتحان بعد، لا زلنا سندخل في مرحلة الزلزال لنتخلص من كل المنافقين.
следующие страницы →