← Сира

Сира · id 37369

السيرة النبوية - راغب السرجاني

راغب السرجاني

Полный текст (657 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ضوابط العمل الجماعي في حفر الخندق نجح مشروع حفر الخندق تماماً وكان عملاً جماعياً ضخماً، وهناك ضوابط جعلته ينجح، ما الذي عمله النبي ﷺ ؛ لكي يعطي المشروع هذا أكبر فرص النجاح؟ أدار الرسول ﵊ المشروع بكفاءة غير متخيلة، وضع لنا قواعد ناجحة للأعمال الجماعية، وأي عمل جماعي في أي مشروع كبير، حتى ولو كانوا مجموعة من المشركين إذا أخذوا بهذه القواعد فإنه سوف يتم النجاح، فما بالكم لو كانوا مؤمنين، والله يؤيدهم؟! ما هي ضوابط العمل الجماعي الذي علمنا إياها الرسول ﵊؟ الضوابط كثيرة جداً، لكن لنأخذ منها أربعة ضوابط فقط.

стр. 387

مشاركة القائد لجنوده أولاً: مشاركة القائد لجنوده، مشاركة الحاكم لأتباعه، مشاركة صاحب العمل لعماله، فلو شارك القائد جنوده فإنهم لا شك يخرجون أقصى طاقاتهم، وليس نتيجة خوفهم من القائد لا، وإنما نتيجة شعورهم بقضية مشتركة مهمة، نتيجة إحساسهم أن الموضوع هذا موضوعهم جميعاً. فالرسول ﷺ وهو النبي المطاع والحاكم لدولة المدينة والقائد الأعلى لجيش المسلمين ينزل بنفسه ليحفر مع المسلمين، لا يشرف على الحفر فقط! وإنما يقوم بالحفر بنفسه، فيضرب بالمعول بنفسه، ويأخذ التراب بنفسه، وكشف عن بطنه حتى لا تعوقه الملابس عن الحركة، والصحابة لا يرون بطنه من التراب الذي غطاه. وهذه هي ضوابط نجاح العمل الجماعي، مع أن الجيش جميعه في جوع ولا يوجد أكل، يقول أنس ﵁ أيام الأحزاب: كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير -وأنس في ذلك الوقت كان صغيراً فتخيل حجم كفه- قال: فيُصنع لهم بإهالة سنخة -والإهالة: هي الدهن، سنخة يعني: تغير لونها وطعمها من القدم- توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن. هو هذا أكلهم. فإن قيل: ما الذي يأكله قائدهم؟! قال أبو طلحة الأنصاري ﵁: (شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر، فرفع ﷺ عن حجرين). إذاً: هنا القائد أكثر جوعاً من الشعب. فهذا شعب يمكن أن ينجح في أعماله الجماعية، وكثيراً ما نفشل في أعمالنا الجماعية؛ لأننا نسمع خطباً رنانة تدعو إلى الكفاح وإلى العمل والجهد وشد الحزام والانتماء، ثم لا نجد ممن يلقي الخطب الرنانة مساعدة في حفر الخندق، في الليل وحده شعب كادح وقواده مستريحون، شعب بائس وقواده مترفون، شعب جائع وقواده مشبعون، فكيف يمكن أن ينجح العمل في وضع مثل هذا؟ كان جابر بن عبد الله ﵄ عنده طعام قليل من اللحم والخبز، ولا يكفي إلا رجلين أو ثلاثة. يقول جابر ﵁: رأيت في النبي ﷺ خمصاً شديداً -جوعاً شديداً- وأراد أن يدعو النبي ﷺ واثنين من أصحابه إلى ضيافته، وعرف الرسول ﷺ أن هناك أكلاً، ولم يذهب معه ليأكل سراً، مع أن هذه أكلة اعتزم عليها، وليس من الحرام أن يأكل منها، لكن الرسول ﷺ وقف على الخندق، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الخندق! أخوكم جابر أعد لكم وليمة، وارتبك جابر، فذهب إلى امرأته يقول لها: الفضيحة الفضيحة، جاء الرسول ﷺ بأهل الخندق، وكان تعدادهم ألفاً، فكيف سيكون موقف جابر وموقف امرأته؟ هناك موقف لطيف لامرأته، قالت لزوجها جابر: هل أعلمته أن الطعام لا يكفي إلا رجلاً أو رجلين؟ فقال: نعم. قالت: الله ورسوله أعلم. قالت ذلك بيقين. فجاء النبي ﷺ ومعه ألف رجل، وبمعجزة من معجزاته ﷺ أخرج لهم الطعام من البرمة والخبز من الفرن، وأخذ يطعمهم عشرة عشرة، حتى انتهى منهم جميعاً، ثم أكل منه هو ﷺ ، أكل ﷺ آخر الناس؛ لأنه لا يرى نفسه وإنما يرى شعبه فقط. إذاً: فهذا من أهم ضوابط العمل الجماعي وعلى أي مستوى، سواء كان العمل الجماعي يتكون من ثلاثة أو من عشرة أو من ألف أو من أمة كاملة؛ لا بد من مشاركة القائد لجنوده أولاً.

стр. 388

توزيع الأعمال على جميع الأفراد ثانياً: توزيع الأعمال على الجميع، كثير من أعمالنا تفشل؛ لأن ثلاثة أو أربعة يأخذون العمل كله، وباقي الصف مستريح لا يشتغل، ونحن نظن أن الدنيا فيها إنجاز! مع أن هذا العمل أقل من (١٠%) من الذي ممكن أن نعمله لو اشتغلنا جميعاً. وزع الرسول ﷺ الأعمال على الجميع، فالجميع يعملون، وليس هناك أحد أفضل من الآخر، ولا يوجد بينهم كسلان أو متهاون، وكان ﷺ يعطي كل عشرة من الصحابة مسافة أربعين ذراعاً، وعندما ينتهون منها يأخذون غيرها وغيرها وهكذا.

стр. 389

الجمع في الإدارة بين الرفق والحزم ثالثاً: الجمع في الإدارة بين الحزم والرفق، ليس هناك من يمشي من غير إذن، والإذن ليس تمثيلاً وليس شيئاً روتينياً لا معنى له، بل إن القائد للعمل الجماعي إن لم يقبل الإذن عندها لا يوجد إذن، ولو أن هذه الطاعة ليست واضحة في ذهن العامل، عندها لا يوجد معنى للعمل الجماعي، والرسول ﷺ يقول: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) هذا كلام النبي ﷺ ، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁. وفي قوله ﵎ يوجه التعليمات لنا ولنبينا ﵊: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢] فمن ترى أن العمل لن يتأثر بغيابه أو ترى أن الظرف الذي يواجهه قهري فائذن له؛ لأن الإذن ليس مجرد إعلام لقائد العمل، هذا طلب يحتمل الرفض ويحتمل القبول، ومع ذلك لم يكن الرسول ﵊ يتعسف في استخدام هذا الأمر، بل كان فعلاً يأذن لبعض الصحابة إن رأى أن لهم ظرفاً قهرياً طارئاً. وكان الجميع ينظر بصدق إلى أهمية إنجاح العمل الجماعي الذي يقومون به، وفي نفس الوقت لم يكن هذا الحزم معناه الغلظة والجفاء والقسوة، وإنما علمنا الرسول ﵊ كيف يمكن أن نجمع بين الحزم والهيبة والاحترام مع اللطف في المعاملة والرقة في الحديث، بل وبالدعابة والمرح والترفيه! عند لحظة حفرهم للخندق، واشتراك الرسول ﷺ مع الصحابة في نقل التراب، كان ينشد معهم شعر ابن رواحة ﵁: يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا وكان ينشده بنوع من الغناء، يمد صوته ﷺ في آخره، ويراهم النبي ﷺ يحفرون في البرد والجوع ويقول: (اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة). وفي رواية: (فاغفر للمهاجرين والأنصار)؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يعرف أن يقول الشعر، فيرد عليه الصحابة ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا نعم. هناك حزم ونظام وترتيب وخطة، لكن في جو جميل من الألفة والمحبة والسعادة الحقيقية. كيف لهذا العمل أن يفشل في هذا الجو؟ لا يمكن. إذاً: قلنا ثلاث ضوابط مهمة للعمل الجماعي: أولاً: مشاركة القائد لجنوده. ثانياً: توزيع العمل على الجميع. ثالثاً: الجمع في الإدارة بين الحزم والرفق.

стр. 390

رفع الهمة ببث الأمل في النفوس هناك ضابط رابع مهم يجعلك تشعر بأن هذا العمل يمكن أن يكون فرصة النجاح فيه كبيرة، هذا الضابط: رفع الهمة ببث الأمل في النفوس. لا أنسى أستاذاً كان يختبرني في الكلية امتحاناً شفوياً، ما إن دخلت عليه حتى قال لي: أسألك سؤالاً وأنا متأكد أنك لا تستطيع أن تجيب عنه! لماذا هذا الإحباط؟ لماذا تقتل في الذي أمامك كل أمل في النجاح؟ إن الرسول ﷺ كان يرفع همة الصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً في كل المواقف الصعبة، وهذا هو منهج حياته ﷺ ، والذي عمله أيام حفر الخندق كان فوق التخيل، ولم يقل لهم: هناك أمل في حفر الخندق، ولم يقل لهم: هناك أمل أن ننتصر على الأحزاب الآتية، ولم يقل لهم: هناك أمل أن ننتصر على العرب، لا، وإنما كان يرفع همتهم لما هو أعلى من كل أحلامهم، فهو يزرع بداخلهم أملاً في سيادة العالم، وليس في سيادة المدينة أو الجزيرة العربية فقط. قال ﷺ وهو يضرب صخرة صعبة اعترضت الصحابة: (باسم الله، الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة) يبشر بفتح الشام في لحظة حفر الخندق، ثم ضرب الثانية فقطع جزءاً آخر من الصخرة، فقال: (الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأُبصر قصر المدائن الأبيض الآن) يقول لهم: أنا أرى قصر الحكم الفارسي ملكاً للمسلمين، ثم ضرب الثالثة فشق بقية الحجر وقال: (الله أكبر؛ أُعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر أبواب صنعاء من مكاني). عظّم من أحلامك، كبّر أهدافك، ليست قضيتنا هي الحصار، ولا قضيتنا هي الدولة الصغيرة التي نحن نعيش فيها، لا، قضيتنا هداية العالمين، قضيتنا حمل هذه الرسالة إلى كل بقاع الأرض، ويبشرهم أن الكلام هذا ليس بأوهام، وإنما سوف يحصل بإذن الله، وسيصل الإسلام إلى فارس والروم واليمن، وسيصل إلى كل بقعة في العالم، قديماً وحديثاً؛ لأن هذا وعد ربنا ، والله لا يخلف الميعاد؛ ولهذا نجح الصحابة في حفر الخندق العملاق، ولو كان عندهم يأس وإحباط ما كانوا ليستطيعوا أن يحفروا (٢٠) أو (٣٠) متراً مكعباً فقط، فما بالك في ثلاثمائة ألف متر مكعب. وحُفر الخندق ونجح المشروع، ومع ذلك لم ينته الامتحان بعد، لا زلنا سندخل في مرحلة الزلزال لنتخلص من كل المنافقين.

стр. 391

يوم الأحزاب وما فيه من أحداث جاءت الأحزاب في شوال سنة (٥هـ) بعدد قوامه (١٠٠٠٠) مقاتل من مشركي قريش وغطفان وبني سليم وغيرهم، ولم يكتف الرسول ﵊ بحفر الخندق، بل جمع الصحابة الثلاثة آلاف الذين اشتركوا في الحفر، ونظّم نقط حراسة للخندق وفرق قتال وكتائب مقاومة؛ ليمنع المشركين من تخطي الخندق تحت أي ظرف، وتفاجأت الأحزاب بالخندق أمامهم، فقد وضعوا في حسبانهم كل شيء إلا هذا الخندق، قالوا: هذه مكيدة ما عرفتها العرب، وصدقوا، ولكنهم نسوا أن المسلمين ليسوا عرباً فقط، وبدأ المسلمون في رمي المشركين بالنبال؛ ليمنعوهم من عبور الخندق أو ردمه، وحاول المشركون بكل ضراوة أن يقتحموا الخندق، ونجحوا فعلاً في العبور من مكان ضيق في الخندق بفرقة على رأسها أحد أبطالهم، وكان اسمه عمرو بن عبد ود، ومعه عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم من فرسان قريش، لكن تصدى لهم المسلمون، وحدثت مبارزة رهيبة بين عمرو بن عبد ود وعلي بن أبي طالب ﵁، ومنّ الله على البطل الإسلامي العظيم علي بن أبي طالب بقتل الفارس القرشي الكبير عمرو بن عبد ود، وهرب بقية القوم الذين كانوا معه، وتكررت محاولات المشركين مرات، وتصدى أسيد بن حضير بكتيبة من مائتي مسلم لفرقة فرسان بقيادة خالد بن الوليد، واستطاع أن يردهم منهزمين، وأحياناً كان يدور الصراع حول الخندق لفترات طويلة، حتى إنه في أحد الأيام ظل المسلمون يدافعون عن الخندق قبل صلاة العصر حتى بعد صلاة المغرب، وضاعت عليهم صلاة العصر، والحدث هذا فريد في السيرة، ونادر جداً أن يضيع فرض على المسلمين، وهز هذا الأمر المسلمين، كيف يمكن أن تضيع منهم صلاة؟ حتى قال ﷺ كما جاء في البخاري: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)، بل إن في مسند أحمد بن حنبل والشافعي رحمهما الله: أن الكفار أضاعوا على المسلمين في أحد الأيام صلاة الظهر والعصر والمغرب، فصلوها جميعاً مع العشاء. إذاً: المقاومة فعلاً كانت شرسة، وأُصيب فيها الكثير من الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين، وطال الحصار شهراً كاملاً، والموضوع كما هو صعب على المسلمين كذلك كان صعباً على الكفار: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، وقد سبق الكلام على ذلك في غزوة أحد، ولم يستطع الكفار أن يتصرفوا، حتى جاء الحل من قبل اليهود، فاليهود هم الذين جمعوا هذه الأعداد بكاملها، وما زالوا يريدون استئصال المسلمين، فما هو الحل؟

стр. 392

نقض بني قريظة للعهد خرج مع المشركين أحد زعماء اليهود واسمه حيي بن أخطب، وكان من أشدهم كفراً وحقداً وغلاً وحسداً، قال لهم: هناك حل واحد وهو بنو قريظة. وبنو قريظة على الجنوب الشرقي للمدينة المنورة، لو فتحوا الأبواب للمشركين لدخول المدينة لانتهت المدينة، فما بالكم لو حاربوا مع المشركين؟ فعندما سمع المشركون الفكرة من حيي بن أخطب أعجبتهم، وبقي عليهم فقط أن يقنعوا بني قريظة بنقض العهد مع رسول الله ﷺ ، والسماح للمشركين بدخول المدينة لاستئصال الشعب المسلم بكامله، وذهب حيي بن أخطب؛ لكي يؤدي المهمة القذرة، والتقى بزعيم بني قريظة كعب بن أسد، فقال له حيي: إني قد جئتك يا كعب! بعز الدهر، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على سادتها وقادتها قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، ويحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً، لكن حيياً استمر في الكلام مع كعب وزين له الأمر، ثم وعده إن تخلفت قريش وغطفان عنه أن يدخل معه في حصنه، ويتحمل معه ما يحدث بعد ذلك، وتحت تأثير شيطان بني النضير وافق شيطان بني قريظة، وقرر التحالف مع المشركين لتنفيذ ما ذكره حيي، وهو ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه، وكان التحالف ليس فقط في أن يفتحوا المدينة، وإنما أيضاً ليقوموا بتجهيز فرق عسكرية للحرب ضد المسلمين. وصارت المدينة على أبواب هلكة قريبة، ماذا يحدث لو انساح عشرة آلاف مسلح بالإضافة إلى يهود بني قريظة إلى داخل المدينة؟ لا أحسب أن أحداً يبقى حياً في المدينة المنورة، لا بد أن تضع هذا في بالك؛ لتفهم رد فعل الرسول ﷺ على الخيانة التي حصلت من بني قريظة، ونقلت المخابرات الإسلامية هذا الخبر، وقد كان الرسول ﷺ خائفاً من خيانة اليهود، وجعل عليهم مراقبة. فهل من قبيل المصادفة أن يخون اليهود في تعاملهم مع الرسول ﷺ ؟ هل من قبيل المصادفة أن يظهر الانحراف في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة؟ لا شك أن هذا ليس مصادفة أبداً، ولا شك أن هذا واقع لا بد أن نُدركه جميعاً، فقد ذكره ربنا في كتابه حين قال: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠] وانظر المعاني التي تأتي في ذهنك عندما تسمع اللفظ القرآني ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة:١٠٠] كل مرة هكذا؟ هل توجد مرة فيها وفاء لليهود؟ هل توجد مرة فيها أمانة؟ ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] فالكلام هذا ليس مصادفة أبداً، بل هو قاعدة، ولا بد أن نعرفها جيداً. وصل الخبر إلى الرسول ﷺ ، وقبل أن يأخذ الرسول ﷺ أي رد فعل أراد أن يستوثق من الخبر، فأرسل مجموعة من الصحابة للتأكد، فيهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وغيرهم، وقال لهم: (انطلقوا حتى تنظروا: أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم، أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس) أي: إن كانوا حقاً قد غدروا فلا تذكروا ذلك أمام الناس؛ لكي لا يحصل إحباط (وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس). أما المسلمون اليوم فينشرون أخباراً وخططاً وتسليحاتٍ وأعداداً وإمكانياتٍ للعدو على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفاز، فيشعر المسلم المشاهد لهذه الأخبار أنه لا يوجد أمل ولا توجد فائدة أبداً. لكن الرسول ﷺ يعلمنا أنه ليس كل ما يُعرف يقال، وذهبت المجموعة الإسلامية إلى بني قريظة، وتكلموا معهم مباشرة: أما زلتم على العهد؟ فجهر يهود بني قريظة بالسوء، وسبوا الرسول ﷺ وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، ثم رجع الصحابة إلى الرسول ﵊ وقالوا: عضل والقارة، أي: غدروا كغدر عضل والقارة، وهي القبائل التي غدرت بالمسلمين عند ماء الرجيع، فحزن الرسول ﷺ حزناً شديداً لهذا الخبر، حتى إنه تقنع بثوبه -أي: غطى رأسه بالثوب- ومكث طويلاً ﷺ يفكر ما الذي سيحصل؟ وبعد ذلك رفع رأسه فجأة، وقال للمسلمين بصوت عال: (الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين! بفتح الله ونصره) وهو يحاول قدر المستطاع أن يرفع من همة الصحابة ﵃ وأرضاهم. وعلى الرغم من محاولات الرسول ﵊ لتجنب انتشار الخبر إلا أنه شاء الله للخبر أن ينتشر، وهذا أيضاً له حكمة واضحة، وهو الابتلاء والتنقية والتمييز بين صفوف المسلمين وصفوف ال

стр. 393

وصف الله سبحانه حال رسول الله ﷺ وأصحابه والمنافقين بعد نقض بني قريظة العهد وصف الله هذا الأمر في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠] من الشمال ومن الجنوب، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]. مرحلة الزلزال مرحلة خطيرة، ولا بد منها قبل أن يأتي النصر، ولكن إذا أتت فالحمد لله، معنى ذلك: أن النصر قريب إن شاء الله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. أما المنافقون فقد كان وضعهم مختلفاً، كان المشركون حول المدينة من الشمال، واليهود من الجنوب، ولا أمل مطلقاً في نظرهم في النجاة: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢] وبعضهم قال: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وبدأ المنافقون في التسرب من الصف: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣] والحمد لله بدأت تنقية الشوائب وبدأت تنقية المنافقين من الصف، وبدأ يقترب النصر.

стр. 394

ذكر ما قام به ﷺ من أعمال بعد نقض بني قريظة العهد الرسول ﷺ قائد عملي، لا بد أن يأخذ ردود أفعال واقعية، ما الذي سوف نعمله؟ الجيش الإسلامي في حراسة الخندق في شمال المدينة، أي: هم في منطقة خارج المدينة المنورة، والنساء والأطفال في داخل المدينة، واليهود إلى جوارهم، وأول شيء فكر فيه النبي ﷺ هو إرسال جند لحماية النساء والأطفال. وما يروى من قصة دفاع السيدة صفية عن الحصن ضد اليهودي، ورفض حسان بن ثابت ﵁ أن يهاجم اليهودي، فهذه رواية لا صحة لها؛ لأن السند منقطع، وفيها طعن لا يصح أبداً في صحابي جليل كـ حسان بن ثابت ﵁ وأرضاه، ولا تنسوا أن حسان بن ثابت كان من الشعراء، ولو حدث هذا لما تركه أحد من شعراء قريش دون هجاء. إذاً: الرسول ﷺ بعث فرقة لحماية الجبهة الداخلية في المدينة المنورة، ولا بد أن نفكر في الموقف من جديد، الآن الحصار من قريش وغطفان واليهود، فلا بد أن نعمل محاولة لفك هذا التحالف الرهيب، وأراد الرسول ﷺ أن يأتي بعرض مادي يحاول بهذا العرض أن يفك التحالف، فيا ترى يعرضه على من؟ على قريش، أم على اليهود، أو على غطفان؟ قريش لا يمكن، فتاريخ العداء طويل، وهؤلاء لم يأتوا من أجل المال، وإنما هناك دوافع عقائدية كبرى، أيضاً اليهود لا يمكن؛ لأن حقدهم على الرسول ﵊ كبير جداً، وقد قالوا كلاماً في حق المسلمين ولا يستطيعون أن يتراجعوا عنه، وفي نفس الوقت التعاهد معهم غير مضمون؛ لأنهم متعودون على الخيانة، تبقى غطفان، فغطفان لم تأت إلى الحرب وهي متحرقة شوقاً لقتال الرسول ﵊، بل جاءت من أجل مال خيبر، فلو أعطوا من مال المدينة قد يرجعون، ولو رجعوا فإن صف المشركين سوف يتفكك، فستكون المحاولة في هذا الاتجاه! هذا كان تفكير الرسول ﷺ ، وفعلاً عقد الرسول ﷺ اجتماعاً مع زعماء غطفان عيينة بن حصن والحارث بن عوف. فإن قيل: كيف تقابلوا وكيف وصلوا له؟ نحن لا نعرف، المصادر لم توضح ذلك، لكن يبدو أنها كانت فرصة سريعة حتى إن الرسول ﵊ لم يجد وقتاً لإشراك الصحابة في اللقاء، أو أن اللقاء كان على مستوى عالٍ جداً من السرية فلم يشترك فيه من الطرفين إلا الزعماء، فالرسول ﷺ من ناحية المسلمين، وعيينة بن حصن والحارث بن عوف من ناحية غطفان، المهم أن اللقاء تم بعد مشاورات ومداولات طويلة، واستقر الطرفان على إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة لسنة كاملة، على أن تعود غطفان وتترك حصار المسلمين، لكن الرسول ﵊ علّق هذه المفاوضات على قبول مجلسه الاستشاري لفكرة المفاوضات، خاصة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فهما سيدا الأوس والخزرج للسببين التاليين: أولاً: لأن الأوس والخزرج قريبون في مساكنهم في المدينة المنورة من غطفان؛ ولهذا فهم أدرى الناس بغطفان وبما يصلح معهم. ثانياً: أن ثمار المدينة هذه والتي ستكون ثمناً لفك الحصار ليست ملكاً شخصياً لرسول الله ﷺ ، وإن كان هو زعيم المدينة المنورة وزعيم الدولة كلها، وإن كان هو النبي ﷺ ، لكنه يحترم الملكية الشخصية للأفراد، فالثمار هذه ملكية شخصية للأوس والخزرج. ولهذا بعد اجتماع الرسول ﷺ مع زعماء غطفان عقد اجتماعاً آخر مباشرة مع السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ﵄، وعرض عليهما الاتفاق الذي وصل إليه مع زعماء غطفان، وكان الرسول ﵊ يظن أن هذا عرض مغر جداً ينقذ المدينة من الحصار الصعب، وكان هذا التشاور بعد شهر من الحصار تقريباً، فيا ترى كيف كان رد فعل زعيمي الأوس والخزرج؟ يا ترى فرحا بهذا العرض أم رفضاه؟ وانظر إلى ردهما والحكمة فيه، أول شيء قاله سعد بن معاذ ﵁: (يا رسول الله! هل هذا أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟). وانظر إلى مدى الفهم والحكمة، لو كان أمراً من الله، أو شيئاً يحبه الرسول ﷺ عندها لا بد أن نطيع وننفذ، وإن كان رأياً بشرياً ترى أن فيه المصلحة للمدينة نعرض فيه رأينا، فقال ﷺ : (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها - أي: من المدينة المنورة - ثمرة واحدة إلا قرىً أو بيعاً -أي: ضيافة أو بيعاً-، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا به وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من ح

стр. 395

إصابة سعد بن معاذ ﵁ خرج المسلمون للجهاد من جديد، وكأن الله أراد أن يختبر الصدق في كلام سعد بن معاذ ﵁، فحدث أمر شق على المسلمين كثيراً، لكنه كان حلماً لـ سعد بن معاذ ﵁، فقد أُصيب البطل الإسلامي الشاب سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه بسهم في ذراعه أو كتفه، وكانت الإصابة شديدة الخطورة، وكانت أزمة فوق كل الأزمات التي مضت، فهو زعيم الأوس وحكيم من حكماء المسلمين وفارس من فرسانهم، وهو المطاع في قومه، والحبيب ليس فقط لرسول الله ﷺ ، بل لله رب العالمين. فيا ترى! ما هو رد سعد بن معاذ وهو شاب يُصاب إصابة قاتلة وعمره (٣٧) سنة؟ قال سعد وهو يدعو الله : اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أُجاهده فيك من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أُجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها -أي: افجر إصابتي واجعلها تزيد- واجعل موتتي فيها. وهو شاب عمره (٣٧) سنة يرجو من الله ألا يلتئم الجرح لكي يموت! وعندما يصبح الموت أمنية فهي موتة شهيد، وهو لا يضمن إن عاش بعد ذلك أنه سوف يموت شهيداً، فهذه فرصة، فيدعو الله ألا تضيع هذه الفرصة، ثم قال في آخر دعائه: ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. حتى في لحظاته الأخيرة لا ينسى غدر بني قريظة، ولا ينسى هموم الأمة الإسلامية، والموقف قد تأزم جداً، وهو أشد مراحل الزلزال، ولا يوجد في الصف أي منافق، فكلهم خرجوا ولم يبق إلا المسلمون الصادقون، والمسلمون قد عملوا ما بوسعهم، حفروا الخندق في وقت قياسي، وتحملوا الجوع والبرد، وحموا الخندق بأرواحهم، وقاتلوا بضراوة، وسهروا وتعبوا وكافحوا، وعملوا المفاوضات وعملوا مجالس الشورى، وعملوا كل شيء من الممكن أن يُعمل في مثل هذه الظروف، وقبل هذا وأثناء هذا وبعد هذا اجتهدوا في الدعاء، فهم يعرفون أن النصر ليس من عندهم أبداً، بل هو من عند الله ، فالمسلمون كانوا يدعون الله تعالى أيام الأحزاب، ويقولون: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، والرسول ﵊ كان يدعو والمسلمون يؤمنون يقول: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم).

стр. 396

دور جنود الرحمن في تحقيق نصره سبحانه للمسلمين يوم الأحزاب عندها انتهى الامتحان لم يبق إلا أن يأتي نصر الله ، لكن كيف يأتي؟ يأتي كما تعودنا بطريقة لا يتوقعها المسلمون، وبطريقة لا يستطيعون أن يضعوها أبداً في حساباتهم؛ ليعلم الجميع أن الناصر هو الله . كيف حصل النصر؟ من هم جنود الرحمن في الأحزاب؟ كل الذي سبق وأن قلناه في بدر يمكن أن نقوله في الأحزاب، لكن سأختار لكم ثلاثة جنود فقط من جنود الرحمن.

стр. 397

نعيم بن مسعود ﵁ الجندي الأول: نعيم بن مسعود. نعيم بن مسعود رجل من المشركين لا يتوقع إسلامه أبداً في هذا التوقيت، بل يكاد يكون مستحيلاً، لماذا أقول: إنه من الصعب جداً أن يسلم في هذه الظروف؟ نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي الغطفاني من قبيلة غطفان المحاصرة للمسلمين، كيف لرجل من هذا الجيش القوي المحاصر للمسلمين، وبعد أن مر شهر على الحصار، وقد ينهار المسلمون في أي لحظة، خاصة بعد خيانة اليهود، كيف له أن يترك جيشه القوي؛ لينضم إلى الجيش الضعيف المهدد بالموت في أي لحظة، ولعل بعض المسلمين كانوا يريدون أن يسلم نعيم بن مسعود قبل سنة أو سنتين أو أكثر، ولو أسلم قبل الأحزاب لما كان له دور في رفع الحصار على المسلمين، لكن كل شيء محسوب: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. جاء نعيم بن مسعود إلى رسول الله ﷺ يقول له: (يا رسول الله! إني قد أسلمت، وإن قومي غطفان لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال ﷺ : إنما أنت رجل واحد -أي: أن انضمامك إلينا لن يكون فيه فارق كبير- فخذّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة) لكن الله هداه لفكرة عجيبة جداً! لو فكر فيها عشرين سنة لما وصل إليها، ولم تخطر هذه الفكرة على بال الرسول ﷺ ولا على بال أحد من حكماء الصحابة، لكن إذا أراد الله للنصر أن ينزل على المسلمين فسينزل ولا معجز له ، ونعيم بن مسعود شخصية معتبرة قيادية معروفة عند اليهود وعند قريش، ذهب مباشرة إلى يهود بني قريظة وهم يظنونه مشركاً، ويعلمون أنه من قادة غطفان، وله معرفة ببواطن الأمور وما يجري خلف الأبواب. قال لهم: قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، قال: فإن قريشاً ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم، فقالوا: وما العمل يا نعيم؟! قال: لا تقاتلوا معهم حتى يُعطوكم رهائن، قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم ذهب نعيم إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونُصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان وقال لهم ما قاله لقريش. وهكذا شعرت قريش بالقلق، وكذلك غطفان، فأرسلوا رسالةً سريعة لليهود، وكانت الرسالة يوم السبت وبتدبير رب العالمين، وأنتم تعرفون أن السبت هي إجازة رسمية عند اليهود، قالت قريش لليهود: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك القراع والخف -أي: الدواب والماشية التي معهم- فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً، فبعث اليهود إليهم وقالوا: هذا اليوم هو يوم السبت ولا نستطيع، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فقالت قريش لغطفان: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى اليهود وقالوا: إنا لا نُرسل إليكم أحداً فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً، فقال اليهود: صدقكم والله نعيم، فدبت الفرقة بين الفريقين وتفكك الأحزاب. لماذا يأتي إسلام نعيم بن مسعود في هذا الوقت بالذات؟ ومن أين أتته الفكرة؟ وكيف تم تطبيقها؟ وكيف وقع فيها اليهود؟ وكيف وقع فيها حكماء قريش وغطفان؟ ولماذا لم يحصل تحقيق ومحاولات لكشف الحقيقة؟ ليست هناك سوى إجابة واحدة فقط: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. هذا أحد جنود الرحمن في الأحزاب وهو نعيم بن مسعود ﵁ وأرضاه.

стр. 398

الريح الجندي الثاني: الريح، وهو جندي هائل من جنود الرحمن ، فقد بعث الله ريحاً باردة قاسية البرودة على معسكر الكافرين، لم تترك لهم خيمة إلا قلعتها، ولا قدراً إلا قلبته، ولا ناراً إلا أطفأتها، فكانت الريح شديدة على الكفار وهيّنة على المسلمين، وليس بينهم إلا عرض الخندق، ووصلت شدة الريح وخطورتها إلى الدرجة التي دفعت المشركين لأخذ قرار العودة دون قتال وفك الحصار، ورفع الحصار عن المدينة المنورة. كيف اختارت الريح مكاناً وتركت مكاناً؟ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ولماذا لم تأت الريح من أول يوم، وانتظرت شهراً كاملاً؟ ليتم اختبار المؤمنين ويتميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. ولماذا لم تأت أقوى من ذلك لتهلك الكفار كما أهلكت عاداً وثمود؟ لأن معظم هؤلاء الكفار سيسلمون، ويكونون بعد ذلك في جيش الإسلام. الكون يجري وفق نواميس هي غاية في الدقة والإعجاز.

стр. 399

الملائكة الجندي الثالث: الملائكة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. وسوف نرى في حديث بني قريظة بعد قليل أن الملائكة شاركت في الحرب، بل وشارك جبريل ﵇ بنفسه. وتم نصر الله ، وأرسل الرسول ﷺ حذيفة بن اليمان إلى معسكر الكفار؛ ليطمئن على سير الأحداث وعلى فعل الرياح بهم، وعلى أثر الفرقة التي أحدثها نعيم بن مسعود ﵁، فعاد حذيفة بالخبر الجميل والنصر العظيم، لقد عزم الجميع على الرحيل، حدث كل هذا من غير قتال من المسلمين، وانظر إلى قوله ﵎: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥] وانتهت واحدة من أعظم معارك المسلمين، مع أنه لم يحدث فيها قتال، وكأن الله يريد أن يقول لنا: ليس المطلوب هو تحقيق النصر، ولكن المطلوب هو العمل من أجله، المطلوب هو قرار الجهاد، المطلوب هو الثبات في أرض المعركة، المطلوب هو صفات الجيش المنصور، أما النصر فينزل بالطريقة التي أراد الله ، وفي الوقت الذي يريد .

стр. 400

غزوة بني قريظة وحكم الله فيهم إن كانت قصة الأحزاب انتهت فقصة بني قريظة لم تنته بعد، فاليهود أعداء الله وأعداء المؤمنين وأعداء الحق وأعداء الأخلاق الحميدة وأعداء كل خير. رجع الرسول ﷺ من الخندق بعد صلاة الصبح، وذهب إلى بيته بعد غياب قرابة شهر، وبعد عناء كبير ومشقّة بالغة يغتسل ﷺ ، فإذا بجبريل ﵇ قد جاءه عند الظهر فقال له: (قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه) أي: أن الملائكة لم يضعوا السلاح، بل في رواية السيدة عائشة عند الطبراني والبيهقي تقول: (فكأني برسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه جبريل). سبحان الله! يقاتل جبريل ﵇ قتالاً حقيقياً في أرض المعركة. قال جبريل: (اخرج إليهم، قال النبي ﷺ : فأين؟ فأشار إلى بني قريظة)، وفي رواية: (أن جبريل قال: إني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب) وهكذا سار جبريل ﵇ في موكبه من الملائكة، أما الرسول ﵊ فقد أمر المسلمين بالتوجه السريع إلى بني قريظة، وليس هناك راحة بعد هذا الشهر الطويل، إنما الراحة هناك في الجنة، أما الدنيا فهي دار عمل، فقال: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وهكذا اجتمع الرسول ﵊ والصحابة في ثلاثة آلاف مقاتل، هذا غير الملائكة، في حصار بني قريظة، واستمر الحصار (٢٥) ليلة، تقريباً كالحصار الذي كان على المسلمين في المدينة المنورة. ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال تحول المسلمون من محاصَرين إلى محاصِرين في لحظات، واستمر الحصار كما قلنا (٢٥) ليلة، وبعد كل تعب الخندق لا يزال المسلمون في قوة، يحاصرون (٢٥) ليلة، وفي النهاية قذف الله الرعب في قلوب اليهود، فنزلوا على حكم الرسول ﷺ ، مع أنه كان بإمكانهم المطاولة في الحصار، وأمر الرسول ﵊ بأن يُقيدوا فقيدوا، فجاءت الأوس إلى رسول الله ﷺ وكانوا حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وكان بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وقد كان من المقرر أن الرسول ﵊ يقتل بني قينقاع، لكن جاء عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم الخزرج واستنقذهم منه، فجاءت الأوس إلى الرسول ﵊ وقالت: (يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء بنو قريظة موالينا فأحسن فيهم، فقال الرسول ﵊: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. قالوا: قد رضينا) فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة مصاباً، فأتوا به من المدينة المنورة راكباً على حمار، فلما رآه الأوس التفوا حوله، وقالوا: يا سعد! أجمل في مواليك فأحسن فيهم، فإن الرسول ﷺ قد حكّمك لتحسن فيهم، وهو ساكت ﵁ لم يرد عليهم، حتى قال لهم: قد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، عندما سمعوه يقول هذا عرفوا أن سعداً سوف يحكم فيهم حكماً شديداً، وأتى سعد ووصل إلى المكان الذي فيه الصحابة، ولما رآه الرسول ﵊ قال للصحابة: (قوموا إلى سيدكم، فقام الصحابة احتراماً لـ سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه وأنزلوه من فوق الحمار، وقالوا: يا سعد! إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك. قال سعد: وحكمي نافذ عليهم؟ -أي: أن الذي سأقوله سوف يحصل فيهم؟ - قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قالوا: وعلى من هاهنا؟ وأعرض بوجهه ﵁ وأرضاه، وأشار ناحية الرسول ﵊، وهو لا يريد أن يقول: وحكمي نافذ على رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أدبه ﵁، فقال ﷺ : (نعم، وعليّ -أي: أن حكمك ينفذ عليّ- قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرجال وتُسبى الذرية وتقسّم الأموال، فقال الرسول ﵊: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات) وبدءوا بتنفيذ حكم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، وجمعوا يهود بني قريظة وقتلوا الرجال جميعاً، كان تعدادهم تقريباً (٤٠٠) وفي بعض الروايات: (٧٠٠)، وقتل معهم حيي بن أخطب الذي وعد قبل هذا كعب بن أسد. قال له: لو رجعت غطفان وقريش فسأدخل معكم في الحصن، ودخل في الحصن معهم وقُدِّم للقتل، فقد كان تاريخه أسود وطويلاً مع المسلمين، وانظر إلى قوله للرسول ﵊ وهو في حالة القتل، قال: والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يُغلب، إذاً: هو يعرف أنه يُغالب رب العالمين سبحانه

стр. 401

استشهاد سعد بن معاذ ﵁ بعد أن انتهت قصة بني قريظة استجاب الله لدعوة العبد الصالح سعد بن معاذ ﵁، فانفجر جرحه وسالت منه الدماء حتى خرجت من خارج الخيمة، ﵁ وأرضاه، ليلقى ربه سعيداً راضياً، ويكفي في حق سعد بن معاذ ما رواه البخاري أن رسول الله ﷺ قال في حقه: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ). وعندما أخذ الصحابة سعد بن معاذ وجدوا جنازته خفيفة، فقال ﷺ : (إن الملائكة كانت تحمله) كانت قيمته كبيرة في ميزان الإسلام ﵁ وأرضاه، مع أن كل عمره في الإسلام ست سنين، ومع ذلك فإن إنجازه يعجز عن مثله الناس في (٣٠) و (٤٠) و (٥٠) سنة، فرضي الله عنه ورضي الله عن صحابة الحبيب ﷺ أجمعين. هذه كانت قصة الأحزاب وبني قريظة، كانت موقعة عجيبة بلا قتال تقريباً: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥] لكنها كانت امتحاناً عظيماً، ولم يثبت فيها إلا الصادق حقاً، وكانت في نفس الوقت غزوة فرقت بين مرحلتين رئيستين في السيرة، فما قبل الأحزاب شيء، وما بعد الأحزاب شيء. قبل الأحزاب كان الاضطراب والقلق والمشاكل الكثيرة وعدم الاستقرار، أما بعد الأحزاب فقد نضجت الدولة الإسلامية نضجاً جعلها قادرة على الوقوف بصلابة في وجه كل أعدائها، رسّخت الأحزاب أقدام المسلمين في الجزيرة العربية، ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على تحدي هذا الكيان الصلب الجديد، ولقد كان الرسول ﷺ في منتهى العمق في تحليله لغزوة الأحزاب، فقد قال بعد أن ذهب الكفار: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) أي: نحن نسير إليهم. والفترة التي كانت بين الهجرة والأحزاب كانت فترة تأسيس للدولة الإسلامية، أما الفترة التي ستأتي بعد الأحزاب فستكون فترة تمكين لدين الله في الأرض، وسنرى فيها صلح الحديبية وفتح خيبر ومؤتة وفتح مكة وحنين وتبوك، وسنرى فيها المراسلات إلى ملوك العالم وأمرائهم، وسوف نرى انتشار دين الله في المدن والبوادي، وسنرى تسابق الوفود لإعلان إسلامهم بين يدي الحبيب ﷺ ، ستكون فترة سعيدة، وكل أحداث السيرة سعيدة، وكيف لا وهي حياة أفضل العالمين وخير البشر وسيد الدعاة وإمام الأنبياء ﷺ . وأسأل الله أن يجمعنا به في أعلى عليين، وألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله، وأن يسقينا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يربط على قلوب المؤمنين، وأن يستعملنا لدينه، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 402

سلسلة السيرة النبوية_ المسلمون بعد الأحزاب المتتبع للأحداث التي حصلت من الرسول ﷺ بعد غزوة الأحزاب يجد فيها حنكة القائد المتمرس، فقد جعل ﷺ تلك الفترة -بين الأحزاب والحديبية- بمثابة المدرسة التدريبية للصحابة، فقد كثف فيها الغزوات والسرايا التأديبية لمن سعى في النيل من المسلمين في الأحزاب وما بعدها، تلا تلك الغزوات والسرايا حدث هام، وهو صلح الحديبية الذي سماه الله تعالى فتحاً مبيناً.

стр. 403

مقدمة بين يدي ما بعد غزوة الأحزاب أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فلا شك أن دراسة التاريخ بصفة عامة من أهم الأمور في حياة البشر عامة، ومن أهم الأمور في حياة المسلمين بصفة خاصة؛ لأن هذا أمر إلهي مباشر في كتاب رب العالمين ، قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]. ولا شك أن أروع القصص وأهمها هي قصة الرسول ﷺ ، ليس فقط لكونها أحداثاً مشوقة ومواقف عجيبة، لا، لكن لأن السيرة النبوية جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي، فالرسول ﷺ كان قرآناً يمشي على الأرض، وحياته كانت تطبيقاً عملياً لكل توجيه رباني في الكتاب الكريم. واتباع السنة المطهرة والطريقة التي كان يحيا بها ﷺ أمر ضروري ولازم لرضا رب العالمين ولدخول الجنة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. إذاً: كيف سنتبع الرسول ﵊ من غير أن نعرف سيرته وحياته؟! كنا قد تحدثنا في محاضرات سابقة عن فترات هامة في حياة الرسول ﷺ ، تحدثنا في مجموعة من المحاضرات عن العهد المكي في غاية الأهمية، وفي مجموعة أخرى من المحاضرات تحدثنا عن تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة خلاص الخمس السنوات الأولى من الفترة المدنية، فالسنوات الخمس الأولى كانت مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية، بدأت من الهجرة وانتهت بانتهاء غزوة الأحزاب. وكانت مرحلة التأسيس مرحلة شاقة جداً ومرهقة، فقد تعددت فيها أنواع الصراع مع أعداء الأمة، فقد وجهوا كل طاقاتهم لمنع قيام الدولة الإسلامية، ولكن بفضل الله نجح المسلمون بقيادة الرسول ﷺ في تأسيس دولتهم برغم كل هذه المعوقات، وبانتهاء غزوة الأحزاب انتهت هذه المرحلة الهامة لتبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية أبداً عن المراحل السابقة، عبر عنها ﷺ بقوله الدقيق الذي يعبر عن دراية كاملة بوضعه ووضع العالم من حوله، قال ﷺ بعد انتهاء الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) يعني: نحن سنسير إليهم؛ لأن الدولة الإسلامية بفضل الله أصبحت من القوة بحيث أنها لا يمكن أن تستأصل، وبحيث أنه من الصعب جداً على الآخرين التفكير الجدي في غزو المدينة المنورة، هذه المرحلة الجديدة نستطيع أن نسميها مرحلة الانتشار والفتح والتمكين لدين رب العالمين . سينتشر فيها دين الإسلام كما سنرى بسرعة مذهلة، ليس فقط في الجزيرة العربية، بل وما حولها، وسيتطور الأمر بعد وفاة الرسول ﵊ لينتشر الإسلام في ربوع العالم المختلف. هذه هي طبيعة بناء الأمة الإسلامية، تبدأ شاقة وعسيرة؛ لأن كل الأعداء على اختلاف توجهاتهم يتعاونون في حربها، ثم تخرج الأمة من عنق الزجاجة في وقت ما لتبدأ مرحلة الانتشار والفتح والتمكين.

стр. 404

مرحلة الانتشار والفتح بعد غزوة الأحزاب في ذي العقدة سنة (٥) هـ رحلت الأحزاب، وفي نفس الشهر بدأ المسلمون مرحلتهم الجديدة، حملات عسكرية متتابعة وسريعة لهدف رئيس هو تأديب وعقاب أولئك الذين شاركوا في حصار المسلمين في غزوة الأحزاب، أو تأديب أولئك الذين غدروا بالمسلمين في حوادث أخرى سابقة للأحزاب؛ ليعلم الجميع أن انتهاك حرمات الأمة الإسلامية لا يمر هكذا بدون عقاب. والحملات العسكرية بعد الأحزاب كانت مكثفة جداً، بمعدل حملة كل (٢٠) يوماً تقريباً، وهذا فيه إرهاق شديد جداً على الدولة الإسلامية الناشئة، ومع ذلك هذا الإرهاق لا بد منه؛ لأن الأمة التي لا تجاهد تصاب بالذل، روى أبو داود عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة)، العينة: نوع من أنواع الربا، (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد) ما هو الذي سيحصل؟ (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، ضعف المسلمين وذلة المسلمين لا يؤدي فقط إلى التهديد المستمر للدولة الإسلامية، ولكن يؤدي أيضاً إلى فقد الثقة في الدين الإسلامي نفسه، ستقول الناس: لو كان هذا الدين عظيماً لكافح من أجله أصحابه، لو كان هذا الدين عظيماً لفرض نفسه على الآخرين وسادهم، ولذلك جعل الله من دعاء المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:٨٥]، هذه الفتنة قد تكون نتيجة الوضع المتردي للمسلمين في فترة من فترات حياتهم، ينفر الناس من الإسلام، يهجرون الإسلام؛ لعدم ثقتهم في المسلمين، وهذا أمر خطير، والرسول ﷺ يريد أن تبقى صورة الأمة الإسلامية مرفوعة ومهابة وسط الجزيرة العربية.

стр. 405

سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحقيق لقد بدأ الجهاد مباشرة بعد غزوة الأحزاب، وأول ما بدأ به تحرك تجاه أولئك الذين حركوا جموع العرب لغزو المدينة المنورة، وبالتحديد اتجاه اليهود وزعمائهم، وأهم هؤلاء الزعماء حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب كان قد قتل مع يهود بني قريظة في أعقاب غزوة الأحزاب مباشرة، وبعد مقتل حيي بن أخطب لزم على المسلمين أن يذيقوا سلام بن أبي الحقيق من نفس الكأس الذي كان يريد أن يذيقه للشعب المسلم بكامله في المدينة المنورة، من أجل هذا أرسل الرسول ﷺ سرية لاغتيال سلام بن أبي الحقيق في خيبر، وسلام بن أبي الحقيق من زعماء خيبر، وخيبر على بعد حوالي (١٥٠) كيلو شمال المدينة المنورة، وهي مهمة خطيرة جداً، فالرسول ﷺ أرسل سرية كاملة بقيادة عبد الله بن عتيك ﵁ وأرضاه. ونحن نرى الفكر السياسي والعسكري الدقيق لرسول الله ﷺ ؛ لأنه بالسرية هذه سيقضي على رءوس الفتنة ومجرمي الحرب ومحركي الجموع، وبالتالي يستطيع بعد ذلك أن يسيطر على الأمور بصورة أيسر وبطريقة أسرع، وبحمد الله نجحت سرية عبد الله بن عتيك ﵁ في قتل سلام بن أبي الحقيق، وتخلص المسلمون من رأس كبير من رءوس الفتنة، وكانت خسارة كبيرة جداً لليهود، وبالذات أن ذلك كان بعد التخلص من بني قريظة، وبعد التخلص من حيي بن أخطب، وبات واضحاً للجميع أن الدولة الإسلامية في طريقها إلى النمو والقوة، وأن نجمها سيعلو في الجزيرة بكاملها، والرسول ﷺ لم يهمل هذه النجاحات المتتالية في الأحزاب وبني قريظة وفي حادثة اغتيال الزعيم اليهودي سلام بن أبي الحقيق، بل استغلها بنشر القوات الإسلامية في كل مكان هنا وهناك، وبسط السيطرة على المناطق المختلفة في الجزيرة، وقام بتأديب وعقاب من اشتركوا في إيذاء المسلمين قبل ذلك.

стр. 406

سرية محمد بن مسلمة لتأديب بني بكر بن كلاب من قبائل نجد بعد عودة سرية عبد الله بن عتيك من خيبر، أرسل سرية بقيادة محمد بن مسلمة ﵁ وأرضاه إلى منطقة تعرف بالقرطاء، وهي تبعد عن المدينة المنورة أكثر من (٣٠٠) كيلو متر، وهذه السرية كانت موجهة إلى بطن بني بكر بن كلاب، وهم من قبائل نجد الذين اشتركوا في حصار المدينة المنورة أيام الأحزاب، مع أن هذه السرية كانت مكونة فقط من (٣٠) فارساً فهي سرية صغيرة، إلا أنها حققت نتائج عظيمة جداً، لا تتناسب مطلقاً مع عددها الصغير. ألقى الله بهذه السرية الرعب في قلوب بني بكر، لقد هرب معظمهم من السرية، وتفرقوا في الصحراء وقتل منهم عشرة، واستاق محمد بن مسلمة ﵁ وأرضاه عدداً كبيراً جداً من الإبل والشياه، جاء في بعض التقديرات أنها (١٥٠) من الإبل و (٣٠٠٠) من الشياه. وكان من آثار هذه السرية أن ارتفعت هيبة المسلمين في قلوب الأعراب هنا وهناك، وخاف الناس منهم، وتحسن الوضع الاقتصادي في المدينة المنورة، وبالذات أن المسلمين لا زالوا خارجين من أزمة الأحزاب، فقد كانوا في حالة شديدة جداً من الفقر والجوع، وارتفعت معنويات المسلمين جداً، وشعروا بشعور المهاجم لا شعور المدافع. إذاً: هذه ثلاثة آثار إيجابية لهذه السرية البسيطة.

стр. 407

قصة أسر ثمامة بن أثال الحنفي وإسلامه عند عودة المسلمين من هذه السرية من أرض نجد أسروا رجلاً كان في طريقهم لم يكونوا يعرفونه، فلما أتوا به إلى المدينة المنورة تبين أن هذا الرجل هو ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة، فهو من أعظم وأكبر زعماء العرب مطلقاً في ذلك الوقت، فقد كان ذاهباً من بني حنيفة متنكراً من أجل أن يقتل الرسول ﷺ بنفسه، لكن تعالوا لننظر ماذا سيحصل مع هذا الأسير؟ وما هي الآثار التي نتجت عن أخذ هذا الأسير الكبير؟ أخذ المسلمون هذا الأسير وربطوه في سارية من سواري المسجد النبوي، فخرج ﷺ وسأله: (ما عندك يا ثمامة؟) لنتصور حلم ورفق الرسول ﷺ وهو يخاطب رجلاً يعلم أنه جاء ليقتله: (ما عندك يا ثمامة؟ فقال ثمامة: عندي خير يا محمد). ثم عرض على النبي ﷺ ثلاثة أمور، يقول: (إن تقتل تقتل ذا دم) يعني: لو قتلتني ورائي قبيلة كبيرة جداً بنو حنيفة ستأخذ بثأري، فدمي لن يذهب هدراً. هذا أول شيء، وهذه صيغة تهديدية، (إن تقتل تقتل ذا دم). الثاني: (وإن تنعم تنعم على شاكر) يعني: لو أطلقتني بغير فداء سأحفظ لك هذا الجميل وأشكره لك. الثالث: (وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت) يعني: إن طلبت المال كفدية سنعطيك منه ما تشاء؛ لأن ثمامة من أغنى أغنياء العرب، وتصور هذا العرض والمدينة في حالة من أشد حالات الفقر. إذاً: هذه اختيارات ثلاثة عرضها ثمامة على رسول الله ﷺ ، لكن الرسول ﵊ آثار آثر يرد سريعاً على هذه الاختيارات الثلاثة، بل تركه مربوطاً في سارية المسجد يشاهد حركة المسلمين وتعامل المسلمين وصلاة المسلمين ودروس المسلمين، فالمسجد كان حياة المسلمين كلها، كل شيء يحصل في المسجد، حتى الأمور السياسية والعسكرية الخطيرة تتم في داخل المسجد، ويؤخذ القرار في داخل المسجد. فـ ثمامة بن أثال وهو مربوط يرى واقع المسلمين وحياة المسلمين وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وبين الأخ وأخيه، يرى الإسلام بصورة واقعية تماماً. فخرج الرسول ﵊ في اليوم الثاني وسأل ثمامة نفس السؤال قال: (ما عندك يا ثمامة؟) فرد عليه بنفس الرد وعرض عليه الأمور الثلاثة، فتركه الرسول ﵊ للمرة الثانية ورجع له في اليوم الثالث وقال له: (ما عندك يا ثمامة؟) فرد ثمامة بنفس الرد، هنا الرسول ﷺ سيختار أحد الاختيارات الثلاثة، فالرسول ﵊ رأى ثمامة رجلاً عاقلاً سيداً شريفاً زعيماً، ومن ورائه رجال وأقوام، وراءه قبيلة كبيرة جداً قبيلة بني حنيفة، ثم إن الرسول ﵊ لاحظ انبهار ثمامة بن أثال بالمسلمين وبطبيعة الدين الإسلامي، ولاحظ انبهار ثمامة بالرسول ﷺ نفسه، فقد شعر رسول الله ﷺ أن إسلام ثمامة محتمل، فلو أطلقه بدون فداء لعل هذا يؤثر فيه ويسلم، وقد يسلم من ورائه أيضاً قبيلة بني حنيفة، وكان إسلام الرجل أحب إلى رسول الله ﷺ من أموال الدنيا جميعاً، أن يسلم واحد ويستنقذ من الكفر إلى الإيمان هذا يساوي عند الرسول ﵊ أكثر من كل أموال الدنيا، لذلك اختار الرسول ﷺ أن يطلق ثمامة بغير فداء. تصور هذا أسير ثمين جداً ويطلقه هكذا بغير فداء! أنعم عليه آملاً أن يكون ثمامة بن أثال صادقاً عندما قال: (إن تنعم تنعم على شاكر)، وهذا التصرف في حسابات أهل الدنيا من السياسيين يعتبر تصرفاً غير مفهوم؛ لأن الرسول ﷺ يحكم دولة فقيرة، وهي لا زالت خارجة من أزمة اقتصادية طاحنة، ولو طلب الأموال الطائلة لبذلت لفك أسر ثمامة بن أثال، لكن الرسول ﵊ لم يكن يفكر في الدنيا بكاملها، كل الذي يفكر فيه استنقاذ ثمامة وقبيلة ثمامة من براثن الكفر وجذبهم إلى جنة الإيمان، ولا يفقه ذلك إلا سياسي مؤمن، وثمامة كان عند حسن ظن الرسول ﷺ ، فقد خرج مسرعاً من المسجد النبوي بعد أن أطلق سراحه، انطلق إلى نخل قريب من المسجد عنده بئر من الآبار فاغتسل من هذا الماء الذي في البئر، والظاهر أنه سأل قبل ذلك عن كيفية الإسلام، لكنه لم يرد أن يسلم وهو في قيده؛ من أجل ألا يتهم بالنفاق، أو يتهم أنه أسلم ليطلق سراحه، وإنما انتظر حتى أطلق ثم اغتسل وجاء بنفسه مختاراً إلى رسول الله ﷺ ليعلن إسلامه بين يديه، فعل ذلك بكل حسم وعمق إيمان، لم يفكر في الرجوع إلى بلده للاستشارة وأخذ الرأي،

стр. 408

قصة غزو الرسول ﷺ لعضل والقارة من بني لحيان بعد هذه الآثار العظيمة من ارتفاع معنويات المسلمين، وخوف الأعراب، وهزة قريش، وإسلام ثمامة بن أثال ﵁، وقتل زعماء اليهود الكبار وفي أولهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، بعد كل هذا كان لزاماً على المسلمين أن يستغلوا هذه الآثار الضخمة بسلسلة منظمة من الحملات العسكرية هنا وهناك؛ لأن قريشاً ستنشغل بنفسها ولن تقدم أي معونة لأحد في حرب المسلمين، وبدأ الرسول ﵊ في رسم خطة لبسط السيطرة على الجزيرة العربية. ومن يشاهد خريطة تحركات الجيوش والسرايا بعد غزوة الأحزاب يدرك بجلاء أن الرسول ﷺ كان على دراية تامة بجغرافية وظروف الجزيرة العربية، كانت الغزوات والسرايا متنوعة في كل الاتجاهات في صورة شبكة منظمة رائعة، طرقت تقريباً كل دروب الجزيرة العربية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وكان شعار هذه المرحلة: (الآن نغزوهم ولا يغزونا). فأول قبيلتين فكر الرسول ﵊ أنه يحاربهم: قبيلة عضل، وقبيل قارة، وقصة هاتين القبيلتين في الغدر بأصحاب الرسول ﵊ معروفة ومشهورة، وتكلمنا عليها قبل هذا في الدروس السابقة، وهي قصة الغدر عند ماء الرجيع. فقد قتلت هاتان القبيلتان من أصحاب الرسول ﵊ (١٠) عند ماء الرجيع، بعد أن أوهموا المسلمين أنهم يريدون هؤلاء الصحابة لتعليمهم الإسلام، وكان وقع هذه المصيبة كبيراً جداً على الرسول ﵊، حتى إنه ظل يدعو عليهم في قنوته في كل صلواته لمدة شهر كامل. فالرسول ﷺ عندما وجد الفرصة مواتية لقتالهم أعد العدة لذلك، بل وقرر الخروج بنفسه على رأس الجيش، فعرفت هذه الغزوة في التاريخ بغزوة بني لحيان. وبنو لحيان هي القبيلة التي تنتمي إليها قبائل عضل وقارة، وخرج الرسول ﵊ بالفعل بجيشه إلى بني لحيان في ربيع أول سنة (٦) هـ، وهذا الخروج خطير جداً لأمور: أولاً: لأن قبائل بني لحيان قبائل قوية مقاتلة. ثانياً: لأن قبائل بني لحيان اشتهرت بالغدر وقطع الطريق، من أجل هذا عندهم عدة كمائن على الطريق. ثالثاً: لأن مساكن بني لحيان بعيدة جداً عن المدينة المنورة، فهي تبعد تقريباً (٤٠٠) كيلو متر من المدينة المنورة إلى الجنوب. رابعاً: لأن مساكن بني لحيان قريبة جداً من مكة المكرمة، على بعد (٩٠) كيلو متر من مكة المكرمة، فلا يستبعد أبداً أن تدرك قريش أن جيش المدينة على مقربة من مكة المكرمة فتخرج له قريش، وأنتم تعرفون قوة قريش. كل هذه الأمور جعلت هذه الغزوة خطيرة، ومن أجل هذا خرج الرسول ﵊ بنفسه فيها. وكانت هذه الغزوة في شهر ربيع أول (٦) هـ، وخرج الرسول ﵊ في (٢٠٠) من أصحابه، ومعه مجموعة من الفرسان في هذه الغزوة، وأوهم الناس أنه سيتجه إلى الشمال في بادية الشام، وبعد ذلك غير الاتجاه وذهب إلى الجنوب حتى يعمي على العدو، ووصل إلى ديار بني لحيان، لكن كما ذكرنا قبل هذا أن بني لحيان كانت لهم عدة كمائن على الطريق، واكتشفت هذه الكمائن قدوم الرسول ﷺ ، فما كان منهم إلا أن فروا من ديارهم لما عرفوا أن الرسول ﵊ وأصحابه قد غزوهم، مع أن الرسول ﵊ كان في (٢٠٠) فارس، وجاء على بعد (٤٠٠) كيلو من المدينة المنورة، فهرب بنو لحيان جميعاً في رءوس الجبال وتركوا ديارهم خالية. وكان على غير مراد الرسول ﵊، فالرسول ﵊ كان يريد أن يقابلهم ويحاربهم؛ لينتقم لأصحابه أصحاب الرجيع، لكن هروب بني لحيان ترك أثراً إيجابياً كبيراً جداً في صالح المسلمين في المنطقة كلها. العربي ليس من شيمه الهروب، والجبن صفة مذمومة جداً عنده، لا يحب أبداً أن يوصف بها، وبالذات إن كانت القبيلة قبيلة قوية لها تاريخ في الحرب والقتال والغزو، لكن ربنا ألقى الرعب في قلوبهم، لم يفكروا أصلاً في المقاومة، لم يفكروا في سمعتهم أمام القبائل الأخرى، فكان ذلك انتصاراً كبيراً جداً للمسلمين بلا شك، والرسول ﵊ لم يكتف بهذا الانتصار، بل مكث في ديار بني لحيان يومين كاملين يبث السرايا للبحث عنهم في كل مكان، لكن لم يعثر على أحد منهم. ويعتبر بقاء الرسول ﵊ في أرض القبيلة مدة يومين كاملين هذا من أقوى دلالات الانتصار عند العرب، لأن من ينتصر لا يخرج سريعاً من مكان القتال وكأنه يخشى القوم، فالرسول ﵊ أثبت أنه لا يخاف بني لحيان ومكث يومين كاملين، ليس هذا فحسب، بل أرسل سرية ﷺ من (١٠) فرسان في اتجاه مكة حتى بلغت كراع الغميم، وكراع الغميم على بعد حوالي (٦٠) كيلو تقريباً من مكة المكرمة، وأمرهم أن يظهروا أمرهم ولا يستخفون؛ ليعلم بهم أهل مكة وأنهم سيغزون مكة؛ وذلك لإلقاء الرعب في قلوب القرشيين، وحدث ما تمناه المصطفى ﷺ فقد فزعت قري

стр. 409

غارة عيينة بن حصن الفزاري على بعض ممتلكات المسلمين حول المدينة وردة فعل المسلمين تجاه ذلك بعد أسبوعين كاملين من الغياب عن المدينة المنورة، وفي أثناء عودة الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة أغار عيينة بن حصن الفزاري على بعض ممتلكات المسلمين في خارج المدينة المنورة، في منطقة تعرف بالغابة، وأخذ منها إبلاً وشياهاً للمسلمين، وقتل راعيها -وهو رجل من غفار- واحتملوا امرأته، وهرب عيينة بن حصن في اتجاه الشمال الشرقي للمدينة في ناحية منازل غطفان، ووصل الخبر إلى الرسول الله ﷺ نقل له سلمة بن الأكوع ﵁ وأرضاه، وسلمة من أعظم الرماة في الإسلام، فلما أخبر الرسول ﵊ بذلك عاد سلمة مسرعاً إلى منطقة الغابة وظل يرمي الفرقة الغازية فقتل بعضهم وأصاب بعضهم. وأخرج الرسول ﷺ فرقة سريعة الحركة من الفرسان، وأمر عليهم سعد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه، وهذا غير سعيد بن زيد المهاجري ﵃ أجمعين، وكان في هذه الفرقة المقداد بن عمرو وعباد بن بشر وأبو قتادة وعكاشة بن محصن ﵃ أجمعين، ومجموعة من خيار فرسان الصحابة، وقال ﷺ لأميرهم سعد بن زيد: (اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس) وخرجت هذه الفرقة السريعة، والرسول ﵊ تبعها بعد ذلك بجيش من المسلمين، وأدرك هذه الفرقة عند مكان يسمى ذو قرد على بعد حوالي (٣٥) كيلو متر شمال شرق المدينة المنورة. في هذه الغزوة قتل أبو قتادة رجلاً من المشركين، وقتل عكاشة بن محصن رجلين، واستنقذ المسلمون بعض الإبل والشياه، وفرت المرأة المسلمة امرأة أبي ذر ونجت بنفسها إلى المدينة المنورة، وهرب عيينة بن حصن ومن معه ببعض الإبل. وطلب سلمة بن الأكوع ﵁ وأرضاه من الرسول ﵊ أن يجعل معه من الرجال ليغزو بهم قبائل غطفان في مكانها، لكن الرسول ﵊ رفض ذلك؛ لأن قبائل غطفان قبائل قوية جداً ومنازلها بعيدة عن المدينة المنورة، ولا يريد أن يدخل معها في صراع وهو لم يعد العدة الكافية لذلك. إذاً: الرسول ﵊ يكافح ويجاهد ويستخلص الإبل قدر المستطاع في واقعية دون تهور، فقد كان كل ذلك في حدود المدينة المنورة، وفي نفس الوقت هو لا يتهور بإرسال جيش إلى مغامرة غير مأمونة، وعلى العكس من ذلك فقد أخذ جيشه القليل ﷺ وذهب به إلى بني لحيان؛ لأن هناك اختلافاً بين بني لحيان وبين بني غطفان، فقبيلة لحيان وإن كانت قوية إلا أنها أقل بكثير جداً من قبائل غطفان، فالرسول ﵊ يعطي لكل أمر قدره، يحسب حساباته بدقة، ويتصرف على ضوء هذه الحسابات، في توازن رائع وفقه عميق. هذه الحملة الأخيرة التي قادها ﷺ تعرف بغزوة الغابة، وهو المكان الذي أغار عليه عيينة بن حصن، أو غزوة ذي قرد، وهو المكان الذي وصل إليه ﷺ في مطاردته للمشركين، وهذه الغزوة كانت في ربيع الأول أو ربيع الثاني سنة (٦) هـ.

стр. 410

السرايا التي بعثها ﷺ بعد غزوة ذي قرد لتأديب القبائل التي شاركت في غزوة الأحزاب وغيرها وبعد عودته ﷺ إلى المدينة بدأ في إخراج سرايا منظمة إلى كل بقاع الجزيرة العربية تقريباً؛ وذلك إلى القبائل التي شاركت في غزوة الأحزاب، وكذلك القبائل التي اشتركت في قتال المسلمين قبل ذلك، أو إلى القائل التي تستعد لغزو المدينة المنورة. وهكذا بعث ﷺ السريا الآتية: أولاً: بعث سرية بقيادة عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه إلى غمر مرزوق، وهو تجمع لفرع من فروع بني أسد، وبنو أسد من القبائل التي اشتركت في حصار الأحزاب، وكانت هذه السرية في نفس الشهر الذي تمت فيه غزوة ذي قرد وهو ربيع الأول أو ربيع الثاني سنة (٦) هـ. السرية الثانية كانت بقيادة محمد بن مسلمة إلى ذي القصة لقتال بني ثعلبة على بعد حوالي (٥٥) كيلو متر شمال المدينة، وهذه كانت في ربيع الثاني سنة (٦) هـ. في نفس الشهر ربيع الثاني خرجت سرية أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه إلى نفس المكان ولنفس الهدف لقتال بني ثعلبة. في نفس الشهر كذلك ربيع الثاني خرجت سرية أخرى بقيادة زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه إلى منطقة تعرف بالجموم، والجموم على بعد حوالي (١٠٠) كيلو متر من المدينة المنورة وخرجت لقتال بني سليم. وبعد عودة هذه السرية بأيام في شهر جمادى الأولى خرجت سرية مهمة جداً بقيادة زيد بن حارثة مرة ثانية أيضاً. وسنرى أن اسم زيد بن حارثة يتكرر مرة واثنتين وثلاثاً وأكثر؛ لأن الرسول ﵊ يريد أن يدربه لأمر كبير جداً سنعرفه عندما نأتي لغزوة مؤتة إن شاء الله. المرة الثانية: خرج زيد بن حارثة على رأس سرية أخرى موجهة إلى منطقة تعرف بالعيص، وهذه المنطقة شمال غرب المدينة المنورة، وكان غرض هذه السرية اعتراض قافلة من قوافل قريش، فأمسك زيد بن حارثة بالقافلة بكاملها، وكانت ضربة كبيرة جداً لقريش. وفي الشهر الذي يليه شهر جمادى الآخرة من سنة (٦) هـ خرج زيد بن حارثة للمرة الثالثة على رأس سرية إلى منطقة تعرف بالطرف على بعد (٥٥) كيلو متر من المدينة المنورة على طريق العراق، وكانت لقتال فرع من فروع بني ثعلبة. وفي نفس الشهر جمادى الآخرة سنة (٦) هـ خرج زيد بن حارثة للمرة الرابعة على رأس سرية في منتهى الأهمية إلى منطقة حسمى في شمال الجزيرة العربية، وهذه السرية مهمة جداً ومحتاجة لوقفة، وسبب هذه السرية أن أحد أصحاب الرسول ﵊ وهو دحية بن خليفة الكلبي ﵁ كان في طريقه من الشام إلى المدينة المنورة فاعترض طريقه أحد زعماء قبيلة جذام، وقبيلة جذام تسكن في شمال الجزيرة العربية، فهذا الزعيم كان اسمه الهنيد بن عوص ومعه ابنه ومجموعة من رجال قبيلة جذام، وأخذوا ما مع دحية الكلبي ﵁، وسمع بذلك مجموعة من بني الضبيب، وبنو الضبيب كانوا من المسلمين فهبوا لنجدة دحية الكلبي، ونجحوا في استرداد الأشياء التي سلبها منه الهنيد بن عوص ومن معه، وحمل دحية الكلبي هذه الأشياء وعاد إلى المدينة المنورة، في عرف أناس كثيرين أن الموقف انتهى، ما دام الشيء الذي أخذ رجع فليس هناك داع للقتال، لكن عندما أخبر دحية رسول الله ﷺ بهذا الأمر قرر رسول الله ﷺ ألا يجعل هذا الموقف يمر دون وقفة، حتى وإن كان ما سلب من المسلمين رد إليهم؛ ليعلم الجميع أن هيبة الأمة الإسلامية لا ينبغي أبداً أن تنتقص، وأن أي قبيلة أو إنسان تسول له نفسه التعدي على حرمة الأمة الإسلامية، ولو كان هذا التعدي على رجل واحد أو امرأة واحدة من المسلمين لا بد أن يحدث انتقام من قبل الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية، من أجل هذا قرر الرسول ﵊ أن يبعث جيشاً لعقاب قبيلة جذام على تعديها على أحد رعايا الدولة الإسلامية، وبخاصة الهنيد بن عوص وابنه اللذان تزعما الفرقة التي هجمت على دحية الكلبي ﵁ وأرضاه. هذا موقف مشرف جداً، يكتب بماء الذهب وأغلى من الذهب، لقد رأينا الرسول ﷺ قبل ذلك ينتفض لانتهاك حرمة امرأة واحدة أهينت على يد يهود بني قينقاع، فحاربهم وأجلاهم من المدينة جميعاً، وهاهو الآن ينتفض لانتهاك حرمة رجل مسلم واحد اعتدي عليه من قبيلة قوية في شمال الجزيرة العربية بعيدة جداً عن المدينة المنورة، فلا تسل عن مدى إحساس رعايا الدولة الإسلامية بالأمان والطمأنينة لحماية القائد لها، ولا تسل عن مدى إحساسهم بالأمان وهم يعلمون ويوقنون أن دولتهم بكاملها تقف وراءهم، تحفظ كرامتهم، تدافع عن حقوقهم، ترفع رءوسهم في العالم أجمع. وهذا الموقف يزداد قيمة عندما نعرف أن القبيلة التي اعتدت على دحية الكلبي هي قبيلة قوية جداً، قبيلة جذام، وتقع مساكنها على بع

стр. 411

غزوة بني المصطلق سمع ﷺ بتجمع قبيلة بني المصطلق لحرب المسلمين في المدينة المنورة، فباغتهم ﷺ بخروجه إليهم في (٢) شعبان سنة (٦) هـ، ووصل إليهم عند منطقة تعرف بماء المريسيع، لذلك هذه الغزوة تعرف في بعض الكتب بغزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق، وفي هذه الغزوة انتصر المسلمون انتصاراً كبيراً على بني المصطلق وغنموا غنائم ضخمة وكبيرة، وسبوا عدداً كبيراً من نساء القبيلة، وكان منهن جويرية بنت الحارث ﵂ التي أصبحت أم المؤمنين بعد ذلك، وهي ابنة زعيم بني المصطلق الحارث بن ضرار، وكانت ضربة قوية هائلة للقبيلة. ووقعت جويرية بنت الحارث التي هي بنت زعيم قبيلة بني المصطلق في نصيب ثابت بن قيس ﵁ وأرضاه من الأنصار، والرسول ﵊ في قصة طويلة أدى عنها مكاتبتها لـ ثابت بن قيس، وعرض عليها الزواج بعد أن أسلمت وتزوجها ﷺ ، وكان الهدف من الزواج واضحاً جداً، فالرسول ﵊ أراد بهذا الزواج أن يتألف قلوب بني المصطلق، حيث أعتق المسلمون سبايا بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فأعتق يوم زواج الرسول ﵊ من جويرية بنت الحارث أهل مائة بيت من بني المصطلق، وكان ذلك سبباً في إسلام قبيلة بني المصطلق، وكان نصراً عزيزاً للإسلام والمسلمين، ومع كون غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع ليست من الغزوات الكبرى لرسول الله ﷺ ، ولم يكن الصراع فيها طويلاً ولا كبيراً ولا القتلى والشهداء كثيرين، ومع ذلك فهذه الغزوة اكتسبت أهمية خاصة في السيرة النبوية؛ لخطورة الآثار التي ترتبت على وجود المنافقين في داخل هذه الغزوة.

стр. 412

دور المنافقين في إذكاء الفتن بين المسلمين في غزوة بني المصطلق لقد حدثت انتصارات سابقة كثيرة بعد غزوة الأحزاب، ورأى المنافقون هذه الانتصارات المكثفة فخرجوا في غزوة بني المصطلق ابتغاء الحصول على غنيمة، وفي غزوة بني المصطلق تسبب المنافقون في أكثر من أزمة، كادت كل واحدة منها أن تطيح بكيان الدولة الإسلامية، وصدق الله إذ يقول في حق المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] (خبالاً) يعني: اضطراباً وضعفاً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. فهذا عين ما حدث في غزوة بني المصطلق، فقد تسبب المنافقون في فتن متتالية، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] يعني: وقع المؤمنون الصادقون في أمور كثيرة بسبب المنافقين، حيث التبس الأمر على أكثر المؤمنين في هذه الغزوة. وهذه الأزمات التي أثارها المنافقون في هذه الغزوة من الضخامة بمكان، فهي بحاجة إلى تحليل طويل وتدبر عميق، مما قد لا يتسع له المقام في هذه المحاضرة، لكن بإذن الله سنفرد لها حديثاً خاصاً في مجموعة أخرى من المحاضرات وقد نوهنا عنها قبل ذلك: وهي مجموعة الرسول ﷺ وأخطاء المؤمنين، سنجمع فيها كل الأخطاء التي وقع فيها الصحابة سواء في غزوة بني المصطلق أو في الغزوات الأخرى أو في السرايا أو في جميع السيرة النبوية، ونحلل فيها كيف كان رد فعل المصطفى ﷺ لعلاج هذه الأخطاء وهذه الأزمات. وفي هذه المحاضرة إن شاء الله سنعرج سريعاً على هذه الفتن التي دارت في غزوة بني المصطلق. الأزمة الأولى التي حدثت: كانت صراعاً قام بين المهاجرين والأنصار على السقاية من بئر من آبار المنطقة، وهذا الحدث نادر في السيرة، لعله الوحيد الذي حدثت فيه أزمة ضخمة بين المهاجرين والأنصار، وكانت أزمة كبيرة جداً كادت أن تتفاقم لولا حكمة الرسول ﷺ في السيطرة عليها. ثم إنه نجمت عن هذه الفتنة فتنة أخرى خطيرة جداً وهي فتنة نداء المنافقين في أوساط الأنصار بأن يخرجوا المهاجرين من المدينة، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول كلمته الفاجرة يعلق فيها على المهاجرين بقوله: والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. كانت أزمة خطيرة جداً توشك أن تقضي على الأمة لولا أن الله سلم. وحدث بعد ذلك فتنة ثالثة خطيرة شنيعة أشد من الأولى والثانية: إنها حادثة الإفك، وفيها اتهم المنافقون السيدة عائشة أم المؤمنين ﵁ وأرضاها بالفاحشة، وللأسف الشديد وقع بعض المؤمنين في الأمر، واتسع نطاق الأزمة حتى شمل المسلمين كلهم ما بين مدافع ومهاجم، وما بين مبرئ ومتهم، ولم ينزل وحي في هذه القضية إلا بعد شهر كامل، فبعد شهر كامل نزل الوحي بتبرئة السيدة عائشة الطاهرة ﵁ وأرضاها من التهمة الشنيعة التي أثارها المنافقون، واشترك فيها كما ذكرنا بعض المؤمنين. وحادثة الإفك هذه من أشد الأزمات التي مرت بالمسلمين في فترات السيرة النبوية، وهذه الأزمة خطيرة جداً تحتاج إلى وقفات طويلة وتحليلات كثيرة، وانتباه إلى رد فعل رسول الله ﷺ ، وتدبر في تعليق رب العالمين للحدث كما في سورة النور. إذاً: هذه قصة كبيرة جداً تحتاج إلى تفريغ وقت وتدبر، وسنفرد إن شاء الله كما ذكرنا تفصيلاً في موضوع أخطاء المؤمنين.

стр. 413

استمرار السرايا التأديبية للمناوئين والمعارضين للدولة الإسلامية الناشئة الذي نريد أن نذكره في هذا المقام: أنه بالرغم من الأزمات والفتن التي حدثت في غزوة بني المصطلق إلا أن أسهم المسلمين كانت في ارتفاع دائم، وكان الجو العام في الجزيرة العربية يشير بوضوح إلى نمو الدولة الإسلامية نمواً سريعاً، وأن هذا النمو يسير بشكل طبيعي ومتدرج ومدروس، وكل هذا سيكون له آثار كبيرة جداً على الأحداث المستقبلية للدولة الإسلامية، وسنفهم الكلام هذا أكثر عندما نأتي لصلح الحديبية. وغزوة بني المصطلق كانت في شهر شعبان سنة (٦) هـ ومع أن الأحداث كانت تغلي بالأحداث الأخيرة وبالذات حادثة الإفك إلا أن حركة الجهاد لم تتوقف. وبعث الرسول ﷺ في نفس الشهر شهر شعبان سنة (٦) هـ سريتين هامتين جداً: الأولى: بقيادة عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه إلى ديار بني كلب بدومة الجندل على مسافة كبيرة جداً من المدينة المنورة، والأخرى: إلى ديار بني سعد بفدك، والذين كانوا يعدون العدة للتعاون مع يهود خيبر لحرب المسلمين، وكانت هذه السرية الأخيرة بقيادة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، كان هذا البعث في شهر شعبان مع وجود حادثة الإفك في المدينة، فحركة الجهاد في سبيل الله لم تتوقف. وفي شهر رمضان سنة (٦) هـ أرسل الرسول ﵊ سرية أخرى إلى بني فزارة في منطقة وادي القرى، وكان على رأسها أبو بكر الصديق أو زيد بن حارثة ﵄ أجمعين، وهذه السرية كانت موجهة لامرأة في هذه المنطقة اسمها أم قرفة، فهذه المرأة أعدت فرقة من ثلاثين فارساً لاغتيال الرسول ﷺ ، فلما علم الرسول ﷺ بهذه الفرقة المجهزة له أخرج لها هذه السرية الإسلامية، فقتلت هذه السرية الإسلامية هؤلاء الفرسان الثلاثين جميعاً، وازداد نشاط المسلمين جداً في شهر شوال سنة (٦) هـ، فبعث الرسول ﵊ فيه ثلاث سرايا خطيرة: الأولى: كانت إلى مجموعة من المشركين من قبائل عكل وعرينة كانوا قد أظهروا الإسلام وغدروا بأصحاب الرسول ﵊، وقتلوا منهم واحداً، وسرقوا كمية كبيرة من الإبل، فبعث لهم الرسول ﵊ سرية بقيادة كرز بن جابر الفهري ﵁ واستطاع الإمساك بهم وقتلهم وتمكن من استرداد الإبل. السرية الثانية: في شوال (٦) هـ كذلك وكانت هذه السرية بقيادة عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، وكانت مهمتها في منتهى الخطورة، مهمتها اغتيال اليسير بن رزام أمير خيبر من اليهود، فهو من أكابر اليهود ومن الذين أخذوا يجمعون اليهود في خيبر ووادي القرى وفدك لحرب المسلمين، ولم يكتف بذلك، بل قام بجمع غطفان من جديد لحرب المسلمين، من أجل أن يعيد الأحزاب مرة ثانية، كان يريد أن يقوم بنفس الدور الذي قام به قبله حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، ولكي لا تتكرر مأساة حصار المسلمين في داخل المدينة المنورة حرص الرسول ﵊ على التخلص من هذا الطاغية قبل أن يجمع هؤلاء المشركين، وبذلك يجنب المسلمين ويلات أزمة ضخمة قد تحدث، وكانت هذه السرية المكونة من ثلاثين فارساً، وتمكنت هذه السرية من قتل اليسير بن رزام، وأمن بذلك المسلمون شر خيبر، ولكن بصفة مؤقتة؛ لأن كل اليهود في ذلك الوقت كانوا متجمعين في خيبر، ولا شك أن العلاج النهائي لمشكلة يهود خيبر وتأليبهم المستمر على المسلمين يحتاج إلى وقفه حاسمة، ويحتاج إلى حرب فاصلة مباشرة كالتي فعلت قبل ذلك مع يهود بني قينقاع ويهود بني النضير ويهود بني قريظة، هذا هو الحل النهائي مع يهود خيبر، لكن الرسول ﵊ لم يكن قادراً على ذلك الوقت؛ لأن وضع المدينة المنورة خطير، لا يستطيع ﷺ أن يغزو خيبر الآن دون أن يؤمن ظهره، فأخطر ما يهدد ظهر الرسول ﵊ هو غزو قريش المدينة المنورة، وبالذات أن غزوة الأحزاب لم يمض عليها سوى سنة واحدة، وإذا خرج الرسول ﵊ بجيش الآن إلى حرب خيبر حرباً شاملة فقد يستغرق هذا الخروج إلى فترة طويلة جداً من الزمان قد تصل إلى شهور؛ لشدة بأس المقاتلين من أهل خيبر، ومناعة حصون خيبر، وبعد خيبر عن المدينة، فهو ﷺ لا يستطيع أن يترك المدينة خالية من الجند فترة طويلة غير محسوبة، لذلك اكتفى ﷺ باغتيال رأس الفتنة ومحرك الجموع اليسير بن رزام إلى أن يصل إلى وسيلة لتأمين جانب قريش، وبعدها يفكر في قضية خيبر، وهذا عين ما سنراه بعد صلح الحديبية. إذاً: كل هذا كان في شوال (٦) هـ، وكانت هذه هي السرية الثانية في شوال. السرية الثالثة والأخيرة في هذا الشهر كانت سرية خطيرة جداً، ووجهة هذه السرية كانت غريبة جداً، كانت وجهتها مكة المكرمة، وكثير من الناس لا يعرف أمر هذه السرية، خرجت هذه السرية إلى مكة المكرمة لمهمة في

стр. 414

آثار الغزوات والسرايا التي حدثت في السنة السادسة للهجرة لقد تميزت هذه السنة المباركة السنة السادسة من الهجرة بأنها كانت سنة جهادية من الدرجة الأولى، حيث انتشرت فيها جيوش المسلمين كما رأينا في كل أنحاء الجزيرة العربية تقريباً، وتمت فيها (٢٠) حملة عسكرية كاملة، يعني: بمعدل حملة عسكرية كل (٢٠) يوماً، كان منها (١٧) سرية بقيادة الصحابة ﵃ وأرضاهم، و (٣) غزوات بقيادة المصطفى ﷺ . ومع أن هذه الغزات والسرايا بصفة عامة لم تكن من المعارك الضخمة إلا أن تأثيرها كان عميقاً جداً على كل أهل الجزيرة، سواء من المسلمين أو المشركين أو اليهود أو المنافقين، فكل الناس تأثرت بهذه الغزوات والسرايا. فتعالوا بنا نذكر بعض الآثار الحميدة لهذه السرايا والغزوات المتتالية في السنة السادسة من الهجرة هذه عشرة آثار نذكرها كما يلي: الأثر الأول: تحسن الوضع الأمني للمسلمين في الجزيرة العربية، سواء في المدينة أو في القبائل المسلمة في أي مكان، أو حتى للمسلمين العابرين أو المسافرين من مكان إلى مكان؛ لأن هيبة المسلمين أصبحت في قلوب الجميع عظيمة جداً. الأثر الثاني: تحسن المستوى العسكري والأداء القتالي للمسلمين تحسناً ملحوظاً، فقد كانت هذه الغزوات والسرايا بمثابة دورات عسكرية تدريبية عملية تختلف كثيراً عن التعليم النظري، بل تختلف عن التدريب الاصطناعي غير الواقعي، فيظهر أثر هذه التدريبات المكثفة على مستقبل الجيش الإسلامي، سنرى بعد هذه الغزوات والسرايا المعارك المتلاحقة التي ستأتي بعد ذلك: خيبر، مؤتة، فتح مكة، حنين، الطائف غيرها وغيرها، وسنرى أثر هذه الدورات التدريبية على أداء المقاتل المسلم. الأثر الثالث: تحسن الوضع الاقتصادي للدولة الإسلامية، وذلك لعدة أمور منها: الاستقرار الأمني الذي يشجع على التجارة. ومنها: العلاقات المنتشرة للمسلمين في كل مكان. ومنها: كثرة الغنائم في السرايا والغزوات. ومنها: اعتماد المسلمين تجارياً على أنفسهم بعد قطع العلاقات التجارية مع اليهود. الأثر الرابع: أقام المسلمون علاقات دبلوماسية قوية مع الكثير من موازين القوى في الجزيرة العربية، سواء على مستوى القبائل أو على مستوى الأفراد الزعماء، فعلى سبيل المثال: أقام المسلمون علاقات دبلوماسية قوية مع قبائل بني المصطلق، ومع قبائل بني كلب في دومة الجندل ومع غيرها، وكذلك مع بعض الزعماء الكبار أمثال: ثمامة بن أثال ﵁ وأرضاه. الأثر الخامس: في مقابل هذه العلاقات حدث تفكك ملحوظ في علاقات قريش مع كثير من القبائل العربية؛ لأن القبائل التي عقدت علاقات مع المسلمين فقدتها قريش، وهناك من القبائل العربية التي لم تنضم إلى هنا أو هناك آثرت أن تبقى على الحياد، لا هي مع قريش ولا هي مع المسلمين، وهذا يعتبر انتصاراً كبيراً جداً للمسلمين؛ لأن قريشاً مع ما لها من تاريخ وقوة وسيادة لم تعد مقنعة لعموم القبائل العربية كحليف، وهذا لا شك سيكون له بُعْدٌ هام في صلح الحديبية بعد ذلك كما سنرى. الأثر السادس: شعرت قريش بالقلق الشديد نتيجة نمو الدولة الإسلامية بهذه الصورة، وأحست أن المسلمين قادرون على تهديدها في عقر دارها، فقد رأينا كيف أن سرية إسلامية وصلت إلى حدود مكة كما ذكرنا في غزوة بني لحيان، ورأينا محاولة اغتيال أبي سفيان، ولا شك أن كل هذا له أثر كبير جداً على نفسيات القرشيين، مما جعلهم يحسون أن البساط سينسحب من تحت أرجلهم، وأن الأيام الآتية ليست لهم، بل للمسلمين، وهذا سيكون له أيضاً أثر كبير في صلح الحديبية. الأثر السابع: نتيجة التقدم الإسلامي الملموس والتأخر القرشي الواضح ارتفعت معنويات المسلمين جداً، وازدادت ثقة المسلمين بأنفسهم، وهذا سيعطيهم القدرة على الانطلاق إلى قرارات جريئة جداً، تكون لها تبعات كبيرة جداً، ولن يقف أمام أحلامهم أحد، بل إننا سنشاهد مواقف لعلها لم تكن تخطر أصلاً في أذهان المسلمين. الأثر الثامن: نتيجة هذا المستوى الإسلامي المتميز سارع المنافقون بكتم نفاقهم، ومن كان يجاهر بالسوء أيام الأحزاب، فإنه الآن يتملق ويداهن ويتخفى، وليس معنى ذلك أنهم سيكفون عن أذاهم، أبداً، لكن معناه: أنهم سيكيدون كيدهم بحذر أكثر وحرص أعظم، وهذا قد يضاعف من خطورتهم، وما أحداث غزوة بني المصطلق بخافية عن أحد، فقد دبروا كل الفتن التي حدثت في بني المصطلق في خفاء شديد وفي سرية مطلقة. بل إنهم عندما سئلوا مباشرة عن هذه الأحداث أنكروا وحلفوا بالله ما قالوا، ولا شك أن فتنة المنافقين ستزداد كلما ازدادت قوة الدولة الإسلامية، وستتفاقم هذه الفتنة كما تعلمون بعد ثلاث سنوات من هذه الأحداث في غزوة تبوك، كما سنرى إن شاء الله في الدروس الآتية، وعلى المسلمين أن يكونوا دائماً على حذر تام من هذه الثعابين التي تسعى في الظلام. إذاً: الأثر الثامن: ازدياد خطورة المنافقين. الأثر التاسع: ضعف قوة اليهود إلى حد كبير، وهذا كان له أثر بعد ذلك، فقد قتل أكابر مجرميهم بدءاً بـ حيي بن أخطب وسلام بن مشكم

стр. 415

سلسلة السيرة النبوية_ الطريق إلى الحديبية كانت هناك إرهاصات ومقدمات بين يدي صلح الحديبية، وقد كان دور النبي ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم حكيماً في كسب تأييد رسل قريش للمفاوضات معه، وكذلك إضعاف معنويات القرشيين، الأمر الذي جعل الكفة في صالح النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، فتمخض من تلك المواقف الحكيمة استسلام قريش للصلح مع النبي ﷺ .

стр. 416

بين يدي صلح الحديبية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس الثاني من دروس السيرة النبوية العهد المدني فترة الفتح والتمكين. وفي هذا الدرس إن شاء الله سنتحدث عن حدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وأعظم أحداث الأرض بصفة عامة، وهو لحظة فارقة حقيقية في تاريخ الأمة الإسلامية، وله انعكاسات ليس فقط على الجزيرة العربية، ولكن على العالم أجمع كما سيتبين لنا إن شاء الله، وهذا الحدث العظيم هو صلح الحديبية. ويكفي في وصف عظمة هذا الحدث أن الله سماه بالفتح المبين، الفتح الذي جاء في الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] الكثير من المفسرين يفسرون هذا الفتح المبين بأنه صلح الحديبية، ويكفي الذين اشتركوا في هذا الخروج إلى صلح الحديبية من الصحابة أنه قد رضي عنهم تصريحاً في كتابه الكريم قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وكان عددهم (١٤٠٠) صحابي، فهذا الجمع الهائل من الصحابة صرح ربنا أنه قد رضي عنهم، وهذا أمر يستوجب منا الوقوف والدراسة والتأني في بحث هذا الموضوع الهام الخطير، لكن لا نستطيع أن نفهم أبعاد صلح الحديبية إلا بالرجوع إلى ما ذكرناه في الدرس السابق، وقد ذكرنا فيه أن الرسول ﷺ بعد غزوة الأحزاب قال كلمته المشهورة: (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، ومن ثم كانت السنة السادسة من الهجرة هي السنة التي تلت غزوة الأحزاب، وكان في مجملها مجموعة من السرايا والغزوات في كل مكان في الجزيرة العربية، ونتج عن ذلك آثار كثيرة لخصناها في آخر الدرس السابق، ومجمل هذه الآثار: أن الدولة الإسلامية أصبحت دولة مرهوبة لها قوة وهيبة وعظمة في قلوب جميع العرب بما فيهم قريش، وأن قريشاً بدأت تفتقد إلى الأعوان والأحلاف والأصحاب، وميزان القوى بدأ يسير في صف المسلمين على حساب قريش، هذا الأمر سيكون له مردود هام جداً في صلح الحديبية، كما سيتبين لنا الآن.

стр. 417

رؤيا الرسول ﷺ دخول البيت الحرام مع أصحابه في شهر شوال من السنة السادسة من الهجرة، يعني: بعد مرور سنة من غزوة الأحزاب، رأى الرسول ﷺ رؤيا: رأى أنه يدخل البيت الحرام هو وأصحابه ﵃ أجمعين معتمرين، ورؤيا الأنبياء حق، فالرسول ﷺ سيأخذ أصحابه ويذهب في رحلة عمرة جماعية إلى مكة المكرمة إلى عقر دار قريش، وهذا أمر صعب جداً، فهم قبل سنة واحدة فقط جاءت الأحزاب في عشرة آلاف مقاتل: (٤٠٠٠) من قريش والقبائل التي تحالفها، و (٦٠٠٠) من غطفان، جاءوا يحاصرون المدينة المنورة بغرض استئصال المؤمنين بكاملهم. فالرسول ﷺ بعد مرور سنة واحدة من غزوة الأحزاب في شجاعة منقطعة النظير يأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم بالتجهز لأداء العمرة، وليس بينه وبين قريش أي نوع من المعاهدات أو الصلح أو الاتفاقيات. لما ذكر ﷺ هذا الأمر لصحابته ﵃ وأرضاهم قبل الجميع من الصحابة ذلك دون تردد، بل اشتاقوا إلى الأمر، مع أن السفر إلى مكة المكرمة في ذلك الوقت سواء للعمرة أو غيرها يحمل خطورة شديدة جداً عليهم، والمسلمون قد تحملوا الكثير والكثير قبل ذلك من قريش، وقريش لم ترع أي حق للبيت الحرام ولا للبلد الحرام، فقد انتهكت حرمة البلد الحرام قبل ذلك كثيراً، ومع ذلك لم يتردد الصحابة ﵃ وأرضاهم في قبول الأمر النبوي بالذهاب إلى العمرة، وقد حاول الرسول ﷺ الاستفادة قدر المستطاع من قوانين المجتمع المشرك التي يعيش فيها، أي: الأعراف الدولية في ذلك الوقت، أعراف الجزيرة العربية، وأعراف قريش ذاتها تقضي بأن الذي يذهب إلى مكة المكرمة لأداء العمرة آمن مهما كان بينه وبين قريش من خلافات، فهل ستحترم قريش هذه القوانين القديمة أم لا؟! هذا ما سنراه. فخرج المسلمون سعداء قد شرحت صدورهم لهذه العمرة مع خطورتها، وهذا مهم جداً في بداية أي عمل، لذلك سيدنا موسى ﵇ كان يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥]، فالإنسان عندما ينشرح صدره لعمل ما يكون أداؤه فيه أداء متميزاً. لم يكن هناك أي نوع من الإكراه لصحابة الرسول ﵊ للذهاب إلى هذا المشوار الصعب، لكن في المقابل من الناحية الأخرى جميع المنافقين تقريباً لم يستطيعوا الخروج إلى هذا المشوار الصعب، وترددوا كثيراً وفكروا كثيراً، وفي النهاية أخذوا القرار الحاسم أنهم لن يخرجوا مع الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة؛ لأن هذا المشوار في نظرهم مشوار مهلك، كيف نذهب إلى قريش في عقر دارها وبسلاح المسافر، ليس معنا أسلحة الحروب؟ لذلك لم يخرج مع المسلمين إلا منافق واحد اسمه الجد بن قيس. كذلك الأعراب حول المدينة المنورة دعوا إلى الخروج، ولكنهم جميعاً أبوا أن يخرجوا مع رسول الله ﷺ لذلك هذا الصف الذي خرج من المدينة إلى مكة هو صف خالص نقي طاهر، وعددهم (١٤٠٠) مؤمن ليس فيهم إلا منافق واحد ليس له كبير الأثر في أوساط المؤمنين، وكما هو معلوم في الغزوات السابقة أن الرسول ﷺ إذا خرج بصف مؤمن خالص كان النصر قريباً بإذن الله ، فسنرى -إن شاء الله- نتائج عظيمة جداً نتيجة خروج هذا الصف النقي من المدينة المنورة، فقد كانوا (١٤٠٠) وفي رواية: (١٥٠٠) صحابي، وأخذ ﷺ معه في خروجه زوجته أم سلمة ﵂ وأرضاها، وكان هذا الخروج في غرة ذي القعدة سنة (٦) هـ بعد سنة من الأحزاب، واتجه ﷺ إلى مكة المكرمة، وفي ذي الحليفة التي هي الآن آبار علي وهو المكان الذي يحرم منه القادمون من المدينة إلى مكة، هناك في ذي الحليفة أحرم ﷺ وقلد الهدي، وكان قد أخذ معه مجموعة ضخمة من الإبل ليذبحها في مكة المكرمة، وهذا من النوافل، فالرسول ﷺ أحرم بالعمرة ولبس لباس العمرة وبدأ بالتلبية؛ كل هذا ليدل على أنه لم يذهب إلى مكة إلا للعمرة فقط، وهو يعلم ﷺ أن هناك عيوناً كثيرة لقريش على الطريق، وهذه العيون لاشك أنها ستنقل الأخبار إلى مكة المكرمة، وهو لا يريد حرباً مع أهل مكة ولم يذهب إلا للعمرة، وما رآه في الرؤيا هو فقط مجرد العمرة؛ ولذلك لم يخرج ﷺ وأصحابه إلا بسلاح المسافر، وفي طريقه ﷺ من ذي الحليفة إلى مكة المكرمة كان يلبي: لبيك اللهم لبيك إلى آخر الدعاء.

стр. 418

توقف الرسول ﷺ وأصحابه بكراع الغميم وصل ﷺ في طريقه إلى منطقة تسمى كراع الغميم، وهو على بعد (٦٠) كيلو أو (٦٤) كيلو تقريباً من مكة المكرمة، وهناك فوجئ ﵊ بأن قريشاً قد جمعت جيشاً وجمعت الأحابيش، والأحابيش: هي مجموعة من القبائل كانت تتحالف مع قريش، وسميت بذلك؛ لأنهم اجتمعوا عند جبل اسمه حبشي، وعقدوا اتفاقية دفاع مشترك عن مكة المكرمة. فهذه المجموعة من القبائل جمعتها قريش لصد الرسول ﷺ عن أداء العمرة في مكة المكرمة، مع أن العرف والقانون الدولي في ذلك الوقت يسمح للرسول ﵊ بأن يذهب إلى مكة معززاً مكرماً ممنوعاً، بل على قريش في أعرافها وفي قوانينها أن ترعى حقوق المسلمين، وأن تخدم المسلمين، وأن تسقي الحجاج، وأن تفعل كذا وكذا، لكن كل هذا ضربت به قريش عرض الحائط، وبدأت التعامل مع الموضوع بنوع من الغدر ومخالفة القوانين والعهود التي بينها وبين العرب قاطبة. فوجد ﷺ أن هناك جيشًا يقف عند كراع الغميم يمنع المسلمين من الوصول إلى مكة المكرمة، هذا موقف خطير، فالرسول ﷺ ليس معه إلا (١٤٠٠) من المسلمين وبسلاح المسافر، ويقف أمامه عند كراع الغميم جيش، ليس من قريش فقط، ولكن من قريش ومن معها من القبائل المحالفة لها، فوقف ﷺ وبدأ يأخذ الشورى بينه وبين أصحابه، ولم يترك الرسول ﷺ الشورى في موقف من المواقف، إلا في حالة ما إذا كان هناك أمر مباشر من رب العالمين ، إذا كان أمر حل أو حرمة فهنا لا يأخذ الرسول ﵊ رأي الصحابة فيه. فمثلاً: الخروج من المدينة المنورة إلى مكة لأداء العمرة كان عن وحي من رب العالمين ؛ لذلك لم يجمع الرسول ﷺ أصحابه ليأخذ رأيهم: نذهب أو لا نذهب؟ مع خطورة الأمر. إذاً: ما دام ربنا أمر بكذا أو نهى عن كذا فلا مناقشة ولا تردد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فالرسول ﷺ إنما هو في قضية عسكرية فأخذ الشورى فيها، فقد جمع أصحابه في هذا الموقف الخطير الذي هم فيه، وشاورهم: هل نحارب هؤلاء الذين تجمعوا لنا أم نعود ولا ندخل إلى مكة؟ هل نغير على قبائل الأحابيش الخالية الآن من الرجال؛ لأن معظم جيش الأحابيش خرج للوقوف عند كراع الغميم؟ وكان ﵊ قد عرض فكرة الالتفاف حول هذا الجيش والميل على قبائلهم الفارغة من الجنود وقتلهم وسبيهم، فيكون ذلك عزة وقوة للمسلمين على الكفار، هذه كانت آراء مطروحة من الرسول ﷺ طرحها على الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ ليختاروا ما يناسبهم، وعرض بعض الصحابة ﵃ آراءهم، فكان ممن تكلم أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، قال: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، يعني: رأي الصديق ﵁ وأرضاه ألا نسعى لقتالهم ولا نذهب إلى قبائل الأحابيش ولا نقاتل هذا الجيش، بل نكمل الطريق في محاولة الوصول إلى البيت، فإن كان هذا الجيش الذي وضع في كراع الغميم مجرد إرهاب للمسلمين ولن يقاتل فنحن سنكمل الطريق ونذهب إلى العمرة في مكة المكرمة، وإن أصروا على القتال قاتلناهم فنحن لا نخشى القتال، ولكن لا نسعى إليه، هذا ملخص رأي أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه. فالصحابة ﵃ وأرضاهم قبلوا هذا الرأي واستحسنوه، وكذلك النبي ﷺ ، ومن ثم أكملوا الطريق، لكن قريشاً كانت مصرة على منع الرسول ﵊ وأصحابه من دخول مكة المكرمة للعمرة؛ لذلك وضعت فرقة قوية من الفرسان على رأسهم خالد بن الوليد ﵁ وكان وقتها مشركاً، وهذه الفرقة من الفرسان حوالي (٢٠٠) فارس، ووراءهم جيش مكة، وهذه الفرقة كانت في كراع الغميم، ولما اقترب الرسول ﵊ وقف أمام هذه الفرقة المسلحة، وعند هذا الوقوف جاء موعد صلاة الظهر، والمسلمون في أي ظرف من الظروف لا يضيعون الصلاة ولا يؤخرون الصلاة عن أوقاتها إلا في الظروف الضيقة المحدودة جداً، تكاد في السيرة تعد على أصابع اليد الواحدة، كما حدث في غزوة الأحزاب قبل كذا، لكن عموم الأمر أن المسلمين يصلون الصلوات في أوقاتها حتى في ميادين القتال، بل إنهم كثيراً ما كانوا يصلون الصلاة على خيولهم إيماءً إذا احتدم القتال، هذا اهتمام كبير جداً بقضية الصلاة، ووقف ﷺ والمسلمون معه يصلون صلاة الظهر خلفه مؤتمين به ﷺ ، يركعون ويسجدون جميعاً مع الرسول ﷺ وهم كما ذكرنا (١٤٠٠)، فـ خالد بن الوليد قائد فر

стр. 419

وصول النبي ﷺ وأصحابه إلى الحديبية لقد أكمل ﷺ الطريق إلى مكة المكرمة إلى أن وصل إلى مكان يعرف بالحديبية، ويوجد هناك بئر، وهذا الموضع قريب جداً من مكة المكرمة، يقع بين التنعيم وبين مكة المكرمة، ويبعد التنعيم حوالي (٥) كيلو من مكة المكرمة، فهو ﵊ دخل في حدود مكة المكرمة نفسها، وأصبح الموقف شديد الحرج، ففي أي لحظة من اللحظات القادمة قد يحدث قتال عند إرادة دخول مكة المكرمة، لكن قبل دخول مكة المكرمة حدث أمر مفاجئ، حدث أن ناقة الرسول ﷺ توقفت عن المسير، فالصحابة اجتمعوا ليدفعوا الناقة إلى القيام وإكمال المسيرة إلى مكة المكرمة، وكان الجميع متحمساً جداً لدخول مكة المكرمة، ورفضت الناقة أن تقوم، فقال الصحابة: (خلت القصواء خلت القصواء) أي: امتنعت عن القيام وعن التقدم، فقال ﷺ : (ما خلت القصواء وما ذاك لها بخلق) يعني: ليس من خلق القصواء أن ترفض الأمر الموجه إليها، وما ذاك لها بخلق: (ولكن حبسها حابس الفيل) يعني: أنه أراد لها ألا تتقدم، فهو أمر من الله للناقة. وقوله: (حبسها حابس الفيل) يعني: الفيل الذي كان يركبه أبرهة عندما أراد دخول مكة المكرمة، لكن الله أمره ألا يدخل، فوقف الفيل ولم يستطع أبرهة أن يدفع الفيل لدخول مكة، فهذا الأمر تكرر تماماً مع الناقة النبوية. وقد تكرر هذا الموقف مع الناقة قبل ذلك، ومن أشهر المواقف التي حدثت مثل ذلك: عند هجرة النبي ﷺ فقد ترك ﵊ الناقة تسير إلى أن استقرت في مكان ما، وقال للصحابة من الأنصار ﵃ وأرضاهم: (دعوها فإنها مأمورة)، فنفس الموقف يتكرر في الحديبية؛ بسبب هذا قال الرسول ﷺ كلمة مهمة جداً، وستفسر لنا هذه الكلمة أموراً كثيرة آتية بعد ذلك، ثم قال ﷺ بعد أن أحس وشعر أن هناك وحياً واضحاً في هذه القضية، قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، يعني: أن الرسول ﵊ قرر أنه سيقبل بالصلح مع قريش، فهو ﵊ كان يشعر أن هناك وحياً في هذه القضية لم يكن مباشراً، لكنه فهمه من خلال وضع الناقة وعلم أنها مأمورة؛ وعلم أن الله لا يريد قتالاً يتم بينه وبين قريش في ذلك الوقت، لذلك سيقبل ﵊ بأي خطة تعظم حرمات الله، فهو يشترط في الخطة أن تعظم حرمات الله، فلن يقبل بظلم على المسلمين، ولن يقبل بمخالفة شرعية ﷺ ، فهذا أمر في غاية الأهمية. إذاً: الرسول ﷺ كان يريد مصالحة وخطة ليس فيها قتال، وهذا أيضاً سيفسر لنا قبول الرسول ﵊ بصلح الحديبية بصورة واضحة؛ لأنه أمر مرضي له ﷺ . وبعد بقاء المسلمين في منطقة الحديبية أرسلت قريش أحد الرسل؛ جاء لكي يحل المشكلة بين المسلمين وبين قريش، وهذا الرسول هو بديل بن ورقاء الخزاعي فهو ليس من قريش وإنما من قبيلة خزاعة، ومعروف أن قبيلة خزاعة حليفة للرسول ﷺ ، والرسول ﵊ كان يحب خزاعة، وقريش لم ترسل رجلاً منهم، لم ترسل زعيماً من زعمائهم يهدد ويتوعد، لا، لأن قريشاً تريد أن تعامل الرسول ﵊ بالسلم، وبنوع من الحسنى، وبتجنب القتال قدر المستطاع، ونحن قد نستغرب ونقول: كيف قبلت قريش العزيزة المنيعة القوية القبيلة الكبيرة المعظمة عند جميع قبائل العرب بلا استثناء، كيف تقبل هذه القبيلة الكبيرة بالجلوس مع الرسول ﵊ في طاولة المفاوضات، مع عدم الضغط المباشر على الرسول ﵊؟ أقول: إن الذي حصل في السنة السادسة من الهجرة أثر تأثيراً كبيراً على سلوك قريش، الذي حصل من سرايا وغزوات متتالية في العام السادس من الهجرة كان فيه رفع الراية الجهاد وإظهار الهيبة الإسلامية والعزة الإسلامية في كل مكان، فكل هذا كان له تأثير سلبي واضح على نفسيات قريش، وكان له تأثير معنوي إيجابي رائع جداً عند المسلمين، مما جعل الموقف يكون بهذه الصورة.

стр. 420

أول رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية لقد كان المسلمون على بعد عدة كيلو مترات قريبة جداً من مكة المكرمة، وبهذه العزة يقفون ينتظرون رسل قريش، وقريش لا تستطيع أن ترسل زعيماً من زعمائها وإنما تبعث واحداً وسيطاً يتوسط عند المسلمين أن يعودوا، فذهب بديل بن ورقاء الخزاعي إلى الرسول ﵊؛ ليمنعه قدر المستطاع من دخول مكة، فقريش لا تريد من الرسول ﷺ أن يدخل مكة في ذلك الوقت، ولا تريد أن تحدث معه قتالاً؛ لأنها تشعر أنها أضعف من المسلمين، مع أن المسلمين ليس معهم إلا سلاح المسافر فقط، فوقف بديل بن ورقاء وحاول أن يهدد الرسول ﷺ تهديداً خفيفاً، لكن هذا التهديد لم يكن من قريش؛ لأن بديل بن ورقاء ليس قرشياً، فقال بديل مهدداً: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل. يعني: ما تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي وهما فرعان من قريش يعيشون في مكة تركتهم نازلين قريباً جداً من الحديبية، (معهم العوذ المطافيل) يعني: معهم الأبناء والأولاد وهم يريدون حربك يا محمد، فالحرب ستكون ضارية بينك وبين قريش، ثم يكمل بديل بن ورقاء ويقول: وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فماذا كان رد فعل الرسول ﷺ ؟ لقد رتب الرسول ﵊ الكلمات ترتيباً سياسياً حكيماً بارعاً، وبين له فيه أنه فهم الموقف تمام الفهم، وأن قدوم الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة لم يكن قدوماً متهوراً غير مدروس، بل إن الرسول ﷺ عمل حسابه لكل نقطة، فماذا قال؟ قال: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين) يعني: نحن لسنا مخالفين لقوانين الجزيرة العربية، وإنما أنتم الذين تخالفون قوانين الجزيرة العربية، وقوانين قريش نفسها تقضي بأن ندخل إلى مكة المكرمة لأداء العمرة إذا أرادنا ذلك، بل على قريش أن تحمينا وتحرسنا بسيوفها، فنحن نسير وفق هذا القانون وأنتم تخالفون هذا القانون. فهو في منتهى القوة يقول: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين). الأمر الثاني: أنت تهددني بقريش وأنهم قد جمعوا العوذ المطافيل وجمعوا جيوشاً ليحاربوني، لا، أنا أعلم بوضع قريش، قال: (وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم) يعني: ليست قادرة على محاربة المسلمين، فقريش أضعف من أن تحارب، فقد عادت من الأحزاب في خزي واضح بعد أن فشلت في غزو المدينة المنورة، وقريش لم تحرك جيشاً واحداً لقتال المسلمين في خلال السنة السادسة من الهجرة، مع اقتراب المسلمين أكثر من مرة من حدود مكة المكرمة. إذاً: الرسول ﷺ يعلم القوة التي هو فيها الآن، ويفاوض من هذا الوضع القوي، ولذلك كلماته مسموعة وكلماته مرغوبة عند بديل بن ورقاء وعند القرشيين جميعاً، فقال هذه الكلمات: (وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا)، فبدأ يعدد عروضاً في منتهى الوضوح، فقد أعطاهم ثلاثة عروض ليختاروا منها ما يشاءون. العرض الأول: (فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس) يعني: هذا العرض يقضي أن الرسول ﵊ يطلب من قريش أن تضع الحرب بينه وبينهم مدة من الزمان، وهذه المدة سنة سنتان ثلاث عشر، ويتركون ما بيني وبين الناس، أنا أدعو الناس وهم يدعون الناس، وكل واحد يتصرف دون خشية من الطرف الآخر أن يدخل معه في حرب. فهذا العرض يفسر لنا أن ما حدث في صلح الحديبية من كون القرشيين يطلبون المعاهدة والمدة كان مطلباً إسلامياً في البداية؛ لأنه ﷺ هو الذي طلب هذه المدة؛ لأنه يعلم تمام العلم أن الدعوة في الجو السلمي أكثر إنتاجاً وأعظم تأثيراً وأسرع إلى قلوب الناس منها في جو الحروب، لذلك كان يطلب ﷺ من قريش أن تضع الحرب بينها وبينه مدة من الزمان؛ ليسمح له فيها بالدعوة في كل مكان دون قتال. العرض الثاني: (وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا)، يعني: لو أرادوا أن يسلموا ويبقوا مثلنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا فعلوا ذلك، فنحن نرحب بهم في الإسلام. إذاً: كون الرسول ﷺ يقول هذه الكلمات وهو بسلاح المسافر فهذا يدل على عزة الإسلام فعلاً. العرض الثالث: (وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره)، يعني: قتال إلى النهاية حتى الموت، فنحن لا نخشى القتال، بل نطلبه ونحبه؛ لأنه في سبيل الله . والسالفة أي: الرقبة، فهذا كان وضع الرسول ﵊، كلمات في منتهى القوة، وعروض ثلاثة واضحة جداً. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، وأخذ العروض الثلاث وانطلق إلى مكة المكرمة، وعندما ذكر بديل هذه الأمور لزعماء مكة، كان المتوقع منهم أن يثوروا ويغضبوا، كيف يقول لهم ا

стр. 421

ثاني رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية لقد حاولت قريش قدر المستطاع أن يتجنبوا اللقاء والصدام مع الرسول ﷺ وإن كان بسلاح المسافر، فأرسلوا الحليس بن علقمة، والحليس بن علقمة من بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة زعيم الأحابيش المحالفين لقريش، فقريش للمرة الثانية لم ترسل قريش أحد زعماء قريش؛ لأنه قد يتهور في قرار لا يستطيع القرشيون تحمله، فأرسلوا الحليس بن علقمة، والرسول ﵊ لما رأى الحليس قال: (هذا من قوم يعظمون البدن)، يعني: من قبيلة بني الحارث بن عبد مناف وهم قوم متدينون يحترمون قواعد البيت الحرام وأعراف البيت الحرام، ويعظمون البدن، ويحترمون من جاء لأداء العمرة أو الحج في مكة المكرمة، فالرسول ﵊ عامله بما هو أهله، فأرسل في وجهه البدن؛ ليشعره أنه ما جاء إلى هنا إلا ليقوم بما يعظمه الحليس بن علقمة وقومه، فعندما أرسل البدن في وجهه واستقبله الصحابة يلبون: لبيك اللهم لبيك، لما رآهم الحليس بن علقمة قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فالرسول ﵊ استطاع أن يكسب قلب الحليس بن علقمة حتى قبل أن يتم بينه وبينه كلام، فقد كان عند الرسول ﵊ فقه في منتهى الروعة، فـ الحليس بن علقمة كافر، وبديل بن ورقاء كافر، وأبو سفيان كافر، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل قبل ذلك، وكل هؤلاء كفار، لكن كل واحد له طريقة تعامل، فهناك كافر غادر، وهناك كافر من نبلاء القوم، وهناك كافر لا يعظم أي دين، وهناك كافر يعظم الدين وإن كان ديناً باطلاً هكذا كل واحد له طريقة في التعامل، والرسول ﵊ يتعامل مع الرجل على قدر علمه وقدر بيئته وقدر ظروفه، وهذه هي الحكمة في حقيقتها. إذاً: الرسول الثاني لقريش فشل في أداء ما تتمناه قريش، بل بالعكس فقد رجع إليهم وقال لهم: اسمحوا له بالدخول إلى مكة لأداء العمرة، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، لكن قريشاً ضربت بكلامه عرض الحائط، وقالوا: هذا الكلام لا يستقيم نحن نريد أن نمنعه مهما كانت الأعراف والقوانين.

стр. 422

ثالث رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية لقد تأزم الموقف جداً عند قريش، فأرسلت الرسول الثالث وأيضاً ليس من قريش وهو عروة بن مسعود الثقفي من قبيلة ثقيف، فقريش أرسلت واحداً تعتقد اعتقاداً جازماً أن المسلمين سيحترمون رأيه ويسمعون كلامه؛ لأنه كان معظماً جداً في كل الجزيرة العربية، وهذا الرجل هو عروة بن مسعود الثقفي، وكما تعلمون عندما نزل القرآن الكريم على رسولنا الكريم ﷺ في مكة وبلغ به الناس، وقف القرشيون وقالوا قولتهم التي حكاها الله عنهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهم يريدون سحب العظمة من الرسول ﵊ وينسبونها إلى أولئك الذين كثرت أموالهم وعظمت قوتهم في الجزيرة العربية، والقريتان هما: مكة والطائف، والرجل الذي يقصدونه من مكة: هو الوليد بن المغيرة، والذي يقصدونه من الطائف: هو عروة بن مسعود الثقفي هذا. إذاً: جميع أهل مكة والجزيرة العربية يدركون أن هذا الرجل أعظم رجلين في داخل الجزيرة العربية بكاملها، لذلك أرسلوه للتفاوض مع الرسول ﷺ . وعروة بن مسعود لكونه عزيزاً وسيداً جاء بكلمات تهذيبية لرسول الله ﷺ ، وفي نفس الوقت إن هدد ولم يقبل الرسول ﷺ بكلامه لن يكون ذلك مؤثراً على قريش؛ لأنه من ثقيف، فذهب عروة إلى الرسول ﷺ وقال له: (أرأيت لو استأصلت قومك)، انتبه لكلمات عروة بن مسعود الثقفي كيف يقلب الحقائق، كيف يصور رسول الله ﷺ وكأنه يريد أن يقتل الناس وليس العكس، مع أن الرسول ﵊ جاء وأعلن أكثر من مرة: (إنا لم نأت لقتال أحد ولكن أتينا معتمرين)، فهو يريد حقاً تعطيه قريش لكل الناس، ولكنهم يخالفون ويرفضون إعطاء ذلك الحق، فهنا قلب للحقائق وتصوير المظلوم أنه الظالم وتصوير الظالم أنه المعتدى عليه، وهذا أمر متكرر كثيراً في التاريخ، من ذلك: كلام فرعون عن موسى ﵊ عندما قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. فجاء عروة بن مسعود الثقفي وقال: (أرأيت لو استأصلت قومك وقتلت كل من في مكة، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك)، انظر إلى القلب الواضح للحقائق، مع أن الرسول ﵊ لم يقل: إنه يريد أن يستأصل قومه، بل بالعكس هو طلب منهم أن يسمحوا له بالعمرة ويرجع إلى المدينة المنورة، ولم يسأل عن حقوقه داخل مكة المكرمة، ولم يسأل عن دياره، ولم يسأل عن أمواله، ولم يسأل عن كذا وكذا من حقوق الصحابة، فقد سلب هو أصحابه من أهل مكة كل هذه الحقوق، ومع ذلك تجد الكلمات معكوسة تماماً من عروة بن مسعود الثقفي هذه عاداتهم، ثم يقول عروة بن مسعود: (وإن الأخرى) يعني: إن هي غلبت قريش المسلمين، قال: (فوالله إني لأرى وجوهاً وأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك)، هذا كلام في منتهى سوء الأدب، يعني: أن هؤلاء الذين معك كلهم إذا بدأت الحرب سيفرون ويتركونك، إنما هم أوباش من الناس، فهو يسب الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين ويذكر أنهم جميعاً سيفرون عن الرسول ﵊ ويدعونه لقريش. فهذا الرجل يهدد ويتوعد وليس كالذي سبقه الحليس بن علقمة، فمثل هذا ما ينفع معه الكلام الهادئ وما ينفع معه العظة كما فعل الرسول ﵊ مع الحليس بن علقمة، هناك رد ثان مناسب له، والذي تولى الرد عليه هو أبو بكر الصديق ﵁، مع علمنا بـ الصديق في رفقه ولينه ورقته ورحمته ﵁، لكن كل ذلك في موضعه، أما إذا كان في موضع العزة والقوة فهو أقوى الصحابة ﵁ وأرضاه، وهكذا كان في كل حياته، وراجعوا ما قلناه في محاضرات الصديق ﵁ وأرضاه عن قوة الصديق وبأسه ﵁. فهنا وقف الصديق وتكلم بغلظة وشدة وعنف لم نعهده فيه قبل ذلك، قال ﵁ وأرضاه بعد أن سب عروة بن مسعود سبة قبيحة مباشرة، قال وهو مستنكر: (أنحن نفر عنه؟) يعني: هل الصحابة تفر عن رسول الله ﷺ ؟ وعروة بن مسعود لما سمع السباب الذي قاله أبو بكر الصديق ومعلوم أن عروة بن مسعود زعيم وعظيم من عظماء العرب، ومن المستحيل أن توجه له هذه السبة أو هذا القذف دون أن يحرك الجيوش والجموع، لكنه قال كلمة تعبر عن مدى أخلاقيات بعض رجال العرب حتى في جاهليتهم، قال: (لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأج

стр. 423

محاولة بعض شباب قريش منع الصلح مع المسلمين لقد هزمت قريش هزيمة نفسية قاتلة، وبدأت تفكر تفكيراً جدياً في الصلح، لكن ما هي بنود الصلح؟ ما هي ظروف الصلح التي يفكرون فيها؟ كانوا قبل ذلك يرفضون الجلوس مع النبي ﷺ على طاولة المفاوضات؛ لأنهم لا يعترفون به أصلاً، وهاهم الآن حين رأوا هذه العزة العظيمة للمسلمين يتفاوضون معهم، وبدءوا يفكرون في الصلح، لكن هناك مجموعة من شباب قريش المتحمسين المتهورين أرادوا أن يقطعوا كل طريق للصلح، فقامت هذه المجموعة وهم حوالي (٥٠) شخصاً من المشركين وعلى رأسهم عكرمة بن أبي جهل وكان وقتها مشركاً، قامت هذه المجموعة بالتسلل إلى معسكر المسلمين ليلاً ليقتلوا بعض المسلمين، وهم غرضهم أن يبدأ القتال ثم بعد ذلك ستكون الحرب الكبيرة بين المسلمين وبين قريش. فما الذي حصل مع هؤلاء؟ لقد كانت هناك مجموعة من الحرس يحمون المسلمين، وعلى رأس الحرس محمد بن مسلمة ﵁ وأرضاه، فاعتقل محمد بن مسلمة هؤلاء الخمسين المشرك، فماذا فعل الرسول ﵊ مع هؤلاء الخمسين؟ لقد أطلقهم ﷺ جميعاً مناً بلا فداء؛ لإبداء حسن النوايا ولإبداء الرغبة في الصلح، كأنه يقول لقريش: هذه رغبة حقيقية عندنا فنحن لم نجئ للقتال إنما جئنا معتمرين، ويريد ﷺ أيضاً الصلح والهدنة؛ لينتشر الإسلام في الجزيرة العربية بأسلوب سلمي، قال الله يصف هذا الموقف في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، فقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤] يعني: بعد أن أخذتم هؤلاء الخمسين أسارى.

стр. 424

إرسال النبي ﷺ لعثمان لمفاوضة قريش في الصلح لقد أرسلت قريش ثلاثة رسل حتى الآن: أرسلت في البداية بديل بن ورقاء الخزاعي من خزاعة، وأرسلت بعد ذلك الحليس بن علقمة من بني الحارث بن كنانة، وأرسلت بعد ذلك عروة بن مسعود الثقفي من ثقيف، وهؤلاء الثلاثة من خارج قريش، أرسلتهم محاولة للتوسط بينهم وبين الرسول ﷺ ، وكان الرسول ﵊ في كل مرة يبلغهم بشيء، لكي يوصلوه إلى مكة المكرمة، لكن إلى الآن لم تستمع قريش مباشرة إلى كلام الرسول ﷺ ، وقد يكون هؤلاء الرسل لم يبلغوا الأمر بصورة مرضية؛ إما لشيء في صدورهم، أو سوء فهم لقضية من القضايا؛ فلذلك أراد الرسول ﵊ أن يرسل رسولاً من المسلمين، يستطيع بواسطته أن يصل بالمعاني التي يقتنع بها المسلمون ويطالبون بها، يوصلها بوضوح إلى زعماء قريش؛ ليتجنب فتنة ليس لها أصل، فالرسول ﷺ فكر في إرسال سفير ورسول، فمن الذي أراد ﷺ أن يرسله؟ أول من أراد أن يرسله إليهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وعمر بن الخطاب كما تعلمون رجل قوي مفاوض له حكمة وقوة ورأي سديد جداً، فهو في كثير من المرات ينزل القرآن الكريم موافقاً لرأيه ﵁ وأرضاه، فيما عرف بموافقات عمر ﵁، ومما جعل النبي ﷺ يختار عمر بن الخطاب أنه كان في جاهليته سفيراً لقريش. وكانت الزعامة في قريش موزعة على عشر قبائل، كل قبيلة عليها دور من الأدوار في قيادة مكة، والدور الموكل إلى بني عدي -التي هي قبيلة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- كان دور السفارة في قريش، والذي كان يقوم بهذا الدور من قبيلة بني عدي هو عمر بن الخطاب نفسه، فالرسول ﵊ أراد أن يبعث رسولاً قديماً من رسل قريش تعترف به كسفير، فهذا في غاية الأهمية وله عمق إستراتيجي واضح، فهذه كانت وجهة نظر الرسول ﷺ في إرسال عمر بن الخطاب ﵁، لكن على غير المعتاد اعتذر عمر بن الخطاب ﵁ للرسول ﷺ ، لأنه علم أن الأمر ليس وحياً، وإنما هو رأي من الرسول ﵊ له أن يراجع فيه ويعرض رأيه، فعرض عمر بن الخطاب رأيه في منتهى الوضوح ومنتهى الصراحة وقال: (يا رسول الله! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت) يعني: أنا من قبيلة ضعيفة، قبيلة بني عدي بطن ضعيف من بطون قريش، لو حصل وقتل عمر بن الخطاب فلن يتحرك له أحد، ثم قال: (فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها). وعثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية عزيزة شريفة لها تاريخ ولها جنود ولها رجال، والجميع يعمل لها ألف حساب، ثم يقول: (وإنه -أي: عثمان بن عفان - مبلغ ما أردت) يعني: الذي تريده سيتحقق على يد عثمان ما هو علي يدي أنا، وواضح من كلام عمر بن الخطاب ومن سيرته قبل هذا الأمر وبعد هذا الأمر أنه لا يخشى الموت، ولم يقل هذا الكلام خوفاً من قريش أو من غيرها، بل كان على استعداد دائم أن يبذل روحه في سبيل الله ، لكنه يريد أن تتم المهمة، وهذه المهمة مثل عثمان بن عفان ﵁ سيؤديها؛ لأن عمر ليست له منعة في داخل مكة المكرمة وهو يريد أن تتم هذه المهمة؛ لذلك ذكر اسم عثمان بن عفان، ولماذا عثمان بن عفان من بين (١٤٠٠) صحابي؟ هذا اختيار في منتهى الحكمة فعلاً؛ لأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، فـ عثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية تقدر على حماية عثمان بن عفان، وإجارة بني أمية تمضي على كل قريش، كذلك أبو بكر الصديق نفسه لو ذهب فإنه لا يؤدي مثل ما يؤدي عثمان بن عفان؛ لأن قبيلة أبي بكر الصديق قبيلة ضعيفة، التي هي قبيلة بني تيم. إذاً: كان اختيار عمر موفقاً لـ عثمان جداً هذا أولاً. ثانياً: عثمان بن عفان مشهور بالحلم والحكمة، فعنده القدرة على أن يتفاوض ويؤدي المهمة كما ينبغي أن تؤدى. ثالثاً: عثمان بن عفان رجل محبوب جداً في داخل مكة المكرمة سواء في أيام جاهليته أو في أيام إسلامه؛ لأنه كان كريماً واسع الكرم، يعطي عطاء بلا حدود، وكل أهل مكة قبل ذلك استفادوا منه، فهو عند أهل مكة محبوب، والناس كلها لن تؤذيه قدر المستطاع، وعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه زوج ابنتي الرسول ﷺ ، كان متزوجاً في البداية من السيدة رقية، فلما ماتت تزوج أم ك

стр. 425

سلسلة السيرة النبوية_ صلح الحديبية في صلح الحديبية تجلت حكمة الرسول ﷺ ، حيث عقد الصلح مع قريش راجياً من ورائه مكاسب عظيمة للإسلام والمسلمين، فقد كانت نظرته بعيدة، وهدفه عظيماً، بخلاف بعض الصحابة الذين نظروا إلى الصلح نظرة سطحية، فجعلهم ذلك يرفضون الصلح ويستنكرونه.
следующие страницы →