Полный текст (657 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
سلسلة السيرة النبوية_ السيرة وبناء الأمة
أعظم مخلوق وطئ الثرى هو محمد ﷺ ، وقد جعل الله في حياته من العبر والعظات ما يجعل كل ناظر فيها يتعجب منها، ويأخذ من حياته ﵊ نبراساً يستضيء به، فهو شخصية عظيمة جداً، كيف لا وهو خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊، وكل حركة من حركاته مؤيدة بالوحي.
стр. 2
عظم مكانة النبي ﷺ وكبير مقامه بين الخلق
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فها نحن اليوم مع موضوع من أهم الموضوعات في حياة المسلمين، بل في حياة الأرض بأكملها، نحن مع سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله منذ خلق آدم وإلى يوم القيامة.
الناس عادة يتفوقون في مجال ويتأخرون في آخر، لكن هذا الرجل تفوق في كل مجال، تفوق في عبادته، في معاملاته، في شجاعته، في كرمه، في حلمه، في زهده، في حكمته، في ذكائه، في تواضعه، في كل شيء، إن هذا الرجل بحق قد سبق غيره! فمع سيرة الإنسان الذي خاطبه الله وقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
بل قد أقسم الله جل وعلا بحياة هذا الرجل فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
مع سيرة الرجل الذي لن يحاسب الله الخلائق يوم القيامة إلا عندما يشفع لهم، وكل نبي في الموقف لن يشفع حتى لأتباعه المؤمنين به إلا بعد أن يشفع هذا الرجل.
مع سيرة الرجل الذي لن ندخل الجنة إلا خلفه، ولن نروى يوم القيامة إلا من حوضه وكوثره، وهذا متوقف على معرفتنا بسيرته ونهجه، واتباعنا له فيهما، فإن صنعنا ذلك كانت لنا النجاة في الدنيا والآخرة، وإن جهلنا طريقته أو خالفناها قيل لنا: سحقاً سحقاً.
نحن أمام سيرة رسول الله ﷺ ، الماحي الذي محا الله به الكفر، وأول من يبعث من الخلائق يوم القيامة، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب المقام المحمود والحوض المورود ﷺ .
أمام سيرة الرجل الذي فتحت له أبواب السماء ليخترقها بجسده إلى ما بعدها، لما صعد رسول الله ﷺ مع جبريل في رحلة المعراج إلى السماء وطرق الباب أجاب الملك فقال: (من؟ قال: جبريل.
قال: ومن معك؟ قال: محمد.
قال: أو أرسل إليه؟ قال: نعم) ففتح باب السماء، ودخل رسول الله ﷺ إلى مكان لم يدخله بشر قبل ذلك وهو حي.
نعم، هذا هو الرجل الذي وصل إلى مكان لم يصل إليه بشر، ولم يتجاوزه حتى جبريل الملك العظيم، ويصل إليه رسول الله ﷺ .
إنه الرجل الذي شاهد الجنة والنار بعينه لا بعقله.
ونحن هنا لا نقارن عظمة هذا الرجل ﷺ بعظمة بوذا وكونفوشيوس وهتلر ولينين وستالين كما فعل صاحب كتاب الخالدون المائة، وإن كان قد جعل أعظمهم محمداً، والعجيب أنك تجد الناس فرحين بذلك الكتاب.
إن مقام هذا الرجل لا يسمح إلا بأن نضعه في مصافِّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ في رتبة أعلى من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وكل أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام أجمعين، في مقام ضخم جداً نقارنه بالملائكة أجمعين، بملك الأرزاق، بملك البحار، بملك الجبال، بحملة العرش، بل وبجبريل ﵇، جبريل لما وصل إلى سدرة المنتهى لم يستطع أن يتقدم، وقال لرسول الله ﷺ : (لو تقدمت خطوة لاحترقت)، ولكن الرسول ﷺ مكنه الله أن يتقدم، فتقدم للقاء الله .
إن عظم مقام هذا الرجل جعل له ذكراً خالداً، وعلى قدر هذه العظمة يجب أن يكون اهتمامنا بسيرته وحياته، وبكل دقيقة مرت من حياته الشريفة ﷺ .
стр. 3
حال أمة الإسلام في الوقت الحاضر
إخواني في الله! إن دراسة السيرة النبوية مهمة في كل زمان، وهي ولا شك في زماننا أهم، فحال الأمة وما أصيبت به من تصدع وتفكك وانهيار في أجزاء، وانحلال في أجزاء أخرى، ما هو إلا أزمة خطيرة تمر بها أمة الإسلام، ونجد تبايناً كبيراً بين ما وصف الله به هذه الأمة في كتابه الكريم وبين حال الأمة الواقع الذي نراه بأعيننا، فالله يقول في كتابه مثلاً: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
ثم تأتي بعد ذلك لتنظر إلى واقع المسلمين وحالهم، فتجد التأخر في كل المجالات التي يجب أن تنافس أمتنا غيرها فيه، فمثلاً على الصعيد العسكري انظر إلى أي دولة إسلامية، وضع في الحسبان أن على مساحة الأمة الإسلامية أكثر من ستين دولة، تجد أن معظم الدول الإسلامية تسليحها أقل من تسليح الدول المحاربة لها.
ولأول مرة في التاريخ نسمع عن دولة تؤمر بتدمير أسلحتها بنفسها وإلا عوقبت، والدول المحيطة من دول العرب والمسلمين اعتقدت أن هذا هو الطريق الأمثل للنجاة، ثم تتتابع إليها الخطابات الحادة، والكلمات اللاذعة: ما زال هناك سلاح لم يدمر، ما زال هناك سلاح مداه طويل، ما زال هناك سلاح عند عدوك مثله ويصبح الأصل أن تدمر الدولة أسلحتها بنفسها، وإلا عوقبت.
لأول مرة في التاريخ نسمع عن دول توقع على نفسها أنها لا تنتج سلاحاً يمتلكه عدوها، بل ونفتخر بهذا الأمر، ويعلن بصيغة الفخر، وأننا نشارك في هذه المعاهدات، مع أن معظم دول الأرض عندها نفس السلاح، وتصبح منتهى أحلام المسلمين أن ينزع السلاح من إسرائيل فقط، مع أنهم يعلمون أن فرنسا وإنجلترا وأمريكا وروسيا وحتى كوريا تمتلك نفس السلاح، لكن لا ينزع السلاح من هؤلاء.
وما هذا في الحقيقة إلا تأخر عسكري رهيب لم يسبق في تاريخ المسلمين.
أما الجانب الاقتصادي فإن التأخر فيه غير مفهوم مع إمكانيات الأمة الضخمة، فأمة الإسلام مشتهرة بالبترول والمعادن والكميات الهائلة من منتجات المواد الخام، ومن سيطرتها على ممرات بحرية، ولا أحد يعرف ما سبب هذا التخلف الضخم مع كل هذه الأمور؟! كذلك يوجد تأخر علمي، بل فجوة هائلة بيننا وبين غيرنا تقدر بمئات السنين، لا أقول بعشرات السنين أو بآحاد السنين.
تأخر حتى في الوحدة، فلا تجد دولتين مسلمتين إلا وبينهما صراع ونزاع على الحدود.
وهذا أمر يشق كثيراً على النفس.
حتى في المجال الأخلاقي، نحن دائماً نقول: إن الحضارة ليست هي الأشياء المادية فقط، ليست السلاح أو المعمار أو الأموال، بل الحضارة أشياء كثيرة مجتمعة مع بعضها، ومن أهمها الأخلاق، ثم انظر إلى الأمور الأخلاقية في العالم الإسلامي، لا تسأل عن كيفية التعامل بين الجيران في البلاد الإسلامية، أو كيف يعامل الموظفون الجمهور، أو ما هي أخبار الرشوة والفساد، وأخبار الإعلام وشاشات الأفلام، والإباحية المفرطة في الأغاني والإعلانات والشوارع وفي كل مكان، حتى في أماكن العلم كالجامعات والمدارس نرى أموراً كنا نتخيل أنها لا توجد إلا في ملهى ليلي، ثم وجدناها في الجامعة، في مكان العلم، في المكان الذي يفترض أن تركز الناس فيه أكثر تركيز على رفعة هذه الأمة.
стр. 4
عوامل بناء الأمة وتحقيق النصر
من المؤكد أن القرآن حق لا باطل فيه، وصدق لا كذب فيه، فالقرآن يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فإذا كان القرآن صادقاً وحقاً، فالخلل والعيب فينا نحن عندما لم نطبق تعاليمه، ولم نطبق سنة نبينا ﷺ جيداً، لذلك حصل فينا ما حصل.
وأنا مع هذا كله لا أدعوكم إلى الإحباط، ولكن أدعوكم إلى إعادة بناء الأمة الإسلامية، وترميم الصدع الكبير الذي حدث، فيها، وأقول لكم: هناك أمل كبير في إعادة البناء، بل هناك يقين في إعادة البناء، ووالله لسوف تقوم الأمة من جديد وتنهض؛ لأن هذا ما وعد الله به، والله لا يخلف الميعاد، إن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ليس فقط يوم القيامة، بل في الحياة الدنيا أيضاً.
يقول الرسول ﷺ في الحديث الشريف: (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) فسيبلغ ملك أمة المسلمين حتماً مشارق الأرض ومغاربها، فهذا وعد ملك الملوك على لسان الصادق المصدوق ﷺ .
لكن في مسألة اليقين لا بد من الحديث عن نقطتين عليهما محور هذه المسألة.
стр. 5
اليقين الجازم بوعد الله بالنصر
النقطة الأولى: أننا نريد يقيناً مثل يقين الصحابة ﵃ أجمعين خاصة في غزوة الأحزاب، والأحزاب متجمعة حول المدينة المنورة في عشرة آلاف رجل، وهذا رقم ضخم جداً في زمان الجزيرة العربية وقت رسول الله ﷺ .
ضائقة شديدة جداً، والرسول ﷺ في وسط هذه الضائقة يضرب الحجر الضخم الذي استعصى على الصحابة ويقول: (الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله! إني لأرى قصورها الحمراء الساعة، ثم ضرب الثانية وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس، والله! إني لأرى قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن، والله! إني لأرى قصور صنعاء من مكاني).
تخيل حال الصحابة وهم يسمعون بشرى رسول الله ﷺ بفتح فارس والشام واليمن وهم في هذه الضائقة ماذا كان حالهم؟! أما المؤمنون فقد قالوا كما حكى الله عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
في هذه الضائقة علموا أن نصر الله قريب؛ لأن نصر الله يأتي بعد اشتداد الأزمات، لكن المنافقون لما شاهدوا الفجوة الواسعة بين إمكانيات المسلمين في المدينة المنورة، وبين إمكانيات الأحزاب، قالوا كما حكى الله عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، هكذا قال المنافقون لما اعتمدوا في تقييمهم على رؤية الفجوة الواسعة الضخمة بين حال المؤمنين في هذه اللحظة وبين حال الكافرين، لم يقدروا قدر الله ، لم يقدروا عظمة الله ، لم يقدروا قوة الله ، ولما كان المنافقون لا يؤمنون كان هذا هو التقييم اللائق بهم، أما المؤمنون الصادقون الذين يعلمون قدر الله وعظمته فقد علموا أن النصر قريب؛ لأن الأزمة اشتدت.
وها هي الأزمة قد اشتدت على الأمة الإسلامية واستحكمت حلقاتها، وسيأتي النصر إن شاء الله رب العالمين.
стр. 6
الدور المنوط بكل فرد وجماعة في بناء الأمة وفق المنهج الشرعي
النقطة الثانية: ما هو دورك في بناء هذه الأمة الإسلامية؟! نحن دائماً ننتظر أناساً من الخارج تأتي لتعيد بناء الأمة الإسلامية من جديد، لكن أين الدور الذي كلفك الله به لإعادة إعمار الأمة الإسلامية، أو لإعادة ترميم الأمة الإسلامية لكي تعود إلى الصدارة كما وصفها الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
إن قصر كل الناس في أعمالهم فلن يحاسبك الله إلا على تقصيرك أنت فقط، وهذا من عدل الله .
كل واحد منا يريد أن يعيد بناء الأمة على طريقته، وعلى منهجه، فهناك من يقول: إن كنا نريد أن نعيد بناء الأمة الإسلامية لا بد وأن نأخذ المنهج الاشتراكي، ورغم ما استفاض من أنه منهج خطأ، إلا أن بعض الدول ما زالت مستمرة في النفاح عنه، مع أن الدول التي اخترعته قد تخلت عنه.
ثم جماعة أخرى تقول: نأخذ المنهج الرأسمالي.
وأخرى تقول: نجرب القانون الفرنسي، وأخرى الإنجليزي، وأخرى الإيطالي وهكذا نلملم من الشرق ومن الغرب، ونختلف ونتصارع ونتشاحن؛ لأننا مختلفون على المناهج، فعندما يأتي وقت الاختلاف من نحكم؟ اسمع لنصيحة رسول الله ﷺ في مثل هذا الموقف، يقول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه عن العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه، قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، وهذه هي المشكلة التي نحن واقعون فيها الآن، يا ترى بمنهج من نأخذ؟ نأخذ بمنهج الشرق أو الغرب!! ثم قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة).
من هنا كانت دراسة حياة رسول الله ﷺ ، ودراسة حياة الخلفاء الراشدين المهديين أمراً حتمياً لمن أراد أن يهتدي إلى الطريق الصحيح لبناء الأمة الإسلامية، ولن ينفع أن نبنيها على غير منهج رسول الله ﷺ .
стр. 7
سبب الاقتصار على ذكر بعض جوانب العهد المكي في حياة النبي ﷺ
في هذه المجموعة من الدروس نتحدث عن جانب من حياة رسول الله ﷺ ، وهو العهد المكي من السيرة النبوية، وليس الغرض من وراء هذا المجموعة استقصاء كل واقعة حدثت في حياة رسول الله ﷺ في مكة، فهذا أمر يطول شرحه، ويعجز البيان عن وصفه لأمور:
стр. 8
كثرة الوقائع والتفاصيل المسجلة في حياته ﵊
الأمر الأول: أن الفترة المكية قد سجلت كل وقائعها بدقة، وبالذات منذ مبعث رسول الله ﷺ إلى أن مات، كل لحظة في حياة رسول الله ﷺ منذ أن بعث وإلى أن مات سجلت، ولم تسجل حياة إنسان على وجه الأرض بهذه الدقة، حتى دخل التسجيل إلى أدق تفاصيل حياة الرسول ﷺ ، ولعل من حِكَمِ زواجه ﷺ من عدد كبير من النساء: أن ينقلن الحكمة التي تعلمنها من حياة رسول الله ﷺ الشخصية الداخلية التي لا يراها غيرهن، وما هذا التسجيل الضخم الدقيق إلا لأنه ﷺ قدوة كاملة، وليس بعده نبي إلى يوم القيامة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
إذاً: نحن مطالبون باتباع رسول الله ﷺ في كل خطوة من خطوات حياتنا، في رضاه وغضبه ﷺ ، في حزنه وسروره، وفي حله وترحاله، إذا رضي فهذا هو الموضع الذي يجب أن نرضى فيه، وإذا غضب فهذا هو الموضع الذي يجب أن نغضب فيه.
стр. 9
التنوع في حياته ﵊
الأمر الثاني الذي جعل إحصاء كل أمر في حياة الرسول ﷺ أمر صعب: التنوع العجيب في حياة رسول الله ﷺ ، فتارة يكون مطارداً معرضاً للأذى والاضطهاد كما في حادث الهجرة، يخرج الرسول ﷺ هو وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه فارين من أهل مكة, ورسول الله ﷺ في ذلك مطلوب الرأس، وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، إلى أن يصلا إلى المدينة المنورة بعد أيام من الفرار، وفي نفس سيرة هذا الرجل العظيم ﷺ تجد أنه ممكنّ في الأرض، يرسل الرسائل إلى كل عظماء الأرض: من محمد ﷺ إلى كسرى عظيم فارس.
من محمد ﷺ إلى قيصر عظيم الروم.
إلى المقوقس عظيم مصر.
انظروا الفرق الضخم الهائل بين حالة كان يعيشها ﷺ ، وبين حالة أخرى عاشها ذاته، تارة تجد أنه ﷺ يعاهد قوماً، وتارة يحاربهم، تارة يكون فقيراً معدماً يربط على بطنه حجرين من الجوع، ولا يوقد في بيته النار ثلاثة أهلة في شهرين، وفي وقت آخر من السيرة تجد أن هذا الرجل ذاته قد أصبح غنياً تأتيه الأموال من كل بقاع الجزيرة العربية، وينفق الأموال في سبيل الله إنفاقاً غير مسبوق، يعطي هذا مائة من الإبل، وهذا مائة من الإبل، وهذا أكثر، وهذا أقل ينفق إنفاقاً عجيباً! هذا هو نفس الرجل الذي كان يتعامل مع المشركين واليهود والنصارى والمنافقين والمؤمنين، فتارة ينتصر عليهم، وتارة يهزم.
كل تنوع ممكن يحصل في حياة أمة قد حدث في حياة رسول الله ﷺ .
إذاً: هذا أمر يجعل إحصاء كل مواقف السيرة أمر صعب جداً، خصوصاً وأنت تريد أن تلاحظ كل هذه المتغيرات في حياة رسول الله ﷺ ضمن مجموعة واحدة من الدروس.
стр. 10
أثره ﷺ في بناء الجيل الفريد الذي غير مجرى التاريخ
الأمر الثالث: أن هناك جيلاً رائعاً عظيماً عاش مع رسول الله ﷺ ، هذا الجيل العظيم خلق أحداثاً لا نهاية لها، تعجز عشرات المجلدات عن حملها.
وهكذا الإنسان العظيم إذا عاش في مجتمع من الناس ليست لهم قيمة يضيع بينهم، لكن الرجل العظيم هو من يعيش في وسط عظماء يتفاعلون معه بصورة إيجابية في كل لحظة من لحظات الحياة، يتحركون بحمية، يفكرون بجدية، يتناقشون بفهم ووعي وإدراك، يفكرون بذكاء، وكل واحد من هؤلاء الصحابة قصة ضخمة في حد ذاته، فهذا أبو بكر مثلاً يحتاج إلى عشرات المجلدات لوصف مواقفه مع رسول الله ﷺ ، كذلك عمر وعثمان وعلي وعائشة وحفصة وصفية، وكل المهاجرين والأنصار، آلاف من الكتب والمراجع كتبت عن هؤلاء الصحابة، وكل هذا في النهاية هو جزء من سيرة رسول الله ﷺ .
стр. 11
حياة النبي ﷺ كلها أحداث عظيمة
الأمر الرابع: الأحداث العظيمة التي تحدث في حياة الناس، كلما عظم الحدث احتاج إلى دراسة وتحليل ووصف وشرح، أحياناً تمر على حياة الناس عشرات السنين دون حدث عظيم يؤثر في حياة مجموع البشر، لكن الأحداث المؤثرة تحتاج إلى تفصيل ودراسة، ممكن تجد دولة تعيش عشرات السنين دون أن تجد في حياتها حدثاً ضخماً مؤثراً.
فمثلاً عندما حدث في مصر حرب رمضان المباركة، نسأل الله أن يعيد للمسلمين أمثالها، كم جرى لها من تحليل ودراسة رغم أنها وقعت من عقود، وإلى الآن نكتب عنها، وسيظل يكتب عنها المحللون والمؤرخون؛ لأنها حدث كبير.
كيف وحياة الرسول ﷺ كلها أحداث ووقائع؟ ففي سنة (٩٢) حدثت موقعة حربية ضخمة هي غزوة بدر، وفي (٣هـ) غزوة أحد وبنو قينقاع، وفي (٤هـ) بنو النضير، وفي (٥هـ) الأحزاب وبنو قريظة وبنو المصطلق وهكذا هي حياة رسول الله ﷺ ، وانظر كم نحتاج إلى تحاليل ودراسات.
стр. 12
قواعد في دراسة السيرة النبوية
السيرة معين لا ينضب، وفي كل زمن ينظر المفكرون في هذه السيرة يستخرجون منها الجديد، مع أن الحدث نفسه قد فكر فيه من قبل آلاف من المفكرين والمحللين، إلا أن هناك أثراً ملحوظاً من أحداث السيرة النبوية، وهدفاً كبيراً نحن نفكر فيه، وهو إعادة بناء الأمة الإسلامية بدراسة السيرة النبوية المطهرة المشرفة، وأي دراسة للسيرة سنخرج منها بفوائد، لكن نحن نريد أن نضع بعض القواعد التي لو جعلناها نصب أعيننا أثناء دراسة كل حدث سنستفيد استفادة أكبر وأعمق، وسنضع لهذا الأمر أربع قواعد، فكل حدث حاول أن تلاحظ فيه هذه القواعد، وكل موقف يمر عليك جرب أن تطبق عليه هذه القواعد.
стр. 13
السيرة النبوية المصدر الثاني للتشريع في دين الإسلام
القاعدة الأولى: أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع في الدين الإسلامي؛ إذ المصدر الأول بلا جدال هو القرآن الكريم، والمصدر الثاني هو السنة المطهرة.
والسنة: هي كل قول أو فعل أو تقرير لرسول الله ﷺ .
بمعنى: أن أي فعل فعله أحد الصحابة وأقره عليه رسول الله ﷺ بأن سكت عنه أو استحسنه فهو من السنة المطهرة، وليس من الممكن أن تعرف السنة من غير دراسة السيرة النبوية.
إذاً: مصادر التشريع الرئيسية هي القرآن والسنة، وهناك مصادر أخرى كثيرة، مثل: الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف إلى مصادر كثيرة اختلف الفقهاء في ترتيبها، لكن لم يختلف أحد في أن القرآن هو المصدر الأول والسنة هي المصدر الثاني، وليس عنهما بديل.
السنة في غاية الأهمية في التشريع الإسلامي، وكذلك السيرة لا بد منها لفهم السنة في التشريع الإسلامي، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، من غير السيرة ومن غير السنة لن تستطيع أن تفهم القرآن الكريم.
عندما نمر على حدث من أحداث حياة رسول الله ﷺ ، فنحن نمر على أمر من الأمور التشريعية في الدين الإسلامي لحياة المسلمين؛ لأننا ندرس في السيرة الدين، فليست دراسة السيرة مجرد شيء لطيف نقرؤه، أو نتسلى بقراءته، أو مجرد سيرة رجل عظيم، هذا هو دينك، هذا هو الذي ستقابل به الله وسيسألك عنه، ولو فهمت السيرة بشكل صحيح وطبقتها ستقابل ربك بوجه حسن، وبعمل صالح.
ثم أحذركم من طائفة بعضهم من المسلمين تشك في أمر السيرة النبوية، وتزعم أنها تكتفي بالقرآن الكريم، وقد تنبأ الرسول ﷺ بهذه الطائفة في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي، يقول رسول الله ﷺ : (يوشك رجل منكم متكئ على أريكته يُحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل الذي حرم الله).
ونحن أيضاً نقول لهم: استمعوا إلى كلام الله في القرآن الكريم الذي تؤمنون به، يقول الله في كتابه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
ويقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] أي: يحكموك أنت يا محمد ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ويقول : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
والصحابة ﵃ ما كانوا يفرقون بين قرآن وسنة، أما لو كان أحد لا يؤمن بالقرآن أصلاً وبأوامر القرآن فلا داعي للكلام معه، إذ الأمر معه منقطع.
إذاً: فكل حدث في سيرة الرسول ﷺ قد يكون أمراً تشريعياً، حتى وإن كان جزئياً من الدين، لا بد أن تنتبه له لكي تطبقه، وإذا لم تطبقه فلعلك أن تضل وتبعد، ثم يقال لك: سحقاً سحقاً.
стр. 14
التعرف الصحيح على شخصية النبي ﷺ
القاعدة الثانية: هي التعرف على شخصية رسول الله ﷺ ، نريد أن نعرف من هو رسول الله ﷺ ؟ هو خير البشر أجمعين، وخاتم المرسلين، وسيد الأولين والآخرين هو أعظم شخصية سارت على هذه الأرض منذ بدء الخلق وإلى يوم القيامة، فهو شخصية جديرة بالدراسة، وهناك أشياء كثيرة نريد أن نعرفها عن شخصية رسول الله ﷺ ، ونضعها في أذهاننا بوضوح عند كل موقف من مواقفه ﷺ .
أهم شيء في حياة رسول الله ﷺ : هو أنه رسول من عند رب العالمين.
لقد شاء الله ألا يكلم عباده في الدنيا كفاحاً، وأبقى ذلك نعيماً لمن دخل الجنة، وشاء كذلك أن يخاطب عباده عن طريق رسول من البشر، ومن كل الخلق اختار محمداً ﷺ ليبلغ الناس الرسالة العالمية عنه .
إذاً: رسول الله ﷺ في حقيقته ما هو إلا ناقل عن رب العزة ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وعلى هذا القدر من الأهمية يجب أن يؤخذ حديث رسول الله ﷺ ، وعلى هذا القدر من العظمة يجب أن تؤخذ سيرة رسول الله ﷺ ، هذه السيرة هي النموذج العملي التطبيقي الذي رسمه الله لخلقه كي يقتدوا به ويقلدوه.
والسيرة هي المنهج الذي نمشي عليه، وهي الدليل في الصحراء، ومن غير الدليل سوف نهلك لا محالة.
فلو ثبت أن رسول الله ﷺ فعل فعلاً ما، فهو ما أراده الله منا، حتى لو كان هذا الفعل من النوافل! فهي ليست من اختراع الرسول ﷺ ، فهناك من يظن أن الظهر فرضه ربنا علينا أربع ركعات، ثم اجتهد الرسول ﵊ وقال: أربع ركعات قبلها وأربع ركعات بعدها، الأمر ليس كذلك، فالله قد شرع للفرائض رواتب من السنن جاءت قبله وبعده، وجعل هذه فرضاً وجعل هذه نافلة، وكل شيء في الأخير مرده إلى الله .
حتى لو اختار رسول الله ﷺ في أمر ما خلاف الأولى، حيث كان من المفروض أن يختار كذا، ولكنه اختار رأياً آخر أقل منه درجة، فإن الوحي يأتي ليعدل المسار ويختار لرسول الله ﷺ الاختيار الأكمل، الذي يصلح لهذه الأمة في زمانه وإلى يوم القيامة.
إذاً: دراسة السيرة من هذا المنظور تعطي لها قدراً عظيماً جداً من الأهمية، نحن لا ندرس أي شخصية، نحن ندرس شخصية رسول من رب العالمين، وليس فقط أي رسول! بل خير الرسل وخاتم النبيين.
هذه القاعدة الثانية من القواعد التي من المفروض أن نضعها في أذهاننا عند كل حدث من أحداث السيرة النبوية؛ لأننا نتعامل مع وحي من رب العالمين.
стр. 15
كيفية محبة الرسول ﷺ
القاعدة الثالثة: هي أن نتعلم كيف نحب الرسول ﷺ ؟ حب الرسول ﷺ يجب أن يفوق كل حب، إن لم يحدث هذا الحب فهناك خلل في الإيمان، يقول الرسول ﷺ في الحديث الشريف: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
ويقول: (لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين)، رواه البخاري ومسلم.
وكلنا نحفظ الحوار اللطيف الذي دار بين رسول الله ﷺ وبين عمر بن الخطاب، فقد جاء في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب قال: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي)، كلنا يحب نفسه، ولكن انتبه وقف وقفة صادقة مثلما وقف عمر مع نفسه، وراجع نفسك: هل أنت تقدم أحكام رسول الله ﷺ في كل شأن من شئون حياتك، أم أن حبك حب سطحي، تقدم حب أشياء كثيرة فوق حب رسول الله ﷺ ؟! إن كان سيدنا عمر قال: يا رسول الله! أنا أقدم حبك على كل شيء إلا نفسي، فقال له ﷺ : (لا والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: فأنت الآن والله! أحب إلي من نفسي، فقال ﷺ : الآن يا عمر) يعني: الآن اكتمل الإيمان، الآن اكتمل الصدق مع الله ، لن تكون صادقاً مع الله في اتباعه وفي محبته إلا باتباع رسوله ﷺ ، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
إن دراسة السيرة تعين على حب رسول الله ﷺ .
وحب رسول الله ﷺ قضية محورية في إيمان العبد، والتعرف السطحي على شخصية ما لا يتولد عنه عميق حب، إنما التعرف على دقائق الحياة، واكتشاف مواطن العظمة المختلفة في الشخصية هي التي تولد الحب في قلب الإنسان، ولا أحسب إنساناً صاحب فطرة سليمة يقرأ أو يسمع عن رسول الله ﷺ ولا يحبه، وكلما عرفته أكثر كلما أحببته أكثر، وكلما أحببته أكثر زاد إيمانك، إنها علاقة تفاعلية في غاية الأهمية في حياة المؤمنين.
اقرأ عن أي موقف من مواقف السيرة، ضع إصبعك بصورة عشوائية على أي موقف من مواقف رسول الله ﷺ في حياته، منذ ولد وإلى أن مات ﷺ ، اقرأ في حياته كلها عن معاملاته: كيف كان يتعامل في بيته مع زوجته، مع بناته؟! كيف كان يتعامل مع أصحابه؟! كيف كان يتعامل مع أعدائه؟! اقرأ عن جهاده، عن أي غزوة قادها ﷺ ، عن صدقه، عن أمانته، عن شجاعته، عن تقواه، عن عبادته، عن قضائه، عن سياسته، عن المعاهدات التي عقدها ﷺ كالحديبية مثلاً.
اقرأ عن الهجرة، عن بدر، عن أحد، عن فتح مكة، عن أي موقف وستحب رسول الله ﷺ حباً عميقاً.
لقد عدَّ الله محمداً ﷺ نعمة ومنة منه على الخلق، قال الله في كتابه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
إذاً: من القواعد الهامة جداً التي تضعها في تفكيرك وأنت تدرس السيرة: أنك تحب رسول الله ﷺ بقدر ما تستطيع، ركز في كل حدث من سيرته ﷺ أن تزرع هذا الحب في قلبك وإلا لن تنجو، قال الله في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، المسألة ليست فقط ارتفاعاً في قدر الإيمان، بل المسألة مسألة تهديد بأن تكون من الفاسقين، كما قال الله : ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:١٠٨].
стр. 16
تعلم الحكمة في التعامل من خلال دراسة سيرة النبي ﷺ
القاعدة الرابعة والأخيرة التي نضعها في عقولنا أثناء دراسة هذه السيرة الشريفة: أن نتعلم الحكمة من خلال دراستنا لجزئيات حياة رسول الله ﷺ بكيفية وضع الأمر في نصابه، كيف تفضل رأياً على رأي آخر؟ حياة رسول الله ﷺ هي الحكمة بعينها، إذا اختار رأياً ما، فهذا هو الرأي الحكيم، إذا فعل فعلاً ما، فهذا هو الفعل الحكيم، هكذا دراسة السيرة تعلمنا الحكمة في أرقى صورها.
مثلاً: حكمته ﷺ في فن امتلاك القلوب، كيف كان الرسول ﷺ يكسب قلوب الذين يتعامل معهم؟ فهو ﷺ لم يكن يمتلك قلوب أصدقائه فقط، بل كان يمتلك قلوب أعدائه أيضاً، وهذه حكمة جديرة بالتأمل، والوقوف معها طويلاً.
حكمة أخرى في منتهى الأهمية، وهي حكمة المرحلية، والاعتراف بما يسمى بفقه الواقع؛ فإن الرسول ﷺ كان في فترة من فترات حياته يطوف بالكعبة، فما رفع معوله ليكسر صنماً، وكان بها ثلاثمائة وستون صنماً، ثم يأتي وقت آخر على الرسول ﵊ لا يقبل فيه بوجود صنم واحد في جزيرة العرب، وعندما يفتح مكة يبعث خالداً إلى الطائف لكي يكسر الأصنام التي هناك، فهذا وضع وهذا وضع، فلا يصح أن تقول: إن الرسول ﷺ عمل كذا في يوم كذا أو في سنة كذا دون دراسة الملابسات والظروف التي كانت حول الموقف الذي عمله رسول الله ﷺ ، والكلام هذا لن يستقيم إلا عن طريق دراسة السيرة.
وعاش الرسول ﷺ في مكة ثلاثة عشر عاماً بعد البعثة وفيها الرايات الحمر المعلقة على خيام الزانيات، فهناك من تعلن عن نفسها أنها تزني، والرسول ﵊ كان يعيش بينهم، ولم يحطم خيمة من خيام الرايات الحمر في وقت من الأوقات، ولكن يأتي ظرف آخر لا يتنازل رسول الله ﷺ فيه عن إقامة الحد على امرأة واحدة زنت، فإن الغامدية لما زنت أقام الرسول ﷺ الحد عليها؛ لأنها زنت، فهذا وقت وهذا وقت.
وكان الرسول ﷺ في زمن يعاهد اليهود، وفي زمن آخر يحاربهم، فلا يصح أن تقول: أنا أعاهد اليهود كما عاهدهم، من غير دراسة الظروف والملابسات التي كانت حول تلك المعاهدات في زمان رسول الله ﷺ ، لم يأت هذا وقت الحرب، ولا يجوز أن أحارب في وقت معاهدة، لن نعرف هذا إلا عن طريق دراسة السيرة.
كذلك الحكمة في اختيار القرار المناسب في الوقت المناسب، فقد كان الرسول ﷺ يكف يده يوماً عن القتال، ويوماً يقاتل من قاتله، ويوماً يقاتل كل الكفار.
كان يمر الرسول ﷺ على آل ياسر - ياسر وسمية وعمار - وهم يعذبون تعذيباً أليماً شديداً أدى إلى قتل ياسر وسمية ﵄، يمر عليهم وهم يعذبون فيكتفي ﷺ بقوله لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة) لم يرفع ﷺ سيفاً ليدفع به أبا جهل الذي كان يعذبهما، ولم يأمر أحداً من شبابه أو من أتباعه الأقوياء كـ الزبير بن العوام أو سعد بن أبي وقاص أو فرسان الصحابة الأشداء في ذلك الزمن لقتل أبي جهل، أو أبي سفيان، أو أبي لهب، وعنده مبررات كثيرة تدفعه لذلك، كأن يقول: من أجل أن تسير الدعوة في مكة، ولكن لم يفعل ﷺ ، لكن في يوم آخر من أيام رسول الله ﷺ سير جيشاً كاملاً لحرب اليهود في بني قينقاع لقتلهم رجلاً مسلماً، بعد كشف عورة امرأة مسلمة واحدة من قبل يهودي.
تخيل الفرق الضخم بين الموقفين! وسير الرسول ﷺ جيشاً لحرب الروم، وهي دولة في منتهى الضخامة في ذلك الزمان؛ لأنهم قتلوا رجلين من المسلمين، لكن هذا زمن وزمن مكة آخر.
أول العهد في المدينة غير آخر العهد في المدينة، غزوة بدر غير غزوة أحد.
انتبه وأنت تدرس كل موقف إلى الظروف المحيطة بذلك الموقف، فإنك لو فعلت ذلك ستستطيع أن تفهم ما يسمى بفقه الواقع، أو بحكمة المرحلية في حياة رسول الله ﷺ .
حكمة أخرى أيضاً في غاية الأهمية في حياة الرسول ﷺ ، هي التدرج في التربية، والتدرج في تغيير المنكر، مثل: تحريم الخمر حرم بالتدرج، وليس مرة مُنع الناس عن الخمر، كذلك التدرج في تحريم الربا، وفي أمر الناس بالجهاد في سبيل الله، كل هذا أخذ مراحل ومراحل طويلة، وكل مرحلة نصل إليها نبني عليها مرحلة أخرى.
وهناك حكمة أخرى رائعة في حياة رسول الله ﷺ ، هي حكمة الوسطية، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، لا إفراط ولا تفريط.
ما هو تعريف الإفراط؟ وما هو تعريف التفريط؟ في كل جزئية من جزئيات الحياة أنت لك تعريف، وأنا لي تعريف، وذ
стр. 17
بعض مراجع السيرة النبوية
مما ينبغي أن يعلم أن السيرة النبوية تؤخذ من عدة كتب، وكثير من الناس يغفلون عن دراسة السيرة من خلالها، وهي كتب الأحاديث وشروح الأحاديث، مثل كتاب البخاري ﵀، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري لـ ابن حجر العسقلاني رحمهما الله.
كذلك صحيح مسلم وشرح النووي لصحيح مسلم.
كذلك الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة ومسند الإمام أحمد بن حنبل ﵏ جميعاً.
ومن كتب السيرة الهامة: سيرة ابن هشام، فقد نقل معظم سيرته عن ابن إسحاق، وسيرة ابن إسحاق ﵀ ليست موجودة، فالذي بقي وهو كتاب سيرة ابن هشام، ولكن هناك أحداث كثيرة غير موثقة في كتاب سيرة ابن هشام، لذلك لا بد أن تدرس كتاباً محققاً، هناك كتاب اسمه صحيح سيرة ابن هشام، للأستاذ مجدي فتحي السيد وهو كتاب طيب.
أيضاً كتاب صحيح السيرة النبوية لـ إبراهيم العلي.
وكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة ابن القيم ﵀.
وكتاب السيرة النبوية لـ ابن كثير ﵀.
والرحيق المختوم للمباركفوري.
والسيرة النبوية للصلابي، والأساس في السنة لـ سعيد حوى، هو كتاب كبير يقع في أربع مجلدات.
وفقه السيرة للبوطي.
وفقه السيرة للغزالي.
والمنهج الحركي للسنة النبوية لـ منير الغضبان.
والسيرة النبوية دروس وعبر للدكتور مصطفى السباعي، وهو كتاب صغير لكنه يحتوي على معلومات هامة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18
سلسلة السيرة النبوية_ من الظلمات إلى النور
قبل بعثة النبي ﷺ كان العالم يعج بصور شتى من الانحرافات العقدية والأخلاقية والطبقية والاستعباد والاغتصاب للحقوق بكل صورها لا يختص ذلك ببلد دون آخر، والفارق هو في ازدياد فئة لنوع من الشر على فئة أخرى، وما ذاق أهل الأرض العدل إلا بالنور الساطع من شمس النبوة على أرجاء العالم.
стр. 19
حال العالم قبل البعثة النبوية
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني من سلسلة الدروس الخاصة بالمرحلة المكية من سيرة رسول الله ﷺ .
في هذا الدرس نتحدث عن الوضع في العالم قبل بعثة رسول الله ﷺ .
ولسائل أن يسأل: لماذا الحديث عن الفترة السابقة للإسلام؟ بمعنى: أننا في هذه الدروس نتحدث عن قواعد بناء الأمة الإسلامية، فما الذي يدفعنا للحديث عن فترة سابقة لفترة الإسلام؟ أقول: لن تدرك قيمة النور إلا إذا عرفت الظلام، ويكفي لبيان ذلك ذكر حديث رسول الله ﷺ في صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁، فإنه ﵊ في هذا الحديث وضح حال الأرض قبل بعثته ﷺ ، فقال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب)، وصل حال الأرض إلى حالة من التردي والضياع الشديد، إلى الدرجة التي يمقتهم فيها الله ، والمقت هو شدة الكراهية، وكلمة (بقايا) توحي بأنهم مجرد آثار، وليس ثمة أثر مباشر لهم في واقع الناس، وهذه البقايا لم تكن مجتمعات، يعني: ما كانت مثلاًَ مجتمعاً صالحاً في مكان ما على الأرض، بل كانوا أفراداً معدودين، رجل في مدينة، ورجل في مدينة أخرى يبتعد عنه مئات أو آلاف الأميال، وهكذا.
تعالوا نخترق الزمان والمكان، نخترق الزمان بالوصول إلى ما قبل بعثة رسول الله ﷺ ، ونخترق المكان بالوصول إلى كل بقعة على الأرض كانت تعاصر رسول الله ﷺ ، ونتجول بين الشرق والغرب.
تعالوا نرى حال الناس، والملوك، والأخلاق، والطباع، ونرى ما يسمى بالحضارات في ذلك الزمان.
стр. 20
حال الدولة الرومانية قبل البعثة النبوية
أول شيء يلفت الأنظار في ذلك الزمن دولة ضخمة جداً تمتلك نصف الأرض تقريباً وهي الدولة الرومانية، ومن ضخامتها سمى الله سورة من سور القرآن الكريم بسورة الروم، ذكر فيها قصة الروم مع الفرس، قال الله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢ - ٤] إلى آخر الآيات، ولكن ما هي الدولة الرومانية؟ كانت الدولة الرومانية ضخمة جداً، مساحتها ممتدة على ثلاثة أرباع أوروبا مقسمة إلى قسمين رئيسيين، دولة رومانية شرقية وعاصمتها القسطنطينية، كان يحكمها القيصر هرقل في زمن رسول الله ﷺ ، وقيصر هذا لقب للملك الذي يحكم الدولة الرومانية.
وأما الدولة الرومانية الغربية فكانت عاصمتها روما، وهذه سقطت قبل البعثة النبوية ولم تبق إلا الدولة الرومانية الشرقية.
كانت هناك خلافات عقائدية عقيمة بين طوائف النصارى في أطراف الدولة الرومانية الشاسعة، فالدولة الشرقية أرثوذكسية، والغربية كاثوليكية، ودارت بينهما حروب فني فيها الآلاف والآلاف على مدار السنين، وظلت هذه الحروب مشتعلة حتى العهد القريب، وإلى الآن هناك خلافات عقائدية ضخمة، وحروب بين الطوائف المختلفة من النصارى.
أما الجوانب الأخلاقية فقد كانت في انحدار شديد في هذه الدولة، مثل تأخر سن الزواج، أو بمعنى أصح اختفى الزواج، وفضل الجميع العزوبة على الزواج؛ لأن تكاليف الزواج كانت غالية والناس كلها فقراء، الأموال كثيرة جداً في الدولة، ولكنها مجموعة في أيدي قلة قليلة من رجال الدولة الرومانية الواسعة، فأدى ذلك إلى انحلال رهيب بين أوساط الناس، وانتشر الزنا في كل مكان، واختلطت الأنساب.
وأصبحت الرشوة أصلاً في التعامل مع موظفي الدولة، فأي مصلحة تريد أن تقضيها لابد أن تقدم بين يديها رشوة.
والضرائب ضخمة باهظة على كل سكان البلاد، وهي على الفقراء أكثر منهم على الأغنياء.
الوحشية الشديدة في الطباع؛ فمن وسائل التسلية التي كانت في الدولة الرومانية الشرقية: وسيلة صراع العبيد مع الوحوش المفترسة في أقفاص مغلقة، والوزراء والأمراء ينظرون من الخارج، ويستمتعون برؤية الأسد أو النمر وهو يأكل العبد بعد قتال يدوم قليلاً أو كثيراً.
نحن نتعجب من هذه الصورة، ونقول: هذه كانت عادة مجتمعات مظلمة، ولكننا نرى أيضاً في إسبانيا صراع الرجال مع الثيران، وكيف يدمر الثور أو يقتل الرجل والناس تشاهد وتصفق وتهلل، وهي صورة كما يسمونها من صور الحضارة.
أيضاً هناك حروب بربرية همجية وحشية، على سبيل المثال: في عهد اسفسيانوس أحد قياصرة الرومان، حاصر اليهود في أورشليم (القدس) سنة (٧٠ م) خمسة أشهر كاملة، انتهت في سبتمبر سنة (٧٠ م) ثم سقطت المدينة بعد هزيمة مهينة عرفها التاريخ، لماذا نقول: هزيمة مهينة؟ لأن الرومان قتلوا أبناء اليهود ونساءهم بأيديهم، يعني: يجبر كل يهودي أن يمسك بزوجته وأولاده ويقتلهم بنفسه، هكذا أتى الأمر الروماني إلى دولة اليهود المحاصرة داخل مدينة القدس، الغريب أن اليهود أطاعوا ووافقوا على ذلك، وقاموا به من شدة الرعب، وطمعاً منهم في النجاة، وهم أحرص الناس على حياة، وخرجوا يقتلون أبناءهم ونساءهم بسيوفهم، ثم خرجوا للرومان الذين بدءوا بعمل قرعة بين كل اثنين من اليهود، أيهما يقتل أخاه إلى أن صفوا كل اليهود الموجودين في القدس ولم ينج منهم إلا الشريد، أو أولئك الذين كانوا يسكنون في أماكن بعيدة.
إذاً: هذه كانت صورة من صور الحرب الرومانية التي كانت تتميز بالشراسة وأشد أنواع الهمجية المتخيلة.
كان العبيد في المجتمع الروماني ثلاثة أضعاف الأحرار، ومعاملة العبيد كانت في منتهى القسوة، لدرجة أن أفلاطون الفيلسوف صاحب فكرة المدينة الفاضلة (اليوتوبيا) التي ألفها وتخيلها في عقله، هذه المدينة الخيالية المثالية يقول فيها: إنه لا يجب أن يعطى فيها العبيد حق المواطنة.
مع أنهم من أهل البلد، لكن ليست لهم أي قيمة في بلاد الرومان.
كانت هذه لقطات سريعة من حال الدولة الرومانية في العهد السابق لبعثة رسول الله ﷺ .
стр. 21
حال الدولة الفارسية قبل البعثة النبوية
ننتقل إلى جهة الشرق لنرى الدولة الفارسية التي كانت تمتلك نصف العالم الآخر في ذلك الزمن، وكانت تمثل مأساة حضارية بكل المقاييس! انهيار شديد في الأخلاق بلغ إلى ما يسمى بزواج المحارم، وهذا شيء رغم بشاعته إلا أنه كان منتشراً في الدولة الفارسية، فقد كان الرجل يتزوج من ابنته أو أخته أو أمه، كبار القوم وصغارهم في ذلك سواء، فكسرى يمكن أن يتزوج أي واحدة في المجتمع كله، وقد وقع من يزدجرد الثاني كسرى فارس أنه تزوج من ابنته ثم قتلها.
كذلك بهرام جوبين وهو أحد الأكاسرة كان متزوجاً من أخته، وبعضهم كان يتزوج أمه، وهذا الأمر كان مستنكراً في كل بقاع الأرض، وكل الشعوب تعيب على أهل فارس أنهم يتزوجون بالمحارم، ولم يقولوا: إن هذا متعارف عليه في المجتمعات؟ لا، بل كان هذا شيئاً منكراً ضد الفطرة، ولكنهم كانوا يفعلونه.
وسبب ذلك: أنه في عهد قباذ -وهو أحد الأكاسرة الكبار في تاريخ الفرس- ظهر رجل اسمه مزدك، وهناك من يضعه في طائفة الفلاسفة والمفكرين، قال مزدك: إن الناس سواسية في كل شيء! وكانت كلمته ظاهرها جيد، لكن هل هم سواسية في الحقوق، والمعاملة؟ لا، لم يرد هذا فقط، بل أراد سواسية حتى في المال والنساء، فلا يوجد احترام لأي ملكية في البلد، كل شيء مباح للناس كلها، كل شيء مشاع، يمكن لأي أحد أن يدخل إلى بيت الآخر ويأخذ من ماله ونسائه، فبالتبعية استفاد الأقوياء من هذا القانون على حساب الضعفاء، وكان الرجل القوي يدخل على الضعيف يغلبه على ماله وزوجته فلا يستطيع الضعيف أن يتكلم، بينما الضعيف لا يستطيع أن يدخل على القوي، ولا أن يعترض أو يرفع شكواه؛ لأن هذا أصبح جزءاً من الدين في بلاد فارس.
ثم عمت البلاد المشاكل؛ لأن كل الناس لا تريد أن تعمل؛ لأن كل من يعمل لا يملك شيئاً، فلماذا يعمل؟ وعمت السرقات كل مكان، وباركها كسرى قباذ؛ لأن هذا عنده من الدين الذي وضعه مزدك، وفسد الناس كلهم أجمعون.
قارن هذا بالذي سيأتي ويقول: (والذي نفس محمد بيده! لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) صلى الله عليك وسلم يا رسول الله.
وتقديس الأكاسرة في بلاد فارس كان أمراً عظيماً جداً عند عامة الناس، فالناس كانت تعتقد أن في دم كسرى هذا دماً إلهياً، وأنهم فوق البشر وفوق القانون، كان الرجل إذا دخل على كسرى ارتمى ساجداً على الأرض، فلا يقوم حتى يؤذن له، وأقرب الناس إلى كسرى وهم طبقة الكهان والأمراء والوزراء كانوا يقفون على بعد (٥) أمتار، ومن أدنى منهم درجة على بعد (١٠) أمتار، والرسل كانوا يقفون على مسافة (١٥) متراً من كسرى، من أراد أن يدخل على كسرى ليضع على فمه قطعة من القماش الأبيض الرقيق، حتى لا تلوث أنفاسه الحضرة الملكية لكسرى! بينما رسول الله ﷺ كان إذا استقبله رجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل الذي ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير رسول الله ﷺ مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له، يعني: يتواضع لجليسه حتى إنه لا يمد رجله أمام الجليس، كما روى ذلك الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ وأرضاه.
كانت هناك طبقية شديدة فيها مهانة كبيرة جداً للإنسانية، فقد قسموا شعب فارس من أوله إلى آخره سبع طبقات: الأولى: طبقة الأكاسرة فوق الجميع.
الثانية: طبقة الأشراف وهؤلاء سبع عائلات، ولا يمكن أن يوجد شريف خارج هذه العائلات السبع.
الثالثة: طبقة رجال الدين.
الرابعة: طبقة رجال الحرب وقواد الجيوش.
الخامسة: طبقة المثقفين، ورجال العلم، والكتاب، والأطباء، والشعراء.
السادسة: طبقة الدهاقين، وهم رؤساء القرى، وجامعو الضرائب.
الطبقة السابعة: وهي طبقة الشعب، وهم أكثر من (٩٠%) من مجموع سكان فارس، وهم: العمال، والفلاحون، والتجار، والجنود، والعبيد.
وهذه الطبقة ليس لها حقوق تذكر.
كانوا يربطون بالسلاسل في المعارك، كما حدث في موقعة الأبلة، وهي أول موقعة إسلامية في فتح فارس، كانت بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، كان الفرس يربطون ستين ألفاً من الجنود بالسلاسل، كل عشرة في سلسلة، حتى إن الموقعة سميت بعد ذلك في التاريخ بذات السلاسل، ولك أن تتصور كيف يستطيع هؤلاء المقيدون في السلاسل أن يحاربوا قوماً وصفهم خالد بن الوليد ﵁ بقوله في رسالته إلى زعيم الأبلة في نفس الموقعة: جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.
شيء آخر أيضاً في منتهى البشاعة، كان في بلاد فارس عبادة النار، ظهر رجل اسمه زرادشت في بلاد فارس، يعتبرونه من كبار الفلاسفة ليس فقط لأهل فارس بل للعالم بأسره، حتى إن صاحب (الخالدون المائة) وأعظمهم محمد ﷺ ، عدّه من ضمن الخالدين، وجعل رقمه (٨٩)؛ لأن ديانته محلية، بينما ديانة الرس
стр. 22
حال أوروبا الشمالية قبل البعثة النبوية
أوروبا الشمالية، وهي: إنجلترا، والدول الإسكندنافية السويد والدنمارك وفنلندا وألمانيا.
هذه المناطق الشمالية من أوروبا كانت خارج حدود الدولة الرومانية، يقول عنها المؤرخ الفرنسي رينو -وشهد شاهد من أهلها: طفحت أوروبا في ذلك الزمن بالعيوب والآثام، وهربت من النظافة والعناية بالإنسان والمكان، وزخرت بالجهل والفوضى والتأخر وشيوع الظلم والاضطهاد، فشت فيها الأمية، للدرجة التي كان الأمراء يفتخرون بأنهم لا يستطيعون أن يقرءوا، والعلماء كانوا في مهانة شديدة في هذه البلاد، هذا إن وجدوا.
قارن هذا بدين كانت أول كلماته ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] كما قال الله .
ثم قال: كانت أوروبا مسرحاً للحروب والأعمال الوحشية.
ويقول جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) يصف وضع أوروبا: لم يجدوا في أوروبا بعض الميل للعلم إلا في القرن الحادي عشر والثاني عشر من الميلاد.
وهذا موافق للقرن الرابع والخامس الهجري.
ثم يقول جوستاف لوبون: وذلك حين ظهر فيهم أناس أرادوا أن يرفعوا أكفان الجهل، فولوا وجوههم شطر المسلمين الذين كانوا أئمة عصرهم.
وهذا الكلام كان بعد أربعة أو خمسة قرون من نزول الوحي على رسول الله ﷺ بكلمة (اقرأ).
إذاً: كيف كان الوضع قبل هذا؟ كتب مؤرخ أندلسي اسمه صاعد كتاباً اسمه (طبقات الأمم) وهو كتاب رائع، يصف فيه حال البلاد في زمانه، وقد توفي في القرن الخامس الهجري سنة (٤٦٢هـ) في طليطلة، يحكي حال البلاد الشمالية في القرن الخامس الهجري فيقول: كانوا قوماً أشبه بالبهائم، وقد يكون ذلك من إفراط بعد الشمس عن رءوسهم فصارت بذلك أمزجتهم باردة، وأخلاقهم فجة رديئة، وقد انسدلت شعورهم على وجوههم، وعدموا دقة الأفهام، وغلب عليهم الجهل والبلادة، وفشت فيهم الغباوة.
وهذا الرحالة الأندلسي إبراهيم الطرطوش يصف أهل جليقية الذين كانوا يعيشون في شمال إسبانيا، قال: هم أهل غدر ودناءة أخلاق، لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرة أو مرتين بالماء البارد، لا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تتقطع عليهم، ويزعمون أن الوسخ الذي يعلوهم من عرقهم تصح به أبدانهم.
قارن بين هذا وبين دين يأمر بالوضوء خمس مرات في اليوم، والاغتسال من الجنابة، ويوم الجمعة، وفي الأعياد، ويأمر باجتناب صلاة الجماعة -وهي من أشرف العبادات- لمن أكل ثوماً أو بصلاً! انظر إلى احترام الإنسان للإنسان، ومدى تكريم الله لعباده المؤمنين! يروي ابن فضلان الرحالة المسلم في القرن الرابع الهجري ما شاهده بنفسه من موت أحد السادة في أوروبا، فجاءوا بجارية له كي تموت معه، فشربت الخمر ورقصت وقامت بطقوس معينة، ثم قيدوها بالحبال من رقبتها، ثم أقبلت امرأة عجوز يسمونها ملك الموت وبيدها خنجر كبير، ثم أخذت تطعنها في صدرها بين الضلوع في أكثر من موضع، والرجال يخنقونها بالحبل حتى ماتت، ثم أحرقوها ووضعوها مع سيدها الميت، وهم بهذا يحترمون إنسانية السيد كما يظنون! قارن هذا بما جاء به الإسلام وتعجب من أجل أن تعرف دينك، جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن الرسول ﷺ قال: (من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه) سواء كان هذا العتق على سبيل الوجوب أو الاستحباب.
فهذه نظرة الإسلام لمعاملة الرقيق.
стр. 23
حال مصر قبل البعثة النبوية
كانت مصر محتلة من قبل الرومان منذ هزيمة كليوباترا على يد أوكتافيوس في سنة (٣١) قبل الميلاد، يعني: أكثر من (٥) قرون من الاحتلال الروماني لمصر، حتى سقط في سنة (٤٧٦م) لما سقطت الدولة الرومانية الغربية، لكن الدولة الرومانية الشرقية سرعان ما استولت على مصر قبل ميلاد الرسول ﷺ بحوالي (١٠٠) سنة.
والدولة الرومانية سواء كانت شرقية أو غربية كانوا يتخذون من مصر مخزناً يمد الإمبراطورية الرومانية باحتياجاتها من الغذاء، وحصل تدهور شديد في الاقتصاد المصري، وتدهور شديد أيضاً في الحالة العلمية والاجتماعية، وفقد المصريون السلطة بكاملها في بلادهم، لكن الرومان حرصوا على أن يتركوا بعض الرموز من أجل أن تبقى صورة من المصريين موجودة في السلطة، فيتجنبوا ثورة الشعوب، لكن الواقع أن كل الحكم والإدارة كانت في يد الرومان.
فرضوا الضرائب الباهظة على الشعب الفقير المعدم، ضرائب عامة على الأفراد والصناعات والأراضي والماشية، وحتى على المبيعات.
وضرائب على المارة، إذا أردت أن تذهب من مكان إلى مكان أو من مدينة إلى مدينة تدفع ضريبة.
وضرائب حتى على زوجات الجنود، الجندي يدفع روحه من أجل البلد وامرأته وهو غائب تدفع ضريبة.
وضرائب على أثاث المنزل، بل تجاوزت ضرائب الأحياء إلى الأموات، فقد كان لا يسمح بدفن الميت إلا بعد أن تدفع ضريبة معينة تشبه ضريبة التركات، ولم يكتفوا بمصيبة الموت فأضافوا إليها ضريبة.
فوق كل هذا كان هناك التعذيب لأجل المخالفة في المعتقد الديني، فالكل لابد أن يكون تحت مظلة النصرانية الأرثوذكسية.
стр. 24
حال الصين قبل البعثة النبوية وبعدها
أما وضع الصين أيام رسول الله ﷺ ، فقد كان فيها ثلاث ديانات: الأولى: لرجل اسمه لاوتسوا وله ديانة نظرية غير عملية، فيها بعد كامل عن النساء، وزهد كامل في الدنيا، وانعزال كامل عن المجتمع.
الثانية: لـ كنفوشيوس، ويعتبرونه من كبار الفلاسفة الصينيين، وهو صاحب مادية بحتة، وهي ديانة تعنى بقوانين وقواعد وتجارب، وتشير إلى أن الحياة بصفة عامة شيء بائس، ومن ناحية العبادة أنت حر، اعبد ما أردت: شجرة أو نهراً، أو إلخ، فهذا أمر لا يعني كنفوشيوس.
الثالثة: لـ بوذا، وهي تعاليم أخلاقية معينة، ولكن فيها أيضاً الكثير من الانعزال عن المجتمع، والزهد في الحياة، وبعد قليل تحول بوذا من مجرد مشرع إلى معبود رسمي، صنعت له التماثيل، وظل يعبد على مدار السنين.
وإلى الآن هؤلاء الثلاثة موجودون، حتى إن صاحب كتاب (الخالدون المائة) وأعظمهم محمد ﷺ ، وضعهم في الخالدين، بوذا الخامس وكنفوشيوس السادس.
بل إن مؤلف الكتاب لم يتردد أن يقول في وقاحة شديدة: إن بوذا يستحق أن يتصدر قائمة الخالدين ويسبق محمداً ﷺ وعيسى ﵇ لولا أن أتباع بوذا الآن أقل من أتباع الرسول ﷺ وأتباع عيسى ﵇، من أجل هذا أخر بوذا إلى المرتبة الخامسة، وهذا يضمر لنا إلى أي حد أصبحت المقاييس مختلة عند أمثال هؤلاء.
стр. 25
حال الهند قبل البعثة النبوية وبعدها
أما الهند فأعجوبة الأعاجيب؛ حيث كثرت فيها المعبودات بشكل مريع، فأي شيء في الهند يعبد، تماثيل لكل شيء، يعبدون الأشخاص والجبال والأنهار، مثل: نهر الكنج فهو مقدس عندهم، حتى المعادن، وأشهر المعادن التي كانت تعبد الذهب والفضة.
وعبدوا آلات الحرب من سيف أو درع، وآلات الكتابة من قلم أو كراسة.
كذلك الأجرام الفلكية تعبد من دون الله ، والحيوانات، وأكثر حيوان يعبد في بلاد الهند هو البقرة، وللأسف ما زالت تعبد إلى الآن من قبل علماء كمبيوتر وعلماء ذرة وأطباء ومهندسين، وليس فقط البقرة، بل كل الحيوانات عبدت في بلاد الهند، لدرجة أنهم عبدوا الفئران، وحصلت مجاعة ضخمة في بلاد الهند كان سببها ترك الفئران فأكلت كل المزروعات الهندية.
الشهوة الجنسية الجامحة عمت بلاد الهند، الكهان يرتكبون أبشع الفواحش في المعابد، ويعتبرون ذلك من الدين، ويتقربون بذلك إلى الآلهة.
الطبقية البشعة في بلاد الهند قسمت الناس إلى أربع طبقات: طبقة البراهمة الكهنة والحكام.
طبقة شتري وهؤلاء رجال الحرب.
وطبقة ويش وهي طبقة التجار والأغنياء.
طبقة شودر، وهذه طبقة منبوذة، ومعنى كلمة (شودر) المنبوذين، وهذه الطبقة هي أحط عندهم من البهائم، وأذل من الكلاب، حتى إن القانون عندهم ينص: من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة من دون أن يكون لهم أجر.
قارن هذا بما رواه ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه).
ليس لطبقة شودر أن يقتنوا مالاً؛ لأن هذا يؤذي البراهمة، فلا يصح أن تكون عندك ملكية لأي جزء ولو القليل من المال.
وإذا همّ شودري أن يضرب برهمي قطعت يده، وإذا هم بالجلوس إليه كوي استه بالنار، ونفي خارج البلاد، وإذا سبه اقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه شيئاً سقي زيتاً مغلياً.
يقول القانون الهندي: إن كفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والبومة سواء بسواء مثل كفارة قتل الشودر.
هذا هو وضع بلاد الهند التي يكتب عنها في الكتب عبارة: حضارة، وأنها كذا وكذا.
المرأة في المجتمع الهندي أحياناً يكون لها أكثر من زوج، وهي في منزلة مثل منزلة الأمة، حتى ولو كانت زوجة لشريف.
أحياناً في بلاد الهند يلعب الرجل القمار ويخسر، ثم لا يجد إلا أن يقامر على زوجته، وممكن أن يخسرها في القمار.
قارن هذا بكلام الرسول ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً) (النساء شقائق الرجال) (خيركم خيركم لأهله) وغير ذلك من الأحاديث.
стр. 26
موقع اليهود على خارطة الأحداث قبل وبعد البعثة النبوية
في هذه الصورة البشعة للأرض أين كان اليهود؟ عاش اليهود مضطهدين في آسيا وأوروبا وإفريقيا وفي كل بقعة وفي كل زمن، وليس هناك طاقة لأحد من البشر بمعاشرة اليهود، فهم في لحظات الضعف خنوع ونفاق ودس وكيد وكذب، وفي لحظات القوة تجبر وتكبر وظلم ووحشية وربا وفتن ومؤامرات.
اليهود في ذلك الزمن تركزوا في منطقة الشام، وفي سنة (٦١٠) ميلادية، بعد حوالي ثلاث سنوات أو سنتين من بعثة الرسول ﷺ حصلت المعركة الضخمة ما بين الفرس والروم، التي ذكرت في كتاب الله : ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:٢]، وانتصر الفرس على الرومان، واليهود كانوا في بلاد الشام التي تتبع الدولة الرومانية، فلما غلبت الدولة الرومانية تحول اليهود من رعايا الدولة الرومانية إلى قتلة وسفاكي دماء لكل رهبان النصارى الموجودين في بلاد الشام، وصارت لهم شوكة فترة من الزمان، ثم دارت الأيام وانتصر الرومان على الفرس ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]، فجمع اليهود أنفسهم وذهبوا إلى هرقل وقدموا له القرابين وتذللوا له، وأظهروا له الانصياع الكامل والتبعية لحكومته، فقبل منهم هرقل ذلك، وأعطاهم العهد بالأمان، لكن أتى رهبان الشام بعد ذلك فذكروا لـ هرقل ما فعله اليهود في وقت هزيمة الرومان، فغضب وأراد أن يعاقب اليهود، ولكن منعه العهد الذي أعطاه إليهم، فجاء إليه الرهبان النصارى وقالوا لـ هرقل: لا عليك من العهد، اقتلهم وسنصوم عنك جمعة كل سنة أبد الدهر، فقبل كلام هرقل وعذبهم عذاباً شديداً، ولم يفلت إلا الذي هرب من الشام.
ومن حينها اشتد العداء بين النصارى واليهود، علماً بأن النصارى يكرهون اليهود لادعائهم بأنهم قتلوا المسيح ﵇، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، حتى إن النصارى في عهد سيدنا عمر بن الخطاب لما فتح القدس سنة (١٦) هجرية اشترطوا ألا يعيش في القدس يهودي، وألا يبقى فيها يوماً وليلة إلا المرور، وأعطاهم عمر بن الخطاب ﵁ العهد بذلك، لكن الآن نرى اتفاق اليهود مع الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم؛ لأن معركتهم واحدة هي المعركة ضد الإسلام.
اليهود في زمن الرسول ﷺ كانوا يتمركزون في شمال المدينة المنورة في خيبر، وكانوا كعادتهم قوماً غلاظ الطباع، قساة القلوب، منحرفي الأخلاق، يعيشون على الربا، وإشعال الفتن والحروب والتكسب من بيع السلاح، وإيقاع السادة في الفضائح الأخلاقية وتهديدهم بها، والسيطرة على الجهال بكتبهم المحرفة وأفكارهم الضالة.
стр. 27
حال الحبشة قبل البعثة النبوية وبعدها
كانت الحبشة -أثيوبيا حالياً- على النصرانية المحرفة، وكانوا يتبعون الكرسي الإسكندري في الدين، يعني: مثل الديانة المصرية، ويعتقدون أن المسيح هو الله أو ابن الله، وليس له طبيعة بشرية، كانت حياتهم بدائية إلى حد كبير، وإن كان لهم قوة وجيش وسلاح، لكن في زمن الرسول ﷺ وبعد البعثة كان يحكمهم رجل لا يظلم عنده أحد، وهو النجاشي أصحمة، والنجاشي لقب وليس اسماً، مثل ملك فارس لقبه كسرى، وملك الروم لقبه قيصر، كذلك ملك الحبشة لقبه النجاشي.
هذا وضع بلاد الحبشة ذكرناه لأهميته في السيرة كما سيأتي بعد ذلك.
стр. 28
حال الأمريكيتين قبل البعثة النبوية
أما الأمريكتان فقد كانتا تعيشان في ذلك الوقت في مرحلة طفولة حضارية، في حياة بدائية تماماً، وقد رأيت آثار السكان الأصليين لأمريكا (الهنود الحمر) وهي آثار في غاية البدائية، وما كان لهم أي دور في حركة الأرض في ذلك الزمن.
стр. 29
حال الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية
كان هذا هو الوضع في بلاد العالم المختلفة في زمان رسول الله ﷺ وقبل بعثته، أما عن الجزيرة العربية فقد كانت تعيش حالة من الوثنية المفرطة، مع إيمان هؤلاء الناس بالله ، إلا أنهم اتخذوا إليه شفعاء ووسطاء، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ومضت الأيام وأصبحوا يعتقدون أن هؤلاء الشفعاء -أي: الأصنام- تملك قدرة ذاتية على أن تنفع أو تضر، فأصبحوا يتوجهون إليها مباشرة بالعبادة، وكان لكل قبيلة صنم، فمكة مثلاً كان أعظم أصنامها: هبل، والطائف أعظم أصنامها: اللات وهكذا.
وأحياناً لكل بيت صنم، وكان هناك تجار للأصنام وصناع للأصنام، تجد من يبيع آلهة في داخل البيت الحرام، بل كانت الكعبة نفسها حولها (٣٦٠) صنماً، وهي أشرف بقعة على الأرض، ومما يذكر كمثال على أن لكل بيت صنماً أن عمرو بن الجموح ﵁ كان في جاهليته يعبد صنماً من الخشب صنعه بيده.
أما الأجواء الأخلاقية في جزيرة العرب كانت شنيعة، كان شرب الخمر متفشياً تفشياً كبيراً، حتى كتبت فيه أشعار عظيمة، ووصفت مجالسه بأدق التفاصيل، مع أنه كان يؤدي إلى كثير من النزاع بين الناس.
وكان الميسر أيضاً متفشياً، وكثيراً ما أورث البغضاء والشحناء بين الناس، من أجل هذا قال الله عنه في القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة:٩١].
وكان الربا من المعاملات الأساسية في جزيرة العرب، وكانوا يقولون كما أخبر الله عنهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
أما الزنا فكانت له صور بشعة في المجتمعات العربية قبل الإسلام، وتصف السيدة عائشة ﵂ وأرضاها -كما جاء في صحيح البخاري - أنواع النكاح في الجاهلية: النوع الأول: هو النوع المعروف الذي عليه نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، وهذا الزواج الطبيعي كان أحد صور الزواج.
النوع الثاني: تقول السيدة عائشة: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها -أي: من الحيض- اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها -أي: من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، يعني: يبعث امرأته من أجل أن يجامعها رجل من أشراف مكة، وما يمس امرأته إلى أن يتأكد أنها حملت من الرجل الغريب- فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد.
هذا النكاح كان يسمى بنكاح الاستبضاع، أين مروءته وغيرته؟! تنعدم إلى درجة أنه يبعث امرأته إلى هذا الفعل الشنيع، وهذا قانون يوافق أهواء الأسياد.
كانوا يحيون على هذه المفاسد، لذا لما أتى الإسلام وحرم عليهم هذه الأمور، كان العداء بينهم وبين الإسلام؛ لأنه يحرم عليهم هذه الشهوات وهذه المفاسد.
النوع الثالث: تقول السيدة عائشة: (هو النكاح الذي يجتمع فيه الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان، وتختار واحداً من الناس فتلحقه به، ولا يستطيع أن يمتنع الرجل.
النوع الرابع والأخير في أيام الجاهلية كما تقول السيدة عائشة: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها -وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، وهي مشهورة في التاريخ بالرايات الحمر، فمن أرادهن دخل عليهن- فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها اجتمعوا لها، ودعوا لها القافة -وهم الرجال الذين يستطيعون تمييز الوالد والولد عن طريق الشبه- ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به.
يعني: التصق به ودعي على أنه ابنه، ولا يمتنع من ذلك.
تقول السيدة عائشة: فلما بعث الرسول ﷺ هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم.
كانت هناك عادة أخرى من أبشع العادات في جزيرة العرب: وهي وأد البنات، يعني: دفن البنت وهي حية، وكان يفعل ذلك لأسباب كثيرة أهمها خشية الفقر، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] يعني: خشية الفقر.
وأحياناً خوف العار، وأحياناً لعيوب خلقية أو من أجل اللون.
ومنها: ادعاء أن الملائكة بنات الله، سبحانه عما يقولون! فيقولون: ألحقوا البنات به فهو أحق بهن، تعالى الله عن ذلك، يقول الله عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩].
كذلك العصيبة القبيلة والحروب المستمرة بين القبائل كانت أمراً طبيعياً، والإغار
стр. 30
قصة إسلام سلمان وبحثه عن نور الهداية قبل البعثة وبعدها
لم يكن على الحق إلا النادر القليل قبل البعثة، ويوضح ذلك حديث سلمان الفارسي ﵁ كما جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وهو يحكي قصة إسلامه.
هذا الحديث يحكي فيه سلمان الفارسي ﵁ قصته مع الإيمان، وكيف أنه كان مجوسياً يعبد النار، بل ويعمل خادماً لها، يوقدها حتى لا تخبو، ثم لما سمع بصلاة من صلوات النصارى أعجب بها، فسأل عن أصل هذا الدين وهرب من بلده في قصة طويلة نذكرها مختصرة.
هرب من بلده أصبهان إلى بلاد الشام حيث يوجد النصارى، وهناك سأل عن أفضل أهل هذا الدين، فدله الناس على أسقف الكنيسة، فذهب إليه وعاش معه فترة، ولكنه اكتشف أنه رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزها لنفسه، حتى جمع من ذلك سبع قلال من الذهب والفضة.
يقول سلمان: فأبغضته بغضاً شديداً؛ لأنه جاء من بلاد فارس من أجل هذا الرجل، ثم وجد أنه بهذا السوء، ثم مات الرجل وكشف سلمان ﵁ أمره للناس وأخرج لهم القلال، فغضب الناس على الأسقف وصلبوه وهو ميت ورجموه بالحجارة، ثم استخلفوا بعده رجلاً آخر، وكان عظيماً تقياً ورعاً فأحبه سلمان حباً شديداً وعاش إلى جواره فترة، ثم حضرت هذا الأسقف الوفاة، فقال له سلمان: قد حضرك ما ترى من أمر الله ، فإلى من توصي بي، قال: أي بني! والله ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه، لقد غير الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل.
يعني: من كل أهل الأرض لا يعرف إلا واحداً صالحاً فقط في الموصل في أرض العراق، وفي كل الشام ليس هناك رجل على الحق، فذهب إليه سلمان ومكث عنده فترة وكان رجلاً طيباً كصاحبه، ثم اقتربت وفاته، فقال له سلمان: إلى من توصي بي؟ قال: والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا بنصيبين، وهو فلان فالحق به، فلما مات ذهب سلمان إلى نصيبين.
بقي حياة طويلة من الكفاح والبحث عن الحق ﵁ وأرضاه، ونحن نكسل عن البحث في المكتبة عن كتاب -وهو داخل البيت- من أجل معلومة معينة، انظر لـ سلمان الفارسي من بلد إلى بلد من أجل أن يعبد الله حق العبادة.
عاش سلمان في نصيبين مع الرجل فترة، وكان رجلاً صالحاً، ثم ما لبث أن حضرته الوفاة، فقال له سلمان: إلى من توصي بي؟ قال: أي بني! والله ما أعلم أحداً بقي على أمرنا إلا رجلاً بعمورية -تركيا حالياً- فالحق به، يقول سلمان: فلحقت بصاحب عمورية، وكان الرجل على هدي أصحابه، فاكتسبت من التجارة حتى كان لي بقرات وغنيمة، ثم حضرت الرجل الوفاة، فقال له سلمان: إلى من توصي بي؟ فقال الرجل: أي بني! والله ما أعلم أن أحداً قد أصبح على ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم ﵇، يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، بها علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال سلمان: ثم مات الرجل.
ثم مكث سلمان ﵁ فترة في عمورية وهو يبحث عن طريقة يصل بها إلى أرض العرب، حتى مر به مجموعة من التجار، فقال لهم: تحملونني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي، قالوا: نعم، يريد أن يضحي بكل الذي امتلكه من أجل أن يصل إلى هذا الدين، يقول: فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا قدموا به وادي القرى في شمال المدينة المنورة ظلموني، فباعوني إلى رجل من يهود عبداً، ثم مرت الأيام وسلمان الفارسي عبد وقد كان ابناً لأحد رؤساء القرى في بلاد فارس.
يقول سلمان: فبينما أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة ﷺ فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي -يعني: أعلى النخلة- أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذا أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: قاتل الله بني قيلة -الأوس والخزرج-، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي، يقول سلمان: فلما سمعتها أخذتني العرواء -رعشة شديدة في جسده- حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا، أقبل على عملك، فقلت: لا شيء لا شيء، إنما أردت أن أستثبت عما قال.
ثم كانت له قصة إسلام لطيفة مع رسول الله ﷺ ليس الآن مجال ذكرها.
الشاهد من القصة أن بقاع النور في الأرض كا
стр. 31
حال مكة قبل البعثة النبوية
أما الوضع في مكة نفسها فما كان يختلف عن ذلك كثيراً، لم يكن هناك على الدين الصحيح إلا القليل مثل: زيد بن عمرو بن نفيل أبو سيدنا سعيد بن زيد ﵁ وأرضاه صاحب رسول الله ﷺ ، وكان زيد بن عمرو بن نفيل حنيفياً على ملة إبراهيم ﵇.
كذلك كان ورقة بن نوفل قد تنصر.
стр. 32
أهمية بعثة النبي ﷺ إلى أهل الأرض وضرورة الدعوة إلى دين الإسلام في وقتنا الحاضر
كانت الأرض على اتساعها قبل البعثة النبوية تعيش الانهيار الشديد في الأخلاق والقيم والعادات والعلاقات والعقيدة، ظلمات بعضها فوق بعض، من هنا ندرك فعلاً قيمة النور الذي أنزله الله على الأرض ببعثة الرسول الحبيب محمد ﷺ ، ﴿قدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦].
كان من الواضح أن الأرض تحتاج في هذا التوقيت إلى الإسلام، إلى وحي السماء، إلى الهداية إلى الطريق المستقيم، في زمان تشعبت فيه طرق الضلال حتى استحال حصرها، كان ذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، فماذا عن حالنا الآن، هل الأرض تحتاج إلى الإسلام كما كانت تحتاج إليه قبل بعثة رسول الله ﷺ ؟ هل حال الأمم المختلفة في الأرض الآن لا يحتاج إلى تقويم إلهي وتعديل رباني وهداية سماواية وشريعة إسلامية؟ إن الناظر إلى حال الأرض في زماننا يرى الأوضاع شديدة الشبه بما كانت عليه قبل رسول الله ﷺ ، يرى الجرائم الأخلاقية، والانحراف في السلوك وصل إلى درجات شنيعة، تجد شعوباً كاملة غارقة تماماً في الجنس والإباحية والشذوذ، فمعدل الزنا في أمريكا تحت (١٨) سنة مراهقين وصل إلى (٥٥%)، في إنجلترا (٦٥%)، في العالم الإسلامي معدلات الزنا في ارتفاع رهيب، لكن الحمد لله ما زال المجتمع المسلم لا يسمح بالمجاهرة بمثل هذه الفواحش وإن كانت موجودة، والكل يلاحظ الإباحية التي تنتشر بلا حدود في وسائل الإعلام والشوارع والجامعات والأندية، ناهيك عن الشواطئ وحمامات السباحة.
العنف في الأرض في ازدياد ملحوظ، جرائم القتل والاغتصاب والسرقة بالإكراه والخطف منتشرة بشكل بشع، نوعيات الجرائم البشعة والتعذيب في السجون، والقتل الجماعي تنتشر بأشكال رهيبة في الأرض، الحروب الظالمة وأكل أموال الشعوب أصبح ظاهرة في كل بلاد الأرض، وللأسف العالم الإسلامي من أكثر المناطق تعرضاً لهذه الحروب ولهذا الظلم، وأحياناً الظلم يأتي من الأقربين، ولا يلزم أن يكون من محتل شعره أصفر وعينه زرقاء، لا، الظالم قد يكون من نفس بلد المظلوم، وتأمل حال إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية فهي تعيش دكتاتورية وقهراً وبطشاً في كل مكان من أمريكا وأوروبا، وإن كانت بلاداً ديمقراطية إلا أنها ما زالت استعمارية، نعم تغيرت أشكال الاستعمار لكنها ما زالت استعمارية، فحروب الفرس والرومان القديمة لم تكن تحمل وحشية حروب أمريكا وإنجلترا وفرنسا وروسيا والصرب وغيرهم، فأمريكا قتلت في هيروشيما وناجازاكي أكثر من مائتي ألف مدني، في (٦) أغسطس (١٩٤٥م)، وفي (١٩) مارس من نفس السنة قتلت أمريكا ثمانين ألف ياباني مدني بقنابل النبالم المحرمة، رمتها طائرات البي (٢٩) على طوكيو، وهذا لم يشتهر؛ لأن موضوع القنبلة النووية غطى على كل شيء.
وقتلت أمريكا مليون ونصف كوري وصيني من العسكريين، ومليون مدني في حرب كوريا سنة (١٩٥٠م) أرقام مهولة.
وقتلت أمريكا من ثلاثة إلى أربعة ملايين فيتنامي في الحرب الفيتنامية من سنة (١٩٦٣م - ١٩٧٥م) أعنف حرب إبادة في التاريخ، ناهيك عما رأيناه في العراق وأفغانستان وغيرهما، ما سمعنا عن شيء مثل هذا في أيام الجاهلية الأولى.
كذلك حروب الصرب وروسيا والهند حروب رهيبة، وللأسف القتلى كلهم من المسلمين، حتى أمريكا والغرب لما ضربوا الصرب في كوسوفا رموا عليها آلاف الأطنان من القنابل المخصبة باليورانيوم المشع، والتي سيبقى أثرها في أراضي كوسوفا آلاف السنين، هذا إن كان في عمر الأرض بقية! فالوثنية في العالم باتت بشعة؛ لأن الغالب الأعم من أهل الأرض وثنيون، لو قسمت العالم إلى مسلمين ونصارى ويهود ووثنيين، فإن نسبة الوثنيين أعلى نسبة: ألف مليون في الهند يعبدون البقر والشجر والفئران الخ، مليار وثلاثمائة مليون في الصين ينكرون وجود الإله شيوعية ملحدة تماماً! روسيا ليست بعيدة عن الاعتقاد هذا، وإن كانت الشيوعية انتهت إلا أن معظم الشعب لا يزال ملحداً.
البوذية منتشرة في جنوب شرق آسيا واليابان.
إفريقيا فيها قبائل كثير جداً وثنية تماماً، يعبدون أصناماً وأشجاراً ونجوماً.
في بلاد أوروبا وأمريكا كثير من المحسوبين على النصارى أصبحوا ملحدين، ففرنسا تقول: أنا علمانية بحتة، وأمريكا كذلك علمانية بحتة، وألمانيا كذلك، وتركيا وتونس وغيرهما من بلاد المسلمين يقولون: نحن علمانيون.
رأينا في بلاد مسلمة من يعبد الشيطان مع أن الرسول ﷺ يقول: (إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تحقرون) لكن في هذا الوقت بعض شباب وشابات المسلمين أعطوا الشيطان الذي كان قد يئس منه أمر لا يتخيله عقل.
بعد كل هذا ألا تشعرون أن العالم بأسره وليس العالم الإسلامي فقط يتجه إلى هاوية سح
стр. 33
سلسلة السيرة النبوية_ من هنا بدأ الإسلام
من حكمة الله جل وعلا البالغة أن اختار جزيرة العرب لتكون مهبط الوحي لخاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ وذلك لأن العرب أمة لم تعرف ديناً من قبل سوى ملة إبراهيم، ولم يصلها من حضارات وفلسفات الأمم من حولها شيء، لتحافظ بذلك على وحدة المصدر المتلقى عنه، دون أن تضيف إليه شرائع وأحكام وقوانين البشر، كما أن خلو بقعة الرسالة في الجزيرة من الجيوش أو الملوك ساعد على عدم قمع الدعوة في مهدها، وساهم في صنع الأحلاف لدولة الإسلام مع غيرها، وجعل الدعوة تبني جيش الإسلام.
стр. 34
الحكمة من إرسال محمد ﷺ في جزيرة العرب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث من دروس السيرة النبوية: الفترة المكية.
هناك سؤال قد يستغربه البعض: لماذا ينزل الوحي في مكة؟ لماذا تحدث قصة رسول الله ﷺ في الجزيرة العربية؟ لماذا لم يبعث الرسول ﷺ في فارس أو الروم، أو في فلسطين مثل بقية الأنبياء، أو في مصر مثل سيدنا موسى ﵊؟ إخواني! لا توجد نقطة واحدة في حياة رسول الله ﷺ عشوائية؛ إذ كل شيء بحساب، كل شيء مقصود؛ لأن الرسول ﷺ سيكون قدوة لكل المسلمين إلى يوم القيامة، فلابد أن تكون كل خطوة في هذه الشخصية محسوبة تماماً.
كان الوضع في جزيرة العرب هو الوضع المناسب لقيام الدعوة الإسلامية, يتضح ذلك من آثار التجربة الإسلامية الأولى، فقد كانت تجربة ناجحة تماماً، والبيئة التي نشأت فيها الرسالة كانت بيئة صالحة، فقد رأينا الإسلام ينتشر بسرعة في الأرض، ففي غضون سنوات قليلة لا تحسب في التاريخ بشيء وصل الإسلام من أقصى الأرض إلى أقصاها، بل ودخل الناس في دين الله أفواجاً، راغبين غير مكرهين.
إذاً: فنحن نسأل هذا السؤال ونهدف من ورائه لمعرفة المقومات التي أنجحت رسالة الإسلام.
من المعلوم أن الرسالة من الممكن أن تحقق نجاحاً ذاتياً في أي مكان تقوم به؛ لأن الرسالة في ذاتها عظيمة تصلح لكل زمان ومكان، لكن من منظور هذه المجموعة من الدروس نحن نقول: كيف نبني أمة؟ فأول البناء هو وضع الأساس، ونحن نريد أن نعرف لماذا ربنا اختار هذا المكان بالذات لوضع الأساس لهذا المشروع العظيم، مشروع الإسلام.
ما هي مواصفات هذا المكان؟ ما هي ظروفه؟ ما هي طبيعته؟ لو استطعنا أن نعرف هذه المواصفات لسوف نستخرج قواعد في غاية الأهمية لإعادة بناء الأمة الإسلامية على أساس صحيح، وسوف نعلم ما هي البيئة التي يمكن أن تكون أصلح لنشأة الدعوة الإسلامية، ولنشأة هذا الدين وتمكينه.
أما الحكمة الكامنة وراء ذلك الأمر فلا يعلمها إلا الله ، لكن نحن نحاول أن نبحث على قدر الاستطاعة، ونسأل الله التوفيق.
стр. 35
المحافظة على نقاء الرسالة ووحدة المصدر
أول حكمة تتبدى في ذلك الأمر: أن هذه المنطقة ليس لها تاريخ ثقافي يذكر، ولا فلسفات سابقة، أو تشريعات مركبة، أو قوانين مفصلة، بل حياة بسيطة إلى أبعد درجات البساطة، الحضارات المعاصرة لها كانت لها أفكار مرتبة وفلسفات خاصة وتاريخ طويل، فالدولة الرومانية الغربية والشرقية كانت فيها قوانين كثيرة، وتشريعات في معظم المجالات، وكان بها ظلم وقهر وبطش.
فاليونان كانت جزءاً من الدولة الرومانية الشرقية، وكانت فيها فلسفات كثيرة قوية، وظهر فيها فلاسفة كبار، أمثال: أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم.
والدولة الفارسية ظهر فيها مزدك صاحب الشيوعية وزواج المحارم، وظهر فيها زرادشت صاحب النار.
والهند كان فيها حكماء كثيرون جداً كما يقال.
والصين ظهر فيها بوذا وكونفوشيوس ولاوتسو.
ومصر كان فيها الفراعنة وتاريخهم طويل وقديم وقوي، وعندهم أيضاً قوانين وتشريعات وأحكام، ومع كل هذا نزلت الرسالة في مكان يعتبر تقريباً بلا تاريخ ثقافي، اللهم الشعر، لكن حتى الشعر لم يكن له دور فعال في بناء الأمة الإسلامية، ولم يكن ذا أهمية خاصة في إنشاء الأمة الإسلامية على الأقل في البداية، بل إن الرسول ﷺ كان لا يعرف نظم الشعر على بلاغته وفصاحته ﷺ ، وقد كان أبلغ البشر أجمعين، ومع ذلك لم يكن يقول الشعر، وفي هذا يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] يعني: لا يصح أن يقول شعراً، وما ينبغي له ذلك؛ لئلا يختلط على الناس الأمر، ويعتقد الناس أن القرآن نوع جديد من الشعر ساقه رسول الله ﷺ ، فالله أراد ألا يختلط القرآن بأي شيء من كلام البشر، حتى لو كان من كلام رسول الله ﷺ .
كل هذا من أجل نقاء الرسالة، وحتى لا تختلط بأفكار سابقة، ثم يقال: إن الإسلام مجرد تطور للمعتقدات السابقة.
فـ كونفوشيوس أو بوذا أو سقراط أو غيرهم من الفلاسفة لهم معتقدات معينة، وقواعد خاصة وضعوها منذ مئات السنين، بعضها قد يحض على معنى معين حض عليه الإسلام أيضاً، ولكن سيكون بشيء من الاختلاف أو التغيير، فقد يحض بعضهم مثلاً على الصدق، أو الزهد في الدنيا، أو الأمانة، فإذا جاءت هذه الأفكار في الإسلام قد يعتقد البعض أنها مجرد تطور لأفكار سقراط أو بوذا أو غيرهما، وهذا ما قاله بعض المتطاولين على الإسلام، مع أن الرسول ﷺ كان بعيداً عن هؤلاء الفلاسفة، وما كان يقرأ ﷺ ، فما بالكم لو كان الرسول ﷺ نشأ في بيئة مليئة بالفلاسفة وبالثقافات القديمة، ماذا سيقال عنه؟ ثم أيضاً قد تتسرب بعض هذه الأفكار إلى الإسلام دون دراية المسلمين بذلك، فقليلاً قليلاً يختلط الصواب بالخطأ، ويختلط الحق بالباطل، فإن قواعد الجاهلية التي كانت مترسخة في الناس أخذت مجهوداً ضخماً من الإسلام؛ لكي يلغيها من أذهان الناس، فمثلاً: عادة التبني، لكي يلغيها الإسلام حصلت القصة المشهورة من طلاق زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه للسيدة زينب بنت جحش، ثم زواج الرسول ﷺ منها.
كل هذا أحدث هزة كبيرة جداً في المجتمع المسلم، والناس كلها تنتبه إلى أن هذه العادة ليست من الإسلام.
وتخيل لو أن هذا البلد مليء بتشريعات وقوانين وفلسفات، كيف سيصبح الوضع؟ فربنا يريد للرسالة أن تكون نقية تماماً، ليس فيها أي خلط بأي أفكار أخرى، وربما من أجل هذا أيضاً ما نزلت الرسالة في فلسطين، فلو نزلت فيها الرسالة فستبقى مجرد امتداد لليهودية أو النصرانية، نعم، أصول التوحيد واحدة، لكن الإسلام أتى بتشريع كامل متكامل يحكم الدنيا والدين.
إن الله أراد للرسالة الخاتمة أن تنزل على رسول الله ﷺ في مكة؛ حتى لا يدعي بعض المدعين على الرسول ﵊ أنه أخذ التوراة والإنجيل وحرف فيهما قليلاً، واستخرج منهما الإسلام، ادعى أهل مكة أن الرسول ﵊ كان يتلقى هذه الآيات من غلام نصراني، فكيف لو نزلت الرسالة في بلد مملوء بأهل التوراة والإنجيل مثل فلسطين؟ لذلك نزلت هذه الرسالة في مكان ليست فيه بالفعل أي نوع من الثقافات السابقة أو القوانين أو التشريعات، كل هذا من أجل أن يبقى الدين في النهاية نقياً خالصاً: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
ونحن رأينا بأعيننا بعد ذلك آثار اختلاط الإسلام بالأفكار الغريبة عنه، ومدى الخطورة على الإسلام لو أدخلنا عليه أي أفكار، حتى ولو كانت من أفكار الفلاسفة وكبار الحكماء كما يقولون.
مثال ذلك: دخول المناهج الفلسفية اليونانية إلى الإسلام، عندما ترجمت
стр. 36
إدراك حقيقة أن النصر بيد الله وأن القلة المؤمنة تغلب الكثرة المشركة
الحكمة الثانية من نزول الرسالة في جزيرة العرب: أن هذه المنطقة ليس لها تاريخ أو واقع عسكري ملموس، لم يكن هناك ما يعرف بالجيوش العربية، بل كانوا قبائل متفرقة متشرذمة، لا يعرفون إلا حرب الإغارات والسطو على بعضهم البعض، وأعدادهم قليلة، وسلاحهم قديم، وخططهم بدائية، فلما جاء الإسلام إلى هذه البقعة من الأرض حصل انقلاب هائل بمعنى الكلمة، إذا بالرجال البدو البسطاء الذين كانوا يعيشون في هذا المكان يصبحون قادة عسكريين على أعلى المستويات، لا مثيل لهم في التاريخ كله، وإذا بالقبائل المتفرقة تكون جيشاً واحداً مترابطاً، وإذا بالبدو الرحل يحاورون ويناورون ويفاوضون، ويفتحون البلاد، ويدعون العباد إلى عبادة رب العباد، اقرءوا تاريخ الفتوح الإسلامية الإعجازية، راجعوا التاريخ من أول نزول آدم وإلى الآن لا تجد لهم نظير، ولا للفتوحات الإسلامية مثيل.
في غضون سنوات قلائل تسقط فارس الدولة الرهيبة العظيمة.
في غضون ثلاث عشرة سنة بعد وفاة الرسول ﷺ ، تسقط فارس، التي هي إيران والعراق وأوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان وكازاخستان وأفغانستان وباكستان، نصف الأرض تقريباً تسقط في ثلاث عشرة سنة على أيدي هؤلاء البدو الرحل.
كذلك في نفس الوقت على الجهة الغربية من العالم تسقط معظم ممتلكات الدولة الرومانية في آسيا وإفريقيا، معجزة عسكرية هائلة بكل المقاييس، من المستحيل أن تكون من فعل البشر! ماذا كان موقف العرب من كسرى فارس قبل الإسلام؟ كان العرب مثل أصغر دولة نامية في الأرض في هذا الوقت بالنسبة لأعظم قوة في الأرض في زمانهم دولة فارس ودولة الروم، والعربي إذا أتى إيوان كسرى يقف على بعد خمسة عشر متراً منه، وكان يعتبر ذلك فخراً أبد الدهر فـ المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه من صحابة رسول الله ﷺ ، كان في جاهليته يفخر على غيره بأنه دخل إيوان كسرى، فهذا يشبه عندما تأتي بشاب من دولة نامية ليقابل رئيس دولة عظمى.
وكان الفرس يتصدقون على العرب بالقمح من شدة المجاعات التي كانت تقع في أرض العرب؛ لذا لما ذهبت الجيوش الإسلامية لفتح فارس تعجب كسرى من العرب، كيف أتوا كي يفتحوا بلاده بينما هو يرى أنه من مضيعة الوقت أن يحاربهم؟ وقال: أنا أعرض عليكم عرضاً مغرياً جداً -في نظره-، سأعطي ثوباً لكل جندي ودرهم.
هذا العرض الذي عرضه كسرى فارس على الجيوش الإسلامية، وأما القائد الإسلامي فسيغريه جداً ويعطيه ثوبين ومائة درهم كان هذا الرقم مهولاً جداً، وهذه كانت نظرة كسرى فارس ودولة فارس كلها للعرب، وهذه النظرة كانت واقعية بالنسبة لتاريخ العرب وتاريخ فارس، وتذكروا معي مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه لما جيء به من غزوة أحد ليدفن لم يجدوا ما يغطونه به، فعلاً كان الصحابة بسطاء جداً؛ لذا فإن كسرى فارس يقول: أعطيكم ثوباً لكل جندي، وهو يرى أنه يسترهم به.
وحذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه لما ذهب ليأتي بخبر القوم في الأحزاب كان عليه ملابس زوجته؛ لأن الجو كان بارداً.
هذا كان وضع الصحابة الذين فتحوا بلاد فارس الرهيبة وبلاد الروم الهائلة.
والعرب لما كشروا عن أنيابهم في الأحزاب بالكاد جمعوا عشرة آلاف، وهذا كان رقماً مهولاً عندهم، فكيف يمكن لهؤلاء أن يفكروا في غزو بلاد فارس، مع علمهم أن جيش فارس لا يقل عن اثنين مليون جندي! فجوة هائلة في التسليح والإعداد! بالإضافة إلى أن الحرب في عقر دار الفارسيين في وسط بلاد الفرس في العراق وإيران وغيرهما من البلاد على بعد مئات الأميال من المدد.
حقاً إنها معجزة عسكرية بكل المقاييس!! أين كان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح والقعقاع بن عمرو التميمي والبراء بن مالك وأبو موسى الأشعري والزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة والمقداد بن عمرو؟ الكوادر العظام في الإسلام أين كانوا قبل الإسلام؟ أين كان هؤلاء العباقرة العسكريون قبل إسلامهم؟ خالد بن الوليد في أُحد أمام خمسين من الرماة وهو في ثلاثة آلاف لم يحرك ساكناً، لولا خطأ الرماة بترك الجبل فيما بعد وخالفوا أمر رسول الله ﷺ ونزلوا من فوق الجبل، هذا هو خالد، ما الذي جعله يدخل بلاد فارس بثمانية عشر ألف جندي مسلم ويكسر بهم مائة وعشرين ألفاً ولا يغلب في موقعة؟ كيف ينتصر المسلمون باثنين وثلاثين ألفاً في القادسية على ربع مليون فارسي؟ كيف ينتصر المسلمون بتسعة وثلاثين ألفاً على مائتي ألف رومي في اليرموك؟ كيف فتحوا بلاد الأندلس باثني عشر ألفاً وأمامهم مائة ألف إسباني صليبي في عقر دار الأسبان؟ ألغاز لا يمكن أن تفهم إلا بحقيقة واحدة لا ثاني لها: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ
стр. 37
الاستفادة من تعدد موازين القوى وعدم وجود حكم مركزي أو دكتاتوري في مكة
الحكمة الثالثة من وراء نزول الرسالة في أرض مكة وجزيرة العرب: نظام الحكم في أرض مكة.
لم يكن الحكم في مكة حكماً مركزياً، ولم يكن في مكة ثمة حاكم معين، بل مجلس يضم عشرة أشخاص يمثلون عشر قبائل، حكم ائتلافي يشبه الحكم الديمقراطي، وقد أفادت كثرة موازين القوى في مكة الدعوة، ووجدت إضافة إلى ذلك بعض القوانين الوضعية في أرض مكة استفاد منها رسول الله ﷺ ، دون أن يتنازل عن شيء من دينه ولا من عقيدته، ليعلمنا أن المسلم الذكي الواعي الفاهم يستطيع أن يستفيد من هذه القوانين طالما يحافظ على دينه.
وهذا يرد على كثير من غير الفاهمين لسنة الرسول ﷺ ، ويقولون: إننا لا نحتكم مطلقاً لقانون وضعي، لكن هذا الكلام ليس بصحيح على إطلاقه، فنحن لا نحتكم إلى قانون وضعي إذا تعارض مع شرع الله ، ونستفيد مما ليس له تعارض بالشرع.
فقانون الجوار كان في مكة، ولو كان الحكم مركزياً مثل فارس أو الروم ما تمت هذه الإجارة، والرسول ﵊ استفاد من هذا القانون، ودخل في جوار المطعم بن عدي المشرك؛ لكي يحميه من أهل مكة، ودخل أبو بكر الصديق ﵁ في جوار ابن الدغنة المشرك، ودخل عثمان بن مظعون ﵁ في جوار الوليد بن المغيرة المشرك.
هكذا استفادوا من قانون الجوار الوضعي في مكة، لكن بدون تفريط في العقيدة أو الدين.
كذلك هناك قانون قبلي أيضاً كان في مكة استفاد منه رسول الله ﷺ ، وهو حماية بني هاشم له، وبالذات في أثناء حياة أبي طالب مع كون معظمهم على الشرك، أبو طالب بالذات كان مشركاً، وبقي إلى آخر لحظة من لحظات حياته مشركاً، ومع ذلك الرسول ﵊ قبل حمايته.
كذلك قانون الأحلاف، قبل رسول الله ﷺ بفكرة الأحلاف مع المشركين، إذا كان الحلف يهدف إلى أمر نبيل ولا يتعارض مع الدين الإسلامي، يقول الرسول ﵊: (شهدت وأنا غلام -أي: قبل البعثة- حلفاً مع عمومتي المطيبين) كان حلفاً بين بني هاشم وبني تيم وزهرة على نصرة المظلوم.
يقول: (فما أحب أن لي به حمر النعم وأني نكثته، ولو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت).
وأكثر من هذا ما كان في صلح الحديبية، فقد حالف رسول الله ﷺ قبيلة خزاعة وكانت مشركة.
وكان للمسلمين دولة وكيان معروف وقوي.
ووقع ﷺ معاهدة مع قريش، وبهذه المعاهدة حالف خزاعة ووضع يده في يدها، وما تنازل عن أي قانون إسلامي أو أي عرف إسلامي، لكنه تعاون مع خزاعة ضد قريش.
إذاً: الرسول ﷺ استفاد من تعدد موازين القوى، ومن قوانين المجتمع الوضعية ما دامت لا تتعارض مع الدين والشرع والعقيدة.
وهذه الحكمة ما كانت لتظهر لو نزلت الرسالة في بلد فيه حكم ديكتاتوري مثل: فارس أو الروم أو غيرهما من الممالك الموجودة في ذلك الوقت.
стр. 38
إتقان أهل الجزيرة العربية والدعاة للغة العربية لغة القرآن
الحكمة الرابعة من نزول الرسالة في جزيرة العرب: أن النبي ﷺ كان يتحدث اللغة العربية، وهي أشرف اللغات، وبها نزل القرآن الكريم، وهي لغة أهل الجنة، والقرآن كلام الله ، ولم ينزله الله بهذه اللغة لأهل الجزيرة فقط، بل للعالم كله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] في زمان رسول الله ﷺ وبعد زمانه وإلى يوم القيامة.
وقد نزل القرآن بهذه اللغة في وقت كانت فيه لغات كثيرة موجودة في الأرض، واستحدث غيرها من اللغات على مر التاريخ، وستكون لغات أخرى إلى يوم القيامة، ومع ذلك أراد الله لهذا القرآن وهذا المنهج أن يكون باللغة العربية؛ لحكمة يعلمها .
وهو يعلم أن اللغة العربية قد تكون أقل انتشاراً من غيرها من اللغات في زمان من الأزمان، مثل زماننا هذا فإن اللغة العربية أقل انتشاراً من الإنجليزية أو الصينية أو الفرنسية، ومع علم الله بذلك الأمر إلا أنه أنزل القرآن باللغة العربية، لحكمة كاملة لا يعلمها إلا هو ، وأنا في اعتقادي أن سبب ذلك هو أن اللغة العربية أثرى لغة، فالشيء الواحد له أكثر من اسم في هذه اللغة العظيمة، فلك أن تعبر عنه بعشرات الكلمات، فمثلاً: العسل له ثمانين اسماً، والثعلب له مائتا اسم، والأسد له خمسمائة، والجمل له ألف، والسيف له ألف، والداهية لما توصف واحداً بأنه داهية في أربع أو ثلاث كلمات تفسر معنى الداهية، شيء مهول لا يتخيله عقل، هذه هي اللغة العربية.
وأيضاً الكلمة الواحدة في اللغة العربية تكون بنفس الحروف، إلا أن تغيير حركات التشكيل يعطيها أكثر من معنى، كل هذا أعطى اللغة إمكانيات هائلة، تنزل الآية بكلمات قليلة محدودة ومع ذلك تحمل من المعاني ما يصعب حصره.
كلما نظر المفسر في الآية استخرج منها معاني جديدة مختلفة عن التي استخرجها غيره، قد ينظر المفسر الواحد في الآية أكثر من مرة، وفي كل مرة يخرج بمعنى جديد، وتمر الأزمان والأزمان ثم يأتي مفسرون آخرون ليستخرجوا معاني جديدة.
وصدق علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه عندما وصف القرآن بأنه لا يخلق من كثرة الرد، أي: لا يبلى من كثرة الترديد والقراءة.
أيضاً كلمات الرسول ﷺ كانت باللغة العربية، وآتاه الله جوامع الكلم، كان يقول الحديث في كلمات قليلة جداً، فإذا به يحوي أحكاماً لا تنتهي.
فإذا كان ربنا اختار أن القرآن ينزل باللغة العربية فيلزم الناس أن يتكلموا العربية، بل ووصلوا فيها إلى أعظم درجات الإعجاز البشري، إتقان عجيب جداً للغة، يتصرفون فيها كما يريدون، وأصبحت ألسنتهم سهلة لينة طيعة بها.
وكان أمر الشعر عند العرب عجيباً، فالمعلقات الهائلة التي كانت تعلق على الكعبة من الشعر، فالشعر يقال في كل الظروف، الفرحان يقول الشعر، والحزين يقول الشعر، ويقال في السلم، وفي الحرب، حتى قبل الموت والسيف على رقبة الشخص وهو يقول الشعر؛ لأنه كان على لسانه مثل الكلام عندنا.
كذلك المعارضة بالشعر تأليف فوري، واحد يقول بيت شعر والثاني يرد عليه ببيت على نفس الوزن والقافية وفي نفس اللحظة، ولا يفكر كثيراً، هذه كانت كفاءتهم بالنسبة للغة العربية.
إذاً: من عوامل نجاح الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، إتقان أهل هذه البقاع اللغة العربية، لماذا إتقان اللغة العربية كان سبباً في نجاح الدعوة؟ أولاً: كان أدعى لإيمان الناس بكلام الله وبإدراك الإعجاز الإلهي في كل آية وفي كل سورة، يقول الله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ١٩٩].
فالعرب المتقنون للغة أدركوا منذ أول لحظة سمعوا فيها القرآن أن هذا الكلام معجز، لذا لم ينتقدوا آية واحدة من آيات القرآن الكريم، ولم يعارضوا القرآن بمثله أبداً، وما اجتمعوا لكي يعارضوا القرآن الكريم، لم يجتمع شعراؤهم وأدباؤهم وحكماؤهم ليؤلفوا آية واحدة مع تحدي القرآن لهم.
فالقرآن يتحداهم أن يأتوا بسورة أو عشر سور أو بمثل القرآن كله وهم لا يستطيعون، كرجل تقول له: اذهب وخذ هذا البيت، وهو يذهب أصلاً ولا يحاول؛ لأن هذا شيء بالنسبة له معجزة، نعم، أنا قوي وأقدر على أخذ كذا أو كذا أو كذا، لكن ذلك البيت مستحيل، هم كانوا هكذا بالضبط، يعلمون أن القرآن الكريم، وهذه الكلمات والآيات والسور من المستحيل أن تعارض.
فمعرفة العربية كانت أدعى لفهم الإعجاز العجيب في كتاب الله .
وهذا الأمر ليس مقصوراً فقط على الإعجاز اللغوي، بل حتى أي نوع من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم يحتاج إلى فهم دقيق للغة، بل حتى الإعجاز العلمي الذي نستخرجه من القرآن الكريم لابد له من فقه للغة، ومعرفة معنى الكلمات، ومعنى الآيات، والمقصود من وراء كل كلمة.
ثم أيضاً لابد أن تعلم أن الذي يقرأ ترجمة ا
стр. 39
وجود بقايا من ملة إبراهيم في الجزيرة
الحكمة الخامسة من وراء نزول الرسالة في جزيرة العرب: أن أهل هذه البقعة من الأرض كانوا يؤمنون بالله ، ويعلمون أنه الخالق، ولكنهم حكموا غيرهم في حياتهم، واتخذوهم إليه شفعاء، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
ويقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
الذي يؤمن بالله ولكن عنده اضطراب في فهمه وقصور في إدراكه أقرب من الذي يؤمن بإله آخر، أو لا يؤمن بوجود إله أصلاً، ما كان في وقت البعثة النبوية على الأرض من يفقه هذه الحقائق إلا القليل، كان هناك على ظهر الأرض من يعبد النار وبوذا، والمسيح ﵇، وبقرة أو شجرة أو فأراً أو إلخ، كما هو واقع في الهند، لكن ربنا يعلمنا أن ندعو الأقرب فالأقرب، ندعو الذي يؤمن بوجود الله قبل الذي ينكر وجوده، ندعو الذي يعظم الله قبل الذي لا يعظمه، ندعو الذي يحب الدين ولكن لا يتبعه قبل الذي لا يحبه أصلاً.
ولست ضد دعوة اليهود والنصارى وأهل الأرض أجمعين، بل بالعكس، ولكن نبدأ بالأقرب فالأقرب، يعني: لا تترك جارك في السكن أو العمل أو النادي أو غيره دون دعوة وهو مسلم، وتتجه إلى دعوة غيره من غير المسلمين، لكن لو انتهيت من الدائرة التي حولك انتقل إلى الدائرة التي تليها، ولما تنتقل إلى الدائرة التي تليها ابحث عمن يحبون الإسلام، فهؤلاء أقرب إلى الدعوة من المعادين لدين الله .
стр. 40
صفات خلقية أهلت العرب لحمل رسالة الإسلام
الحكمة السادسة من نزول الرسالة في جزيرة العرب مع كل ما سبق من أجواء أخلاقية وأمراض اجتماعية في جزيرة العرب إلا أن المجتمع كان يتصف بصفات أصلية في فطرة ساكني هذه المنطقة، تساعد على حمل الدعوة ونشر الإسلام، نعم، كان عندهم ظلم وقهر لكن، كان عندهم صفات جبلوا عليها، وهذه الصفات لا بد أن تكون في كل داعية، ولولا هذه الصفات لما استطاعوا حمل رسالة الإسلام.
من هذه الصفات على سبيل المثال: الصدق، وهي أهم صفة مميزة للداعية، فالرسول ﷺ أهم صفة كانت مميزة له الصدق، فهو الصادق الأمين ﷺ ، وأكثر من ساعد الرسول ﷺ في دعوته أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، اسمه: الصديق، فصفة الصدق صفة أساسية في الذي يحمل هم هذا الدين.
وتفكر معي ماذا لو أنزلت الرسالة في بيئة من البيئات الكذب منتشر فيها؟ انظروا إلى فعل اليهود والنصارى بدينهم، يقول الله عنهم: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨] والإسلام يحول الكذاب إلى صادق، لكن ليس بالصورة التي فطر فيها الإنسان على الصدق.
فقد كان العرب يأنفون من الكذب، فيأتي الإسلام بعد ذلك ليحسن ويجمل ويعظم قيمة الصدق عند هؤلاء الصادقين، فيربط الأمر بالجنة، والصديقية عند الله .
فهذا أبو سفيان لما كان يتحدث مع هرقل عن أمر رسول الله ﷺ ، وكان هذا بعد صلح الحديبية، وكان لا يزال مشركاً يحارب الرسول ﷺ ، ومع ذلك قال أبو سفيان: كنت أنا أقربهم نسباً إلى رسول الله ﷺ ، فقال هرقل: أدنوه مني -أي قربوه- ثم قال: قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن النبي فإن كذبني فكذبوه، وبدأ يسأله ووضع أصحاب أبي سفيان وراءه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء أن يؤثروا علي كذباً لكذبت عمداً.
هو يكرهه جداً، لكن يستحي أن يكذب؛ لأنه رذيلة.
وفي لفظ آخر يقول: فوالله لو كذبت ما ردوا علي -لأنه سيد القوم- ولكني كنت امرأً أتكرم عن الكذب.
وكان الحوار الذي دار بينه وبين هرقل حواراً عجيباً، كأنه داعية يتكلم عن الإسلام، ويدعو إليه.
يقول له هرقل: كيف نسبه فيكم؟ يقول: هو فينا ذو نسب.
فيقول له: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما يقول؟ قلت: لا، قال هرقل: فهل يغدر؟ قلت: لا.
ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة، يعني: قوله: نحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، لاحتمال أن يغدر بنا، لكن هو قال: لم يغدر قبل ذلك، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا -مثل بدر- وننال منه -مثل أحد-.
قال: بماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.
لم يكذب، وكل الذي قاله الرسول ﵊ في حياته لخصه لـ هرقل؛ لأنه يكره الكذب.
فلما تنزل الرسالة على أناس بهذا التكريم لصفة الصدق سوف يتحركون بالرسالة بأمانة ويقولونها للناس مثلما نزلت عليهم بالضبط.
إذاً: هذه كانت صفة هامة في أهل الجزيرة العربية، ولم تكن موجودة في أهل الأرض في ذلك الزمن.
الصفة الثانية العظيمة في العرب لما نزلت فيهم الرسالة: صفة الكرم، وهي صفة أصيلة في العرب، كان حاتم الطائي يضرب به المثل في الكرم، وكان يعتق العبد إذا جاءه بضيف؛ لأنه يحب الكرم.
ومن العرب من لم تكن له إلا ناقة واحدة فيأتي له ضيف فيذبحها له كرماً منه، لدرجة أن العرب سموا العنب: كرماً؛ لأنهم يصنعون منه الخمر، ولما يشرب الرجل منهم الخمر ينفق بلا حساب، فمن حبهم الكرم سموا الخمر التي تؤدي إلى الإنفاق بدون حساب: كرماً.
فجاء الإسلام ليهذب هذه الصفة النبيلة، فلا يصل الأمر إلى حد الإسراف والسفه، وأيضاً لا يصل إلى حب الخمر؛ لأنها تدفع إلى الكرم، لكن حرم الله الخمر، ونهى رسول الله ﷺ عن تسمية العنب بالكرم، وقال: (إنما الكرم المؤمن).
تخيل أن الإسلام نزل ليقنن الكرم ويدخله في
следующие страницы →