Полный текст (657 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إدراك حقيقة أن النصر بيد الله وأن القلة المؤمنة تغلب الكثرة المشركة
الحكمة الثانية من نزول الرسالة في جزيرة العرب: أن هذه المنطقة ليس لها تاريخ أو واقع عسكري ملموس، لم يكن هناك ما يعرف بالجيوش العربية، بل كانوا قبائل متفرقة متشرذمة، لا يعرفون إلا حرب الإغارات والسطو على بعضهم البعض، وأعدادهم قليلة، وسلاحهم قديم، وخططهم بدائية، فلما جاء الإسلام إلى هذه البقعة من الأرض حصل انقلاب هائل بمعنى الكلمة، إذا بالرجال البدو البسطاء الذين كانوا يعيشون في هذا المكان يصبحون قادة عسكريين على أعلى المستويات، لا مثيل لهم في التاريخ كله، وإذا بالقبائل المتفرقة تكون جيشاً واحداً مترابطاً، وإذا بالبدو الرحل يحاورون ويناورون ويفاوضون، ويفتحون البلاد، ويدعون العباد إلى عبادة رب العباد، اقرءوا تاريخ الفتوح الإسلامية الإعجازية، راجعوا التاريخ من أول نزول آدم وإلى الآن لا تجد لهم نظير، ولا للفتوحات الإسلامية مثيل.
في غضون سنوات قلائل تسقط فارس الدولة الرهيبة العظيمة.
في غضون ثلاث عشرة سنة بعد وفاة الرسول ﷺ ، تسقط فارس، التي هي إيران والعراق وأوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان وكازاخستان وأفغانستان وباكستان، نصف الأرض تقريباً تسقط في ثلاث عشرة سنة على أيدي هؤلاء البدو الرحل.
كذلك في نفس الوقت على الجهة الغربية من العالم تسقط معظم ممتلكات الدولة الرومانية في آسيا وإفريقيا، معجزة عسكرية هائلة بكل المقاييس، من المستحيل أن تكون من فعل البشر! ماذا كان موقف العرب من كسرى فارس قبل الإسلام؟ كان العرب مثل أصغر دولة نامية في الأرض في هذا الوقت بالنسبة لأعظم قوة في الأرض في زمانهم دولة فارس ودولة الروم، والعربي إذا أتى إيوان كسرى يقف على بعد خمسة عشر متراً منه، وكان يعتبر ذلك فخراً أبد الدهر فـ المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه من صحابة رسول الله ﷺ ، كان في جاهليته يفخر على غيره بأنه دخل إيوان كسرى، فهذا يشبه عندما تأتي بشاب من دولة نامية ليقابل رئيس دولة عظمى.
وكان الفرس يتصدقون على العرب بالقمح من شدة المجاعات التي كانت تقع في أرض العرب؛ لذا لما ذهبت الجيوش الإسلامية لفتح فارس تعجب كسرى من العرب، كيف أتوا كي يفتحوا بلاده بينما هو يرى أنه من مضيعة الوقت أن يحاربهم؟ وقال: أنا أعرض عليكم عرضاً مغرياً جداً -في نظره-، سأعطي ثوباً لكل جندي ودرهم.
هذا العرض الذي عرضه كسرى فارس على الجيوش الإسلامية، وأما القائد الإسلامي فسيغريه جداً ويعطيه ثوبين ومائة درهم كان هذا الرقم مهولاً جداً، وهذه كانت نظرة كسرى فارس ودولة فارس كلها للعرب، وهذه النظرة كانت واقعية بالنسبة لتاريخ العرب وتاريخ فارس، وتذكروا معي مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه لما جيء به من غزوة أحد ليدفن لم يجدوا ما يغطونه به، فعلاً كان الصحابة بسطاء جداً؛ لذا فإن كسرى فارس يقول: أعطيكم ثوباً لكل جندي، وهو يرى أنه يسترهم به.
وحذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه لما ذهب ليأتي بخبر القوم في الأحزاب كان عليه ملابس زوجته؛ لأن الجو كان بارداً.
هذا كان وضع الصحابة الذين فتحوا بلاد فارس الرهيبة وبلاد الروم الهائلة.
والعرب لما كشروا عن أنيابهم في الأحزاب بالكاد جمعوا عشرة آلاف، وهذا كان رقماً مهولاً عندهم، فكيف يمكن لهؤلاء أن يفكروا في غزو بلاد فارس، مع علمهم أن جيش فارس لا يقل عن اثنين مليون جندي! فجوة هائلة في التسليح والإعداد! بالإضافة إلى أن الحرب في عقر دار الفارسيين في وسط بلاد الفرس في العراق وإيران وغيرهما من البلاد على بعد مئات الأميال من المدد.
حقاً إنها معجزة عسكرية بكل المقاييس!! أين كان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح والقعقاع بن عمرو التميمي والبراء بن مالك وأبو موسى الأشعري والزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة والمقداد بن عمرو؟ الكوادر العظام في الإسلام أين كانوا قبل الإسلام؟ أين كان هؤلاء العباقرة العسكريون قبل إسلامهم؟ خالد بن الوليد في أُحد أمام خمسين من الرماة وهو في ثلاثة آلاف لم يحرك ساكناً، لولا خطأ الرماة بترك الجبل فيما بعد وخالفوا أمر رسول الله ﷺ ونزلوا من فوق الجبل، هذا هو خالد، ما الذي جعله يدخل بلاد فارس بثمانية عشر ألف جندي مسلم ويكسر بهم مائة وعشرين ألفاً ولا يغلب في موقعة؟ كيف ينتصر المسلمون باثنين وثلاثين ألفاً في القادسية على ربع مليون فارسي؟ كيف ينتصر المسلمون بتسعة وثلاثين ألفاً على مائتي ألف رومي في اليرموك؟ كيف فتحوا بلاد الأندلس باثني عشر ألفاً وأمامهم مائة ألف إسباني صليبي في عقر دار الأسبان؟ ألغاز لا يمكن أن تفهم إلا بحقيقة واحدة لا ثاني لها: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ
стр. 37
الاستفادة من تعدد موازين القوى وعدم وجود حكم مركزي أو دكتاتوري في مكة
الحكمة الثالثة من وراء نزول الرسالة في أرض مكة وجزيرة العرب: نظام الحكم في أرض مكة.
لم يكن الحكم في مكة حكماً مركزياً، ولم يكن في مكة ثمة حاكم معين، بل مجلس يضم عشرة أشخاص يمثلون عشر قبائل، حكم ائتلافي يشبه الحكم الديمقراطي، وقد أفادت كثرة موازين القوى في مكة الدعوة، ووجدت إضافة إلى ذلك بعض القوانين الوضعية في أرض مكة استفاد منها رسول الله ﷺ ، دون أن يتنازل عن شيء من دينه ولا من عقيدته، ليعلمنا أن المسلم الذكي الواعي الفاهم يستطيع أن يستفيد من هذه القوانين طالما يحافظ على دينه.
وهذا يرد على كثير من غير الفاهمين لسنة الرسول ﷺ ، ويقولون: إننا لا نحتكم مطلقاً لقانون وضعي، لكن هذا الكلام ليس بصحيح على إطلاقه، فنحن لا نحتكم إلى قانون وضعي إذا تعارض مع شرع الله ، ونستفيد مما ليس له تعارض بالشرع.
فقانون الجوار كان في مكة، ولو كان الحكم مركزياً مثل فارس أو الروم ما تمت هذه الإجارة، والرسول ﵊ استفاد من هذا القانون، ودخل في جوار المطعم بن عدي المشرك؛ لكي يحميه من أهل مكة، ودخل أبو بكر الصديق ﵁ في جوار ابن الدغنة المشرك، ودخل عثمان بن مظعون ﵁ في جوار الوليد بن المغيرة المشرك.
هكذا استفادوا من قانون الجوار الوضعي في مكة، لكن بدون تفريط في العقيدة أو الدين.
كذلك هناك قانون قبلي أيضاً كان في مكة استفاد منه رسول الله ﷺ ، وهو حماية بني هاشم له، وبالذات في أثناء حياة أبي طالب مع كون معظمهم على الشرك، أبو طالب بالذات كان مشركاً، وبقي إلى آخر لحظة من لحظات حياته مشركاً، ومع ذلك الرسول ﵊ قبل حمايته.
كذلك قانون الأحلاف، قبل رسول الله ﷺ بفكرة الأحلاف مع المشركين، إذا كان الحلف يهدف إلى أمر نبيل ولا يتعارض مع الدين الإسلامي، يقول الرسول ﵊: (شهدت وأنا غلام -أي: قبل البعثة- حلفاً مع عمومتي المطيبين) كان حلفاً بين بني هاشم وبني تيم وزهرة على نصرة المظلوم.
يقول: (فما أحب أن لي به حمر النعم وأني نكثته، ولو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت).
وأكثر من هذا ما كان في صلح الحديبية، فقد حالف رسول الله ﷺ قبيلة خزاعة وكانت مشركة.
وكان للمسلمين دولة وكيان معروف وقوي.
ووقع ﷺ معاهدة مع قريش، وبهذه المعاهدة حالف خزاعة ووضع يده في يدها، وما تنازل عن أي قانون إسلامي أو أي عرف إسلامي، لكنه تعاون مع خزاعة ضد قريش.
إذاً: الرسول ﷺ استفاد من تعدد موازين القوى، ومن قوانين المجتمع الوضعية ما دامت لا تتعارض مع الدين والشرع والعقيدة.
وهذه الحكمة ما كانت لتظهر لو نزلت الرسالة في بلد فيه حكم ديكتاتوري مثل: فارس أو الروم أو غيرهما من الممالك الموجودة في ذلك الوقت.
стр. 38
إتقان أهل الجزيرة العربية والدعاة للغة العربية لغة القرآن
الحكمة الرابعة من نزول الرسالة في جزيرة العرب: أن النبي ﷺ كان يتحدث اللغة العربية، وهي أشرف اللغات، وبها نزل القرآن الكريم، وهي لغة أهل الجنة، والقرآن كلام الله ، ولم ينزله الله بهذه اللغة لأهل الجزيرة فقط، بل للعالم كله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] في زمان رسول الله ﷺ وبعد زمانه وإلى يوم القيامة.
وقد نزل القرآن بهذه اللغة في وقت كانت فيه لغات كثيرة موجودة في الأرض، واستحدث غيرها من اللغات على مر التاريخ، وستكون لغات أخرى إلى يوم القيامة، ومع ذلك أراد الله لهذا القرآن وهذا المنهج أن يكون باللغة العربية؛ لحكمة يعلمها .
وهو يعلم أن اللغة العربية قد تكون أقل انتشاراً من غيرها من اللغات في زمان من الأزمان، مثل زماننا هذا فإن اللغة العربية أقل انتشاراً من الإنجليزية أو الصينية أو الفرنسية، ومع علم الله بذلك الأمر إلا أنه أنزل القرآن باللغة العربية، لحكمة كاملة لا يعلمها إلا هو ، وأنا في اعتقادي أن سبب ذلك هو أن اللغة العربية أثرى لغة، فالشيء الواحد له أكثر من اسم في هذه اللغة العظيمة، فلك أن تعبر عنه بعشرات الكلمات، فمثلاً: العسل له ثمانين اسماً، والثعلب له مائتا اسم، والأسد له خمسمائة، والجمل له ألف، والسيف له ألف، والداهية لما توصف واحداً بأنه داهية في أربع أو ثلاث كلمات تفسر معنى الداهية، شيء مهول لا يتخيله عقل، هذه هي اللغة العربية.
وأيضاً الكلمة الواحدة في اللغة العربية تكون بنفس الحروف، إلا أن تغيير حركات التشكيل يعطيها أكثر من معنى، كل هذا أعطى اللغة إمكانيات هائلة، تنزل الآية بكلمات قليلة محدودة ومع ذلك تحمل من المعاني ما يصعب حصره.
كلما نظر المفسر في الآية استخرج منها معاني جديدة مختلفة عن التي استخرجها غيره، قد ينظر المفسر الواحد في الآية أكثر من مرة، وفي كل مرة يخرج بمعنى جديد، وتمر الأزمان والأزمان ثم يأتي مفسرون آخرون ليستخرجوا معاني جديدة.
وصدق علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه عندما وصف القرآن بأنه لا يخلق من كثرة الرد، أي: لا يبلى من كثرة الترديد والقراءة.
أيضاً كلمات الرسول ﷺ كانت باللغة العربية، وآتاه الله جوامع الكلم، كان يقول الحديث في كلمات قليلة جداً، فإذا به يحوي أحكاماً لا تنتهي.
فإذا كان ربنا اختار أن القرآن ينزل باللغة العربية فيلزم الناس أن يتكلموا العربية، بل ووصلوا فيها إلى أعظم درجات الإعجاز البشري، إتقان عجيب جداً للغة، يتصرفون فيها كما يريدون، وأصبحت ألسنتهم سهلة لينة طيعة بها.
وكان أمر الشعر عند العرب عجيباً، فالمعلقات الهائلة التي كانت تعلق على الكعبة من الشعر، فالشعر يقال في كل الظروف، الفرحان يقول الشعر، والحزين يقول الشعر، ويقال في السلم، وفي الحرب، حتى قبل الموت والسيف على رقبة الشخص وهو يقول الشعر؛ لأنه كان على لسانه مثل الكلام عندنا.
كذلك المعارضة بالشعر تأليف فوري، واحد يقول بيت شعر والثاني يرد عليه ببيت على نفس الوزن والقافية وفي نفس اللحظة، ولا يفكر كثيراً، هذه كانت كفاءتهم بالنسبة للغة العربية.
إذاً: من عوامل نجاح الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، إتقان أهل هذه البقاع اللغة العربية، لماذا إتقان اللغة العربية كان سبباً في نجاح الدعوة؟ أولاً: كان أدعى لإيمان الناس بكلام الله وبإدراك الإعجاز الإلهي في كل آية وفي كل سورة، يقول الله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ١٩٩].
فالعرب المتقنون للغة أدركوا منذ أول لحظة سمعوا فيها القرآن أن هذا الكلام معجز، لذا لم ينتقدوا آية واحدة من آيات القرآن الكريم، ولم يعارضوا القرآن بمثله أبداً، وما اجتمعوا لكي يعارضوا القرآن الكريم، لم يجتمع شعراؤهم وأدباؤهم وحكماؤهم ليؤلفوا آية واحدة مع تحدي القرآن لهم.
فالقرآن يتحداهم أن يأتوا بسورة أو عشر سور أو بمثل القرآن كله وهم لا يستطيعون، كرجل تقول له: اذهب وخذ هذا البيت، وهو يذهب أصلاً ولا يحاول؛ لأن هذا شيء بالنسبة له معجزة، نعم، أنا قوي وأقدر على أخذ كذا أو كذا أو كذا، لكن ذلك البيت مستحيل، هم كانوا هكذا بالضبط، يعلمون أن القرآن الكريم، وهذه الكلمات والآيات والسور من المستحيل أن تعارض.
فمعرفة العربية كانت أدعى لفهم الإعجاز العجيب في كتاب الله .
وهذا الأمر ليس مقصوراً فقط على الإعجاز اللغوي، بل حتى أي نوع من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم يحتاج إلى فهم دقيق للغة، بل حتى الإعجاز العلمي الذي نستخرجه من القرآن الكريم لابد له من فقه للغة، ومعرفة معنى الكلمات، ومعنى الآيات، والمقصود من وراء كل كلمة.
ثم أيضاً لابد أن تعلم أن الذي يقرأ ترجمة ا
стр. 39
وجود بقايا من ملة إبراهيم في الجزيرة
الحكمة الخامسة من وراء نزول الرسالة في جزيرة العرب: أن أهل هذه البقعة من الأرض كانوا يؤمنون بالله ، ويعلمون أنه الخالق، ولكنهم حكموا غيرهم في حياتهم، واتخذوهم إليه شفعاء، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
ويقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
الذي يؤمن بالله ولكن عنده اضطراب في فهمه وقصور في إدراكه أقرب من الذي يؤمن بإله آخر، أو لا يؤمن بوجود إله أصلاً، ما كان في وقت البعثة النبوية على الأرض من يفقه هذه الحقائق إلا القليل، كان هناك على ظهر الأرض من يعبد النار وبوذا، والمسيح ﵇، وبقرة أو شجرة أو فأراً أو إلخ، كما هو واقع في الهند، لكن ربنا يعلمنا أن ندعو الأقرب فالأقرب، ندعو الذي يؤمن بوجود الله قبل الذي ينكر وجوده، ندعو الذي يعظم الله قبل الذي لا يعظمه، ندعو الذي يحب الدين ولكن لا يتبعه قبل الذي لا يحبه أصلاً.
ولست ضد دعوة اليهود والنصارى وأهل الأرض أجمعين، بل بالعكس، ولكن نبدأ بالأقرب فالأقرب، يعني: لا تترك جارك في السكن أو العمل أو النادي أو غيره دون دعوة وهو مسلم، وتتجه إلى دعوة غيره من غير المسلمين، لكن لو انتهيت من الدائرة التي حولك انتقل إلى الدائرة التي تليها، ولما تنتقل إلى الدائرة التي تليها ابحث عمن يحبون الإسلام، فهؤلاء أقرب إلى الدعوة من المعادين لدين الله .
стр. 40
صفات خلقية أهلت العرب لحمل رسالة الإسلام
الحكمة السادسة من نزول الرسالة في جزيرة العرب مع كل ما سبق من أجواء أخلاقية وأمراض اجتماعية في جزيرة العرب إلا أن المجتمع كان يتصف بصفات أصلية في فطرة ساكني هذه المنطقة، تساعد على حمل الدعوة ونشر الإسلام، نعم، كان عندهم ظلم وقهر لكن، كان عندهم صفات جبلوا عليها، وهذه الصفات لا بد أن تكون في كل داعية، ولولا هذه الصفات لما استطاعوا حمل رسالة الإسلام.
من هذه الصفات على سبيل المثال: الصدق، وهي أهم صفة مميزة للداعية، فالرسول ﷺ أهم صفة كانت مميزة له الصدق، فهو الصادق الأمين ﷺ ، وأكثر من ساعد الرسول ﷺ في دعوته أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، اسمه: الصديق، فصفة الصدق صفة أساسية في الذي يحمل هم هذا الدين.
وتفكر معي ماذا لو أنزلت الرسالة في بيئة من البيئات الكذب منتشر فيها؟ انظروا إلى فعل اليهود والنصارى بدينهم، يقول الله عنهم: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨] والإسلام يحول الكذاب إلى صادق، لكن ليس بالصورة التي فطر فيها الإنسان على الصدق.
فقد كان العرب يأنفون من الكذب، فيأتي الإسلام بعد ذلك ليحسن ويجمل ويعظم قيمة الصدق عند هؤلاء الصادقين، فيربط الأمر بالجنة، والصديقية عند الله .
فهذا أبو سفيان لما كان يتحدث مع هرقل عن أمر رسول الله ﷺ ، وكان هذا بعد صلح الحديبية، وكان لا يزال مشركاً يحارب الرسول ﷺ ، ومع ذلك قال أبو سفيان: كنت أنا أقربهم نسباً إلى رسول الله ﷺ ، فقال هرقل: أدنوه مني -أي قربوه- ثم قال: قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن النبي فإن كذبني فكذبوه، وبدأ يسأله ووضع أصحاب أبي سفيان وراءه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء أن يؤثروا علي كذباً لكذبت عمداً.
هو يكرهه جداً، لكن يستحي أن يكذب؛ لأنه رذيلة.
وفي لفظ آخر يقول: فوالله لو كذبت ما ردوا علي -لأنه سيد القوم- ولكني كنت امرأً أتكرم عن الكذب.
وكان الحوار الذي دار بينه وبين هرقل حواراً عجيباً، كأنه داعية يتكلم عن الإسلام، ويدعو إليه.
يقول له هرقل: كيف نسبه فيكم؟ يقول: هو فينا ذو نسب.
فيقول له: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما يقول؟ قلت: لا، قال هرقل: فهل يغدر؟ قلت: لا.
ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة، يعني: قوله: نحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، لاحتمال أن يغدر بنا، لكن هو قال: لم يغدر قبل ذلك، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا -مثل بدر- وننال منه -مثل أحد-.
قال: بماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.
لم يكذب، وكل الذي قاله الرسول ﵊ في حياته لخصه لـ هرقل؛ لأنه يكره الكذب.
فلما تنزل الرسالة على أناس بهذا التكريم لصفة الصدق سوف يتحركون بالرسالة بأمانة ويقولونها للناس مثلما نزلت عليهم بالضبط.
إذاً: هذه كانت صفة هامة في أهل الجزيرة العربية، ولم تكن موجودة في أهل الأرض في ذلك الزمن.
الصفة الثانية العظيمة في العرب لما نزلت فيهم الرسالة: صفة الكرم، وهي صفة أصيلة في العرب، كان حاتم الطائي يضرب به المثل في الكرم، وكان يعتق العبد إذا جاءه بضيف؛ لأنه يحب الكرم.
ومن العرب من لم تكن له إلا ناقة واحدة فيأتي له ضيف فيذبحها له كرماً منه، لدرجة أن العرب سموا العنب: كرماً؛ لأنهم يصنعون منه الخمر، ولما يشرب الرجل منهم الخمر ينفق بلا حساب، فمن حبهم الكرم سموا الخمر التي تؤدي إلى الإنفاق بدون حساب: كرماً.
فجاء الإسلام ليهذب هذه الصفة النبيلة، فلا يصل الأمر إلى حد الإسراف والسفه، وأيضاً لا يصل إلى حب الخمر؛ لأنها تدفع إلى الكرم، لكن حرم الله الخمر، ونهى رسول الله ﷺ عن تسمية العنب بالكرم، وقال: (إنما الكرم المؤمن).
تخيل أن الإسلام نزل ليقنن الكرم ويدخله في
стр. 41
سلسلة السيرة النبوية_ بدء الوحي
الهدف من دراسة السيرة النبوية هو استخراج المواقف والعوامل التي بها يعود بناء الأمة على أساس متين، فقد كانت سيرته ﷺ وحياً، وكل خطوة من خطواته كانت مؤيدة بالوحي، وقبل البعثة صنع على عين الله تعالى ورعايته، فقد حفظه الله من عبادة الأصنام، ومن الأخلاق السيئة التي كانت سائدة في الجاهلية، فما علينا إلا أن نقفو كل موقف وكل خطوة من خطواته لنستلهم منها ما يكون به إعادة بناء الأمة بناء صحيحاً.
стр. 42
دراسة السيرة النبوية لاستخراج مواقف تعيد بناء الأمة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الرابع من دروس السيرة النبوية: الفترة المكية.
أعيد فأذكر بأن هدف ومنظور هذه المجموعة: هو دراسة كيف نعيد بناء أمة الإسلام على نهج رسول الله ﷺ ؟ دراسة السيرة من هذا المنطلق تعطيك أبعاداً مختلفة عن دراسة السيرة بالطريقة العادية التي ألفها الناس، تقرأ قصته من أول الميلاد إلى آخر لحظة من لحظات رسول الله ﷺ ، ليس هذا هو المقصود من هذه المجموعة، فنحن أمام مشروع ضخم هو كيف نبني أمة؟ أنت عندما تريد أن تبني مبنىً كبيراً تعمل ما يسمى بدراسة الجدوى، تدرس طبيعة المكان، ومن الذي سيشتغل معك؟ ما هي التكاليف التي ستدفعها؟ ما هي المعوقات التي تقف أمامك؟ هذا الكلام أيضاً ينطبق على أمة الإسلام، لكن تخيل الفارق بين دراسة الجدوى لبناء مبنى ضخم، وبين دراسة الجدوى لبناء أمة كاملة، لابد في دراسة السيرة لهذا الموضوع أن نبحث في كل نقطة من زوايا السيرة، لماذا فعل ذلك؟ ومتى فعل؟ وما هي الظروف الموجودة حول الرسول ﷺ التي اختار هذا الرأي لأجلها؟ وما هي الحكمة من وراء اختيار هذا الرأي، هذا الذي يجعلنا نبني الأمة كما بناها الرسول ﷺ .
يعرف الناس السيرة من أولها إلى آخرها، يعرفون متى ولد الرسول ﷺ ؟ وكيف ولد؟ وكيف عاش الفترة التي نزل فيها الوحي عليه، وكيف بدأت الدعوة في مكة إلى أن هاجر من مكة، ثم موقعة بدر وأحد وهكذا كل الغزوات لدينا تفاصيل كثيرة جداً عنها، لكن نحن لا نبحث عن هذه الأشياء، نحن نبحث عن أشياء أخرى فيما وراء الأحداث، يعني: لماذا بدأ بفلان وفلان وفلان ولم يبدأ بغيرهم؟ لماذا دعا أبا بكر أولاً؟ لماذا تحدث إلى السيدة خديجة وزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب مع وجود أناس كثير؟ لماذا بدأ أبو بكر بدعوة هذا وهذا وترك الآخرين؟ لماذا جهر الرسول ﷺ بالدعوة بعد مضي ثلاث سنين من نزول الوحي عليه؟ وماذا حصل بعد الجهر بالدعوة في مكة؟ هل حاربت الناس الدعوة لأنها ليست مقنعة أم أن الدعوة مقنعة، وإنما وقفوا أمامها لأسباب أخرى منعت الناس من دخول الدعوة؟ وهل هذه الأسباب تتكرر أم لا؟ ثم كيف وقف الرسول ﵊ أمام هذه الأسباب؟ كيف عالجها؟ كيف آمنت مكة؟ لماذا اختار الرسول ﷺ لهجرة أصحابه الحبشة، ولم يأمرهم بالذهاب إلى اليمن أو الشام أو مصر أو العراق؟ ولما فكر بعد ذلك في الذهاب إلى المدينة المنورة بعث مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه يعلم الناس، لماذا اختار مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه من بين الصحابة؟ لماذا لم يبعث أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً أو غيرهم من الناس؟ لما خرج من مكة وذهب إلى الطائف لماذا لم يذهب إلى أي بلاد أخرى؟ كل هذه الأسئلة عندما نجيب عليها، ونفكر ونتدبر في هذه الأحداث سنخرج بقواعد في غاية الأهمية، هذا هو المقصود من هذه المجموعة: كيف نبني أمة؟ كيف يمكننا أن نضع قواعد لبنيان كالذي عمله الرسول ﷺ ؟ ولا يمكن أن نقيم بنياناً قوياً إلا إذا قلدنا الرسول ﷺ في كل موقف من مواقفه، لكن لابد من مراعاة الظروف التي اختار الرسول ﷺ فيها هذا الرأي أو ذاك؛ لتكتمل لنا متابعة الرسول ﷺ .
стр. 43
قصة نزول الوحي وأهميته
سنبتدئ القصة من الآن، لكنها بداية غير تقليدية، لن نبتدئ من ميلاد رسول الله ﷺ ، ولكن من نقطة نزول الوحي، وليس هذا تقليلاً من أهمية الأربعين سنة من حياته ﷺ التي سبقت الوحي، لكن منظور هذه المجموعة هو كيف نبني أمة؟ نحن لن نحكي حكاية الرسول ﷺ من الميلاد إلى الممات، لكن سوف نستخرج نقاطاً هامة تفيد في بناء الأمة الإسلامية.
الإسلام كدين وكشرع وطريقة بدأ على الأرض منذ لحظة نزول الوحي، ولذلك سنبدأ بالحديث من هذه النقطة، فهذا لا يمنع من أننا نرجع لتحليل بعض النقاط في حياة رسول ﷺ قبل البعثة إذا كان لها علاقة في التمهيد للبعثة، لكن هذا لن يكون بالترتيب المألوف.
كانت لحظة نزول الوحي على رسول ﷺ في غار حراء لحظة عظيمة في تاريخ البشرية، بل إنها أعظم لحظة مرت في تاريخ الأرض ككل إلى يوم القيامة، كثيراً ما نسمع عن هذا الحدث المهيب، لكن القليل منا من يعطي لهذا الحدث قدره، فالله أرسل رسولاً إلى الإنسان، ما رأيك لو أنك تلقيت رسالة من زعيم دولة عظمى ووصلت إلى بيتك، يقول لك فيها: أنا أحبك، وخائف عليك، ومهتم بك، وعندي لك خير كثير.
ما موقفك لو تلقيت رسالة بهذا الوعد من هذا الملك العظيم، ولله المثل الأعلى؟! يا ترى كيف سيكون اهتمامك بالرسالة؟ إن الله بعظمته وجبروته وقدرته وقوته أرسل رسولاً إلى هذا الإنسان البسيط الضعيف الذي يعيش على ظهر كرة معلقة في الفضاء، لا تكاد ترى في الكون الفسيح، هذا حجم الأرض بالنسبة لحجم الكون، فكيف سيكون حجم الإنسان بالنسبة لحجم الأرض؟ حجم الإنسان بالنسبة لحجم الكون شيء لا يتخيل، كذلك حجم الإنسان بالنسبة للملائكة.
إن الناس لا يقدرون لهذا الحدث قدره؛ لأنها لا تعطي لله قدره.
إن الله جل وعلا لا يحتاج إلينا ولا لغيرنا، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، ومع ذلك من رحمته بنا وحبه لنا أرسل إلينا رسالة هداية وبشرى وإنذار، وهذه الرسالة نزل بها أشرف الملائكة جبريل ﵇، على أشرف الخلق محمد ﷺ ، بأشرف الكلام القرآن الكريم.
في لحظة الوحي هذه نزل الكلام الذي سيظل دستوراً في الأرض إلى يوم القيامة، هذا الحدث فيه تكريم للإنسان، كما قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ومن أعظم صور التكريم أن أنزل له الوحي، ونزلت له الهداية من رب العالمين .
أحياناً لا يقدر الإنسان قيمته كإنسان، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، وأرسل له رسولاً من السماء إلى الأرض، وأتى معه بدستور كامل يوضح له كل نقطة في حياته، لكن الإنسان لا يقدر قيمته كإنسان، فأحياناً يقضي حياته في ترف وملذات وشهوات وأوقات ضائعة وطموحات تافهة، وأحياناً يظلم غيره ويؤذيه ويعذبه، هو لا يدري أنه إنسان مكرم يظلم إنساناً مكرماً، بل إن قيمة الإنسانية تنحدر إلى درجات هي أقل بكثير من درجات الحيوانية، لكن التفكر في لحظة الوحي يغير كثيراً من مفهوم الإنسان عن نفسه، وإخوانه من البشر، والأرض التي يعيش عليها.
الوحي عبارة عن رسالة من رب العالمين إلى الإنسان، رسالة لك ولي ولكل واحد على وجه الأرض، افعل ولا تفعل.
الوحي هداية ونور ودليل ليس مجرد تكاليف وقيود أبداً.
الوحي نعمة ورحمة من ربنا ، الله المطلع على كل شيء، العالم بكل شيء، الذي يدرك الماضي والحاضر والمستقبل يقول لك: من مصلحتك في هذه النقطة أن تفعل كذا، وإياك إياك أن تفعل كذا، فاتباعك للوحي فيه سعادة الدنيا والآخرة، ومخالفتك للوحي فيه شقاء الدنيا والآخرة.
تخيل نفسك تائهاً في الصحراء ولا تدري أين الطريق، وأنت على مشارف الموت، وفجأة وجدت دليلاً ليس فقط يأخذك لمكان فيه أكل أو شرب، لا، بل لأحسن مكان في الكون ولا يريد منك أي شيء، كل هذا من أجل مصلحتك، فهذا هو الوحي في وسط التيه الكبير الذي تعيشه البشرية يأتي ليأخذ بأيدي الناس إلى السعادة في الدنيا، والسعادة في الآخرة في الجنة.
يقول في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] أي: من يعيش في التيه الذي اختاره بنفسه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] أي: أتاك الوحي فنسيته، وسمعت به ولم ترض أن تتبعه، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، تداعيات ضخمة تحدث للإنسان بحسب فقهه لقيمة الوحي، الذي يتبع الوحي لا يضل ولا يشقى في الدنيا والآ
стр. 44
مقدمات نزول الوحي
جاء في صحيح البخاري وغيره عن عائشة ﵂ وأرضاها، وعائشة وإن لم تكن معاصرة لأحداث نزول الوحي، لكنها سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، أو من الصحابة، تقول السيدة عائشة ﵂ وأرضاها: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح).
كانت هناك مقدمات للوحي قبل أن ينزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ في غار حراء، من هذه المقدمات: الرؤيا الصالحة، فقد كانت تأتي مثل فلق الصبح، يعني: كان يرى الرؤيا فتقع تماماً كما رآها ﷺ ، فكان هذا نوعاً من إنباء بالغيب، وهذا أمر غريب، فهو وإن لم يكن تصريحاً بالرسالة، لكنه شيء لافت للنظر، وتمهيد لأمر عظيم.
وهل هذه هي المقدمة الأولى التي حدثت لرسول ﷺ قبل نزول الوحي أم أن هناك مقدمات أخرى؟ الحقيقة لم يكن هذا هو التمهيد الأول، بل وجدت أشياء أخرى، فقد سبقت هذا بعض الأحداث العجيبة جداً في مكة، أحياناً كان يراها ﷺ وحده، وأحياناً أخرى يراها معه غيره، مثل: سلام الحجر عليه، يقول الرسول ﷺ كما في صحيح مسلم: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)، وهذا قبل البعثة وقبل نزول الوحي، ومؤكد أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف تفسير هذا الأمر؛ لأنه ﷺ تفاجأ بأمر الوحي، ولم يكن يعرف أنه سيكون رسول الله إلى الناس.
وأغرب من سلام الحجر حادثة شق الصدر، فقد ثبت في صحيح مسلم ومسند أحمد وصحيح ابن حبان (أن جبريل شق صدر رسول ﷺ وهو غلام، واستخرج قلبه واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأم صدر رسول الله ﷺ .
وأخبر أنس بن مالك ﵁ وأرضاه أنه رأى أثر المخيط في صدره ﷺ .
وللعلم فهناك ممن لا يؤمن بالغيبيات ولا بقدرة الله تنكر لهذه القصة، وهم في الحقيقة لا يؤمنون أن الله قادر على هذا الأمر، ويقولون: لِمَ لمْ ينزع الله منه هذا الحظ من دون حاجة إلى ذلك؟ هذه حجتهم، وإلا فهم في الحقيقة ينكرون القدرة الإلهية، وإنما يقولون هذا حياءً، وقد التقيت مع أحد العلمانيين وتكلمت معه طويلاً في هذا الأمر، وهو ينكره تماماً، فقلت له: هذا في صحيح مسلم، فقال: لعله نقله بالخطأ.
فهو ينكر أن يكون شق صدره في هذا العمق من التاريخ.
إذاً: هذا نوع من الإعداد والتربية والتهيئة لرسول الله ﷺ ، كأنه يقول له: أنت إنسان مختلف، تحدث لك أمور غريبة، وكل هذا من باب التمهيد، حتى إذا ما أتت الرسالة يكون لديه شبه تهيؤ لها، وأنها سبب تلك الأشياء الغريبة التي كانت تقع له، والآن هذا تفسير كل شيء: أنت رسول من عند رب العالمين .
وهذا نوع من الإعداد أيضاً لأهل مكة، ولأهل جزيرة العرب لما تعلم بهذه القصة تضع هذا الإنسان في وضعية تختلف عن كل الناس في جزيرة العرب، بل عن كل الناس التي خلقت قبل هذا.
الأهم من كل هذا أن هذا اختبار لإيمان المسلمين بقدرة الله ، المسألة مسألة إيمان، إذا كنت ستصدق بأن ملكاً يمكن أن ينزل من السماء إلى الأرض ثم يعود في لمح البصر، وأن الملائكة تحارب مع المسلمين، وتنزع قرى وجبالاً بأكملها، أو توزع الأرزاق على أهل الأرض في كل لحظة، إذا كنت تؤمن بكل هذه الأمور، وبكل هذه القدرات للملائكة، فلا بد أنك تؤمن بهذا الأمر البسيط بالمقارنة إلى غيره، فعملية جراحية ليست كرفع قرية كاملة أو جبل أو هذه الإمكانيات الهائلة للملائكة، مع العلم أن الملائكة لا تعمل هذه الأشياء بقدرة ذاتية فيها، أبداً؛ لكن لأن الله يريد وهو قادر على تحقيق ما يريد.
أما من في قلبه شك فيصعب عليه أن يصدق هذه القصة أو غيرها، مثل: الإسراء والمعراج، وشق القمر أو غير ذلك من الأحداث التي حدثت في زمان رسول الله ﷺ ، ومنها: معجزة القرآن الكبرى، فهو دليل لا يقاوم على إمكانية وقدرات الله .
ثم تقول السيدة عائشة ﵂: (ثم حبب إليه الخلاء)، أي: أن الله هو الذي دفعه لذلك، كان يصعد ﷺ كل سنة فترة معينة من الزمن -لعله شهر رمضان- يختلي بنفسه في غار حراء، يتفكر في خالق هذا الكون، كيف يمكن أن نعبد هذا الإله، والعرب بصفة عامة كانوا يعرفون أن الله هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي خلقهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، لكن العرب كانوا يسجدون للأصنام، ويق
стр. 45
الحكمة الإلهية من طول المدة الزمنية لإعداد النبي ﷺ قبل البعثة
كانت هذه التهيئة الطويلة مدة أربعين سنة من الإعداد والترتيب والتهيئة النفسية لحمل الأمانة الثقيلة، مع أن الله يستطيع أن يعده لذلك في لحظة واحدة، ويثبت قلبه فلا يخاف ولا يتردد، لكن الحكمة من وراء هذا الإعداد الطويل أن ربنا يعلمنا التأني في التربية، والتدرج في حمل الناس على ما نريد، وحتى لو كان سيحمل رسولاً رسالة؛ فإنه يحمله إياها بالتدريج، والتدرج سنة من سنن الله في التغيير والإصلاح، فالتربية تحتاج إلى تدرج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج أيضاً إلى تدرج.
فحياة الرسول ﷺ كلها (٦٣) سنة، منها (٤٠) سنة هي سنوات إعداد له ليكون رسولاً، وليتلقى الرسالة، ومنها ثلاثة وعشرون سنة فقط نبوة، وكل ما يريده ربنا منه جعله في (٢٣) سنة، فكل المتغيرات التي يمكن أن تحصل في حياة الناس، وكل الثوابت التي لا يفرط فيها كانت في (٢٣) سنة، لكن لابد أن تعرف أنك محتاج إلى وقت ومجهود وتربية وإعداد لمن سيحمل هم الأمة الإسلامية، ولا تستعجل، فهذا الرسول ﷺ يتربى (٤٠) سنة؛ من أجل أن يحمل هم الدعوة، فإذا كان هذا يحصل مع الرسول ﷺ ، فلا يوجد أي معنى للاستعجال في حياتنا، ولا بد أن نفهم هذا الدرس جيداً: التأني في التربية.
стр. 46
أهمية نزول جبريل بالوحي على النبي ﷺ في غار حراء
بعد (٤٠) سنة من الحياة في مكة جاء اليوم الذي ينزل فيه جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وهو في خلوته في غار حراء، فمجيء جبريل ﵇ لحظة خالدة، لحظة غير متكررة في تاريخ الأرض، هذا الموقف لم يحصل في الأرض منذ (٦٠٠) سنة، وهي الفترة بين الرسول وبين عيسى ﵇، فقد بعث الرسول على فترة من الرسل، وعندما يموت الرسول ﷺ فإن هذا الموقف لن يتكرر حدث فريد فعلاً! دخل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ وهو في الغار في هيئة رجل، ودخوله على هذه الهيئة في الجبل ليس مفزعاً في حد ذاته، نعم، الرجل غريب، والرسول ﷺ لا يعرفه، لكن ما سبب خوف الرسول ﷺ من رؤية جبريل ﵇ أول مرة؟ يقول ﷺ : (دخل علي جبريل فقال: اقرأ)، هكذا بدون مقدمات، لم يعرف بنفسه، لم يسأل الرسول ﷺ عن نفسه، وإنما خاطبه وكأنه يعرفه، يقول له: اقرأ، والرسول لا يدري أي شيء يقرأ؛ لأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، فقال له الرسول ﷺ بأدبه الجم: (ما أنا بقارئ)، أي: أنا لا أستطيع أن أقرأ، مع أن الرسول ﵊ كان يمكنه أن يقول له: من أنت؟ لكن الرسول ﷺ بهت بدخول الرجل عليه فجأة بذلك السؤال، ثم إن هذا الرجل احتضنه بشدة، يقول الرسول ﷺ : (فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد)، والرسول ﷺ ليس بالضعيف، بل قوي البنية، معنى ذلك أن هذا الرجل قوته هائلة، ثم أرسله وتركه، وقال له: (اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني)، كل هذا العنف في تبليغ الأمر، حتى يعلم أنه في حقيقة وليس في حلم، ثم قال له بعدما أطلقه في المرة الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]، ثم اختفى بعدما قال له هذه الكلمات.
فالرسول ﷺ أبلغ العرب مطلقاً وأفصحهم، وبالتأكيد أنه عرف منذ اللحظة الأولى أن هذا ليس من كلام البشر، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢]، هذه أول مرة ينزل فيها قرآن على الأرض.
أيضاً هذا الرجل الذي جاءه كان يتحدث عن الإله الذي يبحث عنه رسول الله ﷺ منذ زمن، يتحدث عن الإله الذي يخلق ويتكرم ويعلم.
كما أن الرجل لم يخبره عن أي شيء يريده منه، لم يخبره أنه سيصبح رسولاً، بل فقط قرأ عليه هذه الآيات التي لم تسمع من قبل على وجه الأرض ثم اختفى، وكان يغطه في كل مرة بشدة حتى يبلغ منه الجهد، حتى إنه قال من شدة الضمة: (يا خديجة لقد خشيت على نفسي).
كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى خوف الرسول ﷺ ، ثم ذهب يجري إلى بيته قاطعاً اعتكافه باحثاً عن الأمان، تقول السيدة عائشة ﵂ تصف هذا الموقف: (رجع بها رسول الله ﷺ -أي: بهذه الآيات الخمس- يرجف فؤاده)، لماذا يحدث هذا الرعب الشديد والهلع الكبير لرسول الله ﷺ ؟ أولاً: لإثبات بشرية رسول الله ﷺ ، فنفس هذا الموقف حصل مع سيدنا موسى ﵇، فقد خاف وجرى، فهو بشر له أحاسيس البشر.
ثانياً: إثبات عدم انتظار رسول الله ﷺ لأمر النبوة، لكنه خاف لما جاءه جبريل ﵇، ثم هي التهيئة والإعداد والتشويق للأمر العظيم الذي سيأتي، وبالفعل الرسول بعد هذا الأمر كان يخرج مراراً إلى الجبال لعله يقابل ذلك الرجل الذي جاءه في الغار، بعدما كان خائفاً أصبح مشتاقاً إلى قدوم جبريل ﵇.
стр. 47
موقف خديجة ﵂ من الوحي
رجع الرسول ﷺ إلى الزوجة الحنون العاقلة الكاملة خديجة ﵂ وأرضاها، وفؤاده يرجف حين نزل عليه جبريل بالوحي، وكانت السيدة خديجة تحب رسول الله ﷺ حباً لا يوصف، عاشت مع رسول الله ﷺ خمس عشر سنة كاملة قبل البعثة لم تر منه إلا كل خلق حميد، والرسول ﷺ لم ير منها إلا كل خير وحب، لا تذكر كتب السيرة مشاحنة واحدة بين الرسول ﷺ وبين السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، ثم عشر سنين بعد البعثة، ليس فيها لحظات غضب أو شقاق أبداً، حياة زوجية مثالية إلى أبعد درجة.
حكى الرسول ﷺ لـ خديجة ما حصل معه في الغار، وكان يظهر منه الرعب والهلع، وقال لها الكلمات التي نزلت عليه، ثم قال: (يا خديجة لقد خشيت على نفسي).
وأغرب من كل ما سبق ردة فعلها ﵂، وهي بحاجة منا إلى وقفة طويلة؛ إذ من المتوقع والطبيعي أنها تخاف كعادة النساء، أو كعادة البشر بصفة عامة، أو على الأقل تتعجب، لكن الغريب أنها كانت على العكس من ذلك، فقد نظرت إلى الموضوع بمنتهى البساطة، وكأن الرسول ﷺ يقص عليها أمراً عادياً، ليس هذا فقط بل قامت تقول له في يقين: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق)، بعد كل هذه الأشياء كيف يمكن أن يضرك الله بشيء؟! استنبطت السيدة خديجة ﵂ وأرضاها أن هذا الرجل صاحب الأخلاق الحميدة، وصاحب الآداب الرفيعة، لا يمكن أبداً أن يخزيه ربنا .
يلاحظ أن الذي لفت نظر السيدة خديجة هي معاملات رسول الله ﷺ مع البشر، لم تشر إلى تعبده واعتكافه وتفكره، بل إلى علاقاته مع الناس، فهي المحك الحقيقي لتقييم الإنسان، وتكاد تكون هذه المعاملات الطيبة هي السبب في اقتناع الناس بمصداقية رسول الله ﷺ ، وهذا درس مهم أيضاً.
إذاً: كل نقطة وحركة وموقف في السيرة ليس فقط فيه درس، بل المئات من الدروس.
هذا هو المقياس الذي ينبغي للبشر كلهم أن يقيسوا عليه حياتهم، لابد من أخذ القدوة والأسوة من حياة الرسول ﷺ ؛ لتكون حياتنا كحياته مليئة بالروعة والجمال.
(كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق)، صلى الله عليك وسلم، فهدأت نفسه ﷺ بعدما سمع كلام السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، وهذا هو دور الزوجة الصالحة، أنها في المقام الأول سكن لزوجها، ليست مصدر إزعاج أبداً، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١].
إذاً: أول مهمة وأعظم مهمة للزوجة: أنها سكن وطمأنينة وهدوء وابتسام، ورفع للروح المعنوية للزوج، وتسكين لفزعه، وتخفيف لآلامه، هذه هي الزوجة المسلمة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]، فهي نعمة من الله ، وآية من آياته .
لما سكن الرسول ﷺ واطمأن لم تشأ السيدة خديجة أن تترك نفسها وزوجها للأوهام، بل قالت له: دعنا نذهب إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، تعال نذهب إلى أهل العلم لنرى رأي الدين في هذا الأمر.
ذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ولم تذهب لأي شخص آخر في جزيرة العرب، لم تذهب لكاهن، أو لخادم للأصنام، أو لحكيم من حكماء قريش، بل اختارت رجلاً كان قد تنصر، عنده علم من دين السابقين.
هذه كلمة لكل شاب مسلم: اختيار الزوجة الصالحة نقطة محورية في حياة الفرد المسلم، لا تتسرع، فهذه نقطة مهمة في بناء الأمة، لابد أن تكون زوجتك من نوعية خديجة، انتبه لا تسع خلف المال أو الجمال أو الوضع الاجتماعي وتنس الدين، لا تقل: أنا سأعلمها الدين، تذكر رسول الله ﷺ : (اظفر بذات الدين تربت يداك).
стр. 48
بشارة ورقة للنبي ﷺ بالرسالة
ذهب الرسول ﷺ هو وزوجته خديجة إلى ورقة بن نوفل، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان ورقة بن نوفل يعلم أن نبيناً سيظهر في هذا الزمان، وكان ينتظره.
ويدل على مدى الجرم الذي كان عليه أهل الكتاب، أنهم كانوا يعرفون من كتبهم أن الرسول ﷺ حق، وليس فقط من كلام الرسول ﷺ ، ولكن لم يؤمنوا، لكن ورقة بن نوفل ﵀ كان رجلاً صالحاً ورعاً، يعلم محمداً ﷺ تاريخه وحياته وأخلاقه وصفاته، فلما سمع من رسول الله ﷺ هذه القصة العجيبة التي حدثت في غار حراء، قال مباشرة ودون تردد: هذا الناموس -يقصد: جبريل ﵇ الذي أنزله الله على موسى ﵇.
هنا يصرح ورقة بن نوفل بأمر خطير: أن هذا جبريل الذي كان ينزل على موسى ﵇، وجبريل لا ينزل إلا على الأنبياء.
إذاً: محمد ﷺ رسول الله.
أريد منك أن تتصور معي الموقف: كم من الأحاسيس والمشاعر التي كانت تتداخل في صدر رسول الله ﷺ وهو يسمع هذا الكلام؟ هل هذا حلم أم حقيقة؟ حق أم باطل؟ النبوة ليست مقاماً يصل إليه أحد بالاجتهاد في العبادة، أو بالطريقة الفلانية، النبوة اختيار من رب العالمين : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، تأمل معي موقف الرسول ﷺ وهو يسمع هذا الكلام من ورقة، أيكون الله قد اختاره من بين كل الخلق ليكون نبي آخر الزمان؟! لكن المشكلة: أن الرجل الذي جاءه في الغار لم يخبره بذلك، لم يقل له: إنه رسول، لكن على الناحية الأخرى ورقة يتكلم بيقين وثقة وتأكيد.
ثم قال له ورقة: (يا ليتني فيها جذعاً -أي: شاباً- إذ يخرجك قومك، فقال له رسول ﷺ متعجباً: أو مخرجي هم؟)، لم يكن الرسول ﷺ ، يعرف أي شيء عن الأمم السابقة وقصص الأنبياء ومعجزاتهم؛ لأن تفصيلات الأمم الماضية لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق الوحي.
يقول الله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩].
لم يكن يعرف قصص الأنبياء، وقصص التكذيب والمعاناة الشديدة التي عاشها الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه مع أقوامهم، من أجل ذلك قال الرسول ﷺ : (أو مخرجي هم؟)، لكن ورقة الحكيم العالم بقصص الأنبياء والمرسلين السابقين قال في يقين: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي).
وهذه قاعدة تخرج من فم ورقة بن نوفل ﵀ قاعدة أصيلة لكل داعية: ما حمل داعية هذا الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ إلا عودي، سنة من سنن الله : تدافع الحق والباطل، صراع بين الدين وأعداء الدين، سنة باقية إلى يوم القيامة.
ثم يقول ورقة: (وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)، وورقة بن نوفل لم يدرك ذلك اليوم مع رسول الله ﷺ ، فقد مات بسرعة، وإن كان قد صدق برسول الله ﷺ حتى قبل التصريح بالرسالة، والرسول ﷺ كما جاء في صحيح الحاكم بإسناد جيد يقول: (رأيت له جنة أو جنتين)، يعني: أنه من أهل الجنة إن شاء الله.
مات ورقة بن نوفل بعد أن سطر لرسول الله ﷺ وللمؤمنين من بعده إلى يوم القيامة قاعدة أصيلة: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي)، فهذه رسالة إلى كل الدعاة، هذا هو الطريق.
стр. 49
فترة انقطاع الوحي
أراد الرسول ﷺ أن يتيقن من النبوة؛ لذا أحب أن يأتي إليه جبريل مرة أخرى ليؤكد له أمر الرسالة، ويقول له ماذا يعمل، لكن حدث أمر غريب سبب قلقلاً كبيراً لرسول الله ﷺ ، لقد فتر الوحي وتأخر، وقد اختلف المؤرخون في الفترة التي فتر فيها الوحي، لكن أغلب الظن أنها كانت ما بين ثلاثة أيام إلى أربعين يوماً.
فمثل ذلك الانقطاع صدمة للرسول الله ﷺ ، فهو لم يتيقن بعد، ويريد أن يزيل عنه الشك، فقد كان يتوقع أنه عندما يرجع إلى الغار سيجد جبريل مرة أخرى، أو يأتي له في أي مكان آخر، لكن تأخر جبريل، وكان رسول الله ﷺ يخرج مراراً إلى الجبال لعله يلتقي جبريل ﵇، وازداد شوق رسول الله ﷺ إلى الرسالة التي يقول الله عنها: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥].
إن لم يكن الحامل لهذه الرسالة متشوقاً إليها فحملها سيكون صعباً جداً، بل لعله مستحيل، فارق كبير بين أن تبحث الدعوة عن رجل ليحملها، وبين أن يبحث الرجل عن الدعوة ليحملها! عندما كان الرسول ﷺ يبلغ به الحزن مبلغه يأتيه جبريل ﵇ فيقول له: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن رسول الله ﷺ ، ثم يختفي وهكذا إلى مجيء اليوم الذي سيبتدئ فيه الرسول ﷺ رحلة النبوة والتبليغ والتبشير والإنذار.
стр. 50
بدء الرسالة والأمر بالتبليغ
يقول النبي ﷺ : (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، ثم نوديت، فرفعت بصري إلى السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه حتى هويت على الأرض، فرجعت حتى أتيت خديجة فقلت: زملوني زملوني، دثروني دثروني) يعني: غطوني، بعد هذا الحدث مباشرة نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] أي: المتغطي بثيابه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، هذا أمر واضح بالرسالة والتبليغ والإنذار، حينها علم الرسول ﷺ أنه رسول، عندها تغيرت حالة الرسول ﷺ النفسية تماماً، وتحول من حالة الشك والحزن والاكتئاب التي كان يعيش فيها إلى حالة اليقين والعزيمة والإصرار والنشاط.
وكانت السيدة خديجة تطلب منه أحياناً أن يستريح ولو قليلاً، فيقول: (مضى وقت النوم يا خديجة)، الآن الرسول ﷺ عرف كل شيء، عرف تفسير كل الأشياء الغريبة التي مرت به في حياته، من سلام الحجر عليه، وشق الصدر، والرؤيا الصادقة، والرجل الذي جاءه في غار حراء، وبدأ الرحلة الطويلة، رحلة الدعوة إلى الله ، رحلة النبوة، رحلة البشارة والإنذار، فقام الرسول ﷺ بعد هذه الآيات ولم يقعد إلى أن مات، قام وما ترك صغيراً ولا كبيراً، ولا سيداً ولا عبداً، ولا فرداً ولا قبيلة، إلا ودعاهم إلى الإسلام (مضى عهد النوم يا خديجة).
стр. 51
منهج الرسول ﷺ في اختيار من يبدأ بدعوتهم
أراد الرسول ﷺ أن يصل بدعوته إلى كل إنسان على وجه الأرض، فبمن يبدأ؟ لكي نفهم منهج رسول الله ﷺ في اختيار الناس الذين يبدأ بهم في الدعوة، لا بد أولاً أن نسأل هذا
السؤال
هل يؤمن الإنسان بقلبه أولاً، أم بعقله؟ يعني: إذا أردت أن تقنع إنساناً بفكرة ما هل من الأفضل أن يحبك أولاً بقلبه قبل أن يسمع الفكرة؟ بمعنى آخر: الحب أولاً أم الحجة؟ كلا الاثنين مهم، القلب والعقل مطلوبان.
من الصعب جداً على الإنسان أن يقبل فكرة ما من إنسان يكرهه أو لا يحبه، غالباً ما يدخل معه في جدل عقيم وحوار طويل، ومناقشة قد لا تنتهي بخير، بينما على الناحية الأخرى هو يتقبل الكثير من الأفكار ممن يحب، مع أن هذه الأفكار قد تكون غريبة، وهذا واقع ملموس في حياتنا، لذا إذا كنت تريد من الناس أن تسمع كلامك لابد أن تجعلهم يحبونك أولاً.
إن فكرة الإسلام التي جاء بها الرسول ﷺ صحيحة ومقنعة، إذا فكر فيها أي عقل سليم، ومع ذلك فالفكرة غريبة على أهل مكة، فقد مرت (٦٠٠) سنة ليس فيها نبي، وجاء الرسول ﷺ على فترة من الرسل، لذا استغرب الناس فكرة التوحيد على بساطتها ووضوحها، واستبعدوا فكرة أن يوجد رسول من البشر، كما في الحديث: (بدأ الإسلام غريباً).
فأراد الرسول ﷺ أن يخاطب بدعوته كل أهل مكة، بل كل أهل الأرض أجمعين، فبدأ بأكثر الناس احتمالاً وقبولاً للفكرة دون تردد؛ من أجل أن يكونوا قاعدة قوية للدعوة نفسها، وحتى يساعدوه في أمر الدعوة، فأكثر الناس قبولاً لفكرته هم أكثر الناس حباً له، فكان هؤلاء هم الذين سيبدأ بهم الرسول ﷺ ، ولا يوجد شيء بالصدفة، كل شيء محسوب وعلى أساس ومنهج، وهذا المنهج لأهل الأرض أجمعين.
إذاً: الحب هو أول مرحلة من مراحل الدعوة.
стр. 52
بدء الرسول ﷺ بخديجة في الدعوة إلى الإسلام ثم بأبي بكر وزيد بن حارثة
ذهب الرسول ﷺ برسالته أولاً إلى زوجته الصالحة خديجة ﵂، فكانت أول من آمن على ظهر الأرض، وكانت الوحيدة المتابعة لكل أحداث الوحي بكل تفاصيله منذ نزل جبريل في المرة الأولى بقول الله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، بل نستطيع أن نقول: إنها آمنت قبل التصريح بالرسالة، قبل: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، قالت: (كلا، والله لا يخزيك الله أبداً).
فالسيدة خديجة أحبت رسول الله ﷺ حباً لا يوصف، فكان هذا الحب هو الطريق لتصديق العقل.
أيضاً الحب وحده لا يكفي، لابد أن يقتنع العقل، قالت: (إنك لتصل الرحم وتحمل الكل) إلى آخر الصفات، وهذه الصفات لا يمكن أن تكون في كذاب أو منافق، كذلك لا يمكن أن ربنا يخزي مثل هذا.
ثم الكلام الذي قاله الملك ليس من كلام العرب ولا من كلام البشر، مع أن الحروف عربية.
إذاً: هناك طاقة فوق إمكانيات البشر، وهذه الطاقة لابد أن تكون لله ، كل هذا دار في ذهن السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، لكن لا أعتقد أبداً أنه كان سيدور بهذه السلاسة وهذه السرعة لو كان بينها وبين الرسول ﷺ مشاكل وكراهية مستحكمة.
إذاً: الحب أولاً ثم الحجة ثانياً.
ثم ذهب الرسول ﷺ إلى أحب الرجال إلى قلبه، لو كانت السيدة خديجة هي أحب النساء إلى قلبه فإن أبا بكر الصديق هو أحب الرجال إلى رسول ﷺ ، كما صرح هو بذلك لما سئل عن أحب الرجال إليه؟ فقال: أبو بكر بدون تردد، وسيدنا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لم يخيب ظن الرسول ﷺ ، فقد نور الله قلبه، وفي ذلك يقول ﷺ : (ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة -أي: تردد ونظر- إلا أبا بكر ما إن ذكرته له حتى آمن وما تردد فيه)، لم يفعل أحد من البشر مثل هذا الفعل إلا هو والسيدة خديجة ﵂ ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.
فسرعة إيمان أبي بكر يحتاج إلى دراسة، نقول: إن الصديق ﵁ وأرضاه كان أقرب الناس إلى أخلاق رسول الله ﷺ ، فكثيراً ما يختار من الآراء ما يختاره الرسول ﷺ حتى في غياب أحدهما عن الآخر، ولم يمش على الأرض من هو خير من الصديق إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كان بين الصديق ﵁ وأرضاه وبين الرسول ﷺ توافق عجيب في أمور كثيرة من أمور الأخلاق، أشهرها: الصدق، فالرسول ﷺ هو الصادق الأمين، وأبو بكر هو الصديق ﵁ وأرضاه، كذلك المروءة وخدمة الناس والتواضع والكرم والعفة، والبعد عن أماكن الفساد، كل هذه الأشياء أدت إلى سرعة إيمان الصديق ﵁ وأرضاه.
دعا رسول الله ﷺ بعد ذلك مولاه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وكان بينهما حب كبير لدرجة أن زيد بن حارثة من بين كل صحابة رسول الله ﷺ عرف بحب رسول الله ﷺ ، كأنه ابنه، وكان معروفاً بين الناس بـ زيد بن محمد وزيد بن حارثة ﵁ وأرضاه كان يحب الرسول ﷺ حباً شديداً، بل فضله على أبيه وعمه، وكان لهذا قصة هي: أن زيد بن حارثة خُطف من أبيه من قبيلة بعيدة عن مكة وبيع في سوق الرقيق، واشتراه حكيم بن حزام ﵁ وأرضاه، ابن أخي السيدة خديجة ﵂ ثم أهداه لها، ولما تزوجت الرسول ﷺ أهدته زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وأصبح زيد مولى رسول الله ﷺ .
ومرت الأيام وعلم حارثة بن شرحبيل أن ابنه في مكة، فجاء إليها هو وعم زيد، وقالا للرسول ﷺ : (خذ ما شئت من المال نظير أن ترد زيداً إلينا، فقال لهما: وهل لكما فيما هو خير من الفداء؟ فقالا: وما هو؟ قال: أدعوه لكما فخيراه بيني وبينكما، فإن اختاركما فهو لكما بغير مال، وإن اختارني فما أنا بالذي يرغب عمن يختاره)، هذه الأخلاق كلها كانت قبل البعثة، صنع على عين الله ، صنع ليكون نبياً ﷺ ، عندها قال الرجلان: (لقد أنصفت وبالغت في الإنصاف، فجيء بـ زيد وقيل له: من هذان؟ قال: هذا أبي حارثة بن شرحبيل وهذا عمي كعب، فقال ﷺ : قد خيرتك إن شئت مضيت معهما، وإن شئت أق
стр. 53
سلسلة السيرة النبوية_ الدعوة سراً
بدأ النبي ﷺ دعوته للناس سراً ثلاث سنين ينتقي فيها من سيقوم عليهم دين الإسلام فيما بعد، وكان للصديق ﵁ قصب السبق في دعوة العديد من مشاهير الإسلام، وقد تميزت هذه الدعوة بشمولها لكل الطبقات ولم تفرق بين عرق وعرق أو لون ولون، أو جنس وجنس، مع الحرص على أن لا توأد الدعوة في مهدها.
стр. 54
وقفات مع إسلام علي بن أبي طالب ربيب بيت النبوة وإسلام بناته ﷺ
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد.
فمع الدرس الخامس من دروس السيرة النبوية المطهرة المشرفة.
سبق أن وقفنا وقفة مع إسلام خديجة والصديق وزيد بن حارثة ﵃، ولنا وقفات مع إسلام علي بن أبي طالب ﵁، فقصة إسلامه في منتهى الغرابة.
آمن هذا الطفل الصغير وعمره عشر سنوات، ووجه الغرابة أنه طفل يؤمن في هذه المرحلة الخطيرة من الدعوة، حيث بدأ الرسول ﷺ دعوته سراً في مكة، ثم يسر بهذا الأمر الخطير لطفل، وكيف لهذا الطفل أن يفهم هذه القضية الكبرى التي خفيت على بعض العقول التي كانوا يعتبرونها حكيمة في مكة؟! كان علي بن أبي طالب كابن الرسول ﷺ تماماً، بنفس منزلة زيد، وكان يعيش مع الرسول ﷺ في بيته، لوجود أزمة اقتصادية في مكة في وقت ما، وأصبح صعباً على أبي طالب أن يرعى كل أولاده، فاقترح الرسول ﷺ على العباس ﵁ وأرضاه أن كل واحد منهما يأخذ طفلاً من أطفال أبي طالب ويقوم بكفالته، وكان من سعادة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أن يعيش مع رسول الله ﷺ في داره.
تأثر علي بن أبي طالب ﵁ برسول الله ﷺ كأي طفل يتأثر بأبيه، فكيف لو كان الأب هو رسول الله ﷺ الذي كان يمثل لـ علي بن أبي طالب ﵁ كل شيء، كان علي بن أبي طالب يعتقد الصواب في كل كلمة يقولها الأب الحنون ﷺ ، كأي طفل يعتقد أن الصواب الكامل في أبيه، وأن كل مشاكل الدنيا حلها عند أبيه، وهذا ليس كالآباء، فهو أعظم أب في الدنيا.
إذاً: أول شيء: هو حب كبير في قلب علي لرسول الله ﷺ ، حب الطفل لأبيه الحنون.
ثانياً: أن الرسول ﷺ شاهد نبوغاً مبكراً وعبقرية ظاهرة في علي بن أبي طالب تطمئن الرسول ﷺ بأن يقول له سراً خطيراً كهذا، ونحن نتصور أن الرسول ﷺ يخاف أن يعرف طفل صغير كـ علي بن أبي طالب بأمر الرسالة، خصوصاً إذا كان هذا الموضوع يفترض أن يظل سراً لا يعرف، وإلى متى؟ لا نعلم، مدة سنة أو سنتين أو ثلاث إلى أن يأذن الله بجهرية الدعوة، لكن الظاهر أن علياً كان عبقرياً منذ طفولته، وأثبتت الأيام صدق ظن رسول الله ﷺ ، فقد كان علي من أكثر الصحابة قدرة على استنباط الأحكام وعلى القضاء في الأمور، وكانت لديه فراسة عميقة إلى جوار العلم والفقه.
كان في اختيار الرسول ﷺ لمن يدعوه تنوع، وهذا يوضح لنا أن مجال الدعوة أوسع بكثير جداً مما قد نتخيل، فهؤلاء الأربعة الأوائل فيهم الرجال والنساء، فيهم السادة والعبيد، فيهم الكبار والصغار لا حدود لهذه الدعوة، أنت عليك فقط أن تنظر من تقابل ومن تعرف؟ ومؤكد أنك ستجد الذي يصلح لأن تكلمه في أمر الإيمان والالتزام بدين الله .
فـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه آمن وهو في العاشرة، ليصبح بذلك أول الصبيان إيماناً، وتصبح السيدة خديجة أول النساء، وأبو بكر أول الرجال، وزيد بن حارثة أول الموالي ﵃ أجمعين، وهذا كله في اليوم الأول للدعوة.
ثم دعا الرسول ﷺ بناته إلى الإسلام السيدة زينب وكانت في العاشرة من عمرها وهي الكبيرة، والسيدة رقية كان عمرها سبع سنين، والسيدة أم كلثوم كان عمرها ست أو خمس سنوات، فكلهن دخلن في الإسلام في هذا السن المبكر جداً، أما السيدة فاطمة ﵂ وأرضاها فقد كانت صغيرة جداً وقت البعثة.
هذا كان الوضع في بيت الرسول ﷺ .
стр. 55
الحكمة من الدعوة السرية
لا شك أن الرسول ﷺ كان يريد أن يصل بدعوته لكل إنسان في مكة، بل لكل إنسان على ظهر الأرض، وربما تصور المرء أن أسهل وسيلة لهذا أن يقف وسط الكعبة من أول يوم أُمر فيه بالبلاغ ويعلن للناس أمر الإسلام، لكن هذا لم يحدث، فماذا فعله ﷺ ؟ كان ﷺ ينتقي رجلاً من رجال قريش، ثم يخبره سراً عن الإسلام، وكان يعلم أصحابه أن يفعلوا هذا، وقد ظلت الدعوة السرية فترة طويلة جداً بالقياس إلى عمر الدعوة الإسلامية، فالدعوة السرية امتدت حوالي ثلاث سنوات، والدعوة كلها (٢٣) سنة.
قد يتصور البعض أن الرسول ﷺ عندما وقف على جبل الصفا وقال للناس: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟)، يظن أن هذه المقولة كانت في بادئ الدعوة، لا.
بل كانت بعد ثلاث سنين كاملة من نزول الوحي.
وهي فترة كبيرة جداً أيضاً في حق مجتمع صغير كمكة، لكن لماذا هذا الوضع؟ ولماذا هذا التخفي؟ قد يتحمس المرء ويقول: دعوة الإسلام دعوة جميلة ومقنعة وعقلية، ولو وقف الرسول ﷺ في وسط مكة وأعلن عنها لسوف يسلم أكبر عدد من الناس في أقل وقت ممكن، لكن هذا لم يحصل ولم يفعله الرسول ﷺ ؛ لأنه يعرف أن دعوة الإسلام وإن كانت جميلة ومقنعة، إلا أنها ستتعرض إلى معارضة وحرب، ليس فقط من قريش، بل من العالم كله.
ثم لو أتى سائل يسأل: هل الرسول ﷺ كان خائفاً على نفسه من قريش؟ سأقول له: لا شك أن الرسول ﷺ يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لكن كانت هذه هي الحكمة، كل خطوة في حياته ﷺ كانت محسوبة، تستطيع أن تقول: إن السرية في الدعوة في هذه المرحلة لم تكن اختياراً نبوياً، ولكنها كانت أمراً إلهياً، فالله يريد أن يعلم الرسول ﷺ ، ويريد أن يعلمنا منهج التغيير في مثل هذه الظروف، كيف يمكن للأجيال التي ستأتي بعده أن تغير في غياب الرسول ﷺ ؟ إذا توافقت الظروف مع ظروف رسول الله ﷺ في هذه المرحلة كيف يتصرف؟ والله قادر أن يحمي الرسول ﷺ فلا يصل إليه أي أذى من قريش، ومع ذلك هو يريد أن يرسم الطريق الصحيح للمسلمين لإقامة هذا الدين، مهما اختلفت الظروف، ومهما كثرت المعوقات؛ ولهذا ربنا وضع الرسول ﷺ في كل الظروف التي من الممكن أن تمر بها أمته بعد ذلك، وعلّم الرسول ﷺ كيف يتعامل مع كل حدث؟ كيف يصل بدعوته إلى الناس في وجود أي معوق؟
стр. 56
موقف المسلمين في الاتحاد السوفيتي أنموذج للدعوة السرية
كون الدعوة سرية في السنوات الثلاث الأولى من الإسلام، لحاجة المسلمين إلى هذا الأسلوب السري في الدعوة إذا توافقت الظروف مع هذه الفترة، وعلى سبيل المثال: المسلمون في الاتحاد السوفيتي قبل أن يسقط كانوا يعيشون في مثل هذه الفترة، الإلحاد في كل مكان، كان حمل المصحف أو حتى الاحتفاظ به في البيت جريمة يعاقب عليها القانون، من اكتُشف أنه يصلي أو يصوم يُعاقب ويُعذّب وقد يُقتل، فكان لابد أن تكون هناك سرية تامة في هذه المرحلة، ولو لم يفعلوا ذلك لاختفى الإسلام من هذه البلاد، لكن كانوا يتعلمون في ديار كدار الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ وأرضاه، كانوا يحفظون القرآن في سراديب وخنادق وكهوف الجبال، والحمد لله مرت السنوات وبقي الدين وبقي المسلمون ورُفعت الغُمة، فما الذي حفظهم؟ حفظهم فقه المرحلة، نعم، ربنا هو الحافظ، وهو المعين، لكن هناك أسباب، والأسباب الصحيحة هي التي أخذ بها الرسول ﷺ في نفس الظرف الذي كان يعيشه المسلمون، لو أعلن كل واحد من المسلمين إسلامه في الاتحاد السوفيتي وفتح صدره لنيران الشيوعية، لاختفى الإسلام من بقاع كثيرة في الأرض، وسوف يموت الشهداء لكن أين الدعوة وأين الإسلام؟ ففقه المرحلة كان هاماً جداً، ووجود المثال النبوي الحكيم في إخفاء الإسلام في مثل هذا الظرف كان معلماً لهم، وكان مؤيداً لمنهجهم، كان معهم دليل شرعي قوي يؤيد هذه السرية.
اختلفت الظروف بعد ذلك في حياة الرسول ﷺ ، وبالتبعية سيختلف منهجه ﷺ في إيصال دعوته للناس وفي تربيته للمؤمنين، سيأتي زمان بعد هذا يُعلن فيه البعض إسلامهم ويكتم المعظم، مثل إسلام سيدنا عمر وسيدنا حمزة ﵄، وسيأتي زمان يعلن الجميع وتكون التربية في العلن، وذلك بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، وسيأتي زمان سيدعو رسول الله ﷺ فيه زعماء العالم إلى الإسلام، وهذا بعد صلح الحديبية، كل هذا سيحدث؛ حتى لا يأتي أحد من المسلمين ويستشهد بفعل من أفعال الرسول ﷺ والظروف مختلفة، وإلا فلماذا هذا التنوع في حياة الرسول ﷺ ؟ ليعلمنا الحكمة الحقيقية في الاقتداء بالرسول ﷺ في أفعاله وأقواله عند تشابه الظروف.
стр. 57
ضرورة الحفاظ على الدعوة بالسرية
نخرج من موقف الرسول ﷺ عند بدء الدعوة بقاعدة مهمة: وهي أن الدعاة مطالبون بالحفاظ على أنفسهم وعلى حياتهم لا لخوفهم من الموت، فالموت في سبيل الله في حد ذاته غاية، ولكن حفاظاً على الدين وعلى الإسلام، وعلى استمرار المسيرة، أي: أن العملية ليست عملية ملل من الدعوة أو الحياة أو الأعداء، لا، فهنا نظام وحكمة ومنهج ثابت.
ومن هذا أخذ العلماء حكماً فقهياً مشهوراً وهو: أنه يجوز للجيش المسلم أن يفر من مثليه، وقد بوب له الفقهاء باسم: باب جواز الفرار من المثلين، كما يقول الله : ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] الفقهاء قالوا: لو أن العدد أكبر من الضعف، أي: مائة مقاتل يقابلهم ثلاثمائة أو أربعمائة مقاتل يجوز لهم القتال ويجوز لهم الفرار حسب ما يرى القائد، بل إن الإمام مالك ﵀ قال: يجوز الفرار من المثل، وليس من المثلين، وقال: إذا كان العدو أعتد جواداً وأجود سلاحاً وأشد قوة، وغلب على ظن قائد المسلمين الهلكة، وأخذ في الحسبان العوامل الأخرى غير العدد بل ذهب العز بن عبد السلام إلى أبعد من ذلك، فقال: إذا لم تحصل النكاية في العدو.
أي: لو أنك تحارب عدوك وأنت متأكد أنك لا تستطيع أن تؤذي عدوك فلا تقاتله، قال: إذا لم تحصل النكاية في العدو وجب الانهزام؛ لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكافرين، أي: أن النفس ستذهب والمسلمون سوف يموتون، والكفار لن يحصل فيهم أي أثر، بل سيزيد الكفر؛ لأن المسلمين قلوا.
ويقول العز بن عبد السلام: وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة.
أي: أنه يأثم المسلم بإظهار نفسه إذا كان الاختفاء والانسحاب هو الألزم للمرحلة، وهذا إدراك لسلوك المسلم وسلوك الرسول ﷺ في مثل هذه المواقف.
стр. 58
الفرق بين المحافظة على الدعوة والمحافظة على النفس
هناك نقطتان مهمتان لتكتمل الصورة: النقطة الأولى: أن الفارق بين الحكمة في الحفاظ على النفس وبين الجبن خطوة، فمن الممكن أن يقول شخص: أنا أحافظ على نفسي؛ لأن المرحلة تريد هذا، فلا يقول كلمة حق ولا يجاهد، ولا يدعو إلى الله، ولا أي شيء أبداً في سبيل الله، بينما الدافع الحقيقي وراء هذا الركون أو القعود هو الجبن والخوف من مواجهة الباطل.
إذاً: كيف نفرق بين الحكيم الذي يتبع الرسول ﷺ ، وبين الجبان الذي لا يريد أن يحمل هم الدعوة؟ أولاً: يرجع في ذلك إلى الدليل الشرعي من سيرة الرسول ﷺ ، وذلك أن يكون موقفه هذا يشبه موقف الرسول ﷺ عندما أخذ بالسرية.
ثانياً: الورع والإيمان والتقوى الذي في قلب الإنسان، والله هو المطّلع على القلوب ويراك، وأنت أولاً وآخراً تتعامل مع الله .
ثالثاً: الرأي المشار إليه من قبل القائد والجماعة والشورى في هذه المرحلة، والشورى في غاية الأهمية وهكذا يمكن أن يخرج عامل الهوى، ونستطيع أن نفرق بين الحكيم وبين الجبان.
النقطة الثانية: أن الذي يُراعى هو مصلحة المسلمين والإسلام عموماً، وليس مصلحة الفرد، أي: أنه قد يهلك الفرد وتكون الهلكة محققة، لكن هذا في مصلحة المجموعة، هنا لا يُلتفت إلى الحفاظ على الفرد؛ لأننا نحافظ على الدين بصفة عامة، وعلى الأمة أو المصلحة العامة، أي: أنه سيأتي بعد ثلاث سنين من هذا الأمر أن الرسول ﷺ يجهر بدعوته، وستكون هناك خطورة حقيقية عليه، لكن المصلحة الأعم للدعوة أنه يُعلن، وسيأتي بعد فترة يبعث مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة، وسيكون هناك خطورة حقيقية على مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه، ففي المدينة المشركين واليهود وغيرهم، لكن المصلحة المتحققة أعلى، فيُضحى بمصلحة مصعب بن عمير على حساب تحقيق مصلحة أكبر للدعوة، من الذي يحكم في النهاية؟ الشورى والقائد، ومن المؤكد أن الهوى سيدخل إذا لم تدخل الشورى أو القائد في الموضوع.
وقد يكون من الهوى أن يموت؛ لأنه لم يتحمل الظلم الواقع على المسلمين، ولا يستحمل أن الكفر له الغلبة، فيحاول أن يتخلص من الأمر بالتسرع في إعلان نفسه، أو التسرع بالقتال في سبيل الله، أو في إظهار أمر الدعوة في مكان لا يستقيم أن يُظهر فيه أمر الدعوة في هذه المرحلة، كل هذا قد يكون هوى في قلب الإنسان، والله يريد منك تصرفاً آخر، ولهذا نؤكد دائماً على الشورى والرجوع إلى قائد المسلمين.
стр. 59
فقه اختيار المدعوين في المرحلة السرية
كان الرسول ﷺ والمسلمون في السنوات الثلاث الأولى لا يتحدثون بالإسلام إلا سراً لرجال معينين يختارون لهذا، لكن كيف كان يتم هذا الاختيار؟ ما السبب في أن الرسول ﷺ أو أبا بكر يذهب لدعوة عثمان بن عفان ولم يذهب إلى الوليد بن المغيرة أو لـ أبي جهل أو أمية بن خلف؟ من الواضح أن هناك قواعد دقيقة لهذا؛ لأننا لم نسمع أن اختيارهم كان خطأ، بل كل الذين اختاروهم وأسروا إليهم بالإسلام قبلوه.
وهذا شيء مهم: أنك تعرف من الذي لو عرضت عليه أمر الدين قَبِلَه في الغالب، بهذا ستوفر مجهوداً كبيراً، وفي نفس الوقت ستنجح، وتبني لك قاعدة قوية.
بالنظر إلى السابقين إلى الإسلام نستطيع أن نخرج بقواعد مهمة، وسبق أن ذكرنا قاعدة في دعوة المدعوين، وهي الحب أولاً، لكن هناك قاعدتان في غاية الأهمية أيضاً كان النبي ﷺ يستعملهما في اختيار الناس: القاعدة الأولى: الحكمة النبوية العظيمة، (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا).
الاختيار كان يقع غالباً على أصحاب الأخلاق الحسنة والأخلاق الحميدة، الذين يعظّمون الصدق والأمانة والكرم والشجاعة والعدل ومكارم الأخلاق، هناك كثير من الناس غير ملتزم بالإسلام، لكنه يحب الأخلاق الطيبة، هؤلاء لو التزموا بالدين سيكونون خير سند للدعوة، وبهؤلاء بدأ رسول الله ﷺ .
القاعدة الثانية: التركيز على الشباب، نعم الدعوة موجهة لكل الأعمار، لكن التركيز على الشباب في الفترة الأولى كان واضحاً، لأسباب: أولاً: أن الشباب لم يَطُل عليهم الأمد في الاستمرار على تقاليد معينة، ولم يعتادوا على عبادة الأصنام لسنوات طويلة، ولم يتمسكوا بالدفاع عنها، فأنت عندما تذهب للكلام مع غير الشباب، وتقول له: أنت لك (٤٠) سنة أو (٥٠) سنة تدافع عن قضية باطلة، كيف يمكن له أن يؤمن بكلامك؟ صعب، لكن الشباب أيسر بكثير، لم تتلوث عقولهم بأفكار خاطئة، ومن ثم يستطيعون تقبل الفكرة الإسلامية بسهولة.
ثانياً: أن الشباب بصفة عامة مولعون بالجديد، لذلك تجد أكثر المقلدين للموضات هم الشباب مهما كانت، حتى لو كانت لا تتوافق مع هواهم، لكن المهم أنها شيء جديد.
ثالثاً: أن الله أعطى الشباب حماسة عالية، وحمية ونشاطاً، لا يعترفون بالصعب، بل تستطيع أن تقول: لا يعترفون بالمستحيل، وحمل الإسلام صعب وشاق يحتاج إلى عزيمة الشباب، وليس معنى هذا أن الشيوخ ليس لهم مكان في حمل دعوة الإسلام، لكن فرصة إيمان الشباب وفرصة حركة الشباب للدعوة بعد الإيمان، وفرصة ثبات الشباب على الحق وتحديه للصعاب والمشاكل أكبر من فرصة الشيوخ، ومن المؤكد أيضاً أن الدعوة تحتاج إلى الشيوخ وحكمتهم بجانب حماسة الشباب.
كل هذا الكلام جعل التركيز الأول على الشباب ذي الأخلاق الطيبة والحسنة، فهؤلاء هم الذين يمكنهم أن يتحملوا الدعوة، سواء في زمان الرسول ﷺ ، أو في الأزمان اللاحقة، أو في زماننا هذا وإلى يوم القيامة.
هذه سنة من سنن الله في التغيير.
стр. 60
ثمار الصديق الدعوية في الدعوة السرية إلى الإسلام
في اليوم الثاني من أيام الدعوة بدأ الرسول ﷺ والمؤمنون الأوائل يتحركون لانتقاء عناصر جديدة.
ولنا وقفة مهمة مع حركة الصديق ﵁ وأرضاه، فقد كان الصديق إيجابياً بدرجة لا يمكن وصفها، كان يتحرك بالدعوة وكأنها أُنزلت عليه، لم تكن الدعوة عنده مجرد تكاليف من رسول الله ﷺ ، كان يحب الإسلام ويريد من الناس جميعاً أن يعرفوه، وفي نفس الوقت كان يحب كل الناس، وهذا الحب للدين وللناس نتج عنه حماسة دعوية على أعلى مستوى، ففي أول تحرك له أتى بمجموعة وليس فرداً، أتى بالأسماء الذين سأذكرهم، وأريدك أن تقف عند كل اسم وتتأمل صاحب هذا الاسم وتاريخ وقصة حياته، لتعرف ميزان الصديق عند الله .
الاسم الأول: عثمان بن عفان.
قف وفكر في سيرة عثمان ﵁ وأرضاه، وفي تجهيز جيش العسرة جيش تبوك، وشراء بئر رومة، وتوسعة المسجد النبوي، وخلافة المسلمين (١٢) سنة، حياة طويلة من الإنفاق والجهاد والدعوة والعلم والصيام والقيام وقراءة القرآن.
فـ عثمان بن عفان حسنة من حسنات الصديق ﵁ وأرضاه.
الاسم الثاني: الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه.
الاسم الثالث: سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه.
ولن أفصل في سيرة هؤلاء؛ فكل واحد منهم يعتبر علماً ومنارة من منارات الإسلام.
الاسم الرابع: طلحة بن عبيد الله ﵁ وأرضاه.
الاسم الخامس: عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه.
فهؤلاء الخمسة جميعهم من العشرة المبشرين بالجنة، وهؤلاء لم يغيروا طعاماً أو شراباً، أو سكناً، وإنما غيروا ديانة وعقيدة، فمكة لها مئات السنين وهي تعيش في الشرك، فما ذلك الإقناع الذي كان عند الصديق حتى أقنع هؤلاء الخمسة العمالقة بأمر الإسلام؟ ما مقدار الصدق الذي في قلب الصديق ﵁ وأرضاه حتى يهدي الله على يده هؤلاء الخمسة العظام.
الغريب أن هؤلاء الخمسة لم يكونوا من قبيلة بني تيم، قبيلة الصديق ﵁ باستثناء طلحة بن عبيد الله فـ عثمان أموي، والزبير أسدي، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، لكن من المؤكد أن علاقات الصديق كانت بهم قوية جداً ووثيقة قبل الإسلام، ليس من المعقول أن يتعرف عليهم بالصدفة وفي وقت إسلامهم، وإنما من المؤكد أنهم كانوا يحبونه حباً عظيماً، وبعد هذا يأتي الإقناع وتأتي الحجة.
ثم لو نظرنا إلى أعمار هؤلاء فـ الزبير بن العوام ﵁ كان عمره (١٥) سنة، وعندما تسمع اسم الزبير بن العوام تعتقد أن عمره (٤٠) أو (٥٠) سنة.
وكان عمر طلحة بن عبيد الله (١٦) سنة.
وسعد بن أبي وقاص خال رسول الله ﷺ له تاريخ طويل وجهاد وفتوح وكان عمره حين أسلم (١٧) سنة.
أما عثمان بن عفان فقد كان كبيراً بالنسبة لهم، كان عمره حين أسلم (٢٨) سنة.
كذلك عبد الرحمن بن عوف كان عمره حين أسلم (٣٠) سنة.
كل هؤلاء أخذوا قرار تغيير الدين والارتباط بالإسلام وتحمل المشاق الضخمة في هذه السن المبكرة! فـ الزبير وطلحة وسعد لو كانوا في زماننا فلا يزالون في المرحلة الثانوية، فهل أولادنا في المرحلة الثانوية عندهم من الوعي والإدراك وتحمل المسئولية والقدرة على الفهم والتفكير مثل هؤلاء؟ هل عندهم من القدرات التي كانت عند شباب الصحابة؟ والله إننا لنحزن عندما نرى أن بعض الشباب في هذه المرحلة العمرية الثمينة جداً فرغت عقولهم تماماً من كل ما هو ثمين أو قيم، ولو بحثت في عقولهم لم تجد إلا بعض الأغنيات والمسلسلات والمباريات، وقصات الشعر والفيديو ورسائل الموبايل مع أن كثيراً منهم نشئوا في بيوت مسلمة، ومن آباء وأمهات مسلمين، وربما نشئوا في بيئة إسلامية صالحة، لم يكونوا في بيوت كافرة كبيت الزبير بن العوام أو طلحة بن عبيد الله أو سعد بن أبي وقاص.
إذاً: أين المشكلة؟! نعم.
هناك دور كبير جداً راجع لفساد الإعلام والتعليم، لكن نحن أيضاً علينا جزء كبير، لعلنا لم نعط الشباب الوقت الكافي من حياتنا، أو أننا نستصغر عقولهم وأفكارهم، فينتهي من الثانوية والجامعة والجيش ويتزوج، وهو لا يزال أيضاً صغيراً، والبلوغ العقلي عندنا (٤٠) سنة! وعند ذلك لا يعتمد على نفسه، ولا يعتمد عليه مجتمعه.
هذا الشيء في الحقيقة يحتاج منا إلى وقفة كبيرة جداً، الشباب إمكانيات هائلة، لو وقفت مع الشباب وأعطيتهم وقتاً وتربية وجهداً ستأخذ منهم كما أخذ الرسول ﷺ من
стр. 61
سبب نجاح الصديق في الدعوة إلى الله تعالى
هذا النشاط يحتاج إلى وقفة وتحليل ودراسة، ما معنى أن تكون دعوة الصديق بهذه الروعة؟ لماذا استُجيب للصديق بهذه الصورة؟ أعتقد أن المسألة ليست مجرد حركة، فهناك كثرة من المسلمين ومن الدعاة تتحرك في سبيل الله، لكنها تنفر الناس من دين الله ، فهم يتحركون وعندهم صدق في الحركة، لكن الأسلوب أو الهيئة أو الطريقة لا تناسب الوضع والشكل الذي كان عليه الصديق ﵁ وأرضاه، لدرجة أن الرسول ﷺ كان يقول لبعض المسلمين: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين) أي: بعض الدعاة ينفرون الناس من الإسلام عكس المطلوب تماماً، فما الذي جعل الناس تستمع لكلام الصديق ﵁؟ أولاً: كان الصديق -كما يقول طلحة بن عبيد الله - رجلاً سهلاً محبباً موطأ الأكناف، أي: ليّن الجانب، وببساطة ليس بالفظ ولا بالغليظ.
هذه أول سمة: أن تكون لين الجانب مع الذي تدعوه، واترك العنف.
ثانياً: كان تاجراً ذا خلق واستقامة، وهذا شيء في منتهى الأهمية.
المال فتنة، وكثير من التجار يخسرون الناس بسبب التجارة، لكن الصديق كان عكس هذا تماماً، كان يكسب الناس بسبب التجارة كان تاجراً صدوقاً، بل تاجراً صديقاً، كريماً رحيماً، فيه رأفة وأدب وخلق حسن، فكيف يمكن أن يكون حب الناس لإنسان يتصّف بهذا، يعطي الناس ولا يأخذ منهم؟ ثالثاً: يقول طلحة: وكنا نألفه ونحب مجالسه؛ لعلمه بأخبار قريش وحفظه لأنسابها.
أي: أن الصديق كان عالماً بعلم زمانه وهو علم الأنساب، والطبقة المثقفة في مكة كانت تحب أن تجلس معه وتسمع منه الأنساب، أي: أن الصديق ما كان يكتفي بالبسمة فقط أو المال، وإنما كان يعطي علماً أيضاً، وكان من أدبه ﵁ أنه كان لا يطعن في أنساب أحد، مع علمه بكل نقيصة في كل نسب، فهذا من حسن خلقه ﵁ وأرضاه، كيف لا يستجيب الناس لدعوته وهو بهذه الصفات؟ إذاً: هذه الدعوة لم تأت من فراغ، ولم تكن مصادفة أن يستجيب هذا العدد العظيم من عمالقة الإسلام للصديق ﵁.
إذا أردت أن تكون داعية فادرس سيرة الصديق ﵁ وأرضاه، وهو من خير الدعاة بعد رسول الله.
وهنا نقف وقفة مع أنفسنا ونسأل: أتى الصديق بهؤلاء ونحن بمن أتينا؟ أجب على هذا السؤال بينك وبين نفسك، وليس بالضرورة أن تأتي بغير المسلمين إلى الإسلام، أو برجال أمثال عثمان والزبير لكن أين الحركة للدين؟ هل وصلت دعوتنا إلى المسلمين غير الملتزمين بالإسلام بنفس حمية وحماسة الصديق ﵁ وأرضاه؟ هل أتينا إلى المسجد بمسلم لا يعرف طريق المساجد؟ هل دفعنا بمسلم إلى قراءة القرآن بعد أن هجره السنوات الطوال؟ هل شرحنا لمسلم حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقد نسيهم أو تناساهم؟ هل هذّبنا من أخلاق أبنائنا وأصحابنا وشركائنا وزبائننا وجيراننا؟ هل وصلنا بالدعوة إلى كل من نعرف؟ هل؟ هل؟ أسئلة كثيرة جداً لمجالات من العمل لا تحصى ولا تعد، أبواب الدعوة لا حصر لها، المهم أن يتولد في القلب شعور بأنك أنت وحدك الذي تحمل هم الإسلام كله على كتفك، تشعر أنك أنت المسئول، وأن القضية قضيتك، وأن المهمة مهمتك.
هذا هو الدرس الذي نأخذه من الصديق، ولو استمعنا للقصة لمجرد التمتع بها لن نفهم الغرض من هذه المجموعة من الدروس: كيف نبني أمة؟
стр. 62
عالمية دعوة الإسلام وقاعدة المفاضلة بين الناس في الدين الإسلامي
تزايد عدد المسلمين، والقاعدة الأصيلة التي تحكم هي: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا) لم تكن تحكم المسلمين أي قاعدة من القواعد التي اخترعها الناس للتفرقة، القواعد التي اخترعها الناس ظالمة، والله عادل لا يظلم، وعدله مطلق لا ظلم فيه، لا تكون المفاضلة بين الناس إلا بأمور يستطيعون تغييرها، لكن لا ينفع التفاضل بأشياء ليس لهم يد فيها.
فمثلاً: المفاضلة في قانون الله تعالى تكون بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وهي شيء مكتسب، فلكي تتحول من غير تقي إلى تقي فالطريق واضح في الدين، كذلك الأخلاق الحسنة هي شيء مكتسب، نعم لها جذور فطرية، والإنسان يكون مجبولاً على الكرم والصدق، لكن في النهاية الأخلاق الحميدة شيء مكتسب، تستطيع إذا أردت أن تتحول من كاذب إلى صادق، أو من خائن إلى وفي، أو من جبان إلى شجاع وهكذا، وعندها يمكن التفضيل بين واحد وآخر على أساس التقوى وعلى أساس الأخلاق.
أيضاً كذلك تستطيع أن تسبق غيرك بالكفاءة.
إذاً: هذه أمور تستخدم للمفاضلة بين الناس: التقوى، الأخلاق، الكفاءة، وجميعها أمور مكتسبة، لكن لا يجوز التفرقة والمفاضلة بين الناس على أشياء لا دخل لهم فيها، ولهذا الرسول ﷺ كان يستخدم القواعد الإلهية ولا يستخدم القواعد الظالمة التي اخترعها الناس، فلم يكن هناك فرق بين الأحرار وبين العبيد، فالكل أولاد آدم ﵇، والكل سواسية، بل قد يسبق العبد الحر في مجال الأخلاق والتقوى والكفاءة؛ ولهذا الرسول ﷺ وجه دعوته للعبيد كما وجهها للسادة سواء، وهذا كان مستغرباً في البيئة المكية القديمة، وإلى الآن هو أمر مُستغرب، أنا أريد منك أن تتخيل أن الوزير جالس بجوار العسكري في نفس الدعوة، بل قد يُقدّم عليه إذا كان أكفأ وأقدر على إدارة الأمور، فلم يعط قانوناً ولا دستوراً للإنسان حقه مثل ما فعل الإسلام، فنحن نرى في الأوائل الذين أسلموا تباينات عجيبة، كما رأينا من الأشراف من الصديق ﵁ وأرضاه وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد كل هؤلاء من أشراف مكة، كما رأينا هؤلاء رأينا أيضاً العبيد والموالي، رأينا بلالاً وعامر بن فهيرة وزيد بن حارثة وغيرهم، وليس هذا إلا في دين الإسلام.
أيضاً لم يكن هناك فرق بين الغني والفقير، المال لا يصلح للمفاضلة بين الناس، فالله يرزق من يشاء بغير حساب، الأوائل الذين أسلموا كان فيهم الأغنياء واسعو الثراء كـ الصديق وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وكان فيهم أيضاً شديدو الفقر كـ عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسمية بنت خياط وخباب بن الأرت وغيرهم، لم يكن هناك أي فرق بين الغني والفقير.
لكن هنا معلومة هامة، وهي على عكس ما يتخيل كثير من الذين يدرسون السيرة، فهم يعتقدون أن غالبية المسلمين كانوا من الفقراء البسطاء، لكن عندما نأتي نحلل شخصية كل مسلم من المسلمين الأربعين الأوائل سنجد أن الفقراء كانوا (١٣) والأغنياء كانوا (٢٧)، أي أن (٧٠%) من المسلمين الأوائل كانوا من الأغنياء، ولم تكن هناك ثورة من الفقراء على الأغنياء، كما يحب بعض الاشتراكيين أن يصوروا من ذلك؛ ليأخذوا سنداً شرعياً لاشتراكيتهم، فالوضع كان خلاف هذا تماماً، الأغنياء سعوا إلى هذا الدين القويم الرائع، وضحوا بثرواتهم، وعرّضوا أنفسهم للفقر الشديد، وليس أبلغ من الأمثلة الإسلامية الرائعة كـ الصديق، فقد كان يملك أربعين ألف درهم عندما أسلم، وعندما هاجر كان يملك خمسة آلاف درهم صرفها على الهجرة، أي: أنه أصبح فقيراً بعدما أسلم، ومصعب بن عمير ﵁ وأرضاه كان من أغنى أغنياء مكة، ومن أنعم شبانها، ثم أصبح من أشدها فقراً وحاجة، ولم تكن هناك ثورة من الفقراء على الأغنياء، أو عملية تقسيم للثروات على شعب مكة أبداً، لم يكن هناك أي فرق بين الغني والفقير، المهم التقوى.
لم يكن هناك أيضاً فرق بين العرب وغير العرب، أين الذنب في ولادتي، سواء ولدت في مصر أو باكستان أو إندونيسيا أو نيجيريا أو أمريكا أو أي مكان من الأرض؟ المهم التقوى والأخلاق والكفاءة.
دعوة الإسلام ليست دعوة قومية، حتى في هذه البيئة التي تفتخر بعربيتها، فقد ضمت هذه الدعوة بلالاً من الحبشة، وصهيباً الرومي، وبعد سنين ستضم سلمان الفارسي، وستدخل بعد ذلك كل العرقيات من فرس ورومان وسلاجقة وأتراك وأكراد وغيرهم كثير، سيدخل كل هؤلاء إلى دين الإسلام، وكل منهم سيخدم الإسلام في مكانه، لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.
كذلك لم يكن هناك فر
стр. 63
حرص النبي ﷺ على الدعوة وأفرادها
استمرت الدعوة السرية لمعظم الأفراد حتى بعد الإعلان النبوي الذي سوف يحصل بعد ثلاث سنين، فقد كان الرسول ﷺ حريصاً كل الحرص على الحفاظ على كل واحد من أفراد جماعته المؤمنة، سواء كان عبداً أو حراً، قرشياً أو غير قرشي، من قدماء الصحابة أو حديثي الإسلام كل الناس كانت قيمتهم عالية عند رسول الله ﷺ .
стр. 64
قصة إسلام عمرو بن عبسة
هناك بعض الراويات التي توضح لنا كيف كان الرسول ﷺ حريصاً على أن يأخذ بكل عوامل الحرص والحذر؛ ليحمي الجماعة المؤمنة الجديدة التي في مكة.
مثال ذلك: إسلام عمرو بن عبسة ﵁ وأرضاه بعد أكثر من ثلاث سنين من الدعوة، وكان من قبيلة سُليم، وكان مع الرسول ﷺ أكثر من (٦٠) صحابياً، لكن انظر إلى الحوار الذي سوف يدور بين عمرو بن عبسة ﵁ وبين الرسول ﷺ .
يقول عمرو بن عبسة كما جاء صحيح مسلم: (فتلطّفت حتى دخلت عليه مكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: معي حر وعبد، يقول عمرو بن عبسة: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فالرسول ﷺ لا يريد أن يكشف أوراقه كلها أمام عمرو بن عبسة ﵁، ولا يريد أن يقول له على جميع المسلمين قبل أن يستوثق منه، بالذات أن عمراً ليس من مكة، فهو بالنسبة للرسول ﷺ مجهول، فلا يستطيع أن يخبره في هذا الوقت، ومع الأخذ بالاعتبار أن الرسول ﷺ لو كان قال له: إن عددنا (٦٠)، كان أكثر إقناعاً له؛ لأنه سيرى أن عدد الذين آمنوا بهذه الدعوة كبير، لكن الرسول ﷺ آثر الحرص والحذر على الدعوة في ذلك الوقت، وهذا شيء كان في ذهن الرسول ﷺ في كل خطواته في أثناء المرحلة السرية، وأيضاً بعد المرحلة السرية.
آمن عمرو بن عبسة ﵁ وأرضاه، ولما آمن أراد أن ينضم إلى رسول الله ﷺ في مكة، فقال له ﷺ : (إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا) لأن الموقف صعب، ولا يوجد أحد يحميه في داخل مكة، وسوف يُضطهد فيها أشد الاضطهاد، فهنا يضحي ﷺ بالنصرة التي ستأتي من وراء عمرو بن عبسة ببقائه في مكة، ويضحي أيضاً بالعلم الذي قد يحصّله عمرو ببقائه في مكة، في نظير أن يؤمِّن حياته ويحفظه لمرحلة قادمة قد تكون الدعوة أحوج إليه، وأعاده مرة أخرى إلى قبيلة سُليم، وقال له: ادع إلى الله هناك، وأتى عمرو بن عبسة بنصف قبيلة سُليم بعد ذلك.
إذاً: عمرو بن عبسة أخذ بقواعد الأمان، وبدأ يدعو في قبيلته حيث الحماية المتوافرة له في ذلك المكان، لم يضح أبداً بحياته في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل الدعوة، كل هذه التدابير لا تنفي مطلقاً إيمان رسول الله ﷺ التام بالقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولكنه يأخذ بالأسباب، ويعلمنا كيف نأخذ بها في كل مرحلة من مراحل الدعوة.
стр. 65
قصة إسلام أبي ذر الغفاري
كانت قصة إسلام أبي ذر الغفاري ﵁ وأرضاه قصة لطيفة طويلة، سآخذ منها ما يفيد الموضوع.
أخذ سيدنا علي بن أبي طالب أبا ذر الغفاري ليعرفه على رسول الله ﷺ ، وعلي أيضاً كان في منتهى الحرص، كان يقول لـ أبي ذر: إن رأيت شيئاً أخاف عليك منه قمت كأني أريق الماء، أي: أتبول، وفي رواية: كأني أصلح نعلي، فأخذه وذهب به لمقابلة رسول الله ﷺ في البيت الحرام أثناء الطواف ليلاً، لم يذهب به إلى دار الأرقم فهو لم يطمئن إليه بعد، وأبو ذر من قبيلة غفار المشهورة بقطع الطريق، فهو فعلاً أمره غير مأمون إلى أن يستوثق تماماً من إيمانه، فعندما ذهب أبو ذر يكلم الرسول ﷺ سأله أولاً: من أين أنت؟ فقال أبو ذر: من غفار هنا الرسول ﷺ شعر بالقلق، يقول أبو ذر: (فوضع رسول الله ﷺ يده على وجهي، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار) يعني: عرف الرسول ﷺ أن أبا ذر من قبيلة خطيرة، ومع ذلك وضح له أمر الإسلام، لكن لم يعرفه على خبيئة من خبايا المسلمين الموجودة في مكة؛ حرصاً وحذراً، وحساً أمنياً راقياً عند رسول الله ﷺ .
стр. 66
الحكمة من اختيار الرسول ﷺ دار الأرقم للاجتماع بأصحابه فيه في أول الدعوة
من المظاهر السرية العجيبة في ذلك الوقت: اجتماع الرسول ﷺ والصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ (١٣) سنة من غير أن يعرف مكانهم أحد، شيء في منتهى الغرابة، ومكة بلد صغير، وأهلها جميعهم يعرفون بعضهم بعضاً، كيف استطاع المسلمون أن يأخذوا الحذر لكي لا يعرف مكانهم أحد طوال هذه الفترة، ليس يوماً أو يومين أو ثلاثة بل (١٣) سنة، واجتماعهم كان منتظماً، فقد كانوا يجلسون كثيراً، وعددهم غير قليل فهم (٦٠) رجلاً، لم نسمع عن مداهمة واحدة من زعماء قريش لبيت الأرقم خلال (١٣) سنة.
ولعل سائلاً يقول: ما سبب اختيارهم لدار الأرقم بن أبي الأرقم بالذات؟ ولماذا لم يختاروا بيت الرسول ﷺ أو أحد الصحابة الآخرين؟ نقول: أولاً: الأرقم لم يكن معروفاً بإسلامه، فلم تتم مراقبة بيته من قريش، فالرسول ﷺ أو الصحابة الذين عُرفوا بالإسلام لا تصلح بيوتهم لهذا الأمر.
ثانياً: الأرقم من بني مخزوم، وبنو مخزوم هي القبيلة المتنازعة دائماً مع بني هاشم، وأكثر الناس كراهية لبني هاشم في مكة، فرسول الله ﷺ كأنه يجتمع في عُقر دار عدوه، وذلك لم يخطر أبداً على أذهان زعماء أهل مكة.
ثالثاً: الأرقم كان بيته بعيداً عن القوم، لم يكن في قلب المدينة، أي: أنه لم يكن هناك أحد يمشي من جوار البيت، ولم تكن هناك بيوت أخرى يمكن منها مراقبة بيت الأرقم بن أبي الأرقم.
رابعاً: الأرقم كان عمره (١٦) سنة، شاب صغير لن يشك فيه أحد من أهل مكة، وأهل مكة قد يعتقدون أن الرسول ﷺ يعقد جلساته في بيت أحد من كبار الصحابة، مثل أبي بكر الصديق أو عثمان أو عبد الرحمن بن عوف لكن في بيت هذا الشاب الصغير.
هذا احتمال بعيد جداً عن أذهان قريش.
كيف استطاع الأرقم أن يأخذ المهمة الضخمة هذه مع أنه كان من قبيلة بني مخزوم؟ وكان زعيم قبيلة بني مخزوم أبو جهل، ومن المعروف أن أبا جهل فرعون هذه الأمة، أعتى أهل قريش على المسلمين، فلو اكتشف أمر الأرقم بن أبي الأرقم لا بد أن نهايته القتل، فرضي الله عن الأرقم ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.
стр. 67
سبب عدم تعرض قريش للرسول ﷺ وأصحابه في أول الإسلام
مع كل الحذر والاحتياط من الرسول ﷺ وصحابته على أمر الدعوة إلا أن قريشاً اكتشفت الأمر، رأت بعض المسلمين يصلي صلاة غريبة لم يعتادوا عليها، فعرفوا أنهم على دين جديد، فقد رأى رجل الرسول ﷺ وهو يصلي مع السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، وكان ذلك الرجل يجلس بجوار العباس، وكان العباس مشركاً فسأله عن عملهما؟ فقال: يزعم أنه يأتيه وحي من السماء، أو يقول: إنه نبي.
وأيضاً أبو طالب عم رسول الله ﷺ رأى ابنه علي بن أبي طالب وهو يصلي مع رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لم يعلّق على هذا الموضوع، ومن المؤكد أن بعض العائلات الأخرى رأت أولادها يصلون أو يقرءون القرآن، لكن مع كل هذه المشاهدات ومع هذا الإدراك لأمر الإسلام لم تعترض قريش في هذه المرحلة، بل لم تعر ذلك أي اهتمام.
بعض الأحيان يتعجب الواحد من أفعال قريش، لماذا سكتت عن أمر الإسلام في ذلك الوقت؟ ولماذا آذت رسول الله ﷺ وحاربته هذه المحاربة الشرسة بعد أن أعلن دعوته في مكة؟ الحقيقة أن قريشاً كان فيها قبل هذا رجال على نفس هذا النهج، مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وكانوا على الحنيفية، وورقة بن نوفل وكان نصرانياً فهؤلاء لم تكن تعمل لهم أي حساب وظنت أن المسلمين مثلهم، لكن أن يجاهر بدعوتهم، ويدعو إلى تسفيه الأصنام والقوانين الوضعية التي وضعها أهل مكة وأنزلوها منزلة كلام الله ، فهذا ما لا تريده قريش.
فمبدأ قريش واضح وهو: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أما أن يأتي دين يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في منظومة الأرض وفي حياة الإنسان والمجتمع، فهذا ما ترفضه قريش بالكلية.
إذاً: في هذه المرحلة ترك القرشيون المسلمين دون تعرض، ولكن في المرحلة القادمة وبعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية سيجهر رسول الله ﷺ بدعوته في وسط مكة، وسيعلن توحيده لله رب العالمين، وسيعلن نبذه للأصنام والأوثان.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 68
سلسلة السيرة النبوية_ الدعوة جهراً
سرية الدعوات تحوطها بالأمان وتهيئ لها كنف الاطمئنان، أما الجهر بها فيفتح عليها تيارات حربية لا هوادة فيها، ويرسل عليها من كل جانب من يجتث أصلها ويستأصل شأفتها، وهذا ما أريد لدعوة الإسلام لما جهر بها النبي ﷺ ، ونُفذ بإحكام من أطراف كانوا أعداء رأب صدعهم خطر دعوة الإسلام التي ستقضى على الرياسة والأموال والشهوات التي كان يتمتع بها صناديد قريش.
стр. 69
مراحل الدعوة الجهرية والبدء بدعوة الأقربين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذا هو الدرس السادس من دروس السيرة النبوية المطهرة المشرفة.
ذكرنا في الدرس السابق ما فعله النبي ﷺ من بداية الدعوة السرية في أرض مكة، وكانت هذه الفترة قرابة ثلاث سنوات كاملة، وبلغ عدد المسلمين في آخر هذه الفترة نحو ستين فرداً من الرجال ومن النساء، وأصبح من المتعذر على أهل مكة أن يستأصلوا الإسلام بكامله؛ لأنهم كانوا من قبائل مختلفة، ومعظمهم من الأشراف، وهنا أذن الله لرسوله الكريم ﷺ بالجهر بالدعوة، وكانت مرحلة الدعوة الجهرية لرسول الله ﷺ مرحلة جديدة.
في أوائل هذه المرحلة أعلن الرسول ﷺ دعوته، بينما ظل بقية المسلمين في سرية ولم يجهروا، وهذا تدرج واضح في إيصال الدعوة للناس.
أُمر الرسول ﷺ بالبلاغ، وأن يبدأ بأقاربه دون بقية الناس، وهذا أيضاً نوع من التدرج في إيصال الدعوة إلى الناس، قال الله له: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ولماذا الأقربون بالذات؟ أولاً: لوجود حب فطري للداعية لأقاربه، وهم أقرب إلى الإجابة من غيرهم؛ إذ القريب ليست بينه وبين الداعية حواجز قبيلة أو عنصرية فهو يحبه حباً فطرياً.
ثانياً: حمية قبلية تدافع عنه، فهذا يعطي للداعية قوة، وبالذات إذا كانت للداعية عائلة كبيرة، فلو آمنت هذه العائلة بدعوته لأصبحت عضداً له في دعوته.
ثالثاً: أن دعوة الأقارب هي المسئولية الأولى الملقاة على عاتق الداعية: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).
ومن هنا جاءت أهمية صلة الرحم وأهمية دعوة الأقربين، فلو أن الداعية يحارب من داخل بيته أو عشيرته أو قبيلته، أو أن أباه أو زوجته أو ابنه يعوق مسيرته، فإن هذه أمور تعيق طريق الدعوة.
وهناك نقطة بنائية هامة لابد أن نخرج منها: وهي أن دعوة الأقربين أهم من دعوة عامة الناس؛ فهذا لوط ﵇ عندما جاءه قومه يراودونه عن ضيفه، قال لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]؛ لأن لوطاً ﵇ لم تكن له عائلة قوية، فكان يتمنى لو أن له عائلة قوية لوقف أمام القوم يدافع عن ضيوفه، يقول رسول الله ﷺ تعليقاً على هذا الكلام: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -وهو الله ، فما بعث الله بعده من نبي إلا في ذروة من قومه)، ليس عيباً أن الإنسان يحتمي بقومه وبعشيرته وبقبيلته مادام لا يتنازل عن شيء من عقيدته ودينه، على النقيض من هذا الموقف كان موقف شعيب ﵇، وانظر إلى قومه عندما جاءوا إليه ليعترضوا عليه قالوا: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ [هود:٩١]، ولولا العائلة الضخمة الكبيرة التي تأوي إليها: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود:٩١].
إذاً: دعوة الأقربين هامة جداً في بناء الأمم، بل الرسول ﷺ عندما نزلت عليه هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] تحرك بسرعة ﷺ ، ودعا (٤٥) من أهله إلى الطعام، والدعوة إلى الطعام ترقق القلوب؛ لأن فيها ألفة ومودة، فمن أجل أن يكلمهم في أمر الدعوة دعاهم أولاً إلى الطعام، ثم بعد ذلك يبلغهم أمر الدعوة، لكن قبل أن يتكلم الرسول ﷺ وقف أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصُّباة، واعلم أنه ليس لقومك طاقة بالعرب قاطبة.
كان أبو لهب يسمع بأمر الدعوة وأمر الإسلام، ولكنه لم يعترض على الإسلام من قبل، ولم يعترض أحد من أهل قريش قبل ذلك، ومع اكتشافهم لبعض المسلمين؛ لأن المسلمين كانوا يكتفون بعبادات فردية، ويعبدون الله في بيوتهم، فظن أهل قريش أنهم يفعلون أفعال الذين تنصروا أو اتخذوا الحنيفية ديناً، وأهل الباطل لا يمانعون أن تعبد ما تشاء في بيتك دون تدخل في المجتمع، أما أن يجمع محمد ﷺ الناس، ويبدأ في دعوتهم إلى ما هو عليه، ثم يسفه ما يعبدون من دون الله، ثم يحكمون الله في أمورهم! فهذا ما يرفضه أهل الباطل من قريش.
كانت هذه مبادرة أبي لهب، ثم أتبعها بكلام شديد، قال: ما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت الرسول ﷺ ولم يدع الناس، ولم يدخل في جدل مع أبي لهب، وهي حكمة نبوية بالغة؛ لأن الظرف غير موات، فليس من الحكمة إلقاء الدعوة في هذا الجو، وأبو لهب عم رسول الله ﷺ ، وله أتباع وأنصار، فليجمع الرسول صلى الله عليه وسل
стр. 70
موقف الأقربين من الدعوة النبوية
الموقف الأول: هو موقف أبي طالب عم رسول الله ﷺ ، والذي أحبه حباً يفوق حب أولاده، والذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب، وموقفه يعتبر من أكبر علامات الاستفهام في التاريخ، وقف أبو طالب إلى جوار رسول الله ﷺ يشجعه بكل طاقاته، لكنه ما دخل في دينه، أخذ أبو طالب كل تبعات الدين الشاقة، وما استمتع بأحلى ما في هذا الدين؛ من تضحية، وبذل، وجهاد، وعطاء، وتعب، وسهر؛ لأنه لم يؤمن، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
قام أبو طالب فقال: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب -أي: أسرعهم إلى نصرتك ومعاونتك-، فامض لما أمرت به.
أي: أنه يعلم أن الله هو الذي أمره بذلك، ولم يأت به من عنده ﷺ ، ثم يقول أبو طالب: فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
هذا يعني أنه تيقن أنه رسول من عند الله ، وأنه أمر بهذا الكلام ولم يأت به من عنده، وأنه صادق لا يكذب، ومع ذلك يقول: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
هذا تناقض بشع في نفس المقالة، ما الذي وقف حاجزاً بينه وبين الإيمان؟ التقاليد، تقديس رأي الآباء والأجداد والعائلات، حتى وإن كان مخالفاً للحق، فهذه الجريمة وراء مصائب كثيرة حدثت لـ أبي طالب وتحدث لغيره ممن ساروا على نهج آبائهم وعصوا الله ، وخالفوا منهج رسوله الكريم ﷺ .
المهم في هذا أن أبا طالب كان واضحاً في دفاعه عن رسول الله ﷺ من أول يوم جهر فيه الرسول ﷺ بالدعوة لأقاربه.
وعلى الجانب الآخر قام أبو لهب وظل مصراً على عدائه، قال: هذه والله السوأة، خذوا على يده قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا.
إذاً: يتضح أمامنا أن هناك موقفين لأهل رسول الله ﷺ ؛ موقف مدافع يتزعمه أبو طالب، وموقف مهاجم يتزعمه أبو لهب.
стр. 71
الجهر بالدعوة أمام قريش عامة
جاءت الأوامر من الله أن يوسع الرسول ﷺ دائرة الدعوة، فيقوم بصيحة أعلى بعد ذلك لكل بطون قريش، فوقف ﷺ على جبل الصفا ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني هاشم، يا بني مخزوم، حتى أتى على كل بطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر الأمر؛ لأنه يرى أن الأمر عظيم.
يقول ابن عباس في رواية البخاري: جاء أبو لهب وقريش -يخص بالذكر أبو لهب؛ لأن له موقفاً من هذا الحدث- فقال ﷺ : (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال ﷺ : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فهنا يقيم الرسول ﷺ الحجة على قومه، أولاً: سألهم: (أكنتم مصدقي؟ فقالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً)، بمعنى: أنهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن هذا الرجل لا يكذب، فأنذرهم بالإنذار الذي جاء به: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، أي: إذا كنتم تصدقون إنذاري لكم بخيل وأعداء، فيجب أن تصدقوا إنذاري لكم بعذاب شديد، إذا بقيتم على ما أنتم عليه من عبادة الأوثان وتحكيمها في حياتكم.
فلم يسكت أبو لهب بل قال: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت السورة الكريمة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
وهنا مشكلة واضحة بداخل أبي لهب منعته من الإيمان، إن كانت مشكلة أبي طالب التقاليد، فإن مشكلة أبي لهب كانت الجبن الشديد قال: (ليس لنا بالعرب من طاقة) ليس لنا قدرة على تغيير المألوف، ليس عند أبي لهب مانع من الوقوف بجوار القوي وإن كان مخالفاً للحق، وليس عنده مانع من أن يخذل ابن أخيه، أو يخذل الحق بصفة عامة وإن كان من أقاربه وعشيرته، هذا هو الذي أرداه فجعله من الخاسرين، الجبن الشديد المقعد عن العمل الصالح.
стр. 72
الجهر بالدعوة لعامة الناس من قريش وغيرهم
حصل إعلان لقريش، وحصل إعلان لأقارب الرسول ﷺ خاصة قبل ذلك، ثم جاء بعد ذلك إعلان أوسع، الإعلان العام لأهل مكة ولغيرها، ويتضح من هذا التدرج في الدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ .
قال الله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] أي: فاصدع يا محمد بأمر الدعوة.
هناك أمران متلازمان سيبقيان معنا طوال مرحلة جهرية الدعوة: الأمر الأول: هو إعلان الدعوة للناس كافة مع خطورة هذا الأمر.
الأمر الثاني: الإعراض عن المشركين، بمعنى: عدم قتال المشركين، وهذا يتضمن معنى ضمنياً، وهو أنه سيحاول المشركون قدر استطاعتهم أن يوقفوا مد هذه الدعوة، وهذا هو ما أشار إليه ورقة بن نوفل من قبل لرسول ﷺ ، وعلى الرسول ﷺ في هذه الفترة أن يتجنب الصدام مع المشركين: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤]، حتى لو حدث كيد وتعذيب وقتل فأعرض عن المشركين، هذه ظروف مرحلة معينة تمر بها الدعوة في هذه الفترة من حياة رسول الله ﷺ .
إذاً: الرسول ﷺ صدع بما أُمر به، فماذا حدث في مكة؟ حدث انفجار في مكة، مشاعر الغضب والاستنكار والرفض، اجتماعات وتخطيطات ومكائد ومؤامرات، قامت الدنيا ولم تقعد في مكة، إنها الحرب لا هوادة فيها.
المسلمون في مكة لم يعلنوا إسلامهم باستثناء رسول الله ﷺ ، ولا أحد من البشر يدافع عن رسول الله ﷺ في مكة إلا أبو طالب، ورسول الله ﷺ يقبل بدفاع أبي طالب مع كونه كافراً، فهو رجل واقعي يقدر خطورة الموقف، لم يقل: هذا كافر ولا يجوز أن أحتمي به، ولكنه في ذات الوقت ما فرط في كلمة واحدة من الدين، ما تنازل ما بدل ما غير ﷺ ، إنما كانت مساعدة غير مشروطة من أبي طالب، مساعدة دون أن يفرض رأياً أو يخطط مستقبلاً لرسول ﷺ أو للمسلمين والإسلام.
إذاً: هذا هو موقف الرسول ﷺ وموقف أبي طالب وموقف مكة بصفة عامة.
стр. 73
موانع دخول أهل مكة في الإسلام
قبل الحديث عن خطة مكة في القضاء على الدعوة الإسلامية لابد أن نبحث في موانع الإسلام عند أهل مكة، لماذا لم يؤمن أهل مكة؟ هل لأنهم لم يقتنعوا بالدعوة؟ لماذا حاربوا الدعوة ولم ينصروها مع أن الرسول ﷺ منهم ومن داخلهم؟ ألأنهم لم يدركوا الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ؟ أنا لا أعتقد هذا مطلقاً، على الأقل الغالبية منهم، فقد كانت الرسالة واضحة جداً، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، القرآن كلام معجز، وهؤلاء هم أهل اللغة، ويعرفون أن هذا الكلام ليس من كلام البشر، ويعلمون أن محمداً ﷺ رسول الله فعلاً ولا يكذب، ومع ذلك كان أبي بن خلف يقابل الرسول ﷺ ويقول له: إني سأقتلك، فيقول له الرسول ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله.
فمرت الأيام وخرج أبي بن خلف متردداً إلى أحد يحارب رسول الله ﷺ ، فضربه ﷺ بسهم أصاب منه خدشاً في كتفه، فكان أبي بن خلف يصرخ من هذا الخدش صراخاً شديداً، فقال له الناس: هون عليك هذا أمر سهل، فقال أبي بن خلف: إنه قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني! فانظروا إلى مدى تصديقه لكلام الرسول ﷺ ، فأين كان عقلك يا أبي؟ أين كان عقل الذين سمعوك ولا يزالون يقاتلون النبي ﷺ ؟ إذاً: أهل مكة كانوا يوقنون أن هذا الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق لا ريب فيه، فلماذا كذبوه؟ ذكرنا من الأسباب: التقاليد الذي كان عند أبي طالب والجبن الذي كان عند أبي لهب.
من الأسباب أيضاً التي منعت بعض الناس من دخول الإسلام: القبلية، ففي مكة قبائل كثيرة، بل في داخل قريش بطون كثيرة، فـ أبو جهل من بني مخزوم، وكان يقول: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.
فالتعصب لقبلية أو لقومية أو لعرق معين من شيم الجاهلية، وأعداء الأمة يستغلون هذا المدخل منذ القديم وإلى يوم القيامة، وهذه هي النقطة التي دخل منها اليهود والإنجليز لإسقاط الدولة العثمانية، عندما فرقوا المسلمين إلى عرب وأتراك.
وهي النقطة التي دخل منها الفرنسيون لإسقاط الجزائر عندما فرقوا المسلمين إلى عرب وبربر.
وهي النقطة التي دخل منها شاس بن قيس اليهودي لعنه الله للتفرقة بين الأنصار إلى أوس وخزرج.
ومن الناس من منعه الكبر عن الإسلام، وما أكثر الذين امتنعوا عن لزوم الحق بسبب الكبر، قال الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فالكبر يقود إلى الكفر.
وقد عرف رسول الله ﷺ الكبر بقوله: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، (بطر الحق) أي: تعرف الحق ثم تنكره.
(وغمط الناس): أي: احتقارهم.
وانظر إلى كلام الوليد بن المغيرة الذي حكاه القرآن الكريم، قال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] القريتان هما: مكة، والطائف، فالمقصود بالعظيم في مكة هو الوليد بن المغيرة، والعظيم في الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، فيقولون: لو كان نزل القرآن على رجل عظيم لكنا آمنا به، مع أن الرسول ﷺ أعظم الخلق، لكنهم يقيسون العظمة بكثرة الأموال لا بقيم الأخلاق والدين والعقيدة، فالله يوضح في كتابه الكريم أن الذي يتصف بصفة الكبر من المستحيل أن يتبع الحق، قال الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] أي: أن الله بنفسه هو الذي سيصرف أولئك الذين يتكبرون عن آياته .
ومن الناس من منعه الخوف على السيادة والحكم في أرض مكة، فالرسول ﷺ يريد تحكيم الله في أمور العبادة، وهو ﷺ ناقل عن رب العزة، وسيسحب البساط من تحت أقدام الزعماء كـ أبي سفيان وغيره؛ وذلك إن انتشر دين الإسلام بمكة، فكان الخوف على الحكم مع
стр. 74
المراحل السلمية لصد الدعوة الإسلامية
الدعوات الصحيحة لابد أن تحارب، ولابد أن يجتمع عليها أهل الباطل، قد تؤجل المعركة، قد تأخذ صوراً مختلفة، ولكن لابد لها من حدوث.
بدأ الكفار في الكيد، وسلكوا السبيل الذي سلكه من قبلهم في صدر التاريخ، والذي سلكه أمثالهم إلى يومنا هذا، والذي سيظل كذلك إلى يوم القيامة، سنة الله : ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢] بدءوا يأخذون خطوات متدرجة لإيقاف المد الإسلامي، ونفس الخطوات تتكرر في كل زمان، يقول الله : ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣]، فهل أوصى بعضهم بعضاً بنفس الأساليب ونفس الطرق؟ قد تختلف اختلافات طفيفة لاختلاف الزمان أو المكان، لكن الأفكار واحدة، وطرق الصد واحدة.
стр. 75
تحييد أنصار الرسول ﷺ وتخويفهم
المرحلة الأولى من مراحل صد الدعوة الإسلامية المحاولات السلمية: تحييد أنصار رسول الله ﷺ في مكة المكرمة، لا يوجد إلا شخص واحد يعلن نصرته لرسول الله ﷺ ، وهو أبو طالب، فذهبوا إلى أبي طالب، وقالوا له: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فعندما استمع أبو طالب إلى هذه الكلمات تأثر وقال لرسول الله ﷺ : إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فرفع رسول الله ﷺ بصره إلى السماء وقال لهم: ترون الشمس؟ قالوا: نعم، قال: فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منها بشعلة.
يعني: لو استطعتم أن تشعلوا من هذه الشمس شعلة، فأنا لا أستطيع أن أترك هذا الدين، فقال أبو طالب -وانتبه لتغيره الكبير، فمن لحظات كان متأثراً بكلام قريش، وكان يريد منع رسول الله ﷺ لمنع الأذى عن قريش، ثم بعد أن رأى ثبات رسول الله ﷺ ، قال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط؛ فارجعوا راشدين، فأمر القوم أن يعودوا ويتركوا محمداً ﷺ .
إذاً: صلابة الداعية وثقته في الله وفي دينه، وتعظيمه لأمر الأمانة التي يحملها يلقي بآثاره على من حوله، وتنتقل هذه الصلابة انتقالاً طبيعياً منه إلى أتباعه وأحبابه ومقربيه، بل انتقلت إلى أبي طالب وهو كافر، لكن إصرار رسول الله ﷺ جعله يرد أهل الكفر دون إجابة لطلبهم، مع أنه لا يرجو جنة ولا يخاف من نار، فكيف بالمؤمنين؟! ثم إن هذه الصلابة من الداعية تؤثر سلباً على أعدائه، إن العدو المدجج بالسلاح صاحب القوة والسلطان والتنكيل عندما يرى داعية صلباً مستمسكاً بمبادئه وإسلامه يتزلزل كيانه ويتضاءل أمام الداعية، مهما كان في هيئته الخارجية ممكناً، وكلما رأيت العدو الذي أمامك يكثر من الحراسة والجيوش والتحصينات فاعلم أنه يخاف منك أكثر مما تخاف أنت منه، فلا تهتز! إذاً: فشلت المحاولة السلمية الأولى في تحييد أو تخويف أبي طالب واستمر الرسول ﷺ في دعوته.
следующие страницы →